← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6840

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (577 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

هَارُون وجره اليه وَهُوَ نَبِي الله وكل هَذَا لم ينقص من قدرَة شَيْئا عِنْد ربه وربه تَعَالَى يُكرمهُ وَيُحِبهُ فَإِن الامر الَّذِي قَامَ بِهِ مُوسَى والعدو الَّذِي برز لَهُ وَالصَّبْر الَّذِي صبره والاذى الَّذِي اوذيه فِي الله امْر لَا تُؤثر فِيهِ امثال هَذِه الامور وَلَا تغير فِي وَجهه وَلَا تخْفض مَنْزِلَته وَهَذَا امْر مَعْلُوم عِنْد النَّاس مُسْتَقر فِي فطرهم ان من لَهُ الوف من الْحَسَنَات فَإِنَّهُ يسامح بِالسَّيِّئَةِ والسيئتين وَنَحْوهَا حَتَّى انه ليختلج دَاعِي عُقُوبَته على إساءته وداعي شكره على إحسانه فيغلب دَاعِي الشُّكْر لداعي الْعقُوبَة كَمَا قيل: وَإِذا الجيب اتى بذنب وَاحِد ... جَاءَت محاسنه بِأَلف شَفِيع وَقَالَ آخر: فَإِن يكن الْفِعْل الَّذِي سَاءَ وَاحِدًا ... فافعاله اللَّاتِي سررن كثير وَالله سُبْحَانَهُ يوازن يَوْم الْقِيَامَة بَين حَسَنَات العَبْد وسيئاته فايهما غلب كَانَ التَّأْثِير لَهُ فيفعل بَاهل الْحَسَنَات الْكَثِيرَة وَالَّذين آثروا محابه ومراضيه وغلبتهم دواعي طبعهم احيانا من الْعَفو والمسامحة مَالا يَفْعَله مَعَ غَيرهم وايضا فان الْعَالم إِذا زل فَإِنَّهُ يحسن اسراع الْفَيْئَة وتدارك الفارط ومداواة الْجرْح فَهُوَ كالطبيب الحاذق الْبَصِير بِالْمرضِ وأسبابه وعلاجه فَإِن زَوَاله على يَده اسرع من زَوَاله على يَد الْجَاهِل وَأَيْضًا فَإِن مَعَه من مَعْرفَته بِأَمْر الله وتصديقه بوعده ووعيده وخشيته مِنْهُ ازرائه على نَفسه بارتكابه وإيمانه بِأَن الله حرمه وان لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ الى غير ذَلِك من الامور المحبوبة للرب مَا يغمر الذَّنب ويضعف اقتضائه ويزيل اثره بِخِلَاف الْجَاهِل بذلك اَوْ اكثره فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَه الا ظلمَة الْخَطِيئَة وقبحها واثارها المردية فَلَا يستوى هَذَا وَهَذَا وَهَذَا فصل الْخطاب فِي هَذَا الْموضع وَبِه يتَبَيَّن ان الامرين حق وانه لَا مُنَافَاة بَينهمَا وان كل وَاحِد من الْعَالم وَالْجَاهِل إِنَّمَا زَاد قبح الذَّنب مِنْهُ عى الاخر بِسَبَب جَهله وتجرد خطيئته عَمَّا يقاومها ويضعف تاثيرها ويزيل اثرها فَعَاد الْقبْح فِي الْمَوْضِعَيْنِ الى الْجَهْل وَمَا يستلزمه وقلته وَضَعفه الى الْعلم وَمَا يستلزمه وَهَذَا دَلِيل ظَاهر على شرف الْعلم وفضله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْوَجْه الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعدالمائة ان الْعَالم مشتغل بِالْعلمِ والتعليم لَا يزَال فِي عبَادَة فَنَفْس تعلمه وتعليمه عبَادَة قَالَ ابْن مَسْعُود لايزال الْفَقِيه يصلى قَالُوا وَكَيف يصلى قَالَ ذكر الله على قلبه وَلسَانه ذكره ابْن عبد البر وَفِي حَدِيث معَاذ مَرْفُوعا وموقوفا تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله حَسَنَة وَطَلَبه عبَادَة ومذاكرته تَسْبِيح وقدتقدم وَالصَّوَاب انه مَوْقُوف وَذكر ابْن عبد البر عَن معَاذ مَرْفُوعا لَان تَغْدُو فَتَتَعَلَّمُ بَابا من ابواب الْعلم خير لَك من ان تصلي مائَة رَكْعَة وَهَذَا لَا يثبت رَفعه وَقَالَ ابْن وهب كنت عِنْد مَالك بن انس فحانت صَلَاة الظّهْر اَوْ الْعَصْر وانا اقْرَأ عَلَيْهِ وَانْظُر فِي الْعلم بَين يَدَيْهِ فَجمعت كتبي وَقمت لاركع فَقَالَ لي مَالك مَا هَذَا فَقلت اقوم الى الصَّلَاة فَقَالَ ان هَذَا لعجب مَا الَّذِي قُمْت اليه افضل من الَّذِي كنت فِيهِ إِذا صحت فِيهِ النِّيَّة وَقَالَ الرّبيع سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول طلب الْعلم افضل من الصَّلَاة النَّافِلَة وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ

стр. 177

مَا من عمل افضل من طلب الْعلم إِذا صحت فِيهِ النِّيَّة وَقَالَ رجل للمعافي بن عمرَان ايما احب اللَّيْل اقوم اصلي اليك كُله اَوْ اكْتُبْ الحَدِيث فَقَالَ حَدِيث تكتبه احب الي من قيامك من اول اللَّيْل إِلَى آخِره وَقَالَ ايضا كِتَابَة حَدِيث وَاحِد احب الي من قيام لَيْلَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس تَذَاكر الْعلم بعض لَيْلَة احب الي من إحيائها وَفِي مسَائِل اسحاق بن مَنْصُور قلت لاحمد بن حَنْبَل قَوْله تَذَاكر الْعلم بعض لَيْلَة احب الي من إحيائها أَي علم اراد قَالَ هُوَ الْعلم الَّذِي ينْتَفع بِهِ النَّاس فِي أَمر دينهم قلت فِي الْوضُوء وَالصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالطَّلَاق وَنَحْو هَذَا قَالَ نعم قَالَ اسحاق وَقَالَ لي اسحاق بن رَاهَوَيْه هُوَ كَمَا قَالَ احْمَد وَقَالَ ابو هُرَيْرَة لَان اجْلِسْ سَاعَة فاتفقه فِي ديني احب الي من احياء لَيْلَة الى الصَّباح وَذكر ابْن عبد البر من حَدِيث ابي هُرَيْرَة يرفعهُ لكل شَيْء عماد وعماد هَذَا الدّين الْفِقْه وَمَا عبد الله بِشَيْء افضل من فقه فِي الدّين الحَدِيث وَقد تقدم وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الباقر عَالم ينْتَفع بِعِلْمِهِ افضل من الف عَابِد وَقَالَ ايضا رِوَايَة الحَدِيث وبثه فِي النَّاس افضل من عبَادَة الف عَابِد وَلما كَانَ طلب الْعلم والبحث عَنهُ وكتابته والتفتيش عَلَيْهِ من عمل الْقلب والجوارح كَانَ من افضل الاعمال ومنزلته من عمل الْجَوَارِح كمنزله اعمال الْقلب من الاخلاص والتوكل والمحنة والانابة والخشية وَالرِّضَا وَنَحْوهَا من الاعمال الظَّاهِرَة فَإِن قيل فالعلم إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَة الى الْعَمَل وَمُرَاد لَهُ وَالْعَمَل هُوَ الْغَايَة وَمَعْلُوم ان الْغَايَة اشرف من الْوَسِيلَة فَكيف تفضل الْوَسَائِل على غاياتها قيل كل من الْعلم وَالْعَمَل يَنْقَسِم قسمَيْنِ مِنْهُ مَا يكون وَسِيلَة وَمِنْه مَا يكون غَايَة فَلَيْسَ الْعلم كُله وَسِيلَة مُرَادة لغَيْرهَا فَإِن الْعلم بِاللَّه واسمائه وَصِفَاته هُوَ اشرف الْعُلُوم على الاطلاق وَهُوَ مَطْلُوب لنَفسِهِ مُرَاد لذاته قَالَ الله تَعَالَى الله الَّذِي خلق سبع سموات وَمن الارض مِثْلهنَّ يتنزل الامر بَينهُنَّ لِتَعْلَمُوا ان الله على كل شَيْء قدير وان الله قد احاط بِكُل شَيْء علما فقد اخبر سُبْحَانَهُ انه خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَنزل الامر بَينهُنَّ ليعلم عباده انه بِكُل شَيْء عليم وعَلى كل شَيْء قدير فَهَذَا الْعلم هُوَ غَايَة الْخلق الْمَطْلُوبَة وَقَالَ تَعَالَى فَاعْلَم انه لَا اله الا الله فالعلم بوحدانيته تَعَالَى وَأَنه لَا إِلَه الا هُوَ مَطْلُوب لذاته وان كَانَ لَا يكْتَفى بِهِ وَحده بل لَا بُد مَعَه من عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ فهما امران مطلوبان لانفسهما ان يعرف الرب تَعَالَى باسمائه وَصِفَاته وأفعاله واحكامه وان يعبد بموجبها ومقتضاها فَكَمَا ان عِبَادَته مَطْلُوبَة مُرَادة لذاتها فَكَذَلِك الْعلم بِهِ ومرفته وايضا فَإِن الْعلم من افضل انواع الْعِبَادَات كَمَا تقدم تَقْرِيره فَهُوَ مُتَضَمّن للغاية الْوَسِيلَة وقولكم ان الْعَمَل غَايَة اما ان تريدوا بِهِ الْعَمَل الَّذِي يدْخل فِيهِ عمل الْقلب والجوارح اَوْ الْعَمَل الْمُخْتَص بالجوارح فَقَط فَإِن اريد الاول فَهُوَ حق وَهُوَ يدل على ان الْعلم غَايَة مَطْلُوبَة لانه من اعمال الْقلب كَمَا تقدم وان اريد بِهِ الثَّانِي وَهُوَ عمل الْجَوَارِح فَقَط فَلَيْسَ بِصَحِيح فَإِن اعمال الْقُلُوب مَقْصُودَة

стр. 178

وَمرَاده لذاتها بل فِي الْحَقِيقَة اعمال الْجَوَارِح وَسِيلَة مُرَادة لغَيْرهَا فَإِن الثَّوَاب وَالْعِقَاب والمدح والذم وتوابعها هُوَ للقلب اصلا وللجوارح تبعا وَكَذَلِكَ الاعمال الْمَقْصُودَة بهَا اولا صَلَاح الْقلب واستقامته وعبوديته لرَبه ومليكه وَجعلت اعمال الْجَوَارِح تَابِعَة لهَذَا الْمَقْصُود مُرَادة وان كَانَ كثير مِنْهَا مرَادا لاجل الْمصلحَة المترتبة عَلَيْهِ فَمن اجلها صَلَاح الْقلب وزكاه وطهارته واستقامته فَعلم ان الاعمال مِنْهَا غَايَة وَمِنْهَا وَسِيلَة وان الْعلم كَذَلِك وايضا فالعلم الَّذِي هُوَ وَسِيلَة الى الْعَمَل فَقَط إِذا تجرد عَن الْعَمَل لم ينْتَفع بِهِ صَاحبه فَالْعَمَل اشرف مِنْهُ وَأما الْعلم الْمَقْصُود الَّذِي تنشأ ثَمَرَته الْمَطْلُوبَة مِنْهُ من نَفسه فَهَذَا لَا يُقَال ان الْعَمَل الْمُجَرّد اشرف مِنْهُ فَكيف يكون مُجَرّد الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة افضل من الْعلم بِاللَّه واسمائه وَصِفَاته وَأَحْكَامه فِي خلقه وامره وَمن الْعلم بأعمال الْقُلُوب وآفات النُّفُوس والطرق الَّتِي تفْسد الاعمال وتمنع وصولها من الْقلب الى الله والمسافات الَّتِي بَين الاعمال وَالْقلب وَبَين الْقلب والرب تَعَالَى وَبِمَا تقطع تِلْكَ المسافات الى غير ذَلِك من علم الايمان وَمَا يقويه وَمَا يُضعفهُ فَكيف يُقَال ان مُجَرّد التَّعَبُّد الظَّاهِر بالجوارح افضل من هَذَا الْعلم بل من قَامَ بالامرين فَهُوَ اكمل وَإِذا كَانَ فِي احدهما فضل ففضل هَذَا الْعلم خير من فضل الْعِبَادَة فاذ كَانَ فِي العَبْد فضلَة عَن الْوَاجِب كَانَ صرفهَا الى الْعلم الْمَوْرُوث عَن الانبياء افضل من صرفهَا الى مُجَرّد الْعِبَادَة فَهَذَا فصل الْخطاب فِي هَذِه المسئلة وَالله اعْلَم الْوَجْه الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعدالمائة مَا رَوَاهُ الامام احْمَد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابي كَبْشَة الانماري قَالَ قَالَ رَسُول الله انما الدُّنْيَا لأربعة نفر عبد رزقه الله مَالا وعلما فَهُوَ يَتَّقِي فِي مَاله ربه ويصل فِيهِ رَحمَه وَيعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا باحسن الْمنَازل عِنْد الله وَرجل آتَاهُ الله علما وَلم يؤته مَالا فَهُوَ يَقُول لَو ان لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته وهما فِي الاجر سَوَاء وَرجل آتَاهُ الله مَالا وَلم يؤته علما فَهُوَ يخبط فِي مَاله وَلَا يَتَّقِي فِيهِ ربه وَلَا يصل فِي رَحمَه وَلَا يعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا بأسوا الْمنَازل عِنْد الله وَرجل لم يؤته الله مَالا وَلَا علما فَهُوَ يَقُول لَو ان لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته وهما فِي الْوزر سَوَاء حَدِيث صَحِيح صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا فقسم النَّبِي اهل الدُّنْيَا أَرْبَعَة اقسام خَيرهمْ من اوتي علما ومالا فَهُوَ محسن الى النَّاس وَإِلَى نَفسه بِعِلْمِهِ وَمَاله ويليه فِي الْمرتبَة من اوتي علما وَلم يُؤْت مَالا وان كَانَ اجرهما سَوَاء فَذَلِك إِنَّمَا كَانَ بِالنِّيَّةِ والا فالمنفق الْمُتَصَدّق فَوْقه بِدَرَجَة الانفاق وَالصَّدَََقَة والعالم الَّذِي لَا مَال لَهُ إِنَّمَا ساواه فِي الاجر بِالنِّيَّةِ الجازمة المقترن بهَا مقدورهما وَهُوَ القَوْل الْمُجَرّد الثَّالِث من اوتي مَالا وَلم يُؤْت علما فَهَذَا اسوأ النَّاس منزلَة عِنْد الله لَان مَاله طَرِيق الى هَلَاكه فَلَو عَدمه لَكَانَ خيرا لَهُ فَإِنَّهُ اعطى مَا يتزود بِهِ الى الْجنَّة فَجعله زادا لَهُ الى النَّار الرَّابِع من لم يُؤْت مَالا

стр. 179

وَلَا علما وَمن نِيَّته انه لَو كَانَ لَهُ مَال لعمل فِيهِ بِمَعْصِيَة الله فَهَذَا يَلِي الْغَنِيّ الْجَاهِل فِي الْمرتبَة ويساويه فِي الْوزر بنيته الجازمة المقترن بهَا مقدورها وَهُوَ القَوْل الَّذِي لم يقدر على غَيره فقسم السُّعَدَاء قسمَيْنِ وَجعل الْعلم وَالْعَمَل بِمُوجبِه سَبَب سعادتهما وَقسم الاشقياء قسمَيْنِ وَجعل الْجَهْل وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ سَبَب شقاوتهما فَعَادَت السَّعَادَة بجملتها الى الْعلم وموجبه والشقاوة بجملتها الى الْجَهْل وثمرته الْوَجْه الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة مَا ثَبت عَن بعض السّلف انه قَالَ تفكر سَاعَة خير من عبَادَة سِتِّينَ سنة وسال رجل أم الدَّرْدَاء بعد مَوته عَن عِبَادَته فَقَالَت كَانَ نَهَاره اجمعه فِي بادية التفكر وَقَالَ الْحسن تفكر سَاعَة خير من قيام لَيْلَة وَقَالَ الْفضل التفكر مرْآة تريك حَسَنَاتك وسيئاتك وَقيل لابراهيم إِنَّك تطيل الفكرة فَقَالَ الفكرة مخ الْعقل وَكَانَ سُفْيَان كثيرا مَا يتَمَثَّل: إِذا الْمَرْء كَانَت لَهُ فكرة ... فَفِي كل شَيْء لَهُ عِبْرَة وَقَالَ الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الارض بِغَيْر الْحق قَالَ أمنعهم التفكر فِيهَا وَقَالَ بعض العارفين لَو طالعت قُلُوب الْمُتَّقِينَ بفكرها الى مَا قدر فِي حجب الْغَيْب من خير الاخرة لم يصف لَهُم فِي الدُّنْيَا عَيْش وَلم تقر لَهُم فِيهَا عين وَقَالَ الْحسن طول الْوحدَة أتم للفكرة وَطول الفكرة دَلِيل على طَرِيق الْجنَّة وَقَالَ وهب مَا طَالَتْ فكرة اُحْدُ قطّ الا علم وَمَا علم امْرُؤ قطّ الا عمل وَقَالَ عمر بن عبد العزيز الفكرة فِي نعم الله من افضل الْعِبَادَة وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك لبَعض اصحابه وَقد رَآهُ مفكرا ايْنَ بلغت قَالَ الصِّرَاط وَقَالَ بشر لَو فكر النَّاس فِي عَظمَة الله مَا عصوه وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَكْعَتَانِ مقتصدتان فِي تفكر خير من قيام لَيْلَة بِلَا قلب وَقَالَ ابو سُلَيْمَان الْفِكر فِي الدُّنْيَا حجاب عَن الاخرة وعقوبة لاهل الْولَايَة والفكرة فِي الاخرة تورث الْحِكْمَة وتجلي الْقُلُوب وَقَالَ ابْن عَبَّاس التفكر فِي الْخَيْر يَدْعُو الى الْعَمَل بِهِ وَقَالَ الْحسن ان اهل الْعلم لم يزَالُوا يعودون بِالذكر على الْفِكر والفكر على الذّكر ويناطقون الْقُلُوب حَتَّى نطقت بالحكمة وَمن كَلَام الشَّافِعِي اسْتَعِينُوا على الْكَلَام بِالصَّمْتِ وعَلى الاستنباط بالفكرة وَهَذَا لَان الفكرة عمل الْقلب وَالْعِبَادَة عمل الجوارج وَالْقلب اشرف من الْجَوَارِح فَكَانَ عمله اشرف من عمل الْجَوَارِح وايضا فالتفكر يُوقع صَاحبه من الايمان على مَالا يوقعه عَلَيْهِ الْعَمَل الْمُجَرّد فان التفكر يُوجب لَهُ من انكشاف حقائق الامور وظهورها لَهُ وتميز مراتبها فِي الْخَيْر وَالشَّر وَمَعْرِفَة مفضولها من فاضلها واقبحها من قبيحها وَمَعْرِفَة اسبابها الموصلة اليها وَمَا يُقَاوم تِلْكَ الاسباب وَيدْفَع مُوجبهَا والتمييز بَين مَا يَنْبَغِي السَّعْي فِي تصحيله وَبَين مَا يَنْبَغِي السَّعْي فِي دفع اسبابه وَالْفرق بَين الْوَهم والخيال الْمَانِع لاكثر النُّفُوس من انتهاز الفرص بعد امكانها وَبَين السَّبَب الْمَانِع حَقِيقَة فيشتغل بِهِ دون الاول فَمَا قطع

стр. 180

العَبْد عَن كَمَاله وفلاحه وسعادته العاجلة والاجلة قَاطع اعظم من الْوَهم الْغَالِب على النَّفس والخيال الَّذِي هُوَ مركبها بل بحرها الَّذِي لَا تنفك سابحة فِيهِ وَإِنَّمَا يقطع هَذَا الْعَارِض بفكرة صَحِيحَة وعزم صَادِق يُمَيّز بِهِ بَين الْوَهم والحقيقة وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي عواقب الامور وَتجَاوز فكره مباديها وَضعهَا موَاضعهَا وَعلم مراتبها فَإِذا ورد عَلَيْهِ وَارِد الذَّنب والشهوة فَتَجَاوز فكره لذته وَفَرح النَّفس بِهِ الى سوء عاقبته وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الالم والحزن الَّذِي لَا يُقَاوم تِلْكَ اللَّذَّة والفرحة وَمن فكر فِي ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يكَاد يقدم عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِذا ورد على قلبه وَارِد الرَّاحَة والدعة والكسل والتقاعد عَن مشقة الطَّاعَات وتعبها حَتَّى عبر بفكره الى مَا يترب عَلَيْهَا من اللَّذَّات والخيرات والافراح الَّتِي تغمر تِلْكَ الالام الَّتِي فِي مباديها بِالنِّسْبَةِ الى كَمَال عواقبها وَكلما غاص فكره فِي ذَلِك اشْتَدَّ طلبه لَهَا وَسَهل عَلَيْهِ معاناتها اسْتَقْبلهَا بنشاط وَقُوَّة وعزيمة وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي مُنْتَهى مَا يستعبده من المَال والجاه والصور وَنظر الى غَايَة ذَلِك بِعَين فكره اسْتَحى من عقله وَنَفسه ان يكون عبدا لذَلِك كَمَا قيل: لَو فكر العاشق فِي مُنْتَهى ... حسن الَّذِي يسبيه لم يسبه وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي آخر الاطعمة المفتخرة الَّتِي تفانت عَلَيْهَا نفوس اشباه الانعام وَمَا يصير امرها اليه عِنْد خُرُوجهَا ارْتَفَعت همته عَن صرفهَا الى الاعتناء بهَا وَجعلهَا معبود قلبه الَّذِي اليه يتَوَجَّه وَله يرضى ويغضب وَيسْعَى ويكدح ويوالي ويعادي كَمَا جَاءَ فِي الْمسند عَن النَّبِي انه قَالَ إِن الله جعل طَعَام ابْن آدم مثل الدُّنْيَا وَإِن قزحه ملحه فَإِنَّهُ يعلم الى مَا يصير اَوْ كَمَا قَالَ فَإِذا وَقع فكره على عَاقِبَة ذَلِك وَآخر امْرَهْ وَكَانَت نَفسه حرَّة ابيه ربأبها ان يَجْعَلهَا عبدا لما آخِره انتن شَيْء واخبثه وافحشه فصل إِذا عرف هَذَا فالفكر هُوَ احضار معرفتين فِي الْقلب ليستثمر مِنْهُمَا معرفَة ثَالِثَة وَمِثَال ذَلِك إِذا احضر فِي قلبه العاجلة وعيشها وتعيمها وَمَا يقْتَرن بِهِ من الافات وانقطاعه وزواله ثمَّ احضر فِي قلبه الاخرة وَنَعِيمهَا ولذته ودوامه وفضله على نعيم الدُّنْيَا وَجزم بِهَذَيْنِ العلمين اثمر لَهُ ذَلِك علما ثَالِثا وَهُوَ ان الاخرة وَنَعِيمهَا الْفَاضِل الدَّائِم أولى عِنْد كل عَاقل بايثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة ثمَّ لَهُ فِي معرفَة الاخرة حالتان احداهما ان يكون قد سمع ذَلِك من غَيره من غير ان يُبَاشر قلبه برد الْيَقِين بِهِ وَلم يفض قلبه الى مكافحة حَقِيقَة الاخرة وَهَذَا حَال أَكثر النَّاس فيتجاذبه داعيان احدهما دَاعِي العاجلة وايثارها وَهُوَ أقوى الداعيين عِنْده لانه مشَاهد لَهُ محسوس وداعي الاخرة وَهُوَ اضعف الداعيين عِنْده لانه دَاع عَن سَماع

стр. 181

لم يُبَاشر قلبه الْيَقِين بِهِ وَلَا كافحه حَقِيقَته العلمية فَإِذا ترك العاجلة للاخرة تريه نَفسه بانه قد ترك مَعْلُوما لمظنون اومتحققا لموهوم فلسان الْحَال يُنَادي عَلَيْهِ لَا ادْع ذرة منقودة لدرة موعودة وَهَذِه الافة هِيَ الَّتِي منعت النُّفُوس من الاستعداد للاخرة وان يسْعَى لَهَا سعيها وَهِي من ضعف الْعلم بهَا وتيقنها وَإِلَّا فَمَعَ الْجَزْم التَّام الَّذِي لَا يخالج الْقلب فِيهِ شكّ لَا يَقع التهاون بهَا وَعدم الرَّغْبَة فِيهَا وَلِهَذَا لَو قدم لرجل طَعَام فِي غَايَة الطّيب واللذة وَهُوَ شَدِيد الْحَاجة اليه ثمَّ قيل لَهُ إِنَّه مَسْمُوم فَإِنَّهُ لَا يقدم عَلَيْهِ لعلمه بِأَن سوء مَا تجنى عَاقِبَة تنَاوله تربو فِي الْمضرَّة على لَذَّة اكله فَمَا بَال الايمان بالاخرة لَا يكون فِي قلبه بِهَذِهِ الْمنزلَة ماذاك الا لضعف شَجَرَة الْعلم والايمان بهَا فِي الْقلب وَعدم استقرارها فِيهِ وَكَذَلِكَ اذا كَانَ سائرا فِي طَرِيق فَقيل لَهُ إِن بهَا قطاعا ولصوصا يقتلُون من وجدوه وَيَأْخُذُونَ مَتَاعه فانه لَا يسلكها الا على اُحْدُ وَجْهَيْن اما ان لَا يصدق الْمخبر وَإِمَّا ان يَثِق من نَفسه بغلبتهم وقهرهم والانتصار عَلَيْهِم والاف فَمَعَ تَصْدِيقه للْخَبَر تَصْدِيقًا لَا يتمارى فِيهِ وَعلمه من نَفسه بضعفه وعجزه عَن مقاومتهم فَإِنَّهُ لَا يسلكها وَلَو حصل لَهُ هَذَانِ العلمان فِيمَا يرتكبه من ايثار الدُّنْيَا وشهواتها لم يقدم على ذَلِك فَعلم ان إيثاره للعاجلة وَترك استعداده للاخرة لَا يكون قطّ مَعَ كَمَال تَصْدِيقه وإيمانهابدا الْحَالة الثَّانِيَة ان يتَيَقَّن ويجزم جزما لَا شكّ فِيهِ بِأَن لَهُ دَارا غير هَذِه الدَّار ومعادا لَهُ خلق وان هَذِه الدَّار طَرِيق الى ذَلِك الْمعَاد ومنزل من منَازِل السائرين اليه وَيعلم مَعَ ذَلِك انها بَاقِيَة وَنَعِيمهَا وعذابها لَا يَزُول وَلَا نِسْبَة لهَذَا النَّعيم وَالْعَذَاب العاجل اليه إِلَّا كَمَا يدْخل الرجل اصبعه فِي اليم ثمَّ يَنْزِعهَا فَالَّذِي تعلق بهَا مِنْهُ هُوَ كالدنيا بِالنِّسْبَةِ الى الاخرة فيثمر لَهُ هَذَا الْعلم ايثار الاخرة وطلبها والاستعداد التَّام لَهَا وان يسْعَى لَهَا سعيها وَهَذَا يسْعَى تفكرا وتذكرا ونظرا وتأملا واعتبارا وتدبرا واستبصارا وَهَذِه معَان مُتَقَارِبَة تَجْتَمِع فِي شَيْء وتتفرق فِي آخر وَيُسمى تفكرا لانه اسْتِعْمَال الفكرة فِي ذَلِك واحضاره عِنْده وَيُسمى تذكرا لانه احضار للْعلم الَّذِي يجب مراعاته بعد ذُهُوله وغيبته عَنهُ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ان الَّذين اتَّقوا اذا مسهم طائف من الشَّيْطَان تَذكرُوا فَإِذا هم مبصرون وَيُسمى نظرا لانه الْتِفَات بِالْقَلْبِ الى المنظور فِيهِ وَيُسمى تأملا لانه مُرَاجعَة للنَّظَر كرة بعدكرة حَتَّى يتجلى لَهُ وينكشف لِقَلْبِهِ وَيُسمى اعْتِبَارا وَهُوَ افتعال من العبور لانه يعبر مِنْهُ الى غَيره فيعبر من ذَلِك الَّذِي قد فكر فِيهِ الى معرفَة ثَالِثَة وَهِي الْمَقْصُود من الِاعْتِبَار وَلِهَذَا يُسمى عِبْرَة وَهِي على بِنَاء الْحَالَات كالجلسة وَالركبَة والقتلة ايذانا بِأَن هَذَا الْعلم والمعرفة قد صَار حَالا لصَاحبه يعبر مِنْهُ الى الْمَقْصُود بِهِ وَقَالَ الله تَعَالَى ان فِي ذَلِك لعبرة لمن يخْشَى ﴿وَقَالَ﴾ إِن فِي ذَلِك لعبرة لاولي الابصار وَيُسمى تدبرا لانه نظر فِي ادبار الامور وَهِي اواخرها وعواقبها وَمِنْه تدبر القَوْل وَقَالَ

стр. 182

تَعَالَى افلم يدبروا القَوْل افلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا وتدبر الْكَلَام ان ينظر فِي اوله وَآخره ثمَّ يُعِيد نظره مره بعد مرّة وَلِهَذَا جَاءَ على بِنَاء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين وسمى استبصارا وَهُوَ استفعال من التبصر وَهُوَ تبين الامر وانكشافه وتجليه للبصيرة وكل من التَّذَكُّر والتفكر لَهُ فَائِدَة غير فَائِدَة الاخر فالتذكر يُفِيد تكْرَار الْقلب على مَا علمه وعرفه ليرسخ فِيهِ وَيثبت وَلَا ينمحي فَيذْهب اثره من الْقلب جملَة والتفكر يُفِيد تَكْثِير الْعلم واستجلاب مَا لَيْسَ حَاصِلا عِنْد الْقلب فالتفكر يحصله والتذكر يحفظه وَلِهَذَا قَالَ الْحسن مَا زَالَ اهل الْعلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون الْقُلُوب حَتَّى نطقت بالحكمة فالتفكر والتذكر بذار الْعلم وسقيه مطارحته ومذاكرته تلقيحه كَمَا قَالَ بعض السّلف ملاقاة الرِّجَال تلقيح لالبابها فالمذاكرة بهَا لقاح الْعقل فالخير والسعادة فِي خزانَة مفتاحها التفكر فَإِنَّهُ لَا بُد من تفكر وَعلم يكون نتيجته الْفِكر وَحَال يحدث للقلب من ذَلِك الْعلم فَإِن كل من عمل شَيْئا من المحبوب اَوْ الْمَكْرُوه لَا بُد ان يبْقى لِقَلْبِهِ حَالَة وينصبغ بصبغة من علمه وَتلك الْحَال توجب لَهُ إِرَادَة وَتلك الارادة توجب وُقُوع الْعَمَل فها هُنَا خَمْسَة امور الْفِكر وثمرته الْعلم وثمرتهما الْحَالة الَّتِي تحدث للقلب وَثَمَرَة ذَلِك الارادة وثمرتها الْعلم فالفكر إِذا هُوَ المبدأ والمفتاح لِلْخَيْرَاتِ كلهَا وَهَذَا يكْشف لَك عَن فضل التفكر وشرفه وانه من افضل اعمال الْقلب وانفعها لَهُ حَتَّى قيل تفكر سَاعَة خير من عبَادَة سنة فالفكر هُوَ الَّذِي ينْقل من موت الفطنة الى حَيَاة الْيَقَظَة وَمن المكاره الى المحاب وَمن الرَّغْبَة والحرص الى الزّهْد والقناعة وَمن سجن الدُّنْيَا الى فضاء الاخرة وَمن ضيق الْجَهْل الى سَعَة الْعلم ورحبه وَمن مرض الشَّهْوَة والاخلاد الى هَذِه الدَّار الى شِفَاء الانابة الى الله والتجافي عَن دَار الْغرُور وَمن مُصِيبَة الْعَمى والصمم والبكم الى نعْمَة الْبَصَر والسمع والفهم عَن الله وَالْعقل عَنهُ وَمن امراض الشُّبُهَات الى برد الْيَقِين وثلج الصُّدُور وَبِالْجُمْلَةِ فَأصل كل طَاعَة إِنَّمَا هِيَ الْفِكر وَكَذَلِكَ اصل كل مَعْصِيّة إِنَّمَا يحدث من جَانب الفكرة فَإِن الشَّيْطَان يُصَادف ارْض الْقلب خَالِيَة فارغة فيبذر فِيهَا حب الافكار الردية فيتولد مِنْهُ الارادات والعزوم فيتولد مِنْهَا الْعَمَل فَإِذا صَادف ارْض الْقلب مَشْغُولَة ببذر الافكار النافعة فِيمَا خلق لَهُ وَفِيمَا امْر بِهِ وفيم هيء لَهُ وَاعد لَهُ من النَّعيم الْمُقِيم اَوْ الْعَذَاب الاليم لم يجد لبذره موضعا وَهَذَا كَمَا قيل: اتاني هَواهَا قبل ان اعرف الْهوى ... فصادف قلبا فَارغًا فتمكنا فان قيل فقد ذكرْتُمْ الْفِكر ومنفعته وَعظم تَأْثِيره فِي الْخَيْر وَالشَّر فَمَا مُتَعَلّقه الَّذِي

стр. 183

يَنْبَغِي ان يُوقع عَلَيْهِ ويجرى فِيهِ فانه لَا يتم الْمَقْصُود مِنْهُ الا بِذكر مُتَعَلّقه الَّذِي يَقع الْفِكر فِيهِ والا ففكر بِغَيْر متفكر فِيهِ محَال قيل مجْرى الْفِكر ومتعلقه اربعة امور احدها غَايَة محبوبة مُرَادة الْحُصُول الثَّانِي طَرِيق موصلة الى تِلْكَ الْغَايَة الثَّالِث مضرَّة مَطْلُوبَة الاعدام مَكْرُوهَة الْحُصُول الرَّابِع الطَّرِيق المفضي اليها الْموقع عَلَيْهَا فَلَا تتجاوز افكار الْعُقَلَاء هَذِه الامور الاربعة وَأي فكر تخطاها فَهُوَ من الافكار الردية والخيالات والاماني الْبَاطِلَة كَمَا يتخيل الْفَقِير المعدم نَفسه من اغنى الْبشر وَهُوَ يَأْخُذ وَيُعْطِي وينعم وَيحرم وكما يتخيل الْعَاجِز نَفسه من اقوى الْمُلُوك وَهُوَ يتَصَرَّف فِي الْبِلَاد والرعية وَنَظِير ذَلِك من افكار الْقُلُوب الباطولية الَّتِي من جنس افكار السَّكْرَان والمحشوش والضعيف الْعقل فالافكار الردية هِيَ قوت الانفس الخسيسة الَّتِي هِيَ فِي غَايَة الدناءة فَإِنَّهَا قد قنعت بالخيال ورضيت بالمحال ثمَّ لَا تزَال هَذِه الافكار تقوى بهَا وتتزايد حَتَّى توجب لَهَا آثارا ردية ووساوس وأمراضا بطيئة الزَّوَال وَإِذا كَانَ الْفِكر النافع لَا يخرج عَن الاقسام الاربعة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَلهُ ايضا محلان ومنزلان احدهما هَذِه الدَّار والاخر دَار الْقَرار فأبناء الدُّنْيَا الَّذين لَيْسَ لَهُم فِي الاخرة من خلاق عمروا بيُوت افكارهم بِتِلْكَ الاقسام الاربعة فِي هَذِه الدَّار فأثمرت لَهُم افكارهم فِيهَا مَا اثمرت وَلَكِن إِذا حقت الْحَقَائِق وَبَطلَت الدُّنْيَا وَقَامَت الاخرة تبين الرابح من المغبون وخسر هُنَالك المبطلون وَأَبْنَاء الاخرة الَّذين خلقُوا لَهَا عمروا بيُوت افكارهم على تِلْكَ الاقسام الاربعة فِيهَا وَنحن نفصل ذَلِك بعون الله وفضله فَنَقُول كل طَالب لشَيْء فَهُوَ محب لَهُ مُؤثر لقُرْبه ساع فِي طَرِيق تَحْصِيله متوصل اليه بِجهْدِهِ وَهَذَا يُوجب لَهُ تعلق افكاره بِجَمَال محبوبه وكماله وَصِفَاته الَّتِي يحب لاجلها وتعلقها بِمَا يَنَالهُ بِهِ من الْخَيْر والفرح وَالسُّرُور ففكره فِي حَال محبوبه دائر بَين الْجمال والاجمال وَالْحسن والاحسان فَكلما قويت محبته ازْدَادَ هَذَا الْفِكر وقوى وتضاعف حَتَّى يسْتَغْرق اجزاء الْقلب فَلَا يبْقى فِيهِ فضل لغيره بل يصير بَين النَّاس بقالبه وَقَلبه كُله فِي حَضْرَة محبوبه فَإِن كَانَ هَذَا المحبوب هُوَ المحبوب الْحق الَّذِي لَا تنبغي الْمحبَّة إِلَّا لَهُ وَلَا يحب غَيره إِلَّا تبعا لمحبته فَهُوَ اِسْعَدْ المحبين بِهِ وَقد وضع الْحبّ مَوْضِعه وتهيأت نَفسه لكمالها الَّذِي خلقت لَهُ وَالَّذِي لَا كَمَال لَهَا بِدُونِهِ بِوَجْه وان كَانَت تِلْكَ الْمحبَّة لغيره من المحبوبات الْبَاطِلَة المتلاشية الَّتِي تفنى وَتبقى حزازات الْقُلُوب بهَا على حَالهَا فقد وضع الْمحبَّة فِي غير موضعهَا وظلم نَفسه اعظم ظلم واقبحه وتهيأت بذلك نَفسه لغاية شقائها والمها وَإِذا عرف هَذَا عرف ان تعلق الْمحبَّة بِغَيْر الاله الْحق هُوَ عين شقاء العَبْد وخسرانه فافكفاره الْمُتَعَلّقَة بهَا كلهَا بَاطِلَة وَهِي مضرَّة عَلَيْهِ فِي حَيَاته وبعدموته والمحب الَّذِي قد ملك المحبوب افكار قلبه لَا يخرج فكره عَن تعلقه بمحبوبه اَوْ بِنَفسِهِ ثمَّ فكره فِي محبوبه لَا يخرج عَن حالتين

стр. 184

احداهما فكرته فِي جماله واوصافه وَالثَّانيَِة فكرته فِي افعاله واحسانه وبره ولطفه الدَّالَّة على كَمَال صِفَاته وان تعلق فكره بِنَفسِهِ لم يخرج ايضا عَن حالتين اما ان نفكر فِي اوصافه المسخوطة الَّتِي يبغضها محبوبه ويمقته عَلَيْهَا ويسقطه من عينه فَهُوَ دَائِما يتَوَقَّع بفكره عَلَيْهَا ليتجنبها وَيبعد مِنْهَا وَالثَّانيَِة ان يفكر فِي الصِّفَات والاخلاق والافعال الَّتِي تقربه مِنْهُ وتحببه اليه حَتَّى يَتَّصِف بهَا فالفكرتان الاولتان توجب لَهُ زِيَادَة محبته وقوتها وتضاعفها والفكرتان الاخرتان توجب محبَّة محبوبه لَهُ واقباله عَلَيْهِ وقربه مِنْهُ وَعطفه عَلَيْهِ وايثاره على غَيره فالمحبة التَّامَّة مستلزمة لهَذِهِ الافكار الاربعة فالفكرة الاولى وَالثَّانيَِة تتَعَلَّق بِعلم التَّوْحِيد وصفات الاله المعبود سُبْحَانَهُ وأفعاله وَالثَّالِثَة وَالرَّابِعَة تتَعَلَّق بِالطَّرِيقِ الموصلة اليها وقواطعها وآفاتها وَمَا يمْنَع من السّير فِيهَا اليه فتفكره فِي صِفَات نَفسه يُمَيّز لَهُ المحبوب لرَبه مِنْهَا من الْمَكْرُوه لَهُ وَهَذِه الفكرة توجب ثَلَاثَة امور احدها ان هَذَا الْوَصْف هَل هُوَ مَكْرُوه مبغوض لله ام لَا الثَّانِي هَل العَبْد متصف بِهِ ام لَا وَالثَّالِث إِذا كَانَ متصفا بِهِ فَمَا طَرِيق دَفعه والعافية مِنْهُ وان لم يكن متصفا بِهِ فَمَا طَرِيق حفظ الصِّحَّة بوقائه على الْعَافِيَة والاحتراز مِنْهُ وَكَذَلِكَ الفكرة فِي الصّفة المحبوبة تستدعي ثَلَاثَة امور احدها ان هَذِه الصّفة هَل هِيَ محبوبة لله مرضية لَهُ ام لَا الثَّانِي هَل العَبْد متصف بهَا ام لَا الثَّالِث انه إِذا كَانَ متصفا بهَا فَمَا طَرِيق حفظهَا ودوامها وان لم يكن متصفا بهَا فَمَا طَرِيق اجتلائها والتخلق بهَا ثمَّ فكرته فِي الافعال على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ ايضا سَوَاء ومجاري هَذِه الافكار ومواقعها كَثِيرَة جدا لاتكاد تنضبط وانا يحصرها سِتَّة اجناس الطَّاعَات الظَّاهِرَة والباطنة والمعاصي الظَّاهِرَة والباطنة وَالصِّفَات والاخلاق الحميدة والاخلاق وَالصِّفَات الذميمة فَهَذِهِ مجاري الفكرة فِي صِفَات نَفسه وافعالها واما الفكرة فِي صِفَات المعبود وأفعاله واحكامه فتوجب لَهُ التَّمْيِيز بَين الايمان وَالْكفْر والتوحيد والشرك والاقرار والتعطيل وتنزيه الرب عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ وَوَصفه بِمَا هُوَ اهله من الْجلَال والاكرام ومجاري هَذِه الفكرة تدبر كَلَامه وَمَا تعرف بِهِ سُبْحَانَهُ الى عباده على السّنة رسله من اسمائه وَصِفَاته وأفعاله وَمَا نزه نَفسه عَنهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ وَلَا يَلِيق بِهِ سُبْحَانَهُ وتدبر ايامه وافعاله فِي اوليائه واعدائه الَّتِي قصها على عباده واشهدهم اياها ليستدلوا بهَا على انه الههم الْحق الْمُبين الَّذِي لَا تنبغي الْعِبَادَة الا لَهُ ويستدلوا بهَا على انه على كل شَيْء قدير وانه بِكُل شَيْء عليم وانه شَدِيد الْعقَاب وانه غَفُور رَحِيم وانه الْعَزِيز الْحَكِيم وانه الفعال لما يُرِيد وانه الَّذِي وسع كل شَيْء رَحْمَة وعلما وان أَفعاله كلهَا دَائِرَة بَين الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَالْعدْل والمصلحة لَا يخرج شَيْء مِنْهَا عَن ذَلِك وَهَذِه الثَّمَرَة لَا سَبِيل الى تَحْصِيلهَا إِلَّا بتدبر كَلَامه وَالنَّظَر فِي آثَار أَفعاله وَإِلَى هذَيْن الاصلين ندب عباده فِي الْقُرْآن فَقَالَ فِي

стр. 185

الاصل الاول ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ افلم يدبروا القَوْل ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبروا آيَاته﴾ إِنَّا انزلناه قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون كتاب فصلت اياته قُرْآنًا عَرَبيا لقوم يعلمُونَ وَقَالَ فِي الاصل الثَّانِي قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَات والارض ان فِي خلق السَّمَوَات والارض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لايات لاولي الالباب الَّذين يذكرُونَ الله قيَاما وقعودا وعَلى جنُوبهم ويتفكرون فِي خلق السَّمَوَات والارض ان فِي السَّمَوَات والارض لايات للْمُؤْمِنين وَفِي خَلقكُم وَمَا يبث من دَابَّة آيَات لقوم يوقنون وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا أنزل الله من السَّمَاء من مَاء فاحيا بِهِ الارض بعد مَوتهَا وَبث فِيهَا من كل دَابَّة وتصريف الرِّيَاح آيَات لقوم يعْقلُونَ اَوْ لم يَسِيرُوا فِي الارض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين كَانُوا من قبلهم قل سِيرُوا فِي الارض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبل ﴿وَمن آيَاته أَن خَلقكُم من تُرَاب ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون وَمن آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا لتسكنوا إِلَيْهَا وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ الى قَوْله ﴿وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره﴾ وَنَوع سُبْحَانَهُ الايات فِي هَذِه السُّور فَجعل خلق السَّمَوَات والارض وَاخْتِلَاف لُغَات الامم والوانهم آيَات للْعَالمين كلهم لاشتراكهم فِي الْعلم بذلك وظهوره ووضوح دلَالَته وَجعل خلق الازواج الَّتِي تسكن اليها الرِّجَال والقاء الْمَوَدَّة وَالرَّحْمَة بَينهم آيَات لقوم يتفكرون فَإِن سُكُون الرجل الى امْرَأَته وَمَا يكون بَينهمَا من الْمَوَدَّة والتعاطف والتراحم امْر بَاطِن مشهود بِعَين الفكرة والبصيرة فَمَتَى نظر بِهَذِهِ الْعين الى الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَالْقُدْرَة الَّتِي صدر عَنْهَا ذَلِك دلة فكره على انه الاله الْحق الْمُبين الَّذِي أقرَّت الْفطر بربوبيته والاهيته وحكمته وَرَحمته وَجعل الْمَنَام بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار للتَّصَرُّف فِي المعاش وابتغاء فَضله آيَات لقوم يسمعُونَ وَهُوَ سمع الْفَهم وتدبر هَذِه الايات وارتباطها بِمَا جعلت آيَة لَهُ مِمَّا اخبرت بِهِ الرُّسُل من حَيَاة الْعباد بعد مَوْتهمْ وقيامهم من قُبُورهم كَمَا احياهم سُبْحَانَهُ بعد مَوْتهمْ وأقامهم للتَّصَرُّف فِي معاشهم فَهَذِهِ الاية إِنَّمَا ينْتَفع بهَا من سمع مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل واصغى اليه وَاسْتدلَّ بِهَذِهِ الاية عَلَيْهِ وَجعل إراءتهم الْبَرْق وَأنزل المَاء من السَّمَاء وإحياء الارض بِهِ آيَات لقوم يعْقلُونَ فَإِن هَذِه امور مرتبَة بالابصار مُشَاهدَة بالحس فَإِذا نظر فِيهَا ببصر قلبه وَهُوَ عقله اسْتدلَّ بهَا على وجود الرب تَعَالَى وَقدرته وَعلمه وَرَحمته وحكمته إِمْكَان مَا اخبر بِهِ من حَيَاة الْخَلَائق بعد مَوْتهمْ كَمَا احيا هَذِه الارض بعدموتها وَهَذِه امور لاتدرك إِلَّا ببصر الْقلب وَهُوَ الْعقل فَإِن الْحس دلّ على الاية وَالْعقل دلّ على مَا جعلت لَهُ آيَة فَذكر سُبْحَانَهُ الاية المشهودة بالبصر والمدلول عَلَيْهِ الْمَشْهُود بِالْعقلِ فَقَالَ وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا وَينزل من السَّمَاء مَاء فيحي بِهِ الارض بعدموتها أَن فِي ذَلِك لايات لقوم يعْقلُونَ فَتَبَارَكَ

