Полный текст (577 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
والارض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يغشى اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حثيثا وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بامره الا لَهُ الْخلق والامر تبَارك الله رب الْعَالمين فَإِن قلت فَمَا الْحِكْمَة فِي كَون بعض النُّجُوم راتبا وَبَعضهَا منتقلا قيل إِنَّهَا لوكانت كلهَا راتبة لبطلت الدّلَالَة وَالْحكم الَّتِي نشأت من تنقلها فِي منازلها ومسيرها فِي بروجها وَلَو كَانَت كلهَا منتقلة لم يكن لمسيرها منَازِل تعرف بهَا وَلَا رسم يُقَاس عَلَيْهَا لانه إِنَّمَا يُقَاس مسير المتنقلة مِنْهَا بالراتب كَمَا يُقَاس مسير السائرين على الارض بالمنازل الَّتِي يَمرونَ عَلَيْهَا فَلَو كَانَت كلهَا بِحَال وَاحِدَة لاختلط نظامها ولبطلت الحكم والفوائد والدلالات الَّتِي فِي اختلافها ولتشبث الْمُعَطل بذلك وَقَالَ لَو كَانَ فاعلها ومبدعها مُخْتَارًا لم تكن على وَجه وَاحِد وَأمر وَاحِد وَقدر وَاحِد فَهَذَا التَّرْتِيب والنظام الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ من ادل الدَّلَائِل على وجود الْخَالِق وَقدرته وإرادته وَعلمه وحكمته ووحدانيته
فصل ثمَّ تامل هَذَا الْفلك الدوار بشمسه وقمره ونجومه وبروجه وَكَيف يَدُور
على هَذَا الْعَالم هَذَا الدوران الدَّائِم الى آخر الاجل على هَذَا التَّرْتِيب والنظام وَمَا فِي طي ذَلِك من اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفصول وَالْحر وَالْبرد وَمَا فِي ضمن ذَلِك من مصَالح مَا على الارض من اصناف الْحَيَوَان والنبات وَهل يخفى على ذِي بَصِيرَة ان هَذَا ابداع الْمُبْدع الْحَكِيم وَتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وَلِهَذَا خَاطب الرُّسُل امتهم مُخَاطبَة من لَا شكّ عِنْده فِي الله وَإِنَّمَا دعوهم الى عِبَادَته وَحده لَا ألى الاقرار بِهِ فَقَالَت لَهُم أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات والارض فوجوده سُبْحَانَهُ وربوبيته وَقدرته اظهر من كل شَيْء على الاطلاق فَهُوَ اظهر للبصائر من الشَّمْس للابصار وابين للعقول من كل مَا تعقله وتقر بوجدوده فَمَا يُنكره الا مكابر بِلِسَانِهِ وَقَلبه وعقله وفطرته وَكلهَا تكذبه قَالَ تَعَالَى الله الَّذِي رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لاجل مُسَمّى يدبر الامر يفصل الايات لَعَلَّكُمْ بلقاء ربكُم توقنون وَهُوَ الَّذِي مد الارض وَجعل فِيهَا رواسي وانهارا وَمن كل الثمرات جعل فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يغشى اللَّيْل النَّهَار ان فِي ذَلِك لايات لقوم يتفكرون وَفِي الارض قطع متجاورات الاية وَقَالَ تَعَالَى ان فِي خلق السَّمَوَات والارض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لايات للْمُؤْمِنين وَفِي خَلقكُم واما يبث من دَابَّة إِلَى قَوْله وآياته يُؤمنُونَ وَقَالَ تَعَالَى خلق السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها والقى فِي الارض رواسي ان تميد بكم وَبث فِيهَا من كل دَابَّة الى قَوْله فِي ضلال مُبين وَقَالَ تَعَالَى خلق الانسان من نُطْفَة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين والأنعام خلقهَا لكم فِيهَا دفء وَمَنَافع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ الى قَوْله افمن يخلق كمن لَا يخلق أَفلا تذكرُونَ وَتَأمل كَيفَ وحد سُبْحَانَهُ الاية من قَوْله هُوَ الَّذِي أنزل من السَّمَاء مَاء لكم مِنْهُ شراب الى آخرهَا وختمها باصحاب الفكرة فاما
стр. 212
تَوْحِيد الاية فَلِأَن مَوضِع الدّلَالَة وَاحِد وَهُوَ المَاء الَّذِي انزله من السَّمَاء فَاخْرُج بِهِ كلما ذكره من الارض وَهُوَ على اخْتِلَاف انواعه لقاحه وَاحِد وَأمه وَاحِدَة فَهَذَا نوع وَاحِد من آيَاته وَأما تَخْصِيصه ذَلِك بِأَهْل الْفِكر فَلِأَن هَذِه الْمَخْلُوقَات الَّتِي ذكرهَا من المَاء مَوضِع فكر وَهُوَ نظر الْقلب وتامله لَا مَوضِع نظر مُجَرّد بِالْعينِ فَلَا ينْتَفع النَّاظر بِمُجَرَّد رُؤْيَة الْعين حَتَّى ينْتَقل مِنْهُ الى نظر الْقلب فِي حِكْمَة ذَلِك وبديع صنعه وَالِاسْتِدْلَال بِهِ على خالقه وباريه وَذَلِكَ هُوَ الْفِكر بِعَيْنِه واما قَوْله تَعَالَى فِي الاية الَّتِي بعْدهَا ان فِي ذَلِك لايات لقوم يعْقلُونَ فَجمع الايات لانها تَضَمَّنت اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَهِي آيَات مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة فِي انفسها وخلقها وكيفياتها فَإِن إظلام الجو لغروب الشَّمْس ومجيء اللَّيْل الَّذِي يلبس الْعَالم كَالثَّوْبِ ويسكنون تَحْتَهُ آيَة باهرة ثمَّ ورد جَيش الضياء يقدمهُ بشير الصَّباح فينهزم عَسْكَر الظلام وينتشر الْحَيَوَان وينكشط ذَلِك اللبَاس بجملته آيَة اخرى ثمَّ فِي الشَّمْس الَّتِي هِيَ آيَة النَّهَار آيَة أُخْرَى وَفِي الْقَمَر الَّذِي هُوَ آيَة اللَّيْل آيَة اخرى وَفِي النُّجُوم آيَات أخر كَمَا قدمْنَاهُ هَذَا مَعَ مَا يتبعهَا من الايات الْمُقَارنَة لَهَا من الرِّيَاح واختلافها وَسَائِر مَا يحدثه الله بِسَبَبِهَا آيَات أخر فالموضع مَوضِع جمع وَخص هَذِه الايات بِأَهْل الْعقل لانها اعظم مِمَّا قبلهَا وأدل وأكبر والاولى كالباب لهَذِهِ فَمن اسْتدلَّ بِهَذِهِ الايات واعطاها حَقّهَا من الدّلَالَة اسْتحق من الْوَصْف مَا يسْتَحقّهُ صَاحب الْفِكر وَهُوَ الْعقل وَلِأَن منزله الْمنزلَة الْعقل بعد منزلَة الْفِكر فَلَمَّا دلهم بالاية الاولى على الْفِكر نقلهم بالاية الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ اعظم مِنْهَا الى الْعقل الَّذِي هُوَ فَوق الْفِكر فَتَأَمّله فَأَما قَوْله فِي الاية الثَّالِثَة ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يذكرُونَ﴾ فَوحد الاية وخصها بِأَهْل التَّذَكُّر فَأَما توحيدها فكتوحيد الاولى سَوَاء فَإِن مَا ذَرأ فِي الارض على اختلافه من الْجَوَاهِر والنبات والمعادن وَالْحَيَوَان كُله فِي مَحل وَاحِد فَهُوَ نوع من انواع آيَاته وَإِن تعدّدت أصنافه وانواعه واما تَخْصِيصه اياها بِأَهْل التَّذَكُّر فطريقة الْقُرْآن فِي ذَلِك ان يَجْعَل آيَاته للتبصر والتذكر كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة ق ﴿وَالْأَرْض مددناها وألقينا فِيهَا رواسي وأنبتنا فِيهَا من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ فالتبصرة التعقل والتذكرة التَّذَكُّر والفكر بَاب ذَلِك ومدخله فَإِذا فكر تبصر وَإِذا تبصر تذكر فجَاء التَّذْكِير فِي الاية لترتيبه على الْعقل الْمُرَتّب على الْفِكر فَقدم الْفِكر إِذْ هُوَ الْبَاب والمدخل ووسط الْعقل إِذْ هُوَ ثَمَرَة الْفِكر ونتيجته وَأخر التَّذَكُّر إِذْ هُوَ الْمَطْلُوب من الْفِكر وَالْعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأَمُّل فَإِن قلت فَمَا الْفرق بَين التَّذَكُّر والتفكر فَإِذا تبين الْفرق ظَهرت الْفَائِدَة قلت التفكر والتذكر اصل الْهدى والفلاح وهما قطبا السَّعَادَة وَلِهَذَا وسعنا الْكَلَام فِي التفكر فِي هَذَا الْوَجْه لعظم الْمَنْفَعَة وَشدَّة الْحَاجة اليه قَالَ الْحسن مَا زَالَ اهل الْعلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون الْقُلُوب حَتَّى نطقت فَإِذا لَهَا اسماع وابصار فَاعْلَم ان التفكر طلب الْقلب مَا لَيْسَ بحاصل من الْعُلُوم من امْر هُوَ حَاصِل
стр. 213
مِنْهَا هَذَا حَقِيقَته فَإِنَّهُ لَو لم يكن ثمَّ مُرَاد يكون موردا للفكر اسْتَحَالَ الْفِكر لَان الْفِكر بِغَيْر مُتَعَلق متفكر فِيهِ محَال وَتلك الْموَاد هِيَ الامور الْحَاصِلَة وَلَو كَانَ الْمَطْلُوب بهَا حَاصِلا عِنْده لم يتفكر فِيهِ فَإِذا عرف هَذَا فالمتفكر ينْتَقل من الْمُقدمَات والمبادي الَّتِي عِنْده الى الْمَطْلُوب الَّذِي يُريدهُ فَإِذا ظفر بِهِ وَتحصل لَهُ تذكر بِهِ وابصر مواقع الْفِعْل وَالتّرْك وَمَا يَنْبَغِي ايثاره وَمَا يَنْبَغِي اجتنابه فالتذكر هُوَ مَقْصُود التفكر وثمرته فَإِذا تذكر عَاد بتذكرة على تفكره فاستخرج مَا لم يكن حَاصِلا عِنْده فَهُوَ لَا يزَال يُكَرر بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره مَا دَامَ عَاقِلا لَان الْعلم والارادة لَا يقفان على حد بل هُوَ دَائِما سَائِر بن الْعلم والارادة وَإِذا عرفت معنى كَون آيَات الرب ﵎ تبصرة وذكرى يتبصر بهَا من عمى الْقلب ويتذكر بهَا من غفلته فان المضاد للْعلم اما عمى الْقلب وزواله بالتبصر وَإِمَّا غفلته وزواله بالتذكر وَالْمَقْصُود تَنْبِيه الْقلب من رقدته بالاشارة الى شَيْء من بعض آيَات الله وَلَو ذَهَبْنَا نتتبع ذَلِك لنفذ الزَّمَان وَلم نحط بتفصيل وَاحِدَة من آيَاته على التَّمام وَلَكِن مَالا يدْرك جملَة لَا يتْرك جملَة واحسن مَا انفقت فِيهِ الانفاس التفكر فِي آيَات الله وعجائب صنعه والانتقال مِنْهَا الى تعلق الْقلب والهمة بِهِ دون شَيْء من مخلوقاته فَلذَلِك عَقدنَا هَذِه الْكتاب على هذَيْن الاصلين إِذْ هما افضل مَا يكتسبه العَبْد فِي هَذِه الدَّار
فصل فسل الْمُعَطل الجاحد مَا تَقول فِي دولاب دائر على نهر قد احكمت
آلاته وَأحكم تركيبه وقدرت ادواته احسن تَقْدِير وأبلغه بِحَيْثُ لَا يرى النَّاظر فِيهِ خللا فِي مادته وَلَا فِي صورته وَقد جعل على حديقة عَظِيمَة فِيهَا من كل انواع الثِّمَار والزروع يسقيها حَاجَتهَا وَفِي تِلْكَ الحديقة من يلم شعثها وَيحسن مراعاتها وتعهدها وَالْقِيَام بِجَمِيعِ مصالحها فَلَا يخْتل مِنْهَا شَيْء وَلَا يتْلف ثمارها ثمَّ يقسم قيمتهَا عِنْد الْجذاذ على سَائِر المخارج بِحَسب حاجاتهم وضروراتهم فَيقسم لكل صنف مِنْهُم مَا يَلِيق بِهِ ويقسمه هَكَذَا على الدَّوَام اترى هَذَا اتِّفَاقًا بِلَا صانع وَلَا مُخْتَار وَلَا مُدبر بل اتّفق وجود ذَلِك الدولاب والحديقة وكل ذَلِك اتِّفَاقًا من غير فَاعل وَلَا قيم وَلَا مُدبر أفترى مَا يَقُول لَك عقلك فِي ذَلِك لَو كَانَ وَمَا الَّذِي يفتيك بِهِ وَمَا الَّذِي يرشدك اليه وَلَكِن من حِكْمَة الْعَزِيز الْحَكِيم ان خلق قلوبا عميا لَا بصائر لَهَا فَلَا ترى هَذِه الايات الباهرة إِلَّا رُؤْيَة الْحَيَوَانَات البهيمية كَمَا خلق اعينا لَا أبصار لَهَا وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بامره وَهِي لَا ترَاهَا فَمَا ذنبها ان انكرتها وجحدتها فَهِيَ تَقول فِي ضوء النَّهَار هَذَا ليل وَلَكِن اصحاب الاعين لَا يعْرفُونَ شَيْئا وَلَقَد احسن الْقَائِل
وهبني قلت هَذَا الصُّبْح ليل ... ايعمى الْعَالمُونَ عَن الضياء
стр. 214
فصل ثمَّ تَأمل الممسك لِلسَّمَوَاتِ والارض الْحَافِظ لَهما ان تَزُولَا اَوْ تقعا
اَوْ يتعطل بعض مَا فيهمَا افترى من الممسك لذَلِك وَمن الْقيم بأَمْره وَمن الْمُقِيم لَهُ فَلَو تعطل بعض آلَات هَذَا الدولاب الْعَظِيم والحديقة الْعَظِيمَة من كَانَ يصلحه وماذا كَانَ عِنْد الْخلق كلهم من الْحِيلَة فِي رده كَمَا كَانَ فَلَو امسك عَنْهُم قيم السَّمَوَات والارض الشَّمْس فَجعل عَلَيْهِم اللَّيْل سرمدا من الَّذِي كَانَ يطْلعهَا عَلَيْهِم ويأتيهم بِالنَّهَارِ وَلَو حَبسهَا فِي الافق وَلم يسيرها فَمن ذَا الَّذِي كَانَ يسيرها وياتيهم بِاللَّيْلِ وَلَو ان السَّمَاء والارض زالتا فَمن ذَا الَّذِي كَانَ يمْسِكهَا من بعده
فصل ثمَّ تَأمل هَذِه الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي الْحر وَالْبرد وَقيام الْحَيَوَان
والنبات عَلَيْهِمَا وفكر فِي دُخُول احدهما على الاخر بالتدريح والمهلة حَتَّى يبلغ نهايته وَلَو دخل عَلَيْهِ مفاجاة الأضر ذَلِك بالابدان وأهلكها وبالنبات كَمَا لَو خرج الرجل من حمام مفرط الْحَرَارَة الى مَكَان مفرط فِي الْبُرُودَة وَلَوْلَا الْعِنَايَة وَالْحكمَة وَالرَّحْمَة والاحسان لما كَانَ ذَلِك فَإِن قلت هَذَا التدريج والمهلة إِنَّمَا كَانَ لابطاء سير الشَّمْس فِي ارتفاعها وانخفاضها قيل لَك فَمَا السَّبَب فِي ذَلِك الانخفاض والارتفاع فَإِن قلت السَّبَب فِي ذَلِك بعدالمسافة من مشارقها وَمَغَارِبهَا قيل لَك فَمَا السَّبَب فِي بعد الْمسَافَة وَلَا تزَال المسالة متوجهة عَلَيْك كَمَا عينت سَببا حَتَّى تُفْضِي بك الى اُحْدُ امرين إِمَّا مُكَابَرَة ظَاهِرَة وَدَعوى ان ذَلِك اتِّفَاق من غير مُدبر وَلَا صانع وَإِمَّا الِاعْتِرَاف بِرَبّ الْعَالمين والاقرار بقيوم السَّمَوَات والارضين وَالدُّخُول فِي زمرة اولى الْعقل من الْعَالمين وَلنْ تَجِد بَين الْقسمَيْنِ وَاسِطَة ابدا فَلَا تتعب ذهنك بهذيانات الْمُلْحِدِينَ فانها عِنْد من عرفهَا من هوس الشَّيَاطِين وخيالات المبطلين وَإِذا طلع فجر الْهدى واشرقت النُّبُوَّة فعساكر تِلْكَ الخيالات والوساوس فِي أول المنهزمين وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي خلق النَّار على مَا هِيَ عَلَيْهِ من الكمون
والظهور فانها لَو كَانَت ظَاهِرَة ابدا كَالْمَاءِ والهواء كَانَت تحرق الْعَالم وتنتشر ويعظم الضَّرَر بهَا والمفسدة وَلَو كَانَت كامنة لَا تظهر ابدا لفاتت الْمصَالح المترتبة على وجودهَا فاقتضت حِكْمَة الْعَزِيز الْعَلِيم ان جعلهَا مخزونة فِي الاجسام يُخرجهَا ويبقيها الرجل عِنْد حَاجته اليها فيمسكها ويحبسها بمادة يَجْعَلهَا فِيهَا من الْحَطب وَنَحْوه فَلَا يزَال حابسها مَا احْتَاجَ الى بَقَائِهَا فَإِذا اسْتغنى عَنْهَا وَترك حَبسهَا بالمادة خبت باذن رَبهَا وفاطرها فَسَقَطت الْمُؤْنَة والمضرة ببقائها فسبحان من سخرها وانشأها على تَقْدِير مُحكم عَجِيب اجْتمع فِيهِ الِاسْتِمْتَاع وَالِانْتِفَاع
стр. 215
والسلامة من الضَّرَر قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون﴾ الى قَوْله ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ فسبحان رَبنَا الْعَظِيم لقد تعرف الينا بآياته وشفانا ببيناته واغنانا بهَا عَن دلالات الْعَالمين فاخبر سُبْحَانَهُ انه جعلهَا تذكرة بِنَار الاخرة فنستجير مِنْهَا ونهرب اليه مِنْهَا ومتاعا للمقوين وهم المسافرون النازلون بالقواء والقواء هِيَ الارض الخالية وهم احوج الى الِانْتِفَاع بالنَّار للاضاءة والطبخ وَالْخبْز والتدفي والانس وَغير ذَلِك
فصل ثمَّ تَأمل حكمته تَعَالَى فِي كَونه خص بهَا الانسان دون غَيره من
الْحَيَوَانَات فَلَا حَاجَة بِالْحَيَوَانِ اليها بِخِلَاف الانسان فَإِنَّهُ لَو فقدها لعظم الدَّاخِل عَلَيْهِ فِي معاشه ومصالحه وَغَيره من الْحَيَوَانَات لَا يستعملها ولايتمتع بهَا وننبه من مصَالح النَّار على خلة صَغِيرَة الْقدر عَظِيمَة النَّفْع وَهِي هَذَا الْمِصْبَاح الَّذِي يَتَّخِذهُ النَّاس فيقضون بِهِ من حوائجهم مَا شاؤا من ليلهم وَلَو هَذِه الْخلَّة لَكَانَ النَّاس نصف اعمارهم بِمَنْزِلَة اصحاب الْقُبُور فَمن كَانَ يَسْتَطِيع كِتَابَة اَوْ خياطَة اَوْ صناعَة اَوْ تَصرفا فِي ظلمَة اللَّيْل الداجي وَكَيف كَانَت تكون حَال من عرض لَهُ وجع فِي وَقت من اللَّيْل فَاحْتَاجَ الى ضِيَاء اَوْ دَوَاء اَوْ اسْتِخْرَاج دم اَوْ غير ذَلِك ثمَّ انْظُر الى ذَلِك النُّور الْمَحْمُول فِي ذبالة الْمِصْبَاح على صغر جوهره كَيفَ يضيء مَا حولك كُله فترى بِهِ الْقَرِيب والبعيد ثمَّ انْظُر الى انه لَو اقتبس مِنْهُ كل من يفْرض اَوْ يقدر من خلق الله كَيفَ لَا يفنى وَلَا ينفذ وَلَا يضعف وَأما مَنَافِع النَّار فِي انضاج الاطعمة والادوية وتجفيف مَالا ينْتَفع الا بجفافه وَتَحْلِيل مَالا ينْتَفع الا بتلحيله وَعقد مَالا ينْتَفع الا بعقده وتركيبه فَأكْثر من ان يُحْصى ثمَّ تَأمل مَا اعطيته النَّار من الْحَرَكَة الصاعدة بطبعها الى الْعُلُوّ فلولا الْمَادَّة تمسكها لذهبت صاعدة كَمَا ان الْجِسْم الثقيل لَوْلَا الممسك يمسِكهُ لذهب نازلا فَمن اعطى هَذَا الْقُوَّة الَّتِي يطْلب بهَا الهبوط الى مستقره واعطى هَذِه الْقُوَّة الَّتِي تطلب بهَا الصعُود الى مستقرها وَهل ذَلِك الا بِتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم
فصل ثمَّ تامل هَذَا الْهَوَاء وَمَا فِيهِ من الْمصَالح فَإِنَّهُ حَيَاة هَذِه الابدان
والممسك لَهَا من دَاخل بِمَا تستنشق مِنْهُ وَمن خَارج بِمَا تباشر بِهِ من روحه فتتغذى بِهِ ظَاهرا وَبَاطنا وَفِيه تطرد هَذِه الاصوات فتحملها وتؤديها للقريب والبعيد كالبريد وَالرَّسُول الَّذِي شَأْنه حمل الاخبار والرسائل وَهُوَ الْحَامِل لهَذِهِ الروائح على اختلافها ينقلها من مَوضِع الى مَوضِع فتأتي العَبْد الرَّائِحَة من حَيْثُ تهب الرّيح وَكَذَلِكَ تَأتيه الاصوات وَهُوَ ايضا الْحَامِل للْحرّ وَالْبرد اللَّذين بهما صَلَاح الْحَيَوَان والنبات وَتَأمل مَنْفَعَة الرّيح وَمَا يجْرِي لَهُ فِي الْبر وَالْبَحْر وَمَا هيئت لَهُ من الرَّحْمَة
стр. 216
وَالْعَذَاب وَتَأمل كم سخر للسحاب من ريح حَتَّى امطر فسخرت لَهُ المثيرة اولا فتثيره بَين السَّمَاء والارض ثمَّ سخرت لَهُ الحاملة الَّتِي تحمله على متنها كَالْجمَلِ الَّذِي يحمل الراوية ثمَّ سخرت لَهُ الْمُؤَلّفَة فتؤلف بَين كسفه وقطعه ثمَّ يجْتَمع بَعْضهَا الى بعض فَيصير طبقًا وَاحِدًا ثمَّ سخرت لَهُ اللاقحة بِمَنْزِلَة الذّكر الَّذِي يلقح الانثى فتلقحه بِالْمَاءِ ولولاها لَكَانَ جهاما لَا مَاء فِيهِ ثمَّ سخرت لَهُ المزجية الَّتِي تزجيه وتسوقه الى حَيْثُ أَمر فيفرغ مَاءَهُ هُنَالك ثمَّ سخرت لَهُ بعد اعصاره المفرقة الَّتِي تبثه وتفرقه فِي الجو فَلَا ينزل مجتمعا وَلَو نزل جملَة لأهْلك المساكن وَالْحَيَوَان والنبات بل تفرقه فتجعله قطرا وَكَذَلِكَ الرِّيَاح الَّتِي تلقح الشّجر والنبات ولولاها لكَانَتْ عقيما وَكَذَلِكَ الرِّيَاح الَّتِي تسير السفن ولولاها لوقفت على ظهر الْبَحْر وَمن مَنَافِعهَا انها تبرد المَاء وتضرم النَّار الَّتِي يُرَاد اضرامها وتجفف الاشياء الَّتِي يحْتَاج الى جفافها وَبِالْجُمْلَةِ فحياة مَا على الارض من نَبَات وحيوان بالرياح فَإِنَّهُ لَوْلَا تسخير الله لَهَا لِعِبَادِهِ لِذَوي النَّبَات وَمَات الْحَيَوَان وفسدت المطاعم وأنتن الْعَالم وَفَسَد الا ترى اذا ركدت الرِّيَاح كَيفَ يحدث الكرب وَالْغَم الَّذِي لَو دَامَ لأتلف النُّفُوس واسقم الْحَيَوَان وامرض الاصحاء وانهك المرضى وافسد الثِّمَار وعفن الزَّرْع واحدث الوباء فِي الجو فسبحان من جعل هبوب الرِّيَاح تَأتي بِرُوحِهِ وَرَحمته ولطفه وَنعمته كَمَا قَالَ النَّبِي فِي الرِّيَاح إِنَّهَا من روح الله تَأتي بِالرَّحْمَةِ وتنبه للطيفة فِي هَذَا الْهَوَاء وَهِي ان الصَّوْت اثر يحدث عِنْد اصطكاك الاجرام وَلَيْسَ نفس الاصطكاك كَمَا قَالَ ذَلِك من قَالَه وَلكنه مُوجب الاصطكاك وقرع الْجِسْم للجسم اَوْ قلعة عَنهُ فسببه قرع اَوْ قلع فَيحدث الصَّوْت فيحمله الْهَوَاء ويؤديه الى مَا مَعَ النَّاس فينتفعون بِهِ فِي حوائجهم ومعاملاتهم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وتحدث الاصوات الْعَظِيمَة من حركاتهم فَلَو كَانَ اثر هَذِه الحركات والاصوات يبْقى فِي الْهَوَاء كَمَا يبْقى الْكتاب فِي القرطاس لامتلأ الْعَالم مِنْهُ ولعظم الضَّرَر بِهِ واشتدت مُؤْنَته وَاحْتَاجَ النَّاس الى محوه من الْهَوَاء والاستبدال بِهِ اعظم من حَاجتهم الى استبدال الْكتاب المملوء كِتَابَة فان مَا يلقى من الْكَلَام فِي الْهَوَاء اضعاف مَا يوضع فِي القرطاس فاقتضت حِكْمَة الْعَزِيز الْحَكِيم ان جعل هَذَا الْهَوَاء قرطاسا خفِيا يحمل الْكَلَام بِقدر مَا يبلغ الْحَاجة ثمَّ يمحي باذن ربه فَيَعُود جَدِيدا نقيا لَا شَيْء فِيهِ فَيحمل مَا حمل كل وَقت
فصل ثمَّ تَأمل خلق الارض على مَا هِيَ عَلَيْهِ حِين خلقهَا واقفة سَاكِنة
لتَكون مهادا ومستقرا للحيوان والنبات والامتعة ويتمكن الْحَيَوَان وَالنَّاس من السَّعْي عَلَيْهَا فِي مآربهم وَالْجُلُوس لراحاتهم وَالنَّوْم لهدوهم والتمكن من اعمالهم وَلَو كَانَ رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرهَا قرارا وَلَا هُدُوا وَلَا ثَبت لَهُم عَلَيْهَا بِنَاء وَلَا امكنهم عَلَيْهَا صناعَة
стр. 217
وَلَا تِجَارَة وَلَا حراثة وَلَا مصلحَة وَكَيف كَانُوا يتهنون بالعيش والارض ترتج من تَحْتَهُ وَاعْتبر ذَلِك بِمَا يصيبهم من الزلازل على قلَّة مكثها كَيفَ تصيرهم الى ترك مَنَازِلهمْ والهرب عَنْهَا وَقد نبه الله تَعَالَى على ذَلِك بقوله ﴿وَألقى فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بكم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿الله الَّذِي جعل لكم الأَرْض قرارا﴾ وَقَوله الله الَّذِي جعل لكم الارض مهدا وَفِي الْقِرَاءَة الاخرى مهادا وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث انس بن مَالك عَن النَّبِي قَالَ لما خلق الله الارض جعلت تميد فخلق الْجبَال عَلَيْهَا فاستقرت فعجبت الْمَلَائِكَة من شدَّة الْجبَال فَقَالُوا يَا رب هَل من خلقك شَيْء اشد من الْجبَال قَالَ نعم الْحَدِيد قَالُوا يَا رب هَل من خلقك شَيْء أَشد من الْحَدِيد قَالَ نعم النَّار قَالُوا يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء اشد من النَّار قَالَ نعم الرّيح قَالُوا يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء اشد من الرّيح قَالَ نعم ابْن آدم يتَصَدَّق صَدَقَة بِيَمِينِهِ يخفيها عَن شِمَاله ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي ليونة الارض مَعَ يبسها فانها لَو افرطت فِي اللين كالطين لم يسْتَقرّ عَلَيْهَا بِنَاء وَلَا حَيَوَان وَلَا تمَكنا من الِانْتِفَاع بهَا وَلَو افرطت فِي اليبس كالحجر لم يُمكن حرثها وَلَا زَرعهَا وَلَا شقها وفلحها وَلَا حفر عيونها وَلَا الْبناء عَلَيْهَا فنقصت عَن يبس الْحِجَارَة وزادت على ليونة الطين فَجَاءَت بِتَقْدِير فاطرها على احسن مَا جَاءَ عَلَيْهِ مهاد للحيوان من الِاعْتِدَال بَين اللين واليبوسة فتهيأ عَلَيْهَا جَمِيع الْمصَالح
فصل ثمَّ تَأمل تَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي ان جعل مهب الشمَال عَلَيْهَا ارْفَعْ
من مهب الْجنُوب وَحِكْمَة ذَلِك ان تتحدر الْمِيَاه على وَجه الارض فتسقيها وترويها ثمَّ تفيض فتصب فِي الْبَحْر فَكَمَا ان الْبَانِي إِذا رفع سطحا رفع اُحْدُ جانبيه وخفض الاخر ليَكُون مصبا للْمَاء وَلَو جعله مستويا لقام عَلَيْهِ المَاء فافسده كَذَلِك جعل مهب الشمَال فِي كل بلد ارْفَعْ من مهب الْجنُوب وَلَوْلَا ذَلِك لبقي المَاء وَاقِفًا على وَجه الارض فَمنع النَّاس من الْعَمَل وَالِانْتِفَاع وَقطع الطّرق والمسالك واضر بالخلق افيحسن عِنْد من لَهُ مسكة من عقل ان يَقُول هَذَا كُله اتِّفَاق من غير تَدْبِير الْعَزِيز الْحَكِيم الَّذِي اتقن كل شَيْء
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة العجيبة فِي الْجبَال الَّذِي يحسبها الْجَاهِل الغافل
فضلَة فِي الارض لَا حَاجَة اليها وفيهَا من الْمَنَافِع مَالا يُحْصِيه الا خَالِقهَا وناصبها وَفِي حَدِيث إِسْلَام ضمام بن ثَعْلَبَة قَوْله للنَّبِي بِالَّذِي نصب الْجبَال واودع فِيهَا الْمَنَافِع آللَّهُ امرك بِكَذَا وَكَذَا قَالَ اللَّهُمَّ نعم فَمن مَنَافِعهَا ان الثَّلج يسْقط عَلَيْهَا فَيبقى فِي قللها حَاصِلا لشراب النَّاس الى حِين نقاذه وَجعل
стр. 218
فِيهَا ليذوب اولا فأولا فتجيء مِنْهُ السُّيُول الغزيرة وتسيل مِنْهُ الانهار والاودية فينبت فِي المروج والوهاد والربا ضروب النَّبَات والفواكه والادوية الَّتِي لَا يكون مثلهَا فِي السهل والرمل فلولا الْجبَال لسقط الثَّلج على وَجه الارض فانحل جملَة وساح دفْعَة فَعدم وَقت الْحَاجة اليه وَكَانَ فِي انحلاله جملَة السُّيُول الَّتِي تهْلك مَا مرت عَلَيْهِ فَيضر بِالنَّاسِ ضَرَرا لَا يُمكن تلافيه وَلَا دَفعه لاذيته من مَنَافِعهَا مَا يكون فِي حصونها وقللها من المغارات والكهوف والمعاقل الَّتِي منزلَة الْحُصُون والقلاع وَهِي ايضا اكنان للنَّاس وَالْحَيَوَان وَمن مَنَافِعهَا مَا ينحت من احجارها للأبينة على اخْتِلَاف اصنافها والارحية وَغَيرهَا وَمن مَنَافِعهَا مَا يُوجد فِيهَا من الْمَعَادِن على اخْتِلَاف اصنافها من الذَّهَب وَالْفِضَّة والنحاس وَالْحَدِيد والرصاص والزبرجد والزمرد واضعاف ذَلِك من انواع الْمَعَادِن الَّذِي يعجز الْبشر عَن مَعْرفَتهَا على التَّفْصِيل حَتَّى ان فِيهَا مَا يكون الشَّيْء الْيَسِير مِنْهُ تزيد قِيمَته ومنفعته على قيمَة الذَّهَب باضعاف مضاعفة وفيهَا من الْمَنَافِع مَالا يُعلمهُ الا فاطرها ومبدعها سُبْحَانَهُ وَمن مَنَافِعهَا ايضا انها ترد الرِّيَاح الْعَاصِفَة وتكسر حدتها فَلَا تدعها تصدم مَا تحتهَا وَلِهَذَا فالساكنون تحتهَا فِي امان من الرِّيَاح الْعِظَام المؤذية وَمن مَنَافِعهَا ايضا انها ترد عَنْهُم السُّيُول إِذا كَانَت فِي مجاريها فتصرفها عَنْهُم ذَات الْيَمين وَذَات الشمَال ولولاها خربَتْ السُّيُول فِي مجاريها مَا مرت بِهِ فَتكون لَهُم بِمَنْزِلَة السد والسكن وَمن مَنَافِعهَا انها أَعْلَام يسْتَدلّ بهَا فِي الطرقات فَهِيَ منزلَة الادلة المنصوبة المرشدة الى الطّرق وَلِهَذَا سَمَّاهَا الله أعلاما فَقَالَ وَمن آيَاته الْجَوَارِي فِي الْبَحْر كالاعلام فالجواري هِيَ السفن والاعلام الْجبَال وَاحِدهَا علم قَالَت الخنساء
وَأَن صخرا لتأتم الهداة بِهِ ... كانه علم فِي راسه نَار فَسمى الْجَبَل علما من الْعَلامَة والظهور وَمن مَنَافِعهَا ايضا مَا ينْبت فِيهَا من العقاقير والادوية الَّتِي لَا تكون فِي السهول والرمال كَمَا ان مَا ينْبت فِي السهول والرمال لَا ينْبت مثله فِي الْجبَال وَفِي كل من هَذَا وَهَذَا مَنَافِع وَحكم لَا يُحِيط بِهِ الا الخلاق الْعَلِيم وَمن مَنَافِعهَا انها تكون حصونا من الاعداء يتحرز فِيهَا عباد الله من اعدائهم كَمَا يتحصنون بالقلاع بل تكون أبلغ وَأحْصن من كثير من القلاع والمدن وَمن مَنَافِعهَا مَا ذكره الله تَعَالَى فِي كِتَابه ان جعلهَا للْأَرْض اوتادا تثبتها ورواسي بِمَنْزِلَة مراسي السفن واعظم بهَا من مَنْفَعَة وَحِكْمَة هَذَا وَإِذا تَأَمَّلت خلقتها العجيبة البديعة على هَذَا الْوَضع وَجدتهَا فِي غَايَة الْمُطَابقَة للحكمة فانها لَو طَالَتْ واستدفت كالحائط لتعذر الصعُود عَلَيْهَا وَالِانْتِفَاع بهَا وسترت عَن النَّاس الشَّمْس والهواء فَلم يتمكنوا من الِانْتِفَاع بهَا وَلَو بسطت على وَجه الارض لضيقت عَلَيْهِم الْمزَارِع والمساكن ولملأت السهل وَلما حصل لَهُم بهَا الِانْتِفَاع من التحصن والمغارات والاكنان وَلما سترت عَنْهُم الرِّيَاح وَلما حجبت السُّيُول
стр. 219
وَلَو جعلت مستديرة شكل الكرة لم يتمكنوا من صعودها وَلما حصل لَهُم بهَا الِانْتِفَاع التَّام فَكَانَ اولى الاشكال والاوضاع بهَا واليقها واوقعها على وفْق الْمصلحَة هَذَا الشكل الَّذِي نصبت عَلَيْهِ وَلَقَد دَعَانَا الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الى النّظر فِيهَا وَفِي كَيْفيَّة خلقهَا فَقَالَ ﴿أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت وَإِلَى السَّمَاء كَيفَ رفعت وَإِلَى الْجبَال كَيفَ نصبت﴾ فخلقها ومنافعها من اكبر الشواهد على قدره باريها وفاطرها وَعلمه وحكمته ووحدانيته هَذَا مَعَ انها تسبح بِحَمْدِهِ وتخشع لَهُ وتسجد وتشقق وتهبط من خَشيته وَهِي الَّتِي خَافت من رَبهَا وفاطرها وخالقها على شدتها وَعظم خلقهَا من الامانة إِذْ عرضهَا عَلَيْهَا واشفقت من حملهَا وَمِنْهَا الْجَبَل الَّذِي كلم الله عَلَيْهِ مُوسَى كليمه ونجيه وَمِنْهَا الْجَبَل الَّذِي تجلى لَهُ ربه فساخ وتدكدك وَمِنْهَا الْجَبَل الَّذِي حبب الله رَسُوله واصحابه اليه واحبه رَسُول الله وَأَصْحَابه وَمِنْهَا الجبلان اللَّذَان جَعلهمَا الله سورا على نبيه وَجعل الصَّفَا فِي ذيل احدهما والمروة فِي ذيل الاخر وَشرع لِعِبَادِهِ السَّعْي بَينهمَا وَجعله من مناسكهم وتعبداتهم وَمِنْهَا جبل الرَّحْمَة الْمَنْصُوب عَلَيْهِ ميدان عَرَفَات فَللَّه كم بِهِ من ذَنْب مغْفُور وعثرة مقَالَة وزلة مَعْفُو عَنْهَا وحاجة مقضية وكربة مفروجة وبلية مَرْفُوعَة ونعمة متجددة وسعادة مكتسبة وشقاوة ممحوة كَيفَ وَهُوَ الْجَبَل الْمَخْصُوص بذلك الْجمع الاعظم والوفد الاكرم الَّذين جاؤا من كل فج عميق وقوفا لرَبهم مستكينين لعظمته خاشعين لعزته شعثا غبرا حاسرين عَن رُؤْسهمْ يستقبلوله عثراتهم ويسألونه حاجاتهم فيدنو مِنْهُم ثمَّ يباهي بهم الْمَلَائِكَة فَللَّه ذَاك الْجَبَل وَمَا ينزل عَلَيْهِ من الرَّحْمَة والتجاوز عَن الذُّنُوب الْعِظَام وَمِنْهَا جبل حراء الَّذِي كَانَ رَسُول الله يَخْلُو فِيهِ بربه حَتَّى اكرمه الله برسالته وَهُوَ فِي غَارة فَهُوَ الْجَبَل الَّذِي فاض مِنْهُ النُّور على اقطار الْعَالم فَإِنَّهُ ليفخر على الْجبَال وَحقّ لَهُ ذَلِك فسبحان من اخْتصَّ برحمته وتكريمه من شَاءَ من الْجبَال وَالرِّجَال فَجعل مِنْهَا جبالا هِيَ مغناطيس الْقُلُوب كَأَنَّهَا مركبة مِنْهُ فَهِيَ تهوى اليها كلما ذكرتها وتهفو نَحْوهَا كَمَا اخْتصَّ من الرِّجَال من خصّه بكرامته وَأتم عَلَيْهِ نعْمَته وَوضع عَلَيْهِ محبته مِنْهُ فَأَحبهُ وحببه الى مَلَائكَته وعباده الْمُؤمنِينَ وَوضع لَهُ الْقبُول فِي الارض بَينهم
وَإِذا تَأَمَّلت الْبِقَاع وَجدتهَا ... تشقى كَمَا تشقى الرِّجَال وتسعد فدع عَنْك الْجَبَل الْفُلَانِيّ وجبل بني فلَان وجبل كَذَا
خُذ مَا ترَاهُ ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ ... فِي طلعة الشَّمْس مَا يُغْنِيك عَن زحل
هَذَا وانها لتعلم ان لَهَا موعدا ويما تنسف فِيهَا نسفا وَتصير كالعهن من هوله وعظمه فَهِيَ مشفقة من هول ذَلِك الْموعد منتظرة لَهُ وَكَانَت ام الدَّرْدَاء رضى الله عَنْهَا إِذا سَافَرت فَصَعدت على جبل تَقول لمن مَعهَا اسمعت الْجبَال مَا وعدها رَبهَا فَيُقَال مَا اسمعها فَتَقول ﴿ويسألونك﴾
стр. 220
﴿عَن الْجبَال فَقل ينسفها رَبِّي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا﴾ فَهَذَا حَال الْجبَال وَهِي الْحِجَارَة الصلبة وَهَذِه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال رَبهَا وعظمته وَقد اخبر عَنْهَا فاطرها باريها انه لَو انْزِلْ عَلَيْهَا كَلَامه لخشعت ولتصدعت من خشيَة الله فِي عجبا من مُضْغَة لحم اقسى من هَذِه الْجبَال تسمع آيَات الله تتلى عَلَيْهَا وَيذكر الرب ﵎ فَلَا تلين وَلَا تخشع وَلَا تنيب فَلَيْسَ بمستنكر على الله وَلَا يُخَالف حكمته ان يخلق لَهَا نَارا تذيبها إِذْ لم تلن بِكَلَامِهِ وَذكره وزواجره ومواعظه فَمن لم يلن لله فِي هَذِه الدَّار قلبه وَلم ينب اليه وَلم يذبه بحبه والبكاء من خَشيته فليتمتع قَلِيلا فان امامه الملين الاعظم وَسَيَرِدُ الى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فَيرى وَيعلم
فصل وَلما اقْتَضَت حكمته ﵎ ان جعل من الارض السهل والوعر
وَالْجِبَال والرمل لينْتَفع بِكُل ذَلِك فِي وَجهه وَيحصل مِنْهُ مَا خلق لَهُ وَكَانَت الارض بِهَذِهِ المثابة لزم من ذَلِك ان صَارَت كالأم الَّتِي تحمل فِي بَطنهَا انواع الاولاد من كل صنف ثمَّ تخرج الى النَّاس وَالْحَيَوَان من ذَلِك مَا اذن لَهَا فِيهِ رَبهَا ان تخرجه اما بعلمهم وَإِمَّا بِدُونِهِ ثمَّ يرد اليها مَا خرج مِنْهَا وَجعلهَا سُبْحَانَهُ كفاتا فلأحياء مَا داموا على ظهرهَا فَإِذا مَاتُوا استودعتهم فِي بَطنهَا فَكَانَت كفاتا لَهُم تضمهم على ظهرهَا احياء وَفِي بَطنهَا امواتا فَإِذا كَانَ يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم وَقد اثقلها الْحمل وحان وَقت الْولادَة ودنو الْمَخَاض اوحى اليها رَبهَا وفاطرها ان تضع حملهَا وَتخرج اثقالها فَتخرج النَّاس من بَطنهَا الى ظهرهَا وَتقول رب هَذَا مَا استودعتني وَتخرج كنوزها باذنه تَعَالَى ثمَّ تحدث اخبارها وَتشهد على بنيها بِمَا عمِلُوا على ظهرهَا من خير وَشر
فصل وَلما كَانَت الرِّيَاح تجول فِيهَا وَتدْخل فِي تجاويفها وتحدث فِيهَا
الابخرة وتخفق الرِّيَاح ويتعذر عَلَيْهَا المنفذ اذن الله سُبْحَانَهُ لَهَا فِي الاحيان بالتنفس فَتحدث فِيهَا الزلازال الْعِظَام فَيحدث من ذَلِك لِعِبَادِهِ الْخَوْف والخشية والانابة والاقلاع عَن مَعَاصيه والتضرعاليه والندم كَمَا قَالَ بعض السّلف وَقد زلزلت الارض ان ربكُم يستعتبكم وَقَالَ عمر بن الْخطاب وَقد زلزلت الْمَدِينَة فخطبهم ووعظهم وَقَالَ لَئِن عَادَتْ لَا اساكنكم فِيهَا
فصل ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله فِي عزة هذَيْن النَّقْدَيْنِ الذَّهَب وَالْفِضَّة
وقصور خيرة الْعَالم عَمَّا حاولوا من صنعتهما والتشبه بِخلق الله اياهما مَعَ شدَّة حرصهم وبلوغ اقصى جهدهمْ واجتهادهم فِي ذَلِك فَلم يظفروا بسوى الصَّنْعَة وَلَو مكنوا ان يصنعوا مثل مَا خلق الله من ذَلِك لفسد امْر الْعَالم واستفاض الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي النَّاس حَتَّى صَار
стр. 221
كالسعف والفخار وَكَانَت تتعطل الْمصلحَة الَّتِي وضعا لاجلها وَكَانَت كثرتهما جدا سَبَب تعطل الِانْتِفَاع بهما فانه لَا يبْقى لَهما قيمَة وَيبْطل كَونهمَا قيمًا لنفائس الاموال والمعاملات وارزاق الْمُقَاتلَة وَلم يتسخر بعض النَّاس لبَعض إِذْ يصير الْكل ارباب ذهب وَفِضة فَلَو اغنى خلقه كلهم لأفقرهم كلهم فَمن يرضى لنَفسِهِ بامتهانها فِي الصَّنَائِع الَّتِي لَا قوام للْعَالم الا بهَا فسبحان من جعل عزتهما سَبَب نظام الْعَالم وَلم يجعلهما فِي الْعِزَّة كالكبريت الاحمر الَّذِي لَا يُوصل اليه فتفوت الْمصلحَة بِالْكُلِّيَّةِ بل وضعهما وانبتهما فِي الْعَالم بِقدر اقتضه حكمته وَرَحمته ومصالح عباده وقرأت بِخَط الْفَاضِل جِبْرِيل بن روح الانباري قَالَ اخبرني بعض من تداول الْمَعَادِن انهم اوغلوا فِي طلبَهَا الى بعض نواحي الْجَبَل فَانْتَهوا الى مَوضِع وَإِذا فِيهِ امثال الْجبَال من الْفضة وَمن دون ذَلِك وَاد يجرى متصلبا بِمَاء غزير لَا يدْرك وَلَا حِيلَة فِي عبوره فانصرفوا الى حَيْثُ يعْملُونَ مَا يعبرون بِهِ فَلَمَّا هيئوه وعادوا راموا طَرِيق النَّهر فَمَا وقفُوا لَهُ على اثر وَلَا عرفُوا الى ايْنَ يتوجهون فانصرفوا آيسين وَهَذَا اُحْدُ مَا يدل على بطلَان صناعَة الكيمياء وانها عِنْد التَّحْقِيق زغل وصبغة لَا غير وَقد ذكرنَا بُطْلَانهَا وَبينا فَسَادهَا من اربعين وَجها فِي رِسَالَة مُفْردَة وَالْمَقْصُود ان حِكْمَة الله تَعَالَى اقْتَضَت عزة هذَيْن الجوهرين وقتلهما بِالنِّسْبَةِ الى الْحَدِيد والنحاس والرصاص لصلاح امْر النَّاس وَاعْتبر ذَلِك بِأَنَّهُ إِذا ظهر الشَّيْء الظريف المستحسن مِمَّا يحدثه النَّاس من الامتعة كَانَ نفيسا عَزِيزًا مَا دَامَ فِيهِ قلَّة وَهُوَ مَرْغُوب فِيهِ فَإِذا فشى وَكثر فِي ايدي النَّاس وَقدر عَلَيْهِ الْخَاص وَالْعَام سقط عِنْدهم وَقلت رغباتهم فِيهِ وَمن هَذَا قَول الْقَائِل نفاسه الشَّيْء من عزته وَلِهَذَا كَانَ ازهد النَّاس فِي الْعَالم اهله وجبرانه وارغبهم فِيهِ الْبعدَاء عَنهُ
فصل وَتَأمل الْحِكْمَة البديعة فِي تيسيره سُبْحَانَهُ على عباده مَا هم احوج
اليه وتوسيعه وَبِذَلِك بذلهفكلما كَانُوا احوج اليه كَانَ اكثر واوسع وَكلما استغنوا عَنهُ كَانَ اقل وَإِذا توسطت الْحَاجة توَسط وجوده فَلم يكن بِالْعَام وَلَا بالنادر على مَرَاتِب الْحَاجَات وتفاوتها فَاعْتبر هَذَا بالاصول الاربعة التُّرَاب وَالْمَاء والهواء وَالنَّار وَتَأمل سَعَة مَا خلق الله مِنْهَا وكثرته فَتَأمل سَعَة الْهَوَاء وعمومه ووجوده بِكُل مَكَان لِأَن الْحَيَوَان مَخْلُوق فِي الْبر لايمكنه الْحَيَاة إِلَّا بِهِ فَهُوَ مَعَه أَيْنَمَا كَانَ وَحَيْثُ كَانَ لانه لَا يسْتَغْنى عَنهُ لحظه وَاحِدَة وَلَوْلَا كثرته وسعته وامتداده فِي اقطار الْعَالم لاختنق الْعَالم من الدُّخان والبخار المتصاعد المنعقد فَتَأمل حِكْمَة رَبك فِي ان سخر لَهُ الرِّيَاح فَإِذا تصاعد الى الجو احالته سحابا اَوْ ضبابا فأذهبت عَن الْعَالم شَره وأذاه فسل الجاحد من الَّذِي دبر هَذَا التَّدْبِير وَقدر هَذَا التَّقْدِير وَهل يقدر الْعَالم كلهم لَو اجْتَمعُوا ان يحيلوا ذَلِك
стр. 222
ويقلبوه سحابا اَوْ ضبابا اَوْ يذهبوه عَن النَّاس ويكشفوه عَنْهُم وَلَو شَاءَ ربه تَعَالَى لحبس عَنهُ الرِّيَاح فاختنق على وَجه الارض فَأهْلك مَا عَلَيْهَا من الْحَيَوَان وَالنَّاس
فصل وَمن ذَلِك سَعَة الارض وامتدادها وَلَوْلَا ذَلِك لضاقت عَن مسَاكِن الانس
وَالْحَيَوَان وَعَن مَزَارِعهمْ ومراعيهم ومنابت ثمارهم واعشابهم فان قلت فَمَا حِكْمَة هَذِه القفار الخالية والفلوات الفارغة الموحشة فَاعْلَم ان فِيهَا معايش مَالا يُحْصِيه الا الله من الوحوش وَالدَّوَاب وَعَلَيْهَا ارزاقهم وفيهَا مطردهم ومنزلهم كالمدن والمساكن للانس وفيهَا مجالهم ومرعاهم ومصيفهم ومشتهاهم ثمَّ فِيهَا بعد متسع ومتنفس للنَّاس ومضطرب إِذا احتاجوا الى الِانْتِقَال والبدو والاستبدال بالاوطان فكم من بيداء سملق صَارَت قصورا وجنانا ومساكن وَلَوْلَا سَعَة الارض وفسحها لَكَانَ اهلها كالمحصورين والمحبوسين فِي أماكنهم لَا يَجدونَ عَنْهَا انتقالا إِذا فدحهم مَا يزعجهم عَنْهَا ويضطرهم الى النقلَة مِنْهَا وَكَذَلِكَ المَاء لَوْلَا كثرته وتدفقه فِي الاودية والانهار لضاق عَن حَاجَة النَّاس اليه ولغلب القوى الضَّعِيف واستبد بِهِ دونه فَيحصل الضَّرَر وتعظم البلية مَعَ شدَّة حَاجَة جَمِيع الْحَيَوَان اليه من الطير والوحوش وَالسِّبَاع فاقتضت الْحِكْمَة ان كَانَ بِهَذِهِ الْكَثْرَة وَالسعَة فِي كل وَقت وَأما النَّار فقد تقدم ان الْحِكْمَة اقْتَضَت كموتها مَتى شَاءَ العَبْد اوراها عِنْد الْحَاجة فَهِيَ وان لم تكن مبثوثة فِي كل مَكَان فانها عتيدة حَاصِلَة مَتى احْتِيجَ اليها وَاسِعَة لكل مَا يحْتَاج اليه مِنْهَا غير انها مودعة فِي أجسام جعلت معادن لَهَا للحكمة الَّتِي تقدّمت
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي نزُول الْمَطَر على الارض من علو ليعم
بسقيه وهادها وتلولها وظرابها وآكامها ومنخفضها ومرتفعها وَلَو كَانَ رَبهَا تَعَالَى إِنَّمَا يسقيها من نَاحيَة من نَوَاحِيهَا لما اتى المَاء على النَّاحِيَة المرتفعة إِلَّا إِذا اجْتمع فِي السُّفْلى وَكثر وَفِي ذَلِك فَسَاد فاقتضت حكمته ان سَقَاهَا من فَوْقهَا فينشيء سُبْحَانَهُ السَّحَاب وَهِي روايا الارض ثمَّ يُرْسل الرِّيَاح فَتحمل المَاء من الْبَحْر وتلقحها بِهِ كَمَا يلقح الْفَحْل الانثى وَلِهَذَا تَجِد الْبِلَاد الْقَرِيبَة من الْبَحْر كَثِيرَة الامطار وَإِذا بَعدت من الْبَحْر قل مطرها وَفِي هَذَا الْمَعْنى يَقُول الشَّاعِر يصف السَّحَاب
شربن بِمَاء الْبَحْر ثمَّ ترفعت ... مَتى لجج خضر لَهُنَّ نئبج وَفِي الْمُوَطَّأ مَرْفُوعا وَهُوَ اُحْدُ الاحاديث الاربعة المقطوعة إِذا نشأت سَحَابَة بحريّة ثمَّ تشاءمت فَتلك عين غديقة فَالله سُبْحَانَهُ ينشيء المَاء فِي السَّحَاب إنْشَاء تَارَة يقلب الْهَوَاء مَاء وَتارَة يحملهُ الْهَوَاء من الْبَحْر فيلقح بِهِ السَّحَاب ثمَّ ينزل مِنْهُ على الارض للْحكم الَّتِي
стр. 223
ذَكرنَاهَا وَلَو انه سَاقه من الْبَحْر الى الارض جَارِيا على ظهرهَا لم يحصل عُمُوم السَّقْي الا بتخريب كثير من الارض وَلم يحصل عُمُوم السَّقْي لأجزائها فصاعدة سُبْحَانَهُ الى الجو بِلُطْفِهِ وَقدرته ثمَّ انزله على الارض بغاية من اللطف وَالْحكمَة الَّتِي لَا اقتراح لجَمِيع عقول الْحُكَمَاء فَوْقهَا فأنزله وَمَعَهُ رَحمته على الارض
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة البا لُغَة فِي إنزاله بِقدر الْحَاجة حَتَّى إِذا اخذت
الارض حَاجَتهَا مِنْهُ وَكَانَ تتابعه عَلَيْهَا بعد ذَلِك يَضرهَا اقلع عَنْهَا واعقبه بالصحو فهما اعني الصحو والغيم يعتقبان على الْعَالم لما فِيهِ صَلَاحه وَلَو دَامَ احدهما كَانَ فِيهِ فَسَاده فَلَو توالت الامطار لاهلكت مَا عَليّ الارض وَلَو زَادَت على الْحَاجة افسدت الْحُبُوب وَالثِّمَار وعفنت الزروع والخضروات وأرخت الابدان وحشرت الْهَوَاء فَحدثت ضروب من الامراض وَفَسَد اكثر المآكل وتقطعت المسالك والسبل وَلَو دَامَ الصحو لجفت الابدان وغيض المَاء وَانْقطع معِين الْعُيُون والابار والانهار والاودية وَعظم الضَّرَر واحتدم الْهَوَاء فيبس مَا على الارض وجفت الابدان وَغلب اليبس واحدث ذَلِك ضروبا من الامراض عسرة الزَّوَال فاقتضت حِكْمَة اللَّطِيف الْخَبِير ان عاقب بَين الصحو والمطر على هَذَا الْعَالم فاعتدل الامر وَصَحَّ الْهَوَاء وَدفع كل وَاحِد مِنْهُمَا عَادِية الاخر واستقام امْر الْعَالم وَصلح
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الالهية فِي اخراج الاقوات وَالثِّمَار والحبوب
والفواكه متلاحقة شَيْئا بعد شَيْء متتابعة وَلم يخلقها كلهَا جملَة وَاحِدَة فانها لَو خلقت كَذَلِك على وَجه الارض وَلم تكن تنْبت على هَذِه السُّوق والاغصان لدخل الْخلَل وفاتت الْمصَالح الَّتِي رتبت على تلاحقها وتتابعها فَإِن كل فصل واوان يقتضى من الْفَوَاكِه والنبات غير مَا يتقضيه الْفَصْل الاخر فَهَذَا حَار وَهَذَا بَارِد وَهَذَا معتدل وكل فِي فَصله مُوَافق للْمصْلحَة لَا يَلِيق بِهِ غير مَا خلق فِيهِ ثمَّ انه سُبْحَانَهُ خلق تِلْكَ الاقوات مُقَارنَة لمنافع اخر من العصف والخشب وَالْوَرق والنور والعسف وَالْكرب وَغَيرهَا من مَنَافِع النَّبَات وَالشَّجر غير الاقوات كعلف الْبَهَائِم وأداة الابنية والسفن والرحال والاواني وَغَيرهَا وَمَنَافع النُّور من الادوية والمنظر البهيج الَّذِي يشوق الناظرين وَحسن مرائي الشّجر وخلقتها البديعة الْمُشَاهدَة لفاطرها ومبدعها بغاية الْحِكْمَة واللطف ثمَّ إِذا تَأَمَّلت إِخْرَاج ذَلِك النُّور الْبَهِي من نفس ذَلِك الْحَطب ثمَّ الْوَرق الاخضر ثمَّ اخراج تِلْكَ الثِّمَار على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وأشكالها ومقاديرها وألوانها وطعومها وروائحها ومنافعها وَمَا يُرَاد مِنْهَا ثمَّ تَأمل ايْنَ كَانَت مستودعة فِي تِلْكَ الْخَشَبَة وهاتيك العيدان وَجعلت الشَّجَرَة لَهَا كالام
стр. 224
فَهَل كَانَ فِي قدرَة الاب الْعَاجِز الضَّعِيف إبراز هَذَا التَّصْوِير العجيب وَهَذَا التَّقْدِير الْمُحكم وَهَذِه الاصباغ الفائقة وَهَذِه الطعوم اللذيذة والروائح الطّيبَة وَهَذِه المناظر العجيبة فسل الجاحد من تولى تَقْدِير ذَلِك وتصيره وإبرازه وترتيبه شَيْئا فَشَيْئًا وسوق الْغذَاء اليه فِي تِلْكَ الْعُرُوق اللطاف الَّتِي يكَاد الْبَصَر يعجز عَن إِدْرَاكهَا وَتلك المجاري الدقاق فَمن الَّذِي تولى ذَلِك كُله وَمن الَّذِي اطلع لَهَا الشَّمْس وسخر لَهَا الرِّيَاح وَأنزل عَلَيْهَا الْمَطَر وَدفع عَنْهَا الافات وتامل تَقْدِير اللَّطِيف الْخَبِير فَإِن الاشجار لما كَانَت تحْتَاج الى الْغذَاء الدَّائِم كحاجة النَّاس وَسَائِر الْحَيَوَان وَلم يكن لَهَا قُوَّة أَفْوَاه كافواه الْحَيَوَان وَلَا حَرَكَة تنبعث بهَا لتناول الْغذَاء جعلت اصولها مركوزة فِي الارض ليسرع بهَا الْغذَاء وتمتصه من اسفل الثرى فتؤديه الى أَغْصَانهَا فتؤديه الاغصان الى الْوَرق وَالثَّمَر كل لَهُ شرب مَعْلُوم لَا يتعداه يصل اليه فِي مجاري وطرق قد احكمت غَايَة الاحكام فتأخذ الْغذَاء من اسفل فتلقمه بعروقها كَمَا يلتقم الْحَيَوَان غذاءه بفمه ثمَّ تقسمه على حملهَا بِحَسب مَا يحْتَملهُ فتعطى كل جُزْء مِنْهُ بِحَسب مَا يحْتَاج اليه لَا تظلمه وَلَا تزيده على قدر حَاجته فسل الجاحد من اعطاها هَذَا وَمن هداها اليه وَوَضعه فِيهَا فَلَو اجْتمع الاولون والاخرون هَل كَانَت قدرتهم وإرادتهم تصل الى تربية ثَمَرَة وَاحِدَة مِنْهَا هَكَذَا باشارة اَوْ نصاعة اَوْ حِيلَة اَوْ مزاولة وَهل ذَلِك الا من صنع من شهِدت لَهُ مصنوعاته دلّت عَلَيْهِ آيَاته كَمَا قيل:
فواعجبا كَيفَ يعْصى الاله ... ام كَيفَ يجحده الجاحد وَللَّه فِي كل تحريكه وتسكينه ابدا شَاهد وَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ... تدل على انه وَاحِد
فصل ثمَّ تَأمل إِذا نصبت خيمة اَوْ فسطاطا كَيفَ تمده من كل جَانب
بالاطناب ليثبت فَلَا يسْقط وَلَا يتعوج هَكَذَا تَجِد النَّبَات وَالشَّجر لَهُ عروق ممتدة فِي الارض منتشرة الى كل جَانب لتمسكه وتقيمه وَكلما انتشرت أعاليه امتدت عروقه واطنابه من اسفل فِي الْجِهَات وَلَوْلَا ذَلِك كَيفَ كَانَت تثبت هَذِه النخيل الطوَال الباسقات والدوح الْعِظَام على الرِّيَاح العواصف وَتَأمل سبق الْخلق الالهية للصناعة البشرية حَتَّى يعلم النَّاس نصب الخيم والفساطيط من خلقه للشجر والنبات لَان عروقها اطناب لَهَا كأطناب الْخَيْمَة واغصان الشّجر يتَّخذ مِنْهَا الفساطيط ثمَّ يحاكى بهَا الشَّجَرَة
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي خلق الْوَرق فَإنَّك ترى فِي الورقة الْوَاحِدَة من جملَة
الْعُرُوق
стр. 225
الممتدة فِيهَا المبثوثة فِيهَا مَا يبهر النَّاظر فَمِنْهَا غِلَاظ ممتدة فِي الطول وَالْعرض وَمِنْهَا دقاق تتخلل تِلْكَ الْغِلَاظ منسوجة نسجا دَقِيقًا معجبا لَو كَانَ مِمَّا يتَوَلَّى الْبشر صنع مثله بِأَيْدِيهِم لما فرغوا من ورقة فِي عَام كَامِل ولاحتاجوا فِيهِ الى آلَات وحركات وعلاج تعجز قدرتهم عَن تَحْصِيله فَبَثَّ الخلاق الْعَلِيم فِي أَيَّام قَلَائِل من ذَلِك مَا يمْلَأ الارض سهلها وجبالها بِلَا آلَات وَلَا معِين وَلَا معالجة ان هِيَ إِلَّا ارادته النافذة فِي كل شَيْء وَقدرته الَّتِي لَا يمْتَنع مِنْهَا شَيْء إِنَّمَا امْرَهْ إِذا اراد شَيْئا ان يَقُول لَهُ كن فَيكون فَتَأمل الْحِكْمَة فِي تِلْكَ الْعُرُوق المتخللة الورقة باسرها لتسقيها وتوصل اليها الْمَادَّة فتحفظ عَلَيْهَا حَيَاتهَا ونضارتها بِمَنْزِلَة الْعُرُوق المبثوثة فِي الابدان الَّتِي توصل الْغذَاء الى كل جُزْء مِنْهُ وَتَأمل مَا فِي الْعُرُوق الْغِلَاظ من إِِمْسَاكهَا الْوَرق بصلابتها ومتانتها لِئَلَّا تتمزق وتضمحل فَهِيَ بِمَنْزِلَة الاعصاب لبدن الْحَيَوَان فتراها قد أحكمت صنعتها ومدت الْعُرُوق فِي طولهَا وعرضها لتتماسك فَلَا يعرض لَهَا التمزق
فصل ثمَّ تَأمل حِكْمَة اللَّطِيف الْخَبِير فِي كَونهَا جعلت زِينَة للشجر وسترا
ولباسا للمثرة ووقاية لَهَا من الافات الَّتِي تمنع كمالها وَلِهَذَا إِذا جردت الشَّجَرَة عَن وَرقهَا فَسدتْ الثَّمَرَة وَلم ينْتَفع بهَا وَانْظُر كَيفَ جعلت وقاية لمنبت الثَّمَرَة الضعيفة من اليبس فَإِذا ذهبت الثَّمَرَة بَقِي الْوَرق وقاية لتِلْك الافنان الضعيفة من الْحر حَتَّى إِذا طفئت تِلْكَ الْجَمْرَة وَلم يضر الافنان عراها من وَرقهَا وسلبها إِيَّاه لتكتسى لباسا جَدِيدا احسن مِنْهُ فتباركا لله رب الْعَالمين الَّذِي يعلم مساقط تِلْكَ الاوراق ومنابتها فَلَا تخرج مِنْهَا ورقة الا باذنه وَلَا تسْقط الا بِعِلْمِهِ وَمَعَ هَذَا فَلَو شَاهدهَا العبادعلى كثرتها وتنوعها وَهِي تسبح بِحَمْد رَبهَا مَعَ الثِّمَار والافنان والاشجار لشاهدوا من جمَالهَا امرا آخر ولراوا خلقتها بِعَين اخرى ولعلموا انها لشأن عَظِيم خلقت وَأَنَّهَا لم تخلق سدى قَالَ تَعَالَى ﴿والنجم وَالشَّجر يسجدان﴾ فالنجم مَا لَيْسَ لَهُ سَاق من النَّبَات وَالشَّجر مَاله سَاق وَكلهَا سَاجِدَة لله مسبحة بِحَمْدِهِ ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم إِنَّه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ولعلك ان تكون مِمَّن غلظ حجابه فَذهب الى ان التَّسْبِيح دلالتها على صانعها فَقَط فَاعْلَم ان هَذَا القَوْل يظْهر بُطْلَانه من اكثر من ثَلَاثِينَ وَجها قد ذكرنَا اكثرها فِي مَوضِع آخر وَفِي أَي لُغَة تسمى الدّلَالَة على الصَّانِع تسبيحا وسجودا وَصَلَاة وتاويبا وهبوطا من خَشيته كَمَا ذكر تَعَالَى ذَلِك فِي كِتَابه فَتَارَة يخبر عَنْهَا بالتسبيح وَتارَة بِالسُّجُود وَتارَة بِالصَّلَاةِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَالطير صافات كل قد علم صلَاته وتسبيحه﴾ افترى يقبل عقلك ان يكون معنى الاية قد علم الله دلَالَته عَلَيْهِ وسمى تِلْكَ الدّلَالَة صَلَاة وتسبيحا وَفرق بَينهمَا وَعطف احدهما
стр. 226
على الاخر وَتارَة يخبر عَنْهَا بالتأويب كَقَوْلِه ﴿يَا جبال أوبي مَعَه﴾ وَتارَة يخبر عَنْهَا بالتسبيح الْخَاص بِوَقْت دون وَقت كالعشى والاشراق أفترى دلالتها على صانعها إِنَّمَا يكون فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ وَبِالْجُمْلَةِ فبطلان هَذَا القَوْل اظهر لِذَوي البصائر من ان يطلبوا دَلِيلا على بُطْلَانه وَالْحَمْد لله
فصل ثمَّ تَأمل حكمته سُبْحَانَهُ فِي إبداع الْعَجم والنوى فِي جَوف الثَّمَرَة وَمَا
فِي ذَلِك من الحكم والفوائد الَّتِي مِنْهَا انه كالعظم لبدن الْحَيَوَان فَهُوَ يمسك بصلابته رخاوة الثَّمَرَة ورقتها ولطافتها وَلَوْلَا ذَلِك لشدخت وتفسخت ولأسرع اليها الْفساد فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْعظم ولاثمرة بِمَنْزِلَة اللَّحْم الَّذِي يكسوه الله الْعِظَام وَمِنْهَا ان فِي ذَلِك بَقَاء الْمَادَّة وحظفها إِذْ رُبمَا تعطلت الشَّجَرَة اَوْ نوعها فخلق فِيهَا مَا يقوم مقَامهَا عِنْد تعطلها وَهُوَ النَّوَى الَّذِي يغْرس فَيَعُود مثلهَا وَمِنْهَا مَا فِي تِلْكَ الْحُبُوب من أقوات الْحَيَوَانَات وَمَا فِيهَا من الْمَنَافِع والادهان والادوية والاصباغ وضروب اخر من الْمصَالح الَّتِي يتعلمها النَّاس وَمَا خَفِي عَلَيْهِم مِنْهَا اكثر فَتَأمل الْحِكْمَة فِي اخراجه سُبْحَانَهُ هَذِه الْحُبُوب لمنافع فِيهَا وكسوتها لَحْمًا لذيذا شهيا يتكفه بِهِ ابْن آدم ثمَّ تَأمل هَذِه الْحِكْمَة البديعة فِي ان جعل للثمرة الرقيقة اللطيفة الَّتِي يُفْسِدهَا الْهَوَاء وَالشَّمْس غلافا يحفظها وغشاء يواريها كالرمان والجوز واللوز وَنَحْوه وَأما مَالا يفْسد إِذا كَانَ بارزا فَجعل لَهُ اول خُرُوجه غشاء يواريه لضَعْفه ولقلة صبره على الْحر فَإِذا اشْتَدَّ وقوى تفتق عَن ذَلِك الغشاء وضحى للشمس والهواء كطلع النّخل وَغَيره
فصل ثمَّ تَأمل خلقه الرُّمَّان وماذا فِيهِ من الحكم والعجائب فَإنَّك ترى دَاخل
الرمانة كأمثال القلال شحما متراكما فِي نَوَاحِيهَا وَترى ذَلِك الْحبّ فِيهَا مرصوفا رصفا ومنضودا نضدا لاتمكن الايدي ان تنضده وَترى الْحبّ مقسوما اقساما وفرقا وكل قسم وَفرْقَة مِنْهُ ملفوفا بلفائف وحجب منسوجة اعْجَبْ نسج والطفه وأدقه على غير منوال الا منوال ﴿كن فَيكون﴾ ثمَّ ترى الْوِعَاء الْمُحكم الصلب قد اشْتَمَل على ذلككله وضمه احسن ضم فَتَأمل هَذِه الْحِكْمَة البديعة فِي الشَّحْم الْمُودع فِيهَا فَإِن الْحبّ لَا يمد بعضه بَعْضًا إِذْ لَو مد بعضه بَعْضًا لاختلط وَصَارَ حَبَّة وَاحِدَة فَجعل ذَلِك الشَّحْم خلاله ليمده بالغذاء وَالدَّلِيل عَلَيْهِ انك ترى اصول الْحبّ مركوزة فِي ذَلِك الشَّحْم وَهَذَا بِخِلَاف حب الْعِنَب فَإِنَّهُ اسْتغنى عَن ذَلِك بَان جعل لكل حَبَّة مجْرى تشرب مِنْهُ فَلَا تشرب حق اختها بل يجرى الْغذَاء فِي ذَلِك الْعرق مجْرى وَاحِدًا ثمَّ يَنْقَسِم مِنْهُ فِي مجاري الْحُبُوب كلهَا فينبعث مِنْهُ فِي كل مجْرى غذَاء تِلْكَ
стр. 227
الْحبَّة فَتَبَارَكَ الله احسن الْخَالِقِينَ ثمَّ انه لف ذَلِك الْحبّ فِي تِلْكَ الرمانة بِتِلْكَ اللفائف ليضمه ويمسكه فَلَا يضطرب ولايتبدد ثمَّ غشى فَوق ذَلِك بالغشاء الصلب صونا لَهُ وحفظا وممسكا لَهُ باذن الله وَقدرته فَهَذَا قَلِيل من كثير من حِكْمَة هَذِه الثَّمَرَة الْوَاحِدَة ولايمكننا ولاغيرنا استقصاء ذَلِك وَلَو طَالَتْ الايام واتسع الْفِكر وَلَكِن هَذَا مُنَبّه على مَا وَرَاءه واللبيب يكْتَفى بِبَعْض ذَلِك وَأما من غلبت عَلَيْهِ الشقاوة وكأين من آيَة فِي السَّمَوَات والارض يَمرونَ عَلَيْهَا وهم عَنْهَا معرضون غافلون عَن مَوضِع الدّلَالَة فِيهَا
فصل ثمَّ تَأمل هَذَا الرّيع والنماء الَّذِي وَضعه الله فِي الزَّرْع حَتَّى صَارَت
الْحبَّة الْوَاحِدَة رُبمَا انبتت سَبْعمِائة حَبَّة وَلَو انبتت الْحبَّة حَبَّة وَاحِدَة مثلهَا لَا يكون فِي الْغلَّة متسع لما يرد فِي الارض من الْحبّ وَمَا يَكْفِي النَّاس ويقوت الزَّارِع الى إِدْرَاك زرعه فَصَارَ الزَّرْع بريع هَذَا الرّيع ليفي بِمَا يحْتَاج اليه للقوت والزراعة وَكَذَلِكَ ثمار الاشجار والنخيل وَكَذَلِكَ مَا يخرج مَعَ الاصل الْوَاحِد مِنْهَا من الصنوان ليَكُون لما يقطعهُ النَّاس ويستعلمونه فِي مآربهم خلفا فلاتبطل الْمَادَّة عَلَيْهِم وَلَا تنقص وَلَو ان صَاحب بلد من الْبِلَاد أَرَادَ عِمَارَته لاعطى اهله مَا يبذرونه فيهم وَمَا يقيتهم الى اسْتِوَاء الزَّرْع فاقتضت حِكْمَة اللَّطِيف الْخَبِير ان اخْرُج من الْحبَّة الْوَاحِدَة حبات عديدة لبقيت الْخَارِج النَّاس ويدخرون مِنْهُ مَا يزرعون
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي الْحُبُوب كالبر وَالشعِير وَنَحْوهمَا كَيفَ يخرج الْحبّ
مدرجا فِي قشور على رؤسها امثال الاسنة فَلَا يتَمَكَّن جند الطير من افسادها والعبث فِيهَا فَإِنَّهُ لَو صَادف الْحبّ بارزا لَا صوان عَلَيْهِ وَلَا وقاية تحول دونه لتمكن مِنْهُ كل التَّمَكُّن فأفسدوا عَابَ وعاث وأكب عَلَيْهِ أكلا مَا اسْتَطَاعَ وَعجز ارباب الزَّرْع عَن رده فَجعل اللَّطِيف الْخَبِير عَلَيْهِ هَذِه الوقايات لتصونه فينال الطير مِنْهُ مِقْدَار قوته وَيبقى اكثره للانسان فَإِنَّهُ اولى بِهِ لانه هُوَ الَّذِي كدح فِيهِ وشقى بِهِ وَكَانَ الَّذِي يحْتَاج اليه اضعاف حَاجَة الطير
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الباهرة فِي هَذِه الاشجار كَيفَ ترَاهَا فِي كل عَام
لَهَا حمل وَوضع فَهِيَ دَائِما فِي حمل وولادة فَإِذا اذن لَهَا رَبهَا فِي الْحمل احْتبست الْحَرَارَة الطبيعية فِي داخلها واختبأت فِيهَا ليَكُون فِيهَا حملهَا فِي الْوَقْت الْمُقدر لَهَا فَيكون ذَلِك الْوَقْت بِمَنْزِلَة وَقت الْعلُوق ومبدأ
стр. 228
تكوين النطف فتعمل الْمَادَّة فِي اجوافها عَملهَا وتهيئها للعلوق حَتَّى إِذا آن وَقت الْحمل دب فِيهَا المَاء فَلَانَتْ اعطافها وتحركت للْحَمْل وسرى المَاء فِي افنانها وانتشرت فِيهَا الْحَرَارَة والرطوبة حَتَّى إِذا آن وَقت الْولادَة كُسِيت من سَائِر الملابس الفاخرة من النُّور وَالْوَرق مَا تتبخر فِيهِ وتميس بِهِ وتفخر على الْعَقِيم فَإِذا ظَهرت اولادها وَبَان للنَّاظِر حملهَا علم حِينَئِذٍ كرمها وطيبها من لؤمها وبخلها فَتَوَلّى تغذية ذَلِك الْحمل من تولى غذَاء الاجنحة فِي بطُون امهاتها وَكَسَاهَا الاوراق وصانها من الْحر وَالْبرد فَإِذا تَكَامل الْحمل وآن وَقت الْفِطَام تدلت اليك أفنانها كَأَنَّمَا تناولك ثَمَرَة درها فَإِذا قابلتها رايت الافنان كَأَنَّهَا تلقاك بِأَوْلَادِهَا وتحييك وتكرمك بهم وتقدمهم اليك حَتَّى كَأَن منا وَلَا يناولك إيَّاهُم بِيَدِهِ وَلَا سِيمَا قطوف جنَّات النَّعيم الدانية الَّتِي يَتَنَاوَلهَا الْمُؤمن قَائِما وَقَاعِدا ومضطجعا وَكَذَلِكَ ترى الرياحين كَأَنَّهَا تحييك بانفاسها وتقابلك بِطيب رائحتها وكل هَذَا إِكْرَاما لَك وعناية بِأَمْرك وتخصيصا لَك وتفضيلا على غَيْرك من الْحَيَوَانَات أفيجمل بك الِاشْتِغَال بِهَذِهِ النعم عَن الْمُنعم بهَا فَكيف إِذا استعنت بهَا على مَعَاصيه وصرفتها فِي مساخطه فَكيف إِذا جحدته واضفتها الى غَيره كَمَا قَالَ ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ فجدير بِمن لَهُ مسكة من عقل ان يُسَافر بفكره فِي هَذِه النعم والالاء ويكرر ذكرهَا لَعَلَّه يوقفه على المُرَاد مِنْهَا ماهو ولأي شَيْء خلق ولماذا هيء وَأي امْر طلب مِنْهُ على هَذِه النعم كَمَا قَالَ تَعَالَى واذْكُرُوا آلَاء الله لَعَلَّكُمْ تفلحون فَذكر آلائه ﵎ ونعمه على عَبده سَبَب الْفَلاح والسعادة لَان ذَلِك لَا يزِيدهُ الا محبَّة لله وحمدا وشكرا وَطَاعَة وشهود تَقْصِيره بل تفريطه فِي الْقَلِيل مِمَّا يجب لله عَلَيْهِ وَللَّه در الْقَائِل:
قد هيؤك لأمر لَو فطنت لَهُ ... فاربأ بِنَفْسِك ان ترعى مَعَ الهمل
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي شَجَرَة اليقطين والبطيخ والجزر كَيفَ لما اقْتَضَت
الْحِكْمَة ان يكون حمله ثمارا كبارًا جعل نَبَاته منبسطا على الارض إِذْ لَو انتصب قَائِما كَمَا ينْتَصب الزَّرْع لضعفت قوته عَن حمل هَذِه الثِّمَار الثَّقِيلَة ولنقصت قبل أدراكها وانتهائها الى غاياتها فاقتضت حِكْمَة مبدعها وخالقها ان بَسطه ومده على الارض ليلقى عَلَيْهَا ثماره فتحملها عَنهُ الارض فترى الْعرق الضَّعِيف الدَّقِيق من ذَلِك منبسطا على الارض وثماره مبثوثة حواليه كَأَنَّهَا حَيَوَان قد اكتنفها اجراؤها فَهِيَ ترضعهم وَلما كَانَ شجر اللوبيا والباذنجان والباقلاء وَغَيرهَا مِمَّا يقوى على حمل ثَمَرَته انتبه الله منتصبا قَائِما على سَاقه إِذْ لَا يلقى من حمل ثماره مُؤنَة وَلَا يضعف عَنهُ
стр. 229
ثمَّ تَأمل كَيفَ اقْتَضَت الْحِكْمَة الالهية موافات اصناف الْفَوَاكِه وَالثِّمَار للنَّاس بِحَسب الْوَقْت المشاكل لَهَا الْمُقْتَضى لَهَا فتوافيهم كموافاة المَاء للظمآن فتتلقاها الطبيعة بانشراح واشتياق منتظرة لقدومها كانتظار الْغَائِب للْغَائِب فَلَو كَانَ نَبَات الصَّيف انما يوافي فِي الشتَاء لصادف من النَّاس كَرَاهِيَة واستثقالا بوروده مَعَ مَا كَانَ فِيهِ من الْمضرَّة للابدان والاذى لَهَا وَكَذَلِكَ لَو وافى مَا فِي ربيعها فِي الخريف اَوْ مَا فِي خريفها فِي الرّبيع لم يَقع من النُّفُوس ذَلِك الْموقع وَلَا استطابته واستلذته ذَلِك الالتذاذ وَلِهَذَا تَجِد الْمُتَأَخر مِنْهَا عَن وقته مملولا محلول الطّعْم وَلَا يظنّ ان هَذَا لجَرَيَان الْعَادة الْمُجَرَّدَة بذلك فَإِن الْعَادة إِنَّمَا جرت بِهِ لانه وفْق الْحِكْمَة والمصلحة الَّتِي لَا يخل بهَا الْحَكِيم الْخَبِير
فصل ثمَّ تَأمل هَذِه النَّخْلَة الَّتِي هِيَ احدى آيَات الله تَجِد فِيهَا من
الايات والعجائب مَا يبهرك فَإِنَّهُ لما قدر ان يكون فِيهِ اناث تحْتَاج الى اللقَاح جعلت فِيهَا ذُكُور تلقحها بِمَنْزِلَة الْحَيَوَان واناثه وَلذَلِك اشْتَدَّ شبهها من بَين سَائِر الاشجار بالانسان خُصُوصا بِالْمُؤمنِ كَمَا مثله النَّبِي وَذَلِكَ من وُجُوه كَثِيرَة احدها ثبات اصلها فِي الارض واستقراره فِيهَا وَلَيْسَت بِمَنْزِلَة الشَّجَرَة الَّتِي اجتثت من فَوق الارض مَالهَا من قَرَار الثَّانِي طيب ثَمَرَتهَا وحلاوتها وَعُمُوم الْمَنْفَعَة بهَا كَذَلِك الْمُؤمن طيب الْكَلَام طيب الْعَمَل فِيهِ الْمَنْفَعَة لنَفسِهِ وَلغيره الثَّالِث دوَام لباسها وَزينتهَا فَلَا يسْقط عَنْهَا صيفا وَلَا شتاء كَذَلِك الْمُؤمن لَا يَزُول عَنهُ لِبَاس التَّقْوَى وَزينتهَا حَتَّى يوافي ربه تَعَالَى الرَّابِع سهولة تنَاول ثَمَرَتهَا وتيسره اما قصيرها فَلَا يحوج المتناول ان يرقاها واما باسقها فصعوده سهل بِالنِّسْبَةِ الى صعودالشجر الطوَال وَغَيرهَا فتراها كَأَنَّهَا قد هيئت مِنْهَا المراقي والدرج الى اعلاها وَكَذَلِكَ الْمُؤمن خَيره سهل قريب لمن رام تنَاوله لَا بالغر وَلَا باللئيم الْخَامِس ان ثَمَرَتهَا من انفع ثمار الْعَالم فَإِنَّهُ يُؤْكَل رطبه فَاكِهَة وحلاوة ويابسه يكون قوتا وادما وَفَاكِهَة ويتخذ مِنْهُ الْخلّ والناطف والحلوى وَيدخل فِي الادوية والاشربة وَعُمُوم الْمَنْفَعَة بِهِ وبالعنب فَوق كل الثِّمَار وَقد اخْتلف النَّاس فِي ايهما انفع وافضل وصنف الجاحظ فِي المحاكمة بَينهمَا مجلدا فَأطَال فِيهَا الْحجَّاج والتفضيل من الْجَانِبَيْنِ وَفصل النزاع فِي ذَلِك ان النّخل فِي معدنه وَمحل سُلْطَانه افضل من الْعِنَب وأعم نفعا واجدى على اهله كالمدينة والحجاز وَالْعراق وَالْعِنَب فِي معدنه وَمحل سُلْطَانه افضل وأعم نفعا واجدى على أَهله كالشام وَالْجِبَال والمواضع الْبَارِدَة الَّتِي لَا تقبل النخيل وَحَضَرت مرّة فِي مجْلِس بِمَكَّة فِيهِ من أكَابِر الْبَلَد فجرت هَذِه المسئلة وَأخذ بعض الْجَمَاعَة الْحَاضِرين يطنب فِي تَفْضِيل النّخل
стр. 230
وفوائده وَقَالَ فِي أثْنَاء كَلَامه وَيَكْفِي فِي تفضيله انا نشتري بنواه الْعِنَب فَكيف يفضل عَلَيْهِ ثَمَر يكون نَوَاه ثمنا لَهُ وَقَالَ آخر من الْجَمَاعَة قد فصل النَّبِي النزاع فِي هَذِه المسئلة وشفى فِيهَا بنهيه عَن تَسْمِيَة شجر الْعِنَب كرما وَقَالَ الْكَرم قلب الْمُؤمن فاي دَلِيل ابين من هَذَا واخذوا يبالغون فِي تَقْرِير ذَلِك فَقلت للْأولِ مَا ذكرته من كَون نوى التَّمْر ثمنا للعنب فَلَيْسَ بِدَلِيل فَإِن هَذَا لَهُ اسباب احدها حَاجَتكُمْ الى النَّوَى للعلف فيرغب صَاحب الْعِنَب فِيهِ لعلف نَاضِحَهُ وحمولته الثَّانِي ان نوى الْعِنَب لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَا يجْتَمع الثَّالِث ان الاعناب عنْدكُمْ قَليلَة جدا وَالتَّمْر اكثر شَيْء عنْدكُمْ فيكثر نَوَاه فيشترى بِهِ الشَّيْء الْيَسِير من الْعِنَب وَأما فِي بِلَاد فِيهَا سُلْطَان الْعِنَب فَلَا يشترى بالنوى مِنْهُ شَيْء وَلَا قيمَة لنوى التَّمْر فِيهَا وَقلت لمن احْتج بِالْحَدِيثِ هَذَا الحَدِيث من حجج فضل الْعِنَب لانهم كَانُوا يسمونه شَجَرَة الْكَرم لِكَثْرَة مَنَافِعه وخيره فَإِنَّهُ يُؤْكَل رطبا ويابسا وحلوا وحامضا وتجنى مِنْهُ أَنْوَاع الاشربة والحلوى والدبس وَغير ذَلِك فَسَموهُ كرما لِكَثْرَة خَيره فَأخْبرهُم النَّبِي ان قلب الْمُؤمن احق مِنْهُ بِهَذِهِ التَّسْمِيَة لِكَثْرَة مَا اودع الله فِيهِ من الْخَيْر وَالْبركَة وَالرَّحْمَة واللين وَالْعدْل والاحسان والنصح وَسَائِر انواع الْبر وَالْخَيْر الَّتِي وَضعهَا الله فِي قلب الْمُؤمن فَهُوَ احق بِأَن يُسمى كرما من شجر الْعِنَب وَلم يرد النَّبِي ابطال مَا فِي شجر الْعِنَب من الْمَنَافِع والفوائد وان تمسيته كرما كذب وانها لَفْظَة لَا معنى تحتهَا كتسمية الْجَاهِل عَالما والفاجر برا والبخيل سخيا الا ترى انه لم ينف فَوَائِد شجر الْعِنَب وَإِنَّمَا اخبر عَنهُ ان قلب الْمُؤمن اغزر فَوَائِد واعظم مَنَافِع مِنْهَا هَذَا الْكَلَام اَوْ قريب مِنْهُ جرى فِي ذَلِك الْمجْلس وَأَنت إِذا تدبرت قَول النَّبِي الْكَرم قلب الْمُؤمن وجدته مطابقا لقَوْله فِي النَّخْلَة مثلهَا مثل الْمُسلم فَشبه النَّخْلَة بِالْمُسلمِ فِي حَدِيث ابْن عمر وَشبه الْمُسلم بِالْكَرمِ فِي الحَدِيث الاخر ونهاهم ان يخصوا شجر الْعِنَب باسم الْكَرم دون قلب الْمُؤمن وَقد قَالَ بعض النَّاس فِي هَذَا معنى آخر وَهُوَ انه نَهَاهُم عَن تَسْمِيَة شجر الْعِنَب كرما لانه يقتنى مِنْهُ ام الْخَبَائِث فَيكْرَه ان يُسمى باسم يرغب النُّفُوس فِيهَا ويحضهم عَلَيْهَا من بَاب سد الذرائع فِي الالفاظ وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ لَوْلَا ان قَوْله فَإِن الْكَرم قلب الْمُؤمن كالتعليل لهَذَا النَّهْي والاشارة الى انه اولى بِهَذِهِ التَّسْمِيَة من شجر الْعِنَب وَرَسُول الله اعْلَم بِمَا اراد من كَلَامه فَالَّذِي قَصده هُوَ الْحق وَبِالْجُمْلَةِ فَالله سُبْحَانَهُ عدد على عباده من نعمه عَلَيْهِم ثَمَرَات النخيل والاعناب فساقها فِيمَا عدده عَلَيْهِم من نعمه وَالْمعْنَى الاول اظهر من الْمَعْنى الاخر إِن شَاءَ الله فَإِن أم الْخَبَائِث تتَّخذ من كل ثَمَر كالنخيل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا﴾ وَقَالَ انس نزل تَحْرِيم الْخمر وَمَا بِالْمَدِينَةِ من شراب الاعناب شَيْء وَإِنَّمَا كَانَ شراب الْقَوْم الفضيخ الْمُتَّخذ من التَّمْر فَلَو كَانَ نَهْيه عَن تَسْمِيَة شجر الْعِنَب
стр. 231
كرما لاجل الْمُسكر لم يشبه النَّخْلَة بِالْمُؤمنِ لَان الْمُسكر يتَّخذ مِنْهَا وَالله اعْلَم الْوَجْه السَّادِس من وُجُوه التَّشْبِيه ان النَّخْلَة اصبر الشّجر على الرِّيَاح والجهد وَغَيرهَا من الدوح الْعِظَام تميلها الرّيح تَارَة وتقلعها تَارَة وتقصف افنانها وَلَا صَبر لكثير مِنْهَا على الْعَطش كصبر النَّخْلَة فَكَذَلِك الْمُؤمن صبور على الْبلَاء لَا تزعزعه الرِّيَاح السَّابِع ان النَّخْلَة كلهَا مَنْفَعَة لَا يسْقط مِنْهَا شَيْء بِغَيْر مَنْفَعَة فثمرها مَنْفَعَة وجذعها فِيهِ من الْمَنَافِع مَالا يجهل للأبنية والسقوف وَغير ذَلِك وسعفها تسقف بِهِ الْبيُوت مَكَان الْقصب وَيسْتر بِهِ الْفرج والخلل وخوصها يتَّخذ مِنْهُ المكاتل والزنابيل وأنواع الانية والحصر وَغَيرهَا وليفها وكربها فِيهِ من الْمَنَافِع مَا هومعلوم عِنْد النَّاس وَقد طابق بعض النَّاس هَذِه الْمَنَافِع وصفات الْمُسلم وَجعل لكل مَنْفَعَة مِنْهَا صفة فِي الْمُسلم تقَابلهَا فَلَمَّا جَاءَ الى الشوك الَّذِي فِي النَّخْلَة جعل بإزائه من الْمُسلم صفة الحدة على أَعدَاء الله واهل الْفُجُور فَيكون عَلَيْهِم فِي الشدَّة والغلظة بِمَنْزِلَة الشوك وَلِلْمُؤْمنِينَ والمتقين بِمَنْزِلَة الرطب حلاوة ولينا ﴿أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ الثَّامِن انها كلما اطال عمرها ازْدَادَ خَيرهَا وجاد ثَمَرهَا وَكَذَلِكَ الْمُؤمن إِذا طَال عمره ازْدَادَ خَيره وَحسن عمله التَّاسِع ان قَلبهَا من اطيب الْقُلُوب واحلاه وَهَذَا امْر خصت بِهِ دون سَائِر الشّجر وَكَذَلِكَ قلب الْمُؤمن من ايطب الْقُلُوب الْعَاشِر انها لايتعطل نَفعهَا بِالْكُلِّيَّةِ ابدا بل إِن تعطلت مِنْهَا منفعه فَفِيهَا مَنَافِع اخر حَتَّى لَو تعطلت ثمارها سنة لَكَانَ للنسا فِي سعفها وخوصها وليفها وكربها مَنَافِع وَهَكَذَا الْمُؤمن لَا يَخْلُو عَن شَيْء من خِصَال الْخَيْر قطّ ان اجدب مِنْهُ جَانب من الْخَيْر اخصب مِنْهُ جَانب فَلَا يزَال خَيره مأمولا وشره مَأْمُونا فِي التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا الى النَّبِي خَيركُمْ من يُرْجَى خَيره ويؤمن شَره وشركم من لَا يُرْجَى خَيره وَلَا يُؤمن شَره فَهَذَا فصل معترض ذَكرْنَاهُ اسْتِطْرَادًا للحكمة فِي خلق النَّخْلَة وهيئتها فلنرجع اليه فَتَأمل خلقَة الْجذع الَّذِي لَهَا كَيفَ هُوَ تَجدهُ كالمنسوج من خيوط ممدودة كالسدا وَأُخْرَى مُعْتَرضَة كاللحمة كنحو المنسوج بِالْيَدِ وَذَلِكَ لتشتد وتصلب فَلَا تتقصف من حمل الْحَيَوَان الثقيل وتصبر على هز الرِّيَاح الْعَاصِفَة ولبثها فِي السقوف والجسور والاواني وَغير ذَلِك مِمَّا يتَّخذ مِنْهَا وَهَكَذَا سَائِر الْخشب وَغَيرهَا إِذا تأملته شبه النسج وَلَا ترَاهُ مصمتا كالحجر الصلد بل ترى بعضه كَأَنَّهُ دَاخل بَعْضًا طولا وعرضا كتداخل اجزاء اللَّحْم بَعْضهَا فِي بعض فَإِن ذَلِك امتن لَهُ وأهيأ لما يُرَاد مِنْهُ فَإِنَّهُ لَو كَانَ مصمتا كالحجارة لم يُمكن ان يسْتَعْمل فِي الالات والابواب والاواني والامتعة والاسرة والتوابيت وَمَا اشبهها وَمن بديع الْحِكْمَة فِي الْخشب ان جعل يطفو على المَاء وَذَلِكَ للحكمة الْبَالِغَة إِذْ لَوْلَا ذَلِك لما كَانَت هَذِه السفن تحمل امثال الْجبَال من الحمولات والامتعة وتمخر الْبَحْر مقبلة ومدبرة وَلَوْلَا ذَلِك لما تهَيَّأ للنَّاس هَذِه الْمرَافِق لحمل هَذِه التِّجَارَات الْعَظِيمَة والامتعة الْكَثِيرَة
стр. 232
ونقلها من بلد الى بلد من حَيْثُ لَو نقلت فِي الْبر لعظمت الْمُؤْنَة فِي نقلهَا وَتعذر على النَّاس كثير من مصالحهم
فصل ثمَّ تَأمل احوال هَذِه العقاقير والادوية الَّتِي يُخرجهَا الله من
الارض وَمَا خص بِهِ كل وَاحِد مِنْهَا وَجعل عَلَيْهِ من الْعَمَل والنفع فَهَذَا يغور فِي المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة القاتلة لَو احتسبت وَهَذَا يسْتَخْرج الْمرة السَّوْدَاء وَهَذَا يسْتَخْرج الْمرة الصَّفْرَاء وَهَذَا يحلل الاورام وَهَذَا يسكن الهيجان والقلق وَهَذَا يجلب النّوم ويعيده إِذا اعوزه الانسان وَهَذَا يُخَفف الْبدن إِذا وجد الثّقل وَهَذَا يفرح الْقلب إِذا تراكمت عَلَيْهِ الغموم وَهَذَا يجلو البلغم ويكشطه وَهَذَا يحد الْبَصَر وَهَذَا يطيب النكهة وَهَذَا يسكن هيجان الْبَاءَة وَهَذَا يهيجها وَهَذَا يبرد الْحَرَارَة ويطفئها وَهَذَا يقتل الْبُرُودَة ويهيج الْحَرَارَة وَهَذَا يدْفع ضَرَر غَيره من الادوية والاغذية وَهَذَا يُقَاوم بكيفيته كَيْفيَّة غَيره فيعتدلان فيعتدل المزاج بتناولهما وَهَذَا يسكن الْعَطش وَهَذَا يصرف الرِّيَاح الغليظة ويطردها وَهَذَا يُعْطي اللَّوْن إشراقا ونضارة وَهَذَا يزِيد فِي أَجزَاء الْبدن بالسمن وَهَذَا ينقص مِنْهَا وَهَذَا يدبغ الْمعدة وَهَذَا يجلوها ويغسلها الى أَضْعَاف ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصِيه الْعباد فسل الْمُعَطل من جعل هَذِه الْمَنَافِع والقوى فِي هَذِه النباتات والحشائش والحبوب وَالْعُرُوق وَمن اعطى كل مِنْهَا خاصيته وَمن هدى الْعباد بل الْحَيَوَان الى تنَاول مَا ينفع مِنْهُ ترك مَا يضر وَمن فطن لَهَا النَّاس وَالْحَيَوَان البهيم وَبِأَيِّ عقل وتجربة كَانَ يقف على ذَلِك وَيعرف مَا خلق لَهُ كَمَا زعم من قل نصِيبه من التَّوْفِيق لَوْلَا انعام الَّذِي اعطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى وهب ان الانسان فطن لهَذِهِ الاشياء بذهنه وتجاربه وفكره وَقِيَاسه فَمن الَّذِي فطن لَهَا الْبَهَائِم فِي اشياء كَثِيرَة مِنْهَا مَالا يَهْتَدِي اليها الانسان حَتَّى صَار بعض السبَاع يتداوى من جراحه بِبَعْض تِلْكَ العقاقير من النَّبَات فَيبرأ فَمن الَّذِي جعله يقْصد ذَلِك النَّبَات دون غَيره وَقد شوهد بعض الطير يحتقن عِنْد الْحصْر بِمَاء الْبَحْر فيسهل عَلَيْهِ الْخَارِج وَبَعض الطير يتَنَاوَل اذا اعتل شَيْئا من النَّبَات فتعود صِحَّته وَقد ذكر الاطباء فِي مبادئ الطِّبّ فِي كتبهمْ من هَذَا عجائب فسل الْمُعَطل من الهمها ذَلِك وَمن ارشدها اليه وَمن دلها عَلَيْهِ افيجوز ان يكون هَذَا من غير مُدبر عَزِيز حَكِيم وَتَقْدِير عَزِيز عليم وَتَقْدِير لطيف خَبِير بهرت حكمته الْعُقُول وَشهِدت لَهُ الْفطر بِمَا استودعها من تَعْرِيفه بِأَنَّهُ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْخَالِق البارئ المصور الَّذِي لَا تنبغي الْعِبَادَة الا لَهُ وَإنَّهُ لَو كَانَ مَعَه فِي سمواته وارضه اله سواهُ لفسدت السَّمَوَات والارض واختل نظام الْملك فسبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ والجاحدون علوا كَبِيرا ولعلك ان تَقول مَا حِكْمَة هَذَا النَّبَات المبثوث فِي الصحارى
стр. 233
والقفار وَالْجِبَال الَّتِي لَا انيس بهَا وَلَا سَاكن وتظن انه فضلَة لَا حَاجَة اليه وَلَا فَائِدَة فِي خلقه وهذامقدار عقلك وَنِهَايَة علمك فكم لباريه وخالقه فِيهِ من حِكْمَة وَآيَة من طعم أوحش وطير ودواب مساكنها حَيْثُ لاتراها تَحت الارض وفوقها فَذَلِك بِمَنْزِلَة مائدة نصبها الله لهَذِهِ الطُّيُور وَالدَّوَاب تتَنَاوَل مِنْهَا كفايتها وَيبقى الْبَاقِي كَمَا يبْقى الرزق الْوَاسِع الْفَاضِل عَن الضَّيْف لسعة رب الطَّعَام وغناه التَّام وَكَثْرَة إنعامه
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي اعطائه سُبْحَانَهُ بَهِيمَة الانعام
الاسماع والابصار ليتم تنَاولهَا لمصالحها ويكمل انْتِفَاع الانسان بهَا إِذْ لَو كَانَت عمياء اَوْ صماء لم يتَمَكَّن من الِانْتِفَاع بهَا ثمَّ سلبها الْعُقُول على كبر خلقهَا الَّتِي للانسان ليتم تسخيره اياها فيقودها ويصرفها حَيْثُ شَاءَ وَلَو اعطيت الْعُقُول على كبر خلقهَا لامتنعت من طَاعَته واستعصت عَلَيْهِ وَلم تكن مسخرة لَهُ فَأعْطيت من التَّمْيِيز والادراك مَا تتمّ بِهِ مصلحتها ومصلحة من ذَلِك لَهُ وسلبت من الذِّهْن وَالْعقل مَا ميز بِهِ عَلَيْهَا الانسان وليظهر ايضا فَضِيلَة التَّمْيِيز والاختصاص ثمَّ تَأمل كَيفَ قادها وذللها على كبر اجسامها وَلم يكن يطيقها لَوْلَا تسخيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَجعل لكم من الْفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ لتستووا على ظُهُوره ثمَّ تَذكرُوا نعْمَة ربكُم إِذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين﴾ أَي مطيقين ضابطين وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَو لم يرَوا أَنا خلقنَا لَهُم مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما فهم لَهَا مالكون وذللناها لَهُم فَمِنْهَا ركوبهم وَمِنْهَا يَأْكُلُون﴾ فترى الْبَعِير على عظم خلقته يَقُودهُ الصَّبِي الصَّغِير ذليلا منقادا وَلَو ارسل عَلَيْهِ لسواه بالارض ولفصله عضوا عضوا فسل الْمُعَطل من الَّذِي ذلله وسخره وقاده على قوته لبشر ضَعِيف من اضعف الْمَخْلُوقَات وَفرغ بذلك التسخير النَّوْع الانساني لمصَالح معاشه ومعاده فَإِنَّهُ لَو كَانَ يزاول من الاعمال والاحمال مَا يزاول الْحَيَوَان لشغل بذلك عَن كثير من الاعمال لانه كَانَ يحْتَاج مَكَان الْجمل الْوَاحِد الى عدَّة أناسى يحملون اثقاله وَحمله ويعجزون عَن ذَلِك وَكَانَ ذَلِك يستفرغ اوقاتهم ويصدهم عَن مصالحهم فأعينوا بِهَذِهِ الْحَيَوَانَات مَعَ مَالهم فِيهَا من الْمَنَافِع الَّتِي لَا يحصيها الا الله من الْغذَاء وَالشرَاب والدواء واللباس والامتعة والالات والاواني وَالرُّكُوب والحرث وَالْمَنَافِع الْكَثِيرَة وَالْجمال
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي خلق الات الْبَطْش فِي الْحَيَوَانَات من الانسان
وَغَيره فالانسان لما خلق مهيئا لمثل هَذِه الصناعات من الْبناء والخياطة وَالْكِتَابَة وَغَيرهَا خلق لَهُ كف
стр. 234
مستدير منبسط واصابع يتَمَكَّن بهَا من الْقَبْض والبسط والطي والنشر وَالْجمع والتفريق وَضم الشَّيْء الى مثله وَالْحَيَوَان البهيم لما لم يتهيأ لتِلْك الصَّنَائِع لم يخلق لَهُ تِلْكَ الاكف والاصابع بل لما قدر ان يكون غذَاء بَعْضهَا من صَيْده كالسباع خلق لَهُ اكف لطافه مدمجة ذَوَات براثن ومخالب تصلح لاقتتاص الصَّيْد وَلَا تصلح للصناعات هَذَا كُله فِي أَكلَة اللَّحْم من الْحَيَوَان واما اكله النَّبَات فَلَمَّا قدر انها لاتصطاد وَلَا صَنْعَة لَهَا خلق لبعضها اظلافا تقيها خشونة الارض إِذا جالت فِي طلب المرعي ولبعضها حوافر ململمة مقعرة كأخمص الْقدَم لتنطبق على الارض وتهيأ للرُّكُوب والحمولة وَلم يخلق لَهَا براثن وَلَا انيابا لَان غذاءها لَا يحْتَاج الى ذَلِك
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي خلقَة الْحَيَوَان الَّذِي يَأْكُل اللَّحْم من الْبَهَائِم
كَيفَ جعلت لَهُ اسنان حداد وبراثن شَدَّاد واشداق مهرونة وافواه وَاسِعَة واعينت بأسلحة وأدوات تصلح للصَّيْد والاكل وَلذَلِك تَجِد سِبَاع الطير ذَوَات مناقير حداد ومخالب كالكلاليب وَلِهَذَا حرم النَّبِي كل ذِي نَاب من السبَاع ومخلب من الطير لضرره وعدوانه وشره والمغتذى شَبيه بالغاذيفلو اغتذى بهَا الانسان لصار فِيهِ من اخلاقها وعدوانها وشرها مَا يشابهها بِهِ فَحرم على الامة اكلها وَلم يحرم عَلَيْهِم الضبع وان كَانَ ذَا نَاب فَإِنَّهُ لَيْسَ من السبَاع عِنْد اُحْدُ من الامم وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ لما تضمن الوصفين ان يكون ذَا نَاب وان يكون من السبَاع وَلَا يُقَال هَذَا ينْتَقض بالسبع إِذا لم يكن لَهُ نَاب لَان هَذَا لم يُوجد أبدا فصلوات الله وَسَلَامه على من اوتي جَوَامِع الْكَلم فأوضح الاحكام وَبَين الْحَلَال وَالْحرَام فَانْظُر حِكْمَة الله فِي خلقه وامره فِيمَا خلقه وَفِيمَا شَرعه تَجِد مصدر ذَلِك كُله الْحِكْمَة الْبَالِغَة الَّتِي لَا يخْتل نظامها وَلَا ينخرم ابدا وَلَا يخْتل اصلا وَمن النَّاس من يكون حَظه من مُشَاهدَة حِكْمَة الامر اعظم من مُشَاهدَة حِكْمَة الْخلق وَهَؤُلَاء خَواص الْعباد الَّذين عقلوا عَن الله امْرَهْ وَدينه وَعرفُوا حكمته فِيمَا احكمه وَشهِدت فطنهم وعقولهم ان مصدر ذَلِك حِكْمَة بَالِغَة واحسان ومصلحة اريدت بالعباد فِي معاشهم ومعادهم وهم فِي ذَلِك دَرَجَات لَا يحصيها الا الله وَمِنْهُم من يكون حَظه من مُشَاهدَة حِكْمَة الْخلق اوفر من حَظه من حِكْمَة الامر وهم أَكثر الاطباء الَّذين صرفُوا افكارهم الى اسْتِخْرَاج مَنَافِع النَّبَات وَالْحَيَوَان وقواها وَمَا تصلح لَهُ مُفْردَة ومركبة وَلَيْسَ لَهُم نصيب فِي حِكْمَة الامر إِلَّا كَمَا للفقهاء من حِكْمَة الْخلق بل اقل من ذَلِك وَمِنْهُم من فتح عَلَيْهِ بمشاهدة الْخلق وَالْأَمر بِحَسب استعداده وقوته فَرَأى الْحِكْمَة الباهرة الَّتِي بهرت الْعُقُول فِي هَذَا وَهَذَا فَإِذا نظر الى خلقه وَمَا فِيهِ من الحكم ازْدَادَ إِيمَانًا وَمَعْرِفَة وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَت
стр. 235
بِهِ الرُّسُل واذا نظر الى امْرَهْ وَمَا تضمنه من الحكم الباهرة ازْدَادَ ايمانا ويقينا وتسليما لاكمن حجب بالصنعة عَن الصَّانِع وبالكواكب عَن مكوكبها فَعمى بَصَره وَغلظ عَن الله حجابه وَلَو اعطى علمه حَقه لَكَانَ من اقوى النَّاس إِيمَانًا لانه اطلع من حِكْمَة الله وباهر آيَاته وعجائب صَنعته الدَّالَّة عَلَيْهِ وعَلى علمه وَقدرته وحكمته على مَا خَفِي عَن غَيره وَلَكِن من حِكْمَة الله ايضا ان سلب كثيرا من عقول هَؤُلَاءِ خاصيتها وحجبها عَن مَعْرفَته واوقفها عِنْد ظَاهر من الْعلم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهم عَن الاخرة هم غافلون لدناءتها وخستها وحقارتها وَعدم اهليتها لمعرفته وَمَعْرِفَة اسمائه وَصِفَاته واسرار دينه وشرعه وَالْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم وَهَذَا بَاب لَا يطلع الْخلق مِنْهُ على مَاله نِسْبَة الى الخافي عَنْهُم مِنْهُ ابدا بل علم الاولين والاخرين مِنْهُ كنقرة العصفور من الْبَحْر وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ ذَلِك بِمُوجب للاعراض عَنهُ والياس مِنْهُ بل يسْتَدلّ الْعَاقِل بِمَا ظهر لَهُ مِنْهُ على مَا وَرَاءه
فصل ثمَّ تَأمل اولا ذَوَات الاربع من الْحَيَوَان كَيفَ ترَاهَا تتبع امهاتها
مُسْتَقلَّة بأنفسها فلاتحتاج الى الْحمل والتربية كَمَا يحْتَاج اليه اولاد الانس فَمن اجل انه لَيْسَ عِنْد امهاتها مَا عِنْد امهات الْبشر من التربية والملاطفة والرفق والالات الْمُتَّصِلَة والمنفصلة اعطاها اللَّطِيف الْخَبِير النهوض والاستقلال بانفسها على قرب الْعَهْد بِالْولادَةِ وَلذَلِك ترى افراخ كثير من الطير كالدجاج والدراج والفتخ يدرج ويلقط حِين يخرج من الْبَيْضَة وَمَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيف النهوض كفراخ الْحمام واليمام اعطى سُبْحَانَهُ امهاتها من فَضله الْعَطف والشفقة والحنان مَا تمج بِهِ الطّعْم فِي أَفْوَاه الْفِرَاخ من حواصلها فتخبأه فِي اعز مَكَان فِيهَا ثمَّ تسوقه من فِيهَا الى افواه الْفِرَاخ وَلَا تزَال بهَا كَذَلِك حَتَّى ي ينْهض الفرخ ويستقل بِنَفسِهِ وَذَلِكَ كُله من حظها وَقسمهَا الَّذِي وصل اليها من الرَّحْمَة الْوَاحِدَة من الْمِائَة فَإِذا اسْتَقل بِنَفسِهِ وامكنه الطيران لم يزل بِهِ الابوان يعالجانه اتم معالجة والطفها حَتَّى يطير من وَكره ويسترزق لنَفسِهِ وياكل من حَيْثُ يأكلان وكأنهما لم يعرفاه وَلَا عرفهما قطّ بل يطردانه عَن الوكر وَلَا يدعانه وأقواتهما وَبَينهمَا بل يَقُولَانِ لَهُ بِلِسَان يفهمهُ اتخذ لَك وكرا وقوتا فَلَا وكر لَك عندنَا وَلَا قوت فسل الْمُعَطل اهذا كُله عَن اهمال وَمن الَّذِي الهمها ذَلِك وَمن الَّذِي عطفها على الْفِرَاخ وَهِي صغَار احوج مَا كَانَت اليها ثمَّ سلب ذَلِك عَنْهَا إِذْ استغنت الْفِرَاخ رَحْمَة بالامهات تسْعَى فِي مصالحها إِذْ لَو دَامَ لَهَا ذَلِك لَا ضربهَا وشغلها عَن معاشها لَا سِيمَا مَعَ كَثْرَة مَا يحْتَاج اليه اولادها من الْغذَاء فَوضع فِيهَا الرَّحْمَة والايثار
стр. 236
والحنان رَحْمَة بالفراخ وسلبها إِيَّاهَا عِنْد استغنائها رَحمَه بالامهات افيجوز ان يكون هَذَا كُله بِلَا تَدْبِير مُدبر حَكِيم وَلَا عناية وَلَا لطف مِنْهُ لقد قَامَت أَدِلَّة ربوبيته وبراهين الهيته وشواهد حكمته وآيات قدرته فَلَا يَسْتَطِيع الْعقل لَهَا جحُودًا إِن هِيَ الا مُكَابَرَة بِاللِّسَانِ من كل جحود كفور أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِنَّمَا يكون الشَّك فِيمَا تخفي ادلته وتشكل براهينه فاما من لَهُ فِي كل شَيْء محسوس اَوْ مَعْقُول آيَة بل آيَات مؤدية عَنهُ شاهدة لَهُ بِأَنَّهُ الله الَّذِي لَا اله إِلَّا هُوَ رب الْعَالمين فَكيف يكون فِيهِ شكّ
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي قَوَائِم الْحَيَوَان كَيفَ اقْتَضَت ان يكون
زوجا لَا فَردا اما اثْنَتَيْنِ وَإِمَّا اربعا ليتهيأ لَهُ الْمَشْي وَالسَّعْي وتتم بذلك مصْلحَته إِذْ لَو كَانَت فَردا لم يصلح لذَلِك لَان الْمَاشِي ينْتَقل بِبَعْض قوائمه ويعتمد على بعض فذو القائمتين ينْقل وَاحِدَة ويعتمد على الاخرى وَذُو الاربع ينْقل اثْنَتَيْنِ ويعتمد على اثْنَتَيْنِ وَذَلِكَ من خلاف لِأَنَّهُ لَو كَانَ ينْقل قائمتين من جَانب ويعتمد على قائمتين من الْجَانِب الاخر لم يثبت على الارض حَال نَقله قوائمه ولكان مَشْيه نقرا كنقر الطَّائِر وَذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِيه ويتبعه لنقل بدنه بِخِلَاف الطَّائِر وَلِهَذَا إِذا مَشى الانسان كَذَلِك قَلِيلا اجهده وشق عَلَيْهِ بِخِلَاف مشْيَة الطبيعي الَّذِي هُوَ لَهُ فاقتضت الْحِكْمَة تَقْدِيم نقل الْيُمْنَى من يَدَيْهِ مَعَ الْيُسْرَى من رجلَيْهِ واقرار يسرى الْيَدَيْنِ ويمنى الرجلَيْن ثمَّ نقل الاخريين كَذَلِك وَهَذَا أسهل مَا يكون من الْمَشْي واخفه على الْحَيَوَان
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي ان جعل ظُهُور الدَّوَابّ مبسوطة كَأَنَّهَا
سقف على عمد القوائم ليتهيأ ركُوبهَا وتستقر الحمولة عَلَيْهَا ثمَّ خُولِفَ هَذَا فِي الابل فَجعل ظُهُورهَا مسنمة معقودة كالقبو لما خصت بِهِ من فضل الْقُوَّة وَعظم مَا تحمله والاقباء تحمل اكثر مِمَّا تحمل السقوف حَتَّى قيل إِن عقد الاقباء إِنَّمَا اخذ من ظُهُور الابل وَتَأمل كَيفَ لما طول قَوَائِم الْبَعِير طول عُنُقه ليتناول المرعي من قيام فَلَو قصرت عُنُقه لم يُمكنهُ ذَلِك مَعَ طول قوائمه وليكون ايضا طول عُنُقه موازنا للْحَمْل على ظَهره إِذا اسْتَقل بِهِ كَمَا ترى طول قَصَبَة القبان حَتَّى قيل إِن القبان إِنَّمَا عمل من خلقه الْجمل من طول عُنُقه وَثقل مَا يحملهُ وَلِهَذَا ترَاهُ يمد عُنُقه إِذا اسْتَقل بِالْحملِ كَأَنَّهُ يوازنه موازنه
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي كَون فرج الدَّابَّة جعل بارزا من وَرَائِهَا ليتَمَكَّن
الْفَحْل من ضرابها
стр. 237
وَلَو جعل فِي اسفل بَطنهَا كَمَا جعل للْمَرْأَة لم يتَمَكَّن الْفَحْل من ضرابها الا على الْوَجْه الَّذِي تجامع بِهِ الْمَرْأَة وَقد ذكر فِي كتب الْحَيَوَان ان فروج الفيلة فِي اسفل بَطنهَا فَإِذا كَانَ وَقت الضراب ارْتَفع ونشز وبرز للفحل فيتمكن من ضرابها فَلَمَّا جعل فِي الفيلة على خلاف مَا هُوَ فِي سَائِر الْبَهَائِم خصت بِهَذِهِ الخاصية عَنْهَا ليتهيأ الامر الَّذِي بِهِ دوَام النَّسْل
فصل ثمَّ تَأمل كَيفَ كُسِيت اجسام الْحَيَوَان البهيمي هَذِه الْكسْوَة من الشّعْر
والوبر وَالصُّوف وكسيت الطُّيُور الريش وكسى بعض الدَّوَابّ من الْجلد مَا هُوَ فِي غَايَة الصلابة وَالْقُوَّة كالسلحفاة وَبَعضهَا من الريش مَا هُوَ كالاسنة كل ذَلِك بِحَسب حاجاتها الى الْوِقَايَة من الْحر وَالْبرد والعدو الَّذِي يُرِيد اذاها فانها لما لم يكن لَهَا سَبِيل الى اتِّخَاذ الملابس واصطناع الْكسْوَة والات الْحَرْب اعينت بملابس وَكِسْوَة لَا تفارقها وآلات وأسلحة تدفع بهَا عَن نَفسهَا وأعينت باظلاف واخفاف وحوافر لما عدمت الاحذية وَالنعال فمعها حذاؤها وسقاؤها وَخص الْفرس والبغل وَالْحمار بالحوافر لما خلق للركض والشد والجرى وَجعل لَهَا ذَلِك ايضا سِلَاحا عِنْد انتصافها من خصمها عوضا عَن الصَّيَاصِي والمخالب والانياب والبرائن فَتَأمل هَذَا اللطف وَالْحكمَة فَإِنَّهَا لما كَانَت بهائم خرصا لَا عقول لَهَا وَلَا أكف وَلَا اصابع مهيأة للِانْتِفَاع والدفاع ولاحظ لَهَا فِيمَا يتَصَرَّف فِيهِ الادميون من النسج والغزل ولطف الْحِيلَة جعلت كسوتها من خلقتها بَاقِيَة عَلَيْهَا مَا بقيت لَا تحْتَاج الى الِاسْتِبْدَال بهَا وَأعْطيت آلَات واسلحة تحفظ بهَا انفسها كل ذَلِك لتتم الْحِكْمَة الَّتِي اريدت بهَا وَمِنْهَا وَأما الانسان فَإِنَّهُ ذُو حِيلَة وكف مهيئة للْعَمَل فَهِيَ تغزل وتنسج ويتخذ لنَفسِهِ الْكسْوَة ويستبدل بهَا حَالا بعد حَال وَله فِي ذَلِك صَلَاح من جِهَات عديدة مِنْهَا ان يستريح إِذا خلع كسوته إِذا شَاءَ ويلبسها إِذا شَاءَ لَيْسَ كالمضطر الى حمل كسْوَة وَمِنْهَا انه يتَّخذ لنَفسِهِ ضروبا من الْكسْوَة للصيف وضروبا للشتاء فَإِن كسْوَة الصَّيف لاتليق بالشتاء وَكِسْوَة الشتَاء لَا تلِيق بالصيف فيتخذ لنَفسِهِ فِي كل فصل كسْوَة مُوَافقَة وَمِنْهَا انه يَجْعَلهَا تَابِعَة لشهوته وإرادته وَمِنْهَا انه يتلذذ بأنواع الملابس كَمَا يتلذذ بأنواع المطاعم فَجعلت كسوته متنوعة تَابِعَة لاختياره كَمَا جعلت مطاعمه كَذَلِك فَهُوَ يكتسى مَا يَشَاء من انواع الملابس المتخذة من النَّبَات تَارَة كالقطن والكتان وَمن الْحَيَوَان تَارَة كالوبر وَالصُّوف وَالشعر وَمن الدُّود تَارَة كالحرير والابريسم وَمن الْمَعَادِن تَارَة كالذهب وَالْفِضَّة فَجعلت كسوته متنوعة لتتم لذته وسروره وابتهاجه وزينته بهَا وَلذَلِك كَانَت كسْوَة اهل الْجنَّة مُنْفَصِلَة عَنْهُم كَمَا هِيَ فِي الدُّنْيَا لَيست مخلوقة من اجسامهم كالحيوان فَدلَّ على ان ذَلِك اكمل واجل وأبلغ فِي النِّعْمَة وَمِنْهَا إِرَادَة تَمْيِيزه عَن الْحَيَوَان فِي ملبسه كَمَا
стр. 238
ميزه عَنهُ فِي مطعمه ومسكنه وَبَيَانه وعقله وفهمه وَمِنْهَا اخْتِلَاف الْكسْوَة واللباس وتباينه بِحَسب تبَاين احواله وصنائعه وَجَربه وَسلمهُ وظعنه وإقامته وَصِحَّته ومرضه ونومه ويقظته ورفاهيته فَلِكُل حَال من هَذِه الاحوال لِبَاس وَكِسْوَة تخصها لَا تلِيق الا بهَا فَلم يَجْعَل كسوته فِي هَذِه الاحوال كلهَا وَاحِدَة لَا سَبِيل الى الاسبتدال بهَا فَهَذَا من تكريمه وتفضيله على سَائِر الْحَيَوَان
فصل ثمَّ تَأمل حِكْمَة عَجِيبَة جعلت للبهائم والوحوش وَالسِّبَاع وَالدَّوَاب على
كثرتها لَا يرى مِنْهَا شَيْء وَلَيْسَ شَيْئا قَلِيلا فتخفى لقلتهَا بل قد قيل انها أَكثر من النَّاس وَاعْتبر ذَلِك بِمَا ترَاهُ فِي الصحارى من اسراب الظباء وَالْبَقر والوعول والذئاب وَالنُّمُور وضروب الْهَوَام على اختلافها وَسَائِر دَوَاب الارض وانواع الطُّيُور الَّتِي هِيَ اضعاف اضعاف بني آدم لَا تكَاد ترى مِنْهَا شَيْئا مَيتا لَا فِي كناسَة وَلَا فِي أوكاره وَلَا فِي مساقطه وَلَا فِي مراعيه بِطرقِهِ وموارده ومناهله ومعاقله ومعاصمه الا مَا عدا عَلَيْهِ عَاد إِمَّا افترسه سبع اَوْ رَمَاه صائد اَوْ عدا عَلَيْهِ عَاد اشغله واشغل بني جنسه عَن احراز جِسْمه وإخفاء جيفته فَدلَّ ذَلِك على انها إِذا احست بِالْمَوْتِ وَلم تغلب على انفسها كمنت حَيْثُ لَا يُوصل الى اجسامها وقبرت جيفها قبل نزُول الْبَين بهَا وَلَوْلَا ذَلِك لامتلأت الصحارى بجيفها وافسدت الْهَوَاء بروائحها فَعَاد ضَرَر ذَلِك بِالنَّاسِ وَكَانَ سَبِيلا الى وُقُوع الوباء وَقد دلّ على هَذَا قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة ابْني آدم ﴿فَبعث الله غرابا يبْحَث فِي الأَرْض ليريه كَيفَ يواري سوأة أَخِيه قَالَ يَا ويلتى أعجزت أَن أكون مثل هَذَا الْغُرَاب فأواري سوأة أخي فَأصْبح من النادمين﴾ وَأما مَا جعل عيشه بَين النَّاس كالانعام وَالدَّوَاب فلقدره الانسان على نَقله واحتياله فِي دفع اذيته منع مِمَّا جعل فِي الوحوش كالسباع فَتَأمل هَذَا الَّذِي حَار بَنو آدم فِيهِ وَفِيمَا يَفْعَلُونَ بِهِ كَيفَ جعل طبعا فِي الْبَهَائِم وَكَيف تعلموه من الطير وَتَأمل الْحِكْمَة فِي ارسال الله تَعَالَى لِابْنِ آدم الْغُرَاب الْمُؤَذّن اسْمه بغربة الْقَاتِل من اخيه وغربته هُوَ من رَحْمَة الله تَعَالَى وغربته من ابيه وَأَهله واستيحاشه مِنْهُم واستيحاشهم مِنْهُ وَهُوَ من الطُّيُور الَّتِي تنفر مِنْهَا الانس وَمن نعيقها وتستوحش بهَا فَأرْسل اليه مثل هَذَا الطَّائِر حَتَّى صَار كالمعلم لَهُ والاستاذ وَصَارَ بِمَنْزِلَة المتعلم والمستند وَلَا تنكر حكة هَذَا الْبَاب وارتباط المسميات فِيهِ بأسمائها فقد قَالَ النَّبِي إِذا بعثتم الى بريدا فابعثوه حسن الِاسْم حسن الْوَجْه وَكَانَ يسْأَل عَن اسْم الارض إاذ نزلها وَاسم الرَّسُول إِذا جَاءَ اليه وَلما جَاءَهُم سُهَيْل ابْن عَمْرو يَوْم الْحُدَيْبِيَة قَالَ قد سهل امركم وَلما اراد تَغْيِير اسْم حزن بسهل قَالَ لم يزل معنى اسْمه فِيهِ وَفِي زريته وَلما سَأَلَ عمر بن الْخطاب الرجل عَن اسْمه وَاسم ابيه وداره ومنزله فاخبره
стр. 239
انه جَمْرَة بن شهَاب وان دَاره بالحرقة وان مَسْكَنه مِنْهَا ذَات لظى قَالَ لَهُ اِدَّرَكَ بَيْتك فقد احْتَرَقَ فَكَانَ كَمَا قَالَ وشواهد هَذَا الْبَاب اكثر من ان نذْكر هاها هُنَا وَهَذَا بَاب لطيف المنزع شَدِيد الْمُنَاسبَة بَين الاسماء والمسببات وَكَثِيرًا مَا اولع النَّاس قَدِيما وحديثا بنعيق الْغُرَاب واستدلالهم بِهِ على الْبَين والاغتراب وينسبونه الى الشؤم وينفرون مِنْهُ وينفر مِنْهُم فَكَانَ جَدِيرًا ان يُرْسل هَذَا الطَّائِر الى الْقَاتِل من ابْني آدم دون غَيره من الطُّيُور فَكَأَنَّهُ صُورَة طَائِره الَّذِي ألزمهُ فِي عُنُقه وطارعنه من عمله وَلَا تظن ان ارسال الْغُرَاب وَقع اتِّفَاقًا خَالِيا من الْحِكْمَة فَإنَّك اذا خَفِي عَلَيْك وَجه الْحِكْمَة فَلَا تنكرهَا وَاعْلَم ان خفاءها من لطفها وشرفها وَللَّه تَعَالَى فِيمَا يخفى وَجه الْحِكْمَة فِيهِ على الْبشر الحكم الباهرة المتضمنة للغايات المحمودة
فصل ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الباهرة فِي وَجه الدَّابَّة كَيفَ هُوَ فانك ترى الْعَينَيْنِ
فِيهِ شاخصتين امامها لتبصر مَا بَين يَديهَا اتم من بصر غَيرهَا لانها تحرس نَفسهَا وراكبها فتتقى ان تصدم حَائِطا اَوْ تتردى فِي حُفْرَة فَجعلت عَيناهَا كعيني المنتصب الْقَامَة لانها طَلِيعَة وَجعل فوها مشقوقا فِي اسفل الخطم لتتمكن من العض وَالْقَبْض على الْعلف إِذْ لَو كَانَ فَوْقهَا فِي مقدم الخطم كَمَا انه من الانسان فِي مقدم الذقن لما استطاعت ان تتَنَاوَل بِهِ شَيْئا من الارض الا ترى الانسان لَا تنَاول الطَّعَام بِفِيهِ لَكِن بِيَدِهِ فلمالم تكن الدَّابَّة تتَنَاوَل طعامها بِيَدِهَا جعل خطمها مشقوقا من أَسْفَله لتضعه على الْعلف ثمَّ تقضمه واعينت بالجحفلة وَهِي لَهَا كالشفة للانسان لتلتقم بهَا مَا قرب مِنْهَا وَمَا بعد وَقد اشكلت مَنْفَعَة الذَّنب على بعض النَّاس وَلم يهتد اليها وَفِيه مَنَافِع عديدة فَمِنْهَا انه بِمَنْزِلَة الطَّبَق على الدبر والغطاء على حياها يواريهما ويسترهما وَمِنْهَا ان بَين الدبر ومراق الْبَطن من الدَّابَّة لَهُ وضر يجْتَمع عَلَيْهِ الذُّبَاب والبعوض فيؤذي الدَّابَّة فَجعل اذنابها كالمذاب لَهَا والمراوح تطرد بِهِ ذَلِك وَمِنْهَا ان الدَّابَّة نستريح الى تحريحكه وتصريفه يمنة ويسرة فَإِنَّهُ لما كَانَ قِيَامهَا على الاربع بِكُل جسمها وشغلت قدماها بِحمْل الْبدن عَن التَّصَرُّف والتقلب كَانَ لَهَا فِي تَحْرِيك الذَّنب رَاحَة وَعَسَى ان يكون فِيهَا حكم اخر تقصر عَنْهَا افهام الْخلق ويزدريها السَّابِع إِذا عرضت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يعرف موقعها الا فِي وَقت الْحَاجة فَمن ذَلِك ان الدَّابَّة تربض فِي الوحل فَلَا يكون شَيْء اعون على رَفعهَا من الاخذ بذنبها
فصل ثمَّ تَأمل شفر الْفِيل وَمَا فِيهِ من الحكم الباهرة فَإِنَّهُ يقوم لَهُ
مقَام الْيَد فِي تنَاول الْعلف
стр. 240
وَالْمَاء وإيرادهما الى جَوْفه وَلَوْلَا ذَلِك مَا اسْتَطَاعَ أَن يتَنَاوَل شَيْئا من الاشياء من الارض لانه لَيست لَهُ عنق يمدها كَسَائِر الانعام فَلَمَّا عدم الْعُنُق اخلف عَلَيْهِ مَكَانَهُ الخرطوم الطَّوِيل ليسد مسده وَجعل قَادِرًا على سدله وَرَفعه وثنيه وَالتَّصَرُّف بِهِ كَيفَ شَاءَ وَجعل وعَاء اجوف لين الملمس فَهُوَ يتَنَاوَل بِهِ حَاجته ويحمله مَا أَرَادَ الى جَوْفه وَيحبس فِيهِ مَا يُرِيد ويكيد بِهِ إِذا شَاءَ وَيُعْطى ويتناول إِذا أَرَادَ فسل الْمُعَطل من الَّذِي عوضه وَمن اخلف عَلَيْهِ مَكَان الْعُضْو الَّذِي مَنعه مَا يقوم لَهُ مقَامه وينوب مَنَابه غير الرؤوف الرَّحِيم بخلقه المتكفل بمصالحهم اللَّطِيف بهم وَكَيف يَتَأَتَّى ذَلِك مَعَ الاهمال وخلو الْعَالم عَن قيمَة وبارئه ومبدعه وفاطره لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم فَإِن قلت فَمَا باله لم يخلق ذَا عنق كَسَائِر الانعام وَمَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك قيل وَالله أعلم بِحِكْمَتِهِ فِي مصنوعاته لَان رَأسه واذنيه امْر هائل عَظِيم وَحمل ثقيل فَلَو كَانَ ذَا عنق كَسَائِر الاعناق لانهدت رقبته بثقله ووهنت بِحمْلِهِ فَجعل راسه مُلْصقًا بجسمه لِئَلَّا يَنَالهُ مِنْهُ شَيْء من الثّقل والمؤنة وَخلق لَهُ مَكَان الْعُنُق هَذَا المشفر الطَّوِيل يتَنَاوَل بِهِ غذاءه وَلما طَالَتْ عنق الْبَعِير للحكمة فِي ذَلِك صغر رَأسه بِالنِّسْبَةِ الى عظم جثته لِئَلَّا يُؤْذِيه ثقله ويوهن عُنُقه فسبحان من فَاتَت حكمه عدالعادين وَحصر الحاصرين
فصل ثمَّ تَأمل خلق الزرافة وَاخْتِلَاف اعضائهم وَشبههَا باعضاء جَمِيع
الْحَيَوَان فراسها راس فرس وعنقها عنق بعير وأظلافها أظلاف بقرة وجلدها جلد نمر حَتَّى زعم بعض النَّاس ان لقاحها من فحول شَتَّى وَذكروا ان اصنافا من حَيَوَان الْبر إِذا وَردت المَاء ينزو بَعْضهَا على بعض فتنزو المستوحشة على السَّائِمَة فتنتج مثل هَذَا الشَّخْص الَّذِي هُوَ كالملتقط من أنَاس شَتَّى وَمَا أرى هَذَا الْقَائِل إِلَّا كَاذِبًا عَلَيْهَا وعَلى الْخلقَة إِذْ لَيْسَ فِي الْحَيَوَان صنف يلقح صنفا آخر فَلَا الْجمل يلقح الْبَقر وَلَا الثور يلقح النَّاقة وَلَا الْفرس يلقحهما وَلَا يلقحانه وَلَا الوحوش يلقح بَعْضهَا بَعْضًا وَلَا الطُّيُور وَإِنَّمَا يَقع هَذَا نَادرا فِيمَا يتقارب كالبقر الوحشي والاهلي والضأن والمعز وَالْفرس وَالْحمار وَالذِّئْب والضبع فيتولد من ذَلِك الْبَغْل والسمع والعسبار وَقَول الْفُقَهَاء هَل تجب الزَّكَاة فِي الْمُتَوَلد من الوحشي والاهلي فِيهِ وَجْهَان هَذَا إِنَّمَا يتَصَوَّر فِي وَاحِد واثنتين وَثَلَاثَة يكمل بهَا النّصاب فَأَما نِصَاب كُله متولد من الوحشي والاهلي فَلَا وجود لذَلِك والاحكام الْمُتَعَلّقَة بِهَذِهِ المتولدات تذكر فِي الزَّكَاة وَجَزَاء الصَّيْد والاضاحي والاحوط يتغلب فِي كل بَاب فَفِي الاضاحي يتغلب عدم الاجزاء وَفِي الاحرام وَالْحرم يتغلب وجوب الْجَزَاء وَفِي الاطعمة يتغلب جَانب التَّحْرِيم وَفِي الزَّكَاة اخْتِلَاف مَشْهُور وَسُئِلَ شَيخنَا ابو
стр. 241
الْعَبَّاس بن تَيْمِية قدس الله روحه عَن حمَار نزا على فرس فأحبلها فَهَل يكون لبن الْفرس حَلَالا اَوْ حَرَامًا فَأجَاب بِأَنَّهُ حَلَال وَلَا حكم للفحل فِي اللَّبن فِي هَذَا الْموضع بِخِلَاف الاناسي لَان لبن الْفرس حَادث من الْعلف فَهُوَ تَابع للحمها وَلم يسر وطيء الْفَحْل إِلَى هَذَا اللَّبن فَإِنَّهُ لَا حُرْمَة هُنَاكَ تَنْتَشِر بِخِلَاف لبن الْفَحْل فِي الاناسي فَإِنَّهُ تَنْتَشِر بِهِ حُرْمَة الرَّضَاع وَلَا حُرْمَة هُنَا تَنْتَشِر من جِهَة الْفَحْل لَا الى الْوَلَد خَاصَّة فَإِنَّهُ يتكون مِنْهُ وَمن الام فغلب عَلَيْهِ التَّحْرِيم وَأما اللَّبن فَلم يتكون بِوَطْئِهِ وَإِنَّمَا تكون من الْعلف فَلم يكن حَرَامًا هَذَا بسط كَلَامه وَتَقْرِيره وَالْمَقْصُود ابطال زعم ان هَذِه الْحَيَوَانَات الْمُخْتَلفَة يلقح بَعْضهَا بَعْضًا عِنْد الْمَوَارِد فتتكون الزرافة وَإنَّهُ كَاذِب عَلَيْهَا وعَلى الابداع وَالَّذِي يدل على كذبه انه لَيْسَ الْخَارِج من بَين مَا ذكرنَا من الْفرس وَالْحمار وَالذِّئْب والضبع والضأن والمعز عُضْو من كل وَاحِد من ابيه وَأمه كَمَا يكون للزرافة عُضْو من الْفرس وعضو من الْجمل بل يكون كالمتوسط بَينهمَا الممتزج مِنْهُمَا كَمَا نشاهده فِي الْبَغْل فَإنَّك ترى راسه وَأُذُنَيْهِ وكفله وحوافره وسطا بَين اعضاء ابيه وامه مُشْتَقَّة مِنْهُمَا حَتَّى تَجِد سجيحه كالممتزج من صَهِيل الْفرس ونهيق الْحمار فَهَذَا يدل على ان الزرافة لَيست بنتاج آبَاء مُخْتَلفَة كَمَا زعم هَذَا الزاعم بل من خلق عَجِيب وَوضع بديع من خلق الله الَّذِي أبدعه آيَة دلَالَة على قدرته وحكمته الَّتِي لَا يعجزها شَيْء ليرى عباده انه خَالق اصناف الْحَيَوَان كلهَا كَمَا يَشَاء وَفِي أَي لون شَاءَ فَمِنْهَا الْمُتَشَابه الْخلقَة المتناسب الاعضاء وَمِنْهَا الْمُخْتَلف التَّرْكِيب والشكل وَالصُّورَة كَمَا يرى عباده قدرته التَّامَّة فِي خلقه لنَوْع الانسان على الاقسام الاربعة الدَّالَّة على انه مَخْلُوق بقدرته ومشيئته تَابع لَهَا فَمِنْهُ مَا خلق من غير اب وَلَا أم وَهُوَ أَبُو النَّوْع الانساني وَمِنْه مَا خلق من ذكر بِلَا انثى وَهِي امهم الَّتِي خلقت من ضلع آدم وَمِنْه مَا خلق من انثى بِلَا ذكر وَهُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَمِنْه مَا خلق من ذكر وانثى وَهُوَ سَائِر النَّوْع الانساني فَيرى عباده آيَاته ويتعرف اليهم بآلائه وَقدرته وَأَنه إِذا اراد شَيْئا ان يَقُول لَهُ كن فَيكون واما طول عنق الزرافة وَمَا لَهَا فِيهِ من الْمصلحَة فَلِأَن منشأها ومرعاها كَمَا ذكر المعتنون بِحَالِهَا ومساكنها فِي غِيَاض ذَوَات اشجار شاهقة ذَاهِبَة طولا فأعينت بطول الْعُنُق لتتناول اطراف الشّجر الَّذِي هُنَاكَ وثمارها وَهَذَا مَا وصلت اليه معرفتهم وَحِكْمَة اللَّطِيف الْخَبِير فَوق ذَلِك واجل مِنْهُ
فصل ثمَّ تَأمل هَذِه النملة الضعيفة وَمَا اعطيته من الفطنة اَوْ لحيلة فِي
جمع الْقُوت وادخاره وَحفظه وَدفع الافة عَنهُ فَإنَّك ترى فِي ذَلِك عبرا وآيات فترى جمَاعَة النَّمْل إِذا أَرَادَت إِحْرَاز
стр. 242
الْقُوت خرجت من اسرابها طالبة لَهُ فَإِذا ظَفرت بِهِ اخذت طَرِيقا من اسرابها اليه وشرعت فِي نَقله فتراها رفقتين رفْقَة حاملة تحمله الى بيوتها سربا ذَاهِبًا ورفقة خَارِجَة من بيوتها اليه لاتخالط تِلْكَ فِي طريقها بل هما كالخيطين بِمَنْزِلَة جمَاعَة النَّاس الذاهبين فِي طَرِيق وَالْجَمَاعَة الراجعين من جانبهم فَإِذا ثقل عَلَيْهَا حمل الشَّيْء من تِلْكَ اجْتمعت عَلَيْهِ جمَاعَة من النَّمْل وتساعدت على حَملَة بِمَنْزِلَة الْخَشَبَة وَالْحجر الَّذِي تتساعد الفئة من النَّاس عَلَيْهِ فَإِذا كَانَ الَّذِي ظفر بِهِ مِنْهُنَّ وحدة ساعدها رفقتها عَلَيْهِ الى بَيتهَا وخلوا بَينهَا وَبَينه وَإِن كَانَ الَّذِي صادفه جمَاعَة تساعدن عَلَيْهِ ثمَّ تقاسمنه على بَاب الْبَيْت وَلَقَد اخبر بعض العارفين انه شَاهد مِنْهُنَّ يَوْمًا عجبا قَالَ رايت نملة جَاءَت الى شقّ جَرَادَة فزاولته فَلم تطق حمله من الارض فَذَهَبت غير بعيد ثمَّ جَاءَت مَعهَا بِجَمَاعَة من النَّمْل قَالَ فَرفعت ذَلِك الشق من الارض فَلَمَّا وصلت النملة برفقتها الى مَكَانَهُ دارت حوله ودرن مَعهَا فَلم يجدن شَيْئا فرجعن فَوَضَعته ثمَّ جَاءَت فصادفته فزاولته فَلم تطق رَفعه فَذَهَبت غير بعيد ثمَّ جَاءَت بِهن فَرَفَعته فدرن حول مَكَانَهُ فَلم يجدن شَيْئا فَذَهَبت فَوَضَعته فَعَادَت فَجَاءَت بِهن فَرَفَعته فدرن حول الْمَكَان فَلَمَّا لم يجدن شَيْئا تحلقن حَلقَة وجعلن تِلْكَ النملة فِي وَسطهَا ثمَّ تحاملن عَلَيْهَا فقطعنها عضوا عضوا وَأَنا انْظُر وَمن عَجِيب امْر الفطنة فِيهَا إِذا نقلت الْحبّ إِلَى مساكنها كَسرته لِئَلَّا ينْبت فَإِن كَانَ مِمَّا ينْبت الفلقتان مِنْهُ كَسرته اربعا فَإِذا اصابه ندا وبلل وخافت عَلَيْهِ الْفساد اخرجته للشمس ثمَّ ترده الى بيوتها وَلِهَذَا ترى فِي بعض الاحيان حبا كثيرا على أَبْوَاب مساكنها مكسرا ثمَّ تعود عَن قريب فَلَا ترى مِنْهُ وَاحِدَة وَمن فطنتها انها لَا تتَّخذ قريتها إِلَّا على نشر من الارض لِئَلَّا يفِيض عَلَيْهَا السَّيْل فيغرقها فَلَا ترى قَرْيَة نمل فِي بطن وَاد وَلَكِن فِي أَعْلَاهُ وَمَا ارْتَفع عَن السَّيْل مِنْهُ وَيَكْفِي فِي فطنتها مَا نَص الله فِي كِتَابه من قَوْلهَا لجَماعَة النَّمْل وَقد رَأَتْ سُلَيْمَان ﵊ وَجُنُوده يَا ايها النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ لَا يحطمنكم سُلَيْمَان وجنوه وهم لايشعرون فتكلمت بِعشْرَة انواع من الْخطاب فِي هَذِه النَّصِيحَة النداء والتنبيه وَالتَّسْمِيَة والامر وَالنَّص والتحذير والتخصيص والتفهيم والتعميم والاعتذار فاشتملت نصيحتها مَعَ الِاخْتِصَار على هَذِه الانواع الْعشْرَة وَلذَلِك اعْجَبْ سلميان قَوْلهَا وَتَبَسم ضَاحِكا مِنْهُ وسال الله ان يوزعه شكر نعْمَته عَلَيْهِ لما سمع كَلَامهَا وَلَا تستبعد هَذِه الفطنة من امة من الامم تسبح بِحَمْد رَبهَا كَمَا فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي قَالَ نزل نَبِي من الانبياء تَحت شَجَرَة فلدغته نملة فَأمر بجهازه فَأخْرجهُ ثمَّ احْرِقْ قَرْيَة النَّمْل فَأوحى الله إِلَيْهِ من اجل ان لدغتك نملة احرقت امة من الامم تسبح فَهَلا نملة وَاحِدَة
стр. 243
فصل وَمن عَجِيب الفطنة فِي الْحَيَوَان ان الثَّعْلَب إِذا اعوزه الطَّعَام وَلم
يجد صيدا تماوت وَنفخ بَطْنه حَتَّى يحسبه الطير مَيتا فَيَقَع عَلَيْهِ ليَأْكُل مِنْهُ فيثب عَلَيْهِ الثَّعْلَب فَيَأْخذهُ وَمن عَجِيب الفطنة فِي هَذِه الذبابة الْكَبِيرَة الَّتِي تسمى اسد الذُّبَاب فَإنَّك ترَاهُ حِين يحس بالذباب قد وَقع قَرِيبا مِنْهُ يسكن مَلِيًّا حَتَّى كَأَنَّهُ موَات لَا حراك فِيهِ فَإِذا رأى الذُّبَاب قد اطْمَأَن وغفل عَنهُ دب دبيبا رَفِيقًا حَتَّى يكون مِنْهُ بِحَيْثُ يَنَالهُ ثمَّ يثب عَلَيْهِ فَيَأْخذهُ وَمن عَجِيب حيل العنكبوت انه ينسج تِلْكَ الشبكة شركا للصَّيْد ثمَّ يكمن فِي جوفها فَإِذا نشب فِيهَا البرغش والذباب وثب عَلَيْهِ وامتص دَمه فَهَذَا يحْكى صيد الاشراك والشباك والاول يحْكى صيد الْكلاب والفهود وَلَا تزدرين الْعبْرَة بالشَّيْء الحقير من الذّرة والبعوض فَإِن الْمَعْنى النفيس يقتبس من الشَّيْء الحقير والازدراء بذلك مِيرَاث من الَّذين استنكرت عُقُولهمْ ضرب الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْمثل بالذباب وَالْعَنْكَبُوت وَالْكَلب وَالْحمار فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا﴾ فَمَا أغزر الحكم وأكثرها فِي هَذِه الْحَيَوَانَات الَّتِي تزدريها وتحتقرها وَكم من دلَالَة فِيهَا على الْخَالِق ولطفه وَرَحمته وحكمته فسل الْمُعَطل من الهمها هَذِه الْحِيَل والتلطف فِي اقتناص صيدها الَّذِي جعل قوتها وَمن جعل هَذِه الْحِيَل فِيهَا بدل مَا سلبها من الْقُوَّة وَالْقُدْرَة فأغناها مَا اعطاها من الْحِيلَة عَمَّا سلبها من الْقُوَّة وَالْقُدْرَة سوى اللَّطِيف الْخَبِير
فصل ثمَّ تَأمل جسم الطَّائِر وخلقته فَإِنَّهُ حِين قدر بَان يكون طائرا فِي
الجو خفف جِسْمه وادمج خلقته وَاقْتصر بِهِ من القوائم الاربع على اثْنَتَيْنِ وَمن الاصابع الْخمس على ارْبَعْ وَمن مخرج الْبَوْل والزبل على وَاحِد يجمعهما جَمِيعًا ثمَّ خلق ذَا جؤجؤ مَحْدُود ليسهل عَلَيْهِ اختراق الْهَوَاء كَيفَ توجه فِيهِ كَمَا يَجْعَل صدر السَّفِينَة بِهَذِهِ الْهَيْئَة ليشق المَاء بِسُرْعَة وتنفذ فِيهِ وَجعل فِي جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بهَا للطيران وكسى جِسْمه كُله الريش ليتداخله الْهَوَاء فيحمله وَلما قدر ان يكون طَعَامه اللَّحْم وَالْحب يبلعه بلعا بِلَا مضغ نقص من خلقه الاسنان وَخلق لَهُ منقار صلب يتَنَاوَل بِهِ طَعَامه فَلَا يتفسخ من لقط الْحبّ وَلَا يتعقف من نهش اللَّحْم وَلما عدم الاسنان وَكَانَ يزدرد الْحبّ صَحِيحا وَاللَّحم غريضا اعين بِفضل حرارة فِي الْجوف تطحن الْحبّ وتطبخ اللَّحْم فاستغنى عَن المضغ وَالَّذِي يدلك على قُوَّة الْحَرَارَة الَّتِي اعين بهَا انك ترى عجم الزَّبِيب وَأَمْثَاله يخرج من بطن الانسان صَحِيحا وينطبخ فِي جَوف الطَّائِر حَتَّى لَا يرى لَهُ اثر ثمَّ اقْتَضَت الْحِكْمَة ان جعل يبيض بيضًا وَلَا يلد ولادَة لِئَلَّا يثقل عَن
стр. 244
الطيران فَإِنَّهُ لَو كَانَ مِمَّا يحمل وَيمْكث حمله فِي جَوْفه حَتَّى يستحكم ويثقل لأثقله وعاقه عَن النهوض والطيران وَتَأمل الْحِكْمَة فِي كَون الطَّائِر الْمُرْسل السائح فِي الجو يلهم صَبر نَفسه اسبوعا اَوْ اسبوعين بِاخْتِيَارِهِ قَاعِدا على بيضه حاضنا لَهُ وَيحْتَمل مشقة الْحَبْس ثمَّ إِذا خرج فِرَاخه تحمل مشقة الْكسْب وَجمع الْحبّ فِي حوصلته وبزق فِرَاخه وَلَيْسَ بِذِي روية وَلَا فكرة فِي عَاقِبَة امْرَهْ وَلَا يؤمل فِي فِرَاخه مَا يؤمل الانسان فِي وَلَده من العون والرفد وَبَقَاء الذّكر فَهَذَا من فعله يشْهد بِأَنَّهُ مَعْطُوف على فِرَاخه لعِلَّة لَا يعلمهَا هُوَ وَلَا يفكر فِيهَا من دوَام النَّسْل وبقائه
فصل ثمَّ تَأمل خلقَة الْبَيْضَة وَمَا فِيهَا من المخ الاصفر الخاثر وَالْمَاء
الابيض الرَّقِيق فبعضه ينشأ مِنْهُ الفرخ وَبَعضه يغتذى مِنْهُ إِلَى ان يخرج من الْبَيْضَة وَمَا فِي ذَلِك من الْحِكْمَة فَإِنَّهُ لما كَانَ نشو الفرخ فِي تِلْكَ الْبشرَة المنخفضة الَّتِي لَا نَفاذ فِيهَا للواصل من خَارج جعل مَعَه فِي جَوف الْبَيْضَة من الْغذَاء مَا يَكْتَفِي بِهِ الى خُرُوجه
فصل وَتَأمل الْحِكْمَة فِي حوصلة الطَّائِر وَمَا قدرت لَهُ فَإِن فِي مَسْلَك الطَّعَام
الى القابضة ضيق لَا ينفذ فِيهِ الطَّعَام إِلَّا قَلِيلا فَلَو كَانَ الطَّائِر لَا يلتقط حَبَّة ثَانِيَة حَتَّى تصل الاولى الى جَوْفه لطال ذَلِك عَلَيْهِ فَمَتَى كَانَ يَسْتَوْفِي طَعَامه وَإِنَّمَا يختلسه اختلاسا لشدَّة الحذر فَجعلت لَهُ الحوصلة كالمخلاة الْمُعَلقَة امامه ليوعى فِيهَا مَا ازدرد من الطّعْم بِسُرْعَة ثمَّ ينْقل الى القابضة على مهل وَفِي الحوصلة ايضا خصْلَة اخرى فَإِن من الطير مَا يحْتَاج الى ان يزق فِرَاخه فَيكون رده الطّعْم من قرب ليسهل عَلَيْهِ
فصل ثمَّ تَأمل هَذِه الالوان والاصباغ والوشى الَّتِي ترَاهَا فِي كثير من
الطير كالطاووس والدراج وَغَيرهمَا الَّتِي لَو خطت بدقيق الاقلام ووشيت بالايدي لم يكن هَذَا فَمن ايْنَ فِي الطبيعة الْمُجَرَّدَة هَذَا التشكيل والتخطيط والتلوين والصبغ العجيب الْبَسِيط والمركب الَّذِي لَو اجْتمعت الخليقة على ان يحاكوه لتعذر عَلَيْهِم فَتَأمل ريش الطاووس كَيفَ هُوَ فَإنَّك ترَاهُ كنسج الثَّوْب الرفيع من خيوط رفاع جدا قد ألف بَعْضهَا الى بعض كتأليف الْخَيط الى الْخَيط بل الشعرة الى الشعرة ثمَّ ترى النسج إِذا مددته ينفتح قَلِيلا قَلِيلا وَلَا ينشق ليتداخله الْهَوَاء فينقل الطَّائِر إِذا طَار فترى فِي وسط الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عَلَيْهِ ذَلِك الثَّوْب الَّتِي كَهَيئَةِ الشّعْر
стр. 245
ليمسكه بصلابته وَهُوَ القصبة الَّتِي تكون فِي وسط الريشة وَهُوَ مَعَ ذَلِك اجوف يشْتَمل على الْهَوَاء فَيحمل الطَّائِر فَأَي طبيعة فِيهَا هَذِه الْحِكْمَة والخبرة واللطف ثمَّ لَو كَانَ ذَلِك فِي الطبيعة كَمَا يَقُولُونَ لكَانَتْ من ادل الدَّلَائِل واعظم الْبَرَاهِين على قدرَة مبدعها ومنشئها وَعلمه وحكمته فَإِنَّهُ لم يكن ذَلِك لَهَا من نَفسهَا بل إِنَّمَا هُوَ لَهَا مِمَّن خلقهَا وأبدعها فَمَا كذبه الْمُعَطل هُوَ اُحْدُ الْبَرَاهِين والايات الَّتِي على مثله يزْدَاد إِيمَان الْمُؤمنِينَ وَهَكَذَا آيَات الله يضل بهَا من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء
فصل تَأمل هَذَا الطَّائِر الطَّوِيل السَّاقَيْن وَأعرف الْمَنْفَعَة فِي طول سَاقيه
فَإِنَّهُ يرْعَى أَكثر مرعاه فِي ضحضاح المَاء فتراه يركز على سَاقيه كانه دست فَوق مركب ويتأمل مَا دب فِي المَاء فَإِذا رأى شَيْئا من حَاجته خطا خطوا رَفِيقًا حَتَّى يتَنَاوَلهُ وَلَو كَانَ قصير القائمتين كَانَ إِذا خطا نَحْو الصَّيْد ليأخذه لصق بَطْنه بِالْمَاءِ فيثيره ويذعر الصَّيْد مِنْهُ فيفر فخلف لَهُ ذَلِك العمودان ليدرك بهما حَاجته وَلَا يفسدعليه مطلبه وكل طَائِر فَلهُ نصيب من طول السَّاقَيْن والعنق ليمكنه تنَاول الطّعْم من الارض وَلَو طَال ساقاه وَقصرت عُنُقه لم يُمكنهُ ان يتَنَاوَل شَيْئا من الارض وَرُبمَا اعين مَعَ عُنُقه بطول المناقير لِيَزْدَادَ مطلبه سهولة عَلَيْهِ وامكانا ثمَّ تَأمل هَذِه العصافير كَيفَ تطلب اكلها بِالنَّهَارِ كُله فَلَا هِيَ تفقده وَلَا هِيَ تَجدهُ مجموعا معدا بل تناله بالحركة والطلب فِي الْجِهَات والنواحي فسبحان الَّذِي قدره ويسره كَيفَ لم يَجعله ممايتعذر عَلَيْهَا إِذا التمسته ويفوتها إِذا قعدت عَنهُ وَجعلهَا قادرة عَلَيْهِ فِي كل حِين واوان بِكُل ارْض وَمَكَان حَتَّى من الجدران والاسطحة والسقوف تنَاوله بالهوينا من السَّعْي فَلَا يشاركها فِيهِ غير بني جِنْسهَا من الطير وَلَو كَانَ ماتقتات بِهِ يُوجد معدا مجموعا كُله كَانَت الطير تشاركها فِيهِ وتغلبها عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَو وجدته معدا مجموعا لاكبت عَلَيْهِ بحرص ورغبة فَلَا تقلع عَنهُ وَإِن شبعت حَتَّى تبشم وتهلك وَكَذَلِكَ النَّاس لَو جعل طعامهم معدا لَهُم بِغَيْر سعي وَلَا تَعب ادى ذَلِك الى الشره والبطنة ولكثر الْفساد وعمت الْفَوَاحِش وَالْبَغي فِي الارض فسبحان اللَّطِيف الْخَبِير الَّذِي لم يخلق شَيْئا سدى وَلَا عَبَثا وَانْظُر فِي هَذِه الطير الَّتِي لَا تخرج الا بِاللَّيْلِ كالبوم والهام والخفاش فَإِن أقواتها هيئت لَهَا فِي الجو لَا من الْحبّ وَلَا من اللَّحْم بل من البعوض والفراش وأشبابهما مِمَّا تلقطه من الجو فتاخذ مِنْهُ بِقدر الْحَاجة ثمَّ تأوى الى بيوتها فَلَا تخرج الى مثل ذَلِك الْوَقْت بِاللَّيْلِ وَذَلِكَ ان هَذِه الضروب من البعوض والفراش وأشباههما مبثوثة فِي الجو لَا يكَاد يخلوا مِنْهَا مَوضِع مِنْهُ وَاعْتبر ذَلِك بَان نضع سِرَاجًا بِاللَّيْلِ فِي سطح اَوْ عرصه الدَّار فيجتمع عَلَيْهِ من هَذَا
стр. 246
الضَّرْب شَيْء كثير وَهَذَا الضَّرْب من الْفراش وَنَحْوهَا نَاقص الفطنة ضَعِيف الْحِيلَة لَيْسَ فِي الطير اضعف مِنْهُ وَلَا اجهل وَفِيمَا يرى من تهافته فِي النَّار وانت تطرده عَنْهَا حَتَّى يحرق نَفسه دَلِيل على ذَلِك فَجعل معاش هَذِه الطُّيُور الَّتِي تخرج بِاللَّيْلِ من هَذَا الضَّرْب فتقتات مِنْهُ فَإِذا أَتَى النَّهَار انْقَطَعت الى اوكارها فالليل لَهَا بِمَنْزِلَة النَّهَار لغَيْرهَا من الطير ونهارها بِمَنْزِلَة ليل غَيرهَا وَمَعَ ذَلِك فساق لَهَا الَّذِي تكفل بارزاق الْخلق رزقها وخلقه لَهَا فِي الجو وَلم يَدعهَا بِلَا رزق مَعَ ضعفها وعجزها وَهَذِه إِحْدَى الحكم والفوائد فِي خلق هَذِه الْفراش وَالْجَنَادِب والبعوض فكم فِيهَا من رزق لَامة تسبح بِحَمْد رَبهَا وَلَوْلَا ذَلِك لانتشرت وكثرتحتى اضرت بِالنَّاسِ ومنعتهم الْقَرار فَانْظُر الى عَجِيب تَقْدِير الله وتدبيره كَيفَ اضْطر الْعُقُول الى ان شهِدت بربوبيته وَقدرته وَعلمه وحكمته وان ذَلِك الَّذِي تشاهده لَيْسَ بِاتِّفَاق وَلَا بإهمال من سَائِر وُجُوه الادلة الَّتِي لَا تتمكن الْفطر من جَحدهَا اصلا وَإِذ قد جرى الْكَلَام الى الخفاش فَهُوَ من الْحَيَوَانَات العجيبة الْخلقَة بَين خلقَة الطُّيُور وَذَوَات الاربع وَهُوَ الى ذَوَات الاربع اقْربْ فَإِنَّهُ ذُو اذنين ناشزتين واسنان ودبر وَهُوَ يلد ولدا ويرضع وَيَمْشي على ارْبَعْ وكل هَذِه صفة ذَوَات الاربع وَله جَنَاحَانِ يطير بهما مَعَ الطُّيُور وَلما كَانَ بَصَره يضعف عَن نور الشَّمْس كَانَ نَهَاره كليل غَيره فَإِذا غَابَتْ الشَّمْس انْتَشَر وَمن ذَلِك سمى ضَعِيف الْبَصَر اخفش والخفش ضعف الْبَصَر وَلما كَانَ كَذَلِك جعل قوته من هَذِه الطُّيُور الضِّعَاف الَّتِي لَا تطير الا بِاللَّيْلِ وَقد زعم بعض من تكلم فِي الْحَيَوَان انه لَيْسَ يطعم شَيْئا وَإِنَّمَا غذاؤه من النسيم الْبَارِد فَقَط وَهَذَا كذب عَلَيْهِ وعَلى الْخلقَة لانه يَبُول وَقد تكلم الْفُقَهَاء فِي بَوْله هَل هُوَ نجس لانه بَوْل غير مَأْكُول اَوْ نجس مَعْفُو عَن يسيره لمَشَقَّة التَّحَرُّز مِنْهُ على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن احْمَد وَبَعض الْفُقَهَاء لَا ينجس بَوْله بِحَال وَهَذَا اقيس الاقوال إِذْ لَا نَص فِيهِ وَلَا يَصح قِيَاسه على الابوال النَّجِسَة لعدم الْجَامِع الْمُؤثر ووضوح الْفرق وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع اسْتِيفَاء الْحجَج فِي هَذِه المسئلة من الْجَانِبَيْنِ وَالْمَقْصُود انه لَو كَانَ لَا ياكل شَيْئا لم يكن لَهُ اسنان اذ لَا معنى للاسنان فِي حق من لَا ياكل شَيْئا وَلِهَذَا لما عدم الطِّفْل الرَّضِيع الاكل لم يُعْط الاسنان فَلَمَّا كبر وَاحْتَاجَ للغذاء اعين عَلَيْهِ بالاسنان الَّتِي تقطعه والاضراس الَّتِي تطحنه وَلَيْسَ فِي الخليقة شَيْء مهمل وَلَا عَن الْحِكْمَة بمعطل وَلَا شَيْء لَا معنى لَهُ واما الحكم وَالْمَنَافِع فِي خلق الخفاش فقد ذكر مِنْهَا الاطباء فِي كتبهمْ مَا انْتَهَت اليه معرفتهم حَتَّى ان بَوْله يدْخل فِي بعض الاكحال فَإِذا كَانَ بَوْله الَّذِي لَا يخْطر بالبال فِيهِ مَنْفَعَة الْبَتَّةَ فَمَا الظَّن بجملته وَلَقَد اخبر بعض من اشْهَدْ بِصَدقَة انه رأى رخلا وَهُوَ طَائِر مَعْرُوف قد عشش فِي شَجَرَة فَنظر الى حَيَّة عَظِيمَة قد أَقبلت نَحْو عشه
стр. 247
فَاتِحَة فاها لتبتلعه فَبَيْنَمَا هُوَ يضطرب فِي حِيلَة النجَاة مِنْهَا إِذْ وجد حسكة فِي العش فحملها فالقاها فِي فَم الْحَيَّة فَلم تزل تلتوى حَتَّى مَاتَت
فصل ثمَّ تَأمل احوال النَّحْل وَمَا فِيهَا من العبر والايات فَانْظُر اليها
والى اجتهادها فِي صَنْعَة الْعَسَل وبنائها الْبيُوت المسدسة الَّتِي هِيَ من اتم الاشكال واحسنها استدارة واحكمها صنعا فَإِذا انْضَمَّ بَعْضهَا الى بعض لم يكن بَينهَا فُرْجَة وَلَا خلل كل هَذَا بِغَيْر مقياس وَلَا آله وَلَا بيكار وَتلك من اثر صنع الله وإلهامه إِيَّاهَا وايحائه اليها كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا﴾ الى قَوْله ﴿لآيَات لقوم يتفكرون﴾ فَتَأمل كَمَال طاعتها وَحسن ائتمارها لأمر رَبهَا اتَّخذت بيوتها فِي هَذِه الامكنة الثَّلَاثَة فِي الْجبَال الشقفان وَفِي الشّجر وَفِي بيُوت النَّاس حَيْثُ يعرشون أَي بيبنون العروش وَهِي الْبيُوت فَلَا يرى للنحل بَيت غير هَذِه الثَّلَاثَة الْبَتَّةَ وتامل كَيفَ اكثر بيوتها فِي الْجبَال والشقفان وَهُوَ الْبَيْت الْمُقدم فِي الاية ثمَّ فِي الاشجار وَهِي من اكثر بيوتها وَمِمَّا يعرش النَّاس واقل بيوتها بَينهم حَيْثُ يعرشون وَأما فِي الْجبَال وَالشَّجر فبيوت عَظِيمَة يُؤْخَذ مِنْهَا من الْعَسَل الْكثير جدا وتامل كَيفَ اداها حسن الِامْتِثَال الى ان اتَّخذت الْبيُوت اَوْ لَا فَإِذا اسْتَقر لَهَا بَيت خرجت مِنْهُ فرعت وأكلت من الثِّمَار ثمَّ آوت الى بيوتها لَان رَبهَا سُبْحَانَهُ امرها باتخاذ الْبيُوت اولا ثمَّ بالاكل بعد ذَلِك ثمَّ إِذا اكلت سلكت سبل رَبهَا مذللة لَا يستوعز عَلَيْهَا شَيْء ترعى ثمَّ تعود وَمن عَجِيب شَأْنهَا أَن لَهَا اميرا يُسمى اليعسوب لَا يتم لَهَا رواح وَلَا إياب وَلَا عمل وَلَا مرعى إِلَّا بِهِ فَهِيَ مؤتمره لامره سامعة لَهُ مطيعه وَله عَلَيْهَا تَكْلِيف وَأمر وَنهى وَهِي رعية لَهُ منقادة لامره متبعة لرايه يدبرها كَمَا يدبر الْملك امْر رَعيته حَتَّى إِنَّهَا إِذا آوت الا بيوتها وقف على بَاب الْبَيْت فَلَا يدع وَاحِدَة تزاحم الاخرى وَلَا تتقدم عَلَيْهَا فِي العبور بل تعبر بيوتها وَاحِدَة بعد وَاحِدَة بِغَيْر تزاحم وَلَا تصادم وَلَا تراكم كَمَا يفعل الامير إِذا انْتهى بعسكره الى معبر ضيق لَا يجوزه الا وَاحِد وَاحِد وَمن تدبر احوالها وسياساتها وهدايتها واجتماع شملها وانتظام امرها وتدبير ملكهَا وتفويض كل عمل الى وَاحِد مِنْهَا يتعجب مِنْهَا كل الْعجب وَيعلم ان هَذَا لَيْسَ فِي مقدورها وَلَا هُوَ من ذَاتهَا فَإِن هَذِه اعمال محكمَة متقنة فِي غَايَة الاحكام والاتقان فَإِذا نظرت الى الْعَامِل رَأَيْته من أَضْعَف خلق الله أجهله بِنَفسِهِ وبحاله وأعجزه عَن الْقيام بمصلحته فضلا عَمَّا يصدر عَنهُ من الامور العجيبة وَمن عَجِيب امرها ان فِيهَا أميرين لَا يَجْتَمِعَانِ فِي بَيت وَاحِد وَلَا يتأمران على جمع وَاحِد بل إِذا اجْتمع مِنْهَا جندان وأميران قتلوا اُحْدُ الاميرين وقطعوه وَاتَّفَقُوا على الامير الْوَاحِد
стр. 248
من غير معاداة بَينهم وَلَا أَذَى من بَعضهم لبَعض بل يصيرون يدا وَاحِدَة وجندا وَاحِدًا
فصل وَمن اعْجَبْ امرها مَالا يَهْتَدِي لَهُ اكثر النَّاس ولايعرفونه وَهُوَ
النِّتَاج الَّذِي يكون لَهَا هَل هُوَ على وَجه الْولادَة والتوالد اَوْ الاستحالة فَقل من يعرف ذَلِك اَوْ يفْطن لَهُ وَلَيْسَ نتاجها على وَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَإِنَّمَا نتاجها بِأَمْر من اعْجَبْ العجيب فَإِنَّهَا إِذا ذهبت الى المرعي أخذت تِلْكَ الاجزاء الصافية الَّتِي على الْوَرق من الْورْد والزهر والحشيش وَغَيره وَهِي الطل فتمصها وَذَلِكَ مَادَّة الْعَسَل ثمَّ انها تكبس الاجزاء المنعقدة على وَجه الورقة وتعقدها على رجلهَا كالعدسة فتملأ بهَا المسدسات الفارغة من الْعَسَل ثمَّ يقوم يعسوبها على بَيته مبتدئا مِنْهُ فينفخ فِيهِ ثمَّ يطوف على تِلْكَ الْبيُوت بَيْتا بَيْتا وينفخ فِيهَا كلهَا فتدب فِيهَا الْحَيَاة بِإِذن الله فتتحرك وَتخرج طيورا بِإِذن الله وَتلك احدى الايات والعجائب الَّتِي قل من يتفطن لَهَا وَهَذَا كُله من ثَمَرَة ذَلِك الْوَحْي الالهي افادها واكسبها هَذَا التَّدْبِير وَالسّفر والمعاش وَالْبناء والنتاج فسل الْمُعَطل من الَّذِي اوحى اليها امرها وَجعل مَا جعل فِي طباعها وَمن الَّذِي سهل لَهَا سبله ذللا منقادة لَا تستعصي عَلَيْهَا وَلَا تستوعرها وَلَا تضل عَنْهَا على بعْدهَا وَمن الَّذِي هداها لشأنها وَمن الَّذِي أنزل لَهَا من الطل مَا إِذا جنته ردته عسلا صافيا مُخْتَلفا الوانه فِي غَايَة الْحَلَاوَة واللذاذة وَالْمَنْفَعَة من بَين ابيض يرى فِيهِ الْوَجْه اعظم من رُؤْيَته فِي الْمرْآة وسمه لي من جَاءَ بِهِ وَقَالَ هَذَا افخر مَا يعرف النَّاس من الْعَسَل وأصفاه وأطيبه فَإِذا طعمه الذ شَيْء يكون من الْحَلْوَى وَمن بَين احمر واخضر ومورد واسود وأشقر وَغير ذَلِك من الالوان والطعوم الْمُخْتَلفَة فِيهِ بِحَسب مراعيه ومادتها وَإِذا تَأَمَّلت مَا فِيهِ من الْمَنَافِع والشفاء ودخوله فِي غَالب الادوية حَتَّى كَانَ المتقدمون لَا يعْرفُونَ السكر وَلَا هُوَ مَذْكُور فِي كتبهمْ اصلا وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي يستعملونه فِي الادوية هُوَ الْعَسَل وَهُوَ الْمَذْكُور فِي كتب الْقَوْم ولعمر الله أَنه لانفع من السكر وأجدى واجلى للاخلاط وأقمع لَهَا واذهب لضررها واقوى للمعدة واشد تفريحا للنَّفس وتقوية للأرواح وتنفيذا للدواء وإعانة لَهُ على اسْتِخْرَاج الدَّاء من اعماق الْبدن وَلِهَذَا لم يَجِيء فِي شَيْء من الحَدِيث قطّ ذكر السكر وَلَا كَانُوا يعرفونه اصلا وَلَو عدم من الْعَالم لما احْتَاجَ اليه وَلَو عدم الْعَسَل لاشتدت الْحَاجة اليه وَإِنَّمَا غلب على بعض المدن اسْتِعْمَال السكر حَتَّى هجروا الْعَسَل واستطابوه عَلَيْهِ ورأوه اقل حِدة وحرارة مِنْهُ وَلم يعلمُوا ان من مَنَافِع الْعَسَل مَا فِيهِ من الحدة والحرارة فَإِذا لم يُوَافق من يَسْتَعْمِلهُ كسرهَا بمقابلها فَيصير انفع لَهُ من السكر وسنفرد إِن شَاءَ الله مقَالَة نبين فِيهَا فضل الْعَسَل على
стр. 249
السكر ٤ من طرق عديدة لَا تمنع وبراهين كَثِيرَة لاتدفع وَمَتى رايت السكر يجلو بلغما ويذيب خلطا اَوْ يشفى من دَاء وَإِنَّمَا غَايَته بعض التَّنْفِيذ للدواء الى الْعُرُوق للطافته وحلاوته وَأما الشِّفَاء الْحَاصِل من الْعَسَل فقد حرمه الله كثيرا من النَّاس حَتَّى صَارُوا يذمونه ويخشون غائلته من حرارته وحدته وَلَا ريب ان كَونه شِفَاء وَكَون الْقُرْآن شِفَاء وَالصَّلَاة شِفَاء وَذكر الله والاقبال عَلَيْهِ شِفَاء امْر لَا يعم الطبائع والانفس فَهَذَا كتاب الله هُوَ الشِّفَاء النافع وَهُوَ اعظم الشِّفَاء وَمَا اقل المستشفين بِهِ بل لَا يزِيد الطبائع الرَّديئَة رداءة وَلَا يزِيد الظَّالِمين الا خسارا وَكَذَلِكَ ذكر الله والاقبال عَلَيْهِ والانابة اليه والفزع الى الصَّلَاة كم قد شفي بِهِ من عليل وَكم قد عوفي بِهِ من مَرِيض وَكم قَامَ مقَام كثير من الادوية الَّتِي لَا تبلغ قَرِيبا من مبلغه فِي الشِّفَاء وَأَنت ترى كثيرا من النَّاس بل اكثرهم لَا نصيب لَهُم من الشِّفَاء بذلك اصلا وَلَقَد رايت فِي بعض كتب الاطباء الْمُسلمين فِي ذكر الادوية المفردة ذكر الصَّلَاة ذكرهَا فِي بَاب الصَّاد وَذكر من مَنَافِعهَا فِي الْبدن الَّتِي توجب الشِّفَاء وُجُوهًا عديدة وَمن مَنَافِعهَا فِي الرّوح وَالْقلب وَسمعت شَيخنَا ابا الْعَبَّاس بن تَيْمِية ﵀ يَقُول وَقد عرض لَهُ بعض الالم فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب اضر مَا عَلَيْك الْكَلَام فِي الْعلم والفكر فِيهِ والتوجه وَالذكر فَقَالَ الستم تَزْعُمُونَ ان النَّفس إِذا قويت وفرحت اوجب فرحها لَهَا قُوَّة تعين بهَا الطبيعة على دفع الْعَارِض فَإِنَّهُ عدوها فَإِذا قويت عَلَيْهِ قهرته فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب بلَى فَقَالَ إِذا اشتغلت نَفسِي بالتوجه وَالذكر وَالْكَلَام فِي الْعلم وظفرت بِمَا يشكل عَلَيْهَا مِنْهُ فرحت بِهِ وقويت فَأوجب ذَلِك دفع الْعَارِض هَذَا اَوْ نَحوه من الْكَلَام وَالْمَقْصُود ان ترك كثير من النَّاس الِاسْتِشْفَاء بالعسل لَا يُخرجهُ عَن كَونه شِفَاء كَمَا ان ترك اكثرهم الِاسْتِشْفَاء بِالْقُرْآنِ من امراض الْقُلُوب لَا يُخرجهُ عَن كَونه شِفَاء لَهَا وَهُوَ شِفَاء لما فِي الصُّدُور وَإِن لم يسْتَشف بِهِ اكثر المرضى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ فَعم بِالْمَوْعِظَةِ والشفاء وَخص بِالْهدى والمعرفة فَهُوَ نَفسه شِفَاء استشفى بِهِ اَوْ لم يسْتَشف بِهِ وَلم يصف الله فِي كِتَابه بالشفاء إِلَّا الْقُرْآن وَالْعَسَل فهما الشفاآن هَذَا شِفَاء الْقُلُوب من امراض غيها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها وَهَذَا شِفَاء للأبدان من كثير من اسقامها واخلاطها وآفاتها وَلَقَد اصابني ايام مقَامي بِمَكَّة اسقام مُخْتَلفَة وَلَا طَبِيب هُنَاكَ وَلَا أدوية كَمَا فِي غَيرهَا من المدن فَكنت استشفى بالعسل وَمَاء زَمْزَم ورايت فيهمَا من الشِّفَاء امرا عجيبا وَتَأمل اخباره عَن الْقُرْآن بِأَنَّهُ نَفسه شِفَاء وَقَالَ عَن السعل ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ وَمَا كَانَ نَفسه شِفَاء ابلغ مِمَّا جعل فِيهِ شِفَاء وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع استقصاء فوائدالعسل ومنافعه
стр. 250
فصل ثمَّ تَأمل الْعبْرَة الَّتِي ذكرهَا الله فِي الانعام وَمَا سقانا
من بطونها من اللَّبن الْخَالِص السائغ الهنيء المريء الْخَارِج من بَين الفرث وَالدَّم فَتَأمل كَيفَ ينزل الْغذَاء من أفواهها الى الْمعدة فينقلب بعضه دَمًا باذن الله وَمَا يسرى فِي عروقها واعضائها وشحومها ولحومها فَإِذا ارسلته الْعُرُوق فِي مجاريها الى جملَة الاجزاء قلبه كل عُضْو اَوْ عصب وغضروف وَشعر وظفر وحافر الى طَبِيعَته ثمَّ يبْقى الدَّم فِي تِلْكَ الخزائن الَّتِي لَهُ إِذْ بِهِ قوام الْحَيَوَان ثمَّ ينصب ثقله الى الكرش فَيصير زبلا ثمَّ يَنْقَلِب بَاقِيَة لَبَنًا صافيا ابيض سائغا للشاربين فَيخرج من بَين الفرث وَالدَّم حَتَّى إِذا انهكت الشَّاة اَوْ غَيرهَا حَلبًا خرج الدَّم مشوبا بحمرة فصفى الله سُبْحَانَهُ الالطف من الثفل بالطبخ الاول فانفصل الى الكبد وَصَارَ دَمًا وَكَانَ مخلوطا بالاخلاط الاربعة فَأذْهب الله كل خلط مِنْهَا الى مقره وخزانته المهيأة لَهُ من المرارة وَالطحَال والكلية وَبَاقِي الدَّم الْخَالِص يدْخل فِي اوردة الكبد فينصب من تِلْكَ الْعُرُوق الى الضَّرع فيقلبه الله ﵎ من صُورَة الدَّم وطبعه وطعمه الى صُورَة اللَّبن وطبعه وطعمه فاستخرج من الفرث وَالدَّم فسل الْمُعَطل الجاحد من الَّذِي دبر هَذَا التَّدْبِير وَقدر هَذَا التَّقْدِير واتقن هَذَا الصنع ولطف هَذَا اللطف سوى اللَّطِيف الْخَبِير
فصل ثمَّ تَأمل الْعبْرَة فِي السّمك وَكَيْفِيَّة خلقته وَأَنه خلق غير ذِي قَوَائِم
لانه لَا يحْتَاج الى الْمَشْي إِذْ كَانَ مَسْكَنه المَاء وَلم يخلق لَهُ رئة لَان مَنْفَعَة الرئة التنفس والسمك لم يحْتَج اليه لانه ينغمس فِي المَاء وخلقت لَهُ عوض القوائم اجنحة شدادي يقذف بهَا من جانبيه كَمَا يقذف صَاحب الْمركب بالمقاذيف من جَانِبي السَّفِينَة وكسى لجده قسورا متداخلة كتداخل الجوشن ليقيه من الافات واعين بِقُوَّة الشم لَان بَصَره ضَعِيف وَالْمَاء يَحْجُبهُ فَصَارَ يشم الطَّعَام من بعد فيقصده وَقد ذكر فِي بعض كتب الْحَيَوَان ان من فِيهِ الى صماخه منافذ فَهُوَ يصب المَاء فِيهَا بِفِيهِ ويرسله من صماخيه فيتروح بذلك كَمَا يَأْخُذ الْحَيَوَان النسيم الْبَارِد بِأَنْفِهِ ثمَّ يُرْسِلهُ ليتروح بِهِ فَإِن المَاء للحيوان البحري كالهواء للحيوان الْبري فهما بحران احدهما الطف من الاخر بَحر هَوَاء يسبح فِيهِ حَيَوَان الْبر وبحر مَاء يسبح فِيهِ حَيَوَان الْبَحْر فَلَو فَارق كل من الصِّنْفَيْنِ بحره الى الْبَحْر الاخر مَاتَ فَكَمَا يختنق الْحَيَوَان الْبري فِي المَاء يختق الْحَيَوَان البحري فِي الْهَوَاء فسبحان من لايحصى العادون آيَاته وَلَا يحيطون بتفصيل آيَة مِنْهَا على الِانْفِرَاد بل ان علمُوا فِيهَا وَجها جهلوا مِنْهَا اوجها فَتَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي كَون السّمك اكثر الْحَيَوَان نَسْلًا وَلِهَذَا ترى فِي وف السَّمَكَة الْوَاحِد من الْبيض مَالا يُحْصى كَثْرَة وَحِكْمَة ذَلِك ان يَتَّسِع لما
следующие страницы →