← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6829

جلاء الأفهام - ت الأرنؤوط

ابن القيم

Полный текст (451 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إِلَّا إِلَى مُعظم من شَأْنه أَن غَيره يؤول إِلَيْهِ الْخَامِس أَن الْأَهْل تُضَاف إِلَى الظَّاهِر والمضمر والآل من النُّحَاة من منع إِضَافَته إِلَى الْمُضمر وَمن جوزها فَهِيَ شَاذَّة قَليلَة السَّادِس أَن الرجل حَيْثُ أضيف إِلَى آله دخل فِيهِ هُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ غَافِر ٤٦ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ آل عمرَان ٣٣ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلا آلَ لوط نجيناهم بِسحر﴾ الْقَمَر ٣٤ وَقَول النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى) وَهَذَا إِذا لم يذكر مَعَه من أضيف إِلَيْهِ الْآل وَأما إِذا ذكر مَعَه فقد يُقَال ذكر مُفردا وداخلاً فِي الْآل وَقد يُقَال ذكره مُفردا أغْنى عَن ذكره مُضَافا والأهل بِخِلَاف ذَلِك فَإِذا قلت جَاءَ أهل زيد لم يدْخل فيهم وَقيل بل أَصله أول وَذكره صَاحب الصِّحَاح فِي بَاب الْهمزَة وَالْوَاو وَاللَّام قَالَ وَآل الرجل أَهله وَعِيَاله وَآله أَيْضا أَتْبَاعه وَهُوَ عِنْد هَؤُلَاءِ مُشْتَقّ من آل يؤول إِذا رَجَعَ فآل الرجل هم الَّذين يرجعُونَ إِلَيْهِ ويضافون إِلَيْهِ ويؤولهم أَي يسوسهم فَيكون مآلهم إِلَيْهِ وَمِنْه الإيالة وَهِي السياسة فآل الرجل هم الَّذين يسوسهم ويؤولهم وَنَفسه أَحَق بذلك من غَيره فَهُوَ أَحَق بِالدُّخُولِ فِي آله وَلَكِن لَا يُقَال إِنَّه مُخْتَصّ بآله بل هُوَ دَاخل فيهم وَهَذِه الْمَادَّة مَوْضُوعَة لأصل

стр. 177

الشَّيْء وَحَقِيقَته وَلِهَذَا سمي حَقِيقَة الشَّيْء تَأْوِيله لِأَنَّهَا حَقِيقَته الَّتِي يرجع إِلَيْهَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ الْأَعْرَاف ٥٣ فَتَأْوِيل مَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل هُوَ مَجِيء حَقِيقَته ورؤيتها عيَانًا وَمِنْه تَأْوِيل الرُّؤْيَا وَهُوَ حَقِيقَتهَا عيَانًا وَمِنْه تَأْوِيل الرُّؤْيَا الخارجية الَّتِي ضربت للرائي فِي عَالم الْمِثَال وَمِنْه التَّأْوِيل بِمَعْنى الْعَاقِبَة كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ النِّسَاء ٥٩ قيل أحسن عَاقِبَة فَإِن عواقب الْأُمُور هِيَ حقائقها الَّتِي تؤول إِلَيْهَا وَمِنْه التَّأْوِيل بِمَعْنى التَّفْسِير لِأَن تَفْسِير الْكَلَام هُوَ بَيَان مَعْنَاهُ وَحَقِيقَته الَّتِي يُرَاد مِنْهُ قَالُوا وَمِنْه الأول لِأَنَّهُ أصل الْعدَد ومبناه الَّذِي يتَفَرَّع مِنْهُ وَمِنْه الْآل بِمَعْنى الشَّخْص نَفسه قَالَ أَصْحَاب هَذَا القَوْل والتزمت الْعَرَب إِضَافَته فَلَا يسْتَعْمل مُفردا إِلَّا فِي نَادِر الْكَلَام كَقَوْل الشَّاعِر (نَحن آل الله فِي بَلْدَتنَا ... لم نزل آلاً على عهد إرم) والتزموا أَيْضا إِضَافَته إِلَى الظَّاهِر فَلَا يُضَاف إِلَى مُضْمر إِلَّا قَلِيلا وعد بعض النُّحَاة إِضَافَته إِلَى الْمُضمر لحناً كَمَا قَالَ أَبُو عبد الله بن مَالك وَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ بلحن بل هُوَ من كَلَام الْعَرَب لكنه قَلِيل وَمِنْه قَول الشَّاعِر (أَنا الْفَارِس الحامي وَالِدي ... وآلي فَمَا يحمي حَقِيقَة آلكا)

стр. 178

وَقَالَ عبد الْمطلب فِي الْفِيل وَأَصْحَابه (وانصر على آل الصلي ... ب وعابديه الْيَوْم آلك) فأضافه إِلَى الْيَاء وَالْكَاف وَزعم بعض النُّحَاة أَنه لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى علم من يعقل وَهَذَا الَّذِي قَالَه هُوَ الْأَكْثَر وَقد جَاءَت إِضَافَته إِلَى غير من يعقل قَالَ الشَّاعِر (نجوت وَلم يمنن عَليّ طَلَاقه ... سوى ربد التَّقْرِيب من آل أعوجا) وأعوج علم فرس قَالُوا وَمن أَحْكَامه أَيْضا أَنه لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى متبوع مُعظم فَلَا يُقَال آل الحائك وَلَا آل الْحجام وَلَا آل رجل وَأما مَعْنَاهُ فَقَالَت طَائِفَة يُقَال آل الرجل لَهُ نَفسه وَآل الرجل لمن يتبعهُ وَآله لأَهله وأقاربه فَمن الأول قَول النَّبِي ﷺ لما جَاءَهُ أَبُو أوفى بِصَدَقَتِهِ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى وَقَوله تَعَالَى ﴿سَلام على إل ياسين﴾ الصافات ١٣٠ وَقَوله ﷺ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم فآل إِبْرَاهِيم هُوَ إِبْرَاهِيم لِأَن الصَّلَاة الْمَطْلُوبَة للنَّبِي ﷺ هِيَ الصَّلَاة على إِبْرَاهِيم نَفسه وَآله تبع لَهُ فِيهَا ونازعهم فِي ذَلِك آخَرُونَ وَقَالُوا لَا يكون الْآل إِلَّا الأتباع والأقارب وَمَا ذكرتموه من الْأَدِلَّة فَالْمُرَاد بهَا الْأَقَارِب وَقَوله

стр. 179

كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم آل إِبْرَاهِيم هُنَا هم الْأَنْبِيَاء وَالْمَطْلُوب من الله سُبْحَانَهُ أَن يُصَلِّي على رَسُوله ﷺ كَمَا صلى على جَمِيع الْأَنْبِيَاء من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم لَا إِبْرَاهِيم وَحده كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي بعض الْأَلْفَاظ من قَوْله على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿سَلامٌ على إل ياسين﴾ الصافات ١٣٠ فَهَذِهِ فِيهَا قراءتان إِحْدَاهمَا إلياسين بِوَزْن إِسْمَاعِيل وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا أَنه اسْم ثَان للنَّبِي إلْيَاس وإلياسين كميكال وَمِيكَائِيل وَالْوَجْه الثَّانِي أَنه جمع وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا أَنه جمع إلْيَاس وَأَصله إلياسيين بيائين كعبرانيين ثمَّ خففت إِحْدَى اليائين فَقيل إلياسين وَالْمرَاد أَتْبَاعه كَمَا حكى سِيبَوَيْهٍ الأشعرون وَمثله الأعجمون وَالثَّانِي أَنه جمع إلْيَاس مَحْذُوف الْيَاء وَالْقِرَاءَة الثَّانِيَة ﴿سَلام على إل ياسين﴾ وَفِيه أوجه أَحدهَا أَن ياسين أسم لِأَبِيهِ فأضيف إِلَيْهِ الْآل كَمَا يُقَال آل إِبْرَاهِيم وَالثَّانِي أَن آل ياسين هُوَ إلْيَاس نَفسه فَيكون آل مُضَافَة إِلَى يس وَالْمرَاد بالآل يس نَفسه كَمَا ذكر الْأَولونَ

стр. 180

وَالثَّالِث أَنه على حذف يَاء النّسَب فَيُقَال يس وَأَصله ياسيين كَمَا تقدم وآلهم أتباعهم على دينهم وَالرَّابِع أَن يس هُوَ الْقُرْآن وَآله هم أهل الْقُرْآن وَالْخَامِس أَنه النَّبِي ﷺ وَآله أَقَاربه وَأَتْبَاعه كَمَا سَيَأْتِي وَهَذِه الْأَقْوَال كلهَا ضَعِيفَة وَالَّذِي حمل قَائِلهَا عَلَيْهَا استشكالهم إِضَافَة آل إِلَى يس واسْمه إلْيَاس وإلياسين ورأوها فِي الْمُصحف مفصولة وَقد قَرَأَهَا بعض الْقُرَّاء آل ياسين فَقَالَ طَائِفَة مِنْهُم لَهُ أَسمَاء يس وإلياسين وإلياس وَقَالَت طَائِفَة يس اسْم لغيره ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ الْكَلْبِيّ يس مُحَمَّد ﷺ سلم الله على آله وَقَالَت طَائِفَة هُوَ الْقُرْآن وَهَذَا كُله تعسف ظَاهر لَا حَاجَة إِلَيْهِ وَالصَّوَاب وَالله أعلم فِي ذَلِك أَن أصل الْكَلِمَة آل ياسين كآل إِبْرَاهِيم فحذفت الْألف وَاللَّام من أَوله لِاجْتِمَاع الْأَمْثَال وَدلَالَة الِاسْم على مَوضِع الْمَحْذُوف وَهَذَا كثير فِي كَلَامهم إِذا اجْتمعت الْأَمْثَال كَرهُوا النُّطْق بهَا كلهَا فحذفوا مِنْهَا مَا لَا إلباس فِي حذفه وَإِن كَانُوا لَا يحذفونه فِي مَوضِع لَا تَجْتَمِع فِيهِ الْأَمْثَال وَلِهَذَا لَا يحذفون النُّون من إِنِّي وَأَنِّي وَكَأَنِّي وَلَكِنِّي وَلَا يحذفونها من لَيْتَني وَلما كَانَت اللَّام فِي لَعَلَّ شَبيهَة بالنُّون حذفوا النُّون مَعهَا وَلَا سِيمَا عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَالهَا للاسم الأعجمي وتغييرها لَهُ فَيَقُولُونَ مرّة إلياسين وَمرَّة إلْيَاس وَمرَّة ياسين وَرُبمَا قَالُوا ياس وَيكون على إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْن قد وَقع على الْمُسلم عَلَيْهِ وعَلى الْقِرَاءَة الْأُخْرَى على آله

стр. 181

وعَلى هَذَا ففصل النزاع بَين أَصْحَاب الْقَوْلَيْنِ فِي الْآل أَن الْآل إِن أفرد دخل فِيهِ الْمُضَاف إِلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ غَافِر ٤٦ وَلَا ريب فِي دُخُوله فِي آله هُنَا وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ الْأَعْرَاف ١٣٠ ونظائره وَقَول النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى وَلَا ريب فِي دُخُول أبي أوفى نَفسه فِي ذَلِك وَقَوله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم هَذِه أَكثر رِوَايَات البُخَارِيّ وَإِبْرَاهِيم هُنَا دَاخل فِي آله وَلَعَلَّ هَذَا مُرَاد من قَالَ آل الرجل نَفسه وَأما إِن ذكر الرجل ثمَّ ذكر آله لم يدْخل فيهم فَفرق بَين الْمُجَرّد والمقرون فَإِذا قلت أعْط لزيد وَآل زيد لم يكن زيد هُنَا دَاخِلا فِي آله وَإِذا قلت أعْطه لآل زيد تنَاول زيدا وَآله وَهَذَا لَهُ نَظَائِر كَثِيرَة قد ذَكرنَاهَا فِي غير هَذَا الْموضع وَهِي أَن اللَّفْظ تخْتَلف دلَالَته بالتجريد والاقتران كالفقير والمسكين هما صنفان إِذا قرن بَينهمَا وصنف وَاحِد إِذا أفرد كل مِنْهُمَا وَلِهَذَا كَانَا فِي الزَّكَاة صنفين وَفِي الْكَفَّارَات صنف وَاحِد وكالإيمان وَالْإِسْلَام وَالْبر وَالتَّقوى والفحشاء وَالْمُنكر والفسوق والعصيان ونظائر ذَلِك كَثِيرَة وَلَا سِيمَا فِي الْقُرْآن

стр. 182

فصل وَاخْتلف فِي آل النَّبِي ﷺ على أَرْبَعَة أَقْوَال فَقيل هم الَّذين حرمت عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَفِيهِمْ ثَلَاثَة أَقْوَال للْعُلَمَاء أَحدهَا أَنهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة عَنهُ وَالثَّانِي أَنهم بَنو هَاشم خَاصَّة وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد وَاخْتِيَار ابْن الْقَاسِم صَاحب مَالك وَالثَّالِث أَنهم بَنو هَاشم وَمن فَوْقهم إِلَى غَالب فَيدْخل فيهم بَنو الْمطلب وَبَنُو أُميَّة وَبَنُو نَوْفَل وَمن فَوْقهم إِلَى بني غَالب وَهَذَا اخْتِيَار أَشهب من أَصْحَاب مَالك حَكَاهُ صَاحب = الْجَوَاهِر = عَنهُ وَحَكَاهُ اللَّخْمِيّ فِي التَّبْصِرَة عَن أصبغ وَلم يحكه عَن أَشهب وَهَذَا القَوْل فِي الْآل أَعنِي أَنهم الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة هُوَ مَنْصُوص الشَّافِعِي وَأحمد والأكثرين وَهُوَ اخْتِيَار جُمْهُور أَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَالْقَوْل الثَّانِي أَن آل النَّبِي ﷺ هم ذُريَّته وأزواجه خَاصَّة حَكَاهُ ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد قَالَ فِي

стр. 183

بَاب عبد الله بن أبي بكر فِي شرح حَدِيث أبي أَحْمد حميد السَّاعِدِيّ اسْتدلَّ قوم بِهَذَا الحَدِيث على أَن آل مُحَمَّد هم وأزواجه وَذريته خَاصَّة لقَوْله فِي حَدِيث مَالك عَن نعيم المجمر وَفِي غير مَا حَدِيث اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَفِي هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث أبي حميد اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وأزواجه وَذريته قَالُوا فَهَذَا تَفْسِير ذَلِك الحَدِيث وَيبين أَن آل مُحَمَّد هم أَزوَاجه وَذريته قَالُوا فَجَائِز أَن يَقُول الرجل لكل من كَانَ من أَزوَاج مُحَمَّد ﷺ وَمن ذُريَّته صلى الله عَلَيْك إِذا واجهه وَصلى الله عَلَيْهِ إِذا غَابَ عَنهُ وَلَا يجوز ذَلِك فِي غَيرهم قَالُوا والآل والأهل سَوَاء وَآل الرجل وَأَهله سَوَاء وهم الْأزْوَاج والذرية بِدَلِيل هَذَا الحَدِيث وَالْقَوْل الثَّالِث أَن آله ﷺ أَتْبَاعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة حَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن بعض أهل الْعلم وأقدم من رُوِيَ عَنهُ هَذَا القَوْل جَابر بن عبد الله ﵄ ذكره الْبَيْهَقِيّ عَنهُ وَرَوَاهُ عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره وَاخْتَارَهُ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي حَكَاهُ عَنهُ أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ فِي تعليقة وَرجحه الشَّيْخ محيي الدّين النواوي فِي شرح مُسلم وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِي وَالْقَوْل الرَّابِع أَن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته حَكَاهُ القَاضِي حُسَيْن والراغب وَجَمَاعَة

стр. 184

فصل فِي ذكر حجج هَذِه الْأَقْوَال وتبيين مَا فِيهَا من الصَّحِيح والضعيف فَأَما القَوْل الأول وَهُوَ أَن الْآل من تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة على مَا فيهم من الِاخْتِلَاف فحجته من وُجُوه أَحدهَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يُؤْتى بِالنَّخْلِ عِنْد صرامه فَيَجِيء هَذَا بتمرة وَهَذَا بتمرة حَتَّى يصير عِنْده كوم من تمر فَجعل الْحسن وَالْحُسَيْن يلعبان بذلك التَّمْر فَأخذ أَحدهمَا تَمْرَة فَجَعلهَا فِي فِيهِ فَنظر إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فأخرجها من فِيهِ فَقَالَ أما علمت أَن آل مُحَمَّد لَا يَأْكُلُون الصَّدَقَة وَرَوَاهُ مُسلم وَقَالَ إِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة الثَّانِي مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن زيد بن أَرقم قَالَ قَامَ رَسُول الله ﷺ يَوْمًا خَطِيبًا فِينَا بِمَاء يدعى خماً بَين مَكَّة

стр. 185

وَالْمَدينَة فَحَمدَ الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر وَوعظ ثمَّ قَالَ أما بعد أَلا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا أَنا بشر يُوشك أَن يأتيني رَسُول رَبِّي وَإِنِّي تَارِك فِيكُم ثقلين أَولهمَا كتاب الله فِيهِ الْهدى والنور فَخُذُوا بِكِتَاب الله واستمسكوا بِهِ فَحَث على كتاب الله وَرغب فِيهِ وَقَالَ وَأهل بَيْتِي أذكركم الله فِي أهل بَيْتِي أذكركم الله فِي أهل بَيْتِي فَقَالَ حُصَيْن بن سُبْرَة وَمن أهل بَيته يَا زيد أَلَيْسَ نساؤه من أهل بَيته قَالَ إِن نِسَاءَهُ من أهل بَيته وَلَكِن أهل بَيته من حرم الصَّدَقَة بعده قَالَ وَمن هم قَالَ هم آل عَليّ وَآل عقيل وَآل جَعْفَر وَآل عَبَّاس قَالَ أكل هَؤُلَاءِ حرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة قَالَ نعم وَقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد الدَّلِيل الثَّالِث مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ أَن فَاطِمَة ﵂ أرْسلت إِلَى أبي بكر تسأله مِيرَاثهَا من النَّبِي ﷺ مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ أَن رَسُول الله قَالَ لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد من هَذَا المَال يَعْنِي مَال الله لَيْسَ لَهُم أَن يزِيدُوا على المأكل فآله ﷺ لَهُم خَواص مِنْهَا حرمَان الصَّدَقَة وَمِنْهَا أَنهم

стр. 186

لَا يرثونه وَمِنْهَا استحقاقهم خمس الْخمس وَمِنْهَا اختصاصهم بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِم وَقد ثَبت أَن تَحْرِيم الصَّدَقَة وَاسْتِحْقَاق خمس الْخمس وَعدم توريثهم مُخْتَصّ بِبَعْض أَقَاربه ﷺ فَكَذَلِك الصَّلَاة على آله الدَّلِيل الرَّابِع مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن شهَاب عَن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل الْهَاشِمِي أَن عبد الْمطلب بن ربيعَة أخبرهُ أَن أَبَاهُ ربيعَة بن الْحَارِث قَالَ لعبد الْمطلب بن ربيعَة وللفضل بن الْعَبَّاس ﵄ ائتيا رَسُول الله ﷺ فقولا لَهُ استعملنا يَا رَسُول الله على الصَّدقَات فَذكر الحَدِيث وَفِيه فَقَالَ لنا إِن هَذِه الصَّدقَات إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس وَإِنَّهَا لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد الدَّلِيل الْخَامِس مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ أَمر بكبش أقرن يطَأ فِي سَواد ويبرك فِي سَواد وَينظر فِي سَواد فَذكر الحَدِيث وَقَالَ فِيهِ فَأخذ النَّبِي ﷺ الْكَبْش فأضجعه ثمَّ ذبحه ثمَّ قَالَ بِسم الله اللَّهُمَّ تقبل من مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَمن أمة مُحَمَّد ثمَّ ضحى بِهِ

стр. 187

هَكَذَا رَوَاهُ مُسلم بِتَمَامِهِ وَحَقِيقَة الْعَطف الْمُغَايرَة وَأمته ﷺ أَعم من آله قَالَ أَصْحَاب هَذَا القَوْل وَتَفْسِير الْآل بِكَلَام النَّبِي ﷺ أولى من تَفْسِيره بِكَلَام غَيره

стр. 188

فصل وَأما القَوْل الثَّانِي أَنهم ذُريَّته وأزواجه خَاصَّة فقد تقدم احتجاج ابْن عبد الْبر لَهُ فِي حَدِيث أبي حميد اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وأزواجه وَذريته وَفِي غَيره من الْأَحَادِيث اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَهَذَا غَايَته أَن يكون الأول مِنْهُمَا قد فسره اللَّفْظ الآخر وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا وَمَعْلُوم أَن هَذِه الدعْوَة المستجابة لم تنَلْ كل بني هَاشم وَلَا بني الْمطلب لِأَنَّهُ كَانَ فيهم الْأَغْنِيَاء وَأَصْحَاب الْجدّة وَإِلَى الْآن وَأما أَزوَاجه وَذريته ﷺ فَكَانَ رزقهم قوتاً وَمَا كَانَ يحصل لأزواجه بعده من الْأَمْوَال كن يتصدقن بِهِ ويجعلن رزقهن قوتاً وَقد جَاءَ عَائِشَة ﵂ مَال عَظِيم فقسمته كُله فِي قعدة وَاحِدَة فَقَالَت لَهَا الْجَارِيَة لَو خبأت لنا درهما نشتري بِهِ لَحْمًا فَقَالَت لَهَا لَو ذَكرتني فعلت

стр. 189

وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت مَا شبع آل مُحَمَّد ﷺ من خبز مأدوم ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى لحق بِاللَّه قَالُوا وَمَعْلُوم أَن الْعَبَّاس وَأَوْلَاده وَبني الْمطلب لم يدخلُوا فِي لفظ عَائِشَة وَلَا مرادها قَالَ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا دخل الْأزْوَاج فِي الْآل وخصوصاً أَزوَاج النَّبِي ﷺ تَشْبِيها لذَلِك بِالسَّبَبِ لِأَن اتصالهن بِالنَّبِيِّ ﷺ غير مُرْتَفع وَهن مُحرمَات على غَيره فِي حَيَاته وَبعد مماته وَهن زَوْجَاته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فالسبب الَّذِي لَهُنَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَائِم مقَام النّسَب وَقد نَص ﷺ على الصَّلَاة عَلَيْهِنَّ وَلِهَذَا كَانَ القَوْل الصَّحِيح وَهُوَ مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد ﵀ إِن الصَّدَقَة تحرم عَلَيْهِم لِأَنَّهَا أوساخ النَّاس وَقد صان الله سُبْحَانَهُ ذَلِك الجناب الرفيع وَآله من كل أوساخ بني آدم وَيَا لله الْعجب كَيفَ يدْخل أَزوَاجه فِي قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا وَقَوله فِي الْأُضْحِية اللَّهُمَّ هَذَا عَن مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَفِي قَول عَائِشَة ﵂ مَا شبع آل رَسُول الله ﷺ من خبز بر وَفِي قَول الْمُصَلِّي اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل

стр. 190

مُحَمَّد وَلَا يدخلن فِي قَوْله إِن الصَّدَقَة لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد مَعَ كَونهَا من أوساخ النَّاس فأزواج رَسُول الله ﷺ أولى بالصيانة عَنْهَا والبعد مِنْهَا فَإِن قيل لَو كَانَت الصَّدَقَة حَرَامًا عَلَيْهِم لحرمت على مواليهن كَمَا أَنَّهَا لما حرمت على بني هَاشم حرمت على مواليهم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن بَرِيرَة تصدق عَلَيْهَا بِلَحْم فأكلته وَلم يحرمه النَّبِي ﷺ وَهِي مولاة لعَائِشَة ﵂ قيل هَذَا هُوَ شُبْهَة من أَبَاحَهَا لِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ وَجَوَاب هَذِه الشُّبْهَة أَن تَحْرِيم الصَّدَقَة على أَزوَاج النَّبِي ﷺ لَيْسَ بطرِيق الْأَصَالَة وَإِنَّمَا هُوَ تبع لتحريمها عَلَيْهِ ﷺ وَإِلَّا فالصدقة حَلَال لَهُنَّ قبل اتصالهن بِهِ فهن فرع فِي هَذَا التَّحْرِيم وَالتَّحْرِيم على الْمولى فرع التَّحْرِيم على سَيّده فَلَمَّا كَانَ التَّحْرِيم على بني هَاشم أصلا استتبع ذَلِك مواليهم وَلما كَانَ التَّحْرِيم على أَزوَاج النَّبِي ﷺ تبعا لم يقو ذَلِك على استتباع مواليهن لِأَنَّهُ فرع عَن فرع قَالُوا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا﴾

стр. 191

مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله وَالْحكمَة) الْأَحْزَاب ٣٠ ٣٤ فدخلن فِي أهل الْبَيْت لِأَن هَذَا الْخطاب كُله فِي سِيَاق ذكرهن فَلَا يجوز إخراجهن فِي شَيْء مِنْهُ

стр. 192

فصل وَأما القَوْل الثَّالِث وَهُوَ أَن آل النَّبِي ﷺ أمته وَأَتْبَاعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فقد احْتج لَهُ بِأَن آل الْمُعظم الْمَتْبُوع هم أَتْبَاعه على دينه وَأمره قريبهم وبعيدهم قَالُوا واشتقاق هَذِه اللَّفْظَة تدل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ من آل يؤول إِذا رَجَعَ ومرجع الأتباع إِلَى متبوعهم لِأَنَّهُ إمَامهمْ وموئلهم قَالُوا وَلِهَذَا كَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا آلَ لوط نجيناهم بِسحر﴾ الْقَمَر ٣٤ المُرَاد بِهِ أَتْبَاعه وشيعته الْمُؤْمِنُونَ بِهِ من أَقَاربه وَغَيرهم وَقَوله تَعَالَى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ غَافِر ٤٦ المُرَاد بِهِ أَتْبَاعه وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع روى أَن النَّبِي ﷺ دَعَا حسنا وَحسَيْنا فأجلس كل وَاحِد مِنْهُمَا على فَخذه وَأدنى فَاطِمَة ﵂ من حجره وَزوجهَا ثمَّ لف عَلَيْهِم ثَوْبه ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهلِي قَالَ وَاثِلَة فَقلت يَا رَسُول الله وَأَنا من

стр. 193

أهلك فَقَالَ وَأَنت من أَهلِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ // بِإِسْنَاد جيد // قَالُوا وَمَعْلُوم أَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع من بني لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة وَإِنَّمَا هُوَ من أَتبَاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 194

فصل وَأما أَصْحَاب القَوْل الرَّابِع أَن آله الأتقياء من أمته فاحتجوا بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه عَن جَعْفَر بن إلْيَاس بن صَدَقَة حَدثنَا نعيم بن حَمَّاد حَدثنَا نوح بن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ من آل مُحَمَّد فَقَالَ كل تَقِيّ وتلا رَسُول الله ﷺ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا المتقون﴾ الْأَنْفَال ٣٨ قَالَ الطَّبَرَانِيّ لم يروه عَن يحيى إِلَّا نوح تفرد بِهِ نعيم وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا نَافِع أَبُو هُرْمُز عَن أنس فَذكره ونوح هَذَا وَنَافِع لَا يحْتَج بهما أحد من أهل الْعلم وَقد رميا بِالْكَذِبِ وَاحْتج لهَذَا القَوْل أَيْضا بِأَن الله قَالَ لنوح عَن ابْنه ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ هود ٤٦ فَأخْرجهُ بشركه أَن يكون من أَهله فَعلم أَن آل الرَّسُول ﷺ هم أَتْبَاعه وَأجَاب عَنهُ الشَّافِعِي ﵀ بِجَوَاب جيد وَهُوَ أَن

стр. 195

المُرَاد أَنه لَيْسَ من أهلك الَّذين أمرنَا بحملهم ووعدناك نجاتهم لِأَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ لَهُ قبل ذَلِك ﴿احْمِلْ فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْل﴾ هود ٤٠ فَلَيْسَ ابْنه من أَهله الَّذين ضمن نجاتهم قلت وَيدل على صِحَة هَذَا أَن سِيَاق الْآيَة يدل على أَن الْمُؤمنِينَ بِهِ قسم غير أَهله الَّذين هم أَهله لِأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمن آمن﴾ فَمن آمن مَعْطُوف على الْمَفْعُول بِالْحملِ وهم الْأَهْل والاثنان من كل زَوْجَيْنِ وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع الْمُتَقَدّم قَالُوا وَتَخْصِيص وَاثِلَة بذلك أقرب من تَعْمِيم الْأمة بِهِ وَكَأَنَّهُ جعل وَاثِلَة فِي حكم الْأَهْل تَشْبِيها بِمن يسْتَحق هَذَا الِاسْم فَهَذَا مَا احْتج بِهِ أَصْحَاب كل قَول من هَذِه الْأَقْوَال وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الأول ويليه القَوْل الثَّانِي وَأما الثَّالِث وَالرَّابِع فضعيفان لِأَن النَّبِي ﷺ قد رفع الشُّبْهَة بقوله إِن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد وَقَوله إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد من هَذَا المَال وَقَوله اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتاً وَهَذَا لَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ عُمُوم الْأمة قطعا فَأولى مَا حمل عَلَيْهِ الْآل فِي الصَّلَاة الْآل المذكورون فِي سَائِر أَلْفَاظه وَلَا يجوز الْعُدُول عَن ذَلِك وَأما تنصيصه على الْأزْوَاج والذرية فَلَا يدل على اخْتِصَاص الْآل بهم بل هُوَ حجَّة على عدم الِاخْتِصَاص بهم لما روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث نعيم المجمر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ فِي