стр. 186

الَّذِي جعل كَلَامه حَيَاة للقلوب وشفاء لما فِي الصُّدُور وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا شَيْء أَنْفَع للقلب من قِرَاءَة الْقُرْآن بالتدبر والتفكر فَإِنَّهُ جَامع لجَمِيع منَازِل السائرين واحوال العاملين ومقامات العارفين وَهُوَ الَّذِي يُورث الْمحبَّة والشوق وَالْخَوْف والرجاء والانابة والتوكل وَالرِّضَا والتفويض وَالشُّكْر وَالصَّبْر وَسَائِر الاحوال الَّتِي بهَا حَيَاة الْقلب وكماله وَكَذَلِكَ يزْجر عَن جَمِيع الصِّفَات والافعال المذمومة وَالَّتِي بهَا فَسَاد الْقلب وهلاكه فَلَو علم النَّاس مَا فِي قِرَاءَة الْقُرْآن بالتدبر لاشتغلوا بهَا عَن كل مَا سواهَا فَإِذا قَرَأَهُ بتفكر حَتَّى مر بِآيَة وَهُوَ مُحْتَاجا إِلَيْهَا فِي شِفَاء قلبه كررها وَلَو مائَة مرّة وَلَو لَيْلَة فقراءة آيَة بتفكر وتفهم خير من قِرَاءَة ختمة بِغَيْر تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى الى حُصُول الايمان وذوق حلاوة الْقُرْآن وَهَذِه كَانَت عَادَة السّلف يردد احدهم الاية الى الصَّباح وَقد ثَبت عَن النَّبِي انه قَامَ بِآيَة يُرَدِّدهَا حَتَّى الصَّباح وَهِي قَوْله ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فقراءة الْقُرْآن بالتفكر هِيَ اصل صَلَاح الْقلب وَلِهَذَا قَالَ ابْن مَسْعُود لاتهذوا الْقُرْآن هَذَا الشّعْر وَلَا تنثروه نثر الدقل وقفُوا عِنْد عجائبه وحركوا بِهِ الْقُلُوب لَا يكن هم احدكم آخر السُّورَة وروى ابو ايوب عَن ابي جَمْرَة قَالَ قلت لِابْنِ عَبَّاس اني سريع الْقِرَاءَة إِنِّي اقرا الْقُرْآن فِي ثَلَاث قَالَ لَان اقْرَأ سُورَة من الْقُرْآن فِي لَيْلَة فأتدبرها وأرتلها احب الي من ان اقْرَأ الْقُرْآن كَمَا تقْرَأ والتفكر فِي الْقُرْآن نَوْعَانِ تفكر فِيهِ ليَقَع على مُرَاد الرب تَعَالَى مِنْهُ وتفكر فِي مَعَاني مَا دَعَا عباده الى التفكر فِيهِ فالاول تفكر فِي الدَّلِيل القرآني وَالثَّانِي تفكر فِي الدَّلِيل العياني الاول ففكر فِي آيَاته المسموعة وَالثَّانِي تفكر فِي آيَاته المشهودة وَلِهَذَا انْزِلْ الله الْقُرْآن ليتدبر ويتفكر فِيهِ وَيعْمل بِهِ لَا لمُجَرّد تِلَاوَته مَعَ الاعراض عَنهُ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ انْزِلْ الْقُرْآن ليعْمَل بِهِ فاتخذوا تِلَاوَته عملا فصل وَإِذا تَأَمَّلت مَا دعى الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه عباده الى الْفِكر فِيهِ اوقعك على الْعلم بِهِ وبوحدانيته وصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله من عُمُوم قدرته وَعلمه وَكَمَال حكمته وَرَحمته واحسانه وبره ولطفه وعدله وَرضَاهُ وغضبه وثوابه وعقابه فَبِهَذَا تعرف الى عباده وندبهم الى التفكر فِي آيَاته وَنَذْكُر لذَلِك امثلة مِمَّا ذكرهَا الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه يسْتَدلّ بهَا على غَيرهَا فَمن ذَلِك خلق الانسان وقدندب سُبْحَانَهُ الى التفكر فِيهِ وَالنَّظَر فِي غير مَوضِع من كِتَابه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ وَقَالَ تَعَالَى يايها النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة مخلقة وَغير مخلقة لنبين لكم ونقر فِي الارحام مَا نشَاء الى اجل مُسَمّى ثمَّ نخرجكم طفْلا ثمَّ لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل الْعُمر لكيلا يعلم من بعدعلم

стр. 187

﴿شَيْئا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كَانَ علقَة فخلق فسوى فَجعل مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم نخلقكم من مَاء مهين فجعلناه فِي قَرَار مكين إِلَى قدر مَعْلُوم فقدرنا فَنعم القادرون﴾ وَقَالَ ﴿أَو لم ير الْإِنْسَان أَنا خلقناه من نُطْفَة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين﴾ وَقَالَ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا الْعِظَام لَحْمًا ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن يَدْعُو العَبْد الى النّظر والفكر فِي مبدأ خلقه ووسطه وَآخره إِذْ نَفسه وخلقه من اعظم الدَّلَائِل على خالقه وفاطره واقرب شَيْء الى الانسان نَفسه وَفِيه من الْعَجَائِب الدَّالَّة على عَظمَة الله مَا تَنْقَضِي الاعمار فِي الْوُقُوف على بعضه وَهُوَ غافل عَنهُ معرض عَن التفكر فِيهِ وَلَو فكر فِي نَفسه لزجره مَا يعلم من عجائب خلقهَا عَن كفره قَالَ الله تَعَالَى ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره﴾ فَلم يُكَرر سُبْحَانَهُ على اسماعنا وعقولنا ذكر هَذَا لنسمع لفظ النُّطْفَة والعلقة والمضغة وَالتُّرَاب وَلَا لنتكلم بهَا فَقَط وَلَا لمُجَرّد تعريفنا بذلك بل لامر وَرَاء ذَلِك كُله هُوَ الْمَقْصُود بِالْخِطَابِ واليه جرى ذَلِك الحَدِيث فَانْظُر الان الى النُّطْفَة بِعَين البصيرة وَهِي قَطْرَة من مَاء مهين ضَعِيف مستقذر لَو مرت بهَا سَاعَة من الزَّمَان فَسدتْ وانتنت كَيفَ استخرجها رب الارباب الْعَلِيم الْقَدِير من بَين الصلب والترائب منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها وَاخْتِلَاف مجاريها الى ان سَاقهَا الى مستقرها ومجمعها وَكَيف جمع سُبْحَانَهُ بَين الذّكر والانثى والقى الْمحبَّة بَينهمَا وَكَيف قادهما بسلسلة الشَّهْوَة والمحبة الى الِاجْتِمَاع الَّذِي هُوَ سَبَب تخليق الْوَلَد وتكوينه وَكَيف قدر اجْتِمَاع ذَيْنك الماءين مَعَ بعد كل مِنْهُمَا عَن صَاحبه وساقهما من اعماق الْعُرُوق والاعضاء وجمعهما فِي مَوضِع وَاحِد جعل لَهما قرارا مكينا لَا يَنَالهُ هَوَاء يُفْسِدهُ وَلَا برد بِحَمْدِهِ وَلَا عَارض يصل اليه وَلَا آفَة تتسلط عَلَيْهِ ثمَّ قلب تِلْكَ النُّطْفَة الْبَيْضَاء الْمشْربَة علقَة حَمْرَاء تضرب الى سَواد ثمَّ جعلهَا مُضْغَة لحم مُخَالفَة للعلقة فِي لَوْنهَا وحقيقتها وشكلها ثمَّ جعله عظاما مُجَرّدَة لَا كسْوَة عَلَيْهَا مباينة للمضغة فِي شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها وَانْظُر كَيفَ قسم تِلْكَ الاجزاء المتشابهة المتساوية الى الاعصاب وَالْعِظَام وَالْعُرُوق والاوتار واليابس واللين وَبَين ذَلِك ثمَّ كَيفَ ربط بَعْضهَا بِبَعْض اقوى رِبَاط وأشده وابعده عَن الانحلال وَكَيف كساها لَحْمًا رَكبه عَلَيْهَا وَجعله وعَاء لَهَا وغشاء وحافظا وَجعلهَا حاملة لَهُ مُقِيمَة لَهُ فاللحم قَائِم بهَا وَهِي مَحْفُوظَة بِهِ وَكَيف صورها فاحسن صورها وشق لَهَا السّمع وَالْبَصَر والفم والانف وَسَائِر

стр. 188

المنافذ وَمد الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وبسطهما وَقسم رؤسهما بالاصابع ثمَّ قسم الاصابع بالانامل وَركب الاعضاء الْبَاطِنَة من الْقلب والمعدة والكبد وَالطحَال والرئة وَالرحم والمثانة والامعاء كل وَاحِد مِنْهَا لَهُ قدر يَخُصُّهُ وَمَنْفَعَة تخصه ثمَّ انْظُر الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي تركيب الْعِظَام قواما للبدن وعمادا لَهُ وَكَيف قدرهَا ربه وخالقها بتقادير مُخْتَلفَة وأشكال مُخْتَلفَة فَمِنْهَا الصَّغِير وَالْكَبِير والطويل والقصير والمنحنى والمستدير والدقيق والعريض والمصمت والمجوف وَكَيف ركب بَعْضهَا فِي بعض فَمِنْهَا مَا تركيبه تركيب الذّكر فِي الانثى وَمِنْهَا مَا تركيبه تركيب اتِّصَال فَقَط وَكَيف اخْتلفت اشكالها باخْتلَاف مَنَافِعهَا كالاضراس فَإِنَّهَا لما كَانَت آلَة للطحن جعلت عريضة وَلما كَانَت الاسنان آلَة للْقطع جعلت مستدقة محددة وَلما كَانَ الانسان مُحْتَاجا الى الْحَرَكَة بجملة بدنه وببعض اعضائه للتردد فِي حَاجته لم يَجْعَل عِظَامه عظما وَاحِدًا بل عظاما مُتعَدِّدَة وَجعل بَينهَا مفاصل حَتَّى تتيسر بهَا الْحَرَكَة وَكَانَ قدر كل وَاحِد مِنْهَا وشكله على حسب الْحَرَكَة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ وَكَيف شدّ اسر تِلْكَ المفاصل والاعضاء وربط بَعْضهَا بِبَعْض بأوتار ورباطات انبتها من اُحْدُ طرفِي الْعظم والصق اُحْدُ طرفِي الْعظم بالطرف الاخر كالرباط لَهُ ثمَّ جعل فِي اُحْدُ طرفِي الْعظم زَوَائِد خَارِجَة عَنهُ وَفِي الآخر نقرا غائصة فِيهِ مُوَافقَة لشكل تِلْكَ الزَّوَائِد ليدْخل فِيهَا وينطبق عَلَيْهَا فَإِذا أَرَادَ العَبْد ان يُحَرك جُزْء من بدنه لم يمْتَنع عَلَيْهِ وَلَوْلَا المفاصل لتعذر ذَلِك عَلَيْهِ وَتَأمل كَيْفيَّة خلق الراس وَكَثْرَة مَا فِيهِ من الْعِظَام حَتَّى قيل إِنَّهَا خَمْسَة وَخَمْسُونَ عظما مُخْتَلفَة الاشكال والمقادير وَالْمَنَافِع وَكَيف رَكبه على الْبدن وَجعله عَالِيا علو الرَّاكِب على مركوبه وَلما كَانَ عَالِيا على الْبدن جعل فِيهِ الْحَواس الْخمس وآلات الادراك كلهَا من السّمع وَالْبَصَر والشم والذوق واللمس وَجعل حاسة الْبَصَر فِي مقدمه ليَكُون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن وَركب كل عين من سبع طَبَقَات لكل طبقَة وصف مَخْصُوص وَمِقْدَار مَخْصُوص وَمَنْفَعَة مَخْصُوصَة لَو فقدت طبقَة من تِلْكَ الطَّبَقَات السَّبع اَوْ زَالَت عَن هيئتها وموضعها لتعطلت الْعين عَن الابصار ثمَّ اركز سُبْحَانَهُ دَاخل تِلْكَ الطَّبَقَات السَّبع خلقا عجيبا وَهُوَ إِنْسَان الْعين بِقدر العدسة يبصر بِهِ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب والارض وَالسَّمَاء وجعلهمن الْعين بِمَنْزِلَة الْقلب من الاعضاء فهوملكها وَتلك الطَّبَقَات والاجفان والاهداب خدم لَهُ وحجاب وحراس فَتَبَارَكَ الله احسن الْخَالِقِينَ فَانْظُر كَيفَ حسن شكل الْعَينَيْنِ وهيئتها ومقدارهما ثمَّ جملهما بالاجفان غطاء لَهما وسترا وحفظا وزينة فهما يتلقيان عَن الْعين الاذى والقذا وَالْغُبَار ويكنانهما من الْبَارِد المؤذي والحار المؤذي ثمَّ غرس فِي اطراف تِلْكَ الاجفان الاهداب جمالا وزينة ولمنافع اخر وَرَاء الْجمال والزينة ثمَّ اودعهما ذَلِك النُّور الباصر والضوء الباهر الَّذِي يخرق مَا بَين السَّمَاء والارض ثمَّ يخرق السَّمَاء مجاوزا لرؤية مَا فَوْقهَا من الْكَوَاكِب وَقد

стр. 189

اودع سُبْحَانَهُ هَذَا السِّرّ العجيب فِي هَذَا الْمِقْدَار الصَّغِير بِحَيْثُ تنطبع فِيهِ صُورَة السَّمَوَات مَعَ اتساع اكنافها وتباعد اقطارها وشق لَهُ السّمع وَخلق الاذن احسن خلقه وابلغها فِي حُصُول الْمَقْصُود مِنْهَا فَجَعلهَا مجوفة كالصدفة لِتجمع الصَّوْت فتؤديه الى الصماخ وليحس بدبيب الْحَيَوَان فِيهَا فيبادر الى اخراجه وَجعل فِيهَا غضونا وتجاويف واعوجاجات تمسك الْهَوَاء وَالصَّوْت الدَّاخِل فتكسر حِدته ثمَّ تُؤَدِّيه الى الصماخ وَمن حِكْمَة ذَلِك ان يطول بِهِ الطَّرِيق على الْحَيَوَان فَلَا يصل الى الصماخ حَتَّى يَسْتَيْقِظ اَوْ ينتبه لامساكه وَفِيه ايضا حكم غير ذَلِك ثمَّ اقْتَضَت حِكْمَة الرب الْخَالِق سُبْحَانَهُ ان جعل مَاء الاذن مرا فِي غَايَة المرارة فَلَا يُجَاوِزهُ الْحَيَوَان وَلَا يقطعهُ دَاخِلا الى بَاطِن الاذن بل إِذا وصل اليه اعْمَلْ الْحِيلَة فِي رُجُوعه وَجعل مَاء الْعَينَيْنِ ملحا ليحفظها فَإِنَّهَا شحمة قَابِلَة للْفَسَاد فَكَانَت ملوحة مَائِهَا صِيَانة لَهَا وحفظا وَجعل مَاء الْفَم عذبا حلوا ليدرك بِهِ طعوم الاشياء على مَا هِيَ عَلَيْهِ إِذْ لَو كَانَ على غير هَذِه الصّفة لاحالها الى طَبِيعَته كَمَا ان من عرض لفمه المرارة اسْتمرّ طعم الاشياء الَّتِي لَيست بِمرَّة كَمَا قيل وَمن يَك ذَا فَم مر مَرِيض ... يجدمرا بِهِ المَاء الزلالا وَنصب سُبْحَانَهُ قَصَبَة الانف فِي الْوَجْه فَأحْسن شكله وهيأته وَوَضعه وَفتح فِيهِ المنخرين وحجز بَينهمَا بحاجز واودع فيهمَا حاسة الشم الَّتِي تدْرك بهَا انواع الروائح الطّيبَة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق بِهِ الْهَوَاء فيوصله الى الْقلب فيتروح بِهِ ويتغذى بِهِ ثمَّ لم يَجْعَل فِي دَاخله من الاعوجاجات والغضون مَا جعل فِي الاذن لِئَلَّا يمسك الرَّائِحَة فيضعفها وَيقطع مجْراهَا وَجعله سُبْحَانَهُ مصبا تنحدر اليه فضلات الدِّمَاغ فتجتمع فِيهِ ثمَّ تخرج مِنْهُ واقتضت حكمته ان جعل اعلاه ادق من اسفله لَان اسفله إِذا كَانَ وَاسِعًا اجْتمعت فِيهِ تِلْكَ الفضلات فَخرجت بسهولة ولانه يَأْخُذ من الْهَوَاء ملأَهُ ثمَّ يتصاعد فِي مجْرَاه قَلِيلا حَتَّى يصل الى الْقلب وصُولا لَا يضرّهُ وَلَا يزعجه ثمَّ فصل بَين المنخرين بحاجز بَينهمَا حِكْمَة مِنْهُ وَرَحْمَة فَإِنَّهُ لما كَانَ قَصَبَة ومجرى ساترا لما يتحدر فِيهِ من فضلات الراس ومجرى النَّفس الصاعد مِنْهُ جعل فِي وَسطه حاجزا لِئَلَّا يفْسد بِمَا يجرى فِيهِ فَيمْنَع نشقه للنَّفس بل إِمَّا ان تعتمد الفضلات نازلة من اُحْدُ المنفذين فِي الْغَالِب فَيبقى الاخر للتنفس وَإِمَّا ان يجرى فيهمَا فينقسم فَلَا ينسد الانف جملَة بل يبْقى فِيهِ مدْخل للتنفس وايضا فَإِنَّهُ لما كَانَ عضوا وَاحِدًا وحاسة وَاحِدَة وَلم يكن عضوين وحاستين كالاذنين والعينين اللَّتَيْنِ اقْتَضَت الْحِكْمَة تعددهما فَإِنَّهُ رُبمَا اصيبت احداهما اوعرضت لَهَا آفَة تمنعها من كمالها فَتكون الاخرى سَالِمَة فَلَا تتعطل

стр. 190

مَنْفَعَة هَذَا الْحس جملَة وَكَانَ وجود انفين فِي الْوَجْه شَيْئا ظَاهرا فنصب فِيهِ انفا وَاحِدًا وَجعل فِيهِ منفذين حجز بَينهمَا بحاجز يجرى مجْرى تعدد الْعَينَيْنِ والاذنين فِي الْمَنْفَعَة وَهُوَ وَاحِد فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين واحسن الْخَالِقِينَ وشق سُبْحَانَهُ للْعَبد الْفَم فِي احسن مَوضِع واليقه بِهِ واودع فِيهِ من الْمَنَافِع وآلات الذَّوْق وَالْكَلَام وآلات الطَّحْن وَالْقطع مَا يبهر الْعُقُول عجائبه فأودعه اللِّسَان الَّذِي هُوَ اُحْدُ آيَاته الدَّالَّة عَلَيْهِ وَجعله ترجمانا لملك الاعضاء مُبينًا مُؤديا عَنهُ كَمَا جعل الاذن رَسُولا مُؤديا مبلغا اليه فَهِيَ رَسُوله وبريده الَّذِي يُؤَدِّي اليه الاخبار وَاللِّسَان بريده وَرَسُوله الَّذِي يُؤَدِّي عَنهُ مَا يُرِيد واقتضت حكمته سُبْحَانَهُ ان جعل هَذَا الرَّسُول مصونا مَحْفُوظًا مَسْتُورا غير بارز مَكْشُوف كالاذن وَالْعين والانف لَان تِلْكَ الاعضاء لما كَانَت تُؤدِّي من الْخَارِج اليه جعلت بارزة ظَاهِرَة وَلما كَانَ اللِّسَان مُؤديا مِنْهُ الى الْخَارِج جعل لَهُ سترا مصونا لعدم الْفَائِدَة فِي إبرازه لانه لَا يَأْخُذ من الْخَارِج الى الْقلب وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ لما كَانَ اشرف الاعضاء بعدالقلب ومنزلته مِنْهُ منزلَة ترجمانه ووزيره ضرب عَلَيْهِ سرادق تستره وتصونه وَجعل فِي ذَلِك السرادق كالقلب فِي الصَّدْر وايضا فَإِنَّهُ من الطف الاعضاء والينها واشدها رُطُوبَة وَهُوَ لَا يتَصَرَّف إِلَّا بِوَاسِطَة الرُّطُوبَة المحيطة بِهِ فَلَو كَانَ بارزا صارعرضة للحرارة واليبوسة والنشاف الْمَانِع لَهُ من التَّصَرُّف ولغير ذَلِك من الحكم والفوائد ثمَّ زين سُبْحَانَهُ الْفَم بِمَا فِيهِ من الاسنان الَّتِي هن جمال لَهُ وزينة وَبهَا قوام العَبْد وغذاؤه وَجعل بَعْضهَا ارحاء للطحن وَبَعضهَا آلَة للْقطع فاحكم اصولها وحدد رؤسها وبيض لَوْنهَا ورتب صفوفها مُتَسَاوِيَة الرؤس متناسقة التَّرْتِيب كَأَنَّهَا الدّرّ المنظوم بَيَاضًا وصفاء وحسنا واحاط سُبْحَانَهُ على ذَلِك حائطين واودعهما من الْمَنَافِع وَالْحكم مَا اودعهما وهما الشفتان فَحسن لونهما وشكلهما وَوَضعهمَا وهيأتهماوجعلهما غطاء للفم وطبقا لَهُ وجعلهما إتماما لمخارج حُرُوف الْكَلَام وَنِهَايَة لَهُ كَمَا جعل اقصى الْحلق بداية لَهُ وَاللِّسَان وَمَا جاوره وسطا وَلِهَذَا كَانَ اكثر الْعَمَل فِيهَا لَهُ إِذْ هُوَ الْوَاسِطَة واقتضت حكمته ان جعل الشفتين لَحْمًا صرفا لَا عظم فِيهِ وَلَا عصب ليتَمَكَّن بهما من مص الشَّرَاب ويسهل عَلَيْهِ فتحهما وطبقهما وَخص الفك الاسفل بِالتَّحْرِيكِ لَان تَحْرِيك الاخف احسن ولانه يشْتَمل على الاعضاء الشَّرِيفَة فَلم يخاطر بهَا فِي الْحَرَكَة وَخلق سُبْحَانَهُ الْحَنَاجِر مُخْتَلفَة الاشكال فِي الضّيق وَالسعَة والخشونة والملاسة والصلابة واللين والطول وَالْقصر فاختلفت بذلك الاصوات اعظم اخْتِلَاف وَلَا يكَاد يشْتَبه صوتان إِلَّا نَادرا وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيح قبُول شَهَادَة الاعمى لتمييزه بَين الاشخاص بأصواتهم كَمَا يُمَيّز الْبَصِير بَينهم بصورهم والاشتباه الْعَارِض بَين الاصوات كالاشتباه الْعَارِض بَين الصُّور وزين سُبْحَانَهُ الرَّأْس بالشعر وَجعله لباسا لَهُ لاحتياجه اليه وزين الْوَجْه بِمَا

стр. 191

انبت فِيهِ من الشُّعُور الْمُخْتَلفَة الاشكال والمقادير فزينه بالحاجبين وجعلهما وقاية لما يتحدر من بشرة الراس الى الْعَينَيْنِ وقوسهما وَأحسن خطهما وزين أجفاف الْعَينَيْنِ بالاهداب وزين الْوَجْه ايضا باللحية وَجعلهَا كمالا ووقارا ومهابة لرجل زين الشفتين بِمَا انبت فَوْقهمَا من الشَّارِب وتحتهما من العنفقة وَكَذَلِكَ خلقه سُبْحَانَهُ لِلْيَدَيْنِ اللَّتَيْنِ هما آلَة العَبْد وسلاحه وَرَأس مَال معاشه فطولهما يحيث يصلان الى مَا شَاءَ من بدنه وَعرض الْكَفّ ليتَمَكَّن بِهِ من الْقَبْض والبسط وَقسم فِيهِ الاصابع الْخمس وَقسم كل اصبع بِثَلَاث انامل والابهام بِاثْنَتَيْنِ وَوضع الاصابع الاربعة فِي جَانب والابهام فِي جَانب لتدور الابهام على الْجَمِيع فَجَاءَت على احسن وضع صلحت بِهِ للقبض والبسط ومباشرة الاعمال وَلَو اجْتمع الاولون والاخرون على ان يستنبطوا بدقيق افكارهم وضعا آخر للاصابع سوى مَا وضعت عَلَيْهِ لم يَجدوا اليه سَبِيلا فَتَبَارَكَ من لَو شَاءَ لسواها وَجعلهَا طبقًا وَاحِدًا كالصفيحة فَلم يتَمَكَّن العَبْد بذلك من مصالحة وانواع تَصَرُّفَاته ودقيق الصَّنَائِع والخط وَغير ذَلِك فَإِن بسط اصابعه كَانَت طبقًا يضع عَلَيْهِ مَا يُرِيد وان ضمهَا وَقَبضهَا كَانَت دبوسا وَآلَة للضرب وان جعلهَا بَين الضَّم والبسط كَانَت مغرفة لَهُ يتَنَاوَل بهَا وَتمسك فِيهَا مَا يتَنَاوَلهُ وَركب الاظفار على رؤسها زِينَة لَهَا وعمادا ووقاية وليلتقط بهَا الاشياء الدقيقة الَّتِي لَا ينالها جسم الاصابع وَجعلهَا سِلَاحا لغيره من الْحَيَوَان وَالطير وَآلَة لمعاشه وليحك الانسان بهَا بدنه عِنْد الْحَاجة فالظفر الَّذِي هُوَ أقل الاشياء وأحقرها لَو عَدمه الانسان ثمَّ ظَهرت بِهِ حكة لاشتدت حَاجته اليه وَلم يقم مقَامه شَيْء فِي حك بدنه ثمَّ هدى الْيَد الى مَوضِع الحك حَتَّى تمتد اليه وَلَو فِي النّوم والغفلة من غير حَاجَة الى طلب وَلَو اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ لم يعثر على مَوضِع الحك الا بعد تَعب ومشقة ثمَّ انْظُر الى الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي جعل عِظَام اسفل الْبدن غَلِيظَة قَوِيَّة لانها اساس لَهُ وَعِظَام اعاليه دونهَا فِي الثخانة والصلابة لانها مَحْمُولَة ثمَّ انْظُر كَيفَ جعل الرَّقَبَة مركبا للرأس وركبها من سبع خَرَزَات مجوفات مستديرات ثمَّ طبق بَعْضهَا على بعض وَركب كل خرزة تركيبا محكما متقنا حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا خرزة وَاحِدَة ثمَّ ركب الرَّقَبَة على الظّهْر والصدر ثمَّ ركب الظّهْر من أَعْلَاهُ الى مُنْتَهى عظم الْعَجز من أَربع وَعشْرين خرزة مركبة بَعْضهَا فِي بعض هِيَ مجمع اضلاعه وَالَّتِي تمسكها ان تنْحَل وتنفصل ثمَّ وصل تِلْكَ الْعِظَام بَعْضهَا بِبَعْض فوصل عِظَام الظّهْر بعظام الصَّدْر وَعِظَام الْكَتِفَيْنِ بعظام العضدين والعضدين بالذراعين والذراعين بالكف والاصابع وَانْظُر كَيفَ كسا الْعِظَام العريضة كعظام الظّهْر والراس كسْوَة من اللَّحْم تناسبها وَالْعِظَام الدقيقة كسْوَة تناسبها كالاصابع والمتوسطة كَذَلِك كعظام الذراعين والعضدين فَهُوَ مركب على ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ عظما مِائَتَان وَثَمَانِية وَأَرْبَعُونَ مفاصل وباقيها صغَار حشيت خلال المفاصل فَلَو زَادَت عظما وَاحِدًا لَكَانَ مضرَّة على الانسان

стр. 192

يحْتَاج الى قلعة وَلَو نقصت عظما وَاحِدًا كَانَ نُقْصَانا يحْتَاج الى جبره فالطبيب ينظر فِي هَذِه الْعِظَام وَكَيْفِيَّة تركيبها ليعرف وَجه العلاج فِي جبرها والعارف ينظر فِيهَا ليستدل بهَا على عَظمَة باريها وخالقها وحكمته وَعلمه ولطفه وَكم بَين النظرين ثمَّ انه سُبْحَانَهُ ربط تِلْكَ الاعضاء والاجزاء بالرباطات فَشد بهَا اسرها وَجعلهَا كالاوتاد تمسكها وتحفظها حَتَّى بلغ عَددهَا الى خَمْسمِائَة وَتِسْعَة وَعشْرين رِبَاطًا وَهِي مُخْتَلفَة فِي الغلظ والدقة والطول وَالْقصر والاستقامة والانحناء بِحَسب اخْتِلَاف موَاضعهَا ومحالها فَجعل مِنْهَا اربعة وَعشْرين رِبَاطًا آلَة لتحريك الْعين وَفتحهَا وَضمّهَا وإبصارها لَو نقضت مِنْهُنَّ رِبَاطًا وَاحِدًا اخْتَلَّ امْر الْعين وَهَكَذَا لكل عُضْو من الاعضاء رباطات هن لَهُ كالالات الَّتِي بهَا يَتَحَرَّك ويتصرف وَيفْعل كل ذَلِك صنع الرب الْحَكِيم وَتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم فِي قَطْرَة مَاء مهين فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين وَمن عجائب خلقه انه جعل فِي الراس ثَلَاث خَزَائِن نَافِذا بَعْضهَا الى بعض خزانَة فِي مقدمه وخزانة فِي وَسطه وخزانة فِي آخِره واودع تِلْكَ الخزائن من أسراره مَا اودعها من الذّكر والفكر والتعقل وَمن عجائب خلقه مَا فِيهِ من الامور الْبَاطِنَة الَّتِي لَا تشاهد كالقلب والكبد وَالطحَال والرئة والامعاء والمثانة وَسَائِر مَا فِي بَطْنه من الالات العجيبة والقوى المتعددة الْمُخْتَلفَة الْمَنَافِع فَأَما الْقلب فَهُوَ الْملك الْمُسْتَعْمل لجَمِيع آلَات الْبدن والمستخدم لَهَا فَهُوَ محفوف بهَا محشود مخدوم مُسْتَقر فِي الْوسط وَهُوَ اشرف اعضاء الْبدن وَبِه قوام الْحَيَاة وَهُوَ منبع الرّوح الحيواني والحرارة الغريزية وَهُوَ مَعْدن الْعقل وَالْعلم والحلم والشجاعة وَالْكَرم وَالصَّبْر وَالِاحْتِمَال وَالْحب والارادة وَالرِّضَا وَالْغَضَب وَسَائِر صِفَات الْكَمَال فَجَمِيع الاعضاء الظَّاهِرَة والباطنة وقواها انما هِيَ جند من اجناد الْقلب فَإِن الْعين طليعته ورائده الَّذِي يكْشف لَهُ المرئيات فَإِن رَأَتْ شَيْئا أدته اليه ولشدة الارتباط الَّذِي بَينهَا وَبَينه إِذا اسْتَقر فِيهِ شَيْء ظهر فِيهَا فَهِيَ مرآته المترجمة للنَّاظِر مَا فِيهِ كَمَا ان اللِّسَان ترجمانه الْمُؤَدِّي للسمع مَا فِيهِ وَلِهَذَا كثيرا مَا يقرن سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه بَين هَذِه الثَّلَاث كَقَوْلِه ﴿إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وَقَوله ﴿وَجَعَلنَا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ وَقَوله ﴿صم بكم عمي﴾ وَقد تقدم ذَلِك وَكَذَلِكَ يقرن بَين الْقلب وَالْبَصَر كَقَوْلِه ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ وَقَوله فِي حق رَسُوله مُحَمَّد مَا كذب الْفُؤَاد وَمَا رأى ثمَّ قَالَ ﴿مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طَغى﴾ وَكَذَلِكَ الاذن هِيَ رَسُوله الْمُؤَدى اليه وَكَذَلِكَ اللِّسَان ترجمانه وَبِالْجُمْلَةِ فسائر الاعضاء خدمه وَجُنُوده وَقَالَ النَّبِي الا ان فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح لَهَا سَائِر الْجَسَد وَإِذا فَسدتْ فسد لَهَا سَائِر الْجَسَد إِلَّا وَهِي الْقلب وَقَالَ ابو هُرَيْرَة الْقلب ملك والاعضاء جُنُوده فان طَابَ الْملك طابت جُنُوده وَإِذا خبث الْملك خبثت جُنُوده وَجعلت الرئة لَهُ كالمروحة تروح عَلَيْهِ دَائِما لانه اشد الاعضاء

стр. 193

حرارة بل هُوَ منبع الْحَرَارَة واما الدِّمَاغ وَهُوَ المخ فَإِنَّهُ جعل بَارِدًا وَاخْتلف فِي حِكْمَة ذَاك فَقَالَت طَائِفَة إِنَّمَا كَانَ الدِّمَاغ بَارِد التبريد الْحَرَارَة الَّتِي فِي الْقلب ليردها عَن الافراط الى الِاعْتِدَال وَردت طَائِفَة هَذَا وَقَالَت لَو كَانَ كَذَلِك لم يكن الدِّمَاغ بَعيدا عَن الْقلب بل كَانَ يَنْبَغِي ان يُحِيط بِهِ كالرئة اَوْ يكون قَرِيبا مِنْهُ فِي الصَّدْر ليكسر حرارته قَالَت الْفرْقَة الاولى بعدالدماغ من الْقلب لَا يمْنَع مَا ذَكرْنَاهُ من الْحِكْمَة لانه لَو قرب مِنْهُ لغلبته حرارة الْقلب بقوتها فَجعل الْبعد بَينهمَا بِحَيْثُ لَا يتفاسدان وتعتدل كَيْفيَّة كل وَاحِد مِنْهُمَا بكيفية الاخر وَهَذَا بِخِلَاف الرئة فَإِنَّهَا آلَة للترويح على الْقلب لم تجْعَل لتعديل حرارته وتوسطت فرقة أُخْرَى وَقَالَت بل المخ حَار لكنه فاتر الْحَرَارَة وَفِيه تبريد بالخاصية فَإِنَّهُ مبدأ للذهن وَلِهَذَا كَانَ الذِّهْن يحْتَاج الى مَوضِع سَاكن قار صَاف عَن الاقذار والكدر خَال من الجلبة والزجل وَلذَلِك يكون جودة الْفِكر والتذكر واستخراج الصَّوَاب عِنْد سُكُون الْبدن وفتور حركاته وَقلة شواغله ومزعجاته وَلذَلِك لم يصلح لَهَا الْقلب وَكَانَ الدِّمَاغ معتدلا فِي ذَلِك صَالحا لَهُ وَلذَلِك تجود هَذِه الافعال فِي اللَّيْل وَفِي الْمَوَاضِع الخالية وتفسد عِنْد التهاب نَار الْغَضَب والشهوة وَعند الْهم الشَّديد وَمَعَ التَّعَب والحركات القوية الْبَدَنِيَّة والنفسانية وَهَذَا بحث مُتَّصِل بقاعدة اخرى وَهِي ان الْحَواس وَالْعقل هَل مبدؤها الْقلب والدماغ فَقَالَت طَائِفَة مبدؤها كلهَا الْقلب وَهِي مرتبطة بِهِ وَبَينه وَبَين الْحَواس منافذ وطرق قَالُوا وكل وَاحِد من هَذِه الاعضاء الَّتِي هِيَ آلَات الْحَواس لَهُ اتِّصَال بِالْقَلْبِ بأعصاب وَغير ذَلِك وَهَذِه الاعصاب تخرج من الْقلب الى ان تَأتي الى كل وَاحِد من هَذِه الاجسام الَّتِي فِيهَا هَذِه الْحَواس قَالُوا فالعين إِذا ابصرت شَيْئا أدته بالالة الَّتِي فِيهَا الى الْقلب لَان هَذِه الالة مُتَّصِلَة مِنْهَا الى الْقلب والسمع إِذا احس صَوتا اداه الى الْقلب وَكَذَلِكَ كل حاسة ثمَّ اوردوا على انفسهم سؤالا فَقَالُوا ان قيل كَيفَ يجوز ان يكون عُضْو وَاحِد على ضروب من الامتزاج يمده عدَّة حواس مُخْتَلفَة وأجسام هَذِه الْحَواس مُخْتَلفَة وَقُوَّة كل حاسة مُخَالفَة لقُوَّة الحاسة الاخرى واجابوا عَن ذَلِك بِأَن جَمِيع الْعُرُوق الَّتِي فِي الْبدن كلهَا مُتَّصِلَة بِالْقَلْبِ إِمَّا بِنَفسِهَا وَإِمَّا بِوَاسِطَة فَمَا من عرق وَلَا عُضْو الاوله اتِّصَال بِالْقَلْبِ اتِّصَالًا قَرِيبا اَوْ بَعيدا قَالُوا وينبعث مِنْهُ فِي تِلْكَ الْعُرُوق والمجاري الى كل عُضْو مَا بناسبه ويشاكله فينبعث مِنْهُ الى الْعَينَيْنِ مَا يكون مِنْهُ حس الْبَصَر وَإِلَى الاذنين مَا يدْرك بِهِ المسموعات وَإِلَى اللَّحْم مَا يكون مِنْهُ حس اللَّمْس وَإِلَى الانف مَا يكون بِهِ حس الشم وَإِلَى اللِّسَان مَا يكون بِهِ حس الذَّوْق وَإِلَى كل ذِي قُوَّة مَا يمد قوته ويحفظها فَهُوَ الْمعد لهَذِهِ الاعضاء والحواس والقوى وَلِهَذَا كَانَ الراي الصَّحِيح انه اول الاعضاء تكوينا قَالُوا وَلَا ريب ان مبدأ الْقُوَّة الْعَاقِلَة مِنْهُ وَإِن كَانَ قد خَالف فِي ذَلِك آخَرُونَ وَقَالُوا بل الْعقل

стр. 194

فِي الرَّأْس فَالصَّوَاب ان مبدأه ومنشأه من الْقلب وفروعه وثمرته فِي الراس وَالْقُرْآن قد دلّ على هَذَا بقوله ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ وَقَالَ ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ وَلم يرد بِالْقَلْبِ هُنَا مُضْغَة اللَّحْم الْمُشْتَركَة بَين الْحَيَوَانَات بل المُرَاد مَا فِيهِ من الْعقل واللب ونازعهم فِي ذَلِك طَائِفَة اخرى وَقَالُوا مبدأ هَذِه الْحَواس إِنَّمَا هُوَ الدِّمَاغ وانكروا ان يكون بَين الْقلب وَالْعين والاذن والانف اعصاب اَوْ عروف وَقَالُوا هَذَا كذب على الْخلقَة وَالصَّوَاب التَّوَسُّط بَين الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ ان الْقلب تنبعث مِنْهُ قُوَّة الى هَذِه الْحَواس وَهِي قُوَّة معنوية لَا تحْتَاج فِي وصولها اليه الى مجار مَخْصُوصَة واعصاب تكون حاملة لَهَا فَإِن وُصُول القوى الى هَذِه الْحَواس والاعضاء لَا يتَوَقَّف الاعلى قبُولهَا واستعداها وامداد الْقلب لَا على مجار وأعصاب وَبِهَذَا يَزُول الالتباس فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي طَال فِيهِ الْكَلَام وَكثر فِيهِ النزاع وَالْخِصَام وَالله اعْلَم وَبِه التَّوْفِيق للصَّوَاب وَالْمَقْصُود التَّنْبِيه على أقل الْقَلِيل من وُجُوه الْحِكْمَة الَّتِي فِي خلق الانسان والامر اضعاف اضعاف مَا يخْطر بالبال اَوْ يجرى فِيهِ الْمقَال وَإِنَّمَا فَائِدَة ذكر هَذِه الشذرة الَّتِي هِيَ كل شَيْء بِالنِّسْبَةِ الى مَا وَرَاءَهَا التَّنْبِيه وَإِذا نظر العَبْد الى غذائه فَقَط فِي مدخله ومستقره ومخرجه رأى فِيهِ العبر والعجائب كَيفَ جعلت لَهُ آلَة يتَنَاوَل بهَا ثمَّ بَاب يدْخل مِنْهُ ثمَّ آلَة تقطعه صغَارًا ثمَّ طاحون يطحنه ثمَّ اعين بِمَاء يعجنه ثمَّ جعل لَهُ مجْرى وطريقا الى جَانب النَّفس ينزل هَذَا ويصعد هَذَا فَلَا يَلْتَقِيَانِ مَعَ غَايَة الْقرب ثمَّ جعل لَهُ حوايا وطرقا توصله الى الْمعدة فَهِيَ خزانته وَمَوْضِع اجتماعه وَلها بَابَانِ بَاب اعلى يدْخل مِنْهُ الطَّعَام وَبَاب اسفل يخرج مِنْهُ تفله وَالْبَاب الاعلى اوسع من الاسفل إِذْ الاعلى مدْخل للحاصل والاسفل مصرف للضار مِنْهُ والاسفل منطبق دَائِما ليستقر الطَّعَام فِي مَوْضِعه فَإِذا انْتهى الهضم فَإِن ذَلِك الْبَاب ينفتح الى انْقِضَاء الدّفع وَيُسمى البواب لذَلِك والاعلى يُسمى فَم الْمعدة وَالطَّعَام ينزل الى الْمعدة متكيمسا فَإِذا اسْتَقر فِيهَا انماع وذاب ويحيط بالمعدة من داخلها وخارجها حرارة نارية بل رُبمَا تزيد على حرارة النَّار ينضج بهَا الطَّعَام فِيهَا كَمَا ينضج الطَّعَام فِي الْقدر بالنَّار المحيطة بِهِ وَلذَلِك يذيب مَا هُوَ مستحجر كالحصا وَغَيره حَتَّى يتْركهُ مَائِعا فَإِذا أذابته علا صَفوه الى فَوق ورس كدره الى اسفل وَمن الْمعدة عروق مُتَّصِلَة بِسَائِر الْبدن يبْعَث فِيهَا مَعْلُوم كل عُضْو وقوامه بِحَسب استعداه وقبوله فيبعث اشرف مَا فِي ذَلِك والطفه واخفه الى الارواح فيبعث الى الْبَصَر بصرا والى السّمع سمعا والى الشم شما والى كل حاسة بحسبها فَهَذَا الطف مَا يتَوَلَّد عَن الْغذَاء ثمَّ ينبعث مِنْهُ الى الدِّمَاغ مَا يُنَاسِبه فِي اللطافة والاعتدال ثمَّ ينبعث من الْبَاقِي الى الاعضاء فِي تِلْكَ المجاري بحسبها وينبعث مِنْهُ الى الْعِظَام وَالشعر والاظفار مَا يغذيها

стр. 195

ويحفظها فَيكون الْغذَاء دَاخِلا الى الْمعدة من طرق ومجار وخارجا مِنْهَا الى الاعضاء من طرق ومجار هَذَا وَارِد اليها وَهَذَا صادر عَنْهَا حِكْمَة بَالِغَة ونعمة سابغة وَلما كَانَ الْغذَاء إِذا اسْتَحَالَ فِي الْمعدة اسْتَحَالَ دَمًا وَمرَّة سَوْدَاء وَمرَّة صفراء وبلغما اقْتَضَت حكمته ان جعل لكل وَاحِد من هَذِه الاخلاط مصرفا ينصب اليه ويجتمع فِيهِ وَلَا ينبعث الى الاعضاء الشَّرِيفَة الا أكمله فَوضع المرارة مصبا للمرة الصَّفْرَاء وَوضع الطحال مقرا للمرة السَّوْدَاء والكبد تمتص اشرف مَا فِي ذَلِك وَهُوَ الدَّم ثمَّ تبعثه الى جَمِيع الْبدن من عرق وَاحِد يَنْقَسِم على مجار كَثِيرَة يُوصل الى كل وَاحِد من الشُّعُور والاعصاب وَالْعِظَام وَالْعُرُوق مَا يكون بِهِ قوامه ثمَّ إِذا نظرت الى مَا فِيهِ من القوى الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة الْمُخْتَلفَة فِي انفسها ومنافعها رايت الْعجب العجاب كقوة سَمعه وبصره وَشمه وزوقه ولمسه وحبه وبغضه وَرضَاهُ وغضبه وَغير ذَلِك من القوى الْمُتَعَلّقَة بالادراك والارادة وَكَذَلِكَ القوى المتصرفة فِي غذائه كالقوة المنضجة لَهُ وكالقوة الماسكة لَهُ والدافعة لَهُ الى الاعضاء وَالْقُوَّة الهاضمة لَهُ بعد اخذ الاعضاء حَاجَتهَا مِنْهُ الى غير ذَلِك من عجائب خلقته الظَّاهِرَة والباطنة فصل فَارْجِع الان الى النُّطْفَة وَتَأمل حَالهَا اولا وَمَا صَارَت اليه ثَانِيًا وَأَنه لَو اجْتمع الانس وَالْجِنّ على ان يخلقوا لَهَا سمعا اَوْ بصرا اَوْ عقلا اَوْ قدرَة اَوْ علما اَوْ روحا بل عظما وَاحِدًا من اصغر عظامها بل عرقا من ادق عروقها بل شَعْرَة وَاحِدَة لعجزوا عَن ذَلِك بل ذَلِك كُله آثَار صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء فِي قَطْرَة من مَاء مهين فَمن هَذَا صنعه فِي قَطْرَة مَاء فَكيف صنعه فِي ملكوت السَّمَوَات وعلوها وسعتها واستدارتها وَعظم خلقهَا وَحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها واشكالها وتفاوت مشارقها وَمَغَارِبهَا فَلَا ذرة فِيهَا تنفك عَن حِكْمَة بل هِيَ احكم خلقا واتقن صنعا واجمع الْعَجَائِب من بدن الانسان بل لَا نِسْبَة لجَمِيع مَا فِي الارض الى عجائب السَّمَوَات قَالَ الله تَعَالَى ﴿أأنتم أَشد خلقا أم السَّمَاء بناها رفع سمكها فسواها﴾ وَقَالَ تَعَالَى ان فِي خلق السَّمَوَات والارض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع النَّاس الى قَوْله ﴿لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَبَدَأَ بِذكر خلق السَّمَوَات وَقَالَ تَعَالَى ان فِي خلق السَّمَوَات والارض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لايات لاولي الالباب وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن فالارض والبحار والهواء وكل مَا تَحت السَّمَوَات بالاضافة الى السَّمَوَات كقطرة فِي بَحر وَلِهَذَا قل ان تَجِيء سُورَة فِي الْقُرْآن الا وفيهَا ذكرهَا إِمَّا إِخْبَارًا عَن عظمها وسعتها وَإِمَّا اقساما بهَا وَإِمَّا دُعَاء الى النّظر فِيهَا وَإِمَّا ارشادا للعباد ان يستدلوا بهَا على عظ

стр. 196

بانيها ورافعها وَإِمَّا اسْتِدْلَالا مِنْهُ سُبْحَانَهُ بخلقها على مَا أخبر بِهِ من الْمعَاد وَالْقيمَة وَإِمَّا اسْتِدْلَالا مِنْهُ بربوبيته لَهَا على وحدانيته وَأَنه الله الَّذِي لَا إِلَه الا هُوَ وَإِمَّا اسْتِدْلَالا مِنْهُ بحسنها واستوائها والتئام اجزائها وَعدم الفطور فِيهَا على تَمام حكمته وَقدرته وَكَذَلِكَ مَا فِيهَا من الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر والعجائب الَّتِي تتقاصر عقول الْبشر عَن قليلها فكم من قسم فِي الْقُرْآن بهَا كَقَوْلِه ﴿وَالسَّمَاء ذَات البروج﴾ ﴿وَالسَّمَاء والطارق﴾ ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ ﴿وَالسَّمَاء ذَات الرجع﴾ ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ ﴿والنجم إِذا هوى﴾ والنجم الثاقب ﴿فَلَا أقسم بالخنس﴾ وَهِي الْكَوَاكِب الَّتِي تكون خنسا عِنْد طُلُوعهَا جوَار فِي مجْراهَا ومسيرها كنسا عِنْد غُرُوبهَا فاقسم بهَا فِي أحوالها الثَّلَاثَة وَلم يقسم فيكتابه بِشَيْء من مخلوقاته أَكثر من السَّمَاء والنجوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَهُوَ سُبْحَانَهُ يقسم بِمَا يقسم بِهِ من مخلوقاته لتَضَمّنه الايات والعجائب الدَّالَّة عَلَيْهِ وَكلما كَانَ اعظم آيَة وأبلغ فِي الدّلَالَة كَانَ إقسامه بِهِ اكثر من غَيره وَلِهَذَا يعظم هَذَا الْقسم كَقَوْلِه ﴿فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم وَإنَّهُ لقسم لَو تعلمُونَ عَظِيم﴾ وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ انه قسم بمواقع هَذِه النُّجُوم الَّتِي فِي السَّمَاء فَإِن اسْم النُّجُوم عِنْد الاطلاق إِنَّمَا ينْصَرف اليها وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لم تجر عَادَته سُبْحَانَهُ بِاسْتِعْمَال النُّجُوم فِي آيَات الْقُرْآن وَلَا فِي مَوضِع وَاحِد من كِتَابه حَتَّى تحمل عَلَيْهِ هَذِه الاية وَجَرت عَادَته بِاسْتِعْمَال النُّجُوم فِي الْكَوَاكِب فِي جَمِيع الْقُرْآن وَأَيْضًا فَإِن نَظِير الاقسام بمواقعها هُنَا إقسامه بهوى النَّجْم فِي قَوْله والنجم إذاهوى وايضا فَإِن هَذَا قَول جُمْهُور اهل التَّفْسِير وايضا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يقسم بِالْقُرْآنِ نَفسه لَا بوصوله إِلَى عباده هَذِه طَريقَة الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى ﴿ص وَالْقُرْآن ذِي الذّكر﴾ ﴿يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم﴾ ﴿ق وَالْقُرْآن الْمجِيد﴾ ﴿حم وَالْكتاب الْمُبين﴾ ونظائره وَالْمَقْصُود انه سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يقسم من مخلوقاتهبما هُوَ من آيَاته الدَّالَّة على ربوبيته ووحدانيته وَقد اثنى سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه على المتفكرين فِي خلق السَّمَوَات والارض وذم المعرضين عَن ذَلِك فَقَالَ ﴿وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا وهم عَن آياتها معرضون﴾ وَتَأمل خلق هَذَا السّقف الاعظم مَعَ صلابته وشدته ووثاقته من دُخان وَهُوَ بخار المَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وبنينا فَوْقكُم سبعا شدادا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أأنتم أَشد خلقا أم السَّمَاء بناها رفع سمكها فسواها﴾ وَقَالَ ﴿وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا﴾ فَانْظُر الى هَذَا الْبناء الْعَظِيم الشَّديد الْوَاسِع الَّذِي رفع سمكه اعظم ارْتِفَاع وزينه باحسن زِينَة وأودعه الْعَجَائِب والايات وَكَيف ابْتَدَأَ خلقه من بخار ارْتَفع من المَاء وَهُوَ الدُّخان فسبحان من لَا يقدر الْخلق قدره ... وَمن هُوَ فَوق الْعَرْش فَرد موحد لقد تعرف الى خلقه بأنواع التعرفات وَنصب لَهُم الدلالات واوضح لَهُم الايات الْبَينَات ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة ويحيا من حييّ بَيِّنَة وان الله يسمع عليم فَارْجِع الْبَصَر الى السَّمَاء وَانْظُر فِيهَا وَفِي كواكبها ودورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها وَاخْتِلَاف مشارقها وَمَغَارِبهَا ودؤوبها

стр. 197

فِي الْحَرَكَة على الدَّوَام من غير فتور فِي حركتها وَلَا تغير فِي سَيرهَا بلت جري فِي منَازِل قد رتبت لَهَا بِحِسَاب مُقَدّر لَا يزِيد وَلَا ينقص الى ان يطويها فاطرها وبديعها وَانْظُر الى كثرت كواكبها وَاخْتِلَاف الوانها ومقاديرها فبعضها يمِيل الى الْحمرَة وَبَعضهَا الى البيضا وَبَعضهَا الى اللَّوْن الرصاصي ثمَّ انْظُر الى مسير الشَّمْس فِي فلكها فِي مُدَّة سنة ثمَّ هِيَ فِي كل يَوْم تطلع وتغرب بسير سخرها لَهُ خَالِقهَا لَا تتعداه وَلَا تقصر عَنهُ وَلَوْلَا طُلُوعهَا وغروبهالما عرف اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَا الْمَوَاقِيت ولاطبق الظلام على الْعَالم اَوْ الضياء وَلم يتَمَيَّز وَقت المعاش من وَقت السبات والراحة وَكَيف قدر لَهَا السَّمِيع الْعَلِيم سفرينمتباعدين احدهما سفرها صاعدة الى اوجها وَالثَّانِي سفرها هابطة الى حضيضها تنْتَقل فِي منَازِل هَذَا السّفر منزلَة منزلَة حَتَّى تبلغ غايتها مِنْهُ فاحدث ذَلِك السّفر بقدرة الرب الْقَادِر اخْتِلَاف الْفُصُول من الصَّيف والشتاء والخريف وَالربيع فَإِذا انخفض سَيرهَا عَن وسط السَّمَاء برد الْهَوَاء وَظهر الشتَاء وَإِذا اسْتَوَت فِي وسط السَّمَاء اشْتَدَّ القيظ وَإِذا كَانَت بَين المسافتين اعتدل الزَّمَان وَقَامَت مصَالح الْعباد وَالْحَيَوَان والنبات بِهَذِهِ الْفُصُول الاربعة وَاخْتلفت بِسَبَبِهَا الاقوات واحوال النَّبَات والوانه وَمَنَافع الْحَيَوَان والاغذية وَغَيرهَا وَانْظُر الى الْقَمَر وعجائب آيَاته كَيفَ يبديه الله كالخيط الدَّقِيق ثمَّ يتزايد نوره ويتكامل شَيْئا فَشَيْئًا كل لَيْلَة حَتَّى يَنْتَهِي الى ابداره وكماله وَتَمَامه ثمَّ يَأْخُذ فِي النُّقْصَان حَتَّى يعود الى حَالَته الاولى ليظْهر من ذَلِك مَوَاقِيت الْعباد فِي معاشهم وعبادتهم ومناسكهم فتميزت بِهِ الاشهر والسنين وَقَامَ حِسَاب الْعَالم مَعَ مَا فِي ذَلِك من الحكم والايات والعبر الَّتِي لَا يحصيها الا الله وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا من كَوْكَب من الْكَوَاكِب الا وللرب ﵎ فِي خلقه حكم كَثِيرَة ثمَّ فِي مِقْدَاره ثمَّ فِي شكله ولونه ثمَّ فِي مَوْضِعه من السَّمَاء وقربه من وَسطهَا وَبعده وقربه من الْكَوْكَب الَّذِي يَلِيهِ وَبعده مِنْهُ وَإِذا اردت معرفَة ذَلِك على سَبِيل الاجمال فقسه باعضاء بدنك واختلافها وتفاوت اما بَين المتجاورات مِنْهَا وَبعد مَا بَين المتباعدات وأشكالها ومقاديرها وتفاوت منافعا وَمَا خلقت لَهُ وَأَيْنَ نِسْبَة ذَلِك الى عظم السَّمَوَات وكواكبها وآياتها وَقد اتّفق أَرْبَاب الْهَيْئَة على ان الشَّمْس بِقدر الارض مائَة مرّة ونيفا وَسِتِّينَ مرّة وَالْكَوَاكِب الَّتِي نرَاهَا كثير مِنْهَا اصغرها بِقدر الارض وَبِهَذَا يعرف ارتفاعها وَبعدهَا وَفِي حَدِيث ابي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ان بَين الارض وَالسَّمَاء مسيرَة خَمْسمِائَة عَام وَبَين كل سماءين كَذَلِك وانت ترى الْكَوْكَب كانه لَا يسير وَهُوَ من اول جُزْء من طلوعه الى تَمام طلوعه يكون فلكه قد طلع بِقدر مَسَافَة الارض مائَة مرّة اَوْ اكثر وَذَلِكَ بعد لَحْظَة وَاحِدَة لَان الْكَوْكَب إِذا كَانَ بِقدر الارض مائَة مرّة مثلا ثمَّ سَار فِي اللحظة من مَوضِع الى مَوضِع فقد قطع بِقدر مَسَافَة الارض مائَة مرّة وَزِيَادَة فِي لَحْظَة من اللحظات وَهَكَذَا يسير على الدَّوَام وَالْعَبْد غافل

стр. 198

عَنهُ وَعَن آيَاته وَقَالَ بَعضهم إِذا تلفظت بِقَوْلِك لَا نعم فَبين اللفظتين تكون الشَّمْس قد قطعت من الْفلك مسيرَة خَمْسمِائَة عَام ثمَّ انه سُبْحَانَهُ امسك السَّمَوَات مَعَ عظمها وَعظم مَا فِيهَا وثبتها من غير علاقَة من فَوْقهَا وَلَا عمد من تحتهَا الله الَّذِي خلق السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها وَألقى فِي الارض رواسي ان تميد بكم وَبث فِيهَا من كل دَابَّة وأنزلنا من السَّمَاء مَاء فَأَنْبَتْنَا فِيهَا من كل زوج كريم هَذَا خلق الله فاروني مَاذَا خلق الَّذين من دونه بل الظَّالِمُونَ فِي ضلال مُبين فصل وَالنَّظَر فِي هَذِه الايات وامثالها نَوْعَانِ نظر اليها بالبصر الظَّاهِر فَيرى مثلا زرقة السَّمَاء ونجومها وعلوها وسعتها وَهَذَا نظر يُشَارك الانسان فِيهِ غَيره من الْحَيَوَانَات وَلَيْسَ هُوَ الْمَقْصُود بِالْأَمر الثَّانِي ان يتَجَاوَز هَذَا الى النّظر بالبصيرة الْبَاطِنَة فتفتح لَهُ ابواب السَّمَاء فيجول فِي اقطارها وملكوتها وَبَين ملائكتها ثمَّ يفتح لَهُ بَاب بعد بَاب حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ سير الْقلب إِلَى عرش الرَّحْمَن فَينْظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته وَيرى السَّمَوَات السَّبع والارضين السَّبع بِالنِّسْبَةِ اليه كحلقه ملقاة بِأَرْض فلاة وَيرى الْمَلَائِكَة حافين من حوله لَهُم زجل بالتسبيح والتحميد وَالتَّقْدِيس وَالتَّكْبِير والامر ينزل من فَوْقه بتدبير الممالك والجنود الَّتِي لَا يعلمهَا الا رَبهَا ومليكها فَينزل الامر باحياء قوم وإماتة آخَرين وإعزاز قوم وإذلال آخَرين واسعاد قوم وشقاوة آخَرين وإنشاء ملك وسلب ملك وتحويل نعْمَة من مَحل الى مَحل وَقَضَاء الْحَاجَات على اختلافها وتباينها وَكَثْرَتهَا من جبر كسر وإغناء فَقير وشفاء مَرِيض وتفريج كرب ومغفرة ذَنْب وكشف ضرّ وَنصر مظلوم وهداية حيران وَتَعْلِيم جَاهِل ورد آبق وأمان خَائِف وَإِجَارَة مستجير ومدد لضعيف وإغاثة الملهوف وإعانة لعاجز وانتقام من ظَالِم وكف الْعدوان فَهِيَ مراسيم دَائِرَة بَين الْعدْل وَالْفضل وَالْحكمَة وَالرَّحْمَة تنفذ فِي أقطار العوالم لَا يشْغلهُ سمع شَيْء مِنْهَا عَن سمع غَيره وَلَا تغلطه كَثْرَة الْمسَائِل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وَقتهَا وَلَا يتبرم بالحاح الملحين وَلَا تنقص ذرة من خزائنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم فَحِينَئِذٍ يقوم الْقلب بَين يَدي الرَّحْمَن مطرقا لهيبته خَاشِعًا لعظمته عان لعزته فَيسْجد بَين يَدي الْملك الْحق الْمُبين سَجْدَة لَا يرفع رَأسه مِنْهَا الى يَوْم الْمَزِيد فَهَذَا سفر الْقلب وَهُوَ فِي وَطنه وداره وَمحل ملكه وَهَذَا من اعظم آيَات الله وعجائب صنعه فياله من سفر مَا أبركه واروحه واعظم ثَمَرَته وَربحه واجل منفعَته واحسن عاقبته سفر هُوَ حَيَاة الارواح ومفتاح السَّعَادَة وغنيمته الْعُقُول والالباب لَا كالسفر الَّذِي هُوَ قِطْعَة من الْعَذَاب فصل وَإِذا نظرت الى الارض وَكَيف خلقت رَأَيْتهَا من اعظم آيَات فاطرها وبديعها خلقهَا سُبْحَانَهُ فراشا ومهادا وذللها لِعِبَادِهِ وَجعل فِيهِ ارزاقهم واقواتهم ومعايشهم وَجعل فِيهَا السبل لينتقلوا فِيهَا فِي حوائجهم وتصرفاتهم وارساها بالجبال فَجَعلهَا اوتادا تحفظها لِئَلَّا تميد

стр. 199

بهم ووسع اكنافها ودحاها فَمدَّهَا وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها وَجعلهَا كفاتا للاحياء تضمهم على ظهرهَا مَا داموا احياء وكفاتا للأموات تضمهم فِي بَطنهَا إِذا مَاتُوا فظهرها وَطن للاحياء وبطنها وَطن للاموات وَقد اكثر تَعَالَى من ذكر الارض فِي كِتَابه ودعا عباده الى النّظر اليها والتفكر فِي خلقهَا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْأَرْض فرشناها فَنعم الماهدون﴾ الله الَّذِي جعل لكم الارض قرارا الَّذِي جعل لكم الارض فراشا افلا ينظرُونَ الى الابل كَيفَ خلقت وَإِلَى السَّمَاء كَيفَ رفعت والى الْجبَال كَيفَ نصبت وَإِلَى ارْض كَيفَ سطحت ان فِي السَّمَوَات والارض لايات للؤمنين وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن فَانْظُر اليها وَهِي ميتَة هامدة خاشعة فَإِذا انزلنا عَلَيْهَا المَاء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وانبتت من كل زوج بهيج فاخرجت عجائب النَّبَات فِي المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الاقوات على اختلافها وتباين مقاديرها واشكالها والوانها ومنافعها والفواكه وَالثِّمَار وانواع الادوية ومراعي الدَّوَابّ وَالطير ثمَّ انْظُر قطعهَا المتجاورات وَكَيف ينزل عَلَيْهَا مَاء وَاحِدًا فتنبت الازواج الْمُخْتَلفَة المتباينة فِي اللَّوْن والشكل والرائحة والطعم وَالْمَنْفَعَة واللقاح وَاحِد والام وَاحِدَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي الأَرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَكيف كَانَت هَذِه الاجنة الْمُخْتَلفَة مودعة فِي بطن هَذِه الام وَكَيف كَانَ حملهَا من لقاح وَاحِد صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَلَوْلَا ان هَذَا من اعظم آيَاته لما نبه عَلَيْهِ عباده وهداهم الى التفكير فِيهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَترى الأَرْض هامدة فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذَلِك بِأَن الله هُوَ الْحق وَأَنه يحيي الْمَوْتَى وَأَنه على كل شَيْء قدير وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور﴾ فَجعل النّظر فِي هَذِه الاية وَمَا قبلهَا من خلق الْجَنِين دَلِيلا على هَذِه النتائج الْخمس مستلزما للْعلم بهَا ثمَّ انْظُر كَيفَ احكم جَوَانِب الارض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وَكَيف نصبها فَأحْسن نصبها وَكَيف رَفعهَا وَجعلهَا اصلب اجزاء الارض لِئَلَّا تضمحل على تطاول السنين وترادف الامطار والرياح بل اتقن صنعها واحكم وَضعهَا واودعها من الْمَنَافِع والمعادن والعيون مَا اودعها ثمَّ هدى النَّاس الى اسْتِخْرَاج تِلْكَ الْمَعَادِن مِنْهَا والهمهم كَيفَ يصنعون مِنْهَا النُّقُود والحلي والزينة واللباس وَالسِّلَاح وَآلَة المعاش على اختلافها وَلَوْلَا هدايته سُبْحَانَهُ لَهُم الى ذَلِك لما كَانَ لَهُم علم شَيْء مِنْهُ وَلَا قدرَة عَلَيْهِ وَمن آيَاته الباهرة هَذَا الْهَوَاء اللَّطِيف الْمَحْبُوس بَين السَّمَاء والارض يدْرك بحس اللَّمْس عِنْد هبوبه يدْرك جِسْمه وَلَا يرى شخصه فَهُوَ يجرى بَين السَّمَاء والارض وَالطير مُخْتَلفَة فِيهِ سابحة بأجنحتها فِي أمواجه كَمَا تسبح حيوانات الْبَحْر فِي المَاء وتضطرب جوانبه

стр. 200

وأمواجه عِنْد هيجانه كَمَا تضطرب امواج الْبَحْر فَإِذا شَاءَ حركه بحركة الرَّحْمَة فَجعله رخاء وَرَحْمَة وبشرى بَين يَدي رَحمته ولاقحا للسحاب يلقحه بِحمْل المَاء كَمَا يلقح الذّكر الانثى بِالْحملِ وَتسَمى ريَاح الرَّحْمَة الْمُبَشِّرَات والنشر والذاريات والمرسلات والرخاء واللواقع ورياح الْعَذَاب العاصف والقاصف وهما فِي الْبَحْر والعقيم والصرصر وهما فِي الْبر وَإِن شَاءَ حركه بحركة الْعَذَاب فَجعله عقيما وأودعه عذَابا اليما وَجعله نقمة على من يَشَاء من عباده فَيَجْعَلهُ صَرْصَرًا ونحسا وعاتيا ومفسدا لما يمر عَلَيْهِ وَهِي مُخْتَلفَة فِي مهابها فَمِنْهَا صبا ودبور وجنوب وشمال وَفِي مَنْفَعَتهَا وتاثيرها اعظم اخْتِلَاف فريح لينَة رطبَة تغذى النَّبَات وابدان الْحَيَوَان واخرى تجففه واخرى تهلكه وتعطبه وَأُخْرَى تشده وتصلبه وَأُخْرَى توهنه وتضعفه وَلِهَذَا يخبر سُبْحَانَهُ عَن ريَاح الرَّحْمَة بِصِيغَة الْجمع لاخْتِلَاف مَنَافِعهَا وَمَا يحدث مِنْهَا فريح تثير السَّحَاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذى النَّبَات وَلما كَانَت الرِّيَاح مُخْتَلفَة فِي مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحًا مقابلتها تكسر سورتها وحدتها وَيبقى لينها ورحمتها فرياح الرَّحْمَة مُتعَدِّدَة وَأما ريح الْعَذَاب فَإِنَّهُ ريح وَاحِدَة ترسل من وَجه وَاحِد لاهلاك مَا ترسل باهلاكه فلاتقوم لَهَا ريح اخرى تقَابلهَا وتكسر سورتها وتدفع حدتها بل تكون كالجيش الْعَظِيم الَّذِي لَا يقاومه شَيْء يدمر كل مَا اتى عَلَيْهِ وَتَأمل حِكْمَة الْقُرْآن وجلالته وفصاحته كَيفَ طرد هَذَا فِي الْبر وَأما فِي الْبَحْر فَجَاءَت ريح الرَّحْمَة فِيهِ بِلَفْظ الْوَاحِد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بهَا جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مَكَان﴾ فَإِن السفن إِنَّمَا تسير بِالرِّيحِ الْوَاحِدَة الَّتِي تَأتي من وَجه وَاحِد فَإِذا اخْتلفت الرِّيَاح على السفن وتقابلت لم يتم سَيرهَا فالمقصود مِنْهَا فِي الْبَحْر خلاف الْمَقْصُود مِنْهَا فِي الْبر إِذْ الْمَقْصُود فِي الْبَحْر ان تكون وَاحِدَة طيبَة لَا يعارضها شَيْء فأفردت هُنَا وجمعت فِي الْبر ثمَّ انه سُبْحَانَهُ اعطى هَذَا الْمَخْلُوق اللَّطِيف الَّذِي يحركه اضعف الْمَخْلُوقَات ويخرقه من الشدَّة وَالْقُوَّة والباس مَا يقلق بِهِ الاجسام الصلبة القوية الممتنعة ويزعجها عَن اماكنها ويفتتها ويحملها على مَتنه فَانْظُر اليه مَعَ لطافته وَخِفته إِذا دخل فِي الزق مثلا وامتلأ بِهِ ثمَّ وضع عَلَيْهِ الْجِسْم الثقيل كَالرّجلِ وَغَيره وتحامل عَلَيْهِ ليغمسه فِي المَاء لم يطق وَيَضَع الْحَدِيد الصلب الثقيل على وَجه المَاء فيرسب فِيهِ فَامْتنعَ هَذَا اللَّطِيف من قهر المَاء لَهُ وَلم يمْتَنع مِنْهُ الْقوي الشَّديد وبهذه الْحِكْمَة امسك الله سُبْحَانَهُ السفن على وَجه المَاء مَعَ ثقلهَا وَثقل مَا تحويه وَكَذَلِكَ كل مجوف حل فِيهِ الْهَوَاء فَإِنَّهُ لَا يرسب فِيهِ لَان الْهَوَاء يمْتَنع من الغوس فِي المَاء فتتعلق بِهِ السَّفِينَة المشحونة الموقرة فَتَأمل كَيفَ استجار هَذَا الْجِسْم الثقيل الْعَظِيم بِهَذَا اللَّطِيف الْخَفِيف وَتعلق بِهِ حَتَّى امن من الْغَرق وَهَذَا كَالَّذي يهوى فِي قليب فَيتَعَلَّق بذيل رجل قوي شَدِيد يمْتَنع عَن السُّقُوط فِي القليب فينجو بتعلقه بِهِ فسبحان من علق هَذَا

стр. 201

الْمركب الْعَظِيم الثقيل بِهَذَا الْهَوَاء اللَّطِيف من غير علاقَة ولاعقدة تشاهد وَمن آيَاته السَّحَاب المسخر بَين السَّمَاء والارض كَيفَ ينشئه سُبْحَانَهُ بالرياح فتثيره كسيفا ثمَّ يؤلف بَينه وَيضم بعضه الى بعض ثمَّ تلقحه الرّيح وَهِي الَّتِي سَمَّاهَا سُبْحَانَهُ لَوَاقِح ثمَّ يَسُوقهُ على متونها الى الارض المحتاجة اليه فَإِذا علاها واستوى عَلَيْهَا اهراق مَاءَهُ عيها فَيُرْسل سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ الرّيح وَهُوَ فِي الجو فتذروه وتفرقه لِئَلَّا يُؤْذِي ويهدم مَا ينزل عَلَيْهِ بجملته حَتَّى إِذا رويت وَأخذت حَاجَتهَا مِنْهُ اقلع عَنْهَا وفارقها فَهِيَ روايا الارض مَحْمُولَة على ظُهُور الرِّيَاح وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره ان النَّبِي لما رأى السَّحَاب قَالَ هَذِه روايا الارض يَسُوقهَا الله الى قوم لَا يشكرونه وَلَا يذكرُونَهُ فالسحاب حَامِل رزق الْعباد وَغَيرهم الَّتِي عَلَيْهَا ميرتهم وَكَانَ الْحسن إِذا رأى السَّحَاب قَالَ فِي هَذَا وَالله رزقكم وَلَكِنَّكُمْ تحرموه بخطاياكم وذنوبكم وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي قَالَ بَينا رجل بفلاة من الارض إِذْ سمع صَوتا فِي سَحَابَة اسْقِ حديقة فلَان فَمر الرجل مَعَ السحابة حَتَّى اتت على حديقة فَلَمَّا توسطتها افرغت فِيهَا ماءها فَإِذا بِرَجُل مَعَه مسحاة يسحي المَاء بهَا فَقَالَ مَا اسْمك يَا عبد الله قَالَ فلَان للاسم الَّذِي سَمعه فِي السحابة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا تَأَمَّلت السَّحَاب الكثيف المظلم كَيفَ ترَاهُ يجْتَمع فِي جو صَاف لَا كدورة فِيهِ وَكَيف يخلقه الله مَتى شَاءَ وَإِذا شَاءَ وَهُوَ مَعَ لينه ورخاوته حَامِل للْمَاء الثقيل بَين السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَى ان يَأْذَن لَهُ ربه وخالقه فِي ارسال مَا مَعَه من المَاء فيرسله وينزله مِنْهُ مقطعا بالقطرات كل قَطْرَة بِقدر مَخْصُوص اقتضته حكمته وَرَحمته فيرش السَّحَاب المَاء على الارض رشا ويرسله قطرات مفصلة لاتختلط قَطْرَة مِنْهَا باخرى وَلَا يتَقَدَّم متأخرها وَلَا يتَأَخَّر متقدمها وَلَا تدْرك القطرة صاحبتها فتمزج بهَا بل تنزل كل وَاحِدَة فِي الطَّرِيق الَّذِي رسم لَهَا لَا تعدل عَنهُ حَتَّى تصيب الارض قَطْرَة قَطْرَة قد عينت كل قَطْرَة مِنْهَا لجزء من الارض لَا تتعداه إِلَى غَيره فَلَو اجْتمع الْخلق كلهم على ان يخلقوا مِنْهَا قَطْرَة وَاحِدَة اَوْ يحصوا عدد الْقطر فِي لَحْظَة وَاحِدَة لعجزوا عَنهُ فَتَأمل كَيفَ يَسُوقهُ سُبْحَانَهُ رزقا للعباد وَالدَّوَاب وَالطير والذر والنمل يَسُوقهُ رزقا للحيوان الْفُلَانِيّ فِي الارض الْفُلَانِيَّة بِجَانِب الْجَبَل الْفُلَانِيّ فيصل اليه على شدَّة من الْحَاجة والعطش فِي وَقت كَذَا وَكَذَا ثمَّ كَيفَ اودعه فِي الارض ثمَّ اخْرُج بِهِ انواع الاغذية والادوية والاقوات فَهَذَا النَّبَات يغذي وَهَذَا يصلح الْغذَاء وَهَذَا ينفذهُ وَهَذَا يضعف وَهَذَا اسْم قَاتل وَهَذَا شِفَاء من السم وَهَذَا يمرض وَهَذَا دَوَاء من الْمَرَض وَهَذَا يبرد وَهَذَا يسخن وَهَذَا إِذا حصل فِي الْمعدة قمع الصَّفْرَاء من اعماق الْعُرُوق وَهَذَا إِذا حصل فِيهَا ولد الصَّفْرَاء واستحال اليها وَهَذَا يدْفع البلغم والسوداء وَهَذَا يَسْتَحِيل

стр. 202

اليهما وَهَذَا يهيج الدَّم وَهَذَا يسكنهُ وَهَذَا ينوم وَهَذَا يمْنَع النّوم وَهَذَا يفرح وَهَذَا يجلب الْغنم الى غير ذَلِك من عجائب النَّبَات الَّتِي لَا تكَاد تَخْلُو ورقة مِنْهُ ولاعرق وَلَا ثَمَرَة من مَنَافِع تعجز عقول الْبشر عَن الاحاطة بهَا وتفصيلها وَانْظُر الى مجاري المَاء فِي تِلْكَ الْعُرُوق الرقيقة الضئيلة الضعيفة الَّتِي لَا يكَاد الْبَصَر يُدْرِكهَا إِلَّا بعد تحديقه كَيفَ يقوى قسره واجتذابه من مقره ومركزه الى فَوق ثمَّ ينْصَرف فِي تِلْكَ المجاري بِحَسب قبُولهَا وسعتها وضيقها ثمَّ تتفرق وتتشعب وتدق الى غَايَة لَا ينالها الْبَصَر ثمَّ انْظُر الى تكون حمل الشَّجَرَة ونقلته من حَال الى حَال كتنقل احوال الْجَنِين المغيب عَن الابصار ترى الْعجب العجاب فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين واحسن الْخَالِقِينَ بَينا ترَاهَا حطبا قَائِما عَارِيا لَا كسْوَة عَلَيْهَا إِذْ كاسها رَبهَا وخالقها من الزهر احسن كسْوَة ثمَّ سلبها تِلْكَ السكوة وَكَسَاهَا من الْوَرق كسْوَة هِيَ اثْبتْ من الاولى ثمَّ اطلع فِيهَا حملهَا ضَعِيفا ضئيلا بعد ان اخْرُج وَرقهَا صِيَانة وثوبا لتِلْك الثَّمَرَة الضعيفة لتستجب بِهِ من الْحر وَالْبرد والافات ثمَّ سَاق الى تِلْكَ الثِّمَار رزقها وغذاها فِي تِلْكَ الْعُرُوق والمجاري فتغذت بِهِ كَمَا يتغذى الطِّفْل بلبان امهِ ثمَّ رباها ونماها شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى اسْتَوَت وكملت وتناهى ادراكها فَأخْرج ذَلِك الجني اللذيذ اللين من تِلْكَ الحطبة الصماء هَذَا وَكم لله من آيَة فِي كل مَا يَقع الْحس عَلَيْهِ ويبصره الْعباد وَمَا لايبصرونه تفنى الاعمار دون الاحاطة بهَا وَجَمِيع تفاصيلها فصل وَمن آيَاته سُبْحَانَهُ تَعَالَى اللَّيْل وَالنَّهَار وهما من اعْجَبْ آيَاته وبدائع مصنوعاته وَلِهَذَا يُعِيد ذكرهمَا فِي الْقُرْآن ويبديه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمن آيَاته اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ وَقَوله وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل لباسا وَالنَّوْم سباتا وَجعل النَّهَار نشورا وَقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون﴾ وَقَوله ﴿الله الَّذِي جعل لكم اللَّيْل لتسكنوا فِيهِ وَالنَّهَار مبصرا﴾ وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن فَانْظُر الى هَاتين الايتين وَمَا تضمنتاه من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته كَيفَ جعل اللَّيْل سكنا ولباسا يغشى الْعَالم فتسكن فِيهِ الحركات وتأوى الْحَيَوَانَات الى بيوتها وَالطير الى اوكارها وتستجم فِيهِ النُّفُوس وتستريح من كد السَّعْي والتعب حَتَّى إِذا اخذت مِنْهُ النُّفُوس راحتها وسباتها وتطلعت الى معايشها وتصرفها جَاءَ فالق الاصباح بِالنَّهَارِ يقدم جَيْشه بشير الصَّباح فَهزمَ تِلْكَ الظلمَة ومزقها كل ممزق وكشفها عَن الْعَالم فَإِذا هم مبصرون فانتشر الْحَيَوَان وَتصرف فِي معاشه ومصالحه وَخرجت الطُّيُور من اوكارها فياله من معاد ونشأة دَال على قدرَة الله سُبْحَانَهُ على الْمعَاد الاكبر وتكرره

стр. 203

ودوام مُشَاهدَة النُّفُوس لَهُ بِحَيْثُ صَار عَادَة ومألفا منعهَا من الِاعْتِبَار بِهِ وَالِاسْتِدْلَال بِهِ على النشأة الثَّانِيَة وإحياء الْحلق بعد مَوْتهمْ وَلَا ضعف فِي قدرَة الْقَادِر التَّام الْقُدْرَة وَلَا قُصُور فِي حكمته وَلَا فِي علمه وَيُوجب تخلف ذَلِك وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء ويضل من يَشَاء وَهَذَا ايضا من اياته الباهرة ان يعمى عَن هَذِه الايات الْوَاضِحَة الْبَيِّنَة من شَاءَ من خلقه فَلَا يَهْتَدِي بهَا وَلَا يبصرها لمن هُوَ وَاقِف فِي المَاء الى حلقه وهويستغيث من الْعَطش وينكر وجود المَاء وَبِهَذَا وَأَمْثَاله يعرف الله ويشكر ويحمد ويتضرع اليه وَيسْأل فصل وَمن آيَاته وعجائب مصنوعاته الْبحار المكتنفة لاقطار الارض الَّتِي هِيَ خلجان من الْبَحْر الْمُحِيط الاعظم بِجَمِيعِ الارض حَتَّى ان المكشوف من الارض وَالْجِبَال والمدن بِالنِّسْبَةِ الى المَاء كجزيرة صَغِيرَة فِي بَحر عَظِيم وَبَقِيَّة الارض مغمورة بِالْمَاءِ وَلَوْلَا امساك الرب ﵎ لَهُ بقدرته ومشيئته وحبسه المَاء لطفح على الارض وعلاها كلهَا هَذَا طبع المَاء وَهَذَا حَار عقلاء الطبيعيين فِي سَبَب بروز هَذَا الْجُزْء من الارض مَعَ اقْتِضَاء طبيعة المَاء للعلو عَلَيْهِ وَإِن يغمره وَلم يَجدوا مَا يحيلون عَلَيْهِ ذَلِك إِلَّا الِاعْتِرَاف بالعناية الازلية وَالْحكمَة الالهية الَّتِي اقْتَضَت ذَلِك الْعَيْش الْحَيَوَان الارضي فِي الارض وَهَذَا حق وَلكنه يُوجب الِاعْتِرَاف بقدرة الله وإرادته ومشيئته وَعلمه وحكمته وصفات كَمَاله وَلَا محيص عَنهُ وَفِي مُسْند الامام احْمَد عَن النَّبِي انه قَالَ مَا من يَوْم الا وَالْبَحْر يسْتَأْذن ربه ان يغرق بني آدم وَهَذَا احدالاقوال فِي قَوْله ﴿وَالْبَحْر الْمَسْجُور﴾ انه الْمَحْبُوس حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة وَغَيره قَالُوا وَمِنْه ساجور الْكَلْب وَهِي القلادة من عود اَوْ حَدِيد الَّتِي تمسكه وَكَذَلِكَ لَوْلَا ان الله يحبس الْبَحْر ويمسكه لفاض على الارض فالارض فِي الْبَحْر كبيت فِي جملَة الارض واذا تَأَمَّلت عجائب الْبَحْر وَمَا فِيهِ من الْحَيَوَانَات على اخْتِلَاف اجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها حَتَّى ان فِيهَا حَيَوَانا امثال الْجبَال لَا يقوم لَهُ شَيْء وَحَتَّى ان فِيهِ من الْحَيَوَانَات مَا يرى ظُهُورهَا فيظن انها جَزِيرَة فَينزل الركاب عَلَيْهَا فتحس بالنَّار إِذا اوقدت فتتحرك فَيعلم انه حَيَوَان وَمَا من صنف من اصناف حَيَوَان الْبر إِلَّا وَفِي الْبَحْر امثاله حَتَّى الانسان وَالْفرس وَالْبَعِير واصنافها وَفِيه اجناس لَا يعْهَد لَهَا نَظِير فِي الْبر اصلا هَذَا مَعَ مَا فِيهِ من الْجَوَاهِر واللؤلؤ والمرجان فترى اللؤلؤة كَيفَ اودعت فِي كن كالبيت لَهَا وَهِي الصدفة تكنها وتحفظها وَمِنْه اللُّؤْلُؤ الْمكنون وَهُوَ الَّذِي فِي صدفه لم تمسه الايدي وَتَأمل كَيفَ نبت المرجان فِي قَعْره فِي الصَّخْرَة الصماء تَحت المَاء على هَيْئَة الشّجر هَذَا مَعَ مَا فِيهِ من العنبر واصناف النفائش

стр. 204

الَّتِي يقذفها الْبَحْر وتستخرج مِنْهُ ثمَّ انْظُر الى عجائب السفن وسيرها فِي الْبَحْر تشقه وتمخره بِلَا قَائِد يَقُودهَا وَلَا سائق يَسُوقهَا وَإِنَّمَا قائدها وسائقها الرِّيَاح الَّتِي يسخرها الله لاجرائها فَإِذا حبس عَنْهَا الْقَائِد والسائق ظلت راكدة على وَجه المَاء قَالَ الله تَعَالَى وَمن آيَاته الْجَوَارِي فِي الْبَحْر كالاعلام ان يَشَأْ يسكن الرّيح فيظللن رواكد على ظَهره إِن فِي ذَلِك لايات لكل صبار شكور وَقَالَ الله تَعَالَى الله الَّذِي سخر لكم الْبَحْر لتأكلوا مِنْهُ لَحْمًا طريا وتستخرجوا مِنْهُ حلية تلبسونها وَترى الْفلك مواخر فِيهِ ولتبتغوا من فَضله ولعلكم تشكرون فَمَا اعظمها من آيَة وابينها من دلَالَة وَلِهَذَا يُكَرر سُبْحَانَهُ ذكرهَا فِي كِتَابه كثيرا وَبِالْجُمْلَةِ فعجائب الْبَحْر وآياته اعظم وَأكْثر من ان يحصيها الا الله سُبْحَانَهُ وَقَالَ الله تَعَالَى إِنَّا لما طَغى المَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة لنجعلها لكم تذكرة وَتَعيهَا اذن وَاعِيَة فصل وَمن آيَاته سُبْحَانَهُ خلق الْحَيَوَان على اخْتِلَاف صِفَاته واجناسه واشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فِيهِ فَمِنْهُ الْمَاشِي على بَطْنه وَمِنْه الْمَاشِي على رجلَيْهِ وَمِنْه الْمَاشِي على ارْبَعْ وَمِنْه مَا جعل سلاحه فِي رجلَيْهِ وَهُوَ ذُو المخالب وَمِنْه مَا جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب وَمِنْه مَا سلاحه الاسنان وَمِنْه مَا سلاحه الصَّيَاصِي وَهِي الْقُرُون يدافع بهَا عَن نَفسه من يروم اخذه وَمِنْه مَا اعطى مِنْهَا قُوَّة يدْفع بهَا عَن نَفسه لم يحْتَج الى سلَاح كالاسد فَإِن سلاحه قوته وَمِنْه مَا سلاحه فِي ذرقه وَهُوَ نوع من الطير إِذا دنا مِنْهُ من يُرِيد اخذه ذرق عَلَيْهِ فَأَهْلَكَهُ وَنحن نذْكر هُنَا فصولا منثورة من هَذَا الْبَاب مختصرة وَإِن تَضَمَّنت بعض التّكْرَار وَترك التَّرْتِيب فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي هُوَ من اهم فُصُول الْكتاب بل هُوَ لب هَذَا الْقسم الاول وَلِهَذَا يُكَرر فِي الْقُرْآن ذكر آيَاته وَيُعِيدهَا ويبديها وَيَأْمُر عباده بِالنّظرِ فِيهَا مرّة بعد أُخْرَى فَهُوَ من اجل مَقَاصِد الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى قل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَات والارض وَقَالَ تَعَالَى إِن فِي خلق السَّمَوَات والارض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لايات لاولي الالباب وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت وَإِلَى السَّمَاء كَيفَ رفعت وَإِلَى الْجبَال كَيفَ نصبت وَإِلَى الأَرْض كَيفَ سطحت﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى اولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا خلق الله من شَيْء وَقَالَ تَعَالَى ان الله فالق الْحبّ والنوى يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ ذَلِكُم الله فاتى تؤفكون فالق الاصباح وجاعل اللَّيْل سكنا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وَهُوَ الَّذِي جعل لكم النُّجُوم لتهتدوا بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر قد فصلنا الايات لقوم يفقهُونَ وَهُوَ الَّذِي انْزِلْ من السَّمَاء مَاء فاخرجنا بِهِ نَبَات

стр. 205

كل شَيْء فأخرجنا مِنْهُ خضرًا فنخرج مِنْهُ حبا متراكبا وَمن النّخل من طلعها قنوان دانية وجنات من اعناب وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان مشتبها وَغير متشابه انْظُرُوا الى ثمره إِذا اثمر وينعه فَأمر سُبْحَانَهُ بِالنّظرِ اليه وَقت خُرُوجه وإثماره وَوقت نضجه وإدراكه يُقَال اينعت الثِّمَار إِذا نَضِجَتْ وَطَابَتْ لَان فِي خُرُوجه من بَين الْحَطب وَالْوَرق آيَة باهرة وقدرة بَالِغَة ثمَّ فِي خُرُوجه من حدالعفوصة واليبوسة والمرارة والحموضة الى ذَلِك اللَّوْن الْمشرق الناصع والطعم الحلو اللذيذ الشهي لايات لقوم يُؤمنُونَ وَقَالَ بعض السّلف حق على النَّاس ان يخرجُوا وَقت إِدْرَاك الثِّمَار وينعها فينظروا اليها ثمَّ تلِي ﴿انْظُرُوا إِلَى ثمره إِذا أثمر وينعه﴾ وَلَو اردنا نستوعب مَا فِي آيَات الله الْمَشْهُورَة من الْعَجَائِب والدلالات الشاهدة لله بَان الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وَإنَّهُ الَّذِي لَا أعظم مِنْهُ وَلَا أكمل مِنْهُ وَلَا ابر وَلَا ألطف لعجزنا نَحن والاولون والاخرون عَن معرفَة أدنى عشر معشار ذَلِك وَلَكِن مَالا يدْرك جَمِيعه لَا يَنْبَغِي ترك التَّنْبِيه على بعض مَا يسْتَدلّ بِهِ على ذَلِك وَهَذَا حِين الشُّرُوع فِي الْفُصُول فصل تامل الْعبْرَة فِي مَوضِع هَذَا الْعَالم وتاليف أَجْزَائِهِ ونظمها على احسن نظام وأدلة على كَمَال قدرَة خالقه وَكَمَال علمه وَكَمَال حكمته وَكَمَال لطفه فَإنَّك إِذا تَأَمَّلت الْعَالم وجدته كالبيت الْمَبْنِيّ الْمعد فِيهِ جَمِيع آلاته ومصالحه وكل مَا يحْتَاج اليه فالسماء سقفه الْمَرْفُوع عَلَيْهِ والارض مهاد وبساط وفراش ومستقر للساكن وَالشَّمْس وَالْقَمَر سرجان يزهران فِيهِ والنجوم مصابيح لَهُ وزينة وأدلة للمنتقل فِي طرق هَذِه الدَّار والجواهر والمعادنمخزونة فِيهِ كالذخائر والحواصل الْمعدة المهيأة كل شَيْء مِنْهَا لشأنه الَّذِي يصلح لَهُ وضروب النَّبَات مُهَيَّأ لمآربه وصنوف الْحَيَوَان مصروفة لمصالحه فَمِنْهَا الرّكُوب وَمِنْهَا الحلوب وَمِنْهَا الْغذَاء وَمِنْهَا اللبَاس والامتعة والالات وَمِنْهَا الحرس الَّذِي وكل بحرس الانسان يَحْرُسهُ وَهُوَ نَائِم وقاعد مِمَّا هُوَ مستعد لاهلاكه وأذاه فلولا مَا سلط عَلَيْهِ من ضِدّه لم يقر للانسان قَرَار بَينهم وَجعل الانسان كالملك المخول فِي ذَلِك الْمُحكم فِيهِ الْمُتَصَرف بِفِعْلِهِ وَأمره فَفِي هَذَا اعظم دلَالَة واوضحها على ان الْعَالم مَخْلُوق لخالق حَكِيم قدير عليم قدره احسن تَقْدِير ونظمه احسن نظام وان الْخَالِق لَهُ يَسْتَحِيل ان يكون اثْنَيْنِ بل الاله وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ تَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ والجاحدون علوا كَبِيرا وَإنَّهُ لَو كَانَ فِي السَّمَوَات والارض إِلَه غير الله لفسد امرهما واختل نظامهما وتعطلت مصالحهما وَإِذا كَانَ الْبدن يَسْتَحِيل ان يكون الْمُدبر لَهُ روحان متكافئان متساويان وَلَو كَانَ كَذَلِك لفسد وَهلك مَعَ إِمْكَان ان يكون تَحت قهر ثَالِث هَذَا من الْمحَال فِي اوائل الْعُقُول وبداية الْفطر فَلَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ مَا اتخذ الله من ولدوما كَانَ مَعَه من اله إِذا لذهب

стр. 206

كل اله بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض سُبْحَانَ الله عَمَّا يصفونَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فتعالى عَمَّا يشركُونَ فهذان برهانان يعجز الاولون والاخرون ان يقدحوا فيهمَا بقدح صَحِيح اَوْ ياتوا بِأَحْسَن مِنْهُمَا وَلَا يعْتَرض عَلَيْهِمَا إِلَّا من لم يفهم المُرَاد مِنْهُمَا وَلَوْلَا خشيَة الاطالة لذكرنا تقديرهما وَبَيَان مَا تضمناه من السِّرّ العجيب والبرهان الباهر وسنفرد إِن شَاءَ الله كتاب مُسْتقِلّا لادلة التَّوْحِيد فصل فَتَأمل خلق السَّمَاء وارجع الْبَصَر فِيهَا كرة بعد كرة كَيفَ ترَاهَا من اعظم الايات فِي علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها بِحَيْثُ لَا تصعد علوا كالنار وَلَا تهبط نازلة كالاجسام الثَّقِيلَة وَلَا عمد تحتهَا وعلاقة فَوْقهَا بل هِيَ ممسوكة بقدرة الله الَّذِي يمسك السَّمَوَات والارض ان تَزُولَا ثمَّ تَأمل استواءها واعتدالها فَلَا صدع فِيهَا وَلَا فطر وَلَا شقّ وَلَا أمت وَلَا عوج ثمَّ تَأمل مَا وضعت عَلَيْهِ من هَذَا اللَّوْن الَّذِي هُوَ احسن الالوان واشدها مُوَافقَة لِلْبَصَرِ وتقوية لَهُ حَتَّى ان من اصابه شَيْء اضر ببصره يُؤمر بادمان النّظر الى الخضرة وَمَا قرب مِنْهَا الى السوَاد وَقَالَ الاطباء ان من كل بَصَره فَإِنَّهُ من دوائه ان يديم الِاطِّلَاع الى اجانة خضراء مملؤءة مَاء فَتَأمل كَيفَ جعل اديم السَّمَاء بِهَذَا اللَّوْن ليمسك الابصار المتقلبة فِيهِ وَلَا ينْكَأ فِيهَا بطول مباشرتها لَهُ هَذَا بعض فَوَائِد هَذَا اللَّوْن وَالْحكمَة فِيهِ اضعاف ذَلِك فصل ثمَّ تَأمل حَال الشَّمْس وَالْقَمَر فِي طلوعهما وغروبهما لاقامة دَوْلَتِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَوْلَا طلوعهما لبطل امْر الْعَالم وَكَيف كَانَ النَّاس يسعون فِي معائشهم ويتصرفون فِي امورهم وَالدُّنْيَا مظْلمَة عَلَيْهِم وَكَيف كَانُوا يتهنون بالعيش مَعَ فقد النُّور ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي غروبهما فَإِنَّهُ لَوْلَا غروبهما لم يكن للنَّاس هدوء وَلَا قَرَار مَعَ فرط الْحَاجة الى السبات وجموم الْحَواس وانبعاث القوى الْبَاطِنَة وَظُهُور سلطانها فِي النّوم الْمعِين على هضم الطَّعَام وتنفيذ الْغذَاء الى الاعضاء ثمَّ لَوْلَا الْغُرُوب لكَانَتْ الارض تَحْمِي بدوام شروق الشَّمْس واتصال طُلُوعهَا حَتَّى يَحْتَرِق كل مَا عَلَيْهَا من حَيَوَان ونبات فَصَارَت تطلع وقتا بِمَنْزِلَة السراج يرفع لاهل الْبَيْت ليقضوا حوائجهم ثمَّ تغيب عَنْهُم مثل ذَلِك ليقروا ويهدؤا وَصَارَ ضِيَاء النَّهَار مَعَ ظلام اللَّيْل وحر هَذَا مَعَ برد هَذَا مَعَ تضادهما متعاونين متظاهرين بهما تَمام مصَالح الْعَالم وَقد اشار تَعَالَى الى هَذَا الْمَعْنى وَنبهَ عباده عَلَيْهِ بقوله ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من إِلَه غير الله يأتيكم بضياء أَفلا تَسْمَعُونَ قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم النَّهَار﴾

стр. 207

﴿سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من إِلَه غير الله يأتيكم بلَيْل تسكنون فِيهِ أَفلا تبصرون﴾ خص سُبْحَانَهُ النَّهَار بِذكر الْبَصَر لانه مَحَله وَفِيه سُلْطَان الْبَصَر وتصرفه وَخص اللَّيْل بِذكر السّمع لَان سُلْطَان السّمع يكون بِاللَّيْلِ وَتسمع فِيهِ الْحَيَوَانَات مَالا تسمع فِي النَّهَار لانه وَقت هدوء الاصوات وخمود الحركات وَقُوَّة سُلْطَان السّمع وَضعف سُلْطَان الْبَصَر وَالنَّهَار بِالْعَكْسِ فِيهِ قُوَّة سُلْطَان الْبَصَر وَضعف سُلْطَان السّمع فَقَوله افلا تَسْمَعُونَ رَاجع إِلَى قَوْله قل ارايتم ان جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا الى يَوْم الْقِيَامَة من اله غير الله يأتيكم بضياء بِهِ وَقَوله أَفلا تبصرون رَاجع الى قَوْله قل أرايتم ان جعل الله عَلَيْكُم النَّهَار سرمدا الى يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ تَعَالَى تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجا وَجعل فِيهَا سِرَاجًا وقمرا منيرا وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل وَالنَّهَار خلفة لمن أَرَادَ ان يذكر اَوْ أَرَادَ شكُورًا فَذكر تَعَالَى خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وإنهما خلفة أَي يخلف احدهما الاخر لَا يجْتَمع مَعَه وَلَو اجْتمع مَعَه لفاتت الْمصلحَة بتعاقبهما واختلافهما وَهَذَا هُوَ المُرَاد باخْتلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا يخلف الاخر لَا يجامعه وَلَا يحاذيه بل يغشى احدهما صَاحبه فيطلبه حثيثا حَتَّى يُزِيلهُ عَن سُلْطَانه ثمَّ يَجِيء الاخر عَقِيبه فيطلبه حثيثا حَتَّى يهزمه ويزيله عَن سُلْطَانه فهما دَائِما يتطالبان وَلَا يدْرك احدهما صَاحبه فصل ثمَّ تَأمل بعد ذَلِك احوال هَذِه الشَّمْس فِي انخفاضها وارتفاعها لاقامة هَذِه الازمنة والفصول وَمَا فِيهَا من الْمصَالح وَالْحكم إِذْ لَو كَانَ الزَّمَان كُله فصلا وَاحِدًا لفاتت مصَالح الْفُصُول الْبَاقِيَة فِيهِ فَلَو كَانَ صيفا كُله لفاتت مَنَافِع مصَالح الشتَاء وَلَو كَانَ شتاء لفاتت مصَالح الصَّيف وَكَذَلِكَ لَو كَانَ ربيعا كُله اَوْ خَرِيفًا كُله فَفِي الشتَاء تغور الْحَرَارَة فِي الاجواف وبطون الارض وَالْجِبَال فتتولد مواد الثِّمَار وَغَيرهَا وتبرد الظَّوَاهِر ويستكثف فِيهِ الْهَوَاء فَيحصل السَّحَاب والمطر والثلج وَالْبرد الَّذِي بِهِ حَيَاة الارض وَأَهْلهَا واشتداد أبدان الْحَيَوَان وقوتها وتزايد القوى الطبيعية واستخلاف مَا حللته حرارة الصَّيف من الابدان وَفِي الرّبيع تتحرك الطبائع وَتظهر الْموَاد المتولدة فِي الشتَاء فَيظْهر النَّبَات ويتنور الشّجر بالزهر ويتحرك الْحَيَوَان للتناسل وَفِي الصَّيف يحتد الْهَوَاء ويسخن جدا فتنضج الثِّمَار وتنحل فضلات الابدان والاخلاط الَّتِي انْعَقَدت فِي الشتَاء وتغور الْبُرُودَة وتهرب الى الاجواف وَلِهَذَا تبرد الْعُيُون والابار وَلَا تهضم الْمعدة الطَّعَام الَّتِي كَانَت تهضمه فِي الشتَاء من الاطعمة الغليظة لانها كَانَت تهضمها بالحرارة الَّتِي سكنت فِي الْبُطُون فَلَمَّا جَاءَ الصَّيف خرجت الْحَرَارَة الى ظَاهر الْجَسَد وَغَارَتْ الْبُرُودَة فِيهِ فَإِذا جَاءَ الخريف اعتدل الزَّمَان وَصفا الْهَوَاء وَبرد فانكسر ذَلِك السمُوم وَجعله الله بِحِكْمَتِهِ برزخا بَين سموم الصَّيف وَبرد الشتَاء لِئَلَّا يتنقل الْحَيَوَان وهلة وَاحِدَة من

стр. 208

الْحر الشَّديد الى الْبرد الشَّديد فيجد اذاه ويعظم ضَرَره فَإِذا انْتقل اليه بتدريج وترتب لم يصعب عَلَيْهِ فَإِنَّهُ عِنْد كل جُزْء يستعد لقبُول مَا هُوَ اشد مِنْهُ حَتَّى تَأتي جَمْرَة الْبرد بعد استعداد وَقبُول حِكْمَة بَالِغَة وَآيَة باهرة وَكَذَلِكَ الرّبيع برزخ بَين الشتَاء والصيف ينْتَقل فِيهِ الْحَيَوَان من برد هَذَا الى حر هَذَا بتدريج وترتيب فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين واحسن الْخَالِقِينَ فصل ثمَّ تَأمل حَال الشَّمْس وَالْقَمَر وَمَا اودعاه من النُّور والاضاءة وَكَيف جعل لَهما بروجا ومنازل ينزلانها مرحلة بعد مرحلة لاقامة دولة السّنة وَتَمام مصَالح حِسَاب الْعَالم الَّذِي لَا غناء لَهُم فِي مصالحهم عَنهُ فبذلك يعلم حِسَاب الاعمار والاجال المؤجلة للديون والاجارات والمعاملات وَالْعدَد وَغير ذَلِك فلولا حلوك الشَّمْس وَالْقَمَر فِي تِلْكَ الْمنَازل وتنقلهما فِيهَا منزلَة بعدمنزلة لم يعلم شَيْء من ذَلِك وَقد نبه تَعَالَى على هَذَا فِي غير مَوضِع من كِتَابه كَقَوْلِه هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب مَا خلق الله ذَلِك الا بِالْحَقِّ يفصل الايات لقوم يعلمُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ فمحونا آيَة اللَّيْل وَجَعَلنَا آيَة النَّهَار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكُم ولتعلموا عدد السنين والحساب فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي طُلُوع الشَّمْس على الْعَالم كَيفَ قدره الْعَزِيز الْعَلِيم سُبْحَانَهُ فَإِنَّهَا لَو كَانَت تطلع فِي مَوضِع من السَّمَاء فتقف فِيهِ وَلَا تعدوه لما وصل شعاعها الى كثير من الْجِهَات لَان ظلّ اُحْدُ جَوَانِب كرة الارض يحجبها عَن الْجَانِب الاخر وَكَانَ يكون اللَّيْل دَائِما سرمدا على من لم تطلع عَلَيْهِم وَالنَّهَار سرمدا على من هِيَ طالعة عَلَيْهِم فَيفْسد هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء فاقتضت الْحِكْمَة الالهية والعناية الربانية ان قدر طُلُوعهَا من اول النَّهَار من الْمشرق فتشرق على مَا قابلها من الافق الغربي ثمَّ لَا تزَال تَدور وتغشى جِهَة بعد جِهَة حَتَّى تَنْتَهِي الى الغرب فتشرق على مَا استتر عَنْهَا فِي اول النَّهَار فيختلف عِنْدهم اللَّيْل وَالنَّهَار فتنتظم مصالحهم فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي مقادير اللَّيْل وَالنَّهَار تجدها على غَايَة الْمصلحَة وَالْحكمَة وان مِقْدَار الْيَوْم وَاللَّيْلَة لَو زَاد على مَا قدر عَلَيْهِ اَوْ نقص لفاتت الْمصلحَة وَاخْتلفت الْحِكْمَة بذلك بل جعل مكيالها اربعة وَعشْرين سَاعَة وَجعلا يتقارضان الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بَينهمَا فَمَا يزِيد فِي احدهما من الاخر يعود الاخر فيسترده مِنْهُ قَالَ الله تَعَالَى يولج اللَّيْل فِي النَّهَار ويولج النَّهَار فِي اللَّيْل وَفِيه قَولَانِ احدهما ان الْمَعْنى يدْخل ظلمَة هَذَا فِي مَكَان ضِيَاء ذَلِك وضياء هَذَا فِي مَكَان ظلمَة الاخر فَيدْخل كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي مَوضِع صَاحبه وعَلى هَذَا فَهِيَ عَامَّة فِي كل ليل ونهار وَالْقَوْل الثَّانِي

стр. 209

انه يزِيد فِي احدهما مَا ينقصهُ من الاخر فَمَا ينقص مِنْهُ يلج فِي الاخر لَا يذهب جملَة وعَلى هَذَا فالاية خَاصَّة بِبَعْض سَاعَات كل من اللَّيْل وَالنَّهَار فِي غير زمن الِاعْتِدَال فَهِيَ خَاصَّة فِي الزَّمَان وَفِي مِقْدَار مَا يلج فِي احدهما من الاخر وَهُوَ فِي الاقاليم المعتدلة غَايَة مَا تَنْتَهِي الزِّيَادَة خمس عشرَة سَاعَة فَيصير الاخر تسع سَاعَات فَإِذا زَاد على ذَلِك انحرف ذَلِك الاقليم فِي الْحَرَارَة اَوْ الْبُرُودَة الى ان يَنْتَهِي الى حد لايسكنه الانسان وَلَا يتكون فِيهِ النَّبَات وكل مَوضِع لَا تقع عَلَيْهِ الشَّمْس لَا يعِيش فِيهِ حَيَوَان وَلَا نَبَات لفرط برده ويبسه وكل مَوضِع لاتفارقه كَذَلِك لفرط حره ويبسه والمواضع الَّتِي يعِيش فِيهَا الْحَيَوَان والنبات هِيَ الَّتِي تطلع عَلَيْهَا الشَّمْس وتغيب وأعدلها الْمَوَاضِع الَّتِي تتعاقب عَلَيْهَا الْفُصُول الاربعة وَيكون فِيهَا اعتدالان خريفين وربيعين فصل ثمَّ تَأمل إنارة الْقَمَر وَالْكَوَاكِب فِي ظلمَة اللَّيْل وَالْحكمَة فِي ذَلِك فَإِن الله تَعَالَى اقْتَضَت حكمته خلق الظلمَة لهدو الْحَيَوَان وَبرد الْهَوَاء على الابدان والنبات فتعادل حرارة الشَّمْس فَيقوم النَّبَات وَالْحَيَوَان فَلَمَّا كَانَ ذَلِك مُقْتَضى حكمته شَاب اللَّيْل بِشَيْء من الانوار وَلم يَجعله ظلمَة داجية حندسا لَا ضوء فِيهِ اصلا فَكَانَ لَا يتَمَكَّن الْحَيَوَان فِيهِ من شَيْء من الْحَرَكَة وَلَا لأعمال وَلما كَانَ الْحَيَوَان قد يحْتَاج فِي اللَّيْل الى حَرَكَة ومسير وَعمل لايتهيأ لَهُ بِالنَّهَارِ لضيق النَّهَار اَوْ لشدَّة الْحر اَوْ لخوفه بِالنَّهَارِ كَحال كثير من الْحَيَوَان جعل فِي اللَّيْل من اضواء الْكَوَاكِب وضوء الْقَمَر مَا يَتَأَتَّى مَعَه اعمال كَثِيرَة كالسفر والحرث وَغير ذَلِك من اعمال اهل الحروث والزروع فَجعل ضوء الْقَمَر بِاللَّيْلِ مَعُونَة للحيوان على هَذِه الحركات وَجعل طلوعه فِي بعض اللَّيْل دون بعض مَعَ نقص ضوئه عَن الشَّمْس لِئَلَّا يستوى اللَّيْل وَالنَّهَار فتفوت حِكْمَة الِاخْتِلَاف بَينهمَا والتفاوت الَّذِي قدره الْعَزِيز الْعَلِيم فَتَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالتَّقْدِير العجيب الَّذِي اقْتضى ان اعان الْحَيَوَان على دولة الظلام بجند من النُّور يَسْتَعِين بِهِ على هَذِه الدولة الْمظْلمَة وَلم يَجْعَل الدولة كلهَا ظلمَة صرفا بل ظلمَة مشوبة بِنور رَحْمَة مِنْهُ وإحسانا فسبحان من اتقن مَا صنع واحسن كل شَيْء خلقه فصل ثمَّ تَأمل حكمته ﵎ فِي هَذِه النُّجُوم وَكَثْرَتهَا وَعَجِيب خلقهَا وَأَنَّهَا زِينَة للسماء وأدلة يَهْتَدِي بهَا فِي طرق الْبر وَالْبَحْر وَمَا جعل فِيهَا من الضَّوْء والنور بِحَيْثُ

стр. 210

يمكننا رؤيتها مَعَ الْبعد المفرط وَلَوْلَا ذَلِك لم يحصل لنا الاهتداء وَالدّلَالَة وَمَعْرِفَة الْمَوَاقِيت ثمَّ تَأمل تسخيرها منقادة بامر رَبهَا ﵎ جَارِيَة على سنَن وَاحِد اقتضتحكمته وَعلمه ان لَا تخرج عَنهُ فَجعل مِنْهَا البروج والمنازل والثوابت والسيارة والكبار وَالصغَار والمتوسط والابيض الازهر والابيض الاحمر وَمِنْهَا مَا يخفى على النَّاظر فَلَا يُدْرِكهُ وَجعل منْطقَة البروج قسمَيْنِ مُرْتَفعَة ومنخفضة وَقدر سَيرهَا تَقْديرا وَاحِدًا وَنزل الشَّمْس وَالْقَمَر والسيارات مِنْهَا منازلها فَمِنْهَا مَا يقطعهَا فِي شهر وَاحِد وَهُوَ الْقَمَر وَمِنْهَا مَا يقطعهَا فِي عَام وَمِنْهَا مَا يقطعهَا فِي عدَّة اعوام كل ذَلِك مُوجب الْحِكْمَة والعناية وَجعل ذَلِك اسباب لما يحدثه سُبْحَانَهُ فِي هَذَا الْعَالم فيستدل بهَا النَّاس على تِلْكَ الْحَوَادِث الَّتِي تقارنها كمعرفتهم بِمَا يكون مَعَ طُلُوع الثريا إِذا طلعت وغروبها إِذا سَقَطت من الْحَوَادِث الَّتِي تقارنها وَكَذَلِكَ غَيرهَا من الْمنَازل والسيارات ثمَّ تَأمل جعله سُبْحَانَهُ بَنَات نعش وَمَا قرب مِنْهَا ظَاهِرَة لَا تغيب لقربها من المركز وَلما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة الالهية وانها بِمَنْزِلَة الاعلام الَّتِي يَهْتَدِي بهَا النَّاس فِي الطّرق المجهولة فِي الْبر وَالْبَحْر فهم ينظرُونَ اليها وَإِلَى الجدي والفرقدين كل وَقت ارادوا فيهتدون بهَا حَيْثُ شاؤا فصل ثمَّ تَأمل اخْتِلَاف سير الْكَوَاكِب وَمَا فِيهِ من الْعَجَائِب كَيفَ تَجِد بَعْضهَا لَا يسير إِلَّا مَعَ رفقته لَا يفرد عَنْهُم سيره ابدا بل لَا يَسِيرُونَ الا جَمِيعًا وَبَعضهَا يسير سيرا مُطلقًا غير مُقَيّد برفيق وَلَا صَاحب بل إِذا اتّفق لَهُ مصاحبته فِي منزل وَافقه فِيهِ لَيْلَة وفارقه اللَّيْلَة الاخرى فَبينا ترَاهُ ورفيقه وقرينه إِذْ رايتهما مفترقين متابعدين كَأَنَّهُمَا لم يتصاحبا قطّ وَهَذِه السيارة لَهَا فِي سَيرهَا سيران مُخْتَلِفَانِ غَايَة الِاخْتِلَاف سير عَام يسير بهَا فلكها وسير خَاص تسير هِيَ فِي فلكها كَمَا شبهوا ذَلِك بنملة تدب على رحى ذَات الشمَال والرحى تَأْخُذ ذَات الْيَمين فللنملة فِي ذَلِك حركتان مُخْتَلِفَتَانِ الى جِهَتَيْنِ متاينتين احداهما بِنَفسِهَا والاخرى مُكْرَهَة عَلَيْهَا تبعا للرحى تجذبها الى غير جِهَة مقصدها وَبِذَلِك يَجْعَل التَّقْدِيم فِيهَا كل منزلَة الى جِهَة الشرق ثمَّ يسير فلكها وبمنزلتها الى جِهَة الغرب فسل الزَّنَادِقَة والمعطلة أَي طبيعة اقْتَضَت هَذَا واي فلك اوجبه وهلا كَانَت كلهَا راتبه اَوْ منتقلة اَوْ على مِقْدَار وَاحِد وشكل وَاحِد وحركة وَاحِدَة وجريان وَاحِد وَهل هَذَا الا صنع من بهرت الْعُقُول حكمته وَشهِدت مصنوعاته ومتبدعاته بانه الْخَالِق البارئ المصور الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء احسن كل شَيْء خلقه واتقن كل مَا صنعه وانه الْعَلِيم الْحَكِيم الَّذِي خلق فسوى وَقدر فهدى وان هَذِه احدى آيَاته الدَّالَّة عَلَيْهِ وعجائب مصنوعاته الموصلة للأفكار إِذا سَافَرت فِيهَا اليه وَأَنه خلق مسخر مربوب مُدبر ان ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات

стр. 211

والارض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يغشى اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حثيثا وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بامره الا لَهُ الْخلق والامر تبَارك الله رب الْعَالمين فَإِن قلت فَمَا الْحِكْمَة فِي كَون بعض النُّجُوم راتبا وَبَعضهَا منتقلا قيل إِنَّهَا لوكانت كلهَا راتبة لبطلت الدّلَالَة وَالْحكم الَّتِي نشأت من تنقلها فِي منازلها ومسيرها فِي بروجها وَلَو كَانَت كلهَا منتقلة لم يكن لمسيرها منَازِل تعرف بهَا وَلَا رسم يُقَاس عَلَيْهَا لانه إِنَّمَا يُقَاس مسير المتنقلة مِنْهَا بالراتب كَمَا يُقَاس مسير السائرين على الارض بالمنازل الَّتِي يَمرونَ عَلَيْهَا فَلَو كَانَت كلهَا بِحَال وَاحِدَة لاختلط نظامها ولبطلت الحكم والفوائد والدلالات الَّتِي فِي اختلافها ولتشبث الْمُعَطل بذلك وَقَالَ لَو كَانَ فاعلها ومبدعها مُخْتَارًا لم تكن على وَجه وَاحِد وَأمر وَاحِد وَقدر وَاحِد فَهَذَا التَّرْتِيب والنظام الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ من ادل الدَّلَائِل على وجود الْخَالِق وَقدرته وإرادته وَعلمه وحكمته ووحدانيته فصل ثمَّ تامل هَذَا الْفلك الدوار بشمسه وقمره ونجومه وبروجه وَكَيف يَدُور على هَذَا الْعَالم هَذَا الدوران الدَّائِم الى آخر الاجل على هَذَا التَّرْتِيب والنظام وَمَا فِي طي ذَلِك من اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفصول وَالْحر وَالْبرد وَمَا فِي ضمن ذَلِك من مصَالح مَا على الارض من اصناف الْحَيَوَان والنبات وَهل يخفى على ذِي بَصِيرَة ان هَذَا ابداع الْمُبْدع الْحَكِيم وَتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وَلِهَذَا خَاطب الرُّسُل امتهم مُخَاطبَة من لَا شكّ عِنْده فِي الله وَإِنَّمَا دعوهم الى عِبَادَته وَحده لَا ألى الاقرار بِهِ فَقَالَت لَهُم أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات والارض فوجوده سُبْحَانَهُ وربوبيته وَقدرته اظهر من كل شَيْء على الاطلاق فَهُوَ اظهر للبصائر من الشَّمْس للابصار وابين للعقول من كل مَا تعقله وتقر بوجدوده فَمَا يُنكره الا مكابر بِلِسَانِهِ وَقَلبه وعقله وفطرته وَكلهَا تكذبه قَالَ تَعَالَى الله الَّذِي رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لاجل مُسَمّى يدبر الامر يفصل الايات لَعَلَّكُمْ بلقاء ربكُم توقنون وَهُوَ الَّذِي مد الارض وَجعل فِيهَا رواسي وانهارا وَمن كل الثمرات جعل فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يغشى اللَّيْل النَّهَار ان فِي ذَلِك لايات لقوم يتفكرون وَفِي الارض قطع متجاورات الاية وَقَالَ تَعَالَى ان فِي خلق السَّمَوَات والارض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لايات للْمُؤْمِنين وَفِي خَلقكُم واما يبث من دَابَّة إِلَى قَوْله وآياته يُؤمنُونَ وَقَالَ تَعَالَى خلق السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها والقى فِي الارض رواسي ان تميد بكم وَبث فِيهَا من كل دَابَّة الى قَوْله فِي ضلال مُبين وَقَالَ تَعَالَى خلق الانسان من نُطْفَة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين والأنعام خلقهَا لكم فِيهَا دفء وَمَنَافع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ الى قَوْله افمن يخلق كمن لَا يخلق أَفلا تذكرُونَ وَتَأمل كَيفَ وحد سُبْحَانَهُ الاية من قَوْله هُوَ الَّذِي أنزل من السَّمَاء مَاء لكم مِنْهُ شراب الى آخرهَا وختمها باصحاب الفكرة فاما

стр. 212

تَوْحِيد الاية فَلِأَن مَوضِع الدّلَالَة وَاحِد وَهُوَ المَاء الَّذِي انزله من السَّمَاء فَاخْرُج بِهِ كلما ذكره من الارض وَهُوَ على اخْتِلَاف انواعه لقاحه وَاحِد وَأمه وَاحِدَة فَهَذَا نوع وَاحِد من آيَاته وَأما تَخْصِيصه ذَلِك بِأَهْل الْفِكر فَلِأَن هَذِه الْمَخْلُوقَات الَّتِي ذكرهَا من المَاء مَوضِع فكر وَهُوَ نظر الْقلب وتامله لَا مَوضِع نظر مُجَرّد بِالْعينِ فَلَا ينْتَفع النَّاظر بِمُجَرَّد رُؤْيَة الْعين حَتَّى ينْتَقل مِنْهُ الى نظر الْقلب فِي حِكْمَة ذَلِك وبديع صنعه وَالِاسْتِدْلَال بِهِ على خالقه وباريه وَذَلِكَ هُوَ الْفِكر بِعَيْنِه واما قَوْله تَعَالَى فِي الاية الَّتِي بعْدهَا ان فِي ذَلِك لايات لقوم يعْقلُونَ فَجمع الايات لانها تَضَمَّنت اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَهِي آيَات مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة فِي انفسها وخلقها وكيفياتها فَإِن إظلام الجو لغروب الشَّمْس ومجيء اللَّيْل الَّذِي يلبس الْعَالم كَالثَّوْبِ ويسكنون تَحْتَهُ آيَة باهرة ثمَّ ورد جَيش الضياء يقدمهُ بشير الصَّباح فينهزم عَسْكَر الظلام وينتشر الْحَيَوَان وينكشط ذَلِك اللبَاس بجملته آيَة اخرى ثمَّ فِي الشَّمْس الَّتِي هِيَ آيَة النَّهَار آيَة أُخْرَى وَفِي الْقَمَر الَّذِي هُوَ آيَة اللَّيْل آيَة اخرى وَفِي النُّجُوم آيَات أخر كَمَا قدمْنَاهُ هَذَا مَعَ مَا يتبعهَا من الايات الْمُقَارنَة لَهَا من الرِّيَاح واختلافها وَسَائِر مَا يحدثه الله بِسَبَبِهَا آيَات أخر فالموضع مَوضِع جمع وَخص هَذِه الايات بِأَهْل الْعقل لانها اعظم مِمَّا قبلهَا وأدل وأكبر والاولى كالباب لهَذِهِ فَمن اسْتدلَّ بِهَذِهِ الايات واعطاها حَقّهَا من الدّلَالَة اسْتحق من الْوَصْف مَا يسْتَحقّهُ صَاحب الْفِكر وَهُوَ الْعقل وَلِأَن منزله الْمنزلَة الْعقل بعد منزلَة الْفِكر فَلَمَّا دلهم بالاية الاولى على الْفِكر نقلهم بالاية الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ اعظم مِنْهَا الى الْعقل الَّذِي هُوَ فَوق الْفِكر فَتَأَمّله فَأَما قَوْله فِي الاية الثَّالِثَة ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يذكرُونَ﴾ فَوحد الاية وخصها بِأَهْل التَّذَكُّر فَأَما توحيدها فكتوحيد الاولى سَوَاء فَإِن مَا ذَرأ فِي الارض على اختلافه من الْجَوَاهِر والنبات والمعادن وَالْحَيَوَان كُله فِي مَحل وَاحِد فَهُوَ نوع من انواع آيَاته وَإِن تعدّدت أصنافه وانواعه واما تَخْصِيصه اياها بِأَهْل التَّذَكُّر فطريقة الْقُرْآن فِي ذَلِك ان يَجْعَل آيَاته للتبصر والتذكر كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة ق ﴿وَالْأَرْض مددناها وألقينا فِيهَا رواسي وأنبتنا فِيهَا من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ فالتبصرة التعقل والتذكرة التَّذَكُّر والفكر بَاب ذَلِك ومدخله فَإِذا فكر تبصر وَإِذا تبصر تذكر فجَاء التَّذْكِير فِي الاية لترتيبه على الْعقل الْمُرَتّب على الْفِكر فَقدم الْفِكر إِذْ هُوَ الْبَاب والمدخل ووسط الْعقل إِذْ هُوَ ثَمَرَة الْفِكر ونتيجته وَأخر التَّذَكُّر إِذْ هُوَ الْمَطْلُوب من الْفِكر وَالْعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأَمُّل فَإِن قلت فَمَا الْفرق بَين التَّذَكُّر والتفكر فَإِذا تبين الْفرق ظَهرت الْفَائِدَة قلت التفكر والتذكر اصل الْهدى والفلاح وهما قطبا السَّعَادَة وَلِهَذَا وسعنا الْكَلَام فِي التفكر فِي هَذَا الْوَجْه لعظم الْمَنْفَعَة وَشدَّة الْحَاجة اليه قَالَ الْحسن مَا زَالَ اهل الْعلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون الْقُلُوب حَتَّى نطقت فَإِذا لَهَا اسماع وابصار فَاعْلَم ان التفكر طلب الْقلب مَا لَيْسَ بحاصل من الْعُلُوم من امْر هُوَ حَاصِل

стр. 213

مِنْهَا هَذَا حَقِيقَته فَإِنَّهُ لَو لم يكن ثمَّ مُرَاد يكون موردا للفكر اسْتَحَالَ الْفِكر لَان الْفِكر بِغَيْر مُتَعَلق متفكر فِيهِ محَال وَتلك الْموَاد هِيَ الامور الْحَاصِلَة وَلَو كَانَ الْمَطْلُوب بهَا حَاصِلا عِنْده لم يتفكر فِيهِ فَإِذا عرف هَذَا فالمتفكر ينْتَقل من الْمُقدمَات والمبادي الَّتِي عِنْده الى الْمَطْلُوب الَّذِي يُريدهُ فَإِذا ظفر بِهِ وَتحصل لَهُ تذكر بِهِ وابصر مواقع الْفِعْل وَالتّرْك وَمَا يَنْبَغِي ايثاره وَمَا يَنْبَغِي اجتنابه فالتذكر هُوَ مَقْصُود التفكر وثمرته فَإِذا تذكر عَاد بتذكرة على تفكره فاستخرج مَا لم يكن حَاصِلا عِنْده فَهُوَ لَا يزَال يُكَرر بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره مَا دَامَ عَاقِلا لَان الْعلم والارادة لَا يقفان على حد بل هُوَ دَائِما سَائِر بن الْعلم والارادة وَإِذا عرفت معنى كَون آيَات الرب ﵎ تبصرة وذكرى يتبصر بهَا من عمى الْقلب ويتذكر بهَا من غفلته فان المضاد للْعلم اما عمى الْقلب وزواله بالتبصر وَإِمَّا غفلته وزواله بالتذكر وَالْمَقْصُود تَنْبِيه الْقلب من رقدته بالاشارة الى شَيْء من بعض آيَات الله وَلَو ذَهَبْنَا نتتبع ذَلِك لنفذ الزَّمَان وَلم نحط بتفصيل وَاحِدَة من آيَاته على التَّمام وَلَكِن مَالا يدْرك جملَة لَا يتْرك جملَة واحسن مَا انفقت فِيهِ الانفاس التفكر فِي آيَات الله وعجائب صنعه والانتقال مِنْهَا الى تعلق الْقلب والهمة بِهِ دون شَيْء من مخلوقاته فَلذَلِك عَقدنَا هَذِه الْكتاب على هذَيْن الاصلين إِذْ هما افضل مَا يكتسبه العَبْد فِي هَذِه الدَّار فصل فسل الْمُعَطل الجاحد مَا تَقول فِي دولاب دائر على نهر قد احكمت آلاته وَأحكم تركيبه وقدرت ادواته احسن تَقْدِير وأبلغه بِحَيْثُ لَا يرى النَّاظر فِيهِ خللا فِي مادته وَلَا فِي صورته وَقد جعل على حديقة عَظِيمَة فِيهَا من كل انواع الثِّمَار والزروع يسقيها حَاجَتهَا وَفِي تِلْكَ الحديقة من يلم شعثها وَيحسن مراعاتها وتعهدها وَالْقِيَام بِجَمِيعِ مصالحها فَلَا يخْتل مِنْهَا شَيْء وَلَا يتْلف ثمارها ثمَّ يقسم قيمتهَا عِنْد الْجذاذ على سَائِر المخارج بِحَسب حاجاتهم وضروراتهم فَيقسم لكل صنف مِنْهُم مَا يَلِيق بِهِ ويقسمه هَكَذَا على الدَّوَام اترى هَذَا اتِّفَاقًا بِلَا صانع وَلَا مُخْتَار وَلَا مُدبر بل اتّفق وجود ذَلِك الدولاب والحديقة وكل ذَلِك اتِّفَاقًا من غير فَاعل وَلَا قيم وَلَا مُدبر أفترى مَا يَقُول لَك عقلك فِي ذَلِك لَو كَانَ وَمَا الَّذِي يفتيك بِهِ وَمَا الَّذِي يرشدك اليه وَلَكِن من حِكْمَة الْعَزِيز الْحَكِيم ان خلق قلوبا عميا لَا بصائر لَهَا فَلَا ترى هَذِه الايات الباهرة إِلَّا رُؤْيَة الْحَيَوَانَات البهيمية كَمَا خلق اعينا لَا أبصار لَهَا وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بامره وَهِي لَا ترَاهَا فَمَا ذنبها ان انكرتها وجحدتها فَهِيَ تَقول فِي ضوء النَّهَار هَذَا ليل وَلَكِن اصحاب الاعين لَا يعْرفُونَ شَيْئا وَلَقَد احسن الْقَائِل وهبني قلت هَذَا الصُّبْح ليل ... ايعمى الْعَالمُونَ عَن الضياء

стр. 214

فصل ثمَّ تَأمل الممسك لِلسَّمَوَاتِ والارض الْحَافِظ لَهما ان تَزُولَا اَوْ تقعا اَوْ يتعطل بعض مَا فيهمَا افترى من الممسك لذَلِك وَمن الْقيم بأَمْره وَمن الْمُقِيم لَهُ فَلَو تعطل بعض آلَات هَذَا الدولاب الْعَظِيم والحديقة الْعَظِيمَة من كَانَ يصلحه وماذا كَانَ عِنْد الْخلق كلهم من الْحِيلَة فِي رده كَمَا كَانَ فَلَو امسك عَنْهُم قيم السَّمَوَات والارض الشَّمْس فَجعل عَلَيْهِم اللَّيْل سرمدا من الَّذِي كَانَ يطْلعهَا عَلَيْهِم ويأتيهم بِالنَّهَارِ وَلَو حَبسهَا فِي الافق وَلم يسيرها فَمن ذَا الَّذِي كَانَ يسيرها وياتيهم بِاللَّيْلِ وَلَو ان السَّمَاء والارض زالتا فَمن ذَا الَّذِي كَانَ يمْسِكهَا من بعده فصل ثمَّ تَأمل هَذِه الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي الْحر وَالْبرد وَقيام الْحَيَوَان والنبات عَلَيْهِمَا وفكر فِي دُخُول احدهما على الاخر بالتدريح والمهلة حَتَّى يبلغ نهايته وَلَو دخل عَلَيْهِ مفاجاة الأضر ذَلِك بالابدان وأهلكها وبالنبات كَمَا لَو خرج الرجل من حمام مفرط الْحَرَارَة الى مَكَان مفرط فِي الْبُرُودَة وَلَوْلَا الْعِنَايَة وَالْحكمَة وَالرَّحْمَة والاحسان لما كَانَ ذَلِك فَإِن قلت هَذَا التدريج والمهلة إِنَّمَا كَانَ لابطاء سير الشَّمْس فِي ارتفاعها وانخفاضها قيل لَك فَمَا السَّبَب فِي ذَلِك الانخفاض والارتفاع فَإِن قلت السَّبَب فِي ذَلِك بعدالمسافة من مشارقها وَمَغَارِبهَا قيل لَك فَمَا السَّبَب فِي بعد الْمسَافَة وَلَا تزَال المسالة متوجهة عَلَيْك كَمَا عينت سَببا حَتَّى تُفْضِي بك الى اُحْدُ امرين إِمَّا مُكَابَرَة ظَاهِرَة وَدَعوى ان ذَلِك اتِّفَاق من غير مُدبر وَلَا صانع وَإِمَّا الِاعْتِرَاف بِرَبّ الْعَالمين والاقرار بقيوم السَّمَوَات والارضين وَالدُّخُول فِي زمرة اولى الْعقل من الْعَالمين وَلنْ تَجِد بَين الْقسمَيْنِ وَاسِطَة ابدا فَلَا تتعب ذهنك بهذيانات الْمُلْحِدِينَ فانها عِنْد من عرفهَا من هوس الشَّيَاطِين وخيالات المبطلين وَإِذا طلع فجر الْهدى واشرقت النُّبُوَّة فعساكر تِلْكَ الخيالات والوساوس فِي أول المنهزمين وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي خلق النَّار على مَا هِيَ عَلَيْهِ من الكمون والظهور فانها لَو كَانَت ظَاهِرَة ابدا كَالْمَاءِ والهواء كَانَت تحرق الْعَالم وتنتشر ويعظم الضَّرَر بهَا والمفسدة وَلَو كَانَت كامنة لَا تظهر ابدا لفاتت الْمصَالح المترتبة على وجودهَا فاقتضت حِكْمَة الْعَزِيز الْعَلِيم ان جعلهَا مخزونة فِي الاجسام يُخرجهَا ويبقيها الرجل عِنْد حَاجته اليها فيمسكها ويحبسها بمادة يَجْعَلهَا فِيهَا من الْحَطب وَنَحْوه فَلَا يزَال حابسها مَا احْتَاجَ الى بَقَائِهَا فَإِذا اسْتغنى عَنْهَا وَترك حَبسهَا بالمادة خبت باذن رَبهَا وفاطرها فَسَقَطت الْمُؤْنَة والمضرة ببقائها فسبحان من سخرها وانشأها على تَقْدِير مُحكم عَجِيب اجْتمع فِيهِ الِاسْتِمْتَاع وَالِانْتِفَاع

стр. 215

والسلامة من الضَّرَر قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون﴾ الى قَوْله ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ فسبحان رَبنَا الْعَظِيم لقد تعرف الينا بآياته وشفانا ببيناته واغنانا بهَا عَن دلالات الْعَالمين فاخبر سُبْحَانَهُ انه جعلهَا تذكرة بِنَار الاخرة فنستجير مِنْهَا ونهرب اليه مِنْهَا ومتاعا للمقوين وهم المسافرون النازلون بالقواء والقواء هِيَ الارض الخالية وهم احوج الى الِانْتِفَاع بالنَّار للاضاءة والطبخ وَالْخبْز والتدفي والانس وَغير ذَلِك فصل ثمَّ تَأمل حكمته تَعَالَى فِي كَونه خص بهَا الانسان دون غَيره من الْحَيَوَانَات فَلَا حَاجَة بِالْحَيَوَانِ اليها بِخِلَاف الانسان فَإِنَّهُ لَو فقدها لعظم الدَّاخِل عَلَيْهِ فِي معاشه ومصالحه وَغَيره من الْحَيَوَانَات لَا يستعملها ولايتمتع بهَا وننبه من مصَالح النَّار على خلة صَغِيرَة الْقدر عَظِيمَة النَّفْع وَهِي هَذَا الْمِصْبَاح الَّذِي يَتَّخِذهُ النَّاس فيقضون بِهِ من حوائجهم مَا شاؤا من ليلهم وَلَو هَذِه الْخلَّة لَكَانَ النَّاس نصف اعمارهم بِمَنْزِلَة اصحاب الْقُبُور فَمن كَانَ يَسْتَطِيع كِتَابَة اَوْ خياطَة اَوْ صناعَة اَوْ تَصرفا فِي ظلمَة اللَّيْل الداجي وَكَيف كَانَت تكون حَال من عرض لَهُ وجع فِي وَقت من اللَّيْل فَاحْتَاجَ الى ضِيَاء اَوْ دَوَاء اَوْ اسْتِخْرَاج دم اَوْ غير ذَلِك ثمَّ انْظُر الى ذَلِك النُّور الْمَحْمُول فِي ذبالة الْمِصْبَاح على صغر جوهره كَيفَ يضيء مَا حولك كُله فترى بِهِ الْقَرِيب والبعيد ثمَّ انْظُر الى انه لَو اقتبس مِنْهُ كل من يفْرض اَوْ يقدر من خلق الله كَيفَ لَا يفنى وَلَا ينفذ وَلَا يضعف وَأما مَنَافِع النَّار فِي انضاج الاطعمة والادوية وتجفيف مَالا ينْتَفع الا بجفافه وَتَحْلِيل مَالا ينْتَفع الا بتلحيله وَعقد مَالا ينْتَفع الا بعقده وتركيبه فَأكْثر من ان يُحْصى ثمَّ تَأمل مَا اعطيته النَّار من الْحَرَكَة الصاعدة بطبعها الى الْعُلُوّ فلولا الْمَادَّة تمسكها لذهبت صاعدة كَمَا ان الْجِسْم الثقيل لَوْلَا الممسك يمسِكهُ لذهب نازلا فَمن اعطى هَذَا الْقُوَّة الَّتِي يطْلب بهَا الهبوط الى مستقره واعطى هَذِه الْقُوَّة الَّتِي تطلب بهَا الصعُود الى مستقرها وَهل ذَلِك الا بِتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم فصل ثمَّ تامل هَذَا الْهَوَاء وَمَا فِيهِ من الْمصَالح فَإِنَّهُ حَيَاة هَذِه الابدان والممسك لَهَا من دَاخل بِمَا تستنشق مِنْهُ وَمن خَارج بِمَا تباشر بِهِ من روحه فتتغذى بِهِ ظَاهرا وَبَاطنا وَفِيه تطرد هَذِه الاصوات فتحملها وتؤديها للقريب والبعيد كالبريد وَالرَّسُول الَّذِي شَأْنه حمل الاخبار والرسائل وَهُوَ الْحَامِل لهَذِهِ الروائح على اختلافها ينقلها من مَوضِع الى مَوضِع فتأتي العَبْد الرَّائِحَة من حَيْثُ تهب الرّيح وَكَذَلِكَ تَأتيه الاصوات وَهُوَ ايضا الْحَامِل للْحرّ وَالْبرد اللَّذين بهما صَلَاح الْحَيَوَان والنبات وَتَأمل مَنْفَعَة الرّيح وَمَا يجْرِي لَهُ فِي الْبر وَالْبَحْر وَمَا هيئت لَهُ من الرَّحْمَة
следующие страницы →