Полный текст (209 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تالله لقد وَجب حق الصدّيق علينا فَنحْن نقضي بمدائحه وَنَفر بِمَا نقر بِهِ من السنى عينا فَمن كَانَ رَافِضِيًّا فَلَا يعد إِلَيْنَا وَليقل لي أعذار تَنْبِيه
اجْتنب من يعادي أهل الْكتاب وَالسّنة لِئَلَّا يعديك خسرانه احْتَرز من عدوين هلك بهما أَكثر الْخلق صادّ عَن سَبِيل الله بشبهاته وزخرف قَوْله ومفتون بدنياه ورئاسته من خلق فِيهِ قُوَّة واستعداد لشَيْء كَانَت لذته فِي اسْتِعْمَال تِلْكَ الْقُوَّة فِيهِ فلذة من خلقت مِنْهُ قُوَّة واستعداد للجماع اسْتِعْمَال قوته فِيهِ ولذ ١ ة من خلقت فِيهِ قُوَّة الْغَضَب وَالثَّوَاب بِاسْتِعْمَال قوته الغضبية فِي متعلقها وَمن خلقت فِيهِ قُوَّة الْأكل وَالشرب فلذته بِاسْتِعْمَال قوته فيهمَا وَمن خلقت فِيهِ قُوَّة الْعلم والمعرفة فلذته بِاسْتِعْمَال قوته وصرفها إِلَى الْعلم وَمن خلقت فِيهِ قُوَّة الْحبّ لله والإنابة إِلَيْهِ والعكوف بِالْقَلْبِ عَلَيْهِ والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ فلذته ونعيمه اسْتِعْمَال هَذِه الْقُوَّة فِي ذَلِك وَسَائِر اللَّذَّات دون هَذِه اللَّذَّة مضمحلة فانية وَأحمد عَاقبَتهَا أَن تكون لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ تَنْبِيه
يَا أَيهَا الأعزلاحذر فراسة المتقى فَإِنَّهُ يرى عَورَة عَمَلك من وَرَاء ستر اتَّقوا فراسة الْمُؤمن سُبْحَانَ الله فِي النَّفس كِبر إِبْلِيس وحسد قابيل وعتو عَاد وطغيان ثَمُود وجرأة نمْرُود واستطالة فِرْعَوْن وبغي قَارون وقحّة هامان
стр. 72
وَهوى بلعام وحيل أَصْحَاب السبت وتمرد لوليد وَجَهل أبي جهل وفيهَا من أَخْلَاق الْبَهَائِم حرص الْغُرَاب وشره الْكَلْب ورعونة الطاووس ودناءة الْجعل وعقوق الضَّب وحقد الْجمل ووثوب الفهد وصولة الْأسد وَفسق الْفَأْرَة وخبث الْحَيَّة وعبث القرد وَجمع النملة ومكر الثَّعْلَب وخفة الْفراش ونوم الضبع غير أَن الرياضة والمجاهدة تذْهب ذَلِك فَمن استرسل مَعَ طبعه فَهُوَ من هَذَا الْجند وَلَا تصلح سلْعَته لعقد ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فَمَا اشْترى إِلَّا سلْعَة هذبها الْإِيمَان فَخرجت من طبعها إِلَى بلد سكانه التائبون العابدون سلم الْمَبِيع قبل أَن يتْلف فِي يدك فَلَا يقبله المُشْتَرِي قد علم المُشْتَرِي بِعَيْب السّلْعَة قبل أَن يَشْتَرِيهَا فسلمها وَلَك الْأمان من الرَّد قدر السّلْعَة يعرف بِقدر مشتريها وَالثمن المبذول فِيهِ والمنادي عَلَيْهَا فَإِذا كَانَ الْمُشْتَرى عَظِيما وَالثمن خطيرا والمنادي جَلِيلًا كَانَت السّلْعَة نفيسة
يَا بَائِعا نَفسه بيع الهوان لَو استرجعت ذَا البيع قبل الْفَوْت لم تخب
وبائعا طيب عَيْش مَا لَهُ خطر ... بطيف عَيْش من الآلام منتهب
غبنت وَالله غبنا فَاحِشا ولدى ... يَوْم التغابن تلقى غَايَة الْحَرْب
وواردا صفو عَيْش كُله كدر ... أمامك الْورْد حَقًا لَيْسَ بِالْكَذِبِ
وحاطب اللَّيْل فِي الظلماء منتصبا ... لكل داهية تدني من العطب
ترجوا الشِّفَاء بأحداق بهَا مرض ... فَهَل سَمِعت ببرء جَاءَ من عطب
ومفنيا نَفسه فِي أثر أقبحهم ... وصفاللطخ جمال فِيهِ مستلب
وواهبا نَفسه من مثل ذَا سفها ... لَو كنت تعرف قدر النَّفس لم تهب
شَاب الصِّبَا والتصابي لم يشب ... وَضاع وقتك بَين اللَّهْو واللعب
وشمس عمرك قد حَان الْغُرُوب لَهَا ... والفيء فِي الْأُفق الشَّرْقِي لم يغب
стр. 73
وفاز بالوصل من قد جدوا انقشعت ... عَن أفقه ظلمات اللَّيْل والسحب
كم ذَا التَّخَلُّف وَالدُّنْيَا قد ارتحلت ... ورسل رَبك قد وافتك فِي الطّلب
مَا فِي الديار وَقد سَارَتْ ركائب من ... تهواه للصب من شكر وَلَا أرب
فافرش الخد ذياك التُّرَاب وَقل ... مَا قَالَه صَاحب الأشواق والحقب
مَا ربع مية محفوفا يطِيف بِهِ ... غيلَان أشهى لَهُ من ربعك الخرب
منازلا كَانَ يهواها ويألفها ... أَيَّام كَانَ منال الْوَصْل عَن كثب
وَلَا الخدود وَلَو أدمين من ضرج ... أشهى إِلَى ناظري من ربعك الخرب
وَكلما جليت تِلْكَ الربوع لَهُ ... يهوى إِلَيْهَا هوى المَاء فِي الصبب
أحيي لَهُ الشوق تذكار العهود بهَا ... فَلَو دعِي الْقلب للسلوان لم يجب
هَذَا وَكم منزل فِي الأَرْض يألفه ... وَمَاله فِي سواهَا الدَّهْر من رغب
مَا فِي الْخيام أَخُو وجدير يحك إِن ... بثثته بعض شَأْن الْحبّ فاغترب
وَأسر فِي غَمَرَات اللَّيْل متهديا ... بنفحة الطّيب لَا بِالْعودِ والحطب
وَعَاد كل أخي جبن ومعجزة ... وَحَارب النَّفس لَا تلقيك فِي الْحَرْب
وَخذ لنَفسك نورا تستضيء بِهِ ... يَوْم اقتسام الورى الْأَنْوَار بالرتب
إِن كَانَ يُوجب صبري رَحْمَتي فرضا ... بِسوء حَالي وَحل للضنا بدني
منحتك الرّوح لَا أبغي لَهَا ثمنا ... إِلَّا رضاك ووافقري الا الثّمن
أحن بأطراف النَّهَار صبَابَة ... وبالليل يدعوني الْهوى فَأُجِيب
وَإِذا لم يكن من الْعِشْق بُد ... فَمن عجز عشق غير الْجَمِيل
стр. 74
فَلَو أَن مَا أسعى لعيش معجل ... كفاني مِنْهُ بعض مَا أَنا فِيهِ
ولكنما أسمى لملك مخلد ... فوا أسفا إِن لم أكن بملاقيه
يَا من هُوَ من أَرْبَاب الْخِبْرَة هَل عرفت قيمَة نَفسك إِنَّمَا خلقت الأكوان كلهَا لَك يَا من غذى بلبان الْبر وقلب بأيدي الألطاف كل الْأَشْيَاء شَجَرَة وَأَنت الثَّمَرَة وَصُورَة وَأَنت الْمَعْنى وصدف وَأَنت الدّرّ ومخيض وَأَنت الزّبد منشور اختيارنا لَك وَاضح الْخط وَلَكِن استخراجك ضَعِيف مَتى رمت طلبي فاطلبني عنْدك اطلبني مِنْك تجدني قَرِيبا وَلَا تطلبني من غَيْرك فَأَنا أقرب إِلَيْك مِنْهُ لَو عرفت قدر نَفسك عندنَا مَا أهنتها بِالْمَعَاصِي إِنَّمَا أبعدنا إِبْلِيس إِذْ لم يسْجد لَك وَأَنت فِي صلب أَبِيك فوا عجبا كَيفَ صالحته وَتَرَكتنَا لَو كَانَ فِي قَلْبك محبَّة لبان أَثَرهَا على جسدك
وَلما ادعيت الْحبّ قَالَت كذبتي ... أَلَسْت أرى الْأَعْضَاء مِنْك كواسيا
لَو تغذى الْقلب بالمحبة لذهبت عَنهُ بطنة الشَّهَوَات
وَلَو كنت عُذْري الصبابة لم تكن ... بطينا وأنساك الْهوى كَثْرَة الْأكل
لَو صحّت محبتك لاستوحشت مِمَّن لَا يذكرك بالحبيب وَاعجَبا لمن يَدعِي الْمحبَّة وَيحْتَاج إِلَى من يذكرهُ بمحبوبه فَلَا يذكرهُ إِلَّا بمذكر أقل مَا فِي الْمحبَّة أَنَّهَا لَا تنسيك تذكر المحبوب
ذكرتك لَا أَنِّي نستك سَاعَة ... وأيسر مَا فِي الذّكر ذكر لساني
إِذا سَافر الْمُحب للقاء محبوبه ركبت جُنُوده مَعَه فَكَانَ الْحبّ فِي مُقَدّمَة الْعَسْكَر والرجاء يَحْدُو بالمطى والشوق يَسُوقهَا وَالْخَوْف يجمعها على الطَّرِيق فَإِذا شَارف قدوم بلد الْوَصْل خرجت تقادم الحبيب باللقاء
فداو سقما بجسم أَنْت متلفه ... وأبرد غراما بقلب أَنْت مضرمه
وَلَا تَكِلنِي على بعد الديار إِلَى ... صبري الضَّعِيف فصبري أَنْت تعلمه
стр. 75
تلقى قلبه فقد أَرْسلتهُ عجلا ... إِلَى لقائك والأشواق تقدمه
فَإِذا دخل على الحبيب أفيضت عَلَيْهِ الْخلْع من كل نَاحيَة ليمتحن أيسكن إِلَيْهَا فَتكون حَظه أم يكون التفاته إِلَى من ألبسهُ إِيَّاهَا ملأوا مراكب الْقُلُوب مَتَاعا لَا تنْفق إِلَّا على الْملك فَلَمَّا هبت ريَاح السحر أقلعت تِلْكَ المراكب فَمَا طلع الْفجْر الا وَهِي بالمينا قطعُوا بادية الْهوى بأقدام الْجد فَمَا كَانَ إِلَّا الْقَلِيل حَتَّى قدمُوا من السّفر فأعقبهم الرَّاحَة فِي طَرِيق التلقي فَدَخَلُوا بلد الْوَصْل وَقد حَاز ربح الْأَبَد فرّغ الْقَوْم قُلُوبهم من الشواغل فَضربت فِيهَا سرادقات الْمحبَّة فأقاموا الْعُيُون تحرس تَارَة وترش أُخْرَى سرادق الْمحبَّة لَا يضْرب إِلَّا فِي قاع نزه فارغ
نزّه فُؤَادك من سوانا والقنا ... فنجنابنا حل لكل منزّه
الصَّبْر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذَا الطلسم فَازَ بكنزه
اعرف قدر مَا ضَاعَ مِنْك وابك بكاء من يدْرِي مِقْدَار الْفَائِت لَو تَخَيَّلت قرب الأحباب لأقمت المأتم على بعْدك لَو استنشقت ريح الأسحار لأفاق مِنْك قَلْبك المخمور من استطال الطَّرِيق ضعف مَشْيه
وَمَا أَنْت بالمشتاق إِن قلت بَيْننَا ... طوال اللَّيَالِي أَو بعيد المفاوز
أما علمت أَن الصَّادِق إِذا هم ألْقى بَين عَيْنَيْهِ عزمه إِذا نزل آب فِي الْقلب حل آذار فِي الْعين هان سهر الحرّاس لما علمُوا أَن أَصْوَاتهم بسمع الْملك من لَاحَ لَهُ حَال الْآخِرَة هان عَلَيْهِ فِرَاق الدُّنْيَا إِذا لَاحَ للباشق الصَّيْد نسي مألوف الْكَفّ يَا أَقْدَام الصَّبْر احملي بَقِي الْقَلِيل تذكر حلاوة الْوِصَال يهن عَلَيْك مر المجاهدة قد علمت أَيْن الْمنزل فاحد لَهَا تسر أَعلَى الهمم همة من استعد صَاحبهَا للقاء الحبيب قدم التقادم بَين يَدي الْمُلْتَقى فَاسْتَبْشَرَ بِالرِّضَا عِنْد الْقدوم وَقدمُوا لانفسهم الْجنَّة ترْضى مِنْك بأَدَاء الْفَرَائِض وَالنَّار تنْدَفع
стр. 76
عَنْك بترك الْمعاصِي والمحبة لَا تقنع مِنْك إِلَّا ببذل الرّوح لله مَا أحلى زمَان تسْعَى فِيهِ أَقْدَام الطَّاعَة على أَرض الاشتياق لما سلم القوب النُّفُوس إِلَى رائض الشَّرْع علمهَا الْوِفَاق فِي خلاف الطَّبْع فاستقامت مَعَ الطَّاعَة كَيفَ دارت دارت مَعهَا
وَإِنِّي إِذا اصطكت رِقَاب مطيهم ... وثور حاد بالرفاق عجول
أُخَالِف بَين الراحتين على الحشا ... وَأنْظر أَنِّي ملثم فأميل
فصل علمت كلبك فَهُوَ يتْرك شَهْوَته فِي تنَاول مَا صَاده احتراما لنعمتك وخوفا
من سطوتك وَكم علمك معلم الشَّرْع وَأَنت لَا تقبل حرم صيد الْجَاهِل والممسك لنَفسِهِ فَمَا ظن الْجَاهِل الَّذِي أَعماله لهوى نَفسه جمع فِيك عقل الْملك وشهوة الْبَهِيمَة وَهوى الشَّيْطَان وَأَنت للْغَالِب عَلَيْك من الثَّلَاثَة إِن غلبت شهوتك وهواك زِدْت على مرتبَة ملك وَإِن غلبك هَوَاك وشهوتك نقصت عَن مرتبَة كلب لما صَاد الْكَلْب لرَبه أُبِيح صَيْده وَلما أمسك على نَفسه حرم مَا صَاده مصدر مَا فِي العَبْد من الْخَيْر وَالشَّر وَالصِّفَات الممدوحة والمذمومة من صفة الْمُعْطِي الْمَانِع فَهُوَ سُبْحَانَهُ يصرّف عباده بَين مُقْتَضى هذَيْن الاسمين فحظ العَبْد الصَّادِق من عبوديته بهما الشُّكْر عِنْد الْعَطاء والافتقار عِنْد الْمَنْع فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُعْطِيهِ ليشكره ويمنعه ليفتقر إِلَيْهِ فَلَا يزَال شكُورًا فَقِيرا
قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظهيرا﴾ هَذَا من ألطف خطاب الْقُرْآن وأشرف مَعَانِيه وَأَن الْمُؤمن دَائِما مَعَ الله على نَفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه وَهَذَا معنى كَونه من حزب الله وجنده وأوليائه فَهُوَ مَعَ الله على عدوه الدَّاخِل فِيهِ وَالْخَارِج عَنهُ يحاربهم ويعاديهم ويغضبهم لَهُ سُبْحَانَهُ كَمَا يكون خَواص الْملك مَعَه على حَرْب أعدائه والبعيدون مِنْهُ فارغون من ذَلِك غير مهتمين بِهِ
стр. 77
وَالْكَافِر مَعَ شَيْطَانه وَنَفسه وهواه على ربه وعبارات السّلف على هَذِه تَدور ذكر بن أبي حَاتِم عَن عَطاء بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير قَالَ عونا للشَّيْطَان على ربه بالعداوة والشرك وَقَالَ لَيْث عَن مُجَاهِد قَالَ يظاهر الشَّيْطَان على مَعْصِيّة الله يُعينهُ عَلَيْهَا وَقَالَ زيد بن أسلم ظهيرا أَي مواليا وَالْمعْنَى أَنه يوالي عدوه على مَعْصِيَته والشرك بِهِ فَيكون مَعَ عدوه معينا لَهُ على مساخط ربه