стр. 196

الصَّلَاة عَليّ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وأزواجه أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَذريته وَأهل بَيته كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم فَجمع بَين الْأزْوَاج والذرية والأهل وَإِنَّمَا نَص عَلَيْهِم بتعيينهم ليبين أَنهم حقيقيون بِالدُّخُولِ فِي الْآل وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِخَارِجِينَ مِنْهُ بل هم أَحَق من دخل فِيهِ وَهَذَا كنظائره من عطف الْخَاص على الْعَام وَعَكسه تَنْبِيها على شرفه وتخصيصاً لَهُ بِالذكر من بَين النَّوْع لِأَنَّهُ من أَحَق أَفْرَاد النَّوْع بِالدُّخُولِ فِيهِ وَهنا للنَّاس طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَن ذكر الْخَاص قبل الْعَام أَو بعده قرينَة تدل على أَن المُرَاد بِهِ بِالْعَام مَا عداهُ وَالطَّرِيق الثَّانِي أَن الْخَاص ذكر مرَّتَيْنِ مرّة بِخُصُوصِهِ وَمرَّة بشمول الِاسْم الْعَام لَهُ تَنْبِيها على مزِيد شرفه وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الْأَحْزَاب ٧ وَقَوله تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ الْبَقَرَة ٩٨ وَأَيْضًا فَإِن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ حق لَهُ ولآله دون سَائِر الْأمة وَلِهَذَا تجب عَلَيْهِ وعَلى آله عِنْد الشَّافِعِي ﵀ وَغَيره كَمَا سَيَأْتِي وَإِن كَانَ عِنْدهم فِي الْآل اخْتِلَاف وَمن لم يُوجِبهَا فَلَا ريب أَنه يستحبها عَلَيْهِ وعَلى آله ويكرهها أَو لَا يستحبها لسَائِر الْمُؤمنِينَ أَو لَا يجوزها على غير النَّبِي ﷺ وَآله فَمن قَالَ إِن آله فِي الصَّلَاة كل الْأمة فقد أبعد غَايَة الإبعاد

стр. 197

وَأَيْضًا فَإِن النَّبِي ﷺ شرع فِي التَّشَهُّد السَّلَام وَالصَّلَاة فشرع فِي السَّلَام تَسْلِيم الْمُصَلِّي على الرَّسُول ﷺ أَولا وعَلى نَفسه ثَانِيًا وعَلى سَائِر عباد الله الصَّالِحين ثَالِثا وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فَإِذا قُلْتُمْ ذَلِك فقد سلمتم على كل عبد لله صَالح فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَأما الصَّلَاة فَلم يشرعها إِلَّا عَلَيْهِ وعَلى آله فَقَط فَدلَّ على أَن آله هم أَهله وأقاربه وَأَيْضًا فَإِن الله سُبْحَانَهُ أمرنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بعد ذكر حُقُوقه وَمَا خصّه بِهِ دون أمته من حل نِكَاحه لمن تهب نَفسهَا لَهُ وَمن تَحْرِيم نِكَاح أَزوَاجه على الْأمة بعده وَمن سَائِر مَا ذكر مَعَ ذَلِك من حُقُوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُول الله وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ الْأَحْزَاب ٥٣ ثمَّ ذكر رفع الْجنَاح عَن أَزوَاجه فِي تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عَلَيْهِنَّ وخلوتهم بِهن ثمَّ عقب ذَلِك بِمَا هُوَ حق من حُقُوقه الأكيدة على أمته وَهُوَ أَمرهم بصلاتهم عَلَيْهِ وسلامهم مستفتحاً ذَلِك الْأَمر بإخباره بِأَنَّهُ هُوَ وَمَلَائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ فَسَأَلَ الصَّحَابَة رَسُول الله ﷺ على أَي صفة يؤدون هَذَا الْحق فَقَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد فَالصَّلَاة على آله هِيَ من تَمام الصَّلَاة عَلَيْهِ وتوابعها لِأَن ذَلِك

стр. 198

مِمَّا تقر بِهِ عينه ويزيده الله بِهِ شرفاً وعلواً صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا وَأما من قَالَ إِنَّهُم الأتقياء من أمته فَهَؤُلَاءِ هم أولياؤه فَمن كَانَ مِنْهُم من أقربائه فَهُوَ من أوليائه وَمن لم يكن مِنْهُم من أقربائه فهم من أوليائه لَا من آله فقد يكون الرجل من آله وأوليائه كَأَهل بَيته وَالْمُؤمنِينَ بِهِ من أَقَاربه وَلَا يكون من آله وَلَا من أوليائه وَقد يكون من أوليائه وَإِن لم يكن من آله كخلفائه فِي أمته الداعين إِلَى سنته الذابين عَنهُ الناصرين لدينِهِ وَإِن لم يكن من أَقَاربه وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن آل أبي فلَان لَيْسُوا لي بأولياء إِن أوليائي المتقون أَيْن كَانُوا وَمن كَانُوا وَغلط بعض الروَاة فِي هَذَا الحَدِيث وَقَالَ إِن آل أبي بَيَاض وَالَّذِي غر هَذَا أَن فِي الصَّحِيح إِن آل أبي لَيْسُوا لي بأولياء وأخلى بَيَاضًا بَين أبي وَبَين لَيْسُوا فجَاء بعض النساخ فَكتب على ذَلِك الْموضع بَيَاض يَعْنِي أَنه كَذَا وَقع فجَاء آخر فَظن أَن بَيَاض هُوَ الْمُضَاف إِلَيْهِ فَقَالَ أبي بَيَاض وَلَا يعرف فِي الْعَرَب أَبُو بَيَاض وَالنَّبِيّ ﷺ لم يذكر ذَلِك وَإِنَّمَا سمى قَبيلَة كَبِيرَة من قبائل قُرَيْش وَالصَّوَاب لمن قَرَأَهَا فِي ذَلِك النّسخ أَن يَقْرَأها إِن آل

стр. 199

أبي بَيَاض بِضَم الضَّاد من بَيَاض لَا بجرها وَالْمعْنَى وَثمّ بَيَاض أَو هُنَا بَيَاض وَنَظِير هَذَا مَا وَقع فِي كتاب مُسلم فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل وَنحن يَوْم الْقِيَامَة أَي فَوق كَذَا انْظُر وَهَذِه الْأَلْفَاظ لَا معنى لَهَا هُنَا أصلا وَإِنَّمَا هِيَ من تَخْلِيط النساخ والْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد والسياق فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد وَنحن يَوْم الْقِيَامَة على كوم أَو تل فَوق النَّاس فَاشْتَبَهَ على النَّاسِخ التل أَو الكوم وَلم يفهم مَا المُرَاد فَكتب على الْهَامِش انْظُر وَكتب هُوَ أَو غَيره كَذَا فجَاء آخر فَجمع بَين ذَلِك كُله وَأدْخلهُ فِي متن الحَدِيث سمعته من شَيخنَا أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية ﵀ وَالْمَقْصُود أَن الْمُتَّقِينَ هم أَوْلِيَاء رَسُول الله ﷺ وأولياؤه هم أحب إِلَيْهِ من آله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظهير﴾ التَّحْرِيم ٤ وَسُئِلَ النَّبِي ﷺ أَي النَّاس أحب إِلَيْك قَالَ عَائِشَة

стр. 200

رَضِي الله عَنْهَا قيل من الرِّجَال قَالَ أَبوهَا ﵁ // مُتَّفق عَلَيْهِ // وَذَلِكَ أَن الْمُتَّقِينَ هم أَوْلِيَاء الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يُونُس ٦٢ ٦٣ وأولياء الله أَوْلِيَاء لرَسُوله ﷺ وَأما من زعم أَن الْآل هم الأتباع فَيُقَال لَا ريب أَن الأتباع يُطلق عَلَيْهِم لفظ الْآل فِي بعض الْمَوَاضِع بِقَرِينَة وَلَا يلْزم من ذَلِك أَنه حَيْثُ وَقع لفظ الْآل يُرَاد بِهِ الأتباع لما ذكرنَا من النُّصُوص وَالله أعلم

стр. 201

فصل وَأما الْأزْوَاج فَجمع زوج وَقد يُقَال زَوْجَة وَالْأول أفْصح وَبهَا جَاءَ الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى ﴿يَا آدم اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الْبَقَرَة ٣٥ وَقَالَ تَعَالَى فِي حق زَكَرِيَّا ﵇ ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَه﴾ الْأَنْبِيَاء ٩٠ وَمن الثَّانِي قَول ابْن عَبَّاس ﵄ فِي عَائِشَة ﵂ إِنَّهَا زَوْجَة نَبِيكُم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ الفرزدق (وَإِن الَّذِي يَبْغِي ليفسد زَوْجَتي ... كساع إِلَى أَسد الشرى يستبيلها) وَقد يجمع على زَوْجَات وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ جمع زَوْجَة وَإِلَّا فَجمع زوج أَزوَاج قَالَ تَعَالَى ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ يّس ٥٦

стр. 202

وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ الزخرف ٧٠ وَقد وَقع فِي الْقُرْآن الْإِخْبَار عَن أهل الْإِيمَان بِلَفْظ الزَّوْج مُفردا وجمعاً كَمَا تقدم وَقَالَ تَعَالَى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ الْأَحْزَاب ٦ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك﴾ الْأَحْزَاب ٥٩ والإخبار عَن أهل الشّرك بِلَفْظ الْمَرْأَة قَالَ تَعَالَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ المسد ١ ٤ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ضَرَبَ الله مثلا للَّذين كفرُوا امْرَأَة نوح وَامْرَأَة لوط﴾ التَّحْرِيم ١٠ فَلَمَّا كَانَتَا مشركتين أوقع عَلَيْهِمَا اسْم الْمَرْأَة وَقَالَ فِي فِرْعَوْن ﴿وَضرب الله مثلا للَّذين آمنُوا امْرَأَة فِرْعَوْن﴾ التَّحْرِيم ١١ لما كَانَ هُوَ الْمُشرك وَهِي مُؤمنَة لم يسمهَا زوجا لَهُ وَقَالَ فِي حق آدم ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وَقَالَ للنَّبِي ﷺ ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزوَاجك﴾ الْأَحْزَاب ٥٠ وَقَالَ فِي حق الْمُؤمنِينَ ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الْبَقَرَة ٢٥ فَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم السُّهيْلي وَغَيره إِنَّمَا لم يقل فِي حق هَؤُلَاءِ الْأزْوَاج لِأَنَّهُنَّ لسن بِأَزْوَاج لرجالهم فِي الْآخِرَة وَلِأَن التَّزْوِيج حلية شَرْعِيَّة وَهُوَ من أَمر الدّين فَجرد الْكَافِرَة مِنْهُ كَمَا جرد مِنْهَا امْرَأَة نوح وَامْرَأَة لوط

стр. 203

ثمَّ أورد السُّهيْلي على نَفسه قَول زَكَرِيَّا ﵇ ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾ مَرْيَم ٥ وَقَوله تَعَالَى عَن إِبْرَاهِيم ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة﴾ الذاريات ٢٩ وَأجَاب بِأَن ذكر الْمَرْأَة أليق فِي هَذِه الْمَوَاضِع لِأَنَّهُ فِي سِيَاق ذكر الْحمل والولادة فَذكر الْمَرْأَة أولى بِهِ لِأَن الصّفة الَّتِي هِيَ الْأُنُوثَة هِيَ الْمُقْتَضِيَة للْحَمْل والوضع لَا من حَيْثُ كَانَت زوجا قلت وَلَو قيل إِن السِّرّ فِي ذكر الْمُؤمنِينَ وَنِسَائِهِمْ بِلَفْظ الْأزْوَاج أَن هَذَا اللَّفْظ مشْعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران كَمَا هُوَ الْمَفْهُوم من لَفظه فَإِن الزَّوْجَيْنِ هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان أَو المتساويان وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ الصافات ٢٢ قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أَزوَاجهم أشباههم ونظراؤهم وَقَالَهُ الإِمَام أَحْمد أَيْضا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ التكوير ٧ أَي قرن بَين كل شكل وشكله فِي النَّعيم وَالْعَذَاب قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ فِي هَذِه الْآيَة الصَّالح مَعَ الصَّالح فِي الْجنَّة والفاجر مَعَ الْفَاجِر فِي النَّار وَقَالَهُ الْحسن وَقَتَادَة وَالْأَكْثَرُونَ وَقيل زوجت أنفس الْمُؤمنِينَ بالحور الْعين وأنفس الْكَافرين بالشياطين وَهُوَ رَاجع إِلَى القَوْل الأول

стр. 204

قَالَ تَعَالَى ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الْأَنْعَام ١٤٣ ثمَّ فَسرهَا ﴿من الضَّأْن اثْنَيْنِ وَمن الْمعز اثْنَيْنِ﴾ ﴿وَمِنَ الأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ الْأَنْعَام ١٤٣ ١٤٤ فَجعل الزَّوْجَيْنِ هما الفردان من نوع وَاحِد وَمِنْه قَوْلهم زوجا خف وزوجا حمام وَنَحْوه وَلَا ريب أَن الله قطع المشابهة والمشاكلة بَين الْكَافِر وَالْمُؤمن قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الْحَشْر ٢٠ وَقَالَ تَعَالَى فِي حق مؤمني أهل الْكتاب وكافرهم ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أهل الْكتاب﴾ الْآيَة آل عمرَان ١١٣ وَقطع الْمُقَارنَة سُبْحَانَهُ بَينهمَا فِي أَحْكَام الدُّنْيَا فَلَا يتوارثان وَلَا يتناكحان وَلَا يتَوَلَّى أَحدهمَا صَاحبه فَكَمَا انْقَطَعت الوصلة بَينهمَا فِي الْمَعْنى انْقَطَعت فِي الِاسْم فأضاف فِيهَا الْمَرْأَة بِلَفْظ الْأُنُوثَة الْمُجَرّد دون لفظ المشاكلة والمشابهة وَتَأمل هَذَا الْمَعْنى تَجدهُ أَشد مُطَابقَة لألفاظ الْقُرْآن ومعانيه وَلِهَذَا وَقع على الْمسلمَة امْرَأَة الْكَافِر وعَلى الْكَافِرَة امْرَأَة الْمُؤمن لفظ الْمَرْأَة دون الزَّوْجَة تَحْقِيقا لهَذَا الْمَعْنى وَالله أعلم وَهَذَا أولى من قَول من قَالَ إِنَّمَا سمى صَاحِبَة أبي لَهب امْرَأَته وَلم يقل لَهَا زَوجته لِأَن أنكحة الْكفَّار لَا يثبت لَهَا حكم الصِّحَّة بِخِلَاف أنكحة أهل الْإِسْلَام فَإِن هَذَا بَاطِل بِإِطْلَاقِهِ اسْم الْمَرْأَة على امْرَأَة نوح وَامْرَأَة لوط مَعَ صِحَة ذَلِك النِّكَاح

стр. 205

وَتَأمل فِي هَذَا الْمَعْنى فِي آيَة الْمَوَارِيث وتعليقه سُبْحَانَهُ التَّوَارُث بِلَفْظ الزَّوْجَة دون الْمَرْأَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم﴾ النِّسَاء ١٢ إِيذَانًا بِأَن هَذَا التَّوَارُث إِنَّمَا وَقع بِالزَّوْجِيَّةِ الْمُقْتَضِيَة للتشاكل والتناسب وَالْمُؤمن وَالْكَافِر لَا تشاكل بَينهمَا وَلَا تناسب فَلَا يَقع بَينهمَا التَّوَارُث وأسرار مُفْرَدَات الْقُرْآن ومركباته فَوق عقول الْعَالمين

