Полный текст (209 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الْقِيَامَة فَإِنَّهُم نشأوا فى سَبِيل الظلال وَالْكفْر والشرك والسبل الموصلة إِلَى الْهَلَاك وعرفوها مفصّلة ثمَّ جَاءَهُم الرَّسُول فَأخْرجهُمْ من تِلْكَ الظُّلُمَات إِلَى سَبِيل الْهدى وصراط الله الْمُسْتَقيم فَخَرجُوا من الظلمَة الشَّدِيدَة إِلَى النُّور التَّام وَمن الشّرك إِلَى التَّوْحِيد وَمن الْجَهْل إِلَى الْعلم وَمن الغي إِلَى الرشاد وَمن الظُّلم إِلَى الْعدْل وَمن الْحيرَة والعمى إِلَى الْهدى والبصائر فعرفوا مِقْدَار مَا نالوه وظفروا بِهِ وَمِقْدَار مَا كَانُوا فِيهِ فَإِن الضِّدّ يظْهر حسنه الضِّدّ وَإِنَّمَا تتبين الْأَشْيَاء بأضدادها فازدادوا رَغْبَة ومحبة فِيمَا انتقلوا إِلَيْهِ ونفرة وبغضا لما انتقلوا عَنهُ وَكَانُوا أحب النَّاس فِي التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَأبْغض النَّاس فِي ضِدّه عَالمين بالسبيل على التَّفْصِيل
وَأما من جَاءَ بعد الصَّحَابَة فَمنهمْ من نَشأ فِي الْإِسْلَام غير عَالم تَفْصِيل ضِدّه فَالْتبسَ عَلَيْهِ بعض تفاصيل سَبِيل الْمُؤمنِينَ بسبيل الْمُجْرمين فَإِن اللّبْس إِنَّمَا يَقع إِذا ضعف الْعلم بالسبيلين أَو أَحدهمَا كَمَا قَالَ عمر بن الْخطاب إِنَّمَا تنقض عرى الْإِسْلَام عُرْوَة إِذا نَشأ فِي الْإِسْلَام من لم يعرف الْجَاهِلِيَّة وَهَذَا من كَمَال علم عمر ﵁ فَإِنَّهُ إِذا لم يعرف الْجَاهِلِيَّة وَحكمهَا وَهُوَ كل مَا خَالف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول فَإِنَّهُ من الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّهَا منسوبة إِلَى الْجَهْل وكل مَا خَالف الرَّسُول فَهُوَ من الْجَهْل فَمن لم يعرف سَبِيل الْمُجْرمين وَلم تستبن لَهُ أوشك أَن يظنّ فِي بعض سبيلهم أَنَّهَا من سَبِيل الْمُؤمنِينَ كَمَا وَقع فِي هَذِه الْأمة من أُمُور كَثِيرَة فِي بَاب الِاعْتِقَاد وَالْعلم وَالْعَمَل هِيَ من سَبِيل الْمُجْرمين وَالْكفَّار وأعداء الرُّسُل أدخلها من لم يعرف أَنَّهَا من سبيلهم فِي سَبِيل الْمُؤمنِينَ ودعا إِلَيْهَا وكفّر من خالفها واستحل مِنْهُ مَا حرمه الله وَرَسُوله كَمَا وَقع لأكْثر أهل الْبدع من الْجَهْمِية والقدرية والخوارج وَالرَّوَافِض وأشباههم مِمَّن ابتدع بِدعَة ودعا إِلَيْهَا وكفّر من خالفها
وَالنَّاس فِي هَذَا الْموضع أَربع فرق الأولى من استبان لَهُ سَبِيل الْمُؤمنِينَ وسبيل الْمُجْرمين على التَّفْصِيل علما وَعَملا وَهَؤُلَاء أعلم الْخلق الْفرْقَة الثَّانِيَة من
стр. 107
عميت عَنهُ السبيلان من أشباه الْأَنْعَام وَهَؤُلَاء بسبيل الْمُجْرمين أحضر وَلها أسلك الْفرْقَة الثَّالِثَة من صرف عنايته إِلَى معرفَة سَبِيل الْمُؤمنِينَ دون ضدها فَهُوَ يعرف ضدها من حَيْثُ الْجُمْلَة والمخالفة وَأَن كل مَا خَالف سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَهُوَ بَاطِل وَإِن لم يتصوره على التَّفْصِيل بل إِذا سمع شَيْئا مِمَّا خَالف سَبِيل الْمُؤمنِينَ صرف سَمعه عَنهُ وَلم يشغل نَفسه بفهمه وَمَعْرِفَة وَجه بُطْلَانه وَهُوَ بِمَنْزِلَة من سلمت نَفسه من إِرَادَة الشَّهَوَات فَلم تخطر بِقَلْبِه وَلم تَدعه إِلَيْهَا نَفسه بِخِلَاف الْفرْقَة الأولى فَإِنَّهُم يعرفونها وتميل إِلَيْهَا نُفُوسهم ويجاهدونها على تَركهَا الله وَقد كتبُوا إِلَى عمر بن الْخطاب يسألونه عَن هَذِه المسالة أَيّمَا أفضل رجل لم تخطر لَهُ الشَّهَوَات وَلم تمر بِبَالِهِ أَو رجل نازعته إِلَيْهَا نَفسه فَتَركهَا لله فَكتب عمر أَن الَّذِي تشْتَهي نَفسه الْمعاصِي وَيَتْرُكهَا لله من الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مفغرة وَأجر عَظِيم وَهَكَذَا من عرف الْبدع والشرك وَالْبَاطِل وطرقه فأبغضها لله وحذرها وحذّر مِنْهَا وَدفعهَا عَن نَفسه وَلم يَدعهَا تخدش وَجه إيمَانه وَلَا تورثه شُبْهَة وَلَا شكا بل يزْدَاد بمعرفتها بَصِيرَة فِي الْحق ومحبة لَهُ وَكَرَاهَة لَهَا ونفرة عَنْهَا أفضل مِمَّن لَا تخطر بِبَالِهِ وَلَا تمر بِقَلْبِه فَإِنَّهُ كلما مرت بِقَلْبِه وتصورت لَهُ ازْدَادَ محبَّة للحق وَمَعْرِفَة بِقَدرِهِ وسرورا بِهِ فيقوى إيمَانه بِهِ كَمَا أَن صَاحب خواطر الشَّهَوَات والمعاصي كلما مرت بِهِ فَرغب عَنْهَا إِلَى ضدها ازْدَادَ محبَّة لضدها ورغبة فِيهِ وطلبا لَهُ وحرصا عَلَيْهِ فَمَا ابتلى الله سُبْحَانَهُ عَبده الْمُؤمن بمحبة الشَّهَوَات والمعاصي وميل نَفسه إِلَيْهَا إِلَّا ليسوقه بهَا إِلَى محبَّة مَا هُوَ أفضل مِنْهَا وَخير لَهُ وأنفع وأدوم وليجاهد نَفسه على تَركهَا لَهُ سُبْحَانَهُ فتورثه تِلْكَ المجاهدة الْوُصُول إِلَى المحبوب الْأَعْلَى فَكلما نازعته نَفسه إِلَى تِلْكَ الشَّهَوَات وشتدت إِرَادَته لَهَا وشوقه إِلَيْهَا صرف ذَلِك الشوق والإرادة والمحبة إِلَى النَّوْع العالي الدَّائِم فَكَانَ طلبه لَهُ أَشد وحرصه عَلَيْهِ أتم بِخِلَاف النَّفس الْبَارِدَة الخالية من ذَلِك فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت طالبة للأعلى لَكِن بَين الطلبين فرق عَظِيم أَلا ترى أَن من مَشى إِلَى محبوبه على الْجَمْر
стр. 108
والشوك أعظم مِمَّن مَشى إِلَيْهِ رَاكِبًا على النجائب فَلَيْسَ من آثر محبوبه مَعَ مُنَازعَة نَفسه كمن آثره مَعَ عدم منازعتها إِلَى غَيره فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي عَبده بالشهوات إِمَّا حِجَابا لَهُ عَنهُ أَو حاجبا لَهُ يوصله إِلَى رِضَاهُ وقربه وكرامته الْفرْقَة الرَّابِعَة فرقة عرفت سَبِيل الشَّرّ والبدع وَالْكفْر مفصلة وسبيل الْمُؤمنِينَ مجملة وَهَذَا حَال كثير مِمَّن اعتنى بمقالات الْأُمَم ومقالات أهل الْبدع فعرفها على التَّفْصِيل وَلم يعرف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول كَذَلِك بل عرفه معرفَة مجملة وَإِن تفصلت لَهُ فِي بعض الْأَشْيَاء وَمن تَأمل كتبهمْ رأى ذَلِك عيَانًا وَكَذَلِكَ من كَانَ عَارِفًا بطرق الشَّرّ وَالظُّلم وَالْفساد على التَّفْصِيل سالكا لَهَا إِذا تَابَ وَرجع عَنْهَا إِلَى سَبِيل الْأَبْرَار يكون علمه بهَا مُجملا غير عَارِف بهَا على التَّفْصِيل معرفَة من أفنى عمره فِي تصرفها وسلوكها
وَالْمَقْصُود أَن الله سُبْحَانَهُ يحب أَن تعرف سَبِيل أعدائه لتجتنب تبغض كَمَا يجب أَن تعرف سَبِيل أوليائه لِتُحَبّ وتسلك وَفِي هَذِه الْمعرفَة من الْفَوَائِد والأسرار مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله من معرفَة عُمُوم ربوبيته سُبْحَانَهُ وحكمته وَكَمَال أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وتعلقها بمتعلقاتها واقتضائها لآثارها وموجباتها وَذَلِكَ من أعظم الدّلَالَة على ربوبيته وَملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه وَالله أعلم
أَرْبَاب الْحَوَائِج على بَاب الْملك يسْأَلُون قَضَاء حوائجهم وأولياؤه المحبون لَهُ الَّذين هُوَ هَمهمْ ومرادهم جُلَسَاؤُهُ وخواصه فَإِذا أَرَادَ قَضَاء حَاجَة وَاحِد من أُولَئِكَ أذن لبَعض جُلَسَائِهِ وخاصته أَن يشفع فِيهِ رَحْمَة لَهُ وكرامة للشافع وَسَائِر النَّاس مطرودون عَن الْبَاب مضروبون بسياط العَبْد
فصل عشرَة أَشْيَاء ضائعة لَا ينْتَفع بهَا علم لَا يعْمل بِهِ وَعمل لَا
إخلاص فِيهِ وَلَا اقْتِدَاء وَمَال لَا ينْفق مِنْهُ فَلَا يسْتَمْتع بِهِ جَامعه فِي الدُّنْيَا وَلَا يقدمهُ
стр. 109
أَمَامه إِلَى الْآخِرَة وقلب فارغ من محبَّة الله والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ وبدن معطل من طَاعَته وخدمته ومحبة لَا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره وَوقت معطل عَن اسْتِدْرَاك فارطه أَو اغتنام بر وقربة وفكر يجول فِيمَا لَا ينفع وخدمة من لَا تقربك خدمته إِلَى الله وَلَا تعود عَلَيْك بصلاح دنياك وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وَهُوَ أسبر فِي قَبضته وَلَا يملك لنَفسِهِ حذرا وَلَا نفعا وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا
وَأعظم هَذِه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إِضَاعَة إِضَاعَة الْقلب وإضاعة الْوَقْت فإضاعة الْقلب من إِيثَار الدُّنْيَا على الْآخِرَة وإضاعة الْوَقْت من طول الأمل فَاجْتمع الْفساد كُله فِي إتباع الْهوى وَطول الأمل وَالصَّلَاح كُله فى اتِّبَاع لهدى والاستعداد للقاء وَالله الْمُسْتَعَان
الْعجب مِمَّن تعرض لَهُ حَاجَة فَيصْرف رغبته وهمته فِيهَا إِلَى الله ليقضيها لَهُ وَلَا يتَصَدَّى للسؤال لحياة قلبه من موت الْجَهْل والإعراض وشفائه من دَاء الشَّهَوَات والشبهات وَلَكِن إِذا مَاتَ الْقلب لم يشْعر بمعصيته
فصل لله سُبْحَانَهُ على عَبده أَمر أمره بِهِ وَقَضَاء يَقْضِيه عَلَيْهِ ونعمة ينعم
بهَا عَلَيْهِ فَلَا يَنْفَكّ من هَذِه الثَّلَاثَة وَالْقَضَاء نَوْعَانِ إِمَّا مصائب وَإِمَّا معائب وَله عَلَيْهِ عبودية فِي هَذِه الْمَرَاتِب كلهَا فَأحب الْخلق إِلَيْهِ من عرف عبوديته فِي هَذِه الْمَرَاتِب ووفاها حَقّهَا فَهَذَا أقرب الْخلق إِلَيْهِ وأبعدهم مِنْهُ من جهل عبوديته فِي هَذِه الْمَرَاتِب فعطلها علما وَعَملا فعبوديته فِي الْأَمر وامتثاله اخلاصا واقتداءا برَسُول الله وَفِي النَّهْي اجتنابه خوفًا مِنْهُ وإجلالا ومحبة وعبوديته فِي قَضَاء المصائب الصَّبْر عَلَيْهَا ثمَّ الرِّضَا بهَا وَهُوَ أَعلَى مِنْهُ ثمَّ الشُّكْر عَلَيْهَا وَهُوَ أَعلَى من الرِّضَا وَهَذَا إِنَّمَا يأتى مِنْهُ إِذا تمكن حبه من قلبه وَعلم حسن اخْتِيَاره لَهُ وبره بِهِ ولطفه بِهِ
стр. 110
وإحسانه إِلَيْهِ بالمصيبة وَإِن كره الْمُصِيبَة وعبوديته فِي قَضَاء المعائب الْمُبَادرَة إِلَى التَّوْبَة مِنْهَا والتنصل وَالْوُقُوف فِي مقَام الِاعْتِذَار والانكسار عَالما بِأَنَّهُ لَا يرفعها عَنهُ إِلَّا هُوَ وَلَا يَقِيه شَرها سواهُ وَأَنَّهَا إِن استمرت أبعدته من ربه وطردته من بَابه فيراها من الضّر الَّذِي لَا يكشفه غَيره حَتَّى انه ليراها أعظم من ضرّ الْبدن فه عَائِذ بِرِضَاهُ من سخطه وبعفوه من عُقُوبَته وَبِه مِنْهُ مستجير وملتجىء مِنْهُ اليه بِعلم أَنه إِن تخلى عَنهُ وخلى بَينه وَبَين نَفسه فعده أَمْثَالهَا وَشر مِنْهَا وَأَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الإقلاع وَالتَّوْبَة إِلَّا بتوفيقه وإعانته وَأَن ذَلِك بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ لَا بيد العَبْد فَهُوَ أعجز وأضعف وَأَقل من أَن يوفق نَفسه أَو يَأْتِي بمرضاة سَيّده بِدُونِ إِذْنه ومشيئته وإعانته فَهُوَ ملتجىء إِلَيْهِ متضرع ذليل مِسْكين مُلْقٍ نَفسه بَين يَدَيْهِ طريح بَابه مستخذله أذلّ شَيْء وأكسره لَهُ وأفقره وأحوجه إِلَيْهِ وأرغبه فِيهِ وأحبه لَهُ بدنه متصرف فِي أشغاله وَقَلبه ساجد بَين يَدَيْهِ يعلم يَقِينا انه لَا خبر فِيهِ وَلَا لَهُ وَلَا بِهِ وَلَا مِنْهُ وَأَن الْخَيْر كُله لله وَفِي يَدَيْهِ وَبِه وَمِنْه فَهُوَ ولي نعْمَته ومبتدئه بهَا من غير اسْتِحْقَاق ومجريها عَلَيْهِ مَعَ تمقته إِلَيْهِ بإعراضه وغفلته ومعصيته فحظه سُبْحَانَهُ الْحَمد وَالشُّكْر وَالثنَاء وحظ العَبْد الذَّم وَالنَّقْص وَالْعَيْب قد اسْتَأْثر بالمحامد والمدح وَالثنَاء وَولى العَبْد الْمَلَامَة والنقائص ولعيوب فَالْحَمْد كُله لَهُ وَالْخَيْر كُله فِي يَدَيْهِ وَالْفضل كُله لَهُ وَالثنَاء كُله لَهُ والْمنَّة كلهَا لَهُ فَمِنْهُ الْإِحْسَان وَمن العَبْد الْإِسَاءَة وَمِنْه التودد إِلَى العَبْد بنعمه وَمن العَبْد التبغض إِلَيْهِ بمعاصيه وَمِنْه النصح لعَبْدِهِ وَمن العَبْد الْغِشّ لَهُ فِي مُعَامَلَته
وَأما عبودية النعم فمعرقتها وَالِاعْتِرَاف بهَا أَولا ثمَّ العياذ بِهِ أَن يَقع فِي قلبه نسبتها وإضافتها إِلَى سواهُ وَإِن كَانَ سَببا من الْأَسْبَاب فَهُوَ مسببه ومقيمه فالنعمة مِنْهُ وَحده بِكُل وَجه وَاعْتِبَار ثمَّ الثَّنَاء بهَا عَلَيْهِ ومحبته عَلَيْهَا وشكره بِأَن يستعملها فِي طَاعَته وَمن لطائف التَّعَبُّد بِالنعَم أَن يكثر قليلها عَلَيْهِ ويستقل كثير شكره عَلَيْهَا وبعلم أَنَّهَا وصلت إِلَيْهِ من سَيّده من غير ثمن بذله فِيهَا وَلَا وَسِيلَة مِنْهُ توسل
стр. 111
بهَا إِلَيْهِ وَلَا اسْتِحْقَاق مِنْهُ لَهَا وَأَنَّهَا لله فِي الْحَقِيقَة لَا للْعَبد فَلَا تزيده النعم إِلَّا انكسارا وذلا وتواضعا ومحبة للمنعم وَكلما جدد لَهُ نعْمَة أحدث لَهَا عبودية ومحبة وخضوعا وذلا وَكلما أحدث لَهُ قبضا أحدث لَهُ رضى وَكلما أحدث ذَنبا أحدث لَهُ تَوْبَة وانكسارا واعتذارا فَهَذَا هُوَ العَبْد الكيّس وَالْعَاجِز بمعزل عَن ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فصل من ترك الِاخْتِيَار وَالتَّدْبِير فِي رَجَاء زِيَادَة أَو خوف نُقْصَان أَو طلب
صِحَة أَو فرار من سقم وَعلم أَن الله على كل شَيْء قدير وَأَنه المتفرد بِالِاخْتِيَارِ وَالتَّدْبِير وَأَن تَدْبيره لعَبْدِهِ خير من تَدْبِير العَبْد لنَفسِهِ وَأَنه أعلم بمصلحته من العَبْد وأقدر على جلبها وتحصيلها مِنْهُ وأنصح للْعَبد مِنْهُ لنَفسِهِ وأرحم مِنْهُ بِنَفسِهِ وَأبر بِهِ مِنْهُ بِنَفسِهِ وَعلم مَعَ ذَلِك أَنه لَا يَسْتَطِيع أَن يتَقَدَّم بَين يَدي تَدْبيره خطْوَة وَاحِدَة وَلَا يتَأَخَّر عَن تَدْبيره لَهُ خطْوَة وَاحِدَة فَلَا مُتَقَدم لَهُ بَين يَدي قَضَائِهِ وَقدره وَلَا يتَأَخَّر فَألْقى نَفسه بَين يَدَيْهِ وَسلم الْأَمر كُله إِلَيْهِ وانطرح بَين يَدَيْهِ انطراح عبد مَمْلُوك ضعف بَين يَدي ملك عَزِيز قاهر لَهُ التَّصَرُّف فِي عَبده بِكُل مَا يَشَاء وَلَيْسَ للْعَبد التَّصَرُّف فِيهِ بِوَجْه من الْوُجُوه فاستراح حِينَئِذٍ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات وَحمل كُله حَوَائِجه ومصالحه من لَا يُبَالِي بحملها وَلَا يثقله وَلَا يكترث بهَا فتولاها دونه وَأرَاهُ لطفه وبره وَرَحمته وإحسانه فِيهَا من غير تَعب من العَبْد وَلَا نصب وَلَا اهتمام مِنْهُ لِأَنَّهُ قد صرف اهتمامه كُله إِلَيْهِ وَجعله وَحده همه فصرف عَنهُ اهتمامه بحوائجه ومصالح دُنْيَاهُ وَفرغ قلبه مِنْهَا فَمَا أطيب عيشه وَمَا أنعم قلبه وَأعظم سروره وفرحه وَإِن أَبى إِلَّا تَدْبيره لنَفسِهِ واختياره لَهَا واهتمامه بحظه دون حق ربه خلاه وَمَا اخْتَارَهُ وولاه مَا تولى فحضره الْهم وَالْغَم والحزن والنكد الْخَوْف والتعب وكسف البال وَسُوء الْحَال فَلَا قلب
стр. 112
يصفو وَلَا عمل يزكو وَلَا أمل يحصل وَلَا رَاحَة يفوز بهَا وَلَا لَذَّة بَينهَا بهَا بل بل قد حيل بَينه وَبَين مسرته وفرحه وقرة عينه فَهُوَ يكدح فِي الدُّنْيَا كدح الْوَحْش وَلَا يظفر مِنْهُ بأمل وَلَا يتزود مِنْهَا لِمَعَاد وَالله سُبْحَانَهُ أَمر العَبْد بِأَمْر وَضمن لَهُ ضمانا فَإِن قَامَ بأَمْره بالنصح والصدق وَالْإِخْلَاص وَالِاجْتِهَاد قَامَ الله سُبْحَانَهُ لَهُ بِمَا ضمنه لَهُ من الرزق والكفاية والنصر وَقَضَاء الْحَوَائِج فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ضمن الرزق لمن عَبده والنصر لمن توكل عَلَيْهِ واستنصر بِهِ والكفاية لمن كَانَ هُوَ همه وَمرَاده وَالْمَغْفِرَة لمن استغفره وَقَضَاء الْحَوَائِج لمن صَدَقَه فِي طلبَهَا ووثق بِهِ وَقَوي رجاؤه وطمعه فِي فَضله وجوده فالفطن الكيّس إِنَّمَا يهتم بأَمْره وإقامته وتوفيته لَا بضمانه فَإِنَّهُ الوفي الصَّادِق وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَمن عَلَامَات السَّعَادَة صرف اهتمامه إِلَى أَمر الله دون ضَمَانه وَمن عَلَامَات الحرمان فرَاغ قلبه من الاهتمام بأَمْره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه وَالله الْمُسْتَعَان
قَالَ بشر بن الْحَارِث أهل الْآخِرَة ثَلَاثَة عَابِد وزاهد وصِدِّيق فالعابد يعبد الله مَعَ العلائق والزاهد يعبده على ترك العلائق وَالصديق يعبده على الرِّضَا والموافقة إِن أرَاهُ أَخذ الدُّنْيَا أَخذهَا وَإِن أرَاهُ تَركهَا تَركهَا إِذا كَانَ الله وَرَسُوله فِي جَانب فاحذر أَن تكون فِي الْجَانِب الآخر فَإِن ذَلِك يُفْضِي إِلَى المشاقة والمحادّة وَهَذَا أَصْلهَا وَمِنْه اشتقاقها فَإِن المشاقة أَن يكون فِي شقّ وَمن يُخَالِفهُ فِي شقّ والمحادة ان يكون حد وَهُوَ فِي حد وَلَا تستسهل هَذَا فَإِن مبادئه تجر إِلَى غَايَته وقليله يَدْعُو إِلَى كَثِيره وَكن فِي الْجَانِب الَّذِي يكون فِيهِ الله وَرَسُوله وان كَانَ النَّاس كلهم فِي الْجَانِب الآخر فَإِن لذَلِك عواقب هِيَ أَحْمد العواقب وأفضلها وَلَيْسَ للْعَبد أَنْفَع من ذَلِك فِي دُنْيَاهُ قبل آخرته وَأكْثر الْخلق إِنَّمَا يكونُونَ من الْجَانِب الآخر ولاسيما إِذا قويت الرَّغْبَة والرهبة فهناك لَا تكَاد تَجِد أحدا فِي الْجَانِب الَّذِي فِيهِ الله وَرَسُوله بل يعدّه النَّاس نَاقص الْعقل سيء الِاخْتِيَار لنَفسِهِ وَرُبمَا نسبوه إِلَى الْجُنُون وَذَلِكَ من مَوَارِيث أَعدَاء الرُّسُل فَإِنَّهُم نسبوهم غلى الْجُنُون لما كَانُوا فِي شقّ
стр. 113
وجانب وَالنَّاس فِي شقّ وجانب آخر وَلَكِن من وطّن نَفسه على ذَلِك فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى علم راسخ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول يكون يَقِينا لَهُ لَا ريب عِنْده فِيهِ وَإِلَى صَبر تَامّ على معاداة من عَادَاهُ ولومة من لامه وَلَا يتم لَهُ ذَلِك إِلَّا برغبة قَوِيَّة فِي الله وَالدَّار وَالْآخِرَة بِحَيْثُ تكون الْآخِرَة أحب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا وآثر عِنْده مِنْهَا وَيكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَلَيْسَ شَيْء أصعب على الْإِنْسَان من ذَلِك فِي مبادىء الْأَمر فَإِن نَفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشيره من ذَلِك الْجَانِب يدعنه إِلَى العاجل فَإِذا خالفوهم تصدوا الحربة فَإِن صَبر وَثَبت جَاءَهُ العون من الله وَصَارَ ذَلِك الصعب سهلا وَذَلِكَ الْأَلَم لَذَّة فَإِن الرب شكور فَلَا بُد أَن يذيقه لَذَّة تحيزه إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله ويريه كَرَامَة ذَلِك فيشتد بِهِ سروره وغبطته ويبتهج بِهِ قلبه ويظفر بقوته وفرحه وسروره وَيبقى من كَانَ مُحَاربًا لَهُ على ذَلِك بَين هائب لَهُ مسالم لَهُ ومساعد وتارك ويقوى جنده ويضعف جند الْعَدو وَلَا تستصعب مُخَالفَة النَّاس والتحيز إِلَى الله وَرَسُوله وَلَو كنت وَحدك فَإِن الله مَعَك وَأَنت بِعَيْنِه وكلاءته وَحفظه لَك وَإِنَّمَا امتحن يقينك وصبرك اعظم الأعوان لَك على بعد عون الله هَذَا بعون اله التجرد من الطمع والفزع فَمَتَى تجردت مِنْهُمَا هان عَلَيْك التحيز إِلَى الله وَرَسُوله وَكنت دَائِما فِي الْجَانِب الَّذِي فِيهِ الله وَرَسُوله وَمَتى قَامَ بك الطمع فَلَا تطمع فِي هَذَا الْأَمر وَلَا تحدث نَفسك بِهِ فَإِن قلت فَبِأَي شَيْء أستعين على التجرد من الطمع وَمن الْفَزع قلت بِالتَّوْحِيدِ والتوكل والثقة بِاللَّه وعلمك بِأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ الاهو وَلَا يذهب بالسيآت إِلَّا هُوَ وَأَن الْأَمر كُله لله لَيْسَ لأحد مَعَ الله شَيْء نصيحة
هَلُمَّ إِلَى الدُّخُول على الله ومجاورته فِي دَار السَّلَام بِلَا نصيب وَلَا تَعب وَلَا عناء بل من أقرب الطّرق وأسهلها وَذَلِكَ أَنَّك فِي وَقت بَين وَقْتَيْنِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة
стр. 114
عمرك وَهُوَ وقتك الْحَاضِر بَين مَا مضى وَمَا يسْتَقْبل فَالَّذِي مضى تصلحه بِالتَّوْبَةِ والندم وَالِاسْتِغْفَار وَذَلِكَ شَيْء لَا تَعب عَلَيْك فِيهِ وَلَا نصب وَلَا معاناة عمل شاق إِنَّمَا هُوَ عمل قلب وتمتنع فِيمَا يسْتَقْبل من الذُّنُوب وامتناعك ترك وراحة لَيْسَ هُوَ عملا بالجوارح يشق عَلَيْك معاناته وَإِنَّمَا هُوَ عزم وَنِيَّة جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك فَمَا مضى تصلحه بِالتَّوْبَةِ وَمَا يسْتَقْبل تصلحه بالامتناع والعزم وَالنِّيَّة وَلَيْسَ للجوارح فِي هذَيْن نصب وَلَا تَعب وَلَكِن الشَّأْن فِي عمرك وَهُوَ وقتك الَّذِي بَين الْوَقْتَيْنِ فَإِن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك وَإِن حفظته مَعَ إصْلَاح الْوَقْتَيْنِ اللَّذين قبله وَبعده بِمَا ذكرت نجوت وفزت بالراحة واللذة وَالنَّعِيم وَحفظه أشق من إصْلَاح مَا قبله وَمَا بعده فَإِن حفظه أَن تلْزم نَفسك بِمَا هُوَ أولى بهَا وأنفع لَهَا وَأعظم تحصيلا لسعادتها وَفِي هَذَا تفَاوت النَّاس أعظم تفَاوت فَهِيَ وَالله أيامك الخالية الَّتِي تجمع فِيهَا الزَّاد لمعادك إِمَّا إِلَى الْجنَّة إِمَّا إِلَى النَّار فَإِن اتَّخذت إِلَيْهَا سَبِيلا إِلَى رَبك بلغت السَّعَادَة الْعُظْمَى والفوز الْأَكْبَر فِي هَذِه الْمدَّة الْيَسِيرَة الَّتِي لَا نِسْبَة لَهَا إِلَى الْأَبَد وَإِن آثرت الشَّهَوَات والراحات وَاللَّهْو واللعب انْقَضتْ عَنْك بِسُرْعَة وأعقبتك الْأَلَم الْعَظِيم الدَّائِم الَّذِي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب وأدوم من معاناة الصَّبْر عَن محارم الله وَالصَّبْر على طَاعَته وَمُخَالفَة الْهوى لأَجله
فصل عَلامَة صِحَة الْإِرَادَة أَن يكون هم المريد رضَا ربه واستعداده للقائه
وحزنه على وَقت مر فِي غير مرضاته وأسفه على قربه والأنس بِهِ وجماع ذَلِك أَن يصبح ويمسي وَلَيْسَ لَهُ هم غَيره
стр. 115
فصل إِذا اسْتغنى النَّاس بالدنيا فاستغن أَنْت بِاللَّه وَإِذا فرحوا بالدنيا
فافرح أَنْت بِاللَّه وَإِذا أنسوا بأحبابهم فَاجْعَلْ أنسك بِاللَّه وَإِذا تعرفوا إِلَى مُلُوكهمْ وكبرائهم وتقربوا إِلَيْهِم لينالوا بهم الْعِزَّة والرفعة فتعرف أَنْت إِلَى الله وتودد إِلَيْهِ تنَلْ بذلك غَايَة الْعِزّ والرفعة قَالَ بعض الزهاد مَا علمت أَن أحدا سمع بِالْجنَّةِ وَالنَّار تَأتي عَلَيْهِ سَاعَة لَا يُطِيع الله فِيهَا بذكرا وَصَلَاة أَو قراة أَو إِحْسَان فَقَالَ لَهُ رجل إِنِّي أَكثر الْبكاء فَقَالَ إِنَّك إِن تضحك وَأَنت مقرّ بخطيئتك خير من أَن تبْكي وَأَنت مدل بعملك وَإِن المدل لَا يصعد عمله فَوق رَأسه فَقَالَ أوصني فَقَالَ دع الدُّنْيَا لأَهْلهَا كَمَا تركوهم الْآخِرَة لأَهْلهَا وَكن فِي الدُّنْيَا كالنحلة إِن أكلت أكلت طيبا وَإِن أطعمت أطعمت طيبا وَإِن سَقَطت على شَيْء لم تكسره وَلم تخدشه
فصل الزّهْد أَقسَام زهد فِي الْحَرَام وَهُوَ فرض عين وزهد فِي الشُّبُهَات وَهُوَ
بِحَسب مَرَاتِب الشُّبْهَة فَإِن قويت التحقت بِالْوَاجِبِ وَإِن ضعفت كَانَ مُسْتَحبا وزهد فِي الفضول وزهد فِيمَا لَا يَعْنِي من الْكَلَام وَالنَّظَر وَالسُّؤَال واللقاء وَغَيره وزهد فِي النَّاس وزهد فِي النَّفس بِحَيْثُ تهون عَلَيْهِ نَفسه فِي الله وزهد جَامع لذَلِك كُله وَهُوَ الزّهْد فِيمَا سوى الله وَفِي كل مَا شغلك عَنهُ وَأفضل الزّهْد إخفاء الزّهْد وأصعبه الزّهْد فِي الحظوظ وَالْفرق بَينه وَبَين الْوَرع أَن الزّهْد ترك مَالا ينفع فِي الْآخِرَة والورع ترك مَا يخْشَى ضَرَره فِي الْآخِرَة وَالْقلب الْمُعَلق بالشهوات لَا يَصح لَهُ زهد وَلَا ورع
стр. 116
قَالَ يحيى بن معَاذ عجبت من ثَلَاث رجل يرائي بِعَمَلِهِ مخلوقا مثله وَيتْرك أَن يعمله الله وَرجل يبخل بِمَالِه وربه يستقرضه مِنْهُ فَلَا يقْرضهُ مِنْهُ شَيْئا وَرجل يرغب فِي صُحْبَة المخلوقين ومودتهم وَالله يَدعُوهُ إِلَى صحبته ومودته
فَائِدَة جليلة قَالَ سهل بن عبد الله ترك الْأَمر عِنْد الله أعظم من
ارْتِكَاب النَّهْي لِأَن آدم نهي عَن أكل الشَّجَرَة فَأكل مِنْهَا فَتَابَ عَلَيْهِ وإبليس أَمر أَن يسْجد لآدَم فَلم يسْجد فَلم يتب عَلَيْهِ قلت هَذِه مَسْأَلَة عَظِيمَة لَهَا شَأْن وَهِي أَن ترك الْأَوَامِر أعظم عِنْد الله من ارْتِكَاب المناهي وَذَلِكَ من وُجُوه عديدة أَحدهَا مَا ذكره سهل من شَأْن آدم وعدو الله إِبْلِيس الثَّانِي أَن ذَنْب ارْتِكَاب النَّهْي مصدره فِي الْغَالِب الشَّهْوَة وَالْحَاجة وذنب ترك الْأَمر مصدره فِي الْغَالِب الْكبر والعزة وَلَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر ويدخلها من مَاتَ على التَّوْحِيد وَإِن زنى وسرق الثَّالِث أَن فعل الْمَأْمُور أحب إِلَى الله من ترك الْمنْهِي كَمَا دلّ على ذَلِك النُّصُوص كَقَوْلِه أحب الْأَعْمَال إِلَى الله الصَّلَاة على وَقتهَا وَقَوله أَلا أنبئكم بِخَير أَعمالكُم وأزكاها عِنْد مليككم وأرفعها فِي درجاتكم وَخير لكم من أَن تلقوا عَدوكُمْ فتضربوا أَعْنَاقهم ويضربوا أَعْنَاقكُم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ ذكر الله وَقَوله اعلموا أَن خير أَعمالكُم الصَّلَاة وَغير ذَلِك من النُّصُوص وَترك المناهي عمل فَإِنَّهُ كف النَّفس عَن الْفِعْل وَلِهَذَا علّق سُبْحَانَهُ الْمحبَّة بِفعل الْأَوَامِر كَقَوْلِه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صفا﴾ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ وَأما فِي جَانب المناهي فَأكْثر مَا جَاءَ النَّفْي للمحبة وَقَوله ﴿وَاللَّهُ لَا يحب الْفساد﴾ وَقَوله ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فخور﴾ وَقَوله ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ وَقَوله ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا من ظلم﴾ وَقَوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ﴾
стр. 117
﴿كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ ونظائره وَأخْبر فِي مَوضِع آخر أَنه يكرهها ويسخطها كَقَوْلِه ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوها﴾ وَقَوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ الله﴾
إِذا عرف هَذَا فَفعل مَا يُحِبهُ سُبْحَانَهُ مَقْصُود بِالذَّاتِ وَلِهَذَا يقدر مَا يكرههُ ويسخطه لإفضائه إِلَى مَا يحب كَمَا قدر الْمعاصِي وَالْكفْر والفسوق لما ترَتّب على تقديرها مِمَّا يُحِبهُ من لوازمها من الْجِهَاد واتخاذ الشُّهَدَاء وَحُصُول التَّوْبَة من العَبْد والتضرّع إِلَيْهِ والاستكانة وَإِظْهَار عدله وعفوه وانتقامه وعزه وَحُصُول المولاة والمعاداة لأَجله وَغير ذَلِك من الْآثَار الَّتِي وجودهَا بِسَبَب تَقْدِيره مَا يكره أحب إِلَيْهِ من ارتفاعها بارتفاع أَسبَابهَا وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يقدر مَا يحب لإفضائه إِلَى حُصُول مَا يكرههُ ويسخطه كَمَا يقدر مَا يكرههُ لإفضائه إِلَى مَا يُحِبهُ فَعلم أَن فعل مَا يُحِبهُ أحب إِلَيْهِ مِمَّا يكرههُ يُوضحهُ الْوَجْه الرَّابِع أَن فعل الْمَأْمُور مَقْصُود لذاته وَترك الْمنْهِي مَقْصُود لتكميل فعل الْمَأْمُور فَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ لأجل كَونه يخل بِفعل الْمَأْمُور أَو يُضعفهُ وينقصه كَمَا نبه سُبْحَانَهُ على ذَلِك فِي النَّهْي عَن الْخمر وَالْميسر بكونهما يصدان عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة فالمنهيات قواطع وموانع صادة عَن فعل المأمورات أَو عَن كمالها فالنهي عَنْهَا من بَاب الْمَقْصُود لغيره وَالْأَمر بالواجبات من بَاب الْمَقْصُود لنَفسِهِ يُوضحهُ الْوَجْه الْخَامِس أَن فعل المأمورات من بَاب حفظ قُوَّة الْإِيمَان وبقائها وَترك المنهيات من بَاب الحمية عَمَّا يشوش قُوَّة الْإِيمَان ويخرجها عَن الِاعْتِدَال وَحفظ الْقُوَّة مقدم على الحمية فَإِن الْقُوَّة كلما قويت دفعت الْموَاد الْفَاسِدَة وَإِذا ضعفت غلبت الْموَاد الْفَاسِدَة فالحمية مُرَاد لغَيْرهَا وَهُوَ حفظ الْقُوَّة وزيادتها وبقاؤها وَلِهَذَا كلما قويت قُوَّة الْإِيمَان دفعت الْموَاد الرَّديئَة ومنعت من غلبتها وَكَثْرَتهَا بِحَسب الْقُوَّة وضعفها وَإِذا ضعفت غلبت الْموَاد الْفَاسِدَة فَتَأمل هَذَا الْوَجْه الْوَجْه السَّادِس أَن فعل المأمورات حَيَاة الْقلب وغذاؤه وزينته وسروره وقرة عينه ولذته ونعيمه وَترك المنهيات بِدُونِ ذَلِك لَا يحصل لَهُ شَيْئا من ذَلِك فَإِنَّهُ لَو ترك جَمِيع المنهيات وَلم
стр. 118
يَأْتِ بِالْإِيمَان والأعمال الْمَأْمُور بهَا لم يَنْفَعهُ ذَلِك التّرْك شَيْئا وَكَانَ خَالِدا فِي النَّار وَهَذَا يتَبَيَّن بِالْوَجْهِ السَّابِع أَن من فعل المأمورات والمنهيات فَهُوَ إِمَّا نَاجٍ مُطلقًا إِن غلبت حَسَنَاته سيئاته وَإِمَّا نَاجٍ بعد أَن يُؤْخَذ مِنْهُ الْحق ويعاقب على سيئاته فمآله إِلَى النجَاة وَذَلِكَ بِفعل الْمَأْمُور وَمن ترك المأمورات والمنهيات فَهُوَ هَالك غير نَاجٍ وَلَا ينجو إِلَّا بِفعل الْمَأْمُور وَهُوَ التَّوْحِيد
فَإِن قيل فَهُوَ إِنَّمَا هلك بارتكاب الْمَحْظُور وَهُوَ الشّرك قيل يَكْفِي فِي الْهَلَاك ترك نفس التَّوْحِيد الْمَأْمُور بِهِ وَإِن لم يَأْتِ بضد وجودي من الشّرك بل مَتى خلا قلبه من التَّوْحِيد رَأْسا فَلم يوحد الله فَهُوَ هَالك وان لم يعبد مَعَه غَيره فَإِذا انضاف إِلَيْهِ عبَادَة غَيره عذب على ترك التَّوْحِيد الْمَأْمُور بِهِ وَفعل الشّرك الْمنْهِي عَنهُ يُوضحهُ الْوَجْه الثَّامِن أَن الْمَدْعُو إِلَى الْإِيمَان إِذا قَالَ لَا أصدق وَلَا أكذب وَلَا أحب وَلَا أبْغض وَلَا أعبده وَلَا أعبد غَيره كَانَ كَافِرًا بِمُجَرَّد التّرْك والإعراض بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ أَنا أصدق الرَّسُول وأحبه وَأُؤْمِنُ بِهِ وأفعل مَا أَمرنِي وَلَكِن شهوتي وإرادتي وطبعي حاكمة عَليّ لَا تدعني أترك مَا نهاني عَنهُ وَأَنا أعلم أَنه قد نهاني وَكره لي فعل الْمنْهِي وَلَكِن لَا صَبر لي عَنهُ فَهَذَا لَا يعد كَافِرًا بذلك وَلَا حكمه حكم الأول فَإِن هَذَا مُطِيع من وَجه وتارك الْمَأْمُور جملَة لَا يعد مُطيعًا بِوَجْه يُوضحهُ الْوَجْه التَّاسِع أَن الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة إِنَّمَا تتَعَلَّق بِالْأَمر أصلا وبالنهي تبعا فالمطيع ممتثل الْمَأْمُور والعاصي تَارِك الْمَأْمُور قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمرهم﴾ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتهمْ ضلوا أَن لَا تتبعني أفعصيت أمرى وَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ عِنْد مَوته أَنا الَّذِي أَمرتنِي فعصيت وَلَكِن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَقَالَ الشَّاعِر أَمرتك أمرا جَازِمًا فعصيتني
وَالْمَقْصُود من إرْسَال الرُّسُل طَاعَة الْمُرْسل وَلَا تحصل إِلَّا بامتثال أوامره وَاجْتنَاب المناهي من تَمام امْتِثَال الْأَوَامِر ولوازمه وَلِهَذَا لَو اجْتنب المناهي وَلم يفعل مَا أَمر بِهِ لم يكن مُطيعًا وَكَانَ عَاصِيا بِخِلَاف مَا لَو أَتَى بالمأمورات وارتكب
стр. 119
المناهي فَإِنَّهُ وَإِن عد عَاصِيا مذنبا فَإِنَّهُ مُطِيع بامتثال الْأَمر عَاص بارتكاب النَّهْي بِخِلَاف تَارِك الْأَمر فَإِنَّهُ لَا يعد مُطيعًا باجتناب المنهيات خَاصَّة الْوَجْه الْعَاشِر أَن امْتِثَال الْأَمر عبودية وتقرب وخدمة وَتلك الْعِبَادَة الَّتِي خلق لأَجلهَا الْخلق كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا ليعبدون﴾ فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه إِنَّمَا خلقهمْ لِلْعِبَادَةِ وَكَذَلِكَ إِنَّمَا أرسل إِلَيْهِم رسله وَأنزل عَلَيْهِم كتبه ليعبدوه فالعبادة هِيَ الْغَايَة الَّتِي خلقُوا لَهَا وَلم يخلقوا لمُجَرّد التّرْك فَإِنَّهُ أَمر عدمي لَا كَمَال فِيهِ من حَيْثُ هُوَ عدم بِخِلَاف امْتِثَال الْمَأْمُور فَإِنَّهُ أَمر وجودي مَطْلُوب الْحُصُول وَهَذَا يتَبَيَّن بِالْوَجْهِ الْحَادِي عشر وَهُوَ أَن الْمَطْلُوب بِالنَّهْي عدم الْفِعْل وَهُوَ أَمر عدمي وَالْمَطْلُوب بِالْأَمر إِيجَاد فعل وَهُوَ أَمر وجودي فمتعلق الْأَمر الايجاد ومتعلق النَّهْي الإعدام أَو الْعَدَم وَهُوَ أَمر لَا كَمَال فِيهِ إِلَّا إِذا تضمن أمرا وجوديا فَإِن الْعَدَم من حَيْثُ هُوَ عدم لَا كَمَال فِيهِ وَلَا مصلحَة إِلَّا إِذا تضمن أمرا وجوديا مُطلقًا وَذَلِكَ الْأَمر الوجودي مَطْلُوب مَأْمُور بِهِ فَعَادَت حَقِيقَة النَّهْي إِلَى الْأَمر وَأَن الْمَطْلُوب بِهِ مَا فِي ضمن النَّهْي من الْأَمر الوجودي الْمَطْلُوب بِهِ وَهَذَا يَتَّضِح بِالْوَجْهِ الثَّانِي عشر وَهُوَ أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي الْمَطْلُوب بِالنَّهْي على أَقْوَال أَحدهَا أَن الْمَطْلُوب بِهِ كف النَّفس عَن الْفِعْل وحبسها عَنهُ وَهُوَ أَمر وجودي قَالُوا لِأَن التَّكْلِيف إِنَّمَا يتَعَلَّق بالمقدور والعدم الْمَحْض غير مَقْدُور وَهَذَا قَول الْجُمْهُور وَقَالَ أَبُو هَاشم وَغَيره بل الْمَطْلُوب عدم الْفِعْل وَلِهَذَا يحصل الْمَقْصُود من بَقَائِهِ على الْعَدَم وَإِن لم يخْطر بِبَالِهِ الْفِعْل فضلا أَن يقْصد الْكَفّ عَنهُ وَلَو كَانَ الْمَطْلُوب الْكَفّ لَكَانَ عَاصِيا إِذا لم يَأْتِ بِهِ وَلِأَن النَّاس يمدحون بِعَدَمِ فعل الْقَبِيح من لم يخْطر بِبَالِهِ فعله والكف عَنهُ وَهَذَا أحد قولي القَاضِي أبي بكر ولأجله الْتزم أَن عدم الْفِعْل مَقْدُور للْعَبد وداخل تَحت الْكسْب قَالَ وَالْمَقْصُود بِالنَّهْي الْإِبْقَاء على الْعَدَم الْأَصْلِيّ وَهُوَ مَقْدُور وَقَالَت طَائِفَة الْمَطْلُوب بِالنَّهْي فعل الضِّدّ فَإِنَّهُ هُوَ الْمَقْدُور وَهُوَ الْمَقْصُود للناهي فَإِنَّهُ إِنَّمَا نَهَاهُ عَن الْفَاحِشَة طلبا
стр. 120
للعفة وَهِي الْمَأْمُور بهَا وَنَهَاهُ عَن الظُّلم طلبا للعدل الْمَأْمُور بِهِ وَعَن الْكَذِب طلبا للصدق الْمَأْمُور بِهِ وَهَكَذَا جَمِيع المنهيات فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ أَن حَقِيقَة النَّهْي الطّلب لضد لمنهى عَنهُ فَعَاد الْأَمر إِلَى أَن الطّلب إِنَّمَا تعلق بِفعل الْمَأْمُور
وَالتَّحْقِيق أَن الْمَطْلُوب نَوْعَانِ مَطْلُوب لنَفسِهِ وَهُوَ الْمَأْمُور بِهِ ومطلوب إعدامه لمضادته الْمَأْمُور بِهِ وَهُوَ الْمنْهِي عَنهُ لما فِيهِ من الْمفْسدَة المضادة للْمَأْمُور بِهِ فَإِذا لم يخْطر ببال الْمُكَلف وَلَا دَعَتْهُ نَفسه إِلَيْهِ بل اسْتمرّ على الْعَدَم الْأَصْلِيّ لم يثب على تَركه وَإِن خطر بِبَالِهِ وكف نَفسه عَنهُ لله وَتَركه اخْتِيَار أثيب عل كف نَفسه وامتناعه فَإِنَّهُ فعل وجودي وَالثَّوَاب إِنَّمَا يَقع على الْأَمر الوجودي دون الْعَدَم الْمَحْض وَإِن تَركه مَعَ عزمه الْجَازِم على فعله لَكِن تَركه عَجزا فَهَذَا وَإِن لم يُعَاقب عُقُوبَة الْفَاعِل لَكِن يُعَاقب على عزمه وإرادته الجازمة الَّتِي إِنَّمَا تخلف مرادها عَجزا وَقد دلّت على ذَلِك النُّصُوص الْكَثِيرَة فَلَا يلْتَفت إِلَى مَا خالفها كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ من يَشَاء﴾ وَقَوله فِي كاتم الشَّهَادَة ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قلبه﴾ وَقَوله ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وَقَوله ﴿يَوْمَ تُبْلَى السرائر﴾ وَقَوله إِذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار قَالُوا هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول قَالَ إِنَّه أَرَادَ قتل صَاحبه وَقَوله فِي الحَدِيث الآخر وَرجل قَالَ لَو أَن لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته وهما فِي الْوزر سَوَاء وَقَول من قَالَ أَن الْمَطْلُوب بِالنَّهْي فعل الضِّدّ لَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْمَقْصُود عدم الْفِعْل والتلبس بالضدين فَإِن مَالا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ غير مَقْصُود بِالْقَصْدِ الأول وَإِن كَانَ الْمَقْصُود بِالْقَصْدِ الأول الْمَأْمُور الَّذِي نهى عَمَّا يمنعهُ ويضعفه فالمنهي عَنهُ مَطْلُوب إعدامه طلب الْوَسَائِل والذرائع والمأمور بِهِ مَطْلُوب إيجاده طلب الْمَقَاصِد والغايات وَقَول أبي هَاشم إِن تَارِك القبائح يحمد وَإِن لم يخْطر بِبَالِهِ كف النَّفس فَإِن أَرَادَ
стр. 121
بِحَمْدِهِ أَنه لَا يذم فَصَحِيح وَإِن أَرَادَ أَنه يثني عَلَيْهِ بذلك وَيُحب عَلَيْهِ وَيسْتَحق الثَّوَاب فَغير صَحِيح فَإِن النَّاس لَا يحْمَدُونَ المحبوب على ترك الزِّنَا وَلَا الْأَخْرَس على عدم الْغَيْبَة والسب وَإِنَّمَا يحْمَدُونَ الْقَادِر الْمُمْتَنع عَن قدرَة وداع إِلَى الْفِعْل وَقَول القَاضِي الْإِبْقَاء على الْعَدَم الْأَصْلِيّ مَقْدُور فَإِن أَرَادَ بِهِ كف النَّفس ومنعها فَصَحِيح وَإِن أَرَادَ مجرّد الْعَدَم فَلَيْسَ كَذَلِك وَهَذَا يتَبَيَّن بِالْوَجْهِ الثَّالِث عشر وَهُوَ أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه من طَرِيق اللُّزُوم الْعقلِيّ لَا الْقَصْد الطلبي فَإِن الْأَمر إِنَّمَا مَقْصُود فعل الْمَأْمُور فَإِذا كَانَ من لوازمه ترك الضِّدّ صَار تَركه مَقْصُودا لغيره وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَسْأَلَة الْأَمر بالشَّيْء هَل هُوَ نهي عَن ضِدّه أم لَا فَهُوَ نهي عَنهُ من جِهَة اللُّزُوم لَا من جِهَة الْقَصْد والطلب وَكَذَلِكَ النَّهْي عَن الشَّيْء مَقْصُود الناهي بِالْقَصْدِ الأول الِانْتِهَاء عَن الْمنْهِي عَنهُ وَكَونه مشتغلا بضده جَاءَ من جِهَة اللُّزُوم الْعقلِيّ لَكِن إِنَّمَا نهى عَمَّا يضاد مَا أَمر بِهِ كَمَا تقدم فَكَأَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الْمَقْصُود بِالْقَصْدِ الأول فِي الْمَوْضِعَيْنِ
وحرف الْمَسْأَلَة أَن طلب الشَّيْء طلب لَهُ بِالذَّاتِ وَلما هُوَ من ضَرُورَته باللزوم وَالنَّهْي عَن الشَّيْء طلب لتَركه بِالذَّاتِ ولفعل مَا هُوَ من ضَرُورَة التّرْك باللزوم وَالْمَطْلُوب فِي الْمَوْضِعَيْنِ فعل وكف وَكِلَاهُمَا أَمر وجودي الْوَجْه الرَّابِع عشر أَن الْأَمر وَالنَّهْي فِي بَاب الطّلب نَظِير النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي بَاب الْخَبَر والمدح وَالثنَاء لَا يحصلان بِالنَّفْيِ الْمَحْض إِن لم يتَضَمَّن ثبوتا فَإِن النَّفْي كاسمه عدم لَا كَمَال فِيهِ وَلَا مدح فَإِذا تضمن ثبوتا صَحَّ الْمَدْح بِهِ كنفي النسْيَان المستلزم لكَمَال الْعلم وَبَيَانه وَنفي اللغوب والإعياء والتعب المستلزم لكَمَال الْقُوَّة وَالْقُدْرَة وَنفي السّنة وَالنَّوْم المستلزم لكَمَال الْحَيَاة والقومية وَنفي الْوَلَد والصاحبة المستلزم لكَمَال الْغنى وَالْملك والربوبية وَنفي الشَّرِيك وَالْوَلِيّ وَالشَّفِيع بِدُونِ الْإِذْن المستلزم لكَمَال التَّوْحِيد والتفرّد بالكمال والإلهية وَالْملك وَنفي الظُّلم المتضمن لكَمَال الْعدْل وَنفي إِدْرَاك الْأَبْصَار لَهُ المتضمن لعظمته وَأَنه أجلّ من أَن يدْرك وَإِن رَأَتْهُ
стр. 122
الْأَبْصَار وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي كَونه لَا يرى مدح بِوَجْه من الْوُجُوه فَإِن الْعَدَم الْمَحْض كَذَلِك
وَإِذا عرف هَذَا فالمنهي عَنهُ إِن لم يتَضَمَّن أمرا وجوديا ثبوتيا لم يمدح بِتَرْكِهِ وَلم يسْتَحق الثَّوَاب وَالثنَاء بِمُجَرَّد التّرْك الايستحق الْمَدْح وَالثنَاء بِمُجَرَّد الْوَصْف العدمي الْوَجْه الْخَامِس عشر أَن الله سُبْحَانَهُ جعل جَزَاء المأمورات عشرَة أَمْثَال نعلها وَجَزَاء المنهيات مثل وَاحِد وَهَذَا يدل على أَن فعل مَا أَمر بِهِ أحب إِلَيْهِ من ترك مَا نهى عَنهُ وَلَو كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ لكَانَتْ السَّيئَة بِعشْرَة والحسنة بِوَاحِدَة أَو تَسَاويا الْوَجْه السَّادِس عشر أَن الْمنْهِي عَنهُ الْمَقْصُود إعدامه وَأَن لَا يدْخل فِي الْوُجُود سَوَاء نوى ذَلِك أَو لم يُنَوّه وَسَوَاء خطر بِبَالِهِ أَو لم يخْطر فالمقصود أَن لَا يكون وَأما الْمَأْمُور بِهِ فالمقصود كَونه ايجاد والتقرب بِهِ نِيَّة وفعلا
وسر الْمَسْأَلَة أَن وجود مَا طلب إيجاده أحب إِلَيْهِ من عدم مَا طلب إعدامه وَعدم مَا أحبه أكره إِلَيْهِ من وجود مَا يبغضه فمحبته لفعل مَا أَمر بِهِ أعظم من كَرَاهَته لفعل مَا نهى عَنهُ يُوضحهُ الْوَجْه السَّابِع عشر أَن فعل مَا يُحِبهُ والإعانة عَلَيْهِ وجزاؤه وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْمَدْح وَالثنَاء من رَحمته وَفعل مايكره وجزاؤهما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الذَّم والألم وَالْعِقَاب من غَضَبه وَرَحمته سَابِقَة على غَضَبه غالبة لَهُ وكل مَا كَانَ من صفة الرَّحْمَة فَهُوَ غَالب لما كَانَ من صفة الْغَضَب فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يكون إِلَّا رحِيما وَرَحمته من لَوَازِم ذَاته كعلمه وَقدرته وحياته وسَمعه وبصره وإحسانه فيستحيل أَن يكون على خلاف ذَلِك وَلَيْسَ كَذَلِك غَضَبه فَإِنَّهُ لَيْسَ من لَوَازِم ذَاته وَلَا يكون غضبانا دَائِما غَضبا لَا يتَصَوَّر انفكاكه بل يَقُول رسله وَأعلم الْخلق بِهِ يَوْم الْقِيَامَة إِن رَبِّي قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغْضب قبله مثله وَلنْ يغْضب بعده مثله وَرَحمته وسعت كل شَيْء وغضبه لم يسع كل شَيْء وَهُوَ سُبْحَانَهُ كتب على نَفسه الرَّحْمَة وَلم يكْتب على نَفسه الْغَضَب ووسع كل شَيْء رَحْمَة وعلما وَلم يسع كل شَيْء غَضبا وانتقاما فالرحمة وَمَا كَانَ بهَا ولوازمها وآثارها غالبة على الْغَضَب
стр. 123
وَمَا كَانَ مِنْهُ وآثاره فوجود مَا كَانَ بِالرَّحْمَةِ أحب إِلَيْهِ من وجود مَا كَانَ من لَوَازِم الْغَضَب وَلِهَذَا كَانَت الرَّحْمَة أحب إِلَيْهِ من الْعَذَاب وَالْعَفو أحب إِلَيْهِ من الانتقام فوجود محبوبه أحب إِلَيْهِ من فَوَات مكروهه وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ فِي فَوَات مكروهه فَوَات مَا يُحِبهُ من لوازمه فَإِنَّهُ يكره فَوَات تِلْكَ اللوازم المحبوبة كَمَا يكره وجود ذَلِك الْمَلْزُوم الْمَكْرُوه الْوَجْه الثَّامِن عشر أَن آثَار مَا يكرههُ وَهُوَ المنهيات أسْرع زوالا بِمَا يُحِبهُ من زَوَال آثَار مَا يُحِبهُ بِمَا يكرههُ فآثار كَرَاهَته سريعة الزَّوَال وَقد يزيلها سُبْحَانَهُ بِالْعَفو والتجاوز وتزول لتوبة وَالِاسْتِغْفَار والأعمال الصَّالِحَة والمصائب الْكَفَرَة والشفاعة والحسنات يذْهبن والسيئات وَلَو بلغت ذنُوب العَبْد عنان السَّمَاء ثمَّ استغفره غفر لَهُ وَلَو لقِيه بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقِيه لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا لأتاه بقرابها مغْفرَة وَهُوَ سُبْحَانَهُ يغْفر الذُّنُوب وَإِن تعاظمت وَلَا يُبَالِي فيبطلها وَيبْطل آثارها بِأَدْنَى سعي من العَبْد وتوبة نصوح وَنَدم على مَا فعل وَمَا ذَاك إِلَّا لوُجُود مَا يُحِبهُ من تَوْبَة العَبْد وطاعته وتوحيده فدلّ على أَن وجود ذَلِك أحب إِلَيْهِ وأرضى لَهُ يُوضحهُ الْوَجْه التَّاسِع عشر وَهُوَ أَنه سُبْحَانَهُ قدر مَا يبغضه ويكرهه من المنهيات لما يَتَرَتَّب عَلَيْهَا مِمَّا يُحِبهُ ويفرح بِهِ من المأمورات فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أفرح بتوبة عَبده من الفاقد الْوَاجِد والعقيم الْوَالِد والظمآن الْوَارِد وَقد ضرب رَسُول الله لفرحه بتوبة العَبْد مثلا لَيْسَ فِي المفروح بِهِ أبلغ مِنْهُ وَهَذَا الْفَرح إِنَّمَا كَانَ بِفعل الْمَأْمُور بِهِ وَهُوَ التَّوْبَة فَقدر الذَّنب لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من هَذَا الْفَرح الْعَظِيم الَّذِي وجوده أحب إِلَيْهِ من فَوَاته ووجوده بِدُونِ لَازمه مُمْتَنع فَدلَّ على أَن وجود مَا يحب أحب إِلَيْهِ من فَوَات مَا يكره وَلَيْسَ المُرَاد بذلك أَن كل فَرد من أَفْرَاد مَا يحب أحب إِلَيْهِ من فَوَات كل فَرد مِمَّا يكره حَتَّى تكون رَكعَتَا الضُّحَى أحب إِلَيْهِ من فَوَات قتل الْمُسلم وَإِنَّمَا المُرَاد أَن جنس فعل المأمورات أفضل من جنس ترك الْمَحْظُورَات كَمَا إِذا فضل الذّكر على الْأُنْثَى والإنسي على الْملك فَالْمُرَاد الْجِنْس لَا عُمُوم الْأَعْيَان
стр. 124
وَالْمَقْصُود أَن هَذَا الْفَرح الَّذِي لَا فَرح يُشبههُ فعل مَأْمُور التَّوْبَة يدل على أَن هَذَا الْمَأْمُور أحب إِلَيْهِ من فَوَات الْمَحْظُور الَّذِي تفوت بِهِ التَّوْبَة وأثرها ومقتضاها فَإِن قيل إِنَّمَا فَرح بِالتَّوْبَةِ لِأَنَّهَا ترك للمنهي فَكَانَ الْفَرح بِالتّرْكِ قيل لَيْسَ كَذَلِك فَإِن التّرْك الْمَحْض لَا يُوجب هَذَا الْفَرح بل وَلَا الثَّوَاب وَلَا الْمَدْح وَلَيْسَت التَّوْبَة تركا وَإِن كَانَ التّرْك من لوازمها وَإِنَّمَا هِيَ فعل وجودي يتَضَمَّن إقبال التائب على ربه وإنابته إِلَيْهِ والتزام طَاعَته وَمن لَوَازِم ذَلِك ترك مَا نهى عَنهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فالتوبة رُجُوع مِمَّا يكره إِلَى مَا يحب وَلَيْسَت مُجَرّد التّرْك فَإِن من ترك الذَّنب تركا مُجَردا وَلم يرجع مِنْهُ إِلَى مَا يُحِبهُ الرب تَعَالَى لم يكن تَائِبًا فالتوبة رُجُوع وإقبال وإنابة لَا ترك مَحْض الْوَجْه الْعشْرُونَ أَن الْمَأْمُور بِهِ إِذا فَاتَ فَاتَت الْحَيَاة الْمَطْلُوبَة للْعَبد وَهِي الَّتِي قَالَ تَعَالَى فِيهَا
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿أَو من كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات﴾ وَقَالَ فِي حق الْكفَّار ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحيَاء﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّكَ لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ وَأما الْمنْهِي عَنهُ فغايته أَن يُوجد الْمَرَض وحياة مَعَ السقم خير من موت فَإِن قيل وَمن الْمنْهِي عَنهُ مَا يُوجب الْهَلَاك وَهُوَ الشّرك قيل الهلك إِنَّمَا حصل بِعَدَمِ التَّوْحِيد الْمَأْمُور بِهِ الْحَيَاة فَلَمَّا فقد حصل الْهَلَاك فَمَا هلك إِلَّا من عدم إِتْيَانه بالمأمور بِهِ وَهُوَ وَهَذَا وَجه حاد وَعِشْرُونَ فِي الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن فِي المأمورات مَا يجب فَوَاته الْهَلَاك والشقاء الدَّائِم وَلَيْسَ فِي المنهيات مَا يَقْتَضِي ذَلِك الْوَجْه الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أَن فعل الْمَأْمُور يتضى ترك الْمنْهِي عَنهُ إِذا فعل على وَجهه من الْإِخْلَاص والمتابعة والنصح لله فِيهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وَمُجَرَّد ترك الْمنْهِي لَا يَقْتَضِي فعل الْمَأْمُور وَلَا يستلزمه الْوَجْه الثَّالِث وَالْعشْرُونَ أَن مَا يُحِبهُ من المأمورات فَهُوَ متعلّق بصفاته وَمَا يكرههُ من المنهيات فمتعلق بمفعولاته وَهَذَا وَجه دَقِيق يحْتَاج إِلَى بَيَان فَنَقُول
стр. 125
المنهيات شرور وتفضي الي شرور والمأمورات خير وتفضي إِلَى الْخيرَات وَالْخَيْر بيدَيْهِ سُبْحَانَهُ وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْهِ فَإِن الشَّرّ لَا يدْخل فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله وَلَا فِي أَسْمَائِهِ وَإِنَّمَا هُوَ من المفعولات مَعَ أَنه شَرّ بِالْإِضَافَة وَالنِّسْبَة إِلَى العَبْد وَإِلَّا من حَيْثُ إِضَافَته ونسبته إِلَى الْخَالِق سُبْحَانَهُ فَلَيْسَ بشر من هَذِه الْجِهَة فغاية ارْتِكَاب النهى أَن يُوجب شرا بِالْإِضَافَة إِلَى العَبْد مَعَ أَنه فِي نَفسه لَيْسَ بشر وَأما فَوَات الْمَأْمُور فَيفوت بِهِ وَالْخَيْر الَّذِي بفواته يحصل ضِدّه من الشَّرّ وَكلما كَانَ الْمَأْمُور أحب إِلَى الله سُبْحَانَهُ كَانَ الشَّرّ الْحَاصِل بفواته أعظم كالتوحيد وَالْإِيمَان وسر هَذِه الْوُجُوه أَن الْمَأْمُور محبوبه والمنهي مكروهه وَوُقُوع محبوبه أحب إِلَيْهِ من فَوَات مكروهه وفوات محبوبه أكره إِلَيْهِ من وُقُوع مكروهه وَالله أعلم
فصل مبْنى الدّين على قاعدتين الذّكر وَالشُّكْر قَالَ تَعَالَى
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تكفرون﴾ وَقَالَ النَّبِي لِمعَاذ وَالله إِنِّي لَأحبك فَلَا تنسى أَن تَقول دبر كل صَلَاة اللَّهُمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وَحسن عبادتك وَلَيْسَ المُرَاد بِالذكر مُجَرّد الذّكر اللِّسَان بل الذّكر القلبي واللساني وَذكره يتَضَمَّن ذكر أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَذكر أمره وَنَهْيه وَذكره بِكَلَامِهِ وَذَلِكَ يسْتَلْزم مَعْرفَته وَالْإِيمَان بِهِ وبصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله وَالثنَاء عَلَيْهِ بأنواع الْمَدْح وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بتوحيده فَذكره الْحَقِيقِيّ يسْتَلْزم ذَلِك كُله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إِلَى خلقه
وَأما الشُّكْر فَهُوَ الْقيام بِطَاعَتِهِ والتقرب إِلَيْهِ بأنواع محابه ظَاهرا وَبَاطنا وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ هما جماع الدّين فَذكره مُسْتَلْزم لمعرفته وشكره مُتَضَمّن لطاعته وَهَذَانِ هما الْغَايَة الَّتِي خلق لأَجلهَا الْجِنّ وَالْإِنْس وَالسَّمَوَات وَالْأَرْض وَوضع لأَجلهَا الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَأنزل الْكتب وَأرْسل الرُّسُل وَهِي الْحق الَّذِي بِهِ خلقت
стр. 126
السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وضدها هُوَ الْبَاطِل والعبث الَّذِي يتعالى ويتقدس عَنهُ وَهُوَ ظن أعدائه بِهِ قَالَ تَعَالَى وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذين كفرُوا وَقَالَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَقَالَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَة لآتية وَقَالَ بعد ذكر آيَاته فِي أول سُورَة يُونُس ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ وَقَالَ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا ليعبدون﴾ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سبع سموات وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ على كل شَيْء قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْء علما وَقَالَ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْء عليم فَثَبت بِمَا ذكر أَن غَايَة الْخلق وَالْأَمر أَن يذكر وَأَن يشْكر يذكر فَلَا ينسى ويشكر فَلَا يكفر وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذَاكر لمن ذكره شَاكر لمن شكره فَذكره سَبَب لذكره وشكره سَبَب لزيادته من فَضله فالذكر للقلب وَاللِّسَان وَالشُّكْر للقلب محبَّة وإنابة وللسان ثناد وَحمد وللجوارح طَاعَة وخدمة
فصل تكَرر فِي الْقُرْآن جعل الْأَعْمَال الْقَائِمَة بِالْقَلْبِ والجوارح سَبَب الْهِدَايَة
والإضلال فَيقوم بِالْقَلْبِ والجوارح أَعمال تَقْتَضِي الْهدى اقْتِضَاء السَّبَب لمسببه والمؤثر لأثره وَكَذَلِكَ الضلال فأعمال الْبر تثمر الْهدى وَكلما ازْدَادَ مِنْهَا ازْدَادَ هدى وأعمال الْفُجُور بالضد وَذَلِكَ أَن الله سُبْحَانَهُ يحب أَعمال الْبر فيجازي عَلَيْهَا بِالْهدى والفلاح وَيبغض أَعمال الْفُجُور ويجازي عَلَيْهَا بالضلال والشقاء وَأَيْضًا فَإِنَّهُ الْبر وَيُحب أهل الْبر فَيقرب قُلُوبهم مِنْهُ بِحَسب مَا قَامُوا بِهِ من الْبر
стр. 127
وَيبغض الْفُجُور وَأَهله فيبعد قُلُوبهم مِنْهُ بِحَسب مَا اتصفوا بِهِ من الْفُجُور فَمن الأَصْل الأول قَوْله تَعَالَى ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هدى لِلْمُتقين﴾ وَهَذَا يتَضَمَّن أَمريْن أَحدهمَا أَنه يهدي بِهِ من اتَّقى مَا خطه قبل نزُول الْكتاب فَإِن النَّاس على اخْتِلَاف مللهم ونحلهم قد اسْتَقر عِنْدهم أَن الله سُبْحَانَهُ يكره الظُّلم وَالْفَوَاحِش وَالْفساد فِي الأَرْض ويمقت فَاعل ذَلِك وَيُحب الْعدْل وَالْإِحْسَان والجود والصدق والإصلاح فِي الأَرْض وَيُحب فَاعل ذَلِك فَلَمَّا نزل الْكتاب أثاب سُبْحَانَهُ أهل الْبر بِأَن وفقهم للْإيمَان بِهِ جَزَاء لَهُم على برهم وطاعتهم وخذل أهل الْفُجُور وَالْفُحْش وَالظُّلم بِأَن حَال بَينهم وَبَين الاهتداء بِهِ وَالْأَمر الثَّانِي أَن العَبْد إِذا آمن بِالْكتاب واهتدى بِهِ مُجملا وَقبل أوامره وَصدق بأخباره كَانَ ذَلِك سَببا لهداية أُخْرَى تحصل لَهُ على التَّفْصِيل فَإِن الْهِدَايَة لَا نِهَايَة لَهَا وَلَو بلغ العَبْد فِيهَا مَا بلغ ففوق هدايته هِدَايَة أُخْرَى وَفَوق تِلْكَ الْهِدَايَة هِدَايَة أُخْرَى إِلَى غير غَايَة فَكلما اتَّقى العَبْد ربه ارْتقى إِلَى هِدَايَة أُخْرَى فَهُوَ فِي مزِيد هِدَايَة مَا دَامَ فِي مزِيد من التَّقْوَى وَكلما فوّت خطا من التَّقْوَى فَاتَهُ حَظّ من الْهِدَايَة بِحَسبِهِ فَكلما اتَّقى زَاد هداه وَكلما اهْتَدَى زَادَت تقواه قَالَ تَعَالَى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ وَقَالَ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ فهداهم أَولا للْإيمَان فَلَمَّا آمنُوا هدَاهُم للْإيمَان هِدَايَة بعد هِدَايَة وَنَظِير هَذَا قَوْله ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهتدوا هدى﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ وَمن الْفرْقَان مَا يعطيهم من لنُور الَّذِي يفرقون بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل والنصر والعز الَّذِي يتمكنون بِهِ من إِقَامَة الْحق وَكسر الْبَاطِل فسر الْفرْقَان بِهَذَا وَبِهَذَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ وَقَالَ
стр. 128
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شكور﴾ فِي سُورَة لُقْمَان وَسورَة إِبْرَاهِيم وسبأ والشورى فَأخْبر عَن آيَاته المشهودة العيانية أَنَّهَا إِنَّمَا ينْتَفع بهَا أهل الصَّبْر وَالشُّكْر كَمَا أخبر عَن آيَاته الإيمانية القرآنية أَنَّهَا إِنَّمَا ينْتَفع بهَا أهل التَّقْوَى والخشية والإنابة وَمن كَانَ قَصده اتّباع رضوانه وَأَنَّهَا يتَذَكَّر بهَا من يخشاه سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ طه أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لمن يخْشَى وَقَالَ فِي لساعة ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ من يخشاها﴾ وَأما من لَا يُؤمن بهَا وَلَا يرجوها وَلَا يخشاها فَلَا تَنْفَعهُ الْآيَات العيانية وَلَا القرآنية وَلِهَذَا لما ذكر سُبْحَانَهُ فِي سُورَة هود عقوبات الْأُمَم المكذبين للرسل وَمَا حل بهم فِي الدُّنْيَا من الخزي قَالَ بعد ذَلِك ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَاب الْآخِرَة﴾ فَأخْبر أَن عقوباته للمكذبين عِبْرَة لمن خَافَ عَذَاب الْآخِرَة وَأما من لَا يُؤمن بهَا وَلَا يخَاف عَذَابهَا فَلَا يكون ذَلِك عِبْرَة وَآيَة فِي حَقه اذا سمع ذَلِك قَالَ لم يزل فِي الدَّهْر الْخَيْر وَالشَّر وَالنَّعِيم والبؤس والسعادة والشقاوة وَرُبمَا أحَال ذَلِك على أَسبَاب فلكية وقوى نفسانية وَإِنَّمَا كَانَ الصَّبْر وَالشُّكْر سَببا لانتفاع صَاحبهمَا بِالْآيَاتِ يَنْبَنِي على الصَّبْر وَالشُّكْر فنصفه صَبر وَنصفه شكر فعلى حسب صَبر العَبْد وشكره تكون قُوَّة إيمَانه وآيات الله إِنَّمَا ينْتَفع بهَا من آمن بِاللَّه وَلَا يتم لَهُ الْإِيمَان إِلَّا بِالصبرِ وَالشُّكْر فَإِن رَأس الشُّكْر التَّوْحِيد وَرَأس الصَّبْر ترك إِجَابَة دَاعِي الْهوى فَإِذا كَانَ مُشْركًا مُتبعا هَوَاهُ لم يكن صَابِرًا وَلَا شكُورًا فَلَا تكون الْآيَات نافعة لَهُ وَلَا مُؤثرَة فِيهِ إِيمَانًا
فصل وَأما الأَصْل الثَّانِي وَهُوَ اقْتِضَاء الْفُجُور وَالْكبر وَالْكذب للضلال فكثير
أَيْضا فِي الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ﴾
стр. 129
﴿الْفَاسِقين الَّذين ينقضون عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ُيثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا مَا يُؤمنُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أول مرّة﴾ فَأخْبر أَنه عاقبهم على تخلفهم عَن الْإِيمَان لما جَاءَهُم وعرفوه وأعرضوا عَنهُ بِأَن قلب أفئدتهم وأبصارهم وَحَال بَينهم وَبَين الْإِيمَان كَمَا قَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَم أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ فَأَمرهمْ بالاستجابة لَهُ وَلِرَسُولِهِ حِين يَدعُوهُم إِلَى مَا فِيهِ حياتهم ثمَّ حذّرهم من التَّخَلُّف والتأخر عَن الاستجابة الَّذِي يكون سَببا لِأَن يحول بَينهم وَبَين قُلُوبهم قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن كسبهم غطى على قُلُوبهم وَحَال بَينهَا وَبَين الْإِيمَان بآياته فَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقين ﴿نَسُوا اللَّهَ فنسيهم﴾ فجازاهم على نسيانهم لَهُ أَن نسيهم فَلم يذكرهم بِالْهدى وَالرَّحْمَة وَأخْبر أَنه أنساهم أنفسهم فَلم يطلبوا كمالها بِالْعلمِ النافع وَالْعَمَل الصَّالح وهما الْهدى وَدين الْحق فأنساهم طلب ذَلِك ومحبته ومعرفته والحرص عَلَيْهِ عُقُوبَة لنسيانهم لَهُ وَقَالَ تَعَالَى فِي حقّهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وآتاهم تقواهم﴾ فَجمع لَهُم بَين اتّباع الْهوى والضلال الَّذِي هُوَ ثَمَرَته وموجبه كَمَا جمع للمهتدين بَين التَّقْوَى وَالْهدى
стр. 130
فصل وكما يقره سُبْحَانَهُ بَين الْهدى والتقى والضلال والغي فَكَذَلِك يقرن بَين
الْهدى وَالرَّحْمَة والضلال والشقاء فَمن الأول قَوْله ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وَقَالَ عَن الْمُؤمنِينَ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبنَا بعد ذ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ وَقَالَ أهل الْكَهْف ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾ وَقَالَ ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وَقَالَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لقوم يُؤمنُونَ وَقَالَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴿وَقَالَ﴾ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين ثمَّ أعَاد سُبْحَانَهُ ذكرهمَا فَقَالَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فبذلك فليفرحوا
وَقد تنوعت عِبَارَات السّلف فِي تَفْسِير الْفضل وَالرَّحْمَة وَالصَّحِيح أَنَّهُمَا الْهدى وَالنعْمَة ففضله هداه وَرَحمته نعْمَته وَلذَلِك يقرن بَين الْهدى وَالنعْمَة كَقَوْلِه فِي سُورَة الْفَاتِحَة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وَمن ذَلِك قَوْله لنَبيه يذكرهُ بنعمه عَلَيْهِ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى فَجمع لَهُ بَين هدايته لَهُ وإنعامه عَلَيْهِ بإيوائه وإغنائه وَمن ذَلِك قَول نوح يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كنت على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْده وَقَول شُعَيْب أَرَأَيْتُمْ إِن كنت على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَنا وَقَالَ عَن الْخضر فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا علما وَقَالَ لرَسُوله إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فتحا مُبينًا لغفر لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ
стр. 131
اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ﴿وَقَالَ﴾ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما ﴿وَقَالَ﴾ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ أحد أبدا ففضله هدايته وَرَحمته وإنعامه وإحسانه إِلَيْهِم وبره بهم وَقَالَ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يشقى وَالْهدى مَنعه من الضلال وَالرَّحْمَة مَنعه من الشَّقَاء وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره فِي أوّل السُّورَة فِي قَوْله طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآن لتشقى فَجمع لَهُ بَين إِنْزَال الْقُرْآن عَلَيْهِ وَنفى الشَّقَاء عَنهُ كَمَا قَالَ فِي آخرهَا فِي حق أَتْبَاعه فَلا يَضِلُّ وَلَا يشقى فالهدى وَالْفضل وَالنعْمَة ولرحمة متلازمات لَا يَنْفَكّ بَعْضهَا عَن بعض كَمَا أَن الضلال والشقاء متلازمان لَا يَنْفَكّ أَحدهمَا عَن الآخر قَالَ تَعَالَى إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضلال وسعر والسعر جمع سعير وَهُوَ الْعَذَاب الَّذِي هُوَ غَايَة الشَّقَاء وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هم الغافلون وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير
وَمن هَذَا أَنه سُبْحَانَهُ يجمع بَين الْهدى وانشراح الصَّدْر والحياة الطيّبة وَبَين الضلال وضيق الصَّدْر والمعيشة والضنك قَالَ تَعَالَى فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ لَهُ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴿وَقَالَ﴾ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ من ربه وَكَذَلِكَ يجمع بَين الْهدى والإنابة وَبَين الضلال وقسوة الْقلب قَالَ تَعَالَى اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَقَالَ تَعَالَى فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
فصل وَالْهدى وَالرَّحْمَة وتوابعها من الْفضل والإنعام كُله من صفة الْعَطاء
والإضلال
стр. 132
وَالْعَذَاب وتوابعها من صفة الْمَنْع وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصرف خلقه بَين عطائه وَمنعه وَذَلِكَ كُله صادر عَن حِكْمَة بَالِغَة وَملك تَامّ وَحمد تَامّ فَلَا إِلَه إِلَّا الله
فصل إِذا رَأَيْت النُّفُوس المبطلة الفارغة من الْإِرَادَة والطلب لهَذَا الشَّأْن قد
تشبثت بهَا هَذَا الْعَالم السفلي وَقد تشبثت بِهِ فَكلهَا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ اللَّائِق بهَا لفساد تركيبها وَلَا تنقش عَلَيْهَا ذَلِك فَإِنَّهُ سريع الانحلال عَنْهَا وَيبقى تشبثها بِهِ مَعَ انْقِطَاعه عَنْهَا عذَابا عَلَيْهَا بِحَسب ذَلِك التعلّق فَتبقى شهوتها وإرادتها فِيهَا وَقد حيل بَينهَا وَبَين مَا تشْتَهي على وَجه يئست مَعَه من حُصُول شهوتها ولذتها فَلَو تصوّر الْعَاقِل مَا فِي ذَلِك من الْأَلَم وَالْحَسْرَة لبادر إِلَى قطع هَذَا التَّعَلُّق كَمَا يُبَادر إِلَى حسم مواد الْفساد وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ ينَال نصِيبه من ذَلِك وَقَلبه وهمه مُتَعَلق بالمطلب الْأَعْلَى وَالله الْمُسْتَعَان
فصل إياك وَالْكذب فَإِنَّهُ يفْسد عَلَيْك تصور المعلومات على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَيفْسد
عَلَيْك تصورها وَتَعْلِيمهَا للنَّاس فَإِن الْكَاذِب يصور الْمَعْدُوم مَوْجُودا وَالْمَوْجُود مَعْدُوما وَالْحق بَاطِلا وَالْبَاطِل حَقًا وَالْخَيْر شرا وَالشَّر خيرا فَيفْسد عَلَيْهِ تصَوره وَعلمه عُقُوبَة لَهُ ثمَّ يصور ذَلِك فِي نفس الْمُخَاطب المغتر بِهِ الراكن إِلَيْهِ فَيفْسد عَلَيْهِ تصَوره وَعلمه وَنَفس الْكَاذِب معرضة عَن الْحَقِيقَة الْمَوْجُودَة نزاعة إِلَى الْعَدَم مُؤثرَة للباطل وَإِذا فَسدتْ عَلَيْهِ قُوَّة تصَوره وَعلمه الَّتِي هِيَ مبدأ كل فعل إرادي فَسدتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَفْعَال وسرى حكم الْكَذِب إِلَيْهَا فَصَارَ صدورها عَنهُ كصدور الْكَذِب عَن اللِّسَان فَلَا ينْتَفع بِلِسَانِهِ وَلَا بِأَعْمَالِهِ وَلِهَذَا كَانَ الْكَذِب أساس الْفُجُور كَمَا قَالَ النَّبِي إِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور وَإِن الْفُجُور يهدي إِلَى النَّار وَأول مَا يسري الْكَذِب من النَّفس إِلَى اللِّسَان فيفسده ثمَّ يسري إِلَى الْجَوَارِح
стр. 133
فَيفْسد عَلَيْهَا أَعمالهَا كَمَا أفسد على اللِّسَان أَقْوَاله فَيعم الْكَذِب أَقْوَاله وأعماله وأحواله فيستحكم عَلَيْهِ الْفساد ويترامى داؤه إِلَى الهلكة إِن لم تُدْرِكهُ الله بدواء الصدْق يقْلع تِلْكَ من أَصْلهَا وَلِهَذَا كَانَ أصل أَعمال الْقُلُوب كلهَا الصدْق وأضدادها من الرِّيَاء وَالْعجب وَالْكبر وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء والبطر والأشر وَالْعجز والكسل والجبن والمهانة وَغَيرهَا أَصْلهَا الْكَذِب فَكل عمل صَالح ظَاهر أَو بَاطِن فمنشؤه الصدْق وكل عمل فَاسد ظَاهر أَو بَاطِن فمنشؤه الْكَذِب وَالله تَعَالَى يُعَاقب الْكذَّاب بِأَن ويقعده ويثبطه عَن مَصَالِحه ومنافعه ويثيب الصَّادِق بِأَن يوفقه للْقِيَام بمصالح دُنْيَاهُ وآخرته فَمَا استجلبت مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِمثل الصدْق وَلَا مفاسدها ومضارهما بِمثل الْكَذِب قَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين وَقَالَ تَعَالَى هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقين صدقهم ﴿وَقَالَ﴾ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُم ﴿وَقَالَ﴾ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فصل فِي قَوْله تَعَالَى
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
فِي هَذِه الْآيَة عدَّة حكم وأسرار ومصالح للْعَبد فَإِن العَبْد إِذا علم أَن الْمَكْرُوه قد يَأْتِي بالمحبوب والمحبوب قد يَأْتِي بالمكروه لم يَأْمَن أَن توافيه الْمضرَّة من جَانب المسرّة وَلم ييأس أَن تَأتيه المسرة من جَانب الْمضرَّة لعدم علمه بالعواقب فَإِن الله يعلم مِنْهَا مَالا يُعلمهُ العَبْد وَأوجب لَهُ ذَلِك أمورا مِنْهَا أَنه لَا أَنْفَع لَهُ من امْتِثَال الْأَمر وَإِن شقّ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاء لِأَن عواقبه كلهَا خيرات ومسرات ولذات وأفراح وَإِن كرهته نَفسه فَهُوَ خير لَهَا وأنفع وَكَذَلِكَ لَا شَيْء أضرّ عَلَيْهِ من
стр. 134
ارْتِكَاب النَّهْي وَإِن هويته نَفسه ومالت إِلَيْهِ وَإِن عواقبه كلهَا آلام وأحزان وشرور ومصائب وخاصة الْعقل تحمل الْأَلَم الْيَسِير لما يعقبه من اللَّذَّة الْعَظِيمَة وَالْخَيْر الْكثير وَاجْتنَاب اللَّذَّة الْيَسِيرَة لما يعقبه من الْأَلَم الْعَظِيم وَالشَّر الطَّوِيل فَنظر الْجَاهِل لَا يُجَاوز المباديء إِلَى غاياتها والعاقل الكيّس دَائِما ينظر إِلَى الغايات من وَرَاء ستور مبادئها فَيرى مَا وَرَاء تِلْكَ الستور من الغايات المحمودة والمذمومة فَيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فِيهِ سم قَاتل فَكلما دعنه لذته إِلَى تنَاوله نَهَاهُ مَا فِيهِ من السم وَيرى الْأَوَامِر كدواء كريه المذاق مفض إِلَى الْعَافِيَة والشفاء وَكلما نَهَاهُ كَرَاهَة مذاقه عَن تنَاوله أمره نَفعه بالتناول وَلَكِن هَذَا يحْتَاج إِلَى فضل علم تدْرك بِهِ الغايات من مبادئها وَقُوَّة صَبر يوطن بِهِ نَفسه على تحمّل مشقة الطَّرِيق لما يؤول اعند الْغَايَة فَإِذا فقد الْيَقِين وَالصَّبْر تعذّر عَلَيْهِ ذَلِك وَإِذا قوي يقينه وَصَبره هان عَلَيْهِ كل مشقة يتحملها فِي طلب الْخَيْر الدَّائِم واللذة الدائمة
وَمن أسرار هَذِه الْآيَة أَنَّهَا تَقْتَضِي من العَبْد التَّفْوِيض إِلَى من يعلم عواقب الْأُمُور وَالرِّضَا بِمَا يختاره لَهُ ويقضيه لَهُ لما يَرْجُو فِيهِ من حسن الْعَاقِبَة وَمِنْهَا أَنه لَا يقترح على ربه وَلَا يخْتَار عَلَيْهِ وَلَا يسْأَله مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم فَلَعَلَّ مضرّته وهلاكه فِيهِ وَهولا يعلم فَلَا يخْتَار على ربه شَيْئا بل يسْأَله حسن الِاخْتِيَار لَهُ وَأَن يرضيه بِمَا يختاره فَلَا أَنْفَع لَهُ من ذَلِك وَمِنْهَا أَنه إِذا فوَّض إِلَى ربه وَرَضي بِمَا يختاره لَهُ أمده فِيمَا يختاره لَهُ بِالْقُوَّةِ عَلَيْهِ والعزيمة وَالصَّبْر وَصرف عَنهُ الْآفَات الَّتِي هِيَ عرضة اخْتِيَار العَبْد لنَفسِهِ وَأرَاهُ من حسن عواقب اخْتِيَاره لَهُ مَا لم يكن ليصل إِلَى بعضه بِمَا يختاره هُوَ لنَفسِهِ وَمِنْهَا أَنه يريحه من الأفكار المتعبة فِي أَنْوَاع الاختيارات ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات الَّتِي يصعد مِنْهُ فِي عقبَة وَينزل فِي أُخْرَى وَمَعَ هَذَا فَلَا خُرُوج لَهُ عَمَّا قدر عَلَيْهِ فَلَو رَضِي بِاخْتِيَار الله أَصَابَهُ الْقدر وَهُوَ مَحْمُود مشكور ملطوف بِهِ فِيهِ وَإِلَّا جرى عَلَيْهِ الْقدر وَهُوَ مَذْمُوم غير ملطوف بِهِ فِيهِ لِأَنَّهُ مَعَ اخْتِيَاره لنَفسِهِ وَمَتى صَحَّ تفويضه وَرضَاهُ اكتنفه فِي
стр. 135
الْمَقْدُور الْعَطف عَلَيْهِ اللطف بِهِ فَيصير بَين عطفه ولطفه فعطفه يَقِيه مَا يحذرهُ ولطفه يهوّن عَلَيْهِ مَا قدره إِذا نفذ الْقدر فِي العَبْد كَانَ من أعظم أَسبَاب نُفُوذه تحيله فِي رده فَلَا أَنْفَع لَهُ من الاستسلام وإلقاء نَفسه بَين يَدي الْقدر طريحا كالميتة فَإِن السَّبع لَا يرضى بِأَكْل الْجِيَف
فصل لَا ينْتَفع بِنِعْمَة الله بِالْإِيمَان وَالْعلم إِلَّا من عرف نَفسه ووقف بهَا
عِنْد قدرهَا وَلم يتجاوزه إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ وَلم يَتَعَدَّ طوره وَلم يقل هَذَا لي وتيقّن أَنه لله وَبِاللَّهِ وَمن الله فَهُوَ الْإِيمَان بِهِ ابْتِدَاء وإدامة لَا سَبَب من العَبْد وَلَا اسْتِحْقَاق مِنْهُ فتذله نعم الله عَلَيْهِ وتكسره كسرة من لَا يرى لنَفسِهِ وَلَا فِيهَا خيرا البتّة وَأَن الْخَيْر الَّذِي وصل إِلَيْهِ فَهُوَ لله وَبِه وَمِنْه فَتحدث لَهُ النعم ذلا وانكسارا عجيبا لَا يعبر عَنهُ فَكلما جدد لَهُ نعْمَة ازْدَادَ لَهُ ذلا وانكسارا وخشوعا ومحبة وخوفا ورجاء وَهَذَا نتيجة علمين شريفين علمه بربه وكماله وبره وغناه وجوده وإحسانه وَرَحمته وَأَن الْخَيْر كُله فِي يَدَيْهِ وَهُوَ ملكه يُؤْتِي مِنْهُ من يَشَاء وَيمْنَع مِنْهُ من يَشَاء وَله الْحَمد على هَذَا وَهَذَا أكمل حمد وأتمه وَعلمه بِنَفسِهِ ووقوفه على حَدهَا وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها وَأَنَّهَا لَا خير فِيهَا الْبَتَّةَ وَلَا لَهَا وَلَا بهَا وَلَا مِنْهَا وَأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا من ذَاتهَا إِلَّا الْعَدَم فَكَذَلِك من صفاتها وكمالها لَيْسَ لَهَا إِلَّا الْعَدَم الَّذِي لَا شَيْء أَحْقَر مِنْهُ وَلَا أنقص فَمَا فِيهَا من الْخَيْر تَابع لوجودها الَّذِي لَيْسَ إِلَيْهَا وَلَا بهَا فَإِذا صَار هَذَانِ العلمان صِيغَة لَهَا لَا صِيغَة على لسانها علمت حِينَئِذٍ أَن الْحَمد كُله لله وَالْأَمر كُله لَهُ وَالْخَيْر كُله فِي يَدَيْهِ وَأَنه هُوَ الْمُسْتَحق للحمد وَالثنَاء والمدح دونهَا وَأَنَّهَا هِيَ أولى بالذم وَالْعَيْب واللوم وَمن فَاتَهُ التَّحْقِيق بِهَذَيْنِ العلمين تلونت بِهِ أَقْوَاله وأعماله
стр. 136
وأحواله وتخبطت عَلَيْهِ وَلم يهتد إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الْموصل لَهُ إِلَى الله فإيصال العَبْد بتحقيق هَاتين المعرفتين علما وَحَالا وانقطاعه بفواتهما وَهَذَا معنى قَوْلهم من عرف نَفسه عرف ربه فَإِنَّهُ من عرف نَفسه بِالْجَهْلِ وَالظُّلم وَالْعَيْب والنقائص وَالْحَاجة والفقر والذل والمسكنة والعدم عرف ربه بضد ذَلِك فَوقف بِنَفسِهِ عِنْد قدرهَا وَلم يَتَعَدَّ بهَا طورها وَأثْنى على ربه بِبَعْض مَا هُوَ أَهله وانصرفت قُوَّة حبه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكله إِلَيْهِ وَحده وَكَانَ أحب شَيْء إِلَيْهِ وأخوف شَيْء عِنْده وأرجاه لَهُ وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة وَالله الْمُسْتَعَان
ويحكى أَن بعض الْحُكَمَاء كتب على بَاب بَيته انه لن ينْتَفع بحكمتنا إِلَّا من عرف نَفسه ووقف بهَا عِنْد قدرهَا فَمن كَانَ كَذَلِك فَلْيدْخلْ وَإِلَّا فَليرْجع حَتَّى يكون بِهَذِهِ الصّفة
فصل الصَّبْر عَن الشَّهْوَة أسهل من الصَّبْر على مَا توجبه الشَّهْوَة فَإِنَّهَا إِمَّا
إِن توجب ألما وعقوبة وَإِمَّا أَن تقطع لَذَّة أكمل مِنْهَا وَإِمَّا أَن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة وَإِمَّا أَن تثلم عرضا توفيره أَنْفَع للْعَبد من ثلمه وَإِمَّا أَن تذْهب مَالا بَقَاؤُهُ خير لَهُ من ذَهَابه وَإِمَّا أَن تضع قدرا وجاها قِيَامه خير من وَضعه وَإِمَّا أَن تسلب نعْمَة بَقَاؤُهَا ألذ وَأطيب من قَضَاء الشَّهْوَة وَإِمَّا أَن تطرق لوضيع إِلَيْك طَرِيقا لم يكن يجدهَا قبل ذَلِك وَإِمَّا أَن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لَا يُقَارب لَذَّة الشَّهْوَة وَإِمَّا أَن تنسي علما ذكره ألذ من نيل الشَّهْوَة وَإِمَّا أَن تشمت عدوا وتحزن وليا وَإِمَّا أَن تقطع الطَّرِيق على نعْمَة مقبلة وَإِمَّا أَن تحدث عَيْبا يبْقى صفة لَا تَزُول فَإِن الْأَعْمَال تورث الصِّفَات والأخلاق
فصل للأخلاق حد مَتى جاوزته صَارَت عُدْوانًا وَمَتى قصّرت عَنهُ كَانَ نقصا ومهانة
стр. 137
فللغضب حد وَهُوَ الشجَاعَة المحمودة والأنفة من الرذائل والنقائص وَهَذَا كَمَاله فَإِذا جَاوز حَده تعدى صَاحبه وجار وَإِن نقص عَنهُ جبن وَلم يأنف من الرذائل وللحرص حد وَهُوَ الْكِفَايَة فِي أُمُور الدُّنْيَا وَحُصُول الْبَلَاغ مِنْهَا فَمَتَى نقص من ذَلِك كَانَ مهانة وإضاعة وَمَتى زَاد عَلَيْهِ كَانَ شَرها ورغبة فِيمَا لَا تحمد الرَّغْبَة فِيهِ وللحسد حد وَهُوَ المنافسة فِي طلب الْكَمَال والأنفة أَن يتَقَدَّم عَلَيْهِ نَظِيره فَمَتَى تعدى ذَلِك صَار بغيا وظلما يتَمَنَّى مَعَه زَوَال النِّعْمَة عَن الْمَحْسُود ويحرص على إيذائه وَمَتى نقص عَن ذَلِك كَانَ دناءة وَضعف همة وَصغر نفس قَالَ النَّبِي لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَيْنِ رجل آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق وَرجل آتَاهُ الله الْحِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا النَّاس فَهَذَا حسد مُنَافَسَة يُطَالب الْحَاسِد بِهِ نَفسه أَن يكون مثل الْمَحْسُود لَا حسد مهانة يتَمَنَّى بِهِ زَوَال النِّعْمَة عَن الْمَحْسُود وللشهوة حد وَهُوَ رَاحَة الْقلب وَالْعقل من كد الطَّاعَة واكتساب الْفَضَائِل والاستعانة بقضائها على ذَلِك فَمَتَى زَادَت على ذَلِك صَارَت نهمة وشبقا والتحق صَاحبهَا بِدَرَجَة الْحَيَوَانَات وَمَتى نقصت عَنهُ وَلم يكن فراغا فِي طلب الْكَمَال وَالْفضل كَانَت ضعفا وعجزا ومهانة وللراحة حد وَهُوَ إجمام النَّفس والقوى المدركة والفعالة للاستعداد للطاعة واكتساب الْفَضَائِل وتوفرها على ذَلِك بِحَيْثُ لَا يضعفها الكد والتعب ويضعف أَثَرهَا فَمَتَى زَاد على ذَلِك صَار توانيا وكسلا وإضاعة وَفَاتَ بِهِ أَكثر مصَالح العَبْد وَمَتى نقص عَنهُ صَار مضرا بالقوى موهنا لَهَا وَرُبمَا انْقَطع بِهِ كالمنبتِّ الَّذِي لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهر أبقى والجود لَهُ حد بَين طرفين فَمَتَى جَاوز حَده صَار إسرافا وتبذيرا أَو مَتى نقص عَنهُ كَانَ بخلا وتقتيرا وللشجاعة حد مَتى جاوزته صَارَت تهوّرا وَمَتى نقصت عَنهُ صَارَت جبنا وخورا وَحدهَا الْإِقْدَام فِي مَوَاضِع الْإِقْدَام والإحجام فِي مَوَاضِع الإحجام كَمَا قَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو بن الْعَاصِ أعياني أَن أعرف أشجاعا أَنْت أم جَبَانًا تقدم حَتَّى أَقُول من أَشْجَع النَّاس وتجبن حَتَّى أَقُول من أجبن النَّاس فَقَالَ
стр. 138
شُجَاع إِذا مَا أمكنتني فرْصَة ... فَإِن لم تكن لي فرْصَة فجبان
والغيرة لَهَا حد إِذا جاوزته صَارَت تُهْمَة وظنا سَيِّئًا بالبريء وَإِن قصّرت عَنهُ كَانَت تغافلا ومبادىء دياثة وللتوضع حد إِذا جاوزه كَانَ ذلا ومهانة وَمن قصر عَنهُ انحرف إِلَى الْكبر وَالْفَخْر وللعز حد إِذا جاوزه كَانَ كبرا وخلقا مذموما وَإِن قصر عَنهُ انحرف إِلَى الذل والمهانة
وَضَابِط هَذَا كُله الْعدْل وَهُوَ الْأَخْذ بالوسط الْمَوْضُوع بَين طرفِي الإفراط والتفريط وَعَلِيهِ بِنَاء مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بل لَا تقوم مصلحَة الْبدن إِلَّا بِهِ فَإِنَّهُ مَتى خرج بعض أخلاطه عَن الْعدْل وجاوزه أَو نقص عَنهُ ذهب من صِحَّته وقوته بِحَسب ذَلِك وَكَذَلِكَ الْأَفْعَال الطبيعية كالنوم والسهر وَالْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع وَالْحَرَكَة والرياضة وَالْخلْوَة والمخالطة وَغير ذَلِك إِذا كَانَت وسطا بَين الطَّرفَيْنِ المذمومين كَانَت عدلا وَإِن انحرفت إِلَى أَحدهمَا كَانَت نقصا وأثمرت نقصا فَمن أشرف الْعُلُوم وأنفعها علم الْحُدُود وَلَا سِيمَا حُدُود الْمَشْرُوع الْمَأْمُور والمنهي فَأعْلم النَّاس أعلمهم بِتِلْكَ الْحُدُود حَتَّى لَا يدْخل فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا وَلَا يخرج مِنْهَا مَه هُوَ دَاخل فِيهَا قَالَ تَعَالَى الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وأجدر أَن لَا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُوله فأعدل النَّاس من قَامَ بحدود الْأَخْلَاق والأعمال والمشروعات معرفَة وفعلا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فصل قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ يَا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كَيفَ
يغبنون بِهِ قيام الحمقى وصومهم والذرة من صَاحب تقوى أفضل من أَمْثَال الْجبَال عبَادَة من المغترّين وَهَذَا من جَوَاهِر الْكَلَام وأدله على كَمَال فقه الصَّحَابَة وتقدمهم على من بعدهمْ فِي كل خير ﵃
فَاعْلَم أَن العَبْد إِنَّمَا يقطع منَازِل السّير إِلَى الله بِقَلْبِه وهمته وَلَا بِبدنِهِ وَالتَّقوى فِي الْحَقِيقَة تقوى الْقُلُوب لَا تقوى الْجَوَارِح قَالَ تَعَالَى ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ
стр. 139
فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب ﴿وَقَالَ﴾ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم وَقَالَ النَّبِي التَّقْوَى هَهُنَا وَأَشَارَ إِلَى صَدره فالكيّس يقطع من الْمسَافَة بِصِحَّة الْعَزِيمَة وعلو الهمة وَتَجْرِيد الْقَصْد وَصِحَّة النِّيَّة مَعَ الْعَمَل الْقَلِيل أَضْعَاف أَضْعَاف مَا يقطعهُ الفارغ من ذَلِك مَعَ التَّعَب الْكثير وَالسّفر الشاق فَإِن الْعَزِيمَة والمحبة تذْهب الْمَشَقَّة وتطيب السّير والتقدم والسبق إِلَى الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا هُوَ بالهمم وَصدق الرَّغْبَة والعزيمة فيتقدم صَاحب الهمة مَعَ سكونه صَاحب الْعَمَل الْكثير بمراحل فَإِن ساواه فِي همته تقدم عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ وَهَذَا مَوضِع يحْتَاج إِلَى تَفْصِيل يُوَافق فِيهِ الْإِسْلَام وَالْإِحْسَان
فأكمل الْهَدْي هدي رَسُول الله وَكَانَ موفيا كل وَاحِد مِنْهُمَا حَقه فَكَانَ مَعَ كَمَاله وإرادته وأحواله مَعَ الله يقوم حَتَّى تَرِم قدماه ويصوم حَتَّى يُقَال لَا يفْطر ويجاهد فِي سَبِيل الله ويخالط أَصْحَاب وَلَا يحتجب عَنْهُم وَلَا يتْرك شَيْئا من النَّوَافِل والأوراد لتِلْك الواردات الَّتِي تعجز عَن حملهَا قوى الْبشر وَالله تَعَالَى أَمر عباده أَن يقومُوا بشرائع الْإِسْلَام على ظواهرهم وحقائق الْإِيمَان على بواطنهم وَلَا يقبل وَاحِدًا مِنْهُمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ وقرينه وَفِي الْمسند مَرْفُوعا الْإِسْلَام عَلَانيَة وَالْإِيمَان فِي الْقلب فَكل إِسْلَام ظَاهر لَا ينفذ صَاحبه مِنْهُ إِلَى حَقِيقَة الْإِيمَان الْبَاطِنَة فَلَيْسَ بِنَافِع حَتَّى يكون مَعَه شَيْء من الْإِيمَان الْبَاطِن وكل حَقِيقَة باطنة لَا يقوم صَاحبهَا بشرائع الْإِسْلَام الظَّاهِرَة لَا تَنْفَع وَلَو كَانَت مَا كَانَت فَلَو تمزق الْقلب بالمحبة وَالْخَوْف وَلم يتعبد بِالْأَمر وَظَاهر الشَّرْع لم ينجّه ذَلِك من النَّار كَمَا أَنه لَو قَامَ بظواهر الْإِسْلَام وَلَيْسَ فِي بَاطِنه حَقِيقَة الْإِيمَان لم ينجّه من النَّار
وَإِذا عرف هَذَا فالصادقون السائرون إِلَى الله وَالدَّار الْآخِرَة قِسْمَانِ قسم صرفُوا مَا فضل من أوقاتهم بعد الْفَرَائِض إِلَى النَّوَافِل الْبَدَنِيَّة وجعلوها دأبهم من غير حرص مِنْهُم على تَحْقِيق أَعمال الْقُلُوب ومنازلها وأحكامها وَإِن لم يَكُونُوا خالين من أَصْلهَا وَلَكِن هممهم مصروفة إِلَى الاستكثار من الْأَعْمَال وَقسم صرفُوا
стр. 140
مَا فضل من الْفَرَائِض وَالسّنَن إِلَى الاهتمام بصلاح قُلُوبهم وعكوفها على الله وَحده والجمعية عَلَيْهِ وَحفظ الخواطر والإرادات مَعَه وجعلوه قُوَّة تعبده بأعمال الْقُلُوب من تَصْحِيح الْمحبَّة وَالْخَوْف وَالْخَوْف والرجاء والتوكل والإنابة وَرَأَوا أَن أيسر نصيب من الواردات الَّتِي ترد على قُلُوبهم من الله أحب إِلَيْهِم من كثير من التطوعات الْبَدَنِيَّة فَإِذا حصل لأَحَدهم جمعية ووارد أنس أَو حب أَو اشتياق أَو انكسار وذل لم يسْتَبْدل بِهِ شَيْئا سواهُ الْبَتَّةَ إِلَّا أَن يَجِيء الْأَمر فيبادر إِلَيْهِ بذلك الْوَارِد إِن أمكنه وَإِلَّا بَادر إِلَى الْأَمر وَلَو ذهب الْوَارِد فَإِذا جَاءَت النَّوَافِل فههنا معترك التَّرَدُّد فَإِن أمكن الْقيام إِلَيْهَا بِهِ فَذَاك فَذَلِك بِهِ وَإِلَّا نظر فِي الْأَرْجَح والأحب إِلَى الله هَل هُوَ الْقيام إِلَى تِلْكَ النَّافِلَة وَلَو ذهب وارده كإغاثة الملهوف وإرشاد ضال وجبر مكسور واستفادة إِيمَان وَنَحْو ذَلِك فههنا يَنْبَغِي تَقْدِيم النَّافِلَة الراجحة وَمَتى قدمهما لله رَغْبَة فِيهِ وتقرّبا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يرد عَلَيْهِ مَا فَاتَ من وارده أقوى مِمَّا كَانَ فِي وَقت آخر وَإِن كَانَ الْوَارِد أرجح من النَّافِلَة فالحزم لَهُ الِاسْتِمْرَار فِي وارده حَتَّى يتَوَارَى عَنهُ فَإِنَّهُ يفوت والنافلة لَا تفوت وَهَذَا مَوضِع يحْتَاج إِلَى فضل فقه فِي الطَّرِيق ومراتب الْأَعْمَال وَتَقْدِيم الأهم مِنْهَا فالأهم وَالله الْمُوفق لذَلِك لَا إِلَه غَيره وَلَا رب سواهُ
فصل أصل الْأَخْلَاق المذمومة كلهَا الْكبر والمهانة والدناءة وأصل الْأَخْلَاق
المحمودة كلهَا الْخُشُوع وعلو الهمة فالفخر والبطر والأشر وَالْعجب والحسد وَالْبَغي وَالْخُيَلَاء وَالظُّلم وَالْقَسْوَة والتجبر والإعراض وإباء قبُول النَّصِيحَة والاستئثار وَطلب الْعُلُوّ وَحب الجاه والرئاسة وَأَن يحمد بِمَا لم يفعل وأمثال ذَلِك كلهَا ناشئة من الْكبر وَأما الْكَذِب والخسة والخيانة والرياء وَالْمَكْر والخديعة والطمع والفزع والجبن وَالْبخل وَالْعجز والكسل والذل لغير الله واستبدال الَّذِي هُوَ
стр. 141
