Полный текст (577 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تُؤثر فِيهِ البداآت ويستفز باوائل الامور بِخِلَاف الثَّابِت التَّام الْعَاقِل فَإِنَّهُ لَا تستفزه البداآت وَلَا تزعجه وتقلقله فان الْبَاطِل لَهُ دهشة وروعة فِي اوله فَإِذا ثَبت لَهُ الْقلب رد على عَقِبَيْهِ وَالله يحب من عِنْده الْعلم والاناة فَلَا يعجل بل يثبت حَتَّى يعلم ويستيقن مَا ورد عَلَيْهِ وَلَا يعجل بِأَمْر من قبل استحكامه فالعلجة والطيش من الشَّيْطَان فَمن ثَبت عِنْد صدمة البداآت اسْتقْبل امْرَهْ بِعلم وَجزم وَمن لم يثبت لَهَا استقبله بعجله وطيش وعاقبته الندامة وعاقبة الاول حمدامره وَلَكِن للْأولِ آفَة مَتى قرنت بالحزم والعزم نجا مِنْهَا وَهِي الْفَوْت فَإِنَّهُ لَا يخَاف من التثبيت الا الْفَوْت فَإِذا اقْترن بِهِ الْعَزْم والحزم تمّ امْرَهْ وَلِهَذَا فِي الدُّعَاء الَّذِي وَرَاه الامام احْمَد وَالنَّسَائِيّ عَن النَّبِي اللَّهُمَّ اني اسالك الثَّبَات فِي الامر والعزيمة على الرشد وَهَاتَانِ الكلمتان هما جماع الْفَلاح وَمَا اتى العَبْد الا من تضييعهما اَوْ تَضْييع احدهما فَمَا اتى اُحْدُ الا من بَاب العجلة والطيش واستفزاز البداآت لَهُ أَو من بَاب التهاون والتمات وتضييع الفرصة بعد مواتاتها فَإِذا حصل الثَّبَات اولا والعزيمة ثَانِيًا افلح كل الْفَلاح وَالله ولي التَّوْفِيق الصِّنْف الثَّالِث رجل نهمته فِي نيل لذته فَهُوَ منقاد لداعي الشَّهْوَة ايْنَ كَانَ وَلَا ينَال دَرَجَة وراثة النُّبُوَّة مَعَ ذَلِك وَلَا وَلَا ينَال الْعلم الا بهجر اللَّذَّات وتطليق الرَّاحَة قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه قَالَ يحيى بن أبي كثير لَا ينَال الْعلم براحة الْجِسْم وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ اجْمَعْ عقلاء كل امة ان النَّعيم لَا يدْرك بِالنعَم وَمن آثر الرَّاحَة فَاتَتْهُ الرَّاحَة فَمَا لصَاحب اللَّذَّات وَمَا لدرجة وراثة الانبياء
فدع عَنْك الْكِتَابَة لست مِنْهَا ... وَلَو سودت وَجهك بالمداد فان الْعلم صناعَة الْقلب وشغله فَمَا لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها وَله وجهة وَاحِدَة فَإِذا وجهت وجهته الى اللَّذَّات والشهوات انصرفت عَن الْعلم وَمن لم يغلب لَذَّة إِدْرَاكه الْعلم وشهوته على لَذَّة جِسْمه وشهوة نَفسه لم ينل دَرَجَة الْعلم ابدا فَإِذا صَارَت شَهْوَته فِي الْعلم ولذته فِي كل إِدْرَاكه رجى لَهُ ان يكون من جملَة اعلة وَلَذَّة الْعلم لَذَّة عقلية روحانية من جنس لَذَّة الْمَلَائِكَة وَلَذَّة شهوات الاكل وَالشرَاب وَالنِّكَاح لَذَّة حيوانية يُشَارك الانسان فِيهَا الْحَيَوَان وَلَذَّة الشروالظلم وَالْفساد والعلوى فِي الارض شيطانية يُشَارك صَاحبهَا فِيهَا ابليس وَجُنُوده وَسَائِر اللَّذَّات تبطل بمقارفة الرّوح الْبدن الا لَذَّة الْعلم والايمان فَإِنَّهَا تكمل بعد الْمُفَارقَة لَان الْبدن وشواغله كَانَ ينقصها ويقللها ويحجبها فَإِذا انطوت الرّوح عَن الْبدن التذت لَذَّة كَامِلَة بِمَا حصلته من الْعلم النافع وَالْعَمَل الصَّالح فَمن طلب اللَّذَّة الْعُظْمَى وآثر النَّعيم والمقيم فَهُوَ فِي الْعلم والايمان اللَّذين بهما كَمَال سَعَادَة الانسان وايضا فَإِن تِلْكَ اللَّذَّات سريعة الزَّوَال وَإِذا انْقَضتْ اعقبت هما وغما وَألا يحْتَاج صَاحبهَا ان يداويه بِمِثْلِهَا دفعا للألمه وَرُبمَا كَانَ معاودته لَهَا مؤلما لَهُ كريها اليه لَكِن يحملهُ عَلَيْهِ مدواة ذَلِك الْغم والهم فَأَيْنَ هَذَا من لَذَّة الْعلم وَلَذَّة الايمان بِاللَّه ومحبته والاقبال عَلَيْهِ والتنعم بِذكرِهِ فَهَذِهِ هِيَ اللَّذَّة الْحَقِيقِيَّة
стр. 142
الصِّنْف الرَّابِع من حرصه وهمته فِي جمع الاموال وتثميرها وادخارها فقد صَارَت لذته فِي ذَلِك وفتى بهَا عَمَّا سواهُ فَلَا يرى شَيْئا اطيب لَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَمن ايْنَ هَذَا ودرجة الْعلم فَهَؤُلَاءِ الاصناف الاربعة لَيْسُوا من دعاة الدّين وَلَا من ائمة الْعلم وَلَا من طلبته الصَّادِقين فِي طلبه وَمن تعلق مِنْهُم بِشَيْء مِنْهُ فَهُوَ من المتسلقين عَلَيْهِ المتشبهين بحملته وَأَهله المدعين لوصاله المبتونين من حباله وفتنة هَؤُلَاءِ فتْنَة لكل مفتون فان النَّاس يتشبهون بهم لما يظنون عِنْدهم من الْعلم وَيَقُولُونَ لسنا خيرا مِنْهُم وَلَا نرغب بِأَنْفُسِنَا عَنْهُم فهم حجَّة لكل مفتون وَلِهَذَا قَالَ فيهم بعض الصَّحَابَة الْكِرَام احْذَرُوا فتْنَة الْعَالم الْفَاجِر وَالْعَابِد الْجَاهِل فَإِن فتنتهما فتْنَة لكل مفتون وَقَوله اقْربْ شبها بهم الانعام السَّائِمَة وَهَذَا التَّشْبِيه مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى ان هم كالأنعام بل هم اضل سَبِيلا فَمَا اقصر سُبْحَانَهُ على تشبيههم بالانعام حَتَّى جعلهم اضل سَبِيلا مِنْهُم والسائمة الراعية وَشبه امير الْمُؤمنِينَ هَؤُلَاءِ بهَا لَان همتهم فِي سعي الدُّنْيَا وحطامها وَالله تَعَالَى يشبه اهل الْجَهْل والغي تَارَة بالانعام وَتارَة بالحمر وَهَذَا تَشْبِيه لمن تعلم علما وَلم يعقله وَلم يعْمل بِهِ فَهُوَ كالحمار الَّذِي يحمل اسفارا وَتارَة بالكلب وَهَذَا لمن انْسَلَخَ عَن الْعلم واخلد الى الشَّهَوَات والهوى وَقَوله كَذَلِك يَمُوت الْعلم بِمَوْت حامليه هَذَا من قَول النَّبِي فِي حَدِيث عبد الله بن عمر وَعَائِشَة رضى الله عَنْهُم وَغَيرهمَا ان الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا ينتزعه من صُدُور الرِّجَال وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء فَإِذا لم يبْق عَالم اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا واضلوا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فذهاب الْعلم إِنَّمَا هُوَ بذهاب الْعلمَاء قَالَ ابْن مَسْعُود يَوْم مَاتَ عمر رضى الله عَنهُ اني لاحسب تِسْعَة اعشار الْعلم الْيَوْم قد ذهب وَقد تقدم قَول عمر رضى الله عَنهُ موت الف عَابِد اهون من موت عَالم بَصِير بحلال الله وَحَرَامه وَقَوله اللَّهُمَّ بلَى لن تَخْلُو الارض من مُجْتَهد قَائِم لله بحجج الله وَيدل عَلَيْهِ الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي لَا تزَال طَائِفَة من امتي على الْحق لَا يضرهم من خذلهم وَلَا من خالفهم حَتَّى يَأْتِي امْر الله وهم على ذَلِك وَيدل عَلَيْهِ ايضا مارواه التِّرْمِذِيّ عَن قُتَيْبَة حَدثنَا حَمَّاد بن يحيى الابح عَن ثَابت عَن انس قَالَ قَالَ رَسُول الله مثل امتي مثل الْمَطَر لَا يدرى اوله خير ام آخِره قَالَ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب ويروى عَن عبد الرحمن بن مهْدي انه كَانَ يثبت حَمَّاد بن يحيى الابح وَكَانَ يَقُول هُوَ من شُيُوخنَا وَفِي الْبَاب عَن عمار وَعبد الله بن عَمْرو فَلَو لم يكن فِي اواخر الامة قَائِم بحجج الله مُجْتَهد لم يَكُونُوا موصوفين بِهَذِهِ الْخَيْرِيَّة وايضا فَإِن هَذِه الامة اكمل الامم وَخير امة اخرجت للنَّاس ونبيها خَاتم النَّبِيين لَا نَبِي بعده فَجعل الله الْعلمَاء فِيهَا كلما هلك عَالم خلقه عَالم لِئَلَّا تطمس معالم الدّين وتخفى اعلامه وَكَانَ بَنو اسرائيل كلما هلك نَبِي خَلفه نَبِي فَكَانَت تسوسهم الانبياء وَالْعُلَمَاء لهَذِهِ الامة كالانبياء فِي بني اسرائيل وَأَيْضًا فَفِي الحيدث الاخر يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عَدو لَهُ ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين
стр. 143
وانتحال المبطلين وتاويل الْجَاهِلين وَهَذَا يدل على انه لَا يزَال مَحْمُولا فِي الْقُرُون قرنا بعد قرن وَفِي صَحِيح ابي حَاتِم من حَدِيث الْخَولَانِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله لَا يزَال الله يغْرس فِي هَذَا الدّين غرسا يستعملهم فِي طَاعَته وغرس الله هم اهل الْعلم وَالْعَمَل فَلَو خلت الارض من عَالم خلت من غرس الله وَلِهَذَا القَوْل حجج كَثِيرَة لَهَا مَوضِع آخر وَزَاد الكذابون فِي حَدِيث على إِمَّا ظَاهرا مَشْهُورا وَإِمَّا خفِيا مَسْتُورا وظنوا ان ذَلِك دَلِيل لَهُم على القَوْل بالمنتظر وكلن هَذِه الزِّيَادَة من وضع بعض كَذَا بيهم والْحَدِيث مَشْهُور عَن عَليّ لم يقل اُحْدُ عَنهُ هَذِه الْمقَالة الا كَذَّاب وحجج اله لَا تقوم بخفي مَسْتُور لَا يَقع الْعَالم لَهُ على خبر وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي شَيْء اصلا فَلَا جَاهِل يتَعَلَّم مِنْهُ وَلَا ضال يَهْتَدِي بِهِ وَلَا خَائِف يَأْمَن بِهِ وَلَا ذليل يتعزز بِهِ فَأَي حجَّة لله قَامَت بِمن لَا يرى لَهُ شخص وَلَا يسمع مِنْهُ كلمة وَلَا يعلم لَهُ مَكَان وَلَا سِيمَا على أصُول الْقَائِلين بِهِ فَإِن الَّذِي دعاهم الى ذَلِك انهم قَالُوا لَا بُد مِنْهُ فِي اللطف بالمكلفين وَانْقِطَاع حجتهم عَن الله فيالله الْعجب أَي لطف حصل بِهَذَا الْمَعْدُوم لَا الْمَعْصُوم وَأي حجَّة اثبتم لِلْخلقِ على رَبهم باصلكم الْبَاطِل فَإِن هَذَا الْمَعْدُوم إِذا لم يكن لَهُم سَبِيل قطّ الى لِقَائِه والاهتداء بِهِ فَهَل فِي تَكْلِيف مَالا يُطَاق ابلغ من هَذَا وَهل فِي الْعذر وَالْحجّة ابلغ من هَذَا فَالَّذِي فررتم مِنْهُ وَقَعْتُمْ فِي شَرّ مِنْهُ وكنتم فِي ذَلِك كَمَا قيل:
المستجير بِعَمْرو عِنْد كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنَّار
وَلَكِن ابي الله الا ان يفضح من تنقص بالصحابة الاخيار وبسادة هَذِه الامة وان يرى النَّاس عَوْرَته ويغريه بكشفها ونعوذ بِاللَّه من الخذلان وَلَقَد احسن الْقَائِل:
مَا آن للسرداب ان يلد الَّذِي ... حملتموه بزعمكم مَا آنا فعلى عقولكم العفاء فانكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا وَلَقَد بطلت حجج استودعها مثل هَذَا الْغَائِب وضاعت اعظم ضيَاع فانتم ابطلتم حجج الله من حَيْثُ زعمتم حفظهَا وَهَذَا تَصْرِيح من امير الْمُؤمنِينَ رضى الله عَنهُ بَان حَامِل حجج الله فِي الارض بِحَيْثُ يُؤَدِّيهَا عَن الله ويبلغها الى عباده مثله رضى الله عَنهُ وَمثل إخوانه من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمن اتبعهم الى يَوْم الْقِيَامَة وَقَوله لكيلا تبطل حجج الله وبيناته أَي لكيلا تذْهب من بَين يَدي النَّاس وَتبطل من صُدُورهمْ والا فالبطلان محَال عَلَيْهَا لانها ملزوم مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْبطلَان فَإِن قيل فَمَا الْفرق بَين الْحجَج والبينات قيل الْفرق بَينهمَا ان الْحجَج هِيَ الادلة العلمية الَّتِي يَعْقِلهَا الْقلب وَتسمع بالاذن قَالَ تَعَالَى فِي مناظرة إِبْرَاهِيم لِقَوْمِهِ وتبيين بطلَان مَا هم عَلَيْهِ بِالدَّلِيلِ العلمي وَتلك حجتنا آتَيْنَاهُم إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء قَالَ ابْن زيد بِعلم الْحجَّة وَقَالَ تَعَالَى فان حاجوك فَقل اسلمت وَجْهي لله وَمن اتبعني وَقَالَ
стр. 144
تَعَالَى ﴿وَالَّذين يحاجون فِي الله من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حجتهم داحضة عِنْد رَبهم﴾ وَالْحجّة هِيَ اسْم لما يحْتَج بِهِ من حق وباطل قَالَ تَعَالَى لِئَلَّا يكون للنَّاس علكيم حجَّة الا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم فانهم يحتجون عَلَيْكُم بِحجَّة بَاطِلَة ﴿فَلَا تخشوهم واخشوني﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات مَا كَانَ حجتهم إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَالْحجّة المضافة الى الله هِيَ الْحق وَقد تكون الْحجَّة بِمَعْنى الْمُخَاصمَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَلذَلِك فَادع واستقم كَمَا أمرت وَلَا تتبع أهواءهم وَقل آمَنت بِمَا أنزل الله من كتاب وَأمرت لأعدل بَيْنكُم الله رَبنَا وربكم لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم لَا حجَّة بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ أَي قد وضح الْحق واستبان وَظهر فَلَا خُصُومَة بَيْننَا بعد ظُهُوره وَلَا مجادلة فان الْجِدَال شَرِيعَة مَوْضُوعَة للتعاون على إِظْهَار الْحق فَإِذا ظهر الْحق وَلم يبْق بِهِ خَفَاء فَلَا فَائِدَة فِي الْخُصُومَة والجدال على بَصِيرَة مخاصمة الْمُنكر ومجادلته عناء لَا غنى فِيهِ هَذَا معنى هَذِه الاية وَقد يَقع فِي وهم كثير من الْجُهَّال ان الشَّرِيعَة لَا احتجاج فِيهَا وان الْمُرْسل بهَا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ لم يكن يحْتَج على خصومه وَلَا يجادلهم ويظن جهال المنطقيين وفروخ اليونان ان الشَّرِيعَة خطاب لِلْجُمْهُورِ وَلَا احتجاج يها فيوان الانبياء دعوا الْجُمْهُور بطرِيق الخطابة والحجج للخواص وهم اهل الْبُرْهَان يعنون نُفُوسهم وَمن سلك طريقتهم وكل هَذَا من جهلهم بالشريعة وَالْقُرْآن فَإِن الْقُرْآن مَمْلُوء من الْحجَج والادلة والبراهين فِي مسَائِل التَّوْحِيد واثبات الصَّانِع والمعاد وإرسال الرُّسُل وحدوث الْعَالم فَلَا يذكر المتكلمون وَغَيرهم دَلِيلا صَحِيحا على ذَلِك الا وَهُوَ فِي الْقُرْآن بافصح عبارَة واوضح بَيَان وَأتم معنى وابعده عَن الايرادات والاسئلة وَقد اعْترف بِهَذَا حذاق الْمُتَكَلِّمين من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين قَالَ ابو حَامِد فِي اول الاحياء فَإِن قلت فَلم لم تورد فِي اقسام الْعلم الْكَلَام والفلسفة وَتبين انهما مذمومان اَوْ ممدوحان فَاعْلَم ان حَاصِل مَا يشْتَمل عَلَيْهِ الْكَلَام من الادلة الَّتِي ينْتَفع بهَا فالقرآن والاخبار مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ وَمَا خرج عَنْهُمَا فَهُوَ إِمَّا مجادلة مذمومة وَهِي من الْبدع كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه واما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الْفرق وَتَطْوِيل بِنَقْل المقالات الَّتِي اكثرها ترهات وَهَذَا يانات تزدريها الطباع وتمجها الاسماع وَبَعضهَا خوض فِيمَا لَا يتَعَلَّق بِالدّينِ وَلم يكن شَيْء مِنْهُ مألوفا فِي الْعَصْر الاول وَلَكِن تغير الان حكمه إِذا حدثت الْبدع الصارفة عَن مُقْتَضى الْقُرْآن وَالسّنة لفقت لَهَا شبها ورتبت لَهَا كلَاما مؤلفا فَصَارَ ذَلِك الْمَحْظُور بِحكم الضَّرُورَة مَأْذُونا فِيهِ وَقَالَ الرَّازِيّ فِي كِتَابه اقسام اللَّذَّات لقد تَأَمَّلت الْكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فَمَا رَأَيْتهَا تروي غليلا وَلَا تشفى عليلا ورايت اقْربْ الطّرق طَريقَة الْقُرْآن اقرا فِي الاثبات اليه يصعدالكلم الطّيب ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ واقرا فِي النَّفْي ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَمن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وَهَذَا الَّذِي اشار اليه بِحَسب مافتح لَهُ من
стр. 145
دلَالَة الْقُرْآن بطرِيق الْخَبَر وَإِلَّا فدلالته البرهانية الْعَقْلِيَّة الَّتِي يُشِير اليها ويرشد اليها فَتكون دَلِيلا سمعيا عقليا امْر تميز بِهِ الْقُرْآن وَصَارَ الْعَالم بِهِ من الراسخين فِي الْعلم وَهُوَ الْعلم الَّذِي يطمئن اليه الْقلب وتسكن عِنْده النَّفس ويزكو بِهِ الْعقل وتستنير بِهِ البصيرة وتقوى بِهِ الْحجَّة وَلَا سَبِيل لَاحَدَّ من الْعَالمين الى قطع من حَاج بِهِ بل من خَاصم بِهِ فلجت حجَّته وَكسر شُبْهَة خَصمه وَبِه فتحت الْقُلُوب واستجيب لله وَلِرَسُولِهِ وَلَكِن اهل هَذَا الْعلم لاتكاد الاعصار تسمح مِنْهُم الا بِالْوَاحِدِ بعد الْوَاحِد فدلالة الْقُرْآن سمعية عقلية قَطْعِيَّة يقينية لَا تعترضها الشُّبُهَات وَلَا تتداولها الِاحْتِمَالَات وَلَا ينْصَرف الْقلب عَنْهَا بعد فهمها ابدا وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين افنيت عمري فِي الْكَلَام اطلب الدَّلِيل وانا لاأزداد الا بعدا عَن الدَّلِيل فَرَجَعت الى الْقُرْآن اتدبره واتفكر فِيهِ واذا انا بِالدَّلِيلِ حَقًا معي وانا لَا أشعر بِهِ فَقلت وَالله مَا مثلي الا كَمَا قَالَ الْقَائِل:
وَمن الْعَجَائِب والعجائب جمة ... قرب الحبيب وَمَا اليه وُصُول كالعيش فِي الْبَيْدَاء يَقْتُلهَا الظما ... ولاماء فَوق ظُهُورهَا مَحْمُول ... قَالَ فَلَمَّا رجعت الى الْقُرْآن إِذا هُوَ الحكم وَالدَّلِيل وَرَأَيْت فِيهِ من ادلة الله وحججه وبراهينه وبيناته مَا لَو جمع كل حق قَالَه المتكلمون فِي كتبهمْ لكَانَتْ سُورَة من سور الْقُرْآن وافية بمضمونه مَعَ حسن الْبَيَان وفصاحة اللَّفْظ وتطبيق الْمفصل وَحسن الِاحْتِرَاز والتنبيه على مواقع الشّبَه والارشاد الى جوابها وَإِذا هُوَ كَمَا قيل بل فَوق مَا قيل:
كفى وشفى مَا فِي الْفُؤَاد فَلم يدع ... لذِي ارب فِي القَوْل جدا وَلَا هزلا وَجعلت جيوش الْكَلَام بعد ذَلِك تفد الى كَمَا كَانَت وتتزاحم فِي صَدْرِي وَلَا ياذن لَهَا الْقلب بِالدُّخُولِ فِيهِ وَلَا تلقى مِنْهُ إقبالا وَلَا قبولا فترجع على ادبارها وَالْمَقْصُود ان الْقُرْآن مَمْلُوء بالاحتجاج وَفِيه جَمِيع انواع الادلة والاقيسة الصَّحِيحَة وَأمر الله تَعَالَى رَسُوله فِيهِ بِإِقَامَة الْحجَّة والمجادلة فَقَالَ تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَهَذِه مناظرات الْقُرْآن مَعَ الْكفَّار مَوْجُودَة فِيهِ وَهَذِه مناظرات رَسُول الله واصحابه لخصومهم وَإِقَامَة الْحجَج عَلَيْهِم لَا يُنكر ذَلِك الا جَاهِل مفرط فِي الْجَهْل وَالْمَقْصُود الْفرق بَين الْحجَج والبينات فَنَقُول الْحجَج الادلة العلمية والبيانات جمع بَيِّنَة وَهِي صفة فِي الاصل يُقَال آيَة بَيِّنَة وَحجَّة بَيِّنَة وَالْبَيِّنَة اسْم لكل مَا يبين الْحق من عَلامَة مَنْصُوبَة اَوْ أَمارَة اَوْ دَلِيل علمي قَالَ تَعَالَى لقد ارسلنا رسلنَا بالبيانات وانزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان فالبينات الايات الَّتِي اقامها الله دلَالَة على صدقهم من المعجزات وَالْكتاب هُوَ الدعْوَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن أول بَيت وضع للنَّاس للَّذي ببكة مُبَارَكًا وَهدى للْعَالمين فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم﴾ ومقام إِبْرَاهِيم آيَة جزئية مرئية بالابصار
стр. 146
وَهُوَ من آيَات الله الْمَوْجُودَة فِي الْعَالم وَمِنْه قَول مُوسَى لفرعون وَقَومه ﴿قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة من ربكُم فَأرْسل معي بني إِسْرَائِيل قَالَ إِن كنت جِئْت بِآيَة فأت بهَا إِن كنت من الصَّادِقين فَألْقى عَصَاهُ﴾ وَكَانَ القاء الْعَصَا وانقلابها حَيَّة هُوَ الْبَيِّنَة وَقَالَ قوم هود يَا هود مَا جئتنا بِبَيِّنَة يُرِيدُونَ آيَة الاقتراح والا فَهُوَ قد جَاءَهُم بِمَا يعْرفُونَ بِهِ انه رَسُول الله اليهم فَطلب الاية بعد ذَلِك تعنت واقتراح لَا يكون لَهُم عذر فِي عدم الاجابة اليه وَهَذِه هِيَ الايات الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا وَمَا منعنَا ان نرسل بالايات الا ان كذب بهَا الاولون فَعدم اجابته سُبْحَانَهُ اليها إِذْ طلبَهَا الْكفَّار رَحْمَة مِنْهُ واحسان فانه جرت سنته الَّتِي لَا تَبْدِيل لَهَا انهم اذا طلبُوا الاية واقترحوها واجيبوا وَلم يُؤمنُوا عولجوا بِعَذَاب الاستئصال فَلَمَّا علم سُبْحَانَهُ ان هَؤُلَاءِ لَا يُؤمنُونَ وَلَو جَاءَتْهُم كل آيَة لم يجبهم الى مَا طلبُوا فَلم يعمهم بِعَذَاب لما اخْرُج من بنيهم واصلابهم من عبَادَة الْمُؤمنِينَ وان اكثرهم آمن بعد ذَلِك بِغَيْر الايات الَّتِي اقترحوها فَكَانَ عدم إِنْزَال الايات الْمَطْلُوبَة من تَمام حِكْمَة الرب وَرَحمته واحسانه بِخِلَاف الْحجَج فانها لم تزل متتابعة يَتْلُو بَعْضهَا بَعْضًا وَهِي كل يَوْم فِي مزِيد وَتُوفِّي رَسُول الله وَهِي اكثر مَا كَانَت وَهِي بَاقِيَة الى يَوْم الْقِيَامَة وَقَوله اولئك الاقلون عددا الاعظمون عِنْد الله قدرا يَعْنِي هَذَا الصِّنْف من النَّاس اقل الْخلق عددا وَهَذَا سَبَب غربتهم فانهم قَلِيلُونَ فِي النَّاس وَالنَّاس على خلاف طريقهم فَلهم نبأ وَلِلنَّاسِ نبأ قَالَ النَّبِي بَدَأَ الاسلام غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بدا فطوبى للغرباء فالمؤمنون قَلِيل فِي النَّاس وَالْعُلَمَاء قَلِيل فِي الْمُؤمنِينَ وَهَؤُلَاء قَلِيل فِي الْعلمَاء وَإِيَّاك ان تغتر بِمَا يغتر بِهِ الجاهلون فانهم يَقُولُونَ لَو كَانَ هَؤُلَاءِ على حق لم يَكُونُوا اقل النَّاس عددا وَالنَّاس على خلافهم فَاعْلَم ان هَؤُلَاءِ هم النَّاس وَمن خالفهم فمشبهون بِالنَّاسِ وَلَيْسوا بناس فَمَا النَّاس الا اهل الْحق وَإِن كَانُوا اقلهم عددا قَالَ ابْن مَسْعُود لَا يكن احدكم إمعة يَقُول انا مَعَ النَّاس ليوطن احدكم نَفسه على ان يُؤمن وَلَو كفر النَّاس وَقد ذمّ سُبْحَانَهُ الاكثرين فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه وان تُطِع اكثر من فِي الارض يضلوك عَن سَبِيل الله ﴿وَقَالَ﴾ وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين ﴿وَقَالَ﴾ وَقَلِيل من عبَادي الشكُور ﴿وَقَالَ﴾ وان كثيرا من الخلطاء ليبغى بَعضهم على بعض الا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَقَلِيل مَا هم وَقَالَ بعض العارفين انفرادك فِي طَرِيق طَلَبك دَلِيل على صدق الطّلب
مت بداء الْهوى والا فخاطر ... واطرق الْحَيّ والعيون نواظر
لَا تخف وَحْشَة الطَّرِيق اذا سر ... ت وَكن فِي خفارة الْحق سَائِر وَقَوله بهم يدْفع الله عَن حججه حَتَّى يؤدوها الى نظرائهم ويزرعوها فِي قُلُوب اشباههم وَهَذَا لَان الله سُبْحَانَهُ ضمن حفظ حجه وبيناته وَاخْبَرْ رَسُول الله انه
стр. 147
لَا تزَال طَائِفَة من امته على الْحق لَا يضرهم من خذلهم وَلَا من خالفهم الى قيام السَّاعَة فَلَا يزَال غرس الله الَّذين غرسهم فِي دينه يغرسون الْعلم فِي قُلُوب من اهلهم الله لذَلِك وارتضاهم فَيَكُونُوا وَرَثَة لَهُم كَمَا كَانُوا هم وَرَثَة لمن قبلهم فَلَا تَنْقَطِع حجج الله والقائم بهَا من الاض وَفِي الاثر الْمَشْهُور لَا يزَال الله يغْرس فِي هَذَا الدّين غرسا يستعملهم بِطَاعَتِهِ وَكَانَ من دُعَاء بعض من تقدم اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من غرسك الَّذين تستعملهم بطاعتك وَلِهَذَا مَا اقام الله لهَذَا الدّين من يحفظه ثمَّ قَبضه اليه الا وَقد زرع مَا علمه من الْعلم وَالْحكمَة اما فِي قُلُوب امثاله واما فِي كتب ينْتَفع بهَا النَّاس بعده وَبِهَذَا وَبِغَيْرِهِ فضل الْعلمَاء الْعباد فَإِن الْعَالم إِذا زرع علمه عِنْد غَيره ثمَّ مَاتَ جرى عَلَيْهِ اجره وَبَقِي لَهُ ذكره وَهُوَ عمر ثَان وحياة اخرى وَذَلِكَ احق مَا تنافس فِيهِ الْمُتَنَافسُونَ وَرغب فِيهِ الراغبون وَقَوله هجم بهم الْعلم على حَقِيقَة الامر فاستلانوا مَا استوعره المترفون وانسوا مِمَّا استوحش مِنْهُ الجاهلون الهجوم على الرجل الدُّخُول عَلَيْهِ بِلَا اسْتِئْذَان وَلما كَانَت طَرِيق الاخرة وعرة على أَكثر الْخلق لمخالفتها لشهواتهم ومباينتها لارادتهم ومألوفاتهم قل سالكوها وزاهدهم فِيهَا قلَّة علمهمْ اوعدمه بِحَقِيقَة الامر وعاقبة الْعباد ومصيرهم وَمَا هيئوا لَهُ وهيء لَهُم فَقل علمهمْ بذلك واستلانوا مركب الشَّهْوَة والهوى على مركب الاخلاص وَالتَّقوى وتوعرت عَلَيْهِم الطَّرِيق وبعدت عَلَيْهِم الشقة وصعب عَلَيْهِم مرتقي عقابها وهبوط اوديتها وسلوك شعابها فاخلدوا الى الدعة والراحة وآثروا العاجل على الاجل وَقَالُوا عيشنا الْيَوْم نقد وموعودنا نَسِيئَة فنظروا الى عَاجل الدُّنْيَا واغمضوا الْعُيُون عَن آجلها ووقفوا مَعَ ظَاهرهَا وَلم يتأملوا بَاطِنهَا وذاقوا حلاوة مباديها وَغَابَ عَنْهُم مرَارَة عواقبها ودر لَهُم ثديها فطاب لَهُم الارتضاع وَاشْتَغلُوا بِهِ عَن التفكر فِي الْفِطَام ومرارة الِانْقِطَاع وَقَالَ مغترهم بِاللَّه وجاحدهم لعظمته وربوبيته متمثلا فِي ذَلِك
خُذ مَا ترَاهُ ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ ... وَأما القائمون لله بحجته خلفاء نبيه فِي امته فانهم لكَمَال علمهمْ وقوته نفد بهم الى حَقِيقَة الامر وهجم بهم عَلَيْهِ فعاينوا ببصائرهم مَا عشيت عَنهُ بصائر الْجَاهِلين فاطمأنت قُلُوبهم بِهِ وَعمِلُوا على الْوُصُول اليه لما بَاشَرَهَا من روح الْيَقِين رفع لَهُم علم السَّعَادَة فشمروا اليه واسمعهم مُنَادِي الايمان النداء فاستبقوا اليه واستيقنت انفسهم مَا وعدهم بِهِ رَبهم فزهدوا فِيمَا سواهُ وَرَغبُوا فِيمَا لَدَيْهِ علمُوا ان الدُّنْيَا دَار ممر لَا دَار مقرّ ومنزل عبور لَا مقْعد حبور وانها خيال طيف اَوْ سَحَابَة صيف وان من فِيهَا كراكب قَالَ تَحت ظلّ شَجَرَة ثمَّ رَاح عَنْهَا وَتركهَا وتيقنوا انها احلام نوم اَوْ كظل زائل:
ان اللبيب بِمِثْلِهَا لَا يخدع ...
стр. 148
وان وصفهَا صدق فِي وصفهَا اذ يَقُول
ارى اشقياء النَّاس لَا يسأمونها ... على انهم فِيهَا عُرَاة وجوع اراها وان كَانَت تحب فَإِنَّهَا ... سَحَابَة صيف عَن قَلِيل تقشع ... فرحلت عَن قُلُوبهم مُدبرَة كَمَا ترحلت عَن اهلها موليه واقبلت الْآخِرَة الى قُلُوبهم مسرعة كَمَا اسرعت الى الْخلق مقبلة فامتطوا ظُهُور العزائم وهجروا لَذَّة الْمَنَام وَمَا ليل الْمُحب بنائم علمُوا طول الطَّرِيق وَقلة الْمقَام فِي منزل التزود فسارعوا فِي الجهاز وجد بهم السّير الى منَازِل الاحباب فَقطعُوا المراحل وطووا المفاوز وَهَذَا كُله من ثَمَرَات الْيَقِين فان الْقلب إِذا استيقن مَا امامه من كَرَامَة الله وَمَا اعد لاوليائه بِحَيْثُ كَأَنَّهُ ينظر اليه من وَرَاء حجاب الدُّنْيَا وَيعلم انه إِذا زَالَ الْحجاب رأى ذَلِك عيَانًا زَالَت عَنهُ الوحشة الَّتِي يجدهَا المتخلفون ولان لَهُ مَا استوعره المترفون وَهَذِه الْمرتبَة هِيَ اول مَرَاتِب الْيَقِين وَهِي علمه وتيقنه وَهِي الْكَشَّاف الْمَعْلُوم للقلب بِحَيْثُ يُشَاهِدهُ وَلَا يشك فِيهِ كانكشاف المرئي لِلْبَصَرِ ثمَّ يَليهَا الْمرتبَة الثَّانِيَة وَهِي مرتبَة عين الْيَقِين ونسبتها الى الْعين كنسبة الاول الى الْقلب ثمَّ تَلِيهَا الْمرتبَة الثَّالِثَة وَهِي حق الْيَقِين وَهِي مُبَاشرَة الْمَعْلُوم وإدراكه الادراك التَّام فالاولى كعلمك بَان فِي هَذَا الْوَادي مَاء وَالثَّانِي كرؤيته وَالثَّالِثَة كالشرب مِنْهُ وَمن هَذَا مَا يرْوى فِي حَدِيث حَارِثَة وَقَول النَّبِي كَيفَ اصبحت يَا حَارِثَة قَالَ اصبحت مُؤمنا حَقًا قَالَ إِن لكل قَول حَقِيقَة فَمَا حَقِيقَة إيمانك قَالَ عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا وشهواتها فاسهرت ليلِي وَأَظْمَأت نهاري وكاني انْظُر الى عرش رَبِّي بارزا وكاني انْظُر الى اهل الْجنَّة بتزاورون فِيهَا والى اهل النَّار يتعاوون فِيهَا فَقَالَ عبد نور الله قلبه فَهَذَا هُوَ هجوم الْعلم بِصَاحِبِهِ على حَقِيقَة الامر وَمن وصل الى هَذَا استلان مَا يستوعره المترفون وَأنس مِمَّا يشتوحش مِنْهُ الجاهلون وَمن لم يثبت قدم إيمَانه على هَذِه الدرجَة فَهُوَ إِيمَان ضَعِيف وعلامة هَذَا انْشِرَاح الصَّدْر لمنازل الايمان وانفساحه وطمأنينة الْقلب لأمر الله والانابة الى ذكر الله ومحبته والفرح بلقائه والتجافي عَن دَار الْغرُور كَمَا فِي الاثر الْمَشْهُور إِذا دخل النُّور الْقلب اِنْفَسَحَ وانشرح قيل وَمَا عَلامَة ذَلِك قَالَ التَّجَافِي عَن دَار الْغرُور والانابة الى دَار الخلود والاستعداد للْمَوْت قبل نُزُوله وَهَذِه هِيَ الْحَال الَّتِي كَانَت تحصل للصحابة عِنْد النَّبِي إِذا ذكرهم الْجنَّة وَالنَّار كَمَا فِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث الْجريرِي عَن ابي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن حَنْظَلَة الاسدي وَكَانَ من كتاب النَّبِي انه مر بِأبي بكر رضى الله عَنهُ وَهُوَ يبكي فَقَالَ مَالك يَا حَنْظَلَة فَقَالَ نَافق حَنْظَلَة يَا ابا بكر نَكُون عِنْد رَسُول الله يذكرنَا بِالْجنَّةِ وَالنَّار كَانَا رأى عين فَإِذا رَجعْنَا إِلَى الازواج والضيعة نَسِينَا كثيرا قَالَ فوَاللَّه إِنَّا لكذلك انْطلق بِنَا الى رَسُول الله فَانْطَلَقْنَا فَلَمَّا رَآهُ رَسُول الله قَالَ مَالك يَا حَنْظَلَة قَالَ نَافق حَنْظَلَة يَا رَسُول الله نَكُون عنْدك تذكرنا بالنَّار وَالْجنَّة كَانَا
стр. 149
رأى عين فَإِذا رَجعْنَا عافسنا الازواج والضيعة ونسينا كثيرا قَالَ فَقَالَ رَسُول الله لَو تدومون على الْحَال الَّتِي تقومون بهَا من عِنْدِي لصافحتكم الْمَلَائِكَة فِي مجالسكم وَفِي طرقكم وعَلى فرشكم وَلَكِن يَا حَنْظَلَة سَاعَة وَسَاعَة سَاعَة وَسَاعَة قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَفِي التِّرْمِذِيّ ايضا نَحوه من حَدِيث ابي هُرَيْرَة وَالْمَقْصُود ان الَّذِي يهجم بِالْقَلْبِ على حَقِيقَة الايمان ويلين لَهُ مَا يستوعره غَيره ويؤنسه بِمَا يستوحش مِنْهُ سَوَاء الْعلم التَّام وَالْحب الْخَالِص وَالْحب تبع للْعلم يقوى بقوته ويضعف بضعفه والمحب لَا يستوعر طَرِيقا توصله الى محبوبه وَلَا يستوحش فِيهَا وَقَوله صحبوا الدُّنْيَا بابدان ارواحها معلقَة بالملأ الاعلى وَفِي رِوَايَة بِالْمحل الاعلى الرّوح فِي هَذَا الْجَسَد بدار غربَة وَلها وَطن غَيره فَلَا تَسْتَقِر الا فِي وطنها وَهِي جَوْهَر علوي مَخْلُوق من مَادَّة علوِيَّة وَقد اضطرت الى مساكنة هَذَا الْبدن الكثيف فَهِيَ دَائِما تطلب وطنها فِي الْمحل الاعلى وتحن اليه حنين الطير الى اوكارها وكل روح فَفِيهَا ذَلِك وَلَكِن لفرط اشتغالها بِالْبدنِ وبالمحسوسات المالوفة اخلدت الى الارض ونسيت معلمها ووطنها الَّذِي لَا رَاحَة لَهَا فِي غَيره فَإِنَّهُ لَا رَاحَة لِلْمُؤمنِ دون لِقَاء ربه وَالدُّنْيَا سجنه حَقًا فَلهَذَا تجدالمؤمن بدنه فِي الدُّنْيَا وروحه فِي الْمحل الاعلى وَفِي الحَدِيث الْمَرْفُوع إِذا نَام العَبْد وَهُوَ ساجد باهي الله بِهِ الْمَلَائِكَة فَيَقُول انْظُرُوا الى عَبدِي بدنه فِي الارض وروحه عِنْدِي رَوَاهُ تَمام وَغَيره وَهَذَا معني قَول بعض السّلف الْقُلُوب جوالة فَقلب حول الْحَشْر وقلب يطوف مَعَ الْمَلَائِكَة حول الْعَرْش فأعظم عَذَاب الرّوح انغماسها وتدسيسها فِي أعماق الْبدن واشتغالها بملاذه وانقطاعها عَن مُلَاحظَة مَا خلقت لَهُ وهيئت لَهُ وَعَن وطنها ومحلها وَمحل انسها ومنزل كرامتها وَلَكِن سكر الشَّهَوَات يحجبها عَن مطالعة هَذَا الالم وَالْعَذَاب فَإِذا صحت من سكرها وافاقت من غمرتها اقبلت عَلَيْهَا جيوش الحسرات من كل جَانب فَحِينَئِذٍ تتقطع حسرات على مَا فاتها من كَرَامَة الله وقربه والانس بِهِ والوصول الى وطنها الَّذِي لَا رَاحَة لَهَا الا فِيهِ كَمَا قيل:
صحبتك اذ عَيْني عَلَيْهَا غشاوة ... فَلَمَّا انجلت قطعت نَفسِي الومها وَلَو تنقلت الرّوح فِي المواطن كلهَا والمنازل لم تَسْتَقِر وَلم تطمئِن الا فِي وطنها ومحلها الَّذِي خلقت لَهُ كَمَا قيل:
نقل فُؤَادك حَيْثُ شِئْت من الْهوى ... مَا الْحبّ الا للحبيب الاول كم منزل فِي الارض يألفه الْفَتى ... وحنينه ابدا لاول منزل وَإِذا كَانَت الرّوح تحن ابدا الى وطنها من الارض مَعَ قيام غَيره مقَامه فِي السُّكْنَى وَكَثِيرًا مَا يكون غير وطنها احسن واطيب مِنْهُ وَهِي دَائِما تحن اليه مَعَ انه لَا ضَرَر عَلَيْهَا وَلَا عَذَاب فِي مُفَارقَته الى مثله فَكيف بحنينها الى الوطن الَّذِي فِي فراقها لَهُ عَذَابهَا وآلامها وحسرتها الَّتِي لاتنقضي فَالْعَبْد
стр. 150
الْمُؤمن فِي هَذِه الدَّار سبي من الْجنَّة الى دَار التَّعَب والعناء ثمَّ ضرب عَلَيْهِ الرّقّ فِيهَا فَكيف يلام على حنينه الى دَاره الَّتِي سبى مِنْهَا وَفرق بَينه وَبَين من يحب وَجمع بَينه وَبَين عدوه فروحه دَائِما معلقَة بذلك الوطن وبدنه فِي الدُّنْيَا ولى من ابيات فِي ذَلِك
وَحي على جنَّات عَن فانها ... منازلك الاولى وفيهَا المخيم ولكننا سبي الْعَدو فَهَل ترى ... نعود الى اوطاننا ونسلم وَكلما اراد مِنْهُ الْعَدو نِسْيَان وَطنه وَضرب الذّكر عَنهُ صفحا وايلافه وطنا غَيره ابت ذَلِك روحه وَقَلبه كَمَا قيل:
يُرَاد من الْقلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على النَّاقِل وَلِهَذَا كَانَ الْمُؤمن غَرِيبا فِي هَذِه الدَّار ايْنَ حل مِنْهَا فَهُوَ فِي دَار غربَة كَمَا قَالَ النَّبِي كن فِي الدُّنْيَا كانك غَرِيب اَوْ عَابِر سَبِيل وَلكنهَا غربَة تنقضى وَيصير الى وَطنه ومنزله وانما الغربة الَّتِي لَا يُرْجَى انقطاعها فَهِيَ غربَة فِي دَار الهوان ومفارقة وَطنه الَّذِي كَانَ قد هيء وَاعد لَهُ وامر بالتجهيز اليه والقدوم عَلَيْهِ فابى الا اغترابه عَنهُ ومفارقته لَهُ فَتلك غربَة لَا يُرْجَى ايابها وَلَا يجْبر مصابها وَلَا تبادر الى انكار كَون الْبدن فِي الدُّنْيَا وَالروح فِي الْمَلأ الاعلى فللروح شَأْن وَالْبدن شَأْن وَالنَّبِيّ كَانَ بَين اظهر اصحابه وَهُوَ عِنْد ربه يطعمهُ ويسقيه فبدنه بَينهم وروحه وَقَلبه عِنْد ربه وَقَالَ ابو الدَّرْدَاء اذا نَام العبدعرج بِرُوحِهِ الى تَحت الْعَرْش فان كَانَ طَاهِرا اذن لَهَا بِالسُّجُود وان لم يكن طَاهِرا لم يُؤذن لَهَا بِالسُّجُود فَهَذِهِ وَالله أعلم هِيَ الْعلَّة الَّتِي امْر الْجنب لاجلها ان يتَوَضَّأ إِذا أَرَادَ النّوم وَهَذَا الصعُود إِنَّمَا كَانَ لتجرد الرّوح عَن الْبدن بِالنَّوْمِ فَإِذا تجردت بِسَبَب آخر حصل لَهَا من الترقي والصعود بِحَسب ذَلِك التجرد وَقد يقوى الْحبّ بالمحب حَتَّى لَا يُشَاهد مِنْهُ بَين النَّاس الا جِسْمه وروحه فِي مَوضِع آخر عِنْد محبوبه وَفِي هَذَا من شاعار النَّاس وحكاياتهم مَا هُوَ مَعْرُوف وَقَوله اولئك خلفاء الله فِي ارضه ودعائه الى دينه هَذَا حجَّة اُحْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي انه يجوز ان يُقَال فلَان خَليفَة الله فِي ارضه وَاحْتج اصحابه ايضا بقوله تَعَالَى للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الارض خَليفَة وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف فِي الارض وَهَذَا خطاب لنَوْع الانسان وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى امن يُجيب الْمُضْطَر اذا دَعَاهُ ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض وَبقول مُوسَى لِقَوْمِهِ عَسى ربكُم ان يهْلك عَدوكُمْ ويستخلفكم فِي الارض فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ وَيَقُول النَّبِي ان الله مُمكن لكم فِي الارض ومستخلفكم فِيهَا فناظر كَيفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقوا النِّسَاء وَاحْتَجُّوا بقول الرَّاعِي يُخَاطب ابا بكر ﵁:
خَليفَة الرَّحْمَن انام معشر ... حنفَاء نسجد بكرَة واصيلا
стр. 151
عرب نرى لله فِي اموالنا ... حق الزَّكَاة منزلا تَنْزِيلا
ومنعت طَائِفَة هَذَا الاطلاق وَقَالَت لَا يُقَال لَاحَدَّ انه خَليفَة الله فَإِن الْخَلِيفَة انما يكون عَمَّن يغيب ويخلفه غَيره وَالله تَعَالَى شَاهد غير غَائِب قريب غير بعيد رَاء وسامع فمحال ان يخلفه غَيره بل هُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يخلف عَبده الْمُؤمن فَيكون خَلِيفَته كَمَا قَالَ النَّبِي فِي حَدِيث الدَّجَّال ان يخرج وانا فِيكُم فانا حجيجه دونكم وان يخرج وَلست فِيكُم فامرؤ حجيج نَفسه وَالله خليفتي على كل مُؤمن والْحَدِيث فِي الصَّحِيح وَفِي صَحِيح مُسلم ايضا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ان رَسُول الله كَانَ يَقُول اذا سَافر اللَّهُمَّ انت الصاحب فِي السّفر والخليفة فِي الاهل والحضر الحَدِيث وَفِي الصَّحِيح ان النَّبِي قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لابي سَلمَة وارفع دَرَجَته فِي المهديين واخلفه فِي اهله فَالله تَعَالَى هُوَ خَليفَة العَبْد لَان العَبْد يَمُوت فَيحْتَاج الى من يخلفه فِي اهله قَالُوا وَلِهَذَا انكر الصّديق رضى الله عَنهُ على من قَالَ لَهُ يَا خَليفَة الله قَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله وحسبي ذَلِك قَالُوا وَأما قَوْله تَعَالَى اني جَاعل فِي الارض خَليفَة فَلَا خلاف ان المُرَاد بِهِ آدم وَذريته وَجُمْهُور اهل التَّفْسِير من السّلف وَالْخلف على انه جعله خَليفَة عَمَّن كَانَ قبله فِي الارض قيل عَن الْجِنّ الَّذين كَانُوا سكانها وَقيل عَن الْمَلَائِكَة الَّذين سكنوها بعدالجن وقصتهم مَذْكُورَة فِي التفاسير وَأما قَوْله تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف فِي الارض فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ خلائف عَن الله وانما المُرَاد بِهِ انه جعلكُمْ يخلف بَعْضكُم بَعْضًا فَكلما هلك قرن خَلفه قرن إِلَى آخر الدَّهْر ثمَّ قيل ان هَذَا خطاب لَامة مُحَمَّد خَاصَّة أَي جعلكُمْ خلائف من الامم الْمَاضِيَة فهلكوا وورثتم انتم الارض من بعدهمْ وَلَا ريب ان هَذَا الْخطاب للامة وَالْمرَاد نوع الانسان الَّذِي جعل الله اباهم خَليفَة عَمَّن قبله وَجعل ذُريَّته يخلف بَعضهم بَعْضًا الى قيام السَّاعَة وَلِهَذَا جعل هَذَا آيَة من آيَاته كَقَوْلِه تَعَالَى امن يُجيب الْمُضْطَر أذا دَعَاهُ ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض واما قَول مُوسَى لِقَوْمِهِ ويستخلفكم فِي الارض فَلَيْسَ ذَلِك استخلافا عَنهُ وانما هُوَ اسْتِخْلَاف عَن فِرْعَوْن وَقَومه اهلكهم وَجعل قوم مُوسَى خلفاء من بعدهمْ وَكَذَا قَول النَّبِي ان الله مستخلفكم فِي الارض أَي من الامم الَّتِي تهْلك وتكونون انتم خلفاء من بعدهمْ قَالُوا واما قَول الرَّاعِي فَقَوْل شَاعِر قَالَ قصيدة فِي غيبَة الصّديق لَا يدْرِي ابلغت ابا بكر ام لَا وَلَو بلغته فَلَا يعلم انه اقره على هَذِه اللَّفْظَة ام لَا قلت ان اريد بالاضافة الى الله انه خَليفَة عَنهُ فَالصَّوَاب قَول الطَّائِفَة الْمَانِعَة مِنْهَا وان اريد بالاضافة ان الله اسْتَخْلَفَهُ عَن غَيره مِمَّن كَانَ قله قبلهفهذا لَا يمْتَنع فِيهِ الاضافة وحقيقتها خَليفَة الله الَّذِي جعله الله خلفا عَن غَيره وَبِهَذَا يخرج الْجَواب عَن قَول امير الْمُؤمنِينَ اولئك خلفاء الله فِي ارضه فان قيل هَذَا لامدح فِيهِ لَان هَذَا
стр. 152
الِاسْتِخْلَاف عَام فِي الامة وَخِلَافَة الله الَّتِي ذكرهَا امير الْمُؤمنِينَ خَاصَّة بخواص الْخلق فَالْجَوَاب ان الِاخْتِصَاص الْمَذْكُور افاد اخْتِصَاص الاضافة فالاضافة هُنَا للتشريف والتخصيص كَمَا يُضَاف اليه عباده كَقَوْلِه تَعَالَى إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الارض هونا ونظائرهما وَمَعْلُوم ان كل الْخلق عباد لَهُ فخلفاء الارض كالعباد فِي قَوْله وَالله بَصِير بالعباد ﴿وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾ وخلفاء الله فِي قَوْله ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ ونظائره وَحَقِيقَة اللَّفْظَة ان الْخَلِيفَة هُوَ الَّذِي يخلف الذَّاهِب أَي يَجِيء بعده يُقَال خلف فلَان فلَانا واصلها خليف بِغَيْر هَاء لانها فعيل بِمَعْنى فَاعل كالعليم والقدير فَدخلت التَّاء للْمُبَالَغَة فِي الْوَصْف كراوية وعلامة وَلِهَذَا جمع جمع فعيل فَقيل خلفاء كشريف وشرفاء وكريم وكرماء وَمن راعي لَفظه بعد دُخُول التَّاء عَلَيْهِ جُمُعَة مَعَه على فعائل فَقَالَ خلائف كعقيلة وعقائل وظريفة وظرائف وَكِلَاهُمَا ورد بِهِ الْقُرْآن هَذَا قَول جمَاعَة من النُّحَاة وَالصَّوَاب ان التَّاء إِنَّمَا دخلت فِيهَا للعدل عَن الْوَصْف الى الِاسْم فَإِن الْكَلِمَة صفة فِي الاصل ثمَّ اجريت مجْرى الاسماء فالحقت التَّاء لذَلِك كَمَا قَالُوا نطيحة بِالتَّاءِ فَإِذا اجروها صفة قَالُوا شَاة نطيح كماي يَقُولُونَ كف خضيب والا فَلَا معنى للْمُبَالَغَة فِي خَليفَة حَتَّى تلحقها تَاء الْمُبَالغَة وَالله اعْلَم وَقَوله ودعته الى دينه الدعاة جمع دَاع كقاض قُضَاة ورام ورماة وإضافتهم الى اليه للاختصاص أَي الدعاة المخصوصون بِهِ الَّذين يدعونَ الى دينه وعبادته ومعرفته ومحبته وهؤلاءهم خَواص خلق الله وافضلهم عِنْد الله منزلَة وَأَعْلَاهُمْ قدرا يدل على ذَلِك الْوَجْه الثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين﴾ قَالَ الْحسن هُوَ الْمُؤمن اجاب الله فِي دَعوته ودعا النَّاس الى مَا أجَاب الله فِيهِ من دَعوته وَعمل صَالحا فِي إجَابَته فَهَذَا حبيب الله هَذَا ولي الله فمقام الدعْوَة الى الله افضل مقامات العَبْد قَالَ تَعَالَى وانه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا وَقَالَ تَعَالَى ﴿ادْع إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ جعل سُبْحَانَهُ مَرَاتِب الدعْوَة بِحَسب مَرَاتِب الْخلق فالمتسجيب الْقَابِل الذكي الَّذِي لَا يعاندالحق وَلَا يأباه يدعى بطرِيق الْحِكْمَة والقابل الَّذِي عِنْده نوع غَفلَة وَتَأَخر يدعى بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة وَهِي الامر وَالنَّهْي المقرون بالرغبة والرهبة والمعاند الجاحد يُجَادِل بِالَّتِي هِيَ احسن هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي معنى هَذِه الاية لَا مَا يزْعم اسير منطق اليونان ان الْحِكْمَة قِيَاس الْبُرْهَان وَهِي دَعْوَة الْخَواص وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة قِيَاس الخطابة وَهِي دَعْوَة الْعَوام والمجادلة بِالَّتِي هِيَ احسن الْقيَاس الجدلي وَهُوَ رد شغب المشاغب بِقِيَاس جدلي مُسلم الْمُقدمَات وَهَذَا بَاطِل وَهُوَ مَبْنِيّ على اصول
стр. 153
الفلسفة وَهُوَ منَاف لاصول الْمُسلمين وقواعدالدين من وُجُوه كَثِيرَة لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني﴾ قَالَ الْفراء وَجَمَاعَة وَمن اتبعني مَعْطُوف على الضَّمِير فِي ادعو يَعْنِي وَمن اتبعني يَدْعُو الى الله كَمَا ادعو وَهَذَا قَول الْكَلْبِيّ قَالَ حق على كل من اتبعهُ ان يَدْعُو الى مَا دَعَا اليه وَيذكر بِالْقُرْآنِ وَالْمَوْعِظَة ويقوى هَذَا القَوْل من وُجُوه كَثِيرَة قَالَ ابْن الانباري وَيجوز ان يتم الْكَلَام عِنْد قَوْله الى الله ثمَّ يبتديء بقوله على بَصِيرَة انا وَمن اتبعني فَيكون الْكَلَام على قَوْله جملتين اخبر فِي اولاهما انه يَدْعُو الى الله وَفِي الثَّانِيَة بانه من اتِّبَاعه على بَصِيرَة وَالْقَوْلَان متلازمان فَلَا يكون الرجل من اتِّبَاعه حَقًا حَتَّى يَدْعُو الى مَا دَعَا اليه وَقَول الْفراء احسن واقرب الى الفصاحة والبلاغة واذا كَانَت الدعْوَة الى الله اشرف مقامات العَبْد واجلها وافضلها فَهِيَ لَا تحصل الا بِالْعلمِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ واليه بل لَا بُد فِي كَمَال الدعْوَة من الْبلُوغ فِي الْعلم الى حد يصل اليه السَّعْي وَيَكْفِي هَذَا فِي شرف الْعلم ان صَاحبه يحوز بِهِ هَذَا الْمقَام وَالله يُؤْتِي فَضله من يَشَاء الْوَجْه الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعدالمائة انه لَو لم يكن من فَوَائِد الْعلم الا انه يُثمر الْيَقِين الَّذِي هُوَ اعظم حَيَاة الْقلب وَبِه طمأنينه وقوته ونشاطه وَسَائِر لَوَازِم الْحَيَاة وَلِهَذَا مدح الله سُبْحَانَهُ اهله فِي كِتَابه واثنى عَلَيْهِم بقوله ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ وَقَوله تَعَالَى كَذَلِك نفصل الايات لقوم يوقنون وَقَوله فِي حق خَلِيله إِبْرَاهِيم وَكَذَلِكَ نرى إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات والارض وليكون من الموقنين وذم من لَا يَقِين عِنْده فَقَالَ ﴿أَن النَّاس كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يوقنون﴾ وَفِي الحَدِيث الْمَرْفُوع من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن خَيْثَمَة عَن عبد الله بن مسعوديرفعه لَا ترْضينَ احدا بسخط الله وَلَا تحمدن احدا على فَضله وَلَا تذمن احدا على مَا لم يؤتك الله فَإِن رزق الله لَا يَسُوقهُ حرص حَرِيص وَلَا يردة عَنْك كَرَاهِيَة كَارِه وان الله بعدله وقسطه جعل الرّوح والراحة والفرح فِي الرِّضَا وَالْيَقِين وَجعل الْهم والحزن فِي الشَّك والسخط فَإِذا بَاشر الْقلب الْيَقِين امْتَلَأَ نورا وانتفى عَنهُ كل ريب وَشك وعوفي من امراضه القاتلة وامتلأ شكرا لله وذكرا لَهُ ومحبة وخوفا فحبي عَن بَيِّنَة وَالْيَقِين والمحبة هما ركنا الايمان وَعَلَيْهِمَا يَنْبَنِي وَبِهِمَا قوامه وهما يمدان سَائِر الاعمال القلبية والبدنية وعنهما تصدر وبضعفهما يكون ضعف الاعمال وبقوتهما قوتها وَجَمِيع منَازِل السائرين ومقامات العارفين إِنَّمَا تفتح بهما وهما يثمران كل عمل صَالح وَعلم نَافِع وَهدى مُسْتَقِيم قَالَ شيخ العارفين الْجيد الْيَقِين هُوَ اسْتِقْرَار الْعلم الَّذِي لاينقلب وَلَا يتَحَوَّل وَلَا يتَغَيَّر فِي الْقلب وَقَالَ سهل حرَام على قلب ان يشم رَائِحَة الْيَقِين وَفِيه سُكُون الى غير الله وَقيل من علاماته الِالْتِفَات الى الله فِي كل زلَّة وَالرُّجُوع اليه فِي كل امْر والاستعانة بِهِ فِي كل حَال وارادة وَجهه بِكُل حَرَكَة وَيكون
стр. 154
وَقَالَ السرى الْيَقِين السّكُون عِنْد جولان الْمَوَارِد فِي صدرك ليتقنك ان حركتك فِيهَا لاتنفعك وَلَا ترد عَنْك مقضيا قلت هَذَا إِذا لم تكن الْحَرَكَة مَأْمُورا بهَا فَإِذا كَانَت مَأْمُورا بهَا فاليقين فِي بذل الْجهد فِيهَا واستفراغ الوسع وَقيل إِذا اسْتكْمل العَبْد حَقِيقَة الْيَقِين صَار الْبلَاء عِنْده نعْمَة والمحنة منحة فالعلم اول دَرَجَات الْيَقِين وَلِهَذَا قيل الْعلم يستعملك وَالْيَقِين يحملك فاليقين افضل مواهب الرب لعَبْدِهِ وَلَا تثبت قدم الرضاء الا على دَرَجَة الْيَقِين قَالَ تَعَالَى اما اصاب من مُصِيبَة الا باذن الله وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه قَالَ ابْن مَسْعُود هُوَ وَالْعَبْد تصيبه الْمُصِيبَة فَيعلم انها من الله فيرضى وَيسلم فَلهَذَا لم يحصل لَهُ هِدَايَة الْقلب وَالرِّضَا وَالتَّسْلِيم الا بيقينه قَالَ فِي الصِّحَاح الْيَقِين الْعلم وَزَوَال الشَّك يُقَال مِنْهُ يقنت الامر يقنا واستيقنت وايقنت وتيقنت كُله بِمَعْنى وَاحِد وَأَنا على يَقِين مِنْهُ وَإِنَّمَا صَارَت الْيَاء واوا فيموقن للضمة قبلهَا وَإِذا صغرتها رَددته لى الاصل فَقلت مييقن وَرُبمَا عبروا عَن الظَّن بالقين وبالظن عَن الْيَقِين قَالَ:
تحسب هواس وأيقن اني ... بهَا مفتد من وَاحِد لَا أغامره ... يَقُول تشمم الاسد نَاقَتي يظنّ انني افتدى بهَا مِنْهُ وأستحيي نَفسِي فأتركها لَهُ وَلَا اقتحم المهالك لمقاتلته قلت هذاموضع اخْتلف فِيهِ اهل اللُّغَة وَالتَّفْسِير هَل يسْتَعْمل الْيَقِين فِي مَوضِع الظَّن وَالظَّن فِي مَوضِع الْيَقِين فَرَأى ذَلِك طَائِفَة مِنْهُم الْجَوْهَرِي وَغَيره وَاحْتَجُّوا بسوى مَا ذكر بقوله تَعَالَى ﴿الَّذين يظنون أَنهم ملاقو رَبهم وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ وَلَو شكوا فِي ذَلِك لم يَكُونُوا موقنين فضلا عَن ان يمدحوا بِهَذَا الْمَدْح وَبِقَوْلِهِ ﴿قَالَ الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا الله كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَأى المجرمون النَّار فظنوا أَنهم مواقعوها﴾ وَبقول الشَّاعِر
فَقلت لَهُم ظنُّوا بالفي مقَاتل ... سراتهم فِي الْفَارِسِي المسرد أَي استيقنوا بِهَذَا الْعدَد وَأبي ذَلِك طَائِفَة وَقَالُوا لَا يكون الْيَقِين الا للْعلم واما الظَّن فَمنهمْ من وَافق على انه يكون الظَّن فِي مَوضِع الْيَقِين واجابوا عَمَّا احْتج بِهِ من جوز ذَلِك بَان قَالُوا هَذِه الْمَوَاضِع الَّتِي زعمتم ان الظَّن وَقع فِيهَا موقع الْيَقِين كلهَا على بَابهَا فَإنَّا لم نجد ذَلِك الا فِي علم بمغيب وَلم تجدهم يَقُولُونَ لمن راى الشَّيْء اظنه وَلمن ذاقه اظنه وَإِنَّمَا يُقَال لغَائِب قدعرف بِالسَّمْعِ وَالْعلم فَإِذا صَار الى الْمُشَاهدَة امْتنع الى اطلاق الظَّن عَلَيْهِ قَالُوا وَبَين العيان وَالْخَبَر مرتبَة متوسطة باعتبارها اوقع على الْعلم بالغائب الظَّن لفقد الْحَال الَّتِي تحصل المدركة بِالْمُشَاهَدَةِ وعَلى هذاخرجت سَائِر الادلة الَّتِي ذكرتموها وَلَا يرد على هَذَا قَوْله ﴿وَرَأى المجرمون النَّار فظنوا أَنهم مواقعوها﴾ لَان الظَّن انما وَقع على مواقعتها وَهِي غيب حَال الرُّؤْيَة فَإِذا واقعوها لم يكن ذَلِك ظنا بل حق يَقِين قَالُوا وَأما قَول الشَّاعِر وايقن انني بهَا مفتد فعلى بَابه لانه ظن ان الاسد لتيقنه شجاعته
стр. 155
وجراءته موقن بَان الرجل يدع لَهُ نَاقَته يفتدى بهَا من نَفسه قَالُوا وعَلى هَذَا يخرج معنى الحَدِيث نَحن احق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم وَفِيه اجوبة لَكِن بَين العيان وَالْخَيْر رُتْبَة طلب إِبْرَاهِيم زَوَالهَا بقوله وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي فعبرعن تِلْكَ الرُّتْبَة بِالشَّكِّ وَالله اعْلَم الْوَجْه الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة مَا رَوَاهُ ابو يعلى الْموصِلِي فِي مُسْنده من حَدِيث انس بن مَالك يرفعهُ الى النَّبِي قَالَ طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم وَهَذَا وان كَانَ فِي سَنَده حَفْص بن سُلَيْمَان وَقد ضعف فَمَعْنَاه صَحِيح فَأن الايمان فرض على كل وَاحِد وَهُوَ مَاهِيَّة مركبة من علم وَعمل فَلَا يتَصَوَّر وجود الايمان الا بِالْعلمِ وَالْعَمَل ثمَّ شرائع الاسلام وَاجِبَة على كل مُسلم وَلَا يُمكن اداؤها الا بعدمعرفتها وَالْعلم بهَا وَالله تَعَالَى اخْرُج عباده من بطُون امهاتهم لَا يعلمُونَ شَيْئا فَطلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم وَهل تمكن عبَادَة الله الَّتِي هِيَ حَقه على الْعباد كلهم الا بِالْعلمِ وَهل ينَال الْعلم الا بِطَلَبِهِ ثمَّ إِن الْعلم بالمفروض تعلمه ضَرْبَان ضرب مِنْهُ فرض عين لَا يسع مُسلما جَهله وَهُوَ انواع النَّوْع الاول علم اصول الايمان الْخَمْسَة الايمان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الاخر فَإِن من لم يُؤمن بِهَذِهِ الْخَمْسَة لم يدْخل فِي بَاب الايمان ولايستحق اسْم الْمُؤمن قَالَ الله تَعَالَى وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الاخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبيين ﴿وَقَالَ﴾ وَمن يكفر بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الاخر فقد ضل ضلالا بَعيدا وَلما سَأَلَ جِبْرِيل رَسُول الله عَن الايمان فَقَالَ ان تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الاخر قَالَ صدقت فالايمان بِهَذِهِ الاصول فرع مَعْرفَتهَا وَالْعلم بهَا النَّوْع الثَّانِي علم شرائع الاسلام وَاللَّازِم مِنْهَا علم مَا يخص العَبْد من فعلهَا كعلم الْوضُوء وَالصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَالزَّكَاة وتوابعها وشروطها ومبطلاتها النَّوْع الثَّالِث علم الْمُحرمَات الْخَمْسَة الَّتِي اتّفقت عَلَيْهَا الرُّسُل والشرائع والكتب الالهية وَهِي الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن والاثم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وان تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وان تَقولُوا على الله مَالا تعلمُونَ فَهَذِهِ مُحرمَات على كل وَاحِد فِي كل حَال على لِسَان كل رَسُول لَا تُبَاح قطّ وَلِهَذَا اتى فِيهَا بانما المفيدة للحصر مُطلقًا وَغَيرهَا محرم فِي وَقت مُبَاح فِي غَيره كالميتة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَنَحْوه فَهَذِهِ لَيست مُحرمَة على الاطلاق والدوام فَلم تدخل تَحت التَّحْرِيم المحصور الْمُطلق النَّوْع الرَّابِع علم احكام المعاشرة والمعاملة الَّتِي تحصل بَينه وَبَين النَّاس خُصُوصا وعموما وَالْوَاجِب فِي هَذَا النَّوْع يخْتَلف باخْتلَاف احوال النَّاس ومنازلهم فَلَيْسَ الْوَاجِب على الامام مَعَ رَعيته كالواجب على الرجل مَعَ اهله وجيرته وَلَيْسَ الْوَاجِب على من نصب نَفسه لانواع التِّجَارَات من تعلم احكام الْبياعَات كالواجب على من لَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي الا مَا تَدْعُو الْحَاجة اليه وتفصيل هَذِه الْجُمْلَة لَا يَنْضَبِط بِحَدّ لاخْتِلَاف النَّاس فِي اسباب الْعلم الْوَاجِب وَذَلِكَ يرجع
стр. 156
الى ثَلَاثَة اصول اعْتِقَاد وَفعل وَترك فَالْوَاجِب فِي الِاعْتِقَاد مطابقته للحق فِي نَفسه وَالْوَاجِب فِي الْعَمَل مَعْرفَته وموافقة حركات العَبْد الظَّاهِرَة والباطنة الاختيارية للشَّرْع امرا وَإِبَاحَة وَالْوَاجِب فِي التّرْك معرفَة مُوَافقَة الْكَفّ والسكون لمرضات الله وان الْمَطْلُوب مِنْهُ إبْقَاء هَذَا الْفِعْل على عَدمه المستصحب فَلَا يَتَحَرَّك فِي طلبه اَوْ كف النَّفس عَن فعله على الطريقتين وَقد دخل فِي هَذِه الْجُمْلَة علم حركات الْقُلُوب والابدان وَأما فرض الْكِفَايَة فَلَا اعْلَم فِيهِ ضابطا صَحِيحا فان كل اُحْدُ يدْخل فِي ذَلِك مَا يَظُنّهُ فرضا فَيدْخل بعض النَّاس فِي ذَلِك علم الطِّبّ وَعلم الْحساب وَعلم الهندسة والمساحة وَبَعْضهمْ يزِيد على ذَلِك علم اصول الصِّنَاعَة كالفلاحة والحياكة والحدادة والخياطة وَنَحْوهَا وَبَعْضهمْ يزيدعلى ذَلِك علم الْمنطق وَرُبمَا جعله فرض عين وبناه على عدم صِحَة إِيمَان الْمُقَلّد وكل هَذَا هوس وخبط فَلَا فرض إِلَّا مَا فَرْضه الله وَرَسُوله فيا سُبْحَانَ الله هَل فرض الله على كل مُسلم ان يكون طَبِيبا حجاما حاسبا مهندسا اَوْ حائكا اَوْ فلاحا اَوْ نجارا اَوْ خياطا فَإِن فرض الْكِفَايَة كفرض الْعين فِي تعلقه بِعُمُوم الْمُكَلّفين وَإِنَّمَا يُخَالِفهُ فِي سُقُوطه بِفعل الْبَعْض ثمَّ على قَول هَذَا الْقَائِل يكون الله قد فرض على كل اُحْدُ جملَة هَذِه الصَّنَائِع والعلوم فَإِنَّهُ لَيْسَ وَاحِد مِنْهَا فرضا على معِين وَالْآخر على معِين آخر بل عُمُوم فرضيتها مُشْتَركَة بَين الْعُمُوم فَيجب على كل اُحْدُ ان يكون حاسبا حائكا خياطا نجارا فلاحا طَبِيبا مهندسا فان قَالَ الْمَجْمُوع فرض على الْمَجْمُوع لم يكن قَوْلك إِن كل وَاحِد مِنْهَا فرض كِفَايَة صَحِيحا لَان فرض الْكِفَايَة يجب على الْعُمُوم واما الْمنطق فَلَو كَانَ علما صَحِيحا كَانَ غَايَته ان يكون كالمساحة والهندسة وَنَحْوهَا فَكيف وباطله اضعاف حَقه وفساده وتناقض اصوله وَاخْتِلَاف مبانيه توجب مراعاتها الذِّهْن ان يزِيغ فِي فكره وَلَا يُؤمن بِهَذَا الا من قد عرفه وَعرف فَسَاده وتناقضه ومناقضة كثير مِنْهُ لعقل الصَّرِيح وَاخْبَرْ بعض من كَانَ قد قَرَأَهُ وعني بِهِ انه لم يزل مُتَعَجِّبا من فَسَاد اصوله وقواعده ومبانيها لصريح الْمَعْقُول وتضمنها لدعاوي مَحْضَة غير مَدْلُول عَلَيْهَا وتفريقه بَين متساوين وَجمعه بَين مُخْتَلفين فَيحكم على الشَّيْء بِحكم وعَلى نَظِيره بضد ذَلِك الحكم اَوْ يحكم على الشَّيْء بِحكم ثمَّ يحكم على مضاده اَوْ مناقضه بِهِ قَالَ الى ان سَالَتْ بعض رؤسائه وشيوخ اهله عَن شَيْء من ذَلِك فانكر فِيهِ ثمَّ قَالَ هَذَا علم قد صقلته الاذهان وَمَرَّتْ عَلَيْهِ من عهد الْقُرُون الاوائل اَوْ كَمَا قَالَ فَيَنْبَغِي ان نتسلمه من اهله وَكَانَ هَذَا من افضل مَا رَأَيْت فِي الْمنطق قَالَ الى ان وقفت على رد متكلمي الاسلام عَلَيْهِ وتبيين فَسَاده وتناقضه فوقفت على مُصَنف لابي سعيد السيرافي النَّحْوِيّ فِي ذَلِك وعَلى رد كثير من اهل الْكَلَام والعربية عَلَيْهِم كَالْقَاضِي ابي بكر بَين الطّيب وَالْقَاضِي عبد الجبار والجبائي وَابْنه وابي الْمَعَالِي وابي الْقَاسِم الانصاري
стр. 157
وَخلق لَا يُحصونَ كَثْرَة ورايت استشكالات فضلائهم وَرُؤَسَائِهِمْ لمواضع الاشكال ومخالفتها مَا كَانَ ينقدح لي كثير مِنْهُ ورايت آخر من تجرد للرَّدّ عَلَيْهِم شيخ الاسلام قدس الله روحه فَإِنَّهُ اتى فِي كِتَابيه الْكَبِير وَالصَّغِير بالعجب العجاب وكشف اسرارهم وهتك استارهم فَقلت فِي ذَلِك:
وَاعجَبا لمنطق اليونان ... كم فِيهِ من إفْك وَمن بهتان مخبط لجيد الاذهان ... ومفسد لفطرة الانسان مُضْطَرب الاصول والمباني ... على شفا هار بناه الْبَانِي احوج مَا كَانَ اليه العاني ... يخونه فِي السِّرّ والاعلان يمشي بِهِ اللِّسَان فِي الميدان ... مشي مُقَيّد على صَفْوَان مُتَّصِل العثار والتواني ... كَأَنَّهُ السراب بالقيعان بدا لعين الظميء الحيراني ... فأمه بِالظَّنِّ والحسبان يَرْجُو شِفَاء غلَّة الظمآن ... فَلم يجد ثمَّ سوى الحرمان فَعَاد بالخيبة والخسران ... يقرع سنّ نادم حيران ... قد ضَاعَ مِنْهُ الْعُمر فِي الاماني ... وعاين الخفة فِي الْمِيزَان وَمَا كَانَ من هوس النُّفُوس بِهَذِهِ الْمنزلَة فَهُوَ بَان يكون جهلا اولى مِنْهُ بَان يكون علما تعلمه فرض كِفَايَة اَوْ فرض عين وَهَذَا الشَّافِعِي وَاحْمَدْ وَسَائِر ائمة الاسلام وتصانيفهم وَسَائِر ائمة الْعَرَبيَّة وتصانيفهم وائمة التَّفْسِير وتصانيفهم لمن نظر فِيهَا هَل راعوا فِيهَا حُدُود الْمنطق واوضاعه وَهل صَحَّ لَهُم علمهمْ بِدُونِهِ ام لَا بل هم كَانُوا اجل قدرا واعظم عقولا من ان يشغلو افكارهم بهذيان المنطقيين وَمَا دخل الْمنطق على علم الا افسده وَغير اوضاعه روشوش قَوَاعِده وَمن النَّاس من يَقُول ان عُلُوم الْعَرَبيَّة من التصريف والنحو واللغة والمعاني وَالْبَيَان وَنَحْوهَا تعلمهَا فرض كِفَايَة لتوقف فهم كَلَام الله وَرَسُوله عَلَيْهَا وَمن النَّاس من يَقُول تعلم اصول الْفِقْه فرض كِفَايَة لانه الْعلم الَّذِي يعرف بِهِ الدَّلِيل ومرتبته وكفية الِاسْتِدْلَال وَهَذِه الاقوال وان كَانَت اقْربْ الى الصَّوَاب من القَوْل الاول فَلَيْسَ وُجُوبهَا عَاما على كل اُحْدُ وَلَا فِي كل وَقت وَإِنَّمَا يُجيب وجوب الْوَسَائِل فِي بعض الازمان وعَلى بعض الاشخاص بِخِلَاف الْفَرْض الَّذِي يعم وُجُوبه كل اُحْدُ وَهُوَ علم الايمان وَشَرَائِع الاسلام فَهَذَا هُوَ الْوَاجِب واما مَا عداهُ فَإِن توقفت مَعْرفَته عَلَيْهِ فَهُوَ من بَاب مَالا يتم الْوَاجِب الا بِهِ وَيكون الْوَاجِب مِنْهُ الْقدر الْموصل اليه دون الْمسَائِل الَّتِي هِيَ فضلَة لَا يفْتَقر معرفَة الْخطاب وفهمه اليها فَلَا
стр. 158
يُطلق القَوْل بَان علم الْعَرَبيَّة وَاجِب على الاطلاق اذ الْكثير مِنْهُ وَمن مسَائِله وبحوثه لَا يتَوَقَّف فهم كَلَام الله وَرَسُوله عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ اصول الْفِقْه الْقدر الَّذِي يتَوَقَّف فهم الْخطاب عَلَيْهِ مِنْهُ يجب مَعْرفَته دون الْمسَائِل المقررة والابحاث الَّتِي هِيَ فضلَة فَكيف يُقَال ان تعلمهَا وَاجِب وَبِالْجُمْلَةِ فالمطلوب الْوَاجِب من العَبْد من الْعُلُوم والاعمال إِذا توقف على شَيْء مِنْهَا كَانَ ذَلِك الشَّيْء وَاجِبا وجوب الْوَسَائِل وَمَعْلُوم ان ذَلِك التَّوَقُّف يخْتَلف باخْتلَاف الاشخاص والازمان والالسنة والاذهان فَلَيْسَ لذَلِك حد مُقَدّر وَالله اعْلَم الْوَجْه الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعدالمائة مَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ابي هُرَيْرَة يرفعهُ الى النَّبِي قَالَ سَأَلَ مُوسَى ربه عَن سِتّ خِصَال كَانَ يظنّ انها لَهُ خَالِصَة وَالسَّابِعَة لم يكن مُوسَى يُحِبهَا قَالَ يَا رب أَي عِبَادك اتَّقى قَالَ الَّذِي يذكر وَلَا ينسى قَالَ فَأَي عِبَادك اهدى قَالَ الَّذِي تتبع الْهدى قَالَ فَأَي عِبَادك احكم قَالَ الَّذِي يحكم للنَّاس مَا يحكم لنَفسِهِ قَالَ أَي عِبَادك اعْلَم قَالَ عَالم لَا يشْبع من الْعلم يجمع علم النَّاس الى علمه قَالَ فَأَي عِبَادك اعز قَالَ الَّذِي اذا قدر عَفا قَالَ فَأَي عِبَادك اغني قَالَ الَّذِي يرضى بِمَا اوتى قَالَ فاي عِبَادك افقر قَالَ صَاحب مَنْقُوص فَأخْبر فِي هَذَا الحَدِيث ان اعْلَم عباده الَّذِي لَا يشْبع من الْعلم فَهُوَ يجمع علم النَّاس الى علمه لنهمته فِي الْعلم وحرصه عَلَيْهِ وَلَا ريب ان كَون العَبْد اعظم عباد الله من اعظم اوصاف كَمَاله وَهَذَا هُوَ الَّذِي حمل مُوسَى على الرحلة الى عَالم الارض ليعلمه مِمَّا علمه الله هَذَا وَهُوَ كليم الرَّحْمَن وَأكْرم الْخلق على الله فِي زَمَانه وَأعلم الْخلق فَحَمله حرصه ونهمته فِي الْعلم على الرحلة الى الْعَالم الَّذِي وصف لَهُ فلولا ان الْعلم اشرف مَا بذلت فِيهِ المهج وانفقت فِيهِ الانفاس لاشتغل مُوسَى عَن الرحلة الى الْخضر بِمَا هُوَ بصدده من امْر الامة وَعَن مقاساة النصب والتعب فِي رحلته وتلطفه للخضر فِي قَوْله هَل اتبعك على ان تعلمن مِمَّا علمت رشدا فَلم ير اتِّبَاعه حَتَّى استاذنه فِي ذَلِك واخبره انه جَاءَ متعلما مستفيدا فَهَذَا النَّبِي الْكَرِيم كَانَ عَالما بِقدر الْعلم واهله صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ الْوَجْه الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة ان الله خلق الْخلق لعبادته الجامعة لمحبته وإيثار مرضاته المستلزمة لمعرفته وَنصب للعباد علما لَا كَمَال لَهُم الا بِهِ وَهُوَ ان تكون حركاتهم كلهَا مُوَافقَة على وفْق مرضاته ومحبته وَلذَلِك ارسل رسله وَانْزِلْ كتبه وَشرع شرائعه فكمال العَبْد الَّذِي لَا كَمَال لَهُ الا بِهِ ان تكون حركاته موافقه لما يُحِبهُ الله مِنْهُ ويرضاه لَهُ وَلِهَذَا جعل اتِّبَاع رَسُوله دَلِيلا على محبته قَالَ تَعَالَى قل ان كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم وَالله غَفُور رَحِيم فالمحب الصَّادِق يرى خِيَانَة مِنْهُ لمحبوبه ان يَتَحَرَّك بحركة اختيارية فِي غير مرضاته وَإِذا فعل فعلا مِمَّا ابيح لَهُ بِمُوجب طَبِيعَته وشهوته تَابَ مِنْهُ كَمَا يَتُوب من الذَّنب وَلَا يزَال هَذَا الْأَمر يقوى عِنْده حَتَّى تنْقَلب
стр. 159
مباحاته كلهَا طاعات فيحتسب نَومه وفطره وراحته كَمَا يحْتَسب قومته وصومه واجتهاده وَهُوَ دَائِما بَين سراء يشْكر الله عَلَيْهَا وضراء يصبر عَلَيْهَا فَهُوَ سَائِر إِلَى الله دَائِما فِي نَومه ويقظنه قَالَ بعض الْعلمَاء الاكياس عاداتهم عبادات الحمقي والحمقى عباداتهم عادات وَقَالَ بعض السّلف حبذا نوم الأكياس وفطرهم يغبنون بِهِ سهر الحمقى وصومهم فالمحب الصادقان نطق نطق لله وَبِاللَّهِ وان سكت سكت لله وان تحرّك فبأمر الله وان سكن فسكونه استعانة على مرضات الله فَهُوَ لله وَبِاللَّهِ وَمَعَ الله وَمَعْلُوم ان صَاحب هَذَا الْمقَام احوج خلق الله الى الْعلم فَإِنَّهُ لَا تتَمَيَّز لَهُ الْحَرَكَة المحبوبة لله من غَيرهَا وَلَا السّكُون المحبوب لَهُ من غَيره الا بِالْعلمِ فَلَيْسَتْ حَاجته الى الْعلم كحاجة من طلب الْعلم لذاته ولانه فِي نَفسه صفة كَمَال بل حَاجته اليه كحاجته الى مَا بِهِ قوام نَفسه وذاته وَلِهَذَا اشتدت وصاة شُيُوخ العارفين لمريديهم بِالْعلمِ وَطَلَبه وانه من لم يطْلب الْعلم لم يفلح حَتَّى كَانُوا يعدون من لَا علم لَهُ من السفلة قَالَ ذُو النُّون وَقد سُئِلَ من السفلة فَقَالَ من لَا يعرف الطَّرِيق الى الله تَعَالَى وَلَا يتعرفه وَقَالَ ابو يزِيد لَو نظرتم الى الرجل وَقد اعطى من الكرامات حَتَّى يتربع فِي الْهَوَاء فلات تغتروا بِهِ حَتَّى تنظروا كَيفَ تجدونه عِنْد الامر وَالنَّهْي وَحفظ الْحُدُود وَمَعْرِفَة الشَّرِيعَة وَقَالَ ابو حَمْزَة الْبَزَّاز من علم طَرِيق الْحق سهل عَلَيْهِ سلوكه وَلَا دَلِيل على الطَّرِيق الا مُتَابعَة الرَّسُول فِي أَقْوَاله وأفعاله واحواله وَقَالَ مُحَمَّد بن الْفضل الصُّوفِي الزَّاهِد ذهَاب الاسلام على يَدي اربعة اصناف من النَّاس صنف لَا يعْملُونَ بِمَا يعلمُونَ وصنف يعْملُونَ بِمَا لَا يعلمُونَ وصنف لَا يعْملُونَ وَلَا يعلمُونَ وصنف يمْنَعُونَ النَّاس من التَّعَلُّم قلت الصِّنْف الاول من لَهُ علم بِلَا عمل فَهُوَ اضر شَيْء على الْعَامَّة فَإِنَّهُ حجَّة لَهُم فِي كل نقيصة ومنحسة والصنف الثَّانِي العابد الْجَاهِل فَإِن النَّاس يحسنون الظَّن بِهِ لعبادته وصلاحه فيقتدون بِهِ على جَهله وَهَذَانِ الصنفان هما اللَّذَان ذكرهمَا بعض السّلف فِي قَوْله احْذَرُوا فتْنَة الْعَالم الْفَاجِر وَالْعَابِد الْجَاهِل فَإِن فتنتهما فتْنَة لكل مفتون فان النَّاس إِنَّمَا يقتدون بعلمائهم وعبادهم فَإِذا كَانَ الْعلمَاء فجرة والعباد جهلة عَمت الْمُصِيبَة بهما وعظمت الْفِتْنَة على الْخَاصَّة والعامة والصنف الثَّالِث الَّذين لَا علم لَهُم وَلَا عملوإنما هم كالانعام السَّائِمَة والصنف الرَّابِع نواب ابليس فِي الارض وهم الَّذِي يثبطون النَّاس عَن طلب الْعلم والتفقه فِي الدّين فَهَؤُلَاءِ اضر عَلَيْهِم من شياطين الْجِنّ فانهم يحولون بَين الْقُلُوب وَبَين هدى الله وَطَرِيقه فَهَؤُلَاءِ الاربعة اصناف هم الَّذين ذكرهم هَذَا الْعَارِف رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَهَؤُلَاء كلهم على شفا جرف هار وعَلى سَبِيل الهلكة وَمَا يلقى الْعَالم الدَّاعِي الى الله وَرَسُوله مَا يلقاه من الاذى والمحاربة الا على ايديهم وَالله يسْتَعْمل من يَشَاء فِي سخطه كَمَا يسْتَعْمل من يحب فِي مرضاته إِنَّه بعباده خَبِير بَصِير وَلَا ينْكَشف سر هَذِه الطوائف وطريقتهم إِلَّا بِالْعلمِ فَعَاد الْخَيْر بحذافيره الى الْعلم وموجبه وَالشَّر
стр. 160
بحذافيره الى الْجَهْل وموجبه الْوَجْه الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة ان الله سُبْحَانَهُ جعل الْعلمَاء وكلاء وامناء على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه وَالْقِيَام بِهِ والذب عَنهُ وناهيك بهَا منزلَة شريفة ومنقبة عَظِيمَة قَالَ تَعَالَى ذَلِك هدى الله يهدى بِهِ من يَشَاء من عباده وَلَو اشركوا لحبط عَنْهُم مَا كَانُوا يعْملُونَ اولئك الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب وَالْحكم والنبوة فَإِن يكفر بهَا هَؤُلَاءِ فقد وكلنَا بهَا قوما لَيْسُوا بهَا بكافرين وَقد قيل ان هَؤُلَاءِ الْقَوْم هم الانبياء وَقيل اصحاب رَسُول الله وَقيل كل مُؤمن هَذِه امهات الاقوال بعد اقوال متفرعة عَن هَذِه كَقَوْل من قَالَ هم الانصار اَوْ الْمُهَاجِرُونَ والانصار اَوْ قوم من ابناء فَارس وَقَالَ آخَرُونَ هم الْمَلَائِكَة قَالَ ابْن جرير واولى هَذِه الاقوال بِالصَّوَابِ انهم الانبياء الثَّمَانِية عشر الَّذين سماهم فِي الايات قبل هَذِه الاية قَالَ وَذَلِكَ ان الْخَبَر فِي الايات قبلهَا عَنْهُم مضى وَفِي الَّتِي بعْدهَا عَنْهُم ذكر فَمَا يَليهَا بَان يكون خَبرا عَنْهُم اولى واحق بَان يكون خَبرا عَن غَيرهم فالتأويل فَإِن يكفر قَوْمك من قُرَيْش يَا مُحَمَّد بِآيَاتِنَا وكذبوا بهَا وجحدوا حَقِيقَتهَا فقد استحفظناها واسترعينا الْقيام بهَا رسلنَا وانبياءنا من قبلك الَّذين لَا يجحدون حَقِيقَتهَا وَلَا يكذبُون بهَا وَلَكنهُمْ يصدقون بهَا ويؤمنون بِصِحَّتِهَا قلت السُّورَة مَكِّيَّة والاشارة بقوله هَؤُلَاءِ الى من كفر بِهِ من قومه اصلا وَمن عداهم تبعا فَيدْخل فِيهَا كل من كفر بِمَا جَاءَ بِهِ من هَذِه الامة وَالْقَوْم الموكلون بهَا هم الانبياء اصلا والمؤمنون بهم تبعا فَيدْخل كل من قَامَ بحفظها والذنب عَنْهَا والدعوة اليها وَلَا ريب ان هَذَا للأنبياء اصلا وَلِلْمُؤْمنِينَ بهم تبعا واحق من دخل فِيهَا من اتِّبَاع الرَّسُول خلفاؤه فِي امته وورثته فهم الموكلون بهَا وَهَذَا ينظم فِي الاقوال الَّتِي قيلت فِي الاية واما قَول من قَالَ انهم الْمَلَائِكَة فضعيف جدا لَا يدل عَلَيْهِ السِّيَاق وتاباه لَفظه قوما إِذْ الْغَالِب فِي الْقُرْآن بل المطرد تَخْصِيص الْقَوْم ببني آدم دون الْمَلَائِكَة وَأما قَول إِبْرَاهِيم لَهُم قوم منكرون فَإِنَّمَا قَالَه لما ظنهم من الانس وايضا فلايقتضيه فخامة الْمَعْنى ومقصوده وَلِهَذَا لَو اظهر ذَلِك وَقيل فَإِن يكفر بهَا كفار قَوْمك فقد وكلنَا بهَا الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُم لَا يكفرون بهَا لم نجد مِنْهُ من التسلية وتحقير شَأْن الْكَفَرَة بهَا وَبَيَان عدم تأهلهم لَهَا والانعام عَلَيْهِم وإيثار غَيرهم من اهل الايمان الَّذين سبقت لَهُم الْحسنى عَلَيْهِم لكَوْنهم احق بهَا وَأَهْلهَا وَالله أعلم حَيْثُ يضع هداه وَيخْتَص بِهِ من يَشَاء وايضا فَإِن تَحت هَذِه الاية إِشَارَة وَبشَارَة يحفظها وَأَنه لَا ضَيْعَة عَلَيْهَا وان هَؤُلَاءِ وَإِن ضيعوها وَلم يقبلوها فَإِن لَهَا قوما غَيرهم يقبلونها ويحفظونها ويرعونها ويذبون عَنْهَا فَكفر هَؤُلَاءِ بهَا لَا يضيعها وَلَا يذهبها وَلَا يَضرهَا شَيْئا فَإِن لَهَا اهلا ومستحقا سواهُم فَتَأمل شرف هَذَا الْمَعْنى وجلالته وَمَا تضمنه من تحريض عباده الْمُؤمنِينَ على الْمُبَادرَة اليها والمسارعة الى
стр. 161
قبُولهَا وَمَا تَحْتَهُ من تنبيههم على محبته لَهُم وإيثاره إيَّاهُم بِهَذِهِ النِّعْمَة على اعدائه الْكَافرين وَمَا تَحْتَهُ من احتقارهم وازدرائهم وَعدم المبالاة والاحتفال بهم وَإِنَّكُمْ وان تؤمنوا بهَا فعبادي الْمُؤْمِنُونَ بهَا الموكلون بهَا سواكم كثير كَمَا قَالَ تَعَالَى قل آمنُوا بِهِ اولا تؤمنوا إِن الَّذين اوتوا الْعلم من قبله إِذا يُتْلَى عَلَيْهِم يخرون للأذقان سجدا يوقولن سُبْحَانَ رَبنَا إِن كَانَ وعد رَبنَا لمفعولا وَإِذا كَانَ للْملك عبيد قدعصوره وخالفوا امْرَهْ وَلم يلتفتوا الى عَهده وَله عبيد آخَرُونَ سامعون لَهُ مطيعون قابلون مستجيبون لامره فَنظر اليهم وَقَالَ ان يكفر هَؤُلَاءِ نعمى ويعصوا امري ويضيعو عهدي فَإِن لي عبيدا سواهُم وهم انتم تطيعون امري وتحفظون عهدي وتودون حَقي فَإِن عبيده المطيعين يَجدونَ فِي انفسهم من الْفَرح وَالسُّرُور والنشاط وَقُوَّة الْعَزِيمَة مَا يكون مُوجبا لَهُم الْمَزِيد من الْقيام بِحَق الْعُبُودِيَّة والمزيد من كَرَامَة سيدهم ومالكهم وَهَذَا امْر يشْهد بِهِ الْحس والعيان واما توكيلهم بهَا فَهُوَ يتَضَمَّن توفيقهم للايمان بهَا وَالْقِيَام بحقوقها ومراعاتها والذب عَنْهَا والنصيحة لَهَا كَمَا يُوكل الرجل غَيره بالشَّيْء ليقوم بِهِ ويتعهده ويحافظ عَلَيْهِ وَبهَا الاولى مُتَعَلقَة بوكلنا وَبهَا الثَّانِيَة مُتَعَلقَة بكافرين وَالْبَاء فِي بكافرين لتأكيد النَّفْي فَإِن قلت فَهَل يَصح ان يُقَال لَاحَدَّ هَؤُلَاءِ المؤكلين انه وَكيل الله بِهَذَا الْمَعْنى كَمَا يُقَال ولي الله قلت لَا يلْزم من إِطْلَاق فعل التَّوَكُّل الْمُقَيد بِأَمْر مَا إِن يصاغ مِنْهُ اسْم فَاعل مُطلق كَمَا انه لَا يلْزم من اطلاق فعل الِاسْتِخْلَاف الْمُقَيد ان قَالَ خَليفَة الله لقَوْله ويستخلفكم فِي الارض وَقَوله وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الارض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم فَلَا يُوجب هَذَا الِاسْتِخْلَاف ان يُقَال لكل مِنْهُم انه خَليفَة الله لانه اسْتِخْلَاف مُقَيّد وَلما قيل للصديق يَا خَليفَة الله قَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله وحسبي ذَلِك وَلَكِن يسوغ ان يُقَال هُوَ وَكيل بذلك كَمَا قَالَ تَعَالَى فقد وكلنَا بهَا قوما وَالْمَقْصُود ان هَذَا التَّوْكِيل خَاص بِمن قَامَ بهَا علما وَعَملا وجهادا لاعدائها وذبا عَنْهَا ونفيا لتحريف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين وايضا فَهُوَ تَوْكِيل رَحْمَة وإحسان وتوفيق واختصاص لَا تَوْكِيل حَاجَة كَمَا يُوكل الرجل من يتَصَرَّف عَنهُ فِي غيبته لحَاجَة اليه وَلِهَذَا قَالَ بعض السّلف فقد وكلنَا بهَا قوما يَقُول رزقناها قوما فَلهَذَا لَا يُقَال لمن رزقها ورحم بهَا انه وَكيل لله وَهَذَا بِخِلَاف اشتقاق ولي الله من الْمُوَالَاة فانها الْمحبَّة والقرب فَكَمَا يُقَال عبد الله وحبيبه يُقَال وليه وَالله تَعَالَى يوالي عَبده إحسانا اليه وجبرا لَهُ ورحمه بِخِلَاف الْمَخْلُوق فَإِنَّهُ يوالي الْمَخْلُوق لتعززه بِهِ وتكثره بموالاته لذل العَبْد وَحَاجته واما الْعَزِيز الْغَنِيّ فَلَا يوالي احدا من ذل وَلَا حَاجَة قَالَ تَعَالَى وَقل الْحَمد لله الَّذِي
стр. 162
لم يتَّخذ ولدا وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَلم يكن لَهُ ولي من الذل وَكبره تَكْبِيرا فَلم ينف الْوَلِيّ نفيا عَاما مُطلقًا بل نفى ان يكون لَهُ ولي من الذل واثبت فِي مَوضِع آخر ان لَهُ اولياء بقوله الا ان أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ وَقَوله الله ولي الَّذين آمنُوا فَهَذَا مُوالَاة رَحْمَة وإحسان وجبر والموالاة المنفية مُوالَاة حَاجَة وذل يُوضح هَذَا الْوَجْه السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعدالمائة وَهُوَ مَا روى عَن النَّبِي من وُجُوه مُتعَدِّدَة انه قَالَ يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الْجَاهِلين فَهَذَا الْحمل الْمشَار اليه فِي هَذَا الحَدِيث هُوَ التَّوَكُّل الْمَذْكُور فِي الاية فَأخْبر ان الْعلم الَّذِي جَاءَ بِهِ يحملهُ عدُول امته من كل خلف حَتَّى لَا يضيع وَيذْهب وَهَذَا يتَضَمَّن تعديله لحمله الْعلم الَّذِي بعث بِهِ وَهُوَ الْمشَار اليه فِي قَوْله هَذَا الْعلم فَكل من حمل الْعلم الْمشَار اليه لَا بُد وان يكون عدلا وَلِهَذَا اشْتهر عندالامة عَدَالَة نقلته وَحَمَلته اشتهارا لَا يقبل شكا وَلَا امتراء وَلَا ريب ان من عدله رَسُول الله لَا يسمع فِيهِ جرح فالائمة الَّذين اشتهروا عِنْد الامة بِنَقْل الْعلم النَّبَوِيّ وميراثه كلهم عدُول بتعديل رَسُول الله وَلِهَذَا لَا يقبل قدح بَعضهم فِي بعض وَهَذَا بِخِلَاف من اشْتهر عندالامة جرحه والقدح فِيهِ كأئمة الْبدع وَمن جرى مجراهم من المتهمين فِي الدّين فانهم لَيْسُوا عندالامة من حَملَة الْعلم فَمَا حمل علم رَسُول الله الا عدل وَلَكِن قد يغلط فِي مُسَمّى الْعَدَالَة فيظن ان المُرَاد بِالْعَدْلِ من لَا ذَنْب لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ عدل مؤتمن على الدّين وَإِن كَانَ مِنْهُ مَا يَتُوب الى الله مِنْهُ فَإِن هَذَا لَا يُنَافِي الْعَدَالَة كَمَا لَا يُنَافِي الايمان وَالْولَايَة
فصل وَهَذَا الحَدِيث لَهُ طرق عديدة مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن عدي عَن مُوسَى
ابْن اسماعيل بن مُوسَى بن جَعْفَر عَن ابيه عَن جده جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن ابيه عَن عَليّ عَن النَّبِي وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْعَوام بن حَوْشَب عَن شهر بن حَوْشَب عَن معَاذ عَن النَّبِي ﷺ ذكره الْخَطِيب وَغَيره
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث اللَّيْث بن سعد عَن يزِيد بن ابي حبيب عَن سَالم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ من حَدِيث ابْن ابي كَرِيمَة عنم عاذ ابْن رِفَاعَة السلَامِي عَن ابي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن اسامة بن زيد عَن النَّبِي وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ حَمَّاد بن يزِيد عَن بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن معَاذ بن رِفَاعَة عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمن العذري قَالَ قَالَ رَسُول الله قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ حَدثنَا احْمَد بن الْحسن بن زيد حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم حَدثنَا مثنى ابْن بكر ومبشر وَغَيرهمَا من اهل الْعلم كلهم يَقُولُونَ حَدثنَا معَاذ بن رِفَاعَة عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن
стр. 163
عَن النَّبِي يَعْنِي ان الْمَحْفُوظ من هَذَا الطَّرِيق مُرْسل لَان إِبْرَاهِيم هَذَا لَا صُحْبَة لَهُ وَقَالَ الْخلال فِي كتاب الْعِلَل قَرَأت على زُهَيْر بن صَالح بن احْمَد حَدثنَا مهنا قَالَ سَالَتْ احْمَد عَن حَدِيث معَاذ بن رِفَاعَة عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري قَالَ قَالَ رَسُول الله يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين فَقلت لاحمد كَأَنَّهُ مَوْضُوع قَالَ لَا هُوَ صَحِيح فَقلت مِمَّن سمعته انت فَقَالَ من غير وَاحِد قلت من هم قَالَ حَدثنِي بِهِ مِسْكين الا انه يَقُول عَن معَاذ عَن الْقَاسِم بن عبد الرحمن قَالَ احْمَد ومعاذ بن رِفَاعَة لَا بَأْس بِهِ وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابو صَالح حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ سَمِعت النَّبِي يَقُول يَرث هَذَا الْعلم من كل خلف عدوله وَمِنْهَا مارواه ابو احْمَد بن عدي من حَدِيث زُرَيْق بن عبد الله الالهاني عَن الْقَاسِم بن عبد الرحمن عَن ابي امامة الْبَاهِلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله رَوَاهُ عَنهُ بَقِيَّة وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ بن عدي ايضا من طَرِيق مَرْوَان الْفَزارِيّ عَن يزِيد بن كيسَان عَن ابي حَازِم عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ تَمام فِي فَوَائده من حَدِيث اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن ابي الْخَيْر عَن ابي قبيل عَن عبد الله بن عَمْرو وابي هُرَيْرَة رَوَاهُ عَنهُ خَالِد بن عَمْرو وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ القَاضِي اسماعيل من حَدِيث عَليّ بن مُسلم البلوي عَن ابي صَالح الاشعري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي الْوَجْه السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعدالمائة ان بَقَاء الدّين وَالدُّنْيَا فِي بَقَاء الْعلم وبذهاب الْعلم تذْهب الدُّنْيَا وَالدّين فقوام الدّين وَالدُّنْيَا انما هُوَ بِالْعلمِ قَالَ الاوزاعي قَالَ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ الِاعْتِصَام بِالسنةِ نجاة وَالْعلم يقبض قبضا سَرِيعا فنعش الْعلم ثبات الدّين وَالدُّنْيَا وَذَهَاب الْعلم ذهَاب ذل كُله وَقَالَ ابْن وهب اخبرني يزِيد عَن ابْن شهَاب قَالَ بلغنَا عَن رجال من اهل الْعلم انهم كَانُوا يَقُولُونَ الِاعْتِصَام بِالسنةِ نجاة وَالْعلم يقبض قبضا سَرِيعا فنعش الْعلم ثبات الدّين وَالدُّنْيَا وَذَهَاب الْعلم ذهَاب ذَلِك كُله الْوَجْه الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعدالمائة ان الْعلم يرفع صَاحبه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَالا يرفعهُ الْملك وَلَا المَال وَلَا غَيرهمَا فالعلم يزِيد الشريف شرفا وَيرْفَع العَبْد الْمَمْلُوك حَتَّى يجلسه مجَالِس الْمُلُوك كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن ابي الطُّفَيْل ان نَافِع بن عبد الحارث اتى عمر بن الْخطاب بعسفان وَكَانَ عمر اسْتَعْملهُ على اهل مَكَّة فَقَالَ لَهُ عمر من اسْتخْلفت على اهل الْوَادي قَالَ اسْتخْلفت عَلَيْهِم ابْن ابزي فَقَالَ من ابْن ابزي فَقَالَ رجل من موالينا فَقَالَ عمر اسْتخْلفت عَلَيْهِم مولى فَقَالَ إِنَّه قَارِئ لكتاب الله عَالم بالفرائض فَقَالَ عمر اما أَن نَبِيكُم قد قَالَ إِن الله يرفع بِهَذَا الْكتاب اقواما وَيَضَع بِهِ آخَرين قَالَ ابو الْعَالِيَة كنت آتِي ابْن عَبَّاس وَهُوَ على سَرِيره وَحَوله قُرَيْش فَيَأْخُذ بيَدي فيجلسني مَعَه على السرير فتغامز بِي قُرَيْش فَفطن لَهُم ابْن عَبَّاس فَقَالَ كَذَا هَذَا الْعلم يزِيد الشريف شرفا وَيجْلس الْمَمْلُوك على الاسرة
стр. 164
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ كَانَ عَطاء ابْن ابي رَبَاح عبيدا اسود لامْرَأَة من مَكَّة وَكَانَ انفه كَأَنَّهُ بالاقة قَالَ وَجَاء سُلَيْمَان بن عبد الملك امير الْمُؤمنِينَ الى عَطاء هُوَ وابناه فجلسوا اليه وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمَّا صلى انْفَتَلَ اليهم فَمَا زَالُوا يسألونه عَن مَنَاسِك الْحَج وَقد حول قَفاهُ اليهم ثمَّ قَالَ سُلَيْمَان لابْنَيْهِ قوما فقاما فَقَالَ يَا بني تنيا فِي طلب الْعلم فَإِنِّي لَا انسى ذلنا بَين يَدي هَذَا العَبْد الاسود قَالَ الْحَرْبِيّ وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الا وقص عُنُقه دَاخل فِي بدنه وَكَانَ منكباه خَارِجين كَأَنَّهُمَا زجان فَقَالَت امهِ يَا بني لَا تكون فِي مجْلِس قوم الا كنت المضحوك مِنْهُ المسخور بِهِ فَعَلَيْك بِطَلَب الْعلم فَإِنَّهُ يرفعك فولى قَضَاء مَكَّة عشْرين سنة قَالَ وَكَانَ الْخصم إِذا جلس اليه بَين يَدَيْهِ يرعد حَتَّى يقوم قَالَ وَمَرَّتْ بِهِ امْرَأَة وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اعْتِقْ رقبتي من النَّار فَقَالَت لَهُ يَا ابْن اخي واي رَقَبَة لَك وَقَالَ يحيى ابْن اكثم قَالَ الرَّشِيدِيّ مَا انبل الْمَرَاتِب قلت مَا انت فِيهِ يَا امير الْمُؤمنِينَ قَالَ فتعرف اجل مني قلت لَا قَالَ لكني اعرفه رجل فِي حلقه يَقُول حَدثنَا فلَان عَن فلَان عَن رَسُول الله قَالَ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اهذا خير مِنْك وانت ابْن عَم رَسُول الله وَولي عهد الْمُؤمنِينَ قَالَ نعم وَيلك هَذَا خير مني لَان اسْمه مقترن باسم رَسُول الله لَا يَمُوت ابدا وَنحن نموت ونفني وَالْعُلَمَاء باقون مَا بَقِي الدَّهْر وَقَالَ خَيْثَمَة بن سُلَيْمَان سَمِعت ابي الخناجر يَقُول كُنَّا فِي مجْلِس ابْن هَارُون وَالنَّاس قد اجْتَمعُوا إِلَيْهِ فَمر امير الْمُؤمنِينَ فَوقف علينا فِي الْمجْلس وَفِي الْمجْلس الوف فَالْتَفت الى اصحابه وَقَالَ هَذَا الْملك وَفِي تَارِيخ بَغْدَاد للخطيب حَدثنِي ابو النجيب عبد الْغفار ابْن عبد الواحد قَالَ سَمِعت الْحسن بن عَليّ الْمقري يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن بن فَارس يَقُول سَمِعت الاستاذ ابْن العميد يَقُول مَا كنت اظن ان فِي الدُّنْيَا حلاوة الذ من الرياسة والوزارة الَّتِي انا فِيهَا حَتَّى شهِدت مذاكرة سُلَيْمَان ابْن ايوب بن احْمَد الطَّبَرَانِيّ وابي بكر الجعابي بحضرتي فَكَانَ الطَّبَرَانِيّ يغلب بِكَثْرَة حفظه وَكَانَ الجعابي يغلب الطَّبَرَانِيّ بفطنته وزكا اهل بَغْدَاد حَتَّى ارْتَفَعت اصواتهم وَلَا يكَاد احدهما يغلب صَاحبه فَقَالَ الجعابي عِنْدِي حَدِيث لَيْسَ فِي الدُّنْيَا الا عِنْدِي فَقَالَ هاته فَقَالَ حَدثنَا ابو خليف حَدثنَا سُلَيْمَان بن ايوب وَحدث بِالْحَدِيثِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيّ انبأنا سُلَيْمَان بن ايوب ومني سمع ابو خَليفَة فاسمع مني حَتَّى يَعْلُو اسنادك فَإنَّك تروي عَن ابي خَليفَة عني فَخَجِلَ الجعابي وغلبه الطَّبَرَانِيّ قَالَ ابْن العميد فوددت فِي مَكَاني ان الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي وَكنت الطَّبَرَانِيّ وفرحت مثل الْفَرح الَّذِي فَرح الطَّبَرَانِيّ لاجل الحَدِيث اَوْ كَمَا قَالَ وَقَالَ الْمُزنِيّ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول من تعلم الْقُرْآن عظمت قِيمَته وَمن نظر فِي الْفِقْه نبل مِقْدَاره وَمن تعلم اللُّغَة رق طبعه وَمن تعلم الْحساب جزل رَأْيه وَمن كتب الحَدِيث قويت حجَّته وَمن لم يصن نَفسه لم يَنْفَعهُ علمه وَقد روى هَذَا الْكَلَام عَن الشَّافِعِي من وُجُوه مُتعَدِّدَة وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ من ارادالدنيا والاخرة فَعَلَيهِ بِطَلَب الْعلم وَقَالَ عبد
стр. 165
الله بن دَاوُد سَمِعت سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول ان هَذَا الحَدِيث عز فَمن اراد بِهِ الدُّنْيَا وجدهَا وَمن اراد بِهِ الاخرة وجدهَا وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل من اراد ان يشرف فِي الدُّنْيَا والاخرة فليتعلم الْعلم وَكفى بِالْمَرْءِ سَعَادَة ان يوثق بِهِ فِي دين الله وَيكون بَين الله وَبَين عباده وَقَالَ حَمْزَة بن سعيد الْمصْرِيّ لما حدث ابو مُسلم اللَّخْمِيّ اول يَوْم حدث قَالَ لِابْنِهِ كم فضل عندنَا من اثمان غلاتنا قَالَ ثَلَاثمِائَة دِينَار قَالَ فرقها على اصحاب الحَدِيث والفقراء شكرا ان أَبَاك الْيَوْم شهد عَليّ رَسُول الله فَقبلت شَهَادَته وَفِي كتاب الجليس والانيس لأبي الْفرج الْمعَافي بن زَكَرِيَّاء الْجريرِي حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن دُرَيْد حَدثنَا ابو حَاتِم عَن الْعُتْبِي عَن ابيه قَالَ ابتنى مُعَاوِيَة بالابطح مَجْلِسا فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَمَعَهُ ابْنه قرظة فَإِذا هُوَ بِجَمَاعَة على رحال لَهُم وَإِذا شَاب مِنْهُم قد رفع عقيرته يتَغَنَّى:
من يساجلني يساجل مَا جدا ... يمْلَأ الدَّلْو الى عقد الكرب قَالَ من هَذَا قَالُوا عبد الله بن جَعْفَر قَالَ خلوا لَهُ الطَّرِيق ثمَّ إِذا هُوَ بِجَمَاعَة فيهم غُلَام يتَغَنَّى:
بَيْنَمَا يذكرنني ابصرتني ... عِنْد قيد الْميل يسْعَى بِي الاغر قُلْنَ تعرفن الْفَتى قُلْنَ نعم ... قد عَرفْنَاهُ وَهل يخفى الْقَمَر قَالَ من هَذَا قَالُوا عمر بن ابي ربيعَة قَالَ خلوا لَهُ الطَّرِيق فليذهب قَالَ ثمَّ اذا هوبجماعة وَإِذا فيهم رجل يسئل فَيُقَال لَهُ رميت قبل ان احْلق وحلقت قبل ان ارمي فِي اشياء اشكلت عَلَيْهِم من مَنَاسِك الْحَج فَقَالَ من هَذَا قَالُوا عبد الله بن عمر فَالْتَفت الى ابْنه قرظة وَقَالَ هَذَا وابيك الشّرف هَذَا وَالله شرف الدُّنْيَا والاخرة وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ارْفَعْ النَّاس منزلَة عِنْد الله من كَانَ بَين الله وَبَين عباده وهم الانبياء وَالْعُلَمَاء وَقَالَ سهل التسترِي من أَرَادَ ان ينظر الى مجَالِس الانبياء فَلْينْظر الى مجَالِس الْعلمَاء يَجِيء الرجل فَيَقُول يَا فلَان ايش تَقول فِي رجل حلف على امْرَأَته بِكَذَا وَكَذَا فَيَقُول طلقت امْرَأَته وَيَجِيء آخر فَيَقُول حَلَفت بِكَذَا وَكَذَا فَيَقُول لَيْسَ يَحْنَث بِهَذَا القَوْل وَلَيْسَ هَذَا الا لنَبِيّ اَوْ عَالم فاعرفوا لَهُم ذَلِك الْوَجْه التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعدالمائة ان النُّفُوس الجاهلة الَّتِي لاعلم عِنْدهَا قد البست ثوب الذل والازراء عَلَيْهَا والتنقص بهَا اسرع مِنْهُ الى غَيرهَا وَهَذَا امْر مَعْلُوم عِنْد الْخَاص وَالْعَام قَالَ الاعمش اني لارى الشَّيْخ لَا يرْوى شَيْئا من الحَدِيث فاشتهى ان الطمه وَقَالَ مُعَاوِيَة سَمِعت الاعمش يَقُول من لم يطْلب الحَدِيث اشْتهى ان أضعفه بنعليوقال هِشَام بن عَليّ سَمِعت الاعمش يَقُول إِذا رايت الشَّيْخ لم يقرا الْقُرْآن وَلم يكْتب الحَدِيث فاصفع لَهُ فَإِنَّهُ من شُيُوخ القمراء قَالَ ابو صَالح قلت لابي جَعْفَر مَا شُيُوخ القمراء قَالَ شُيُوخ دهريون يَجْتَمعُونَ فِي ليَالِي الْقَمَر يتذاكرون أَيَّام النَّاس وَلَا يحسن احدهم ان يتَوَضَّأ للصَّلَاة وَقَالَ الْمُزنِيّ كَانَ الشَّافِعِي إِذا رأى شَيخا سَأَلَهُ عَن الحَدِيث وَالْفِقْه فَإِن كَانَ عِنْده شَيْء وَإِلَّا قَالَ لَهُ لَا جَزَاك الله خيرا عَن نَفسك وَلَا عَن الاسلام قد
стр. 166
ضيعت نَفسك وضيعت الاسلام وَكَانَ بعض خلفاء بني الْعَبَّاس يلْعَب بالشطرنج فاستاذن عَلَيْهِ عَمه فاذن لَهُ وغطى الرقعة فَلَمَّا جلس قَالَ لَهُ يَا عَم هَل قَرَأت الْقُرْآن قَالَ قَالَ هَل كتبت شَيْئا من السّنة قَالَ لَا قَالَ فَهَل نظرت فِي الْفِقْه وَاخْتِلَاف النَّاس قَالَ لَا قَالَ فَهَل نظرت فِي الْعَرَبيَّة وايام النَّاس قَالَ لَا قَالَ فَقَالَ الْخَلِيفَة اكشف الرقعة ثمَّ اتم اللّعب وَزَالَ احتشامه وحياؤه مِنْهُ وَقَالَ لَهُ ملاعبه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تكشفها ومعنا من تحتشم مِنْهُ قَالَ اسْكُتْ فَمَا مَعنا اُحْدُ وَهَذَا لَان الانسان انما تميز عَن سائ الْحَيَوَانَات بِمَا خص بِهِ من الْعلم وَالْعقل والفهم فَإِذا عدم ذَلِك لم يبْق فِيهِ الا الْقدر الْمُشْتَرك بَينه وَبَين سَائِر الْحَيَوَانَات وَهِي الحيوانية البهيمية وَمثل هَذَا لَا يستحي مِنْهُ النَّاس وَلَا يمْنَعُونَ بِحَضْرَتِهِ وشهوده مِمَّا يستحيا مِنْهُ من اولى الْفضل وَالْعلم الْوَجْه الاربعون بعدالمائة ان كل صَاحب بضَاعَة سوى الْعلم إِذا علم ان غير بضاعته خير مِنْهَا زهد فِي بضاعته وَرغب فِي الاخرى وود انها لَهُ عوض بضاعته الا صَاحب بضَاعَة الْعلم فَإِنَّهُ لَيْسَ يحب ان لَهُ يحظه مِنْهَا حَظّ اصلا وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِذا رأى الشَّيْخ لم يكْتب الحَدِيث قَالَ لاجزاك الله عَن الاسلام خيرا قَالَ ابو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ كنت عِنْد احْمَد بن ابي عمرَان فَمر بِنَا رجل من بني الدُّنْيَا فَنَظَرت اليه وشغلت بِهِ عَمَّا كنت فِيهِ من المذاكرة فَقَالَ لي كَأَنِّي بك قد فَكرت فِيمَا اعطى هَذَا الرجل من الدُّنْيَا قلت لَهُ نعم قَالَ هَل ادلك على خلة هَل لَك ان يحول الله اليك مَا عِنْده من المَال ويحول اليه مَا عنْدك من الْعلم فتعيش انت غَنِيا جَاهِلا ويعيش هُوَ عَالما فَقِيرا فَقلت مَا اخْتَار ان يحول الله مَا عِنْدِي من الْعلم الى مَا عِنْده فالعلم غنى بِلَا مَال وَعز بِلَا عشيرة وسلطان بِلَا رجال وَفِي ذَلِك قيل:
الْعلم كنز وَذخر لَا نفاد لَهُ ... نعم القرين إِذا مَا صَاحب صحبا قد يجمع الْمَرْء مَالا ثمَّ يحرمه ... عَمَّا قَلِيل فَيلقى الذل والحربا وجامع الْعلم مغبوط بِهِ ابدا ... وَلَا يحاذر مِنْهُ الْفَوْت والسلبا يَا جَامع الْعلم نعم الذخر تجمعه ... لَا تعدلن بِهِ درا وَلَا ذَهَبا
الْوَجْه الْحَادِي والاربعون بعدالمائة ان الله سُبْحَانَهُ اخبر انه يجزى الْمُحْسِنِينَ اجرهم باحسن مَا كانواي يعْملُونَ وَاخْبَرْ سُبْحَانَهُ انه يجزى على الاحسان بِالْعلمِ وَهَذَا يدل على انه من احسن الْجَزَاء اما الْمقَام الاول فَفِي قَوْله تَعَالَى وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ اولئك هم المتقون لَهُم مَا يشاءون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم اسوا الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم اجرهم باحسن الَّذِي كانوايعملون وَهَذَا يتَنَاوَل الجزاءين الدنيوي والاخروي واما الْمقَام الثَّانِي فَفِي قَوْله تَعَالَى وَلما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ قَالَ الْحسن من احسن عبَادَة الله فِي شيبته لقاه الله الْحِكْمَة عِنْد كبر سنه وَذَلِكَ قَوْله وَلما بلغ اشده آتيناه
стр. 167
حكما وعلما وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ وَمن هَذَا قَالَ بعض الْعلمَاء تَقول الْحِكْمَة من التمسني فَلم يجدني فليعمل باحسن مَا يعلم وليترك اقبح مَا يعلم فَإِذا فعل ذَلِك فَإنَّا مَعَه وَإِن لم يعرفنِي الْوَجْه الثَّانِي والاربعون بعدالمائة ان الله سُبْحَانَهُ جعل الْعلم للقلوب كالمطر للارض فَكَمَا انه لَا حَيَاة للارض الا بالمطر فَكَذَلِك لَا حَيَاة للقلب الا بِالْعلمِ وَفِي الْمُوَطَّأ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ يَا بني جَالس الْعلمَاء وزاحمهم بركبتيك فان الله تَعَالَى يحيى الْقُلُوب الْميتَة بِنور الْحِكْمَة كَمَا يحيى الارض بوابل الْمَطَر وَلِهَذَا فَإِن الأرضإنا تحْتَاج الى الْمَطَر فِي بعض الاوقات فَإِذا تتَابع عَلَيْهَا احْتَاجَت الى انْقِطَاعه واما الْعلم فَيحْتَاج اليه بِعَدَد الانفاس ولاتزيده كثرته الا صلاحا ونفعا الْوَجْه الثَّالِث والاربعون بعد الْمِائَة ان كثيرا من الاخلاق الَّتِي لَا تحمد فِي الشَّخْص بل يذم عَلَيْهَا تحمد فِي طلب الْعلم كالملق وَترك الاستحياء والذل والتردد الى ابواب الْعلمَاء وَنَحْوهَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة جَاءَ فِي الحَدِيث لَيْسَ الملق من اخلاق الْمُؤمنِينَ الا فِي طلب الْعلم وَهَذَا اثر عَن بعض السّلف وَقَالَ ابْن عَبَّاس ذللت طَالبا فعززت مَطْلُوبا وَقَالَ وجدت عَامَّة علم رَسُول الله عِنْد هَذَا الْحَيّ من الانصار إِن كنت لاقيل عِنْد بَاب احدهم وَلَو شِئْت اذن لي وَلَكِن ابْتغى بذلك طيب نَفسه وَقَالَ ابو اسحاق قَالَ على كَلِمَات لَو رحلتم الْمطِي فِيهِنَّ لافنيتموهن قبل ان تدركوا مِثْلهنَّ لايرجون عبد الا ربه وَلَا يخافن الا ذَنبه وَلَا يستحيي من لاي علم ان يتَعَلَّم وَلَا يستحيي إِذا سُئِلَ عَمَّا لَا يعلم ان يَقُول لَا أعلم وَاعْلَمُوا ان منزلَة الصَّبْر من الايمان كمنزلة الراس من الْجَسَد فَإِذا ذهب الراس ذهب الْجَسَد وَإِذا ذهب الْبَصَر ذهب الايمان وَمن كَلَام بعض الْعلمَاء لاينال الْعلم مستحي وَلَا متكبر هَذَا يمنعهُ حياؤه من التَّعَلُّم وَهَذَا يمنعهُ كبره وَإِنَّمَا حمدت هَذِه الاخلاق فِي طلب الْعلم لانها طَرِيق الى تَحْصِيله فَكَانَت من كَمَال الرجل ومفضية الى كَمَاله وَمن كَلَام الْحسن من استتر عَن طلب الْعلم بِالْحَيَاءِ لبس للْجَهْل سرباله فَاقْطَعُوا سرابيل بِالْحَيَاءِ فانه من رُؤْيَة وَجهه رق علمه وَقَالَ الْخَلِيل منزلَة الْجَهْل بَين الْحيَاء والانفة وَمن كَلَام على رضى الله تَعَالَى عَنهُ قرنت الهيبة بالخيبة وَالْحيَاء بالحرمان وَقَالَ إِبْرَاهِيم لمنصور سل مَسْأَلَة الحمقى واحفظ حفظ الاكياس وَكَذَلِكَ سُؤال النَّاس هُوَ عيب وَنقص فِي الرجل وذلة تنَافِي الْمُرُوءَة الا فِي الْعلم فَإِنَّهُ عين كَمَاله ومروءته وعزه كَمَا قَالَ بعض اهل الْعلم خير خِصَال الرجل السُّؤَال عَن الْعلم وَقيل إِذا جَلَست الى عَالم فسل تفقها لاتعنتا وَقَالَ رية بن العجاج اتيت النسابة الْبكْرِيّ فَقَالَ من انت قلت انا ابْن العجاج قَالَ قصرت وَعرفت لَعَلَّك كقوم ان سكت لم يسلوني وان تَكَلَّمت لم يعوا عني قلت ارجو ان لَا اكون كَذَلِك قَالَ مَا اعداء الْمُرُوءَة قلت تُخبرنِي قَالَ بنوعم السوء ان رَأَوْا حسنا ستروه وَإِن رَأَوْا سَيِّئًا اذاعوه ثمَّ قَالَ إِن للْعلم آفَة ونكدا وهجنة فآفته
стр. 168
نسيانه ونكده الْكَذِب فِيهِ وهجنته نشره عندغير اهله وانشد ابْن الاعرابي:
مَا اقْربْ الاشياء حِين يَسُوقهَا ... قدرُوا بعْدهَا إِذا لم تقدر فسل الْفَقِيه تكن فَقِيها مثله ... من يسع فِي علم بذل يمهر فَتدبر الْعلم الَّذِي تفتى بِهِ ... لَا خير فِي علم بِغَيْر تدبر وَلَقَد يجد الْمَرْء وَهُوَ مقصر ... ويخيب جدالمرء غير مقصر ذهب الرِّجَال الْمُقْتَدِي بفعالهم ... والمنكرون لكل امْر مُنكر وَبقيت فِي خلف يزين بَعضهم ... بَعْضًا ليدفع معور عَن معور
وللعلم سِتّ مَرَاتِب اولها حسن السُّؤَال الثَّانِيَة حسن الانصات وَالِاسْتِمَاع الثَّالِثَة حسن الْفَهم الرَّابِعَة الْحِفْظ الْخَامِسَة التَّعْلِيم السَّادِسَة وَهِي ثَمَرَته وَهِي الْعَمَل بِهِ ومراعاة حُدُوده فَمن النَّاس من يحرمه لعدم حسن سُؤَاله أما لانه لَا يسال بِحَال اَوْ يسال عَن شَيْء وَغَيره اهم اليه مِنْهُ كمن يسْأَل عَن فضوله الَّتِي لَا يضر جَهله بهَا ويدع مَالا غنى لَهُ عَن مَعْرفَته وَهَذِه حَال كثير من الْجُهَّال المتعلمين وَمن النَّاس من يحرمه لسوء انصاته فَيكون الْكَلَام والممارات آثر عِنْده وَأحب اليه من الانصاب وَهَذِه آفَة كامنة فِي اكثر النُّفُوس الطالبة للْعلم وَهِي تمنعهم علما كثيرا وَلَو كَانَ حسن الْفَهم ذكر ابْن عبد البر عَن بعض السّلف انه قَالَ من كَانَ حسن الْفَهم رَدِيء الِاسْتِمَاع لم يقم خَيره بشره وَذكر عبد الله بن احْمَد فِي كتاب الْعِلَل لَهُ قَالَ كَانَ عُرْوَة بن الزبير يحب مماراة ابْن عَبَّاس فَكَانَ يخزن علمه عَنهُ وَكَانَ عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة يلطف لَهُ فِي السُّؤَال فيعزه بِالْعلمِ عزا وَقَالَ ابْن جريج لم أستخرج الْعلم الَّذِي استخرجت من عَطاء إِلَّا برفقي بِهِ وَقَالَ بعض السّلف إِذا جالست الْعَالم فَكُن على ان تسمع احرص مِنْك على ان تَقول وَقد قَالَ الله تَعَالَى إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب اَوْ القى السّمع وَهُوَ شَهِيد فَتَأمل مَا تَحت هَذِه الالفاظ من كنوز الْعلم وَكَيف تفتح مراعاتها للْعَبد ابواب الْعلم وَالْهدى وَكَيف ينغلق بَاب الْعلم عَنهُ من اهمالها وَعدم مراعاتها فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمر عباده ان يتدبروا آيَاته المتلوة المسموعة والمرئية المشهودة بِمَا تكون تذكرة لمن كَانَ لَهُ قلب فَإِن من عدم الْقلب الواعي عَن الله لم ينْتَفع بِكُل آيَة تمر عَلَيْهِ وَلَو مرت بِهِ كل آيَة ومرور الايات عَلَيْهِ كطلوع الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم ومرورها على من لَا بصر لَهُ فَإِذا كَانَ لَهُ قلب كَانَ بِمَنْزِلَة الْبَصِير إِذا مرت بِهِ المرئيات فَإِنَّهُ يَرَاهَا وَلَكِن صَاحب الْقلب لَا ينْتَفع بِقَلْبِه الا بأمرين احدهما ان يحضرهُ ويشهده لما يلقى اليه فَإِن كَانَ غَائِبا عَنهُ مُسَافِرًا فِي الاماني والشهوات والخيالات لَا ينْتَفع بِهِ فَإِذا احضره اشهده لم ينْتَفع الا بَان يلقى سَمعه ويصغى بكليته الى مايوعظ بِهِ ويرشد اليه وَهَا هُنَا ثَلَاثَة
стр. 169
امور احدها سَلامَة الْقلب وَصِحَّته وقبوله الثَّانِي احضاره وَجمعه وَمنعه من الشرود والتفرق الثَّالِث القاء السّمع وأصغاؤه والاقبال على الذّكر فَذكر الله تَعَالَى الامور الثَّلَاثَة فِي هَذِه الاية قَالَ ابْن عَطِيَّة الْقلب هُنَا عبارَة عَن الْعقل إِذْ هُوَ مَحَله وَالْمعْنَى لمن كَانَ لَهُ قلب واع ينْتَفع بِهِ قَالَ وَقَالَ الشبلي قلب حَاضر مَعَ الله لَا يغْفل عَنهُ طرفَة عين وَقَوله اَوْ القى السّمع وَهُوَ شَهِيد مَعْنَاهُ صرف سَمعه الى هَذِه الانباء الواعظة واثبته فِي سَمعه فَذَلِك القاء لَهُ عَلَيْهَا وَمِنْه قَوْله والقيت عَلَيْك محبَّة مني أَي اثبتها عَلَيْك وَقَوله وَهُوَ شَهِيد قَالَ بعض المتأولين مَعْنَاهُ وَهُوَ شَاهد مقبل على الامر غير معرض عَنهُ وَلَا مفكر فِي غير مَا يسمع قَالَ وَقَالَ قَتَادَة هِيَ إِشَارَة إِلَى اهل الْكتاب فَكَأَنَّهُ قَالَ ان هَذِه العبر لتذكرة لمن لَهُ فهم فَتدبر الْأَمر اَوْ لمن سَمعهَا من اهل الْكتاب فَشهد بِصِحَّتِهَا لعلمه بهَا من كِتَابه التَّوْرَاة وَسَائِر كتب بني اسرائيل قَالَ فشهيد على التَّأْوِيل الاول من الْمُشَاهدَة وعَلى التاويل الثَّانِي من الشَّهَادَة وَقَالَ الزّجاج معنى من كَانَ لَهُ قلب من شرف قلبه الى التفهم الا ترى ان قَوْله صم بكم عمي انهم لم يستمعوا اسْتِمَاع مستفهم مسترشد فَجعلُوا بِمَنْزِلَة من لم يسمع كَمَا قَالَ الشَّاعِر اصم عَمَّا سَاءَهُ سميع وَمعنى اَوْ القى السّمع اسْتمع وَلم يشغل قلبه بِغَيْر مَا يستمع وَالْعرب تَقول الق الى سَمعك أَي اسْتمع مني وَهُوَ شَهِيد أَي قلبه فِيمَا يسمع وَجَاء فِي التَّفْسِير انه يَعْنِي بِهِ اهل الْكتاب الَّذين عِنْدهم صفة النَّبِي فَالْمَعْنى اَوْ القى السّمع وَهُوَ شَهِيد اشاهد ان صفة النَّبِي فِي كِتَابه وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة عَن قَتَادَة وَذكر ان شَهِيدا فِيهِ بِمَعْنى شَاهد أَي مخبر وَقَالَ صَاحب الْكَشَّاف لمن كَانَ لَهُ قلب واع لَان من لَا يعي قلبه فَكَانهُ لَا قلب لَهُ والقاء السّمع والاصغاء وَهُوَ شَهِيد أَي حَاضر بفطنته لَان من لَا يحضر ذهنه فَكَأَنَّهُ غَائِب اَوْ هُوَ مُؤمن شَاهد على صِحَّته وانه وَحي من الله وَهُوَ بعض الشُّهَدَاء فِي قَوْله لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَعَن قَتَادَة وَهُوَ شَاهد على صدقه من اهل الْكتاب لوُجُود نَعته عِنْده فَلم يخْتَلف فِي ان المُرَاد بِالْقَلْبِ الْقلب الواعي وان المُرَاد بالقاء السّمع إصغاؤه وإقباله على الْمُذكر وتفريغ سَمعه لَهُ وَاخْتلف فِي الشَّهِيد على اربعة اقوال احدها انه من الْمُشَاهدَة وَهِي الْحُضُور وَهَذَا اصح الاقوال وَلَا يَلِيق بالاية غَيره الثَّانِي انه شَهِيد من الشَّهَادَة وَفِيه على هَذِه ثَلَاثَة اقوال احدها انه شَاهد على صِحَة مَا مَعَه من الايقان الثَّانِي انه شَاهد من الشُّهَدَاء على النَّاس يَوْم الْقِيَامَة الثَّالِث انه شَهَادَة من الله عِنْده على صِحَة نبوة رَسُول الله بِمَا علمه من الْكتب الْمنزلَة وَالصَّوَاب القَوْل الاول فَإِن قَوْله وَهُوَ شَهِيد جملَة حَالية وَالْوَاو فِيهَا وَاو الْحَال أَي القى السّمع فِي هَذِه الْحَال وَهَذَا يقتضى ان يكون حَال القائه السّمع شَهِيدا
стр. 170
وَهَذَا هُوَ من الْمُشَاهدَة والحضور وَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ الشَّهَادَة فِي الاخرة اَوْ الدُّنْيَا لما كَانَ لتقييدها بالقاء السّمع معنى اذ يصير الْكَلَام ان فِي ذَلِك لاية لمن كَانَ لَهُ قلب اَوْ القي السّمع حَال كَونه شَاهدا بِمَا مَعَه فِي التَّوْرَاة اَوْ حَال كَونه شَاهدا يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ريب ان هَذَا لَيْسَ هُوَ المُرَاد بالاية وايضا فالاية عَامَّة فِي كل من لَهُ قلب والقى السّمع فَكيف يدعى تخصيصها بمؤمني اهل الْكتاب الَّذين عِنْدهم شَهَادَة من كتبهمْ على صفة النَّبِي وَأَيْضًا فالسورة مَكِّيَّة وَالْخطاب فِيهَا لَا يجوز ان يخْتَص بِأَهْل الْكتاب وَلَا سِيمَا مثل هَذَا الْخطاب الَّذِي علق فِيهِ حُصُول مَضْمُون الاية ومقصودها بِالْقَلْبِ الواعي وإلقاء السّمع فَكيف يُقَال هِيَ فِي اهل الْكتاب فَإِن قيل الْمُخْتَص بهم قَوْله وَهُوَ شَهِيد فَهَذَا افسد وافسد لَان قَوْله وَهُوَ شَهِيد يرجع الضَّمِير فِيهِ الى جملَة من تقدم وَهُوَ من لَهُ قلب اَوْ القى السّمع فَكيف يدعى عوده الى شَيْء غَايَته ان يكون بعض الْمَذْكُور اولا وَلَا دلَالَة فِي اللَّفْظ عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَإِن الْمَشْهُود بِهِ مَحْذُوف وَلَا دلَالَة فِي اللَّفْظ عَلَيْهِ فَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ وَهُوَ شَاهد بِكَذَا لذكر الْمَشْهُود بِهِ إِذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يدل عَلَيْهِ وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا جعل من الشُّهُود وَهُوَ الْحُضُور فَإِنَّهُ لايقتضى مَفْعُولا مشهودا بِهِ ليتم الْكَلَام بِذكرِهِ وَحده وايضا فَإِن الاية تَضَمَّنت تقسيما وترديدا بَين قسمَيْنِ احدهما من كَانَ لَهُ قلب وَالثَّانِي من القى السّمع وَحضر بِقَلْبِه وَلم يغب فَهُوَ حَاضر الْقلب شَاهده لَا غائبه وَهَذَا وَالله اعْلَم سر الاتيان باو دون الْوَاو لِأَن المنتفع بالايات من النَّاس نَوْعَانِ احدهما ذُو الْقلب الواعي الزكي الَّذِي يَكْتَفِي بهدايته بِأَدْنَى تَنْبِيه وَلَا يحْتَاج الى ان يستجلب قلبه ويحضره ويجمعه من مَوَاضِع شتاته بل قلبه واع زكي قَابل للهدى غير معرض عَنهُ فَهَذَا لَا يحْتَاج الا الى وُصُول الْهدى اليه فَقَط لكَمَال استعداه وَصِحَّة فطرته فَإِذا جَاءَهُ الْهدى سارع قلبه الى قبُوله كانه كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ فَهُوَ قد أدْركهُ مُجملا ثمَّ جَاءَ الْهدى بتفصيل مَا شهد قلبه بِصِحَّتِهِ مُجملا وَهَذِه حَال أكمل الْخلق استجابة لدَعْوَة الرُّسُل كَمَا هِيَ حَال الصّديق الاكبر ﵁ وَالنَّوْع الثَّانِي من لَيْسَ لَهُ هَذَا الاستعداد وَالْقَبُول فَإِذا ورد عَلَيْهِ الْهدى اصغى اليه بسمعه واحضر قلبه وَجمع فكرته عَلَيْهِ وَعلم صِحَّته وَحسنه بنظره واستدلاله وَهَذِه طَريقَة اكثر المستجيبين وَلَهُم نوع ضرب الامثال وَإِقَامَة الْحجَج وَذكر المعارضات والاجوبة عَنْهَا والاولون هم الَّذين يدعونَ بالحكمة وَهَؤُلَاء يدعونَ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة فَهَؤُلَاءِ نوعا المستجيبين واما المعارضون المدعون للحق فنوعان نوع يدعونَ بالمجادلة بِالَّتِي هِيَ احسن فان اسْتَجَابُوا وَإِلَّا فالمجادلة فَهَؤُلَاءِ لَا بُد لَهُم من جِدَال اَوْ جلاد وَمن تَأمل دَعْوَة الْقُرْآن وجدهَا شَامِلَة لهَؤُلَاء الاقسام متناولة لَهَا كلهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ادْع الى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ احسن فَهَؤُلَاءِ المدعوون بالْكلَام واما اهل الجلاد فهم الَّذين امْر الله قِتَالهمْ حَتَّى لاتكون فتْنَة وَيكون الدّين كُله لله واما من فسر الاية
стр. 171
بِأَن المُرَاد بِمن كَانَ لَهُ قلب هُوَ المستغنى بفطرته عَن علم الْمنطق وَهُوَ الْمُؤَيد بِقُوَّة قدسية ينَال بهَا الْحَد الاوسط بِسُرْعَة فَهُوَ لكَمَال فطرته مستغن عَن مراعات اوضاع الْمنطق وَالْمرَاد بِمن القى السّمع وَهُوَ شَهِيد من لَيست لَهُ هَذِه الْقُوَّة فَهُوَ مُحْتَاج الى تعلم الْمنطق ليوجب لَهُ مراعاته وإصغاؤه اليه ان لَا يزِيغ فِي فكره وَفسّر قَوْله ادْع الى سَبِيل رَبك بالحكمة انها الْقيَاس البرهاني وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة الْقيَاس الْخطابِيّ وجادلهم بِالَّتِي هِيَ احسن الْقيَاس الجدلي فَهَذَا لَيْسَ من تفاسير الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا اُحْدُ من ائمة التَّفْسِير بل وَلَا من تفاسير الْمُسلمين وَهُوَ تَحْرِيف لكَلَام الله تَعَالَى وَحمل لَهُ على اصْطِلَاح المنطقية المبخوسة الْحَظ من الْعقل والايمان وَهَذَا من جنس تفاسير القرامطة والباطنية وغلاة الاسماعيلية لما يفسرونه من الْقُرْآن وينزلونه على مذاهبهم الْبَاطِلَة وَالْقُرْآن بَرِيء من ذَلِك كُله منزه عَن هَذِه الاباطيل والهذيانات وَقد ذكرنَا بطلَان مَا فسر بِهِ المنطقيون هَذِه الاية الَّتِي نَحن فِيهَا والاية الاخرى فِي مَوضِع آخر من وُجُوه مُتعَدِّدَة وَبينا بُطْلَانه عقلا وَشرعا ولغة وَعرفا وَأَنه يتعالى كَلَام الله عَن حمله على ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَالْمَقْصُود بَيَان حرمَان الْعلم من هَذِه الْوُجُوه السِّتَّة احدها ترك السُّؤَال الثَّانِي سوء الانصات وَعدم القاء السّمع الثَّالِث سوء الْفَهم الرَّابِع عدم الْحِفْظ الْخَامِس عدم نشره وتلعيمه فَإِن من خزن علمه وَلم ينشره وَلم يُعلمهُ ابتلاه الله بنسيانه وذهابه مِنْهُ جَزَاء من جنس عمله وَهَذَا أَمر يشْهد بِهِ الْحس والوجود السَّادِس عدم الْعَمَل بِهِ فَإِن الْعَمَل بِهِ يُوجب تذكره وتدبره ومراعاته وَالنَّظَر فِيهِ فَإِذا اهمل الْعَمَل بِهِ نَسيَه قَالَ بعض السّلف كُنَّا نستعين على حفظ الْعلم بِالْعَمَلِ بِهِ وَقَالَ بعض السّلف ايضا الْعلم يَهْتِف بِالْعَمَلِ فَإِن اجابه حل والا ارتحل فَالْعَمَل بِهِ من اعظم اسباب حفظه وثباته وَترك الْعَمَل بِهِ أضاعه لَهُ فَمَا استدر الْعلم وَلَا استجلب بِمثل الْعَمَل قَالَ الله تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ وَأما قَوْله تَعَالَى وَاتَّقوا الله ويعلمكم الله فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب بل هما جملتان مستقلتان طلبية وَهِي الامر بالتقوى وخبرية وَهِي قَوْله تَعَالَى ويعلمكم الله أَي وَالله يعلمكم مَا تَتَّقُون وَلَيْسَت جَوَابا لِلْأَمْرِ بالتقوى وَلَو أُرِيد بهَا الْجَزَاء لأتى بهَا مجزومة مُجَرّدَة عَن الْوَاو فَكَانَ يَقُول وَاتَّقوا الله يعلمكم اَوْ إِن تتقوه يعلمكم كَمَا قَالَ إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا فتدبره الْوَجْه الرَّابِع والاربعون بعد الْمِائَة ان الله سُبْحَانَهُ نفى التَّسْوِيَة بَين الْعَالم وَغَيره كَمَا نفى التَّسْوِيَة بَين الْخَبيث وَالطّيب وَبَين الاعمى والبصير وَبَين النُّور والظلمة وَبَين الظل والحرور وَبَين اصحاب الْجنَّة واصحاب النَّار وَبَين الابكم الْعَاجِز الَّذِي لَا يقدر على شَيْء وَمن يامر بِالْعَدْلِ وَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم وَبَين الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار وَبَين الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات والمفسدين فِي الارض وَبَين الْمُتَّقِينَ
стр. 172
والفجار فَهَذِهِ عشرَة مَوَاضِع فِي الْقُرْآن نفى فِيهَا التَّسْوِيَة بَين هَؤُلَاءِ الاصناف وَهَذَا يدل على ان منزلَة الْعَالم من الْجَاهِل كمنزلة النُّور من الظلمَة والظل من الحرور وَالطّيب من الْخَبيث ومنزلة كل وَاحِد من هَذِه الاصناف مَعَ مُقَابلَة وَهَذَا كَاف فِي شرف الْعلم وَأَهله بل إِذا تَأَمَّلت هَذِه الاصناف كلهَا وَوجدت نفي التَّسْوِيَة بَينهَا رَاجعا الى الْعلم وموجبه فِيهِ وَقع التَّفْضِيل وانتفت الْمُسَاوَاة الْوَجْه الْخَامِس والاربعون بعدالمائة ان سُلَيْمَان لما توعد الهدهد بِأَن يعذبه عذَابا شَدِيدا اَوْ يذبحه إِنَّمَا نجا مِنْهُ بِالْعلمِ واقدم عَلَيْهِ فِي خطابه لَهُ بقوله احطت بِمَا لم تحط بِهِ خَبرا وَهَذَا الْخطاب إِنَّمَا جرأه عَلَيْهِ الْعلم وَإِلَّا فالهدهد مَعَ ضعفه لَا يتَمَكَّن من خطابه لِسُلَيْمَان مَعَ قوته بِمثل هَذَا الْخطاب لَوْلَا سُلْطَان الْعلم وَمن هَذَا الْحِكَايَة الْمَشْهُورَة ان بعض اهل الْعلم سُئِلَ عَن مسالة فَقَالَ لَا اعلمها فَقَالَ اُحْدُ تلامذته انا اعْلَم هَذِه الْمَسْأَلَة فَغَضب الاستاذ وهم بِهِ فَقَالَ لَهُ ايها الاستاد لست اعْلَم من سُلَيْمَان بن دَاوُد وَلَو بلغت فِي الْعلم مَا بلغت وَلست انا اجهل من الهدهد وَقد قَالَ لِسُلَيْمَان احطت بِمَا لم تحط بِهِ فَلم يعتب عَلَيْهِ وَلم يعنفه الْوَجْه السَّادِس والاربعون بعدالمائة إِن من نَالَ شَيْئا من شرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِنَّمَا ناله بِالْعلمِ وتامل مَا حصل لادم من تميزه على الْمَلَائِكَة واعترافهم لَهُ بتعليم الله لَهُ الاسماء كلهَا ثمَّ مَا حصل لَهُ من تدارك الْمُصِيبَة والتعويض عَن سُكْنى الْجنَّة بِمَا هُوَ خير لَهُ مِنْهَا بِعلم الْكَلِمَات الَّتِي تلقاها من ربه وَمَا حصل ليوسف من التَّمْكِين فِي الارض والعزة وَالْعَظَمَة بِعِلْمِهِ بتعبير تِلْكَ الرُّؤْيَا ثمَّ علمه بِوُجُوه اسْتِخْرَاج اخيه من إخْوَته بِمَا يقرونَ بِهِ ويحكمون هم بِهِ حَتَّى ال الامر الى مَا آل اليه من الْعِزّ وَالْعَاقبَة الحميدة وَكَمَال الْحَال الَّتِي توصل اليها بِالْعلمِ كَمَا اشار اليها سُبْحَانَهُ فِي قَوْله كَذَلِك كدنا ليوسف مَا كَانَ ليَأْخُذ اخاه فِي دين الْملك إِلَّا ان يَشَاء الله نرفع دَرَجَات من نشَاء وَفَوق كل ذِي علم عليم جَاءَ فِي تَفْسِيرهَا نرفع دَرَجَات من نشَاء بِالْعلمِ كَمَا رفعنَا دَرَجَة يُوسُف على اخوته بِالْعلمِ وَقَالَ فِي إِبْرَاهِيم وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء فَهَذِهِ رفْعَة بِعلم الْحجَّة والاول رفْعَة بِعلم السياسة وَكَذَلِكَ مَا حصل للخضر بِسَبَب علمه من تلمذة كليم الرَّحْمَن لَهُ وتلطفه مَعَه فِي السُّؤَال حَتَّى قَالَ هَل اتبعك على ان تعلمن مِمَّا علمت رشدا وَكَذَلِكَ مَا حصل لِسُلَيْمَان من علم منطق الطير حَتَّى وصل الى ملك سبأ وقهر ملكتهم واحتوى على سَرِير ملكهَا ودخولها تَحت طَاعَته وَلذَلِك قَالَ يايها النَّاس علمنَا منطق الطير واوتينا من كل شَيْء إِن هَذَا لَهو الْفضل الْمُبين وَكَذَلِكَ مَا حصل لداود من علمه نسج الدروع من الْوِقَايَة من سلَاح الاعداء وَعدد سُبْحَانَهُ هَذِه النِّعْمَة بِهَذَا الْعلم على عباده فَقَالَ وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فَهَل انتم شاكرون وَكَذَلِكَ مَا حصل للمسيح من علم الْكتاب وَالْحكمَة والتوراة والانجيل مَا رَفعه الله
стр. 173
بِهِ اليه وفضله وَكَرمه وَكَذَلِكَ مَا حصل لسَيِّد ولد آدم من الْعلم الَّذِي ذكره الله بِهِ نعْمَة عَلَيْهِ فَقَالَ وَانْزِلْ الله عَلَيْك الْكتاب وَالْحكمَة وعلمك مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما الْوَجْه السَّابِع والاربعون بعدالمائة ان الله سُبْحَانَهُ اثنى على إِبْرَاهِيم خَلِيله بقوله تَعَالَى إِن إِبْرَاهِيم كَانَ امة قَانِتًا لله حَنِيفا وَلم يَك من الْمُشْركين شاكرا لأنعمه اجتباه فَهَذِهِ ارْبَعْ انواع من الثَّنَاء افتتحها بِأَنَّهُ امة والامة هُوَ الْقدْوَة الَّذِي يؤتم بِهِ قَالَ ابْن مَسْعُود والامة الْمعلم للخير وَهِي فعلة من الائتمام كقدوة وَهُوَ الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ وَالْفرق بَين الامة والامام من وَجْهَيْن احدهما ان الامام كل مَا يؤتم بِهِ سَوَاء كَانَ بِقَصْدِهِ وشعوره اولا وَمِنْه سمى الطَّرِيق إِمَامًا كَقَوْلِه تَعَالَى وَإِن كَانَ اصحاب الايكة لظالمين فانتقمنا مِنْهُم وإنهما لبإمام مُبين أَي بطرِيق وَاضح لَا يخفى على السالك وَلَا يُسمى الطَّرِيق امة الثَّانِي ان الامة فِيهِ زِيَادَة معنى وَهُوَ الَّذِي جمع صِفَات الْكَمَال من الْعلم وَالْعَمَل بِحَيْثُ بَقِي فِيهَا فَردا وَحده فَهُوَ الْجَامِع لخصال تَفَرَّقت فِي غَيره فَكَأَنَّهُ باين غَيره باجتماعها فِيهِ وتفرقها اَوْ عدمهَا فِي غَيره وَلَفظ الامة يشْعر بِهَذَا الْمَعْنى لما فِيهِ من الْمِيم المضعفة الدَّالَّة على الضَّم بمخرجها وتكريرها وَكَذَلِكَ ضم اوله فَإِن الضمة من الْوَاو ومخرجها يَنْضَم عِنْد النُّطْق بهَا وأتى بِالتَّاءِ الدَّالَّة على الْوحدَة كالغرفة واللقمة وَمِنْه الحَدِيث إِن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أمة وَحده فالضم والاجتماع لَازم لِمَعْنى الامة وَمِنْه سميت الامة الَّتِي هِيَ آحَاد الامم لانهم النَّاس المجتمعون على دين وَاحِد اَوْ فِي عصر وَاحِد الثَّانِي قَوْله قَانِتًا لله قَالَ ابْن مَسْعُود القانت الْمُطِيع والقنوت يُفَسر باشياء كلهَا ترجع الى دوَام الطَّاعَة الثَّالِث قَوْله حَنِيفا والحنيف الْمقبل على الله وَيلْزم هَذَا الْمَعْنى ميله عَمَّا سواهُ فالميل لَازم معنى الحنيف لَا انه مَوْضُوعه لُغَة الرَّابِع قَوْله شاكرا لانعمه وَالشُّكْر للنعم مَبْنِيّ على ثَلَاثَة اركان الاقرار بِالنعْمَةِ وإضافتها الى الْمُنعم بهَا وصرفها فِي مرضاته وَالْعَمَل فِيهَا بِمَا يجب فَلَا يكون العَبْد شَاعِرًا إِلَّا بِهَذِهِ الاشياء الثَّلَاثَة وَالْمَقْصُود انه مدح خَلِيله باربع صِفَات كلهَا ترجع الى الْعلم وَالْعَمَل بِمُوجبِه وتعليمه ونشره فَعَاد الْكَمَال كُله الى الْعلم وَالْعَمَل بِمُوجبِه ودعوة الْخلق اليه الْوَجْه الثَّامِن والاربعون بعدالمائة قَوْله سُبْحَانَهُ عَن الْمَسِيح انه قَالَ اني عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا اينما كنت قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة جعلني مُبَارَكًا اينما كنت قَالَ معلما للخير وَهَذَا يدل على ان تَعْلِيم الرجل الْخَيْر هُوَ الْبركَة الَّتِي جعلهَا الله فِيهِ فَإِن الْبركَة حُصُول الْخَيْر ونماؤه ودوامه وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ إِلَّا فِي الْعلم الْمَوْرُوث عَن الانبياء وتعليمه وَلِهَذَا سمى سُبْحَانَهُ كِتَابه مُبَارَكًا كَمَا قَالَ تَعَالَى وَهَذَا ذكر مبارك انزلناه ﴿وَقَالَ﴾ كتاب انزلناه اليك مبارك وَوصف رَسُوله بِأَنَّهُ مبارك كَمَا فِي قَول الْمَسِيح وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا اينما كنت فبركة كِتَابه وَرَسُوله هِيَ سَبَب مَا يحصل بهما من الْعلم وَالْهدى والدعوة الى الله الْوَجْه التَّاسِع والاربعون
стр. 174
بعد الْمِائَة مَا فِي الصَّحِيح عَن ابي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي انه قَالَ إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله الا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة اَوْ علم ينْتَفع بِهِ اَوْ ولد صَالح يَدْعُو لَهُ رَوَاهُ مُسلم فِي الصَّحِيح وَهَذَا من اعظم الادلة على شرف الْعلم وفضله وَعظم ثَمَرَته فَإِن ثَوَابه يصل الى الرجل بعد مَوته مَا دَامَ ينْتَفع بِهِ فَكَأَنَّهُ حَيّ لم يَنْقَطِع عمله مَعَ مَاله من حَيَاة الذّكر وَالثنَاء فجريان اجره عَلَيْهِ إِذا انْقَطع عَن النَّاس ثَوَاب اعمالهم حَيَاة ثَانِيَة وَخص النَّبِي هَذِه الاشياء الثَّلَاثَة بوصول الثَّوَاب الى الْمَيِّت لانه سَبَب لحصولها وَالْعَبْد إِذا بَاشر السَّبَب الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ الامر وَالنَّهْي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مسببه وَإِن كَانَ خَارِجا عَن سَعْيه وَكَسبه فَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَب فِي حُصُول هَذَا الْوَلَد الصَّالح وَالصَّدَََقَة الْجَارِيَة وَالْعلم النافع جرى عَلَيْهِ ثَوَابه واجره لتسببه فِيهِ فَالْعَبْد إِنَّمَا يُثَاب على مَا بَاشرهُ اَوْ على مَا تولد مِنْهُ وَقد ذكر تَعَالَى هذَيْن الاصلين فِي كِتَابه فِي سُورَة بَرَاءَة فَقَالَ ذَلِك بانهم لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب وَلَا مَخْمَصَة فِي سَبِيل الله وَلَا يطئون موطئا بغيظ الْكفَّار وَلَا ينالون من عَدو نيلا الا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِن الله لَا يضيع اجْرِ المسحنين فَهَذِهِ الامور كلهَا متولدات عَن افعالهم غير مقدوره لَهُم وَإِنَّمَا الْمَقْدُور لَهُم اسبابها الَّتِي باشروها ثمَّ قَالَ وَلَا ينتفقون نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يقطعون وَاديا الا كتب لَهُم لِيَجْزِيَهُم الله احسن مَا كَانُوا يعْملُونَ فالنفقة وَقطع الْوَادي افعال مقدورة لَهُم وَقَالَ فِي الْقسم الاول كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِلَّا ان الْمُتَوَلد حَاصِل عَن شَيْئَيْنِ افعالهم وَغَيرهَا فَلَيْسَتْ افعالهم سَببا مُسْتقِلّا فِي حُصُول الْمُتَوَلد بل هِيَ جُزْء من اجزاء السَّبَب فَيكْتب لَهُم من ذَلِك مَا كَانَ مُقَابلا لافعالهم وايضا فَإِن الظمأ وَالنّصب وغيظ الْعَدو لَيْسَ من أفعالهم فَلَا يكْتب لَهُم نَفسه وَلَكِن لما تولد عَن افعالهم كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح واما الْقسم الاخر وَهُوَ الافعال المقدورة نَفسهَا كالانفاق وَقطع الْوَادي فَهُوَ عمل صَالح فَيكْتب لَهُم نَفسه إِذْ هُوَ مَقْدُور لَهُم حَاصِل بارادتهم وقدرتهم فَعَاد الثَّوَاب الى الافعال المقدورة والمتولد عَنْهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْوَجْه الْخَمْسُونَ بعدالمائة مَا ذكره ابْن عبد البر عَن عبد الله بن دَاوُد قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة عزل الله ﵎ الْعلمَاء عَن الْحساب فَيَقُول ادخُلُوا الْجنَّة على مَا كَانَ فِيكُم إِنِّي لم اجْعَل علمي فِيكُم الا لخير اردته بكم قَالَ ابْن عبد البر وَزَاد غَيره فِي هَذَا الْخَبَر أَن الله يحبس الْعلمَاء يَوْم الْقِيَامَة فِي زمرة وَاحِدَة حَتَّى يقْضِي بَين النَّاس وَيدخل أهل الْجنَّة الْجنَّة واهل النَّار النَّار ثمَّ يَدْعُو الْعلمَاء فَيَقُول يَا معشر الْعلمَاء أَنِّي لم اضع حكمتي فِيكُم وانا اريد ان اعذبكم قد علمت انكم تخلطون من الْمعاصِي مَا يخلط غَيْركُمْ فسترتها عَلَيْكُم وغفرتها لكم وَإِنَّمَا كنت اعبد بفتياكم وتعليمكم عبَادي ادخُلُوا الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب ثمَّ قَالَ لَا معطي لما منع وَلَا مَانع لما اعطى قَالَ وروى نَحْو هَذَا
стр. 175
الْمَعْنى باسناد مُتَّصِل مَرْفُوع وَقد روى حَرْب الْكرْمَانِي فِي مسَائِله نَحوه مَرْفُوعا وَقَالَ إِبْرَاهِيم بَلغنِي انه إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة تُوضَع حَسَنَات الرجل فِي كَفه وسئياته فِي الكفة الْأُخْرَى فتشيل حَسَنَاته فَإِذا يئس فَظن انها النَّار جَاءَ شَيْء مثل السَّحَاب حَتَّى يَقع من حَسَنَاته فتشيل سيئاته قَالَ فَيُقَال لَهُ اتعرف هَذَا من عَمَلك فَيَقُول لَا فَيُقَال هَذَا مَا علمت النَّاس من الْخَيْر فَعمل بِهِ من بعْدك فَإِن قيل فقواعدالشرع تَقْتَضِي ان يسامح الْجَاهِل بِمَا لَا يسامح بِهِ الْعَالم وانه يغْفر لَهُ مَالا يغْفر للْعَالم فَإِن حجَّة الله عَلَيْهِ اقوم مِنْهَا على الْجَاهِل وَعلمه بقبح الْمعْصِيَة وبغض الله لَهَا وعقوبته عَلَيْهَا اعظم من علم الْجَاهِل ونعمة الله عَلَيْهِ بِمَا اودعه من الْعلم اعظم من نعْمَته على الْجَاهِل وَقد دلّت الشَّرِيعَة وَحكم الله على ان من حبي بالانعام وَخص بِالْفَضْلِ والاكرام ثمَّ اسام نَفسه مَعَ ميل الشَّهَوَات فارتعها فِي مراتع الهلكات وتجرأ على انتهاك الحرمات واستخف بالتبعات والسيئات انه يُقَابل من الانتقام والعتب بِمَا لَا يُقَابل بِهِ من لَيْسَ فِي مرتبته وعَلى هَذَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا وَلِهَذَا كَانَ حد الْحر ضعف حدالعبد فِي الزِّنَا وَالْقَذْف وَشرب الْخمر لكَمَال النِّعْمَة على الْحر وَمِمَّا يدل على هَذَا الحَدِيث الْمَشْهُور الَّذِي اثبته ابو نعيم وَغَيره عَن النَّبِي انه قَالَ اشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ قَالَ بعض السّلف يغْفر للجاهل سَبْعُونَ ذَنبا قبل ان يغْفر للْعَالم ذَنْب وَقَالَ بَعضهم ايضا إِن الله يعافي الْجُهَّال مَالا يعا ٤ فِي لللعماء الْجَواب ان هَذَا الَّذِي ذكرتموه حق لَا ريب فِيهِ وَلَكِن من قواعدالشرع وَالْحكمَة ايضا ان من كثرت حَسَنَاته وعظمت وَكَانَ لَهُ فِي الاسلام تَأْثِير ظَاهر فَإِنَّهُ يحْتَمل لَهُ مَالا يحْتَمل لغيره ويعفي عَنهُ مَالا يعفي عَن غَيره فَإِن الْمعْصِيَة خبث وَالْمَاء إِذا بلغ قُلَّتَيْنِ لم يحمل الْخبث بِخِلَاف المَاء الْقَلِيل فَإِنَّهُ لَا يحمل ادنى خبث وَمن هَذَا قَول النَّبِي لعمر وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع على اهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَهَذَا هُوَ الْمَانِع لَهُ من قتل من حس عَلَيْهِ وعَلى الْمُسلمين وارتكب مثل ذَلِك الذَّنب الْعَظِيم فَأخْبر انه شهد بَدْرًا فَدلَّ على ان مُقْتَضى عُقُوبَته قَائِم لَكِن منع من ترَتّب اثره عَلَيْهِ مَاله من المشهد الْعَظِيم فَوَقَعت تِلْكَ السقطة الْعَظِيمَة مغتفرة فِي جنب مَاله من الْحَسَنَات وَلما حض النَّبِي على الصَّدَقَة فَأخْرج عُثْمَان رضى الله عَنهُ تِلْكَ الصَّدَقَة الْعَظِيمَة قَالَ ماضر عُثْمَان مَا عمل بعْدهَا وَقَالَ لطلْحَة لما تطاطأ للنَّبِي حَتَّى صعد على ظَهره الى الصَّخْرَة اوجب طَلْحَة وَهَذَا مُوسَى كلم الرَّحْمَن القى الالواح الَّتِي فِيهَا كَلَام الله الَّذِي كتبه لَهُ القاها على الارض حَتَّى تَكَسَّرَتْ وَلَطم عين ملك الْمَوْت ففقأها وعاتب ربه لَيْلَة الاسراء فِي النَّبِي وَقَالَ شَاب بعث بعدِي يدْخل الْجنَّة من امته اكثر مِمَّا يدخلهَا من امتي واخذ بلحية
стр. 176
هَارُون وجره اليه وَهُوَ نَبِي الله وكل هَذَا لم ينقص من قدرَة شَيْئا عِنْد ربه وربه تَعَالَى يُكرمهُ وَيُحِبهُ فَإِن الامر الَّذِي قَامَ بِهِ مُوسَى والعدو الَّذِي برز لَهُ وَالصَّبْر الَّذِي صبره والاذى الَّذِي اوذيه فِي الله امْر لَا تُؤثر فِيهِ امثال هَذِه الامور وَلَا تغير فِي وَجهه وَلَا تخْفض مَنْزِلَته وَهَذَا امْر مَعْلُوم عِنْد النَّاس مُسْتَقر فِي فطرهم ان من لَهُ الوف من الْحَسَنَات فَإِنَّهُ يسامح بِالسَّيِّئَةِ والسيئتين وَنَحْوهَا حَتَّى انه ليختلج دَاعِي عُقُوبَته على إساءته وداعي شكره على إحسانه فيغلب دَاعِي الشُّكْر لداعي الْعقُوبَة كَمَا قيل:
وَإِذا الجيب اتى بذنب وَاحِد ... جَاءَت محاسنه بِأَلف شَفِيع وَقَالَ آخر:
فَإِن يكن الْفِعْل الَّذِي سَاءَ وَاحِدًا ... فافعاله اللَّاتِي سررن كثير وَالله سُبْحَانَهُ يوازن يَوْم الْقِيَامَة بَين حَسَنَات العَبْد وسيئاته فايهما غلب كَانَ التَّأْثِير لَهُ فيفعل بَاهل الْحَسَنَات الْكَثِيرَة وَالَّذين آثروا محابه ومراضيه وغلبتهم دواعي طبعهم احيانا من الْعَفو والمسامحة مَالا يَفْعَله مَعَ غَيرهم وايضا فان الْعَالم إِذا زل فَإِنَّهُ يحسن اسراع الْفَيْئَة وتدارك الفارط ومداواة الْجرْح فَهُوَ كالطبيب الحاذق الْبَصِير بِالْمرضِ وأسبابه وعلاجه فَإِن زَوَاله على يَده اسرع من زَوَاله على يَد الْجَاهِل وَأَيْضًا فَإِن مَعَه من مَعْرفَته بِأَمْر الله وتصديقه بوعده ووعيده وخشيته مِنْهُ ازرائه على نَفسه بارتكابه وإيمانه بِأَن الله حرمه وان لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ الى غير ذَلِك من الامور المحبوبة للرب مَا يغمر الذَّنب ويضعف اقتضائه ويزيل اثره بِخِلَاف الْجَاهِل بذلك اَوْ اكثره فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَه الا ظلمَة الْخَطِيئَة وقبحها واثارها المردية فَلَا يستوى هَذَا وَهَذَا وَهَذَا فصل الْخطاب فِي هَذَا الْموضع وَبِه يتَبَيَّن ان الامرين حق وانه لَا مُنَافَاة بَينهمَا وان كل وَاحِد من الْعَالم وَالْجَاهِل إِنَّمَا زَاد قبح الذَّنب مِنْهُ عى الاخر بِسَبَب جَهله وتجرد خطيئته عَمَّا يقاومها ويضعف تاثيرها ويزيل اثرها فَعَاد الْقبْح فِي الْمَوْضِعَيْنِ الى الْجَهْل وَمَا يستلزمه وقلته وَضَعفه الى الْعلم وَمَا يستلزمه وَهَذَا دَلِيل ظَاهر على شرف الْعلم وفضله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْوَجْه الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعدالمائة ان الْعَالم مشتغل بِالْعلمِ والتعليم لَا يزَال فِي عبَادَة فَنَفْس تعلمه وتعليمه عبَادَة قَالَ ابْن مَسْعُود لايزال الْفَقِيه يصلى قَالُوا وَكَيف يصلى قَالَ ذكر الله على قلبه وَلسَانه ذكره ابْن عبد البر وَفِي حَدِيث معَاذ مَرْفُوعا وموقوفا تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله حَسَنَة وَطَلَبه عبَادَة ومذاكرته تَسْبِيح وقدتقدم وَالصَّوَاب انه مَوْقُوف وَذكر ابْن عبد البر عَن معَاذ مَرْفُوعا لَان تَغْدُو فَتَتَعَلَّمُ بَابا من ابواب الْعلم خير لَك من ان تصلي مائَة رَكْعَة وَهَذَا لَا يثبت رَفعه وَقَالَ ابْن وهب كنت عِنْد مَالك بن انس فحانت صَلَاة الظّهْر اَوْ الْعَصْر وانا اقْرَأ عَلَيْهِ وَانْظُر فِي الْعلم بَين يَدَيْهِ فَجمعت كتبي وَقمت لاركع فَقَالَ لي مَالك مَا هَذَا فَقلت اقوم الى الصَّلَاة فَقَالَ ان هَذَا لعجب مَا الَّذِي قُمْت اليه افضل من الَّذِي كنت فِيهِ إِذا صحت فِيهِ النِّيَّة وَقَالَ الرّبيع سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول طلب الْعلم افضل من الصَّلَاة النَّافِلَة وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ
стр. 177
مَا من عمل افضل من طلب الْعلم إِذا صحت فِيهِ النِّيَّة وَقَالَ رجل للمعافي بن عمرَان ايما احب اللَّيْل اقوم اصلي اليك كُله اَوْ اكْتُبْ الحَدِيث فَقَالَ حَدِيث تكتبه احب الي من قيامك من اول اللَّيْل إِلَى آخِره وَقَالَ ايضا كِتَابَة حَدِيث وَاحِد احب الي من قيام لَيْلَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس تَذَاكر الْعلم بعض لَيْلَة احب الي من إحيائها وَفِي مسَائِل اسحاق بن مَنْصُور قلت لاحمد بن حَنْبَل قَوْله تَذَاكر الْعلم بعض لَيْلَة احب الي من إحيائها أَي علم اراد قَالَ هُوَ الْعلم الَّذِي ينْتَفع بِهِ النَّاس فِي أَمر دينهم قلت فِي الْوضُوء وَالصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالطَّلَاق وَنَحْو هَذَا قَالَ نعم قَالَ اسحاق وَقَالَ لي اسحاق بن رَاهَوَيْه هُوَ كَمَا قَالَ احْمَد وَقَالَ ابو هُرَيْرَة لَان اجْلِسْ سَاعَة فاتفقه فِي ديني احب الي من احياء لَيْلَة الى الصَّباح وَذكر ابْن عبد البر من حَدِيث ابي هُرَيْرَة يرفعهُ لكل شَيْء عماد وعماد هَذَا الدّين الْفِقْه وَمَا عبد الله بِشَيْء افضل من فقه فِي الدّين الحَدِيث وَقد تقدم وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الباقر عَالم ينْتَفع بِعِلْمِهِ افضل من الف عَابِد وَقَالَ ايضا رِوَايَة الحَدِيث وبثه فِي النَّاس افضل من عبَادَة الف عَابِد وَلما كَانَ طلب الْعلم والبحث عَنهُ وكتابته والتفتيش عَلَيْهِ من عمل الْقلب والجوارح كَانَ من افضل الاعمال ومنزلته من عمل الْجَوَارِح كمنزله اعمال الْقلب من الاخلاص والتوكل والمحنة والانابة والخشية وَالرِّضَا وَنَحْوهَا من الاعمال الظَّاهِرَة فَإِن قيل فالعلم إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَة الى الْعَمَل وَمُرَاد لَهُ وَالْعَمَل هُوَ الْغَايَة وَمَعْلُوم ان الْغَايَة اشرف من الْوَسِيلَة فَكيف تفضل الْوَسَائِل على غاياتها قيل كل من الْعلم وَالْعَمَل يَنْقَسِم قسمَيْنِ مِنْهُ مَا يكون وَسِيلَة وَمِنْه مَا يكون غَايَة فَلَيْسَ الْعلم كُله وَسِيلَة مُرَادة لغَيْرهَا فَإِن الْعلم بِاللَّه واسمائه وَصِفَاته هُوَ اشرف الْعُلُوم على الاطلاق وَهُوَ مَطْلُوب لنَفسِهِ مُرَاد لذاته قَالَ الله تَعَالَى الله الَّذِي خلق سبع سموات وَمن الارض مِثْلهنَّ يتنزل الامر بَينهُنَّ لِتَعْلَمُوا ان الله على كل شَيْء قدير وان الله قد احاط بِكُل شَيْء علما فقد اخبر سُبْحَانَهُ انه خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَنزل الامر بَينهُنَّ ليعلم عباده انه بِكُل شَيْء عليم وعَلى كل شَيْء قدير فَهَذَا الْعلم هُوَ غَايَة الْخلق الْمَطْلُوبَة وَقَالَ تَعَالَى فَاعْلَم انه لَا اله الا الله فالعلم بوحدانيته تَعَالَى وَأَنه لَا إِلَه الا هُوَ مَطْلُوب لذاته وان كَانَ لَا يكْتَفى بِهِ وَحده بل لَا بُد مَعَه من عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ فهما امران مطلوبان لانفسهما ان يعرف الرب تَعَالَى باسمائه وَصِفَاته وأفعاله واحكامه وان يعبد بموجبها ومقتضاها فَكَمَا ان عِبَادَته مَطْلُوبَة مُرَادة لذاتها فَكَذَلِك الْعلم بِهِ ومرفته وايضا فَإِن الْعلم من افضل انواع الْعِبَادَات كَمَا تقدم تَقْرِيره فَهُوَ مُتَضَمّن للغاية الْوَسِيلَة وقولكم ان الْعَمَل غَايَة اما ان تريدوا بِهِ الْعَمَل الَّذِي يدْخل فِيهِ عمل الْقلب والجوارح اَوْ الْعَمَل الْمُخْتَص بالجوارح فَقَط فَإِن اريد الاول فَهُوَ حق وَهُوَ يدل على ان الْعلم غَايَة مَطْلُوبَة لانه من اعمال الْقلب كَمَا تقدم وان اريد بِهِ الثَّانِي وَهُوَ عمل الْجَوَارِح فَقَط فَلَيْسَ بِصَحِيح فَإِن اعمال الْقُلُوب مَقْصُودَة
стр. 178
وَمرَاده لذاتها بل فِي الْحَقِيقَة اعمال الْجَوَارِح وَسِيلَة مُرَادة لغَيْرهَا فَإِن الثَّوَاب وَالْعِقَاب والمدح والذم وتوابعها هُوَ للقلب اصلا وللجوارح تبعا وَكَذَلِكَ الاعمال الْمَقْصُودَة بهَا اولا صَلَاح الْقلب واستقامته وعبوديته لرَبه ومليكه وَجعلت اعمال الْجَوَارِح تَابِعَة لهَذَا الْمَقْصُود مُرَادة وان كَانَ كثير مِنْهَا مرَادا لاجل الْمصلحَة المترتبة عَلَيْهِ فَمن اجلها صَلَاح الْقلب وزكاه وطهارته واستقامته فَعلم ان الاعمال مِنْهَا غَايَة وَمِنْهَا وَسِيلَة وان الْعلم كَذَلِك وايضا فالعلم الَّذِي هُوَ وَسِيلَة الى الْعَمَل فَقَط إِذا تجرد عَن الْعَمَل لم ينْتَفع بِهِ صَاحبه فَالْعَمَل اشرف مِنْهُ وَأما الْعلم الْمَقْصُود الَّذِي تنشأ ثَمَرَته الْمَطْلُوبَة مِنْهُ من نَفسه فَهَذَا لَا يُقَال ان الْعَمَل الْمُجَرّد اشرف مِنْهُ فَكيف يكون مُجَرّد الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة افضل من الْعلم بِاللَّه واسمائه وَصِفَاته وَأَحْكَامه فِي خلقه وامره وَمن الْعلم بأعمال الْقُلُوب وآفات النُّفُوس والطرق الَّتِي تفْسد الاعمال وتمنع وصولها من الْقلب الى الله والمسافات الَّتِي بَين الاعمال وَالْقلب وَبَين الْقلب والرب تَعَالَى وَبِمَا تقطع تِلْكَ المسافات الى غير ذَلِك من علم الايمان وَمَا يقويه وَمَا يُضعفهُ فَكيف يُقَال ان مُجَرّد التَّعَبُّد الظَّاهِر بالجوارح افضل من هَذَا الْعلم بل من قَامَ بالامرين فَهُوَ اكمل وَإِذا كَانَ فِي احدهما فضل ففضل هَذَا الْعلم خير من فضل الْعِبَادَة فاذ كَانَ فِي العَبْد فضلَة عَن الْوَاجِب كَانَ صرفهَا الى الْعلم الْمَوْرُوث عَن الانبياء افضل من صرفهَا الى مُجَرّد الْعِبَادَة فَهَذَا فصل الْخطاب فِي هَذِه المسئلة وَالله اعْلَم الْوَجْه الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعدالمائة مَا رَوَاهُ الامام احْمَد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابي كَبْشَة الانماري قَالَ قَالَ رَسُول الله انما الدُّنْيَا لأربعة نفر عبد رزقه الله مَالا وعلما فَهُوَ يَتَّقِي فِي مَاله ربه ويصل فِيهِ رَحمَه وَيعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا باحسن الْمنَازل عِنْد الله وَرجل آتَاهُ الله علما وَلم يؤته مَالا فَهُوَ يَقُول لَو ان لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته وهما فِي الاجر سَوَاء وَرجل آتَاهُ الله مَالا وَلم يؤته علما فَهُوَ يخبط فِي مَاله وَلَا يَتَّقِي فِيهِ ربه وَلَا يصل فِي رَحمَه وَلَا يعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا بأسوا الْمنَازل عِنْد الله وَرجل لم يؤته الله مَالا وَلَا علما فَهُوَ يَقُول لَو ان لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته وهما فِي الْوزر سَوَاء حَدِيث صَحِيح صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا فقسم النَّبِي اهل الدُّنْيَا أَرْبَعَة اقسام خَيرهمْ من اوتي علما ومالا فَهُوَ محسن الى النَّاس وَإِلَى نَفسه بِعِلْمِهِ وَمَاله ويليه فِي الْمرتبَة من اوتي علما وَلم يُؤْت مَالا وان كَانَ اجرهما سَوَاء فَذَلِك إِنَّمَا كَانَ بِالنِّيَّةِ والا فالمنفق الْمُتَصَدّق فَوْقه بِدَرَجَة الانفاق وَالصَّدَََقَة والعالم الَّذِي لَا مَال لَهُ إِنَّمَا ساواه فِي الاجر بِالنِّيَّةِ الجازمة المقترن بهَا مقدورهما وَهُوَ القَوْل الْمُجَرّد الثَّالِث من اوتي مَالا وَلم يُؤْت علما فَهَذَا اسوأ النَّاس منزلَة عِنْد الله لَان مَاله طَرِيق الى هَلَاكه فَلَو عَدمه لَكَانَ خيرا لَهُ فَإِنَّهُ اعطى مَا يتزود بِهِ الى الْجنَّة فَجعله زادا لَهُ الى النَّار الرَّابِع من لم يُؤْت مَالا
стр. 179
وَلَا علما وَمن نِيَّته انه لَو كَانَ لَهُ مَال لعمل فِيهِ بِمَعْصِيَة الله فَهَذَا يَلِي الْغَنِيّ الْجَاهِل فِي الْمرتبَة ويساويه فِي الْوزر بنيته الجازمة المقترن بهَا مقدورها وَهُوَ القَوْل الَّذِي لم يقدر على غَيره فقسم السُّعَدَاء قسمَيْنِ وَجعل الْعلم وَالْعَمَل بِمُوجبِه سَبَب سعادتهما وَقسم الاشقياء قسمَيْنِ وَجعل الْجَهْل وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ سَبَب شقاوتهما فَعَادَت السَّعَادَة بجملتها الى الْعلم وموجبه والشقاوة بجملتها الى الْجَهْل وثمرته الْوَجْه الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة مَا ثَبت عَن بعض السّلف انه قَالَ تفكر سَاعَة خير من عبَادَة سِتِّينَ سنة وسال رجل أم الدَّرْدَاء بعد مَوته عَن عِبَادَته فَقَالَت كَانَ نَهَاره اجمعه فِي بادية التفكر وَقَالَ الْحسن تفكر سَاعَة خير من قيام لَيْلَة وَقَالَ الْفضل التفكر مرْآة تريك حَسَنَاتك وسيئاتك وَقيل لابراهيم إِنَّك تطيل الفكرة فَقَالَ الفكرة مخ الْعقل وَكَانَ سُفْيَان كثيرا مَا يتَمَثَّل:
إِذا الْمَرْء كَانَت لَهُ فكرة ... فَفِي كل شَيْء لَهُ عِبْرَة وَقَالَ الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الارض بِغَيْر الْحق قَالَ أمنعهم التفكر فِيهَا وَقَالَ بعض العارفين لَو طالعت قُلُوب الْمُتَّقِينَ بفكرها الى مَا قدر فِي حجب الْغَيْب من خير الاخرة لم يصف لَهُم فِي الدُّنْيَا عَيْش وَلم تقر لَهُم فِيهَا عين وَقَالَ الْحسن طول الْوحدَة أتم للفكرة وَطول الفكرة دَلِيل على طَرِيق الْجنَّة وَقَالَ وهب مَا طَالَتْ فكرة اُحْدُ قطّ الا علم وَمَا علم امْرُؤ قطّ الا عمل وَقَالَ عمر بن عبد العزيز الفكرة فِي نعم الله من افضل الْعِبَادَة وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك لبَعض اصحابه وَقد رَآهُ مفكرا ايْنَ بلغت قَالَ الصِّرَاط وَقَالَ بشر لَو فكر النَّاس فِي عَظمَة الله مَا عصوه وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَكْعَتَانِ مقتصدتان فِي تفكر خير من قيام لَيْلَة بِلَا قلب وَقَالَ ابو سُلَيْمَان الْفِكر فِي الدُّنْيَا حجاب عَن الاخرة وعقوبة لاهل الْولَايَة والفكرة فِي الاخرة تورث الْحِكْمَة وتجلي الْقُلُوب وَقَالَ ابْن عَبَّاس التفكر فِي الْخَيْر يَدْعُو الى الْعَمَل بِهِ وَقَالَ الْحسن ان اهل الْعلم لم يزَالُوا يعودون بِالذكر على الْفِكر والفكر على الذّكر ويناطقون الْقُلُوب حَتَّى نطقت بالحكمة وَمن كَلَام الشَّافِعِي اسْتَعِينُوا على الْكَلَام بِالصَّمْتِ وعَلى الاستنباط بالفكرة وَهَذَا لَان الفكرة عمل الْقلب وَالْعِبَادَة عمل الجوارج وَالْقلب اشرف من الْجَوَارِح فَكَانَ عمله اشرف من عمل الْجَوَارِح وايضا فالتفكر يُوقع صَاحبه من الايمان على مَالا يوقعه عَلَيْهِ الْعَمَل الْمُجَرّد فان التفكر يُوجب لَهُ من انكشاف حقائق الامور وظهورها لَهُ وتميز مراتبها فِي الْخَيْر وَالشَّر وَمَعْرِفَة مفضولها من فاضلها واقبحها من قبيحها وَمَعْرِفَة اسبابها الموصلة اليها وَمَا يُقَاوم تِلْكَ الاسباب وَيدْفَع مُوجبهَا والتمييز بَين مَا يَنْبَغِي السَّعْي فِي تصحيله وَبَين مَا يَنْبَغِي السَّعْي فِي دفع اسبابه وَالْفرق بَين الْوَهم والخيال الْمَانِع لاكثر النُّفُوس من انتهاز الفرص بعد امكانها وَبَين السَّبَب الْمَانِع حَقِيقَة فيشتغل بِهِ دون الاول فَمَا قطع
стр. 180
العَبْد عَن كَمَاله وفلاحه وسعادته العاجلة والاجلة قَاطع اعظم من الْوَهم الْغَالِب على النَّفس والخيال الَّذِي هُوَ مركبها بل بحرها الَّذِي لَا تنفك سابحة فِيهِ وَإِنَّمَا يقطع هَذَا الْعَارِض بفكرة صَحِيحَة وعزم صَادِق يُمَيّز بِهِ بَين الْوَهم والحقيقة وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي عواقب الامور وَتجَاوز فكره مباديها وَضعهَا موَاضعهَا وَعلم مراتبها فَإِذا ورد عَلَيْهِ وَارِد الذَّنب والشهوة فَتَجَاوز فكره لذته وَفَرح النَّفس بِهِ الى سوء عاقبته وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الالم والحزن الَّذِي لَا يُقَاوم تِلْكَ اللَّذَّة والفرحة وَمن فكر فِي ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يكَاد يقدم عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِذا ورد على قلبه وَارِد الرَّاحَة والدعة والكسل والتقاعد عَن مشقة الطَّاعَات وتعبها حَتَّى عبر بفكره الى مَا يترب عَلَيْهَا من اللَّذَّات والخيرات والافراح الَّتِي تغمر تِلْكَ الالام الَّتِي فِي مباديها بِالنِّسْبَةِ الى كَمَال عواقبها وَكلما غاص فكره فِي ذَلِك اشْتَدَّ طلبه لَهَا وَسَهل عَلَيْهِ معاناتها اسْتَقْبلهَا بنشاط وَقُوَّة وعزيمة وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي مُنْتَهى مَا يستعبده من المَال والجاه والصور وَنظر الى غَايَة ذَلِك بِعَين فكره اسْتَحى من عقله وَنَفسه ان يكون عبدا لذَلِك كَمَا قيل:
لَو فكر العاشق فِي مُنْتَهى ... حسن الَّذِي يسبيه لم يسبه
وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي آخر الاطعمة المفتخرة الَّتِي تفانت عَلَيْهَا نفوس اشباه الانعام وَمَا يصير امرها اليه عِنْد خُرُوجهَا ارْتَفَعت همته عَن صرفهَا الى الاعتناء بهَا وَجعلهَا معبود قلبه الَّذِي اليه يتَوَجَّه وَله يرضى ويغضب وَيسْعَى ويكدح ويوالي ويعادي كَمَا جَاءَ فِي الْمسند عَن النَّبِي انه قَالَ إِن الله جعل طَعَام ابْن آدم مثل الدُّنْيَا وَإِن قزحه ملحه فَإِنَّهُ يعلم الى مَا يصير اَوْ كَمَا قَالَ فَإِذا وَقع فكره على عَاقِبَة ذَلِك وَآخر امْرَهْ وَكَانَت نَفسه حرَّة ابيه ربأبها ان يَجْعَلهَا عبدا لما آخِره انتن شَيْء واخبثه وافحشه
فصل إِذا عرف هَذَا فالفكر هُوَ احضار معرفتين فِي الْقلب ليستثمر مِنْهُمَا
معرفَة ثَالِثَة وَمِثَال ذَلِك إِذا احضر فِي قلبه العاجلة وعيشها وتعيمها وَمَا يقْتَرن بِهِ من الافات وانقطاعه وزواله ثمَّ احضر فِي قلبه الاخرة وَنَعِيمهَا ولذته ودوامه وفضله على نعيم الدُّنْيَا وَجزم بِهَذَيْنِ العلمين اثمر لَهُ ذَلِك علما ثَالِثا وَهُوَ ان الاخرة وَنَعِيمهَا الْفَاضِل الدَّائِم أولى عِنْد كل عَاقل بايثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة ثمَّ لَهُ فِي معرفَة الاخرة حالتان احداهما ان يكون قد سمع ذَلِك من غَيره من غير ان يُبَاشر قلبه برد الْيَقِين بِهِ وَلم يفض قلبه الى مكافحة حَقِيقَة الاخرة وَهَذَا حَال أَكثر النَّاس فيتجاذبه داعيان احدهما دَاعِي العاجلة وايثارها وَهُوَ أقوى الداعيين عِنْده لانه مشَاهد لَهُ محسوس وداعي الاخرة وَهُوَ اضعف الداعيين عِنْده لانه دَاع عَن سَماع
следующие страницы →