стр. 206

فصل وهذاأليق الْمَوَاضِع بِذكر أَزوَاجه ﷺ وأولاهن خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعزي بن قصي بن كلاب تزَوجهَا ﷺ بِمَكَّة وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة وَبقيت مَعَه إِلَى أَن أكْرمه الله برسالته فآمنت بِهِ ونصرته فَكَانَت لَهُ وَزِير صدق وَمَاتَتْ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين فِي الْأَصَح وَقيل بِأَرْبَع وَقيل بِخمْس وَلها خَصَائِص ﵂ مِنْهَا أَنه ﷺ لم يتَزَوَّج عَلَيْهَا غَيرهَا وَمِنْهَا أَن أَوْلَاده ﷺ كلهم مِنْهَا إِلَّا إِبْرَاهِيم ﵇ فَإِنَّهُ من سريته مَارِيَة وَمِنْهَا أَنَّهَا خير نسَاء الْأمة وَاخْتلف فِي تفضيلها على عَائِشَة ﵂ على ثَلَاثَة أَقْوَال ثَالِثهَا الْوَقْف وَسَأَلت شَيخنَا ابْن تَيْمِية ﵀ فَقَالَ اخْتصَّ كل وَاحِدَة مِنْهَا بِخَاصَّة فخديجة كَانَ تأثيرها فِي أول الْإِسْلَام وَكَانَت تسلي رَسُول الله ﷺ وتثبته وتسكنه وتبذل دونه

стр. 207

مَالهَا فأدركت عزة الْإِسْلَام واحتملت الْأَذَى فِي الله وَفِي رَسُوله وَكَانَت نصرتها للرسول ﷺ فِي أعظم أَوْقَات الْحَاجة فلهَا من النُّصْرَة والبذل مَا لَيْسَ لغَيْرهَا وَعَائِشَة ﵂ تأثيرها فِي آخر الْإِسْلَام فلهَا من التفقه فِي الدّين وتبليغه إِلَى الْأمة وانتفاع نبيها بِمَا أدَّت إِلَيْهِم من الْعلم مَا لَيْسَ لغَيْرهَا هَذَا معنى كَلَامه قلت وَمن خصائصها أَن الله سُبْحَانَهُ بعث إِلَيْهَا السَّلَام مَعَ جِبْرِيل ﵇ فبلغها رَسُول الله ﷺ ذَلِك قَالَ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن عمَارَة عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَتَى جِبْرِيل النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذِه خَدِيجَة قد أَتَت مَعهَا إِنَاء فِيهِ إدام أَو طَعَام أَو شراب فَإِذا هِيَ أتتك فأقرأ ﵍ من رَبهَا ومني وبشرها بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب وَهَذِه لعمر الله خَاصَّة لم تكن لسواها وَأما عَائِشَة ﵂ فَإِن جِبْرِيل ﵇ سلم عَلَيْهَا على لِسَان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 208

قَالَ البُخَارِيّ حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب قَالَ أَبُو سَلمَة إِن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْمًا يَا عائش هَذَا جِبْرِيل يُقْرِئك السَّلَام فَقَالَت وَعَلِيهِ السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ترى مَا لَا أرى تُرِيدُ رَسُول الله ﷺ وَمن خَواص خَدِيجَة ﵂ أَنَّهَا لم تسؤه قطّ وَلم تغاضبه وَلم ينلها مِنْهُ إِيلَاء وَلَا عتب قطّ وَلَا هجر وَكفى بِهِ منقبة وفضيلة وَمن خواصها أَنَّهَا أول امْرَأَة آمَنت بِاللَّه وَرَسُوله من هَذِه الْأمة

стр. 209

فصل فَلَمَّا توفاها الله تزوج بعْدهَا سَوْدَة بني زَمعَة ﵂ وَهِي سَوْدَة بنت زَمعَة بن قيس بن عبد شمس ابْن عبد ود بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر بن لؤَي كَبرت عِنْده وَأَرَادَ طَلاقهَا فَوهبت يَوْمهَا لعَائِشَة ﵂ فَأَمْسكهَا وَهَذَا من خواصها أَنَّهَا آثرت بيومها حب رَسُول الله ﷺ تقرباً إِلَى رَسُول الله ﷺ وحبا لَهُ وإيثاراً لمقامها مَعَه فَكَانَ يقسم لنسائه وَلَا يقسم لَهَا وَهِي راضية بذلك مُؤثرَة لرضى رَسُول الله ﷺ ﵂ وَتزَوج الصديقة بنت الصّديق عَائِشَة بنت أبي بكر ﵄ وَهِي بنت سِتّ سِنِين قبل الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَقيل بِثَلَاث وَبنى بهَا بِالْمَدِينَةِ أول مقدمه فِي السّنة الأولى وَهِي بنت تسع

стр. 210

وَمَات عَنْهَا وَهِي بنت ثَمَان عشرَة وَتوفيت بِالْمَدِينَةِ ودفنت بِالبَقِيعِ وأوصت أَن يُصَلِّي عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَة ﵁ سنة ثَمَان وَخمسين وَمن خصائصها أَنَّهَا كَانَت أحب أَزوَاج رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِ كَمَا ثَبت عَنهُ ذَلِك فِي البُخَارِيّ وَغَيره وَقد سُئِلَ أَي النَّاس أحب إِلَيْك قَالَ عَائِشَة قيل فَمن الرِّجَال قَالَ أَبوهَا وَمن خصائصها أَيْضا أَنه لم يتَزَوَّج امْرَأَة بكرا غَيرهَا وَمن خصائصها أَنه كَانَ ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَهُوَ فِي لحافها دون غَيرهَا وَمن خصائصها أَن الله لما أنزل عَلَيْهِ آيَة التَّخْيِير بَدَأَ بهَا فَخَيرهَا فَقَالَ وَلَا عَلَيْك أَن لَا تعجلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك فَقَالَت أَفِي هَذَا أَستَأْمر أَبَوي فَإِنِّي أُرِيد الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فاستن بهَا بَقِيَّة أَزوَاجه ﷺ وقلن كَمَا قَالَت وَمن خصائصها أَن الله سُبْحَانَهُ برأها مِمَّا رَمَاهَا بِهِ أهل الْإِفْك وَأنزل فِي عذرها وبراءتها وَحيا يُتْلَى فِي محاريب الْمُسلمين وصلواتهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَشهد لَهَا بِأَنَّهَا من الطَّيِّبَات ووعدها

стр. 211

الْمَغْفِرَة والرزق الْكَرِيم وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن مَا قيل فِيهَا من الْإِفْك كَانَ خيرا لَهَا وَلم يكن ذَلِك الَّذِي قيل فِيهَا شرا لَهَا وَلَا عائبا لَهَا وَلَا خَافِضًا من شَأْنهَا بل رَفعهَا الله بذلك وَأَعْلَى قدرهَا وَأعظم شَأْنهَا وَصَارَ لَهَا ذكرا بالطيب والبراءة بَين أهل الأَرْض وَالسَّمَاء فيا لَهَا من منقبة مَا أجلهَا وَتَأمل هَذَا التشريف وَالْإِكْرَام النَّاشِئ عَن فرط تواضعها واستصغارها لنَفسهَا حَيْثُ قَالَت ولشأني فِي نَفسِي كَانَ أَحْقَر من أَن يتَكَلَّم الله فِي بِوَحْي يُتْلَى وَلَكِن كنت أَرْجُو أَن يرى رَسُول الله ﷺ رُؤْيا يبرئني الله بهَا فَهَذِهِ صديقَة الْأمة وَأم الْمُؤمنِينَ وَحب رَسُول الله ﷺ وَهِي تعلم أَنَّهَا بريئة مظلومة وَأَن قاذفيها ظَالِمُونَ لَهَا مفترون عَلَيْهَا قد بلغ أذاهم إِلَى أَبَوَيْهَا وَإِلَى رَسُول الله ﷺ وَهَذَا كَانَ احتقارها لنَفسهَا وتصغيرها لشأنها فَمَا ظَنك بِمن صَامَ يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ أَو شهرا أَو شَهْرَيْن وَقَامَ لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ فَظهر عَلَيْهِ شَيْء من الْأَحْوَال ولاحظوا بِعَين اسْتِحْقَاق الكرامات والمكاشفات والمخاطبات والمنازلات وَإجَابَة الدَّعْوَات وَأَنَّهُمْ مِمَّن يتبرك بلقائهم ويغتنم صَالح دُعَائِهِمْ وَأَنَّهُمْ يجب على النَّاس احترامهم وتعظيمهم وتعزيرهم وتوقيرهم فيتمسح بأثوابهم وَيقبل ثرى أعتابهم وَأَنَّهُمْ من الله بالمكانة الَّتِي ينْتَقم لَهُم لأَجلهَا مِمَّن تنقصهم فِي الْحَال وَأَن يُؤْخَذ مِمَّن أَسَاءَ الْأَدَب عَلَيْهِم من

стр. 212

غير إمهال وَأَن إساءة الْأَدَب عَلَيْهِم ذَنْب لَا يكفره شَيْء إِلَّا رضاهم وَلَو كَانَ هَذَا من وَرَاء كِفَايَة لهان وَلَكِن من وَرَاء تخلف وَهَذِه الحماقات والرعونات نتائج الْجَهْل الصميم وَالْعقل غير الْمُسْتَقيم فَإِن ذَلِك إِنَّمَا يصدر من جَاهِل معجب بِنَفسِهِ غافل عَن جرمه وذنوبه مغتر بإمهال الله تَعَالَى لَهُ عَن أَخذه بِمَا هُوَ فِيهِ من الْكبر والإزراء على من لَعَلَّه عِنْد الله خير مِنْهُ نسْأَل الله تَعَالَى الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَيَنْبَغِي للْعَبد أَن يستعيذ بِاللَّه أَن يكون عِنْد نَفسه عَظِيما وَهُوَ عِنْد الله حقير وَمن خصائصها ﵂ أَن الأكابر من الصَّحَابَة ﵃ كَانَ إِذا أشكل عَلَيْهِم أَمر من الدّين استفتوها فيجدون علمه عِنْدهَا وَمن خصائصها أَن رَسُول الله ﷺ توفّي فِي بَيتهَا وَفِي يَوْمهَا وَبَين سحرها ونحرها وَدفن فِي بَيتهَا وَمن خصائصها أَن الْملك أرى صورتهَا للنَّبِي ﷺ قبل أَن يَتَزَوَّجهَا فِي سَرقَة حَرِير فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن يكن هَذَا من عِنْد الله يمضه

стр. 213

وَمن خصائصها أَن النَّاس كَانُوا يتحرون بهداياهم يَوْمهَا من رَسُول الله ﷺ تقرباً إِلَى الرَّسُول ﷺ فيتحفونه بِمَا يحب فِي منزل أحب نِسَائِهِ إِلَيْهِ ﷺ ﵅ أَجْمَعِينَ وتكنى أم عبد الله وروى أَنَّهَا أسقطت من النَّبِي ﷺ سقطا وَلَا يثبت ذَلِك وَتزَوج رَسُول الله ﷺ حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب ﵄ وَكَانَت قبله عِنْد خُنَيْس بن حذافة وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَمِمَّنْ شهد بَدْرًا توفيت سنة سبع وَقيل ثَمَان وَعشْرين وَمن خصائصها مَا ذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي فِي مُخْتَصره فِي السِّيرَة أَن النَّبِي ﷺ طَلقهَا فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ إِن الله يَأْمُرك أَن تراجع حَفْصَة فَإِنَّهَا صَوَّامَة قَوَّامَة وَإِنَّهَا زَوجتك فِي الْجنَّة وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير حَدثنَا أَحْمد بن طَاهِر بن حَرْمَلَة بن يحيى حَدثنَا جدي حَرْمَلَة حَدثنَا ابْن وهب حَدثنِي عَمْرو بن صَالح الْحَضْرَمِيّ عَن مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح عَن أَبِيه عَن عقبَة بن عَامر أَن النَّبِي ﷺ طلق حَفْصَة فَبلغ ذَلِك

стр. 214

عمر بن الْخطاب ﵁ فَوضع التُّرَاب على رَأسه وَقَالَ مَا يعبأ الله بِابْن الْخطاب بعد هَذَا فَنزل جِبْرِيل ﵇ على النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن الله يَأْمُرك أَن تراجع حَفْصَة رَحْمَة لعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَتزَوج رَسُول الله ﷺ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان وَاسْمهَا رَملَة بنت صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف هَاجَرت مَعَ زَوجهَا عبيد الله بن جحش إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَتَنَصَّرَ بِالْحَبَشَةِ وَأتم الله لَهَا الْإِسْلَام وَتَزَوجهَا رَسُول الله ﷺ وَهِي بِأَرْض الْحَبَشَة وَأصْدقهَا عَنهُ النَّجَاشِيّ أَرْبَعمِائَة دِينَار // إِسْنَاده صَحِيح // وَبعث رَسُول الله ﷺ عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي إِلَى النَّجَاشِيّ يخطبها وَولى نِكَاحهَا عُثْمَان بن عَفَّان وَقيل خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وَقد روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عِكْرِمَة بن عمار عَن أبي زميل عَن عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ الْمُسلمُونَ لَا ينظرُونَ إِلَى أبي سُفْيَان وَلَا يُقَاعِدُونَهُ فَقَالَ للنَّبِي ﷺ ثَلَاث خلال أعطنيهن قَالَ نعم قَالَ عِنْدِي أحسن

стр. 215

الْعَرَب وأجمله أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان أزَوّجكَهَا قَالَ نعم قَالَ وَمُعَاوِيَة تَجْعَلهُ كَاتبا بَين يَديك قَالَ نعم وَتُؤَمِّرنِي أَن أقَاتل الْكفَّار كَمَا كنت أقَاتل الْمُسلمين قَالَ نعم قَالَ أَبُو زميل وَلَوْلَا أَنه طلب ذَلِك من النَّبِي ﷺ مَا أعطَاهُ ذَلِك لِأَنَّهُ ﷺ لم يكن يسْأَل شَيْئا إِلَّا قَالَ نعم وَقد أشكل هَذَا الحَدِيث على النَّاس فَإِن أم حَبِيبَة تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ قبل إِسْلَام أبي سُفْيَان كَمَا تقدم زَوجهَا إِيَّاه النَّجَاشِيّ ثمَّ قدمت على رَسُول الله ﷺ قبل أَن يسلم أَبوهَا فَكيف يَقُول بعد الْفَتْح أزَوجك أم حَبِيبَة فَقَالَت طَائِفَة هَذَا الحَدِيث كذب لَا أصل لَهُ قَالَ ابْن حزم كذبه عِكْرِمَة بن عمار وَحمل عَلَيْهِ واستعظم ذَلِك آخَرُونَ وَقَالُوا أَنى يكون فِي صَحِيح مُسلم حَدِيث مَوْضُوع وَإِنَّمَا وَجه الحَدِيث أَنه طلب من النَّبِي ﷺ أَن يجدد لَهُ العقد على ابْنَته ليبقى لَهُ وَجه بَين الْمُسلمين وَهَذَا ضَعِيف فَإِن فِي الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ وعده وَهُوَ الصَّادِق الْوَعْد وَلم ينْقل أحد قطّ أَنه جدد العقد على أم حَبِيبَة وَمثل هَذَا لَو كَانَ لنقل وَلَو نقل وَاحِد عَن وَاحِد فَحَيْثُ لم يَنْقُلهُ أحد قطّ علم أَنه لم يَقع وَلم يزدْ القَاضِي عِيَاض على استشكاله فَقَالَ وَالَّذِي وَقع فِي مُسلم من هَذَا غَرِيب جدا عِنْد أهل الْخَبَر وخبرها مَعَ أبي سُفْيَان عِنْد وُرُوده إِلَى الْمَدِينَة بِسَبَب تَجْدِيد الصُّلْح ودخوله عَلَيْهَا مَشْهُور
следующие страницы →