أدنى بِالَّذِي هُوَ خير وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهَا من المهانة والدناءة وَصغر النَّفس وَأما الْأَخْلَاق الفاضلة كالصبر والشجاعة وَالْعدْل والمروءة والعفة والصيانة والجود والحلم وَالْعَفو والصفح وَالِاحْتِمَال والإيثار وَعزة النَّفس عَن الدناآت والتواضع والقناعة والصدق والأخلاق والمكافأة على الْإِحْسَان بِمثلِهِ أَو أفضل والتغافل عَن زلات النَّاس وَترك الانشغال بِمَا لَا يعنيه وسلامة الْقلب من تِلْكَ الْأَخْلَاق المذمومة وَنَحْو ذَلِك فَكلهَا ناشئة عَن الْخُشُوع وعلو الهمة وَالله سُبْحَانَهُ أخبر عَن الأَرْض بِأَنَّهَا تكون خاشعة ثمَّ ينزل عَلَيْهَا المَاء فتهتز وتربو وَتَأْخُذ زينتها وبهجتها فَكَذَلِك الْمَخْلُوق مِنْهَا إِذا أَصَابَهُ حَظه من التَّوْفِيق وَأما النَّار فطبعها الْعُلُوّ والإفساد ثمَّ تخمد فَتَصِير أَحْقَر شَيْء وأذله وَكَذَلِكَ الْمَخْلُوق مِنْهَا فَهِيَ دَائِما بَين الْعُلُوّ إِذا هَاجَتْ واضطربت وَبَين الخسة والدناءة إِذا خمدت وسكنت والأخلاق المذمومة تَابِعَة للنار والخلوق مِنْهَا والأخلاق الفاضلة تَابِعَة للْأَرْض والمخلوق مِنْهَا فَمن علت همته وخشعت نَفسه اتّصف بِكُل خلق جميل وَمن دنت همته وطغت نَفسه اتّصف بِكُل خلق رذيل
فصل الْمطلب الْأَعْلَى مَوْقُوف حُصُوله على همة عالية وَنِيَّة صَحِيحَة فَمن فقدهما
تعذّر عَلَيْهِ الْوُصُول إِلَيْهِ فَإِن الهمة إِذا كَانَت عالية تعلّقت بِهِ وَحده دون غَيره وَإِذا كَانَت النِّيَّة صَحِيحَة سلك العَبْد الطَّرِيق الموصلة إِلَيْهِ فالنية تفرد لَهُ الطَّرِيق والهمة تفرد لَهُ الْمَطْلُوب فَإِذا توَحد مَطْلُوبه وَالطَّرِيق الموصلة إِلَيْهِ كَانَ الْوُصُول غَايَته وَإِذا كَانَت همته سافلة تعلّقت بالسفليات وَلم تتعلّق بالمطلب الْأَعْلَى وَإِذا كَانَت النِّيَّة غير صَحِيحَة كَانَت طَرِيقه غير موصلة إِلَيْهِ فمدار الشَّأْن على همة العَبْد وَنِيَّته وهما مَطْلُوبه وَلَا يتم لَهُ إِلَّا بترك ثَلَاثَة أَشْيَاء العوائد والرسوم والأوضاع الَّتِي أحدثها النَّاس الثَّانِي هجر الْعَوَائِق الَّتِي تعوقه عَن إِفْرَاد مَطْلُوبه وَطَرِيقه
стр. 142
وقطعها الثَّالِث قطع علائق الْقلب الَّتِي تحول بَينه وَبَين تَجْرِيد التَّعَلُّق بالمطلوب وَالْفرق بنيها أَن الْعَوَائِق هِيَ الْحَوَادِث الخارجية والعلائق هِيَ التعلقات القلبية بالمباحات وَنَحْوهَا وأصل ذَلِك ترك الفضول الَّتِي تشغل عَن الْمَقْصُود من الطَّعَام وَالشرَاب والمنام والخلطة فَيَأْخُذ من ذَلِك مَا يُعينهُ على طلبه ويرفض مِنْهُ مَا يقطعهُ عَنهُ أَو يضعف طلبه وَالله الْمُسْتَعَان
فصل من كَلَام عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ رجل عِنْده
مَا أحب أَن أكون من أَصْحَاب الْيَمين أحب أَن أكون من المقربين فَقَالَ عبد الله لَكِن هَهُنَا رجل ود وَأَنه مَاتَ لم يبْعَث يَعْنِي نَفسه وَخرج ذَات يَوْم فَاتبعهُ نَاس فَقَالَ لَهُم ألكم حَاجَة قَالُوا لَا وَلَكِن أردنَا أَن نمشي مَعَك قَالَ ارْجعُوا فَإِنَّهُ ذلة للتتابع وفتنة للمتبوع وَقَالَ لَو تعلمُونَ مني مَا أعلم من نَفسِي لحثوتم على رَأْسِي التُّرَاب وَقَالَ حبذا المكروهان الْمَوْت والفقر وأيم الله إِن هُوَ إِلَّا الْغنى والفقر وَمَا أُبَالِي بِأَيِّهِمَا بليت أَرْجُو الله فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا إِن كَانَ الْغنى إِن فِيهِ للْعَطْف وَإِن كَانَ الْفقر إِن فِيهِ للصبر وَقَالَ إِنَّكُم فِي ممر اللَّيْل وَالنَّهَار فِي آجل منقوصة وأعمال مَحْفُوظَة وَالْمَوْت يَأْتِي بَغْتَة فَمن زرع خيرا فيوشك أَن يحصد رغبته وَمن زرع شرا فيوشك أَن يحصد ندامة وَلكُل زارع مثل مَا زرع لَا يسْبق بطيء بحظه وَلَا يدْرك حَرِيص مَا لم يقدر لَهُ من أعْطى خيرا فَالله أعطَاهُ وَمن وقى شرا فَالله وَقَاه المتقون سادة وَالْفُقَهَاء قادة ومجالستهم زِيَادَة إِنَّمَا هما اثْنَتَانِ الْهدى وَالْكَلَام فأفضل الْكَلَام كَلَام الله وَأفضل الْهَدْي هدي مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل محدثة بِدعَة فَلَا يطولن عَلَيْكُم الأمد وَلَا يلهينكم الأمل فَإِن كل مَا هُوَ آتٍ قريب الأوان الْبعيد مَا لَيْسَ آتِيَا الأوان الشقي من شقي فِي بطن أمه وَإِن السعيد من وعظ
стр. 143
بِغَيْرِهِ أَلا وَإِن قتال الْمُسلم كفر وسبابه فسوق وَلَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى يسلّم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ويجيبه إِذا دَعَاهُ ويعوده إِذا مرض أَلا وَإِن شرّ الروايا روايا الْكَذِب أَلا وَإِن الْكَذِب لَا يصلح مِنْهُ جد وَلَا هزل وَلَا أَن يعد الرجل صَبِيه شَيْئا ثمَّ لَا يُنجزهُ أَلا وَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور والفجور يهدي إِلَى النَّار والصدق يهدي إِلَى الْبر وَالْبر يهدي إِلَى الْجنَّة وَأَنه يُقَال للصادق صدق وبر وَيُقَال للكاذب كذب وفجر وَأَن مُحَمَّدًا حَدثنَا أَن الرجل ليصدق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صدّيقا ويكذب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذّابا إِن أصدق الحَدِيث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقى وَخير الْملَّة مِلَّة إِبْرَاهِيم وَأحسن السّنَن سنة مُحَمَّد وَخير الْهَدْي هدي الْأَنْبِيَاء وأشرف الحَدِيث ذكر الله وَخير الْقَصَص الْقُرْآن وَخير الْأُمُور عواقبها وَشر الْأُمُور محدثاتها وَمَا قل وَكفى خير مِمَّا كثر وألهى وَنَفس تنجيها خير من إِمَارَة لَا تحصيها وَشر المعذرة حِين يحضر الْمَوْت وَشر الندامة ندامة يَوْم الْقِيَامَة وَشر الضَّلَالَة الضَّلَالَة بعد الْهوى وَخير الْغنى غنى النَّفس وَخير الزَّاد التَّقْوَى وَخير مَا ألقِي فِي الْقلب الْيَقِين والريب من الْكفْر وَشر الْعَمى عمى الْقلب وَالْخمر جماع الْإِثْم وَالنِّسَاء حبائل الشَّيْطَان والشباب شُعْبَة من الْجُنُون وَالنوح من عمل الْجَاهِلِيَّة وَمن النَّاس من لَا يَأْتِي الْجُمُعَة إِلَّا دبرا وَلَا يذكر الله إِلَّا هجرا وَأعظم الْخَطَايَا الْكَذِب وَمن يعف يعف الله عَنهُ وَمن يَكْظِم الغيظ يأجره الله وَمن يغْفر يغْفر الله لَهُ وَمن يصبر على الرزية يعقبه الله وَشر المكاسب كسب الرِّبَا وَشر المأكل مَال الْيَتِيم وَإِنَّمَا يَكْفِي أحدكُم مَا قنعت بِهِ نَفسه وَإِنَّمَا يصير إِلَى أَرْبَعَة أَذْرع وَالْأَمر إِلَى آخِره وملاك الْعَمَل خواتمه وأشرف الْمَوْت قتل الشُّهَدَاء وَمن يستكبر يَضَعهُ الله وَمن يعْص الله يطع الشَّيْطَان يَنْبَغِي لحامل الْقُرْآن أَن يعرف بليله إِذا النَّاس نائمون وبنهاره إِذا النَّاس مفطرون وبحزنه إِذا النَّاس يفرحون وببكائه إِذا النَّاس
стр. 144
يَضْحَكُونَ وبصمته إِذا النَّاس يَخُوضُونَ وبخشوعه إِذا النَّاس يختالون وَيَنْبَغِي لحامل الْقُرْآن أَن يكون باكيا مَحْزُونا حكيما حَلِيمًا سكينا وَلَا يَنْبَغِي لحامل الْقُرْآن أَن يكون جَافيا وَلَا غافلا وَلَا سخابا وَلَا صياحا وَلَا حديدا من تطاول تعظّما حطّه الله وَمن تواضع تخشّعا رَفعه الله وَإِن للْملك لمة وللشيطان لمة الْملك إيعاد بِالْخَيرِ وتصديق بِالْحَقِّ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فاحمدوا الله ولمة الشَّيْطَان إيعاد بِالشَّرِّ وَتَكْذيب بِالْحَقِّ فَإِذا رَأَيْتهمْ ذَلِك فتعوّذوا بِاللَّه إِن النَّاس قد أَحْسنُوا القَوْل فَمن وَافق قَوْله فعله فَذَاك الَّذِي أصَاب حظّه وَمن خَالف قَوْله فعله فَذَاك إِنَّمَا يوبخ نَفسه لَا أَلفَيْنِ أحدكُم جيفة ليل قطرب نَهَار إِنِّي لَا بغض الرجل أَن أرَاهُ فَارغًا لَيْسَ فِي شَيْء من عمل الدُّنْيَا وَلَا عمل الْآخِرَة وَمن لم تَأمره الصَّلَاة بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَهُ عَن الْمُنكر لم يَزْدَدْ بهَا من الله بعدا من الْيَقِين أَن لَا ترضي النَّاس بسخط الله وَلَا تحمد أحدا على رزق الله وَلَا تلوم أحدا على مَا لم يؤتك الله فَإِن رزق الله لَا يَسُوقهُ حرص حَرِيص وَلَا يردهُ كَرَاهَة كَارِه وَإِن الله بِقسْطِهِ وحلمه وعدله جعل الرّوح والفرح فِي الْيَقِين وَالرِّضَا وَجعل لَهُم والحزن فِي الشَّك والسخط مَا دمت فِي صَلَاة فَأَنت تقرع بَاب الْملك وَمن يقرع بَاب الْملك يفتح لَهُ أَنِّي لَا حسب الرجل ينسى الْعلم كَانَ يُعلمهُ بالخطيئة يعملها كونُوا ينابيع الْعلم مصابيح الْهدى أحلاس الْبيُوت سرج اللَّيْل جدد الْقُلُوب خلقان الثِّيَاب تعرفُون فِي السَّمَاء وتخفون على أهل الأَرْض إِن للقلوب شَهْوَة وإدبارا فاغتنموها عِنْد شهوتها وإقبالها ودعوها عِنْد فتفرقها وإدبارها لَيْسَ الْعلم بِكَثْرَة الرِّوَايَة وَلَكِن الْعلم الخشية إِنَّكُم ترَوْنَ الْكَافِر من أصح النَّاس جسما وأمرضه قلبا وتلقون الْمُؤمن من أصح النَّاس قلبا وأمرضه جسما وأيم الله لَو مَرضت قُلُوبكُمْ وصحّت أجسامكم لكنتم أَهْون على الله من الْجعلَان لَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان حَتَّى يحل بذروته وَلَا يحل بذروته حَتَّى يكون الْفقر أحب إِلَيْهِ من الْغنى والتواضع أحب إِلَيْهِ من الشّرف وَحَتَّى يكون حامده وذامه وَعِنْده سواهُ وَإِن الرجل ليخرج من بَيته وَمَعَهُ دينه فَيرجع وَمَا مَعَه مِنْهُ شَيْء يَأْتِي الرجل وَلَا
стр. 145
يملك لَهُ وَلَا نَفسه ضرا وَلَا نفعا فَيقسم لَهُ بِاللَّه أَنَّك لذيت وذويت فَيرجع وَمَا حبي من حَاجته بِشَيْء ويسخط الله عَلَيْهِ لَو سخرت من كلب لَخَشِيت أَن أحوّل كَلْبا الْإِثْم حوّاز الْقُلُوب مَا كَانَ من نظر فَإِن للشَّيْطَان فِيهَا مطمعا مَعَ كل فرحة ترحة وَمَا ملىء بَيت حبرَة الاملئ عِبْرَة وَمَا مِنْكُم إِلَّا ضيف وَمَاله عَارِية فالضيف مرتحل وَالْعَارِية مُؤَدَّاة إِلَى أَهلهَا يكون فِي آخر الزَّمَان أقوم أفضل أَعْمَالهم التلاوم بَينهم يسمون الأنتان إِذا أحب الرجل أَن ينصف من نَفسه فليأت إِلَى النَّاس الَّذِي يحب أَن يُؤْتى إِلَيْهِ الْحق ثقيل مريء وَالْبَاطِل خَفِيف وَبِي رب شَهْوَة تورث حزنا طَويلا مَا على وَجه الأَرْض شَيْء أحْوج إِلَى طول سجن من لِسَان إِذا ظهر الزِّنَا والربا فِي قَرْيَة أذن بهلاكها من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَجْعَل كنزه فِي السَّمَاء حَيْثُ لَا يَأْكُلهُ السوس وَلَا يَنَالهُ السراق فَلْيفْعَل فَإِن قلب الرجل مَعَ كنزه لَا يقلدون أحدكُم دينه رجلا فَإِن آمن آمن وَإِن كفر كفر وَإِن كُنْتُم لَا بُد مقتدين فاقتدوا بِالْمَيتِ فَإِن الْحَيّ لَا تؤمن عَلَيْهِ الْفِتْنَة لَا يكن أحدكُم أمعة قَالُوا وَمَا الأمعة قَالَ يَقُول أَنا مَعَ النَّاس إِن اهتدوا اهتديت وَإِن ضلوا ضللت أَلا ليوطن أحدكُم نَفسه على أَنه إِن كفر النَّاس لَا يكفر وَقَالَ لَهُ رجل عَلمنِي كَلِمَات جَوَامِع نوافع فَقَالَ اعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا وَزَل مَعَ الْقُرْآن حَيْثُ زَالَ وَمن جَاءَك بِالْحَقِّ فاقبل مِنْهُ وَإِن كَانَ بَعيدا بغيضا وَمن جَاءَك بِالْبَاطِلِ فاردد عَلَيْهِ وَإِن كَانَ حبيبا قَرِيبا يُؤْتى بِالْعَبدِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال لَهُ أد أمانتك فَيَقُول يَا رب من أَيْن وَقد ذهبت الدُّنْيَا فتمثل على هيئتها يَوْم أَخذهَا فِي قَعْر جَهَنَّم فيزل فيأخدها فَيَضَعهَا على عَاتِقه فيصعد بهَا حَتَّى إِذا ظن أَنه خَارج بنها هوت وَهوى فِي أَثَرهَا أَبَد الآبدين أطلب قَلْبك فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن عِنْد سَماع الْقُرْآن وَفِي مجَالِس الذّكر وَفِي أَوْقَات الْخلْوَة فَإِن لم تَجدهُ فِي هَذِه المواطن فسل الله أَن
следующие страницы →