فالمعية الْخَاصَّة لتي لِلْمُؤمنِ مَعَ ربه وإله قد صَارَت لهَذَا الْكَافِر والفاجر مَعَ الشَّيْطَان وَمَعَ نَفسه وهواه وقربانه وَلِهَذَا صدّر الْآيَة بقوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لَا يَنْفَعهُمْ وَلَا يضرهم﴾ وَهَذِه الْعِبَادَة هِيَ الْمُوَالَاة والمحبة وَالرِّضَا بمعبوديهم المتضمنة لمعيتهم الْخَاصَّة فظاهروا أَعدَاء الله على معاداته ومخالفته ومساخطه بِخِلَاف وليه سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ مَعَه على نَفسه وشيطانه وهواه وَهَذَا الْمَعْنى من كنوز الْقُرْآن لمن فهمه وعقله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا﴾ قَالَ مقَاتل إِذا وعظوا بِالْقُرْآنِ لم يقعوا عَلَيْهِ صمًّا لم يسمعوه وعميانا لم يبصروه وَلَكنهُمْ سمعُوا وأبصروا وأيقنوا بِهِ وَقَالَ ابْن عَبَّاس لم يَكُونُوا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا بل كَانُوا خَائِفين خاشعين وَقَالَ الْكَلْبِيّ يخرّون عَلَيْهَا سمعا وبصَرا وَقَالَ الْفراء اذا تلِي عَلَيْهِم الْقُرْآن لم يقعدوا على حَالهم الأولى كَأَنَّهُمْ لم يسمعوه فَذَلِك الخرور وَسمعت الْعَرَب تَقول قعد يَشْتمنِي كَقَوْلِك قَامَ يَشْتمنِي وَأَقْبل يَشْتمنِي وَالْمعْنَى على مَا ذكر لم يصيروا عِنْدهَا صمًّا وعميانا وَقَالَ الزّجاج الْمَعْنى إِذا تليت عَلَيْهِم خروا سجدا وبكيا سَامِعين مبصرين كَمَا أمروا بِهِ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة أَي لم يتغافلوا عَنْهَا كَأَنَّهُمْ صم لم يسمعوها وَعمي لم يروها قلت هَهُنَا أَمْرَانِ ذكر الخرور وتسليط النَّفْي عَلَيْهِ وَهل هُوَ خرور الْقلب أَو خرور الْبدن
стр. 78
للسُّجُود وَهل لِمَعْنى لم كن خرورهم عَن صمم وَعَمه فَلهم عَلَيْهَا خرورا بِالْقَلْبِ خضوعا أَو بِالْبدنِ سجودا أَو لَيْسَ هُنَاكَ خرور وَعبر بِهِ عَن الْقعُود
أصُول الْمعاصِي كلهَا كِبَارهَا وصغارها ثَلَاثَة تعلق الْقلب بِغَيْر الله وَطَاعَة الْقُوَّة الغضبية وَالْقُوَّة الشهوانية وَهِي الشّرك وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش فغاية التَّعَلُّق بِغَيْر الله شرك وَأَن يدعى مَعَه إِلَه آخر وَغَايَة طَاعَة الْقُوَّة الغضبية الْقَتْل وَغَايَة الْقُوَّة الشهوانية الزِّنَا وَلِهَذَا جمع الله سُبْحَانَهُ بَين الثَّلَاثَة فِي قَوْله ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ وَهَذِه الثَّلَاثَة يَدْعُو بَعْضهَا إِلَى بعض فالشرك يَدْعُو إِلَى الظُّلم وَالْفَوَاحِش كَمَا أَن الْإِخْلَاص والتوحيد يصرفهما عَن صَاحبه قَالَ تَعَالَى
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فالسوء الْعِشْق والفحشاء الزِّنَا وَكَذَلِكَ الظُّلم يَدْعُو إِلَى الشّرك والفاحشة فَإِن الشّرك اظلم لظلم كَمَا أَن أعدل الْعدْل التَّوْحِيد فالعدل قرين التَّوْحِيد وَالظُّلم قرين الشّرك وَلِهَذَا يجمع سُبْحَانَهُ بَينهمَا أما الأول فَفِي قَوْله شهد اللهأنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ وَأما الثَّانِي فكقوله تَعَالَى ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ والفاحشة تَدْعُو إِلَى الشّرك وَالظُّلم وَلَا سِيمَا إِذا قويت إرادتها وَلم تحصل إِلَّا بِنَوْع من الظُّلم بالظلم والاستعانة بِالسحرِ والشيطان وَقد جمع سُبْحَانَهُ بَين الزِّنَا والشرك فِي قَوْله
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَهَذِهِ الثَّلَاثَة يجر بَعْضهَا إِلَى بعض وَيَأْمُر بَعْضهَا بِبَعْض وَلِهَذَا كلما كَانَ الْقلب أَضْعَف توحيدا وَأعظم شركا كَانَ أَكثر فَاحِشَة وَأعظم تعلقا بالصور وعشقا لَهَا وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ فَأخْبر أَن مَا عِنْده خير لمن آمن بِهِ وتوكل عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيد ثمَّ قَالَ ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ فَهَذَا اجْتِنَاب دَاعِي الْقُوَّة الشهوانية ثمَّ قَالَ
стр. 79
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ فَهَذَا مُخَالفَة الْقُوَّة الغضبية فَجمع بَين التَّوْحِيد والعفة وَالْعدْل الَّتِي هِيَ جماع الْخَيْر كُله
فَائِدَة هجر الْقُرْآن أَنْوَاع أَحدهَا هجر سَمَاعه وَالْإِيمَان بِهِ والإصغاء إِلَيْهِ
وَالثَّانِي هجر الْعَمَل بِهِ وَالْوُقُوف عِنْد حَلَاله وَحَرَامه وَإِن قَرَأَهُ وآمن بِهِ وَالثَّالِث هجر تحكيمه والتحاكم إِلَيْهِ فِي أصُول الدّين وفروعه واعتقاد أَنه لَا يُفِيد الْيَقِين وَأَن أدلته لفظية لَا تحصّل الْعلم وَالرَّابِع هجر تدبّره وتفهّمه وَمَعْرِفَة مَا أَرَادَ الْمُتَكَلّم بِهِ مِنْهُ وَالْخَامِس هجر الِاسْتِشْفَاء والتداوي بِهِ فِي جَمِيع أمراض الْقلب وأدوائها فيطلب شِفَاء دائه من غَيره ويهجر التَّدَاوِي بِهِ وكل هَذَا دَاخل فِي قَوْله ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ وَإِن كَانَ بعض الهجر أَهْون من بعض وَكَذَلِكَ لحرج الَّذِي فِي الصُّدُور مِنْهُ فَإِنَّهُ تَارَة يكون حرجا من إنزاله وَكَونه حَقًا من عِنْد الله وَتارَة يكون من جِهَة لتكلم بِهِ أَو كَونه مخلوقا من بعض مخلوقاته ألهم غَيره أَن تكلم بِهِ وَتارَة يكون من جِهَة كِفَايَته وَعدمهَا وَأَنه لَا يَكْفِي الْعباد بل هم محتاجون مَعَه إِلَى المعقولات والأقيسة أَو الآراء أَو السياسات وَتارَة يكون من جِهَة دلَالَته وَمَا أُرِيد بِهِ حقائقه المفهومة مِنْهُ عِنْد الْخطاب أَو أُرِيد بِهِ تَأْوِيلهَا وإخراجها عَن حقائقها إِلَى تأويلات مستكرهة مُشْتَركَة وَتارَة يكون من جِهَة كَون تِلْكَ الْحَقَائِق وَإِن كَانَت مُرَادة فَهِيَ ثَابِتَة فِي نفس الْأَمر أَو أوهم أَنَّهَا مُرَادة لضرب الْمصلحَة فَكل هَؤُلَاءِ فِي صُدُورهمْ حرج من الْقُرْآن وهم يعلمُونَ ذَلِك من نُفُوسهم ويجدونه فِي صُدُورهمْ وَلَا تَجِد مبتدعا فِي دينه قطّ إِلَّا وَفِي قلب حرج من الْآيَات الَّتِي تخَالف بدعته كَمَا نك لَا تَجِد ظَالِما فَاجِرًا إِلَّا وَفِي صَدره حرج من الْآيَات الَّتِي تحول بَينه وَبَين إِرَادَته فَتدبر هَذَا لِمَعْنى ثمَّ ارْض لنَفسك بِمَا تشَاء
стр. 80
فَائِدَة كَمَال النَّفس الْمَطْلُوب مَا تضمن أَمريْن أَحدهمَا أَن يصير هَيْئَة راسخة وَصفَة
لَازِمَة لَهُ الثَّانِي أَن يكون صفة كَمَال فِي نَفسه فَإِذا لم يكن كَذَلِك لم يكن كمالافلا يَلِيق بِمن يسْعَى فِي كَمَال نَفسه المنافسة عَلَيْهِ وَلَا الأسف على فَوته وَذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا معرفَة بارئها وفاطرها ومعبودها والهها لحق الَّذِي لَا صَلَاح لَهَا وَلَا نعيم وَلَا لَذَّة إِلَّا بمعرفته وَإِرَادَة وَجهه وسلوك الطَّرِيق الموصلة إِلَيْهِ وَإِلَى رِضَاهُ وكرامته وَأَن تعتاد ذَلِك فَيصير لَهَا هَيْئَة راسخة لَازِمَة وَمَا عدا ذَلِك من الْعُلُوم والإرادات والأعمال فَهِيَ بَين مَالا ينفعها وَلَا يكملها وَمَا يعود بضررها ونقصها وألمها وَلَا سِيمَا إِذا صَار هَيْئَة راسخة لَهَا فَإِنَّهَا تعذب وتتألم بِهِ بِحَسب لُزُومه لَهَا وَأما الْفَضَائِل الْمُنْفَصِلَة عَنْهَا كالملابس والمراكب والمساكن والجاه وَالْمَال فَتلك فِي الْحَقِيقَة عوار أعيرتها مُدَّة ثمَّ يرجع فِيهَا الْمُعير فتتألم وتتعذب بِرُجُوعِهِ فِيهَا بِحَسب تعلقهَا بهَا وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت هِيَ غَايَة كمالها فَإِذا سلبتها أحضرت أعظم النَّقْص والألم وَالْحَسْرَة فليتدبر من يُرِيد سَعَادَة نَفسه ولذتها هَذِه النُّكْتَة فَأكْثر هَذَا الْخلق إِنَّمَا يسعون فِي حرمَان نُفُوسهم وألمها وحسرتها ونقصها من حَيْثُ يظنون أَنهم يُرِيدُونَ سعادتها وَنَعِيمهَا فلذتها بِحَسب مَا حصل لَهَا من تِلْكَ الْمعرفَة والمحبة والسلوك وألمها وحسرتها بِحَسب مَا فاتها من ذَلِك وَمَتى عدم ذَلِك وخلا مِنْهُ لم يبْق فِيهِ إِلَّا القوى الْبَدَنِيَّة النفسانية الَّتِي بهَا يَأْكُل وَيشْرب وينكح ويغضب وينال سَائِر لذاته ومرافق حَيَاته وَلَا يلْحقهُ من جِهَتهَا شرف وَلَا فَضِيلَة بل خساسة ومنقصة إِذْ كَانَ إِنَّمَا يُنَاسب بِتِلْكَ القوى الْبَهَائِم ويتصل بجنسها وَيدخل فِي جُمْلَتهَا وَيصير كأحدها وَرُبمَا زَادَت فِي تنَاولهَا عَلَيْهِ واختصت دونه بسلامة عَافِيَتهَا والأمن من جلب الضَّرَر عَلَيْهَا فكمالٌ تشاركك فِيهِ الْبَهَائِم وتزيد عَلَيْك وتختص عَنْك فِيهِ بسلامة الْعَاقِبَة حقيق أَن تهجره إِلَى الْكَمَال الْحَقِيقِيّ الَّذِي لَا كَمَال سواهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 81
فَائِدَة جليلة إِذا أصبح العَبْد وَأمسى وَلَيْسَ همه إِلَّا الله وَحده تحمل الله
سُبْحَانَهُ حَوَائِجه كلهَا وَحمل عَنهُ كل مَا أهمه وَفرغ قلبه لمحبته وَلسَانه لذكره وجوارحه لطاعته وَإِن أصبح وَأمسى وَالدُّنْيَا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إِلَى نَفسه فشغل قلبه عَن محبته بمحبة الْخلق وَلسَانه عَن ذكره بذكرهم وجوارحه عَن طَاعَته بخدمتهم وأشغالهم فَهُوَ يكدح كدح الْوَحْش فِي خدمَة غَيره كالكير ينْفخ بَطْنه ويعصر أضلاعه فِي نفع غَيره لكل من أعرض عَن عبودية اللله وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة لَا تأتون بِمثل مَشْهُور للْعَرَب إِلَّا جِئتُكُمْ بِهِ من الْقُرْآن فَقَالَ لَهُ قَائِل فَأَيْنَ فِي الْقُرْآن أعْط أَخَاك تَمْرَة فَإِن لم يقبل فأعطه جَمْرَة فَقَالَ فِي قَوْله
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾ الْآيَة
فَائِدَة الْعلم نقل صُورَة الْمَعْلُوم من الْخَارِج وإثباتها فِي النَّفس ولعمل نقل
صُورَة علمية من النَّفس وإثباتها فِي الْخَارِج فَإِن كَانَ الثَّابِت فِي النَّفس مطابقا للْحَقِيقَة فِي نَفسهَا فَهُوَ علم صَحِيح وَكَثِيرًا مَا يثبت ويترا أَي فِي النَّفس صور لَيْسَ لَهَا وجود حقيقى فيضنها الَّذِي قد أثبتها فِي نَفسه علما وَإِنَّمَا هِيَ مقدرَة لَا حَقِيقِيَّة لَهَا وَأكْثر عُلُوم النَّاس من هَذَا الْبَاب وَمَا كَانَ مِنْهَا مطابقا للْحَقِيقَة فِي الْخَارِج فَهُوَ نَوْعَانِ نوع تكمل النَّفس بإدراكه وَالْعلم بِهِ وَهُوَ الْعلم بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وأفعاله وَكتبه وَأمره وَنَهْيه وَنَوع لَا يحصل بِهِ للنَّفس كَمَال وَهُوَ كل علم لَا يضر الْجَهْل بِهِ فَإِنَّهُ لَا ينفع الْعلم بِهِ وَكَانَ النَّبِي يستعيذ بِاللَّه من علم لَا ينفع وَهَذَا حَال أَكثر لعلوم الصَّحِيحَة الْمُطَابقَة الَّتِي لَا يضر الْجَهْل بهَا شَيْئا كَالْعلمِ بالفلك
стр. 82
ودقائقه ودرجاته وَعدد الْكَوَاكِب ومقاديرها وَالْعلم بِعَدَد الْجبَال وألوانها ومساحتها وَنَحْو ذَلِك فشرف الْعلم بِحَسب شرف معلومه وَشدَّة الْحَاجة إِلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الْعلم بِاللَّه وتوابع ذَلِك وَأما الْعلم فآفته عدم مطابقته لمراد الله الديني الَّذِي يُحِبهُ الله ويرضاه وَذَلِكَ يكون من فَسَاد الْعلم تَارَة وَمن فَسَاد الْإِرَادَة تَارَة ففساد من جِهَة الْعلم أَن يعْتَقد أَن هَذَا مَشْرُوع مَحْبُوب لله وَلَيْسَ كَذَلِك أَو يعْتَقد أَنه يقر بِهِ إِلَى الله وَإِن لم يكن مَشْرُوعا فيظن أَنه يتَقرَّب إِلَى الله بِهَذَا الْعَمَل وَإِن لم يعلم أَنه مَشْرُوع وَأما فَسَاده من جِهَة الْقَصْد فان لَا يقْصد بِهِ وَجه الله وَالدَّار الْآخِرَة بل يقْصد بِهِ الدُّنْيَا والخلق وَهَاتَانِ الآفتان فِي الْعلم وَالْعَمَل لَا سَبِيل إِلَى السَّلامَة مِنْهُمَا إِلَّا بِمَعْرِِفَة مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول فِي بَاب الْعلم والمعرفة وَإِرَادَة وَجه الله وَالدَّار الْآخِرَة فِي بَاب الْقَصْد والرادة فَمَتَى خلا من هَذِه الْمُعَرّف وَهَذِه الْإِرَادَة فسد علمه وَعَمله وَالْإِيمَان وَالْيَقِين يورثان صِحَة الْمعرفَة وَصِحَّة الْإِرَادَة يورثان الْإِيمَان ويمدانه وَمن هُنَا يتَبَيَّن انحراف أَكثر النَّاس عَن الْأَيْمَان ولانحرافهم عَن صِحَة الْمعرفَة وَصِحَّة الْإِرَادَة وَلَا يتم الْإِيمَان إِلَّا بتلقي الْمعرفَة من مشكاة النُّبُوَّة وَتَجْرِيد الْإِرَادَة عَن شوائب الْهوى وَإِرَادَة الْخلق فَيكون علمه مقتبسا من مشكاة الْوَحْي وإرادته لله وَالدَّار الْآخِرَة فَهَذَا أصح النَّاس علما وَعَملا وَهُوَ من الْأَئِمَّة الَّذين يهْدُونَ بِأَمْر الله وَمن خلفاء رَسُوله فِي أمته
قَاعِدَة الْإِيمَان لَهُ ظَاهر وباطن وَظَاهره قَول اللِّسَان وَعمل الْجَوَارِح وباطنه
تَصْدِيق الْقلب وانقياده ومحبته فَلَا ينفع ظَاهر لَا بَاطِن لَهُ وَإِن حقن بِهِ الدِّمَاء وعصم بِهِ المَال والذريّة وَلَا يجزىء بَاطِن لَا ظَاهر لَهُ إِلَّا إِذا تعذّر بعجز أَو إِكْرَاه وَخَوف هَلَاك فَتخلف الْعَمَل ظَاهرا مَعَ عدم الْمَانِع دَلِيل على فَسَاد الْبَاطِن وخلوّه من الْإِيمَان ونقصه دَلِيل نَقصه وقوته دَلِيل قوته فالإيمان قلب الْإِسْلَام ولبه
стр. 83
وَالْيَقِين قلب الْإِيمَان ولبه وكل علم وَعمل لَا يزِيد الْإِيمَان وَالْيَقِين قُوَّة فمدخول وكل إِيمَان لَا يبْعَث على الْعَمَل فمدخول
قَاعِدَة التَّوَكُّل على الله نَوْعَانِ أَحدهمَا توكل عَلَيْهِ فِي جلب حوائج العَبْد
وحظوظه الدُّنْيَوِيَّة أَو دفع مكروهاته ومصائبه الدُّنْيَوِيَّة وَالثَّانِي التَّوَكُّل عَلَيْهِ فِي حُصُول مَا يُحِبهُ هُوَ ويرضاه من الْإِيمَان وَالْيَقِين وَالْجهَاد والدعوة إِلَيْهِ وَبَين النَّوْعَيْنِ من الْفضل مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله فَمَتَى توكل عَلَيْهِ العَبْد فِي النَّوْع الثَّانِي حق توكله كَفاهُ النَّوْع الأول تَمام الْكِفَايَة وَمَتى توكل عَلَيْهِ فِي النَّوْع الأول دون الثَّانِي كَفاهُ أَيْضا لَكِن لَا يكون لَهُ عَاقِبَة المتَوَكل عَلَيْهِ فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه فأعظم التَّوَكُّل عَلَيْهِ التَّوَكُّل فِي الْهِدَايَة وَتَجْرِيد التَّوْحِيد ومتابعة الرَّسُول وَجِهَاد أهل الْبَاطِل فَهَذَا توكل الرُّسُل وخاصة أتباعهم
التَّوَكُّل تَارَة يكون توكل اضطرار وإلجاء بِحَيْثُ لَا يجد العَبْد ملْجأ وَلَا وزرا إِلَّا التَّوَكُّل كَمَا إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَسْبَاب وَضَاقَتْ عَلَيْهِ نَفسه وَظن أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ وَهَذَا لَا يتَخَلَّف عَنهُ الْفرج والتيسير الْبَتَّةَ وَتارَة يكون توكل اخْتِيَار وَذَلِكَ التَّوَكُّل مَعَ وجود السَّبَب المفضي إِلَى المُرَاد فَإِن كَانَ السَّبَب مَأْمُورا بِهِ ذمّ على تَركه وَإِن قَامَ السَّبَب وَترك التَّوَكُّل ذمّ على تَركه أَيْضا فَإِنَّهُ وَاجِب بِاتِّفَاق الْأمة وَنَصّ الْقُرْآن وَالْوَاجِب الْقيام بهما وَالْجمع بَينهمَا وَإِن كَانَ السَّبَب محرما حرم عَلَيْهِ مُبَاشَرَته وتوحد السَّبَب فِي حَقه فِي التَّوَكُّل فَلم يبْق سَبَب سواهُ فَإِن التَّوَكُّل من أقوى الْأَسْبَاب فِي حُصُول المُرَاد وَدفع الْمَكْرُوه بل هُوَ أقوى الْأَسْبَاب على الْإِطْلَاق وَإِن كَانَ السَّبَب مُبَاحا نظرت هَل يضعف قيامك بِهِ التَّوَكُّل أَو لَا يُضعفهُ فَإِن أضعفه وَفرق عَلَيْك قَلْبك وشتت همك فَتَركه أولى وَإِن لم يُضعفهُ فمباشرته أولى لِأَن حِكْمَة أحكم الْحَاكِمين اقْتَضَت ربط الْمُسَبّب بِهِ فَلَا تعطل حكمته
стр. 84
مهما أمكنك الْقيام بهَا وَلَا سِيمَا إِذا فعلته عبودية فَتكون قد أتيت بعبودية الْقلب بالتوكل وعبودية الْجَوَارِح بِالسَّبَبِ الْمَنوِي بِهِ الْقرْبَة وَالَّذِي يُحَقّق لتوكل الْقيام بالأسباب الْمَأْمُور بهَا فَمن عطلها لم يَصح توكله كَمَا أَن الْقيام بالأسباب المفضية إِلَى حُصُول الْخَيْر يُحَقّق رَجَاءَهُ فَمن لم يقم بهَا كَانَ رجاؤه تمنيّا كَمَا أَن من عطّلها يكون توكله عَجزا وعجزه توكلا
وسر التَّوَكُّل وَحَقِيقَته هُوَ اعْتِمَاد الْقلب على الله وَحده فَلَا يضرّهُ مُبَاشرَة الْأَسْبَاب مَعَ خلو الْقلب من الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا والركون إِلَيْهَا كَمَا لَا يَنْفَعهُ قَوْله توكلت على الله مَعَ اعْتِمَاده على غَيره وركونه إِلَيْهِ وثقته بِهِ فتوكل اللِّسَان شَيْء وتوكل الْقلب شَيْء كَمَا أَن تَوْبَة اللِّسَان مَعَ إِصْرَار الْقلب شَيْء وتوبة الْقلب وَإِن لم ينْطق اللِّسَان شَيْء فَقَوْل العَبْد توكلت على الله مَعَ اعْتِمَاد قلبه على غَيره مثل قَوْله تبت إِلَى الله وَهُوَ مصر على مَعْصِيَته مرتكب لَهَا
فَائِدَة الْجَاهِل يشكو الله إِلَى النَّاس وَهَذَا غَايَة الْجَهْل بالمشكو والمشكو
إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَو عرف ربه لما شكاه وَلَو عرف النَّاس لما شكا إِلَيْهِم وَرَأى بعض السّلف رجلا يشكو إِلَى رجل فاقته وضرورته فَقَالَ يَا هَذَا وَالله مَا زِدْت على أَن شَكَوْت من يَرْحَمك وَفِي ذَلِك قيل
اذا شَكَوْت إِلَى ابْن آدم إِنَّمَا ... تَشْكُو الرَّحِيم إِلَى الَّذِي لَا يرحم
والعارف إِنَّمَا يشكو إِلَى الله وَحده وَأعرف العارفين من جعل شكواه إِلَى الله من نَفسه لَا من النَّاس فَهُوَ يشكو من مُوجبَات تسليط النَّاس عَلَيْهِ فَهُوَ نَاظر إِلَى قَوْله تَعَالَى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَمَا كسبت أَيْدِيكُم وَقَوله ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفسك﴾ وَقَوله أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا
стр. 85
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْد أَنفسكُم﴾ فالمراتب ثَلَاثَة أخسها أَن تَشْكُو الله إِلَى خلقه وأعلاها أَن تَشْكُو نَفسك إِلَيْهِ وأوسطها أَن تَشْكُو خلقه إِلَيْهِ
قَاعِدَة جليلة قَالَ الله تَعَالَى
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتجِيبُوا لله وَالرَّسُول إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يحيكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلبه وَأَنه واليه تحشرون فتضمنت هَذِه الْآيَة أمورا أَحدهَا أَن الْحَيَاة النافعة إِنَّمَا تحصل بالاستجابة لله وَرَسُوله فَمن لم تحصل لَهُ هَذِه الاستجابة فَلَا حَيَاة لَهُ وَإِن كَانَت لَهُ حَيَاة بهيمية مُشْتَركَة بَينه وَبَين أرذل الْحَيَوَانَات فالحياة الْحَقِيقِيَّة الطّيبَة هِيَ حَيَاة من اسْتَجَابَ لله وَالرَّسُول ظَاهرا وَبَاطنا فَهَؤُلَاءِ هم الْأَحْيَاء وَإِن مَاتُوا وَغَيرهم أموات وَإِن كَانُوا أَحيَاء الْأَبدَان وَلِهَذَا كَانَ أكمل النَّاس حَيَاة أكملهم استجابة لدَعْوَة الرَّسُول فَإِن كَانَ مَا دَعَا إِلَيْهِ فَفِيهِ الْحَيَاة فَمن فَاتَهُ جُزْء مِنْهُ فَاتَهُ جُزْء من الْحَيَاة وَفِيه من الْحَيَاة بِحَسب مَا اسْتَجَابَ للرسول قَالَ مُجَاهِد لِمَا يحيكم يَعْنِي للحق وَقَالَ قَتَادَة هُوَ هَذَا الْقُرْآن فِيهِ الْحَيَاة والثقة والنجاة والعصمة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ السّديّ هُوَ الْإِسْلَام أحياهم بِهِ بعد مَوْتهمْ بالْكفْر وَقَالَ ابْن إِسْحَق وَعُرْوَة بن الزبير وَاللَّفْظ لَهُ لِمَا يحيكم يَعْنِي للحرب الَّتِي أعزكم الله بهَا بعد الذل وقوّاكم بعد الضعْف ومنعكم بهَا من عَدوكُمْ بعد الْقَهْر مِنْهُم لكم وَهَذِه كل عِبَارَات عَن حَقِيقَة وَاحِدَة وَهِي الْقيام بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ظَاهرا وَبَاطنا قَالَ الواحدي وَالْأَكْثَرُونَ على أَن معنى قَوْله لما يحيكم هُوَ الْجِهَاد وَهُوَ قَول ابْن إِسْحَق وَاخْتِيَار أَكثر أهل الْمعَانِي قَالَ الْفراء إِذا دعَاكُمْ إِلَى إحْيَاء أَمركُم بجهاد عَدوكُمْ يُرِيد أَن أَمرهم إِنَّمَا يُقَوي بِالْحَرْبِ وَالْجهَاد فَلَو تركُوا لجهاد ضعف أَمرهم واجترأ عَلَيْهِم عدوهم قلت الْجِهَاد من أعظم مَا يحيهم بِهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي البرزخ وَفِي الْآخِرَة أما فِي الدُّنْيَا فَإِن قوتهم وقهرهم لعدوهم بِالْجِهَادِ وَأما فِي البرزخ فقد قَالَ تَعَالَى وَلا تَحْسَبَنَّ
стр. 86
﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبهم يرْزقُونَ﴾ وَإِمَّا فِي الْآخِرَة فَإِن حَظّ الْمُجَاهدين وَالشُّهَدَاء من حَيَاتهَا وَنَعِيمهَا أعظم من حَظّ غَيرهم وَلِهَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة لما يحيكم يَعْنِي الشَّهَادَة وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين لما يحيكم يَعْنِي الْجنَّة فَإِنَّهَا دَار الْحَيَوَان وفيهَا الْحَيَاة الدائمة الطّيبَة حَكَاهُ أَبُو عَليّ الْجِرْجَانِيّ وَالْآيَة تتَنَاوَل هَذَا كُله فَإِن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْقُرْآن وَالْجهَاد يحي الْقُلُوب الْحَيَاة الطّيبَة وَكَمَال الْحَيَاة فِي الْجنَّة وَالرَّسُول دَاع إِلَى الْإِيمَان وَإِلَى الْجنَّة فَهُوَ دَاع إِلَى الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْإِنْسَان مُضْطَر إِلَى نَوْعَيْنِ من الْحَيَاة حَيَاة بدنه الَّتِي بهَا يدْرك النافع والضار ويؤثر مَا يَنْفَعهُ على مَا يضرّه وَمَتى نقصت فِيهِ هَذِه الْحَيَاة ناله من الْأَلَم والضعف بِحَسب ذَلِك وَلذَلِك كَانَت حَيَاة الْمَرِيض والمحزون وَصَاحب الْهم وَالْغَم وَالْخَوْف والفقر والذل دون حَيَاة من هُوَ معافى من ذَلِك وحياة قلبه وروحه الَّتِي بهَا يُمَيّز بَين الْحق وَالْبَاطِل والغي والرشاد والهوى والضلال فيختار الْحق على ضِدّه فتفيده هَذِه الْحَيَاة قُوَّة التميز بَين النافع والضار فِي الْعُلُوم والإرادات والأعمال وتفيده قُوَّة الْإِيمَان والإرادة وَالْحب للحق وَقُوَّة البغض وَالْكَرَاهَة للباطل فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بِحَسب نصِيبه من هَذِه الْحَيَاة كَمَا أَن الْبدن الْحَيّ يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم وَيكون ميله إِلَى النافع ونفرته عَن المؤلم أعظم فَهَذَا بِحَسب حَيَاة الْبدن وَذَاكَ بِحِسَاب حَيَاة الْقلب فَإِذا بطلت حَيَاته بَطل تَمْيِيزه وَإِن كَانَ لَهُ نوع تَمْيِيز لم يكن فِيهِ قُوَّة يُؤثر بهَا النافع على الضار كَمَا أَن الْإِنْسَان لَا حَيَاة لَهُ حَتَّى ينْفخ فِيهِ الْملك الَّذِي هُوَ رَسُول الله من روحه فَيصير حَيا بذلك النفخ وان كَانَ قبل ذَلِك من جملَة الْأَمْوَات فَكَذَلِك لَا حَيَاة لروحه وَقَلبه حَتَّى ينْفخ فِيهِ الرَّسُول من الرّوح الَّذِي ألْقى إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى
﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ من عباده﴾ وَقَالَ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى من يَشَاء من عباده﴾ وَقَالَ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا لايمان وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا فَأخْبر أَن وحيه روح وَنور فالحياة والاستنارة مَوْقُوفَة على نفخ الرَّسُول
стр. 87
الملكي فَمن أَصَابَهُ نفخ الرَّسُول الملكي وَنفخ الرَّسُول البشري حصلت لَهُ الحياتان وَمن حصل لَهُ نفخ الْملك دون نفخ الرَّسُول حصلت لَهُ إِحْدَى الحياتين وفاتته الْأُخْرَى الْأُخْرَى قَالَ تَعَالَى ﴿أَو من كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا﴾ فَجمع لَهُ بَين النُّور والحياة كَمَا جمع لمن أعرض عَن كِتَابه بَين الْمَوْت والظلمة قَالَ ابْن عَبَّاس وَجَمِيع الْمُفَسّرين كَانَ كَافِرًا ضَالًّا فهديناه
وَقَوله ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يتَضَمَّن أمورا أَحدهَا أَنه يمشي فِي النَّاس بِالنورِ وهم فِي الظلمَة فَمثله وَمثلهمْ كَمثل قوم أظلم عَلَيْهِم اللَّيْل فضلوا وَلم يهتدوا للطريق وَآخر مَعَه نور يمشي بِهِ فِي الطَّرِيق ويراها وَيرى مَا يحذرهُ فِيهَا وَثَانِيها أَنه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون مِنْهُ لحاجتهم إِلَى النُّور وَثَالِثهَا أَنه يمشي بنوره يَوْم الْقِيَامَة على الصِّرَاط إِذا بَقِي أهل الشّرك والنفاق فِي ظلمات شركهم ونفاقهم
وَقَوله
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يحؤل بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ الْمَشْهُور فِي الْآيَة أَنه يحول بَين الْمُؤمن وَبَين الْكفْر وَبَين الْكَافِر وَبَين الْإِيمَان ويحول بَين أهل طَاعَته وَبَين مَعْصِيَته وَبَين أهل مَعْصِيَته وَبَين طَاعَته وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَجُمْهُور الْمُفَسّرين وَفِي الْآيَة قَول آخر أَن الْمَعْنى أَنه سُبْحَانَهُ قريب من قلبه لَا تخفى عَلَيْهِ خافية فَهُوَ بَينه وَبَين قلبه ذكره الواحدي عَن قَتَادَة وَكَانَ هَذَا أنسب بالسياق لِأَن الاستجابة أَصْلهَا بِالْقَلْبِ فَلَا تَنْفَع الاستجابة بِالْبدنِ دون الْقلب فَإِن الله سُبْحَانَهُ بَين العَبْد وَبَين قلبه فَيعلم هَل اسْتَجَابَ لَهُ قلبه وَهل أضمر ذَلِك أَو أضمر خِلَافه وعَلى القَوْل الأول فَوجه الْمُنَاسبَة أَنكُمْ إِن تثاقلتم عَن الاستجابة وأبطأتم عَنْهَا فَلَا تأمنوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنكُم وَبَين قُلُوبكُمْ فَلَا يمكنكم بعد ذَلِك من الاستجابة عُقُوبَة لكم على تَركهَا بعد وضوح الْحق واستبانة فَيكون كَقَوْلِه ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وَقَوله ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وَقَوله
стр. 88
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قبل﴾ فَفِي الْآيَة تحذير عَن ترك الاستجابة بِالْقَلْبِ وان اسْتَجَابَ بالجوارح وَفِي الْآيَة سر آخر وَهُوَ أَنه جمع لَهُم بَين الشَّرْع وَالْأَمر بِهِ وَهُوَ الاستجابة وَبَين الْقدر وَالْإِيمَان بِهِ فَهِيَ كَقَوْلِه لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تشاؤن إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله رب الْعَالمين وَقَوله ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله﴾ وَالله أعلم
فَائِدَة جليلة قَوْله تَعَالَى
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تعلمُونَ﴾ وَقَوله وَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كثيرا فالآية الأولى فِي الْجِهَاد الَّذِي هُوَ كَمَال الْقُوَّة الغضبية وَالثَّانيَِة فِي النِّكَاح الَّذِي هُوَ كَمَال الْقُوَّة الشهوانية فَالْعَبْد يكره مُوَاجهَة عدوه بقوته الغضبية خشيَة على نَفسه مِنْهُ وَهَذَا الْمَكْرُوه خير لَهُ فِي معاشه ومعاده وَيُحب الْمُوَادَعَة والمتاركة وَهَذَا المحبوب شَرّ لَهُ فِي معاشه ومعاده وَكَذَلِكَ يكره الْمَرْأَة لوصف من أوصافها وَله فِي إِِمْسَاكهَا خير كثير لَا يعرفهُ وَيُحب الْمَرْأَة لوصف من أصافها وَله فِي إِِمْسَاكهَا شَرّ كثير لَا يعرفهُ لانسان كَمَا وَصفه وَصفه بِهِ خالقه ظلوم جهول فَلَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل المعيار على مَا يصره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه بل المعيار على ذَلِك مَا اخْتَارَهُ الله لَهُ بأَمْره وَنَهْيه فأنفع الْأَشْيَاء لَهُ على الْإِطْلَاق طَاعَة ربه بِظَاهِرِهِ وباطنه وأضر الْأَشْيَاء عَلَيْهِ على الْإِطْلَاق مَعْصِيَته بِظَاهِرِهِ وباطنه فَإِذا قَامَ بِطَاعَتِهِ وعبوديته مخلصا لَهُ فَكل مَا يجْرِي عَلَيْهِ مِمَّا يكرههُ يكون خيرا لَهُ وَذَا تخلى عَن طَاعَته وعبوديته فَكل مَا هُوَ فِيهِ من مَحْبُوب هُوَ شَرّ لَهُ فَمن صحت لَهُ معرفَة ربه وَالْفِقْه فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته علم يَقِينا أَن المكروهات الَّتِي تصيبه والمحن لتي تنزل بِهِ فِيهَا
стр. 89
ضروب من الْمصَالح وَالْمَنَافِع لتي لَا يحصيها علمه وَلَا فكرته بل مصلحَة العَبْد فِيمَا يكره أعظم مِنْهَا فِيمَا يحب
فعامة مصَالح النُّفُوس فِي مكروهاتها كَمَا أَن عَامَّة مضارها وَأَسْبَاب هلكتها فِي محبوباتها فَانْظُر إِلَى غارس جنَّة من الجنات خَبِير بالفلاحة غرس جنَّة وتعاهدها بالسقي والإصلاح حَتَّى أثمرت أشجارها فَأقبل عَلَيْهَا يفصل أوصالها وَيقطع أَغْصَانهَا لعلمه أَنَّهَا لَو خليّت على حَالهَا لم تطب ثَمَرَتهَا فيطعمها من شَجَرَة طيبَة الثَّمَرَة حَتَّى إِذا التحمت بهَا واتحدت وأعطت ثَمَرَتهَا اقبل بقلمها وَيقطع أَغْصَانهَا الضعيفة الَّتِي تذْهب قوتها ويذيقها ألم الْقطع وَالْحَدِيد لمصلحتها وكمالها لتصلح ثَمَرَتهَا أَن تكون بِحَضْرَة الْمُلُوك ثمَّ لَا يَدعهَا ودواعي طبعها من الشّرْب كل وَقت بل يعطشها وقتا ويسقيها وقتا وَلَا يتْرك المَاء عَلَيْهَا دَائِما وَإِن كَانَ ذَلِك أَنْضَرُ لورقها وأسرع لنباتها ثمَّ يعمد إِلَى تِلْكَ الزِّينَة الَّتِي زينت بهَا من الأوراق فيلقي عَنْهَا كثيرا مِنْهَا لِأَن تِلْكَ الزِّينَة تحول بَين ثَمَرَتهَا وَبَين كَمَال نضجها واستوائها كَمَا فِي شجر الْعِنَب وَنَحْوه فَهُوَ يقطع أعضاءها بالحديد ويلقي عَنْهَا كثيرا من زينتها وَذَلِكَ عين مصلحتها فَلَو أَنَّهَا ذَات تَمْيِيز وَإِدْرَاك كالحيوان لتوهمت أَن ذَلِك إِفْسَاد لَهَا وإضرار بهَا وَإِنَّمَا هُوَ عين مصلحتها
وَكَذَلِكَ الْأَب الشفيق على وَلَده الْعَالم بمصلحته إِذا رأى مصْلحَته فِي إِخْرَاج الدَّم الْفَاسِد عَنهُ بضع جلده وَقطع عروقه وأذاقه الْأَلَم الشَّديد وَإِن رأى شفاة فِي قطع عُضْو من أَعْضَائِهِ أبانه عَنهُ كَانَ ذَلِك رَحْمَة بِهِ وشفقة عَلَيْهِ وَإِن رأى مصْلحَته فِي أَن يمسك عَنهُ الْعَطاء لم يُعْطه وَلم يُوسع عَلَيْهِ لعلمه أَن ذَلِك أكبر الْأَسْبَاب إِلَى فَسَاده وهلاكه وَكَذَلِكَ يمنعهُ كثيرا من شهواته حمية لَهُ ومصلحة لَا بخلا عَلَيْهِ فأحكم الْحَاكِمين وأرحم الرَّاحِمِينَ وَأعلم الْعَالمين الَّذِي هُوَ أرْحم بعباده مِنْهُم بِأَنْفسِهِم وَمن آبَائِهِم وأمهاتهم إِذا أنزل بهم مَا يكْرهُونَ كَانَ خيرا لَهُم من أَن لَا ينزله بهم نظرا مِنْهُ لَهُم وإحسانا إِلَيْهِم ولطفا بهم وَلَو مكنوا من الاحتيار لأَنْفُسِهِمْ
стр. 90
لعجزوا عَن الْقيام بمصالحهم علما وَإِرَادَة وَعَملا لكنه سُبْحَانَهُ تولى تَدْبِير أُمُورهم بِمُوجب علمه وحكمته وَرَحمته أَحبُّوا أم كَرهُوا فَعرف ذَلِك الموقنون بأسمائه وَصِفَاته فَلم يتهموه فِي شَيْء من أَحْكَامه وخفي ذَلِك على الْجَهْل بِهِ وبأسمائه وَصِفَاته فنازعوه تَدْبيره وقدحوا فِي حكمته وَلم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم الْفَاسِدَة وآرائهم الْبَاطِلَة وسياساتهم الجائرة فَلَا لرَبهم عرفُوا وَلَا لمصالحهم حصلوا وَالله الْمُوفق
وَمَتى ظفر العَبْد بِهَذِهِ الْمعرفَة سكن فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة فِي جنَّة لَا يشبه فِيهَا إِلَّا نعيم الْآخِرَة فَإِنَّهُ لَا يزَال رَاضِيا عَن ربه وَالرِّضَا جنَّة الدُّنْيَا ومستراح العارفين فَإِنَّهُ طيب النَّفس بِمَا يجْرِي عَلَيْهِ من الْمَقَادِير الَّتِي هِيَ عين اخْتِيَار الله لَهُ وطمأنينتها إِلَى أَحْكَامه الدِّينِيَّة وَهَذَا هُوَ الرِّضَا بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وَمَا ذاق طعم الْإِيمَان من لم يحصل لَهُ ذَلِك وَهَذَا الرِّضَا هُوَ بِحَسب مَعْرفَته بِعدْل الله وحكمته وَرَحمته وَحسن اخْتِيَاره فَكلما كَانَ بذلك أعرف كَانَ بِهِ أرْضى فقضاء الرب سُبْحَانَهُ فِي عَبده دائر بَين الْعدْل والمصلحة وَالْحكمَة وَالرَّحْمَة لَا يخرج عَن ذَلِك الْبَتَّةَ كَمَا قَالَ فِي الدُّعَاء الْمَشْهُور اللَّهُمَّ إِنِّي عَبدك ابْن عَبدك ابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك مَاض فِي حكمك عدل فِي قضاؤك أَسأَلك بِكُل اسْم هـ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو علّمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وجلاء حزني وَذَهَاب همي وغمي مَا قَالَهَا أحد قطّ إِلَّا أذهب الله همه وغمه وأبدله مَكَانَهُ فرجا قَالُوا أَفلا نتعلمهن يَا رَسُول الله قَالَ بِلَا يَنْبَغِي لمن يسمعهن أَن يتعلمهن
وَالْمَقْصُود قَوْله عدل فيّ قضاؤك وَهَذَا يتَنَاوَل كل قَضَاء يَقْضِيه على عَبده من عُقُوبَة أَو ألم وَسبب ذَلِك فَهُوَ الَّذِي قضى بِالسَّبَبِ وَقضى بالمسبب وَهُوَ عدل فِي هَذَا الْقَضَاء وَهَذَا الْقَضَاء خير لِلْمُؤمنِ كَمَا قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يقْضِي الله لِلْمُؤمنِ قَضَاء إِلَّا كَانَ خيرا لَهُ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لِلْمُؤمنِ قَالَ الْعَلامَة ابْن الْقيم فَسَأَلت شَيخنَا هَل يدْخل فِي ذَلِك قَضَاء الذَّنب فَقَالَ نعم بِشَرْطِهِ
стр. 91
فأجمل فِي لَفْظَة بِشَرْطِهِ مَا يَتَرَتَّب على الذَّنب من الْآثَار المحبوبة لله من التَّوْبَة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وَغير ذَلِك
فَائِدَة لَا تتمّ الرَّغْبَة فِي الْآخِرَة إِلَّا بالزهد فِي الدُّنْيَا وَلَا يَسْتَقِيم الزّهْد
فِي الدُّنْيَا إِلَّا بعد نظرين صَحِيحَيْنِ نظر فِي الدُّنْيَا وَسُرْعَة زَوَالهَا وفنائها واضمحلالها ونقصها وخسّتها وألم الْمُزَاحمَة عَلَيْهَا والحرص عَلَيْهَا وَمَا فِي ذَلِك من الْغصَص والنغص والأنكاد وَآخر ذَلِك الزَّوَال والانقطاع مَعَ مَا يعقب من الْحَسْرَة والأسف فطالبها لَا يَنْفَكّ من هم قبل حُصُولهَا وهم حَال الظفر بهَا وغم وحزن بعد فَوَاتهَا فَهَذَا أحد النظرين
النّظر الثَّانِي النّظر فِي الْآخِرَة وإقبالها ومجيئها وَلَا بُد ودوامها وبقائها وَشرف مَا فِيهَا من الْخيرَات والمسرات والتفاوت الَّذِي بَينه وَبَين مَا هُنَا فهى كَمَال الله سُبْحَانَهُ ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبقى﴾ فَهِيَ خيرات كَامِلَة دائمة وَهَذِه خيالات نَاقِصَة مُنْقَطِعَة مضمحلة فَإِذا تمّ لَهُ هَذَانِ النظران آثر مَا يَقْتَضِي الْعقل إيثاره وزهد فِيمَا يَقْتَضِي الزّهْد فِيهِ فَكل أحد مطبوع على أَن لَا يتْرك النَّفْع العاجل واللذة الْحَاضِرَة إِلَى النَّفْع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة الى إِذا تبين لَهُ فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته فِي الْأَعْلَى الْأَفْضَل فَإِذا آثر الفاني النَّاقِص كَانَ ذَلِك إِمَّا لعدم تبين الْفضل لَهُ وَإِمَّا لعدم رغبته فِي الْأَفْضَل
وكل وَاحِد من الْأَمريْنِ يدل على ضعف الْإِيمَان وَضعف الْعقل والبصيرة فَإِن الرَّاغِب فِي الدُّنْيَا الْحَرِيص عَلَيْهِ الْمُؤثر لَهَا إِمَّا أَن يصدّق بِأَن مَا هُنَاكَ أشرف وَأفضل وَأبقى وَإِمَّا أَن لَا يصدّق بذلك كَانَ عادما للْإيمَان رَأْسا وَإِن صدّق بذلك وَلم يؤثره كَانَ فَاسد الْعقل سيء الِاخْتِيَار لنَفسِهِ وَهَذَا تَقْسِيم حَاضر ضَرُورِيّ لَا يَنْفَكّ العَبْد من أحد الْقسمَيْنِ مِنْهُ فإيثار الدُّنْيَا على الْآخِرَة
стр. 92
إِمَّا من فَسَاد فِي الْإِيمَان وَإِمَّا من فَسَاد فِي الْعقل وَمَا أَكثر مَا يكون مِنْهُمَا وَلِهَذَا نبذها رَسُول الله وَرَاء ظَهره هُوَ وَأَصْحَابه وصرفوا عَنْهَا قُلُوبهم وأطرحوها وَلم يألفوها وهجورها وَلم يميلوا إِلَيْهَا وعدّوها سجنا لَا جنّة فزهدوا فِيهَا حَقِيقَة الزّهْد وَلَو أرادوها لنالوا مِنْهَا كل مَحْبُوب لوصلوا مِنْهَا إِلَى كل مَرْغُوب فقد عرضت عَلَيْهِ مَفَاتِيح كنوزها فردّها وفاضت على أَصْحَابه فآثروا بهَا وَلم يبيعوا حظهم من الْآخِرَة بهَا وَعَلمُوا أَنَّهَا معبر وممر لَا دَار مقَام ومستقر وَأَنَّهَا دَار عبور لَا دَار سرُور وَأَنَّهَا سَحَابَة صيف تنقشع عَن قَلِيل وخيال طيف مَا استتم الزِّيَارَة حَتَّى آذن بالرحيل قَالَ النَّبِي مَالِي وللدنيا إِنَّمَا أَنا كراكب قَالَ فِي ظلّ شَجَرَة ثمَّ رَاح وَتركهَا وَقَالَ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا كَمَا يدْخل أحدكُم إصبعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَا ترجع وَقَالَ خَالِقهَا سُبْحَانَهُ إِنَّمَا مثل حَيَاة الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَأخْبر عَن خسة الدُّنْيَا وزهَّد فِيهَا وَأخْبر عَن دَار السَّلَام ودعا إِلَيْهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ على كل شَيْء مُقْتَدِراً الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخير أملا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور﴾ وَقَالَ تَعَالَى
وزين لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالله وَعِنْده حُسْنُ
стр. 93
المآب قل أؤنتبكم بِخَير مِنْكُم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعباد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾
وَقد توعّد سُبْحَانَهُ أعظم الْوَعيد لمن رَضِي بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنَّ بهَا وغفل عَن آيَاته وَلم يرج لقاءه فَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وعيّر سُبْحَانَهُ من رَضِي بالدنيا من الْمُؤمنِينَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مالكم إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة الا قَلِيل وعَلى قدر رَغْبَة العَبْد فِي الدُّنْيَا وَرضَاهُ بهَا يكون تثاقله عَن طَاعَة الله وَطلب الْآخِرَة وَيَكْفِي فِي بالزهد فِي الدُّنْيَا قَوْله تَعَالَى أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يتمتعون وَقَوله وَيَوْم نحشرهم كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ وَقَوله كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لم يلبثو إِلَّا سَاعَة من نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ وَقَوله تَعَالَى يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا الا عَشِيَّة اوضحاها وَقَوله ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة﴾ وَقَوله ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ العادِّين قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تعلمُونَ﴾ وَقَوله يون يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان
стр. 94
قَاعِدَة أساس كل خير أَن تعلم أَن مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم
يَشَأْ لم يكن فتيقن حِينَئِذٍ أَن الْحَسَنَات من نعمه فتشكره عَلَيْهَا وتتضرّع إِلَيْهِ أَن لَا يقطعهَا عَنْك وَأَن السَّيِّئَات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إِلَيْهِ أَن يحول بَيْنك وَبَينهَا وَلَا يكلك فِي فعل الْحَسَنَات وَترك السَّيِّئَات إِلَى نَفسك وَقد أجمع العارفون على أَن كل خير فأصله بِتَوْفِيق الله للْعَبد وكل شَرّ فأصله خذلانه لعَبْدِهِ وَأَجْمعُوا أَن التَّوْفِيق أَن لَا يكلك الله نفسكوان الخذلان أَن يخلي بَيْنك وَبَين نَفسك فَإِذا كَانَ كل خير فأصله التَّوْفِيق وَهُوَ بيد الله إِلَى نَفسك وَأَن لَا بيد العَبْد فمفتاحه الدُّعَاء والافتقار وَصدق اللجأ وَالرَّغْبَة والرهبة إِلَيْهِ فَمَتَى أعْطى العَبْد هَذَا الْمِفْتَاح فقد أَرَادَ أَن يفتح لَهُ وَمَتى أضلّه عَن الْمِفْتَاح بَقِي بَاب الْخَيْر مُرْتَجًا دونه
قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب إِنِّي لَا أحمل هم الْإِجَابَة وَلَكِن هم الدُّعَاء فَإِذا ألهمت الدُّعَاء فَإِن الْإِجَابَة مَعَه وعَلى قدرنية العَبْد وهمته وَمرَاده ورغبته فِي ذَلِك يكون توفيقه سُبْحَانَهُ وإعانته فالمعونة من الله تنزل على الْعباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم والخذلان ينزل عَلَيْهِم على حسب ذَلِك فَالله سُبْحَانَهُ أحكم الْحَاكِمين وَأعلم الْعَالمين يضع التَّوْفِيق فِي موَاضعه اللائقة بِهِ والخذلان فِي موَاضعه اللائقة بِهِ هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم وَمَا أُتِي من أُتِي إِلَّا من قِبَل إِضَاعَة الشُّكْر وإهمال الافتقار وَالدُّعَاء وَلَا ظفر من ظفر بِمَشِيئَة الله وعونه إِلَّا بقيامه بالشكر وَصدق الافتقار وَالدُّعَاء وملاك ذَلِك الصَّبْر فَإِنَّهُ من الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد فَإِذا قطع الرَّأْس فَلَا بَقَاء للجسد مَا ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة الْقلب والبعد عَن الله خلقت النَّار لإذابة الْقُلُوب القاسية أبعد الْقُلُوب من الله الْقلب القاسي إِذا قسي الْقلب قحطت الْعين قسوة الْقلب من أَرْبَعَة أَشْيَاء إِذا جَاوَزت قدر الْحَاجة الْأكل وَالنَّوْم وَالْكَلَام والمخالطة كَمَا
стр. 95
أَن الْبدن إِذا مرض لم ينفع فِيهِ الطَّعَام وَالشرَاب فَكَذَلِك الْقلب إِذا مرض بالشهوات لم تنجع فِيهِ المواعظ وَمن أَرَادَ صفاء قلبه فليؤثر الله على شَهْوَته الْقُلُوب الْمُتَعَلّقَة بالشهوات محجوبة عَن الله بِقدر تعلقهَا بهَا الْقُلُوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إِلَيْهِ أرقها وأصلبها وأصفاها شغلوا قُلُوبهم بالدنيا وَلَو شغلوها بِاللَّه وَالدَّار الْآخِرَة لجالت فِي مَعَاني كَلَامه وآياته المشهودة وَرجعت إِلَى أَصْحَابهَا بِغَرَائِب الحكم وطرف الْفَوَائِد إِذا غذي الْقلب بالتذكر وَسقي بالتفكّر ونقي من الدغل رأى الْعَجَائِب وألهم الْحِكْمَة لَيْسَ كل من تحلى بالمعرفة وَالْحكمَة وانتحلها كَانَ من أَهلهَا بل أهل الْمعرفَة وَالْحكمَة الَّذين أحيوا قُلُوبهم بقتل الْهوى وَأما من قتل قلبه فأحيى الْهوى الْمعرفَة وَالْحكمَة عَارِية على لِسَانه خراب الْقلب من الْأَمْن والغفلة وعمارته من الخشية وَالذكر إِذا زهدت الْقُلُوب فِي مَوَائِد الدُّنْيَا قعدت على مَوَائِد الْآخِرَة بَين أهل تِلْكَ الدعْوَة وَإِذا رضيت بموائد الدُّنْيَا فاتتها تِلْكَ الموائد الشوق إِلَى الله ولقائه نسيم يهب على الْقلب يروح عَنهُ وهج الدُّنْيَا من وطّن قلبه عِنْد ربه سكن واستراح وَمن أرْسلهُ فِي النَّاس اضْطربَ وَاشْتَدَّ بِهِ القلق لَا تدخل محبَّة الله فِي قلب فِيهِ حب الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا يدْخل الْجمل فِي سم الابرة اذ أحب الله عبدا اصطنعه لنَفسِهِ واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته فشغل همه بِهِ وَلسَانه بِذكرِهِ وجوارحه بخدمته وَالْقلب يمرض كَمَا يمرض الْبدن وشفاؤه فِي التَّوْبَة وَالْحمية ويصدأ كَمَا تصدأ الْمرْآة وجلاؤه بِالذكر ويعرى كَمَا يعرى الْجِسْم وزينته التَّقْوَى ويجوع ويظمأ كَمَا يجوع الْبدن وَطَعَامه وَشَرَابه الْمعرفَة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة إياك والغفلة عَمَّن جعل لحياتك أَََجَلًا ولأيامك وأنفاسك أمدا وَمن كل مَا سواهُ بُد وَلَا بذلك مِنْهُ من ترك الِاخْتِيَار وَالتَّدْبِير فِي طلب زِيَادَة دنيا أَو جاه أَو فِي خوف نُقْصَان أَو فِي التَّخَلُّص من عَدو توكلا على الله وثقة بتدبيره لَهُ وَحسن اخْتِيَاره لَهُ فَألْقى كنفه بَين يَدَيْهِ وَسلم الْأَمر إِلَيْهِ وَرَضي بِمَا يَقْضِيه لَهُ استراح من
стр. 96
الهموم والغموم وَالْأَحْزَان وَمن أَبى إِلَّا تَدْبيره لنَفسِهِ وَقع فِي النكد وَالنّصب وَسُوء الْحَال والتعب فَلَا عَيْش يصفو وَلَا قلب يفرح وَلَا عمل يزكو وَلَا أمل يقوم وَلَا رَاحَة تدوم وَالله سُبْحَانَهُ سهّل لخلقه السَّبِيل إِلَيْهِ وحجبهم عَنهُ بِالتَّدْبِيرِ فَمن رَضِي بتدبير الله لَهُ وَسكن إِلَى اخْتِيَاره وسلّم لحكمه أَزَال ذَلِك الْحجاب فأفضى الْقلب إِلَى ربه وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَسكن المتَوَكل لَا يسْأَل غير الله وَلَا يرد على الله وَلَا يدّخر مَعَ الله من شبغل بِنَفسِهِ شغل عَن غَيره وَمن شغل بربه شغل عَن نَفسه الْإِخْلَاص هُوَ مَا لَا يُعلمهُ ملك فيكتبه وَلَا عَدو فيفسده وَلَا يعجب بِهِ صَاحبه فيبطله الرِّضَا سُكُون الْقلب تَحت مجاري الْأَحْكَام النَّاس فِي الدُّنْيَا معذّبون على قدر هممهم بهَا للقلب سِتَّة مَوَاطِن يجول فِيهَا لَا سَابِع لَهَا ثَلَاثَة سافلة وَثَلَاثَة عالية فالسافلة دنيا تزين لَهُ وَنَفس تحدثه وعدو يوسوس لَهُ فَهَذِهِ مَوَاطِن الْأَرْوَاح السافلة الَّتِي لَا تزَال تجول فِيهَا وَالثَّلَاثَة الْعَالِيَة علم يتَبَيَّن لَهُ وعقل يرشده وإله يعبده والقلوب جوّالة فِي هَذِه المواطن إتباع لهوى وَطول الأمل مَادَّة كل فَسَاد فَإِن اتِّبَاع الْهوى يعمي عَن الْحق معرفَة وقصدا وَطول الأمل ينسي الْآخِرَة ويصد عَن الاستعداد لَهَا لَا يشم عبد رَائِحَة الصدْق ويداهن نَفسه أَو يداهن غَيره إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا جعله معترفا بِذَنبِهِ ممسكا عَن ذَنْب غَيره جوادا بِمَا عِنْده زاهدا فِيمَا عِنْده مُحْتملا لأَذى غَيره وَإِن أَرَادَ بِهِ شرا عكس ذَلِك عَلَيْهِ الهمّة العليّة لَا تزَال حائمة حول ثَلَاثَة أَشْيَاء تعرف لصفة من الصِّفَات الْعليا تزداد بمعرفتها محبَّة وَإِرَادَة وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر اَوْ اطاعة وتذكر لذنب تزداد بتذكره تَوْبَة وخشية فَإِذا تعلّقت الهمّة بسوى هَذِه الثَّلَاثَة جالت فِي أَوديَة الوساوس والخطرات من عشق الدُّنْيَا نظرت إِلَى قدرهَا عِنْده فصيرته من خدمها وعبيدها وأذلّته وَمن أعرض عَنْهَا نظرت إِلَى كبر قدره فخدمته وذلّت لَهُ إِنَّمَا يقطع السّفر
стр. 97
ويصل الْمُسَافِر بِلُزُوم الجادّة وسير اللَّيْل فَإِذا حاد الْمُسَافِر عَن الطَّرِيق ونام اللَّيْل كُله فَمَتَى يصل إِلَى مقْصده
فَائِدَة جليلة كل من آثر الدُّنْيَا من أهل الْعلم واستحبها فَلَا بُد أَن
يَقُول على الله غير الْحق فِي فتواه وَحكمه فِي خَبره وإلزامه لِأَن أَحْكَام الرب سُبْحَانَهُ كثيرا مَا تَأتي على خلاف أغراض النَّاس وَلَا سِيمَا أهل الرياسة وَالَّذين يتبعُون الشُّبُهَات فَإِنَّهُم لَا تتمّ لَهُم أغراضهم إِلَّا بمخالفة الْحق وَدفعه كثيرا فَإِذا كَانَ الْعَالم وَالْحَاكِم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لما ذَلِك إِلَّا بِدفع مَا يضاده من الْحق وَلَا سِيمَا إِذا قَامَت لَهُ شُبْهَة فتتفق الشُّبْهَة والشهوة ويثور الْهوى فيخفى الصَّوَاب وينطمس وَجه الْحق وَإِن كَانَ الْحق ظَاهرا لَا خَفَاء بِهِ وَلَا شبة فِيهِ أقدم على مُخَالفَته وَقَالَ لي مخرج بِالتَّوْبَةِ وَفِي هَؤُلَاءِ وأشباههم قَالَ تَعَالَى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى فيهم أَيْضا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سيغفر لنا وَإِن يَأْتِيهم عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تعقلون فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم أخذُوا الْعرض الْأَدْنَى مَعَ علمهمْ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِم وَقَالُوا سيغفر لنا وَإِن عرض لَهُم عرض آخر أَخَذُوهُ فهم مصرون على ذَلِك وَذَلِكَ هُوَ الْحَامِل لَهُم على أَن يَقُولُوا على الله غير الْحق فَيَقُولُونَ هَذَا حكمه وشرعه وَدينه وهم يعلمُونَ أَن دينه وشرعه وَحكمه خلاف ذَلِك أَولا يعلمُونَ أَن ذَلِك دينه وشرعه وَحكمه فَتَارَة يَقُولُونَ على الله مَالا يعلمُونَ وَتارَة يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا يعلمُونَ بُطْلَانه
وَأما الَّذين يَتَّقُونَ فيعلمون أَن الدَّار الْآخِرَة خير من الدُّنْيَا فَلَا يحملهم
стр. 98
حب الرياسة والشهوة على أَن يؤثروا الدُّنْيَا على الْآخِرَة وَطَرِيق ذَلِك أَن يَتَمَسَّكُوا بِالْكتاب وَالسّنة ويستعينوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة ويتفكروا فِي الدُّنْيَا وزوالها وخستها وَالْآخِرَة وإقبالها ودوامها وَهَؤُلَاء لَا بُد أَن يبتدعوا فِي الدّين مَعَ الْفُجُور فِي الْعَمَل فيجتمع لَهُم الْأَمْرَانِ فَإِن اتِّبَاع الْهوى يعمي عين الْقلب فَلَا يُمَيّز بَين السّنة والبدعة أَو ينكسه فَيرى الْبِدْعَة سنة وَالسّنة بِدعَة فَهَذِهِ آفَة الْعلمَاء إِذا آثروا الدُّنْيَا وَاتبعُوا الرياسات والشهوات وَهَذِه الْآيَات فيهم إِلَيّ قَوْله
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ فَهَذَا مثل عَالم السوء الَّذِي يعْمل بِخِلَاف علمه
وتأمّل مَا تضمنته هَذِه الْآيَة من ذمه وَذَلِكَ من وُجُوه أَحدهَا أَنه ضل بعد الْعلم وَاخْتَارَ الْكفْر على الْإِيمَان عمدا وَلَا جهلا وَثَانِيها أَنه فَارق الْإِيمَان مُفَارقَة من لَا يعود إِلَيْهِ أبدا فَإِنَّهُ انْسَلَخَ من الْآيَات بِالْجُمْلَةِ كَمَا تنسلخ الْحَيَّة من قشرها وَلَو بَقِي مَعَه مِنْهَا شَيْء لم يَنْسَلِخ مِنْهَا وَثَالِثهَا أَن الشَّيْطَان أدْركهُ ولحقه بِحَيْثُ ظفر بِهِ وافترسه وَلِهَذَا قَالَ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان وَلم يقل تبعه فَإِن فِي معنى أتبعه أدْركهُ ولحقه وَهُوَ أبلغ من تبعه لفظا وَمعنى وَرَابِعهَا أَنه غوي بعد الرشد والغي الضلال فِي الْعلم وَالْقَصْد وَهُوَ أخص بِفساد الْقَصْد وَالْعَمَل كَمَا أَن الضلال أخص فَسَاد الْعلم والاعتقاد فَإِذا أُفرد أَحدهمَا دخل فِيهِ الآخر وَإِن اقترنا فَالْفرق مَا ذكر وخامسها أَنه سُبْحَانَهُ لم يَشَأْ أَن يرفعهُ بِالْعلمِ فَكَانَ سَبَب هَلَاكه لِأَنَّهُ لم رفع بِهِ فَصَارَ وبالا عَلَيْهِ فَلَو لم يكن عَالما كَانَ خيرا لَهُ وأخف لعذابه وسادسها أَنه سُبْحَانَهُ أخبر عَن خسة همته وَأَنه اخْتَار الْأَسْفَل الْأَدْنَى على الْأَشْرَف الْأَعْلَى وسابعها أَن اخْتِيَاره للأدنى لم يكن عَن خاطر وَحَدِيث نفس وَلكنه كَانَ عَن إخلاد إِلَى الأَرْض وميل بكليّته إِلَى مَا هُنَاكَ وأصل الإخلاد اللُّزُوم على الدَّوَام
стр. 99
كَأَنَّهُ قيل لزم الْميل إِلَى الأَرْض وَمن هَذَا يُقَال أخلد فلَان بِالْمَكَانِ إِذا لزم الْإِقَامَة بِهِ قَالَ مَالك بن نُوَيْرَة
بأبناء حَيّ من قبائل مَالك ... وَعَمْرو بن يَرْبُوع أَقَامُوا فأخلدوا
وعبّر عَن ميله إِلَى الدُّنْيَا بإخلاده إِلَى الأَرْض لِأَن الدُّنْيَا هِيَ الأَرْض وَمَا فِيهَا وَمَا يسْتَخْرج مِنْهَا من الزِّينَة وَالْمَتَاع وثامنها أَنه رغب عَن هداه وَاتبع هَوَاهُ فَجعل هَوَاهُ إِمَامًا لَهُ يَقْتَدِي بِهِ ويتبعه وتاسعها أَنه شبهه بالكلب الَّذِي هُوَ أخس الْحَيَوَانَات همة وأسقطها نفسا وأبخلها وأشدها كَلْبا وَلِهَذَا سمي كَلْبا وعاشرها أَنه شبه لهثه على الدُّنْيَا وَعدم صبره عَنْهَا وجزعه لفقدها وحرصه على تَحْصِيلهَا بلهث الْكَلْب فِي حالتي تَركه وَالْحمل عَلَيْهِ بالطرد وَهَكَذَا هَذَا إِن ترك فَهُوَ لهثان على الدُّنْيَا وَإِن وعظ وزجر فَهُوَ كَذَلِك فاللهث لَا يُفَارِقهُ فِي كل حَال كلهث الْكَلْب قَالَ ابْن قُتَيْبَة كل شَيْء يَلْهَث فَإِنَّمَا يَلْهَث من إعياء أَو عَطش إِلَّا الْكَلْب فَإِنَّهُ يَلْهَث فِي حَال الكلال وَحَال الرَّاحَة وَحَال الرّيّ وَحَال الْعَطش فَضَربهُ الله مثلا لهَذَا الْكَافِر فَقَالَ إِن وعظته فَهُوَ ضال وَإِن تركته فَهُوَ ضال كَالْكَلْبِ إِن طردته لهث وَإِن تركته على حَاله لهث وَهَذَا التَّمْثِيل لم يَقع بِكُل كلب وَإِنَّمَا وَقع بالكلب اللاهث وَذَلِكَ أخس مَا يكون وأشنعه
فصل فَهَذَا حَال الْعَالم الْمُؤثر الدُّنْيَا على الْآخِرَة وَأما العابد الْجَاهِل
فآفته من إعراضه عَن الْعلم وَأَحْكَامه وَغَلَبَة خياله وذوقه ووجده وَمَا تهواه نَفسه وَلِهَذَا قَالَ سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَغَيره احْذَرُوا فتْنَة الْعَالم الْفَاجِر وفتنة العابد الْجَاهِل فَإِن فتنتهما فتْنَة لكل مفتون فَهَذَا بجهله يصد عَن الْعلم وموجبه وَذَاكَ بغيّه يَدْعُو إِلَى الْفُجُور وَقد ضرب الله سُبْحَانَهُ مثل النَّوْع الآخر بقوله ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾
стр. 100
أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خلدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمين وقصته مَعْرُوفَة فَإِنَّهُ بنى أساس أمره على عبَادَة الله بِجَهْل فأوقعه الشَّيْطَان بجهله وكفّره بجهله فَهَذَا إِمَام كل عَابِد جَاهِل يكفر وَلَا يدْرِي وَذَاكَ إِمَام كل عَالم فَاجر يخْتَار الدُّنْيَا على الْآخِرَة وَقد جعل سُبْحَانَهُ رضى العَبْد بالدنيا وطمأنينته وغفلته عَن معرفَة آيَاته وتدبرها وَالْعَمَل بهَا سَبَب شقائه وهلاكه وَلَا يجْتَمع هَذَانِ أعنى الرضى بالدنيا والغفلة عَن آيَات الرب إِلَّا فِي قلب من لَا يُؤمن بالمعاد وَلَا يَرْجُو لِقَاء رب الْعباد وَإِلَّا فَلَو رسخ قدمه فِي الْإِيمَان بالمعاد لما رَضِي الدُّنْيَا وَلَا اطْمَأَن إِلَيْهَا وَلَا أعرض عَن آيَات الله وَأَنت إِذا تَأَمَّلت أَحْوَال النَّاس وجدت هَذَا الضَّرْب هُوَ الْغَالِب على النَّاس وهم عمّار الدُّنْيَا وَأَقل النَّاس عددا من هُوَ على خلاف ذَلِك وَهُوَ من أَشد النَّاس غربَة بَينهم لَهُم شَأْن وَله شَأْن علمه غير علومهم وإرادته غير إرادتهم وَطَرِيقه غير طريقهم فَهُوَ فِي وَاد وهم فِي وَاد قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
ثمَّ ذكر وصف ضد هَؤُلَاءِ ومآلهم وعاقبتهم بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جنَّات النَّعيم﴾ فَهَؤُلَاءِ إِيمَانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرِّضَا بالدنيا والطمأنينة إِلَيْهَا ودوام ذكر آيَاته فَهَذِهِ مَوَارِيث الْإِيمَان بالمعاد وَتلك مَوَارِيث عدم الْإِيمَان بِهِ والغفلة عَنهُ
فَائِدَة عَظِيمَة أفضل مَا اكتسبته النُّفُوس وحصلته الْقُلُوب العَبْد ونال بِهِ
العَبْد الرّفْعَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة هُوَ الْعلم وَالْإِيمَان وَلِهَذَا قرن بَينهمَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْم الْبَعْث﴾ وَقَوله ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ وهؤلاهم خُلَاصَة الْوُجُود ولبه والمؤهلون للمراتب الْعَالِيَة وَلَكِن أَكثر النَّاس غالطون فِي حَقِيقَة مُسَمّى الْعلم وَالْإِيمَان اللَّذين بهما
стр. 101
السَّعَادَة والرفقة وَفِي حقيقتهما حَتَّى أَن كل طَائِفَة تظن أَن مَا مَعهَا من الْعلم وَالْإِيمَان هُوَ هَذَا الَّذِي بِهِ تنَال السَّعَادَة وَلَيْسَ كَذَلِك بل أَكْثَرهم لَيْسَ مَعَهم إِيمَان يُنجي وَلَا علم يرفع بل قد سدوا على نُفُوسهم طرق الْعلم وَالْإِيمَان اللَّذين جَاءَ بهما الرَّسُول ودعا إِلَيْهِمَا الْأمة وَكَانَ عَلَيْهِمَا هُوَ وَأَصْحَابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم
فَكل طَائِفَة اعتقدت أَن الْعلم مَا مَعهَا وفرحت وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لديهم فَرِحُونَ وَأكْثر مَا عِنْدهم كَلَام وآراء وخرص وَالْعلم وَرَاء الْكَلَام كَمَا قَالَ حمّاد بن زيد قلت لأيوب الْعلم الْيَوْم أَكثر أَو فِيمَا تقدّم فَقَالَ الْكَلَام الْيَوْم أَكثر وَالْعلم فِيمَا تقدم أَكثر
فَفرق هَذَا الراسخ بَين الْعلم وَالْكَلَام فالكتب كَثِيرَة جدا وَالْكَلَام والجدال والمقدرات الذهنية كَثِيرَة وَالْعلم بمعزل عَن أَكْثَرهَا وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول عَن الله قَالَ تَعَالَى
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ من الْعلم﴾ وَقَالَ
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَك من لعلم وَقَالَ فِي الْقُرْآن أنزلهُ بِعِلْمِهِ أَي وَفِيه علمه
وَلما بعد الْعَهْد بِهَذَا الْعلم آل الْأَمر بِكَثِير من النَّاس إِلَى أَن اتَّخذُوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما وَوَضَعُوا فِيهَا الْكتب وأنفقوا فِيهَا الأنفاس فضيعوا فِيهَا الزَّمَان وملأوا بهَا الصُّحُف مدادا والقلوب سوادا حَتَّى صرح كثير مِنْهُم أَنه لَيْسَ فِي الْقُرْآن وَالسّنة علم وَأَن أدلتها لفظية لَا تفِيد يَقِينا وَلَا علما وصرخ الشَّيْطَان بِهَذِهِ الْكَلِمَة فيهم وأذَّن بهَا بَين أظهرهم حَتَّى أسمعها دانيهم لقاصيهم فانسلخت بهَا الْقُلُوب من الْعلم وَالْإِيمَان كانسلاخ الْحَيَّة من قشرها وَالثَّوْب عَن لابسه قَالَ الإِمَام الْعَلامَة شمس الدّين ابْن الْقيم وَلَقَد أَخْبرنِي بعض أَصْحَابنَا عَن بعض أَتبَاع أَتبَاع تلاميذ هَؤُلَاءِ أَنه رَآهُ يشْتَغل فِي بعض كتبهمْ وَلم يحفظ الْقُرْآن فَقَالَ لَهُ لَو حفظت الْقُرْآن أَولا كَانَ أولى فَقَالَ وَهل فِي الْقُرْآن علم قَالَ ابْن الْقيم وَقَالَ لي بعض أَئِمَّة هَؤُلَاءِ إِنَّمَا نسْمع الحَدِيث لأجل الْبركَة لَا لنستفيد
стр. 102
مِنْهُ الْعلم لِأَن غَيرنَا قد كفانا هَذِه المؤونة فعمدتنا على مَا فهموه قرروه وَلَا شكّ أَن من كَانَ هَذَا مبلغه من الْعلم فَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَائِل
نزلُوا بِمَكَّة فِي قبائل هَاشم ... وَنزلت بالبطحاء أبعد منزل
قَالَ وَقَالَ لي شَيخنَا مرّة فِي وصف هَؤُلَاءِ أَنهم طافوا على أَرْبَاب الْمذَاهب ففازوا بأخس المطالب وَيَكْفِيك دَلِيلا على أَن هَذَا الَّذِي عِنْدهم لَيْسَ من عِنْد الله مَا ترى فِيهِ من التنقائض وَالِاخْتِلَاف ومصادمة بعضه لبَعض قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كثيرا﴾ وَهَذَا يدل على أَن مَا كَانَ من عِنْده سُبْحَانَهُ لَا يخْتَلف وَأَن مَا اخْتلف وتناقض فَلَيْسَ من عِنْده وَكَيف تكون الآراء والخيالات وسوانح الأفكار دينا يدان بِهِ وَيحكم بِهِ على الله وَرَسُوله سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم
وَقد كَانَ علم الصَّحَابَة الَّذِي يتذاكرون فِيهِ غير عُلُوم هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفين الخرّاصين كَمَا حكى الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة أبي عبد الله البُخَارِيّ قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله إِذا اجْتَمعُوا إِنَّمَا يتذاكرون كتاب رَبهم وَسنة نَبِيّهم لَيْسَ بَينهم رَأْي وَلَا قِيَاس وَلَقَد أحسن الْقَائِل
الْعلم قَالَ الله قَالَ رَسُوله ... قَالَ الصَّحَابَة لَيْسَ بالتمويه
مَا الْعلم نصبك للْخلاف سفاهة ... بَين الرَّسُول وَبَين رَأْي فَقِيه
كلا وَلَا جحد الصِّفَات ونفيها ... حذرا من التَّمْثِيل والتشبيه فصل
وَأما الْإِيمَان فَأكْثر النَّاس أَو كلهم يَدعُونَهُ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بمؤمنين وَأكْثر الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا عِنْدهم إِيمَان مُجمل وَأما الْإِيمَان الْمفصل بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول معرفَة وعلما وإقرارا ومحبة وَمَعْرِفَة بضده وكراهيته وبغضه فَهَذَا إِيمَان
стр. 103
خَواص الْأمة وخاصة الرَّسُول وَهُوَ إِيمَان الصدّيق وَحزبه وَكثير من النَّاس حظهم من الْإِيمَان الْإِقْرَار بِوُجُود الصَّانِع وَأَنه وَحده الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَهَذَا لم يكن يُنكره عبّاد الْأَصْنَام من قُرَيْش وَنَحْوهم وَآخَرُونَ الْإِيمَان عِنْدهم هُوَ التَّكَلُّم بِالشَّهَادَتَيْنِ سَوَاء كَانَ مَعَه عمل أَو لم يكن وَسَوَاء وَافق تَصْدِيق الْقلب أَو خَالفه وَآخَرُونَ عِنْدهم الْإِيمَان مُجَرّد تَصْدِيق الْقلب بِأَن الله سُبْحَانَهُ خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَإِن لم يقر بِلِسَانِهِ وَلم يعْمل شَيْئا بل وَلَو سبّ الله وَرَسُوله وأتى بِكُل عَظِيمَة وَهُوَ يعْتَقد وحدانية الله ونبوة رَسُوله فَهُوَ مُؤمن وَآخَرُونَ عِنْدهم الْإِيمَان هُوَ جحد صِفَات الرب تَعَالَى من علوه على عَرْشه وتكلمه بكلماته وَكتبه وسَمعه وبصره ومشيئته وَقدرته وإرادته وحبه وبغضه وَغير ذَلِك مِمَّا وصف بِهِ نَفسه وَوَصفه بِهِ رَسُوله فالإيمان عِنْدهم إِنْكَار حقائق ذَلِك كُله وجحده وَالْوُقُوف مَعَ مَا تَقْتَضِيه آراء المتهوكين وأفكار المخرصين الَّذين يرد بَعضهم على بعض وينقض بَعضهم قَول بعض الَّذين هم كَمَا قَالَ عمر بن الْخطاب وَالْإِمَام أَحْمد مُخْتَلفُونَ فِي الْكتاب مخالفون للْكتاب متفقون على مُفَارقَة الْكتاب وَآخَرُونَ عِنْدهم الْإِيمَان عبَادَة الله بِحكم أذواقهم ومواجيدهم وَمَا تهواه نُفُوسهم من غير تَقْيِيد بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَآخَرُونَ الْإِيمَان عِنْدهم مَا وجدوا عَلَيْهِ آبَاءَهُم وأسلافهم بِحكم الِاتِّفَاق كَائِنا مَا كَانَ بل إِيمَانهم مَبْنِيّ على مقدمتين إِحْدَاهمَا أَن هَذَا قَول أسلافنا وَآبَائِنَا وَالثَّانيَِة أَن مَا قَالُوهُ فَهُوَ الْحق وَآخَرُونَ عِنْدهم الْإِيمَان مَكَارِم الْأَخْلَاق وَحسن الْمُعَامَلَة وطلاقة الْوَجْه وإحسان الظَّن بِكُل أحد وتخلية النَّاس وغفلاتهم وَآخَرُونَ عِنْدهم الْإِيمَان التجرد من الدُّنْيَا وعلائقها وتفريغ الْقلب مِنْهَا والزهد فِيهَا فَإِذا رَأَوْا رجلا هَكَذَا جَعَلُوهُ من سَادَات أهل الْإِيمَان وَإِن كَانَ منسلخا من الْإِيمَان علما وَعَملا وَأَعْلَى من هَؤُلَاءِ من جعل الْإِيمَان هُوَ مُجَرّد الْعلم وَإِن لم يقارنه عمل وكل هَؤُلَاءِ لم يعرفوا حَقِيقَة الْإِيمَان وَلَا قَامُوا بِهِ وَلَا قَامَ بهم وهم أَنْوَاع مِنْهُم من جعل الْإِيمَان مَا يضاد الْإِيمَان وَمِنْهُم
стр. 104
من جعل الْإِيمَان مَا لَا يعْتَبر فِي الْإِيمَان وَمِنْهُم من جعله مَا هُوَ شَرط فِيهِ وَلَا يَكْفِي فِي حُصُوله وَمِنْهُم من اشْترط فِي ثُبُوته مَا يناقضه ويضاده وَمِنْهُم من اشْترط فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ بِوَجْه الْإِيمَان
وَالْإِيمَان وَرَاء ذَلِك كُله وَهُوَ حَقِيقَة مركبة من معرفَة مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول علما والتصديق بِهِ عقدا وَالْإِقْرَار بِهِ نطقا والانقياد لَهُ محبَّة وخضوعا وَالْعَمَل بِهِ بَاطِنا وظاهرا وتنفيذه والدعوة إِلَيْهِ بِحَسب الْإِمْكَان وكماله فِي الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله وَالعطَاء لله وَالْمَنْع لله وَأَن يكون الله وَحده إلهه ومعبوده وَالطَّرِيق إِلَيْهِ تَجْرِيد مُتَابعَة رَسُوله ظَاهرا وَبَاطنا وتغميض عين الْقلب عَن الِالْتِفَات إِلَى سوى الله وَرَسُوله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق من اشْتغل بِاللَّه عَن نَفسه كفاء الله مؤونة نَفسه وَمن اشْتغل بِاللَّه عَن النَّاس كَفاهُ الله مؤونة النَّاس وَمن اشْتغل بِنَفسِهِ عَن الله وَكله الله إِلَى نَفسه وَمن اشْتغل بِالنَّاسِ عَن الله وَكله الله إِلَيْهِم
فَائِدَة جليلة إِنَّمَا يجد الْمَشَقَّة فِي ترك المألوفات والعوائد من تَركهَا لغير
الله فَأَما من تَركهَا صَادِقا مخلصا من قلبه لله فانه لَا يجد فِي تَركهَا مشقة إِلَّا فِي أول وهلة ليمتحن أصادق هُوَ فِي تَركهَا أم كَاذِب فان صَبر على تِلْكَ الْمَشَقَّة قَلِيلا استحالت لَذَّة قَالَ ابْن سِيرِين سَمِعت شريحا يحلف بِاللَّه مَا ترك عبد لله شَيْئا فَوجدَ فَقده وَقَوْلهمْ من ترك لله شَيْئا عوضه الله خيرا مِنْهُ حق والعوض أَنْوَاع مُخْتَلفَة وأجلّ مَا يعوض بِهِ الْأنس بِاللَّه ومحبته وطمأنينة الْقلب بِهِ وقوته ونشاطه وفرحه وَرضَاهُ عَن ربه تَعَالَى
أغبى النَّاس من ضل فِي آخر سَفَره وَقد قَارب الْمنزل الْعُقُول المؤيدة
стр. 105
بالتوفيق ترى أَن مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول هُوَ الْحق الْمُوَافق لِلْعَقْلِ وَالْحكمَة والعقول المضروبة بالخذلان ترى الْمُعَارضَة بَين الْعقل وَالنَّقْل وَبَين الْحِكْمَة وَالشَّرْع أقرب الْوَسَائِل إِلَى الله مُلَازمَة السّنة وَالْوُقُوف مَعهَا فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن ودوام الافتقار إِلَى الله وَإِرَادَة وَجهه وَحده بالأقوال وَالْأَفْعَال وَمَا وصل أحد إِلَى الله إِلَّا من هَذِه الثَّلَاثَة وَمَا انْقَطع عَنهُ أحد إِلَّا بانقطاعه عَنْهَا أَو عَن أَحدهَا الْأُصُول الَّتِي انبنى عَلَيْهَا سَعَادَة العَبْد ثَلَاثَة وَلكُل وَاحِد مِنْهَا ضد فَمن فقد ذَلِك الأَصْل حصل على ضِدّه التَّوْحِيد وضده الشّرك وَالسّنة وضدها الْبِدْعَة وَالطَّاعَة وضدها الْمعْصِيَة ولهذه الثَّلَاثَة ضد وَاحِد وَهُوَ خلو الْقلب من الرَّغْبَة فِي الله وَفِيمَا عِنْده وَمن الرهبة مِنْهُ وَمِمَّا عِنْده
قَاعِدَة جليلة قَالَ الله تَعَالَى
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرمين﴾ وَقَالَ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ الْآيَة وَالله تَعَالَى قد بَين فِي كِتَابه سَبِيل الْمُؤمنِينَ مفصّلة وسبيل الْمُجْرمين مفصّلة وعاقبة هَؤُلَاءِ مفصّلة وعاقبة هَؤُلَاءِ مفصّلة وأعمال هَؤُلَاءِ وأعمال هَؤُلَاءِ وأولياء هَؤُلَاءِ وأولياء هَؤُلَاءِ وخذلانه لهَؤُلَاء وتوفيقه لهَؤُلَاء والأسباب الَّتِي وفْق بهَا هَؤُلَاءِ والأسباب الَّتِي خذل بهَا هَؤُلَاءِ وجلا سُبْحَانَهُ الْأَمريْنِ فِي كِتَابه وكشفهما وأوضحهما وبيّنهما غَايَة الْبَيَان حَتَّى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الْأَبْصَار للضياء والظلام
فالعالمون بِاللَّه وَكتابه وَدينه عرفُوا سَبِيل الْمُؤمنِينَ معرفَة تفصيلية وسبيل الْمُجْرمين معرفَة تفصيلية فاستبانت لَهُم السبيلان كَمَا يستيبين للسالك الطَّرِيق الْموصل إِلَى مَقْصُوده وَالطَّرِيق الْموصل إِلَى الهلكة فَهَؤُلَاءِ أعلم الْخلق وأنفعهم للنَّاس وأنصحهم لَهُم وهم الأدلاء الهداة برز الصَّحَابَة على جَمِيع من أَتَى بعدهمْ إِلَى يَوْم
стр. 106
الْقِيَامَة فَإِنَّهُم نشأوا فى سَبِيل الظلال وَالْكفْر والشرك والسبل الموصلة إِلَى الْهَلَاك وعرفوها مفصّلة ثمَّ جَاءَهُم الرَّسُول فَأخْرجهُمْ من تِلْكَ الظُّلُمَات إِلَى سَبِيل الْهدى وصراط الله الْمُسْتَقيم فَخَرجُوا من الظلمَة الشَّدِيدَة إِلَى النُّور التَّام وَمن الشّرك إِلَى التَّوْحِيد وَمن الْجَهْل إِلَى الْعلم وَمن الغي إِلَى الرشاد وَمن الظُّلم إِلَى الْعدْل وَمن الْحيرَة والعمى إِلَى الْهدى والبصائر فعرفوا مِقْدَار مَا نالوه وظفروا بِهِ وَمِقْدَار مَا كَانُوا فِيهِ فَإِن الضِّدّ يظْهر حسنه الضِّدّ وَإِنَّمَا تتبين الْأَشْيَاء بأضدادها فازدادوا رَغْبَة ومحبة فِيمَا انتقلوا إِلَيْهِ ونفرة وبغضا لما انتقلوا عَنهُ وَكَانُوا أحب النَّاس فِي التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَأبْغض النَّاس فِي ضِدّه عَالمين بالسبيل على التَّفْصِيل
وَأما من جَاءَ بعد الصَّحَابَة فَمنهمْ من نَشأ فِي الْإِسْلَام غير عَالم تَفْصِيل ضِدّه فَالْتبسَ عَلَيْهِ بعض تفاصيل سَبِيل الْمُؤمنِينَ بسبيل الْمُجْرمين فَإِن اللّبْس إِنَّمَا يَقع إِذا ضعف الْعلم بالسبيلين أَو أَحدهمَا كَمَا قَالَ عمر بن الْخطاب إِنَّمَا تنقض عرى الْإِسْلَام عُرْوَة إِذا نَشأ فِي الْإِسْلَام من لم يعرف الْجَاهِلِيَّة وَهَذَا من كَمَال علم عمر ﵁ فَإِنَّهُ إِذا لم يعرف الْجَاهِلِيَّة وَحكمهَا وَهُوَ كل مَا خَالف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول فَإِنَّهُ من الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّهَا منسوبة إِلَى الْجَهْل وكل مَا خَالف الرَّسُول فَهُوَ من الْجَهْل فَمن لم يعرف سَبِيل الْمُجْرمين وَلم تستبن لَهُ أوشك أَن يظنّ فِي بعض سبيلهم أَنَّهَا من سَبِيل الْمُؤمنِينَ كَمَا وَقع فِي هَذِه الْأمة من أُمُور كَثِيرَة فِي بَاب الِاعْتِقَاد وَالْعلم وَالْعَمَل هِيَ من سَبِيل الْمُجْرمين وَالْكفَّار وأعداء الرُّسُل أدخلها من لم يعرف أَنَّهَا من سبيلهم فِي سَبِيل الْمُؤمنِينَ ودعا إِلَيْهَا وكفّر من خالفها واستحل مِنْهُ مَا حرمه الله وَرَسُوله كَمَا وَقع لأكْثر أهل الْبدع من الْجَهْمِية والقدرية والخوارج وَالرَّوَافِض وأشباههم مِمَّن ابتدع بِدعَة ودعا إِلَيْهَا وكفّر من خالفها
وَالنَّاس فِي هَذَا الْموضع أَربع فرق الأولى من استبان لَهُ سَبِيل الْمُؤمنِينَ وسبيل الْمُجْرمين على التَّفْصِيل علما وَعَملا وَهَؤُلَاء أعلم الْخلق الْفرْقَة الثَّانِيَة من
стр. 107
عميت عَنهُ السبيلان من أشباه الْأَنْعَام وَهَؤُلَاء بسبيل الْمُجْرمين أحضر وَلها أسلك الْفرْقَة الثَّالِثَة من صرف عنايته إِلَى معرفَة سَبِيل الْمُؤمنِينَ دون ضدها فَهُوَ يعرف ضدها من حَيْثُ الْجُمْلَة والمخالفة وَأَن كل مَا خَالف سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَهُوَ بَاطِل وَإِن لم يتصوره على التَّفْصِيل بل إِذا سمع شَيْئا مِمَّا خَالف سَبِيل الْمُؤمنِينَ صرف سَمعه عَنهُ وَلم يشغل نَفسه بفهمه وَمَعْرِفَة وَجه بُطْلَانه وَهُوَ بِمَنْزِلَة من سلمت نَفسه من إِرَادَة الشَّهَوَات فَلم تخطر بِقَلْبِه وَلم تَدعه إِلَيْهَا نَفسه بِخِلَاف الْفرْقَة الأولى فَإِنَّهُم يعرفونها وتميل إِلَيْهَا نُفُوسهم ويجاهدونها على تَركهَا الله وَقد كتبُوا إِلَى عمر بن الْخطاب يسألونه عَن هَذِه المسالة أَيّمَا أفضل رجل لم تخطر لَهُ الشَّهَوَات وَلم تمر بِبَالِهِ أَو رجل نازعته إِلَيْهَا نَفسه فَتَركهَا لله فَكتب عمر أَن الَّذِي تشْتَهي نَفسه الْمعاصِي وَيَتْرُكهَا لله من الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مفغرة وَأجر عَظِيم وَهَكَذَا من عرف الْبدع والشرك وَالْبَاطِل وطرقه فأبغضها لله وحذرها وحذّر مِنْهَا وَدفعهَا عَن نَفسه وَلم يَدعهَا تخدش وَجه إيمَانه وَلَا تورثه شُبْهَة وَلَا شكا بل يزْدَاد بمعرفتها بَصِيرَة فِي الْحق ومحبة لَهُ وَكَرَاهَة لَهَا ونفرة عَنْهَا أفضل مِمَّن لَا تخطر بِبَالِهِ وَلَا تمر بِقَلْبِه فَإِنَّهُ كلما مرت بِقَلْبِه وتصورت لَهُ ازْدَادَ محبَّة للحق وَمَعْرِفَة بِقَدرِهِ وسرورا بِهِ فيقوى إيمَانه بِهِ كَمَا أَن صَاحب خواطر الشَّهَوَات والمعاصي كلما مرت بِهِ فَرغب عَنْهَا إِلَى ضدها ازْدَادَ محبَّة لضدها ورغبة فِيهِ وطلبا لَهُ وحرصا عَلَيْهِ فَمَا ابتلى الله سُبْحَانَهُ عَبده الْمُؤمن بمحبة الشَّهَوَات والمعاصي وميل نَفسه إِلَيْهَا إِلَّا ليسوقه بهَا إِلَى محبَّة مَا هُوَ أفضل مِنْهَا وَخير لَهُ وأنفع وأدوم وليجاهد نَفسه على تَركهَا لَهُ سُبْحَانَهُ فتورثه تِلْكَ المجاهدة الْوُصُول إِلَى المحبوب الْأَعْلَى فَكلما نازعته نَفسه إِلَى تِلْكَ الشَّهَوَات وشتدت إِرَادَته لَهَا وشوقه إِلَيْهَا صرف ذَلِك الشوق والإرادة والمحبة إِلَى النَّوْع العالي الدَّائِم فَكَانَ طلبه لَهُ أَشد وحرصه عَلَيْهِ أتم بِخِلَاف النَّفس الْبَارِدَة الخالية من ذَلِك فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت طالبة للأعلى لَكِن بَين الطلبين فرق عَظِيم أَلا ترى أَن من مَشى إِلَى محبوبه على الْجَمْر
стр. 108
والشوك أعظم مِمَّن مَشى إِلَيْهِ رَاكِبًا على النجائب فَلَيْسَ من آثر محبوبه مَعَ مُنَازعَة نَفسه كمن آثره مَعَ عدم منازعتها إِلَى غَيره فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي عَبده بالشهوات إِمَّا حِجَابا لَهُ عَنهُ أَو حاجبا لَهُ يوصله إِلَى رِضَاهُ وقربه وكرامته الْفرْقَة الرَّابِعَة فرقة عرفت سَبِيل الشَّرّ والبدع وَالْكفْر مفصلة وسبيل الْمُؤمنِينَ مجملة وَهَذَا حَال كثير مِمَّن اعتنى بمقالات الْأُمَم ومقالات أهل الْبدع فعرفها على التَّفْصِيل وَلم يعرف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول كَذَلِك بل عرفه معرفَة مجملة وَإِن تفصلت لَهُ فِي بعض الْأَشْيَاء وَمن تَأمل كتبهمْ رأى ذَلِك عيَانًا وَكَذَلِكَ من كَانَ عَارِفًا بطرق الشَّرّ وَالظُّلم وَالْفساد على التَّفْصِيل سالكا لَهَا إِذا تَابَ وَرجع عَنْهَا إِلَى سَبِيل الْأَبْرَار يكون علمه بهَا مُجملا غير عَارِف بهَا على التَّفْصِيل معرفَة من أفنى عمره فِي تصرفها وسلوكها
وَالْمَقْصُود أَن الله سُبْحَانَهُ يحب أَن تعرف سَبِيل أعدائه لتجتنب تبغض كَمَا يجب أَن تعرف سَبِيل أوليائه لِتُحَبّ وتسلك وَفِي هَذِه الْمعرفَة من الْفَوَائِد والأسرار مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله من معرفَة عُمُوم ربوبيته سُبْحَانَهُ وحكمته وَكَمَال أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وتعلقها بمتعلقاتها واقتضائها لآثارها وموجباتها وَذَلِكَ من أعظم الدّلَالَة على ربوبيته وَملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه وَالله أعلم
أَرْبَاب الْحَوَائِج على بَاب الْملك يسْأَلُون قَضَاء حوائجهم وأولياؤه المحبون لَهُ الَّذين هُوَ هَمهمْ ومرادهم جُلَسَاؤُهُ وخواصه فَإِذا أَرَادَ قَضَاء حَاجَة وَاحِد من أُولَئِكَ أذن لبَعض جُلَسَائِهِ وخاصته أَن يشفع فِيهِ رَحْمَة لَهُ وكرامة للشافع وَسَائِر النَّاس مطرودون عَن الْبَاب مضروبون بسياط العَبْد
فصل عشرَة أَشْيَاء ضائعة لَا ينْتَفع بهَا علم لَا يعْمل بِهِ وَعمل لَا
إخلاص فِيهِ وَلَا اقْتِدَاء وَمَال لَا ينْفق مِنْهُ فَلَا يسْتَمْتع بِهِ جَامعه فِي الدُّنْيَا وَلَا يقدمهُ
стр. 109
أَمَامه إِلَى الْآخِرَة وقلب فارغ من محبَّة الله والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ وبدن معطل من طَاعَته وخدمته ومحبة لَا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره وَوقت معطل عَن اسْتِدْرَاك فارطه أَو اغتنام بر وقربة وفكر يجول فِيمَا لَا ينفع وخدمة من لَا تقربك خدمته إِلَى الله وَلَا تعود عَلَيْك بصلاح دنياك وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وَهُوَ أسبر فِي قَبضته وَلَا يملك لنَفسِهِ حذرا وَلَا نفعا وَلَا موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا
وَأعظم هَذِه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إِضَاعَة إِضَاعَة الْقلب وإضاعة الْوَقْت فإضاعة الْقلب من إِيثَار الدُّنْيَا على الْآخِرَة وإضاعة الْوَقْت من طول الأمل فَاجْتمع الْفساد كُله فِي إتباع الْهوى وَطول الأمل وَالصَّلَاح كُله فى اتِّبَاع لهدى والاستعداد للقاء وَالله الْمُسْتَعَان
الْعجب مِمَّن تعرض لَهُ حَاجَة فَيصْرف رغبته وهمته فِيهَا إِلَى الله ليقضيها لَهُ وَلَا يتَصَدَّى للسؤال لحياة قلبه من موت الْجَهْل والإعراض وشفائه من دَاء الشَّهَوَات والشبهات وَلَكِن إِذا مَاتَ الْقلب لم يشْعر بمعصيته
فصل لله سُبْحَانَهُ على عَبده أَمر أمره بِهِ وَقَضَاء يَقْضِيه عَلَيْهِ ونعمة ينعم
بهَا عَلَيْهِ فَلَا يَنْفَكّ من هَذِه الثَّلَاثَة وَالْقَضَاء نَوْعَانِ إِمَّا مصائب وَإِمَّا معائب وَله عَلَيْهِ عبودية فِي هَذِه الْمَرَاتِب كلهَا فَأحب الْخلق إِلَيْهِ من عرف عبوديته فِي هَذِه الْمَرَاتِب ووفاها حَقّهَا فَهَذَا أقرب الْخلق إِلَيْهِ وأبعدهم مِنْهُ من جهل عبوديته فِي هَذِه الْمَرَاتِب فعطلها علما وَعَملا فعبوديته فِي الْأَمر وامتثاله اخلاصا واقتداءا برَسُول الله وَفِي النَّهْي اجتنابه خوفًا مِنْهُ وإجلالا ومحبة وعبوديته فِي قَضَاء المصائب الصَّبْر عَلَيْهَا ثمَّ الرِّضَا بهَا وَهُوَ أَعلَى مِنْهُ ثمَّ الشُّكْر عَلَيْهَا وَهُوَ أَعلَى من الرِّضَا وَهَذَا إِنَّمَا يأتى مِنْهُ إِذا تمكن حبه من قلبه وَعلم حسن اخْتِيَاره لَهُ وبره بِهِ ولطفه بِهِ
стр. 110
وإحسانه إِلَيْهِ بالمصيبة وَإِن كره الْمُصِيبَة وعبوديته فِي قَضَاء المعائب الْمُبَادرَة إِلَى التَّوْبَة مِنْهَا والتنصل وَالْوُقُوف فِي مقَام الِاعْتِذَار والانكسار عَالما بِأَنَّهُ لَا يرفعها عَنهُ إِلَّا هُوَ وَلَا يَقِيه شَرها سواهُ وَأَنَّهَا إِن استمرت أبعدته من ربه وطردته من بَابه فيراها من الضّر الَّذِي لَا يكشفه غَيره حَتَّى انه ليراها أعظم من ضرّ الْبدن فه عَائِذ بِرِضَاهُ من سخطه وبعفوه من عُقُوبَته وَبِه مِنْهُ مستجير وملتجىء مِنْهُ اليه بِعلم أَنه إِن تخلى عَنهُ وخلى بَينه وَبَين نَفسه فعده أَمْثَالهَا وَشر مِنْهَا وَأَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الإقلاع وَالتَّوْبَة إِلَّا بتوفيقه وإعانته وَأَن ذَلِك بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ لَا بيد العَبْد فَهُوَ أعجز وأضعف وَأَقل من أَن يوفق نَفسه أَو يَأْتِي بمرضاة سَيّده بِدُونِ إِذْنه ومشيئته وإعانته فَهُوَ ملتجىء إِلَيْهِ متضرع ذليل مِسْكين مُلْقٍ نَفسه بَين يَدَيْهِ طريح بَابه مستخذله أذلّ شَيْء وأكسره لَهُ وأفقره وأحوجه إِلَيْهِ وأرغبه فِيهِ وأحبه لَهُ بدنه متصرف فِي أشغاله وَقَلبه ساجد بَين يَدَيْهِ يعلم يَقِينا انه لَا خبر فِيهِ وَلَا لَهُ وَلَا بِهِ وَلَا مِنْهُ وَأَن الْخَيْر كُله لله وَفِي يَدَيْهِ وَبِه وَمِنْه فَهُوَ ولي نعْمَته ومبتدئه بهَا من غير اسْتِحْقَاق ومجريها عَلَيْهِ مَعَ تمقته إِلَيْهِ بإعراضه وغفلته ومعصيته فحظه سُبْحَانَهُ الْحَمد وَالشُّكْر وَالثنَاء وحظ العَبْد الذَّم وَالنَّقْص وَالْعَيْب قد اسْتَأْثر بالمحامد والمدح وَالثنَاء وَولى العَبْد الْمَلَامَة والنقائص ولعيوب فَالْحَمْد كُله لَهُ وَالْخَيْر كُله فِي يَدَيْهِ وَالْفضل كُله لَهُ وَالثنَاء كُله لَهُ والْمنَّة كلهَا لَهُ فَمِنْهُ الْإِحْسَان وَمن العَبْد الْإِسَاءَة وَمِنْه التودد إِلَى العَبْد بنعمه وَمن العَبْد التبغض إِلَيْهِ بمعاصيه وَمِنْه النصح لعَبْدِهِ وَمن العَبْد الْغِشّ لَهُ فِي مُعَامَلَته
وَأما عبودية النعم فمعرقتها وَالِاعْتِرَاف بهَا أَولا ثمَّ العياذ بِهِ أَن يَقع فِي قلبه نسبتها وإضافتها إِلَى سواهُ وَإِن كَانَ سَببا من الْأَسْبَاب فَهُوَ مسببه ومقيمه فالنعمة مِنْهُ وَحده بِكُل وَجه وَاعْتِبَار ثمَّ الثَّنَاء بهَا عَلَيْهِ ومحبته عَلَيْهَا وشكره بِأَن يستعملها فِي طَاعَته وَمن لطائف التَّعَبُّد بِالنعَم أَن يكثر قليلها عَلَيْهِ ويستقل كثير شكره عَلَيْهَا وبعلم أَنَّهَا وصلت إِلَيْهِ من سَيّده من غير ثمن بذله فِيهَا وَلَا وَسِيلَة مِنْهُ توسل
следующие страницы →