Полный текст (577 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الضَّرْب شَيْء كثير وَهَذَا الضَّرْب من الْفراش وَنَحْوهَا نَاقص الفطنة ضَعِيف الْحِيلَة لَيْسَ فِي الطير اضعف مِنْهُ وَلَا اجهل وَفِيمَا يرى من تهافته فِي النَّار وانت تطرده عَنْهَا حَتَّى يحرق نَفسه دَلِيل على ذَلِك فَجعل معاش هَذِه الطُّيُور الَّتِي تخرج بِاللَّيْلِ من هَذَا الضَّرْب فتقتات مِنْهُ فَإِذا أَتَى النَّهَار انْقَطَعت الى اوكارها فالليل لَهَا بِمَنْزِلَة النَّهَار لغَيْرهَا من الطير ونهارها بِمَنْزِلَة ليل غَيرهَا وَمَعَ ذَلِك فساق لَهَا الَّذِي تكفل بارزاق الْخلق رزقها وخلقه لَهَا فِي الجو وَلم يَدعهَا بِلَا رزق مَعَ ضعفها وعجزها وَهَذِه إِحْدَى الحكم والفوائد فِي خلق هَذِه الْفراش وَالْجَنَادِب والبعوض فكم فِيهَا من رزق لَامة تسبح بِحَمْد رَبهَا وَلَوْلَا ذَلِك لانتشرت وكثرتحتى اضرت بِالنَّاسِ ومنعتهم الْقَرار فَانْظُر الى عَجِيب تَقْدِير الله وتدبيره كَيفَ اضْطر الْعُقُول الى ان شهِدت بربوبيته وَقدرته وَعلمه وحكمته وان ذَلِك الَّذِي تشاهده لَيْسَ بِاتِّفَاق وَلَا بإهمال من سَائِر وُجُوه الادلة الَّتِي لَا تتمكن الْفطر من جَحدهَا اصلا وَإِذ قد جرى الْكَلَام الى الخفاش فَهُوَ من الْحَيَوَانَات العجيبة الْخلقَة بَين خلقَة الطُّيُور وَذَوَات الاربع وَهُوَ الى ذَوَات الاربع اقْربْ فَإِنَّهُ ذُو اذنين ناشزتين واسنان ودبر وَهُوَ يلد ولدا ويرضع وَيَمْشي على ارْبَعْ وكل هَذِه صفة ذَوَات الاربع وَله جَنَاحَانِ يطير بهما مَعَ الطُّيُور وَلما كَانَ بَصَره يضعف عَن نور الشَّمْس كَانَ نَهَاره كليل غَيره فَإِذا غَابَتْ الشَّمْس انْتَشَر وَمن ذَلِك سمى ضَعِيف الْبَصَر اخفش والخفش ضعف الْبَصَر وَلما كَانَ كَذَلِك جعل قوته من هَذِه الطُّيُور الضِّعَاف الَّتِي لَا تطير الا بِاللَّيْلِ وَقد زعم بعض من تكلم فِي الْحَيَوَان انه لَيْسَ يطعم شَيْئا وَإِنَّمَا غذاؤه من النسيم الْبَارِد فَقَط وَهَذَا كذب عَلَيْهِ وعَلى الْخلقَة لانه يَبُول وَقد تكلم الْفُقَهَاء فِي بَوْله هَل هُوَ نجس لانه بَوْل غير مَأْكُول اَوْ نجس مَعْفُو عَن يسيره لمَشَقَّة التَّحَرُّز مِنْهُ على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن احْمَد وَبَعض الْفُقَهَاء لَا ينجس بَوْله بِحَال وَهَذَا اقيس الاقوال إِذْ لَا نَص فِيهِ وَلَا يَصح قِيَاسه على الابوال النَّجِسَة لعدم الْجَامِع الْمُؤثر ووضوح الْفرق وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع اسْتِيفَاء الْحجَج فِي هَذِه المسئلة من الْجَانِبَيْنِ وَالْمَقْصُود انه لَو كَانَ لَا ياكل شَيْئا لم يكن لَهُ اسنان اذ لَا معنى للاسنان فِي حق من لَا ياكل شَيْئا وَلِهَذَا لما عدم الطِّفْل الرَّضِيع الاكل لم يُعْط الاسنان فَلَمَّا كبر وَاحْتَاجَ للغذاء اعين عَلَيْهِ بالاسنان الَّتِي تقطعه والاضراس الَّتِي تطحنه وَلَيْسَ فِي الخليقة شَيْء مهمل وَلَا عَن الْحِكْمَة بمعطل وَلَا شَيْء لَا معنى لَهُ واما الحكم وَالْمَنَافِع فِي خلق الخفاش فقد ذكر مِنْهَا الاطباء فِي كتبهمْ مَا انْتَهَت اليه معرفتهم حَتَّى ان بَوْله يدْخل فِي بعض الاكحال فَإِذا كَانَ بَوْله الَّذِي لَا يخْطر بالبال فِيهِ مَنْفَعَة الْبَتَّةَ فَمَا الظَّن بجملته وَلَقَد اخبر بعض من اشْهَدْ بِصَدقَة انه رأى رخلا وَهُوَ طَائِر مَعْرُوف قد عشش فِي شَجَرَة فَنظر الى حَيَّة عَظِيمَة قد أَقبلت نَحْو عشه
стр. 247
فَاتِحَة فاها لتبتلعه فَبَيْنَمَا هُوَ يضطرب فِي حِيلَة النجَاة مِنْهَا إِذْ وجد حسكة فِي العش فحملها فالقاها فِي فَم الْحَيَّة فَلم تزل تلتوى حَتَّى مَاتَت
فصل ثمَّ تَأمل احوال النَّحْل وَمَا فِيهَا من العبر والايات فَانْظُر اليها
والى اجتهادها فِي صَنْعَة الْعَسَل وبنائها الْبيُوت المسدسة الَّتِي هِيَ من اتم الاشكال واحسنها استدارة واحكمها صنعا فَإِذا انْضَمَّ بَعْضهَا الى بعض لم يكن بَينهَا فُرْجَة وَلَا خلل كل هَذَا بِغَيْر مقياس وَلَا آله وَلَا بيكار وَتلك من اثر صنع الله وإلهامه إِيَّاهَا وايحائه اليها كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا﴾ الى قَوْله ﴿لآيَات لقوم يتفكرون﴾ فَتَأمل كَمَال طاعتها وَحسن ائتمارها لأمر رَبهَا اتَّخذت بيوتها فِي هَذِه الامكنة الثَّلَاثَة فِي الْجبَال الشقفان وَفِي الشّجر وَفِي بيُوت النَّاس حَيْثُ يعرشون أَي بيبنون العروش وَهِي الْبيُوت فَلَا يرى للنحل بَيت غير هَذِه الثَّلَاثَة الْبَتَّةَ وتامل كَيفَ اكثر بيوتها فِي الْجبَال والشقفان وَهُوَ الْبَيْت الْمُقدم فِي الاية ثمَّ فِي الاشجار وَهِي من اكثر بيوتها وَمِمَّا يعرش النَّاس واقل بيوتها بَينهم حَيْثُ يعرشون وَأما فِي الْجبَال وَالشَّجر فبيوت عَظِيمَة يُؤْخَذ مِنْهَا من الْعَسَل الْكثير جدا وتامل كَيفَ اداها حسن الِامْتِثَال الى ان اتَّخذت الْبيُوت اَوْ لَا فَإِذا اسْتَقر لَهَا بَيت خرجت مِنْهُ فرعت وأكلت من الثِّمَار ثمَّ آوت الى بيوتها لَان رَبهَا سُبْحَانَهُ امرها باتخاذ الْبيُوت اولا ثمَّ بالاكل بعد ذَلِك ثمَّ إِذا اكلت سلكت سبل رَبهَا مذللة لَا يستوعز عَلَيْهَا شَيْء ترعى ثمَّ تعود وَمن عَجِيب شَأْنهَا أَن لَهَا اميرا يُسمى اليعسوب لَا يتم لَهَا رواح وَلَا إياب وَلَا عمل وَلَا مرعى إِلَّا بِهِ فَهِيَ مؤتمره لامره سامعة لَهُ مطيعه وَله عَلَيْهَا تَكْلِيف وَأمر وَنهى وَهِي رعية لَهُ منقادة لامره متبعة لرايه يدبرها كَمَا يدبر الْملك امْر رَعيته حَتَّى إِنَّهَا إِذا آوت الا بيوتها وقف على بَاب الْبَيْت فَلَا يدع وَاحِدَة تزاحم الاخرى وَلَا تتقدم عَلَيْهَا فِي العبور بل تعبر بيوتها وَاحِدَة بعد وَاحِدَة بِغَيْر تزاحم وَلَا تصادم وَلَا تراكم كَمَا يفعل الامير إِذا انْتهى بعسكره الى معبر ضيق لَا يجوزه الا وَاحِد وَاحِد وَمن تدبر احوالها وسياساتها وهدايتها واجتماع شملها وانتظام امرها وتدبير ملكهَا وتفويض كل عمل الى وَاحِد مِنْهَا يتعجب مِنْهَا كل الْعجب وَيعلم ان هَذَا لَيْسَ فِي مقدورها وَلَا هُوَ من ذَاتهَا فَإِن هَذِه اعمال محكمَة متقنة فِي غَايَة الاحكام والاتقان فَإِذا نظرت الى الْعَامِل رَأَيْته من أَضْعَف خلق الله أجهله بِنَفسِهِ وبحاله وأعجزه عَن الْقيام بمصلحته فضلا عَمَّا يصدر عَنهُ من الامور العجيبة وَمن عَجِيب امرها ان فِيهَا أميرين لَا يَجْتَمِعَانِ فِي بَيت وَاحِد وَلَا يتأمران على جمع وَاحِد بل إِذا اجْتمع مِنْهَا جندان وأميران قتلوا اُحْدُ الاميرين وقطعوه وَاتَّفَقُوا على الامير الْوَاحِد
стр. 248
من غير معاداة بَينهم وَلَا أَذَى من بَعضهم لبَعض بل يصيرون يدا وَاحِدَة وجندا وَاحِدًا
فصل وَمن اعْجَبْ امرها مَالا يَهْتَدِي لَهُ اكثر النَّاس ولايعرفونه وَهُوَ
النِّتَاج الَّذِي يكون لَهَا هَل هُوَ على وَجه الْولادَة والتوالد اَوْ الاستحالة فَقل من يعرف ذَلِك اَوْ يفْطن لَهُ وَلَيْسَ نتاجها على وَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَإِنَّمَا نتاجها بِأَمْر من اعْجَبْ العجيب فَإِنَّهَا إِذا ذهبت الى المرعي أخذت تِلْكَ الاجزاء الصافية الَّتِي على الْوَرق من الْورْد والزهر والحشيش وَغَيره وَهِي الطل فتمصها وَذَلِكَ مَادَّة الْعَسَل ثمَّ انها تكبس الاجزاء المنعقدة على وَجه الورقة وتعقدها على رجلهَا كالعدسة فتملأ بهَا المسدسات الفارغة من الْعَسَل ثمَّ يقوم يعسوبها على بَيته مبتدئا مِنْهُ فينفخ فِيهِ ثمَّ يطوف على تِلْكَ الْبيُوت بَيْتا بَيْتا وينفخ فِيهَا كلهَا فتدب فِيهَا الْحَيَاة بِإِذن الله فتتحرك وَتخرج طيورا بِإِذن الله وَتلك احدى الايات والعجائب الَّتِي قل من يتفطن لَهَا وَهَذَا كُله من ثَمَرَة ذَلِك الْوَحْي الالهي افادها واكسبها هَذَا التَّدْبِير وَالسّفر والمعاش وَالْبناء والنتاج فسل الْمُعَطل من الَّذِي اوحى اليها امرها وَجعل مَا جعل فِي طباعها وَمن الَّذِي سهل لَهَا سبله ذللا منقادة لَا تستعصي عَلَيْهَا وَلَا تستوعرها وَلَا تضل عَنْهَا على بعْدهَا وَمن الَّذِي هداها لشأنها وَمن الَّذِي أنزل لَهَا من الطل مَا إِذا جنته ردته عسلا صافيا مُخْتَلفا الوانه فِي غَايَة الْحَلَاوَة واللذاذة وَالْمَنْفَعَة من بَين ابيض يرى فِيهِ الْوَجْه اعظم من رُؤْيَته فِي الْمرْآة وسمه لي من جَاءَ بِهِ وَقَالَ هَذَا افخر مَا يعرف النَّاس من الْعَسَل وأصفاه وأطيبه فَإِذا طعمه الذ شَيْء يكون من الْحَلْوَى وَمن بَين احمر واخضر ومورد واسود وأشقر وَغير ذَلِك من الالوان والطعوم الْمُخْتَلفَة فِيهِ بِحَسب مراعيه ومادتها وَإِذا تَأَمَّلت مَا فِيهِ من الْمَنَافِع والشفاء ودخوله فِي غَالب الادوية حَتَّى كَانَ المتقدمون لَا يعْرفُونَ السكر وَلَا هُوَ مَذْكُور فِي كتبهمْ اصلا وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي يستعملونه فِي الادوية هُوَ الْعَسَل وَهُوَ الْمَذْكُور فِي كتب الْقَوْم ولعمر الله أَنه لانفع من السكر وأجدى واجلى للاخلاط وأقمع لَهَا واذهب لضررها واقوى للمعدة واشد تفريحا للنَّفس وتقوية للأرواح وتنفيذا للدواء وإعانة لَهُ على اسْتِخْرَاج الدَّاء من اعماق الْبدن وَلِهَذَا لم يَجِيء فِي شَيْء من الحَدِيث قطّ ذكر السكر وَلَا كَانُوا يعرفونه اصلا وَلَو عدم من الْعَالم لما احْتَاجَ اليه وَلَو عدم الْعَسَل لاشتدت الْحَاجة اليه وَإِنَّمَا غلب على بعض المدن اسْتِعْمَال السكر حَتَّى هجروا الْعَسَل واستطابوه عَلَيْهِ ورأوه اقل حِدة وحرارة مِنْهُ وَلم يعلمُوا ان من مَنَافِع الْعَسَل مَا فِيهِ من الحدة والحرارة فَإِذا لم يُوَافق من يَسْتَعْمِلهُ كسرهَا بمقابلها فَيصير انفع لَهُ من السكر وسنفرد إِن شَاءَ الله مقَالَة نبين فِيهَا فضل الْعَسَل على
стр. 249
السكر ٤ من طرق عديدة لَا تمنع وبراهين كَثِيرَة لاتدفع وَمَتى رايت السكر يجلو بلغما ويذيب خلطا اَوْ يشفى من دَاء وَإِنَّمَا غَايَته بعض التَّنْفِيذ للدواء الى الْعُرُوق للطافته وحلاوته وَأما الشِّفَاء الْحَاصِل من الْعَسَل فقد حرمه الله كثيرا من النَّاس حَتَّى صَارُوا يذمونه ويخشون غائلته من حرارته وحدته وَلَا ريب ان كَونه شِفَاء وَكَون الْقُرْآن شِفَاء وَالصَّلَاة شِفَاء وَذكر الله والاقبال عَلَيْهِ شِفَاء امْر لَا يعم الطبائع والانفس فَهَذَا كتاب الله هُوَ الشِّفَاء النافع وَهُوَ اعظم الشِّفَاء وَمَا اقل المستشفين بِهِ بل لَا يزِيد الطبائع الرَّديئَة رداءة وَلَا يزِيد الظَّالِمين الا خسارا وَكَذَلِكَ ذكر الله والاقبال عَلَيْهِ والانابة اليه والفزع الى الصَّلَاة كم قد شفي بِهِ من عليل وَكم قد عوفي بِهِ من مَرِيض وَكم قَامَ مقَام كثير من الادوية الَّتِي لَا تبلغ قَرِيبا من مبلغه فِي الشِّفَاء وَأَنت ترى كثيرا من النَّاس بل اكثرهم لَا نصيب لَهُم من الشِّفَاء بذلك اصلا وَلَقَد رايت فِي بعض كتب الاطباء الْمُسلمين فِي ذكر الادوية المفردة ذكر الصَّلَاة ذكرهَا فِي بَاب الصَّاد وَذكر من مَنَافِعهَا فِي الْبدن الَّتِي توجب الشِّفَاء وُجُوهًا عديدة وَمن مَنَافِعهَا فِي الرّوح وَالْقلب وَسمعت شَيخنَا ابا الْعَبَّاس بن تَيْمِية ﵀ يَقُول وَقد عرض لَهُ بعض الالم فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب اضر مَا عَلَيْك الْكَلَام فِي الْعلم والفكر فِيهِ والتوجه وَالذكر فَقَالَ الستم تَزْعُمُونَ ان النَّفس إِذا قويت وفرحت اوجب فرحها لَهَا قُوَّة تعين بهَا الطبيعة على دفع الْعَارِض فَإِنَّهُ عدوها فَإِذا قويت عَلَيْهِ قهرته فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب بلَى فَقَالَ إِذا اشتغلت نَفسِي بالتوجه وَالذكر وَالْكَلَام فِي الْعلم وظفرت بِمَا يشكل عَلَيْهَا مِنْهُ فرحت بِهِ وقويت فَأوجب ذَلِك دفع الْعَارِض هَذَا اَوْ نَحوه من الْكَلَام وَالْمَقْصُود ان ترك كثير من النَّاس الِاسْتِشْفَاء بالعسل لَا يُخرجهُ عَن كَونه شِفَاء كَمَا ان ترك اكثرهم الِاسْتِشْفَاء بِالْقُرْآنِ من امراض الْقُلُوب لَا يُخرجهُ عَن كَونه شِفَاء لَهَا وَهُوَ شِفَاء لما فِي الصُّدُور وَإِن لم يسْتَشف بِهِ اكثر المرضى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ فَعم بِالْمَوْعِظَةِ والشفاء وَخص بِالْهدى والمعرفة فَهُوَ نَفسه شِفَاء استشفى بِهِ اَوْ لم يسْتَشف بِهِ وَلم يصف الله فِي كِتَابه بالشفاء إِلَّا الْقُرْآن وَالْعَسَل فهما الشفاآن هَذَا شِفَاء الْقُلُوب من امراض غيها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها وَهَذَا شِفَاء للأبدان من كثير من اسقامها واخلاطها وآفاتها وَلَقَد اصابني ايام مقَامي بِمَكَّة اسقام مُخْتَلفَة وَلَا طَبِيب هُنَاكَ وَلَا أدوية كَمَا فِي غَيرهَا من المدن فَكنت استشفى بالعسل وَمَاء زَمْزَم ورايت فيهمَا من الشِّفَاء امرا عجيبا وَتَأمل اخباره عَن الْقُرْآن بِأَنَّهُ نَفسه شِفَاء وَقَالَ عَن السعل ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ وَمَا كَانَ نَفسه شِفَاء ابلغ مِمَّا جعل فِيهِ شِفَاء وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع استقصاء فوائدالعسل ومنافعه
стр. 250
فصل ثمَّ تَأمل الْعبْرَة الَّتِي ذكرهَا الله فِي الانعام وَمَا سقانا
من بطونها من اللَّبن الْخَالِص السائغ الهنيء المريء الْخَارِج من بَين الفرث وَالدَّم فَتَأمل كَيفَ ينزل الْغذَاء من أفواهها الى الْمعدة فينقلب بعضه دَمًا باذن الله وَمَا يسرى فِي عروقها واعضائها وشحومها ولحومها فَإِذا ارسلته الْعُرُوق فِي مجاريها الى جملَة الاجزاء قلبه كل عُضْو اَوْ عصب وغضروف وَشعر وظفر وحافر الى طَبِيعَته ثمَّ يبْقى الدَّم فِي تِلْكَ الخزائن الَّتِي لَهُ إِذْ بِهِ قوام الْحَيَوَان ثمَّ ينصب ثقله الى الكرش فَيصير زبلا ثمَّ يَنْقَلِب بَاقِيَة لَبَنًا صافيا ابيض سائغا للشاربين فَيخرج من بَين الفرث وَالدَّم حَتَّى إِذا انهكت الشَّاة اَوْ غَيرهَا حَلبًا خرج الدَّم مشوبا بحمرة فصفى الله سُبْحَانَهُ الالطف من الثفل بالطبخ الاول فانفصل الى الكبد وَصَارَ دَمًا وَكَانَ مخلوطا بالاخلاط الاربعة فَأذْهب الله كل خلط مِنْهَا الى مقره وخزانته المهيأة لَهُ من المرارة وَالطحَال والكلية وَبَاقِي الدَّم الْخَالِص يدْخل فِي اوردة الكبد فينصب من تِلْكَ الْعُرُوق الى الضَّرع فيقلبه الله ﵎ من صُورَة الدَّم وطبعه وطعمه الى صُورَة اللَّبن وطبعه وطعمه فاستخرج من الفرث وَالدَّم فسل الْمُعَطل الجاحد من الَّذِي دبر هَذَا التَّدْبِير وَقدر هَذَا التَّقْدِير واتقن هَذَا الصنع ولطف هَذَا اللطف سوى اللَّطِيف الْخَبِير
فصل ثمَّ تَأمل الْعبْرَة فِي السّمك وَكَيْفِيَّة خلقته وَأَنه خلق غير ذِي قَوَائِم
لانه لَا يحْتَاج الى الْمَشْي إِذْ كَانَ مَسْكَنه المَاء وَلم يخلق لَهُ رئة لَان مَنْفَعَة الرئة التنفس والسمك لم يحْتَج اليه لانه ينغمس فِي المَاء وخلقت لَهُ عوض القوائم اجنحة شدادي يقذف بهَا من جانبيه كَمَا يقذف صَاحب الْمركب بالمقاذيف من جَانِبي السَّفِينَة وكسى لجده قسورا متداخلة كتداخل الجوشن ليقيه من الافات واعين بِقُوَّة الشم لَان بَصَره ضَعِيف وَالْمَاء يَحْجُبهُ فَصَارَ يشم الطَّعَام من بعد فيقصده وَقد ذكر فِي بعض كتب الْحَيَوَان ان من فِيهِ الى صماخه منافذ فَهُوَ يصب المَاء فِيهَا بِفِيهِ ويرسله من صماخيه فيتروح بذلك كَمَا يَأْخُذ الْحَيَوَان النسيم الْبَارِد بِأَنْفِهِ ثمَّ يُرْسِلهُ ليتروح بِهِ فَإِن المَاء للحيوان البحري كالهواء للحيوان الْبري فهما بحران احدهما الطف من الاخر بَحر هَوَاء يسبح فِيهِ حَيَوَان الْبر وبحر مَاء يسبح فِيهِ حَيَوَان الْبَحْر فَلَو فَارق كل من الصِّنْفَيْنِ بحره الى الْبَحْر الاخر مَاتَ فَكَمَا يختنق الْحَيَوَان الْبري فِي المَاء يختق الْحَيَوَان البحري فِي الْهَوَاء فسبحان من لايحصى العادون آيَاته وَلَا يحيطون بتفصيل آيَة مِنْهَا على الِانْفِرَاد بل ان علمُوا فِيهَا وَجها جهلوا مِنْهَا اوجها فَتَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي كَون السّمك اكثر الْحَيَوَان نَسْلًا وَلِهَذَا ترى فِي وف السَّمَكَة الْوَاحِد من الْبيض مَالا يُحْصى كَثْرَة وَحِكْمَة ذَلِك ان يَتَّسِع لما
стр. 251
يغتذى بِهِ من اصناف الْحَيَوَان فَإِن اكثرها يَأْكُل السّمك حَتَّى السباغ لانها فِي حافات الاجام جاثمة تعكف على المَاء الصافي فَإِذا تعذر عَلَيْهَا صيدالبر رصدت السّمك فاختطفته فَلَمَّا كَانَت السبَاع تَأْكُل السّمك وَالطير تَأْكُله وَالنَّاس تَأْكُله والسماك الْكِبَار تَأْكُله ودواب الْبر تَأْكُله وَقد جعله الله سُبْحَانَهُ غذَاء لهَذِهِ الاصناف اقْتَضَت حكمته ان يكون بِهَذِهِ الْكَثْرَة وَلَو رأى العَبْد مَا فِي الْبَحْر من ضروب الْحَيَوَانَات والجواهر والاصناف الَّتِي لَا يحصيها الا الله وَلَا يعرف النَّاس مِنْهَا إِلَّا الشَّيْء الْقَلِيل الَّذِي لانسبة لَهُ اصلا الى مَا غَابَ عَنْهُم لرأي الْعجب ولعلم سَعَة ملك الله وَكَثْرَة جُنُوده الَّتِي لايعلمها إِلَّا هُوَ وَهَذَا الْجَرَاد نثرة حوت من حيتان الْبَحْر يَنْثُرهُ من مَنْخرَيْهِ وَهُوَ جند من جنود الله ضَعِيف الْخلقَة عَجِيب التَّرْكِيب فِيهِ خلق سبع حيوانات فَإِذا رايت عساكره قد اقبلت ابصرت جندا لَا مرد لَهُ وَلَا يُحْصى مِنْهُ عدد وَلَا عدَّة فَلَو جمع الْملك خيله وَرجله ودوابه وسلاحه ليصده عَن بِلَاده لما أمكنه ذَلِك فَانْظُر كَيفَ ينساب على الارض كالسيل فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حَتَّى يستر نور الشَّمْس بكثرته ويسد وَجه السَّمَاء بأجنحته ويبلغ من الجو الى حَيْثُ لَا يبلغ طَائِر اكبر جناحين مِنْهُ فسل الْمُعَطل من الَّذِي بعث هَذَا الْجند الضَّعِيف الَّذِي لَا يَسْتَطِيع ان يرد عَن نَفسه حَيَوَانا رام اخذه بلية على الْعَسْكَر اهل الْقُوَّة وَالْكَثْرَة وَالْعدَد وَالْحِيلَة فَلَا يقدرُونَ بأجمعهم على دَفعه بل ينظرُونَ اليه يستبد بأقواتهم دونهم ويمزقها كل ممزق ويذر الارض قفرا مِنْهَا وهم لَا يَسْتَطِيعُونَ ان يردوه وَلَا يحولوا بَينه وَبَينهَا وَهَذَا من حكمته سُبْحَانَهُ ان يُسَلط الضَّعِيف من خلقه الَّذِي لَا مُؤنَة لَهُ على القوى فينتقم بِهِ مِنْهُ وَينزل بِهِ مَا كَانَ يحذرهُ مِنْهُ حَتَّى لايستطيع لذَلِك ردا ولاصرفا قَالَ الله تَعَالَى ونزيد ان نمن على الَّذين استضعفوا فِي الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الْوَارِثين ونمكن لَهُم فِي الارض ونرى فِرْعَوْن وهامان وجنودهما مِنْهُم مَا كَانُوا يحذرون فواحسرتاه على استقامه مَعَ الله وايثار لمرضاته فِي كل حَال يُمكن بِهِ الضَّعِيف المستضعف حَتَّى يرى من اسْتَضْعَفَهُ انه اولى بِاللَّه وَرَسُوله مِنْهُ وَلَكِن اقْتَضَت حِكْمَة الله الْعَزِيز الْحَكِيم ان يَأْكُل الظَّالِم الْبَاغِي ويتمتع فِي خفارة ذنُوب الْمَظْلُوم المبغي عَلَيْهِ فذنوبه من اعظم اسباب الرَّحْمَة فِي حق ظالمة كَمَا ان المسؤل إِذا رد السَّائِل فَهُوَ فِي خفارة كذبه وَلَو صدق السَّائِل لما أفلحمن رده وَكَذَلِكَ السَّارِق وقاطع الطَّرِيق فِي خفارة منع اصحاب الاموال حُقُوق الله فِيهَا وَلَو ادوا مَا لله عَلَيْهِم فِيهَا لحفظها الله عَلَيْهِم وَهَذَا ايضا بَاب عَظِيم من حِكْمَة الله يطلع النَّاظر فِيهِ على أسرار من أسرار التَّقْدِير وتسليط الْعَالم بَعضهم على بعض وتمكين الجناة والبغاة فسبحان من لَهُ فِي كل شَيْء حِكْمَة
стр. 252
بَالِغَة وَآيَة باهرة حَتَّى ان الْحَيَوَانَات العادية على النَّاس فِي اموالهم وارزاقهم وابدانهم تعيش فِي خفارة مَا كسبت ايديهم وَلَوْلَا ذَلِك لم يُسَلط عَلَيْهِم مِنْهَا شَيْء وَلَعَلَّ هَذَا الْفَصْل الاستطرادي انفع لمتأمله من كثير من الْفُصُول الْمُتَقَدّمَة فَإِنَّهُ إِذا اعطاه حَقه من النّظر والفكر عظم انتفاعه بِهِ جدا وَالله الْمُوفق ويحكى ان بعض اصحاب الْمَاشِيَة كَانَ يشوب اللَّبن ويبيعه على انه خَالص فارسل الله عَلَيْهِ سيلا فَذهب بالغنم فَجعل يعجب فاتى فِي مَنَامه فَقيل لَهُ اتعجب من اخذ السَّيْل غنمك انه تِلْكَ القطرات الَّتِي شبت بهَا البن اجْتمعت وَصَارَت سيلا فقس على هَذِه الْحِكَايَة مَا ترَاهُ فِي نَفسك وَفِي غَيْرك تعلم حِينَئِذٍ ان الله قَائِم بِالْقِسْطِ وانه قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت وانه لَا يظلم مِثْقَال ذرة والاثر الاسرائيلي مَعْرُوف ان رجلا كَانَ يشوب الْخمر ويبيعه على انه خَالص فَجمع من ذَلِك كيس ذهب وسافر بِهِ فَركب الْبَحْر وَمَعَهُ قرد لَهُ فَلَمَّا نَام اخذ القرد الْكيس وَصعد بِهِ الى اعلى الْمركب ثمَّ فَتحه فَجعل يلقيه دِينَارا فِي المَاء ودينارا فِي الْمركب كَأَنَّهُ يَقُول لَهُ بِلِسَان الْحَال ثمن المَاء صَار الى المَاء وَلم يظلمك وَتَأمل حِكْمَة الله فِي حبس الْغَيْث عَن عباده وابتلائهم بِالْقَحْطِ إِذا منعو الزَّكَاة وحرموا الْمَسَاكِين كَيفَ جوزوا على منع مَا للْمَسَاكِين قبلهم من الْقُوت بِمَنْع الله مَادَّة الْقُوت والرزق وحبسها عَنْهُم فَقَالَ لَهُم بِلِسَان الْحَال منعتم الْحق فمنعتم الْغَيْث فَهَلا استنزلتموه ببذل مَا لله قبلكُمْ وَتَأمل حِكْمَة الله تَعَالَى فِي صرفه الْهدى والايمان عَن قُلُوب الَّذين يصرفون النَّاس عَنهُ فصدهم عَنهُ كَمَا صدوا عباده صدا بصد ومنعا بِمَنْع وَتَأمل حكمته تَعَالَى فِي محق اموال المرابين وتسليط الْمُتْلفَات عَلَيْهَا كَمَا فعلوا باموال النَّاس ومحقوها عَلَيْهِم واتلفوها بالربا جوزوا اتلافا باتلاف فَقل ان ترى مرابيا إِلَّا وآخرته الى محق وَقلة وحاجة وَتَأمل حكمته تَعَالَى فِي تسليط الْعَدو على الْعباد إِذا جَار قويهم على ضعيفهم وَلم يُؤْخَذ للمظلوم حَقه من ظالمه كَيفَ يُسَلط عَلَيْهِم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سَوَاء وَهَذِه سنة الله تَعَالَى مُنْذُ قَامَت الدُّنْيَا الى ان تطوى الارض وَيُعِيدهَا كَمَا بدأها وَتَأمل حكمته تَعَالَى فِي ان جعل مُلُوك الْعباد وأمراءهم وولاتهم من جنس اعمالهم بل كَأَن أَعْمَالهم ظَهرت فِي صور ولاتهم وملوكهم فَإِن ساتقاموا استقامت مُلُوكهمْ وَإِن عدلوا عدلت عَلَيْهِم وَإِن جاروا جارت مُلُوكهمْ وولاتهم وَإِن ظهر فيهم الْمَكْر والخديعة فولاتهم كَذَلِك وَإِن منعُوا حُقُوق الله لديهم وبخلوا بهَا منعت مُلُوكهمْ وولاتهم مَا لَهُم عِنْدهم من الْحق ونحلوا بهَا عَلَيْهِم وَإِن اخذوا مِمَّن يستضعفونه مَالا يستحقونه فِي معاملتهم اخذت مِنْهُم الْمُلُوك مَالا يستحقونه وَضربت عَلَيْهِم المكوس والوظائف وَكلما يستخرجونه من الضَّعِيف يَسْتَخْرِجهُ الْمُلُوك مِنْهُم بِالْقُوَّةِ فعمالهم ظَهرت فِي صور اعمالهم وَلَيْسَ فِي الْحِكْمَة الالهية ان يُولى على الاشرار الْفجار الا من يكون من جنسهم وَلما كَانَ الصَّدْر الاول خِيَار
стр. 253
الْقُرُون وابرها كَانَت ولاتهم كَذَلِك فَلَمَّا شابوا شابت لَهُم الْوُلَاة فَحكمه الله تأبى ان يولي علينا فِي مثل هَذِه الازمان مثل مُعَاوِيَة وَعمر بن عبد العزيز فضلا عَن مثل ابي بكر وَعمر بل ولاتنا على قَدرنَا وولاة من قبلنَا على قدرهم وكل من الامرين مُوجب الْحِكْمَة ومقتضاها وَمن لَهُ فطنه إِذا سَافر بفكره فِي هَذَا الْبَاب رأى الْحِكْمَة الالهية سائرة فِي الْقَضَاء وَالْقدر ظَاهِرَة وباطنة فِيهِ كَمَا فِي الْخلق والامر سَوَاء فإياك ان تظن بظنك الفاسدان شَيْئا من اقضيته واقداره عَار عَن الْحِكْمَة الْبَالِغَة بل جَمِيع اقضيته تَعَالَى وأقداره وَاقعَة على اتم وُجُوه الْحِكْمَة وَالصَّوَاب وَلَكِن الْعُقُول الضعيفة محجوبة بضعفها عَن إِدْرَاكهَا كَمَا ان الابصار الخفاشية محجوبة بضعفها عَن ضوء الشَّمْس وَهَذِه الْعُقُول الضِّعَاف إِذا صادفها الْبَاطِل جالت فِيهِ وصالت ونطقت وَقَالَت كَمَا ان الخفاش إِذا صادفه ظلام اللَّيْل طَار وَسَار
خفافيش اعشاها النَّهَار بضوئه ... ولازمها قطع من اللَّيْل مظلم وَتَأمل حكمته ﵎ فِي عقوبات الامم الخالية وتنويعها عَلَيْهِم بِحَسب تنوع جرائمهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وعادا وَثَمُود وَقد تبين لكم من مساكنهم﴾ إِلَى قَوْله ﴿يظْلمُونَ﴾ وَتَأمل حكمته تَعَالَى فِي مسخ من مسخ من الامم فِي صور مُخْتَلفَة مُنَاسبَة لتِلْك الجرائم فَإِنَّهَا لما مسخت قُلُوبهم وَصَارَت على قُلُوب تِلْكَ الْحَيَوَانَات وطباعها اقْتَضَت الْحِكْمَة الْبَالِغَة ان جعلت صورهم على صورها لتتم الْمُنَاسبَة ويكمل الشّبَه وَهَذَا غَايَة الْحِكْمَة وَاعْتبر هَذَا بِمن مسخوا قردة وَخَنَازِير كَيفَ غلبت عَلَيْهِم صِفَات هَذِه الحيواات واخلاقها وأعمالها ثمَّ إِن كنت من المتوسمين فاقرأ هَذِه النُّسْخَة من وُجُوه اشباههم ونظرائهم كَيفَ ترَاهَا بادية عَلَيْهَا وَإِن كَانَت مستورة بِصُورَة الانسانية فاقرا نُسْخَة القردة من صرو اهل الْمَكْر والخديعة وَالْفِسْق الَّذين لَا عقول لَهُم بل هم اخف النَّاس عقولا واعظمهم مكرا وخداعا وفسقا فَإِن لم تقرا نُسْخَة القردة من وجوهم فلست من المتوسمين واقرا نُسْخَة الْخَنَازِير من صور اشبهاهم وَلَا سِيمَا اعداء خِيَار خلق الله بعدالرسل وهم اصحاب رَسُول الله فَإِن هَذِه النُّسْخَة ظَاهِرَة على وُجُوه الرافضة يَقْرَأها كل مُؤمن كَاتب وَغير كَاتب وَهِي تظهر وتخفى بِحَسب خنزيرية الْقلب وخبثه فَإِن الْخِنْزِير اخبث الْحَيَوَانَات واردؤها طباعا وَمن خاصيته انه يدع الطَّيِّبَات فَلَا يأكلها وَيقوم الانسان عَن رجيعة فيبادر اليه فَتَأمل مُطَابقَة هَذَا الْوَصْف لاعداء الصَّحَابَة كَيفَ تَجدهُ منطبقا عَلَيْهِم فَإِنَّهُم عَمدُوا الى اطيب خلق الله واطهرهم فعادوهم وتبرؤوا مِنْهُم ثمَّ والواكل عَدو لَهُم من النَّصَارَى وَالْيَهُود وَالْمُشْرِكين فاستعانوا فِي كل زمَان على حَرْب الْمُؤمنِينَ الموالين لاصحاب رَسُول الله بالمشركين وَالْكفَّار وصرحوا بِأَنَّهُم خير مِنْهُم فاي شبه ومناسبة اولى بِهَذَا الضَّرْب من الْخَنَازِير فَإِن لم تقْرَأ هَذِه
стр. 254
النُّسْخَة من وُجُوههم فلست من المتوسمين واما الاخبار الَّتِي تكَاد تبلغ حد التَّوَاتُر بمسخ من مسخ مِنْهُم عِنْد الْمَوْت خنزيرا فَأكْثر من ان تذكر هَا هُنَا وَقد أفرد لَهَا الْحَافِظ بن عبد الواحد الْمَقْدِسِي كتابا وَتَأمل حكمته تعال فِي عَذَاب الامم السالفة بِعَذَاب الاستئصال لما كَانُوا اطول اعمارا واعظم قوى واعتى على الله وعَلى رَسُوله فَلَمَّا تقاصرت الاعمار وضعفت القوى رفع عَذَاب الاستئصال وَجعل عَذَابهمْ بأيدي الْمُؤمنِينَ فَكَانَت الْحِكْمَة فِي كل وَاحِد من الامرين مَا اقتضته فِي وقته وَتَأمل حكمته ﵎ فِي إرْسَال الرُّسُل فِي الامم وَاحِدًا بعد وَاحِد كلما مَاتَ وَاحِد خَلفه آخر لحاجتها الى تتَابع الرُّسُل والانبياء لضعف عقولها وَعدم اكتفائها بآثار شَرِيعَة الرَّسُول السَّابِق فَلَمَّا انْتَهَت النُّبُوَّة الى مُحَمَّد بن عبد الله رَسُول الله وَنبيه ارسله الى اكمل الامم عقولا ومعارف واصحها اذهانا واغزرها علوما وَبَعثه باكمل شَرِيعَة ظَهرت فِي الارض مُنْذُ قَامَت الدُّنْيَا الى حِين مبعثه فأغنى الله لَامة بِكَمَال رسولها وَكَمَال شَرِيعَته وَكَمَال عقولها وَصِحَّة اذهانها عَن رَسُول يَأْتِي بعده اقام لَهُ من امته وَرَثَة يحفظون شَرِيعَته ووكلهم بهَا حَتَّى يؤدوها إِلَى نظرائهم ويزرعوها فِي قُلُوب أشباههم فَلم يحتاجوا مَعَه الى سَوَّلَ آخر وَلَا نَبِي وَلَا مُحدث وَلِهَذَا قَالَ انه قد كَانَ قبلكُمْ فِي الامم محدثون فَإِن يكن فِي امتي اُحْدُ فعمر فَجزم بِوُجُود الْمُحدثين فِي الامم وعلق وجوده فِي امته بِحرف الشَّرْط وَلَيْسَ هَذَا بِنُقْصَان فِي الامة على من قبلهم بل هَذَا من كَمَال امته على من قبله فَإِنَّهَا لكمالها وَكَمَال نبيها وَكَمَال شَرِيعَته لَا تحْتَاج الى مُحدث بل إِن وجد فَهُوَ صَالح للمتابعة والاستشهاد لَا انه عُمْدَة لانها فِي غنية بِمَا بعث الله بِهِ نبيها عَن كل مَنَام اَوْ مكاشفة اَوْ الْهَام اَوْ تحديث واما من قبلهَا فللحاجة الى ذَلِك جعل فيهم المحدثون وَلَا تظن ان تَخْصِيص عمر رضى الله عَنهُ بِهَذَا تَفْضِيل لَهُ عَليّ ابي بكر الصّديق بل هَذَا من اقوى مَنَاقِب الصّديق فَإِنَّهُ لكَمَال مشربه من حَوْض النُّبُوَّة وَتَمام رضاعه من ثدي الرسَالَة اسْتغنى بذلك عَمَّا تَلقاهُ من تحديث اوغيره فَالَّذِي يتلقاه من مشاكة النُّبُوَّة اتم من الَّذِي يتلقاه عمر من التحديث فَتَأمل هَذَا الْموضع واعطه حَقه من الْمعرفَة وتامل مَا فِيهِ من الْحِكْمَة الْبَالِغَة الشاهدة لله بانه الْحَكِيم الْخَبِير وان رَسُول الله اكمل خلقه واكملهم شَرِيعَة وان امته اكمل الامم وَهَذَا فصل معترض وَهُوَ انفع فُصُول الْكتاب وَلَوْلَا الاطالة لوسعنا فِيهِ الْمقَال واكثرنا فِيهِ من الشواهد والامثال وَلَقَد فتح الله الْكَرِيم فِيهِ الْبَاب وارشد فِيهِ الى الصَّوَاب وَهُوَ المرجو لتَمام نعْمَته وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
فصل فاعد الان النّظر فِيك وَفِي نَفسك مرّة ثَانِيَة من الَّذِي دبرك بالطف
стр. 255
التَّدْبِير وانت جَنِين فِي بطن امك فِي مَوضِع لَا يَد تنالك وَلَا بصر يدركك وَلَا حِيلَة لَك فِي التمَاس الْغذَاء وَلَا فِي دفع الضَّرَر فَمن الَّذِي اجرى اليك من دم الام مَا يغذوك كَمَا يغذو المَاء النَّبَات وقلب ذَلِك الدَّم لَبَنًا وَلم يزل يغذيك بِهِ فِي اضيق الْمَوَاضِع وابعدها من حِيلَة التكسب والطلب حَتَّى إِذا كمل خلقك واستحكم وقوى اديمك على مُبَاشرَة الْهَوَاء وبصرك على ملاقاة الضياء وصلبت عظامك على مُبَاشرَة الايدي والتقلب على الغبراء هاج الطلق بأمك فازعجك الى الْخُرُوج إيما ازعاج الى عَالم الِابْتِلَاء فركضك الرَّحِم ركضة من مَكَانك كَأَنَّهُ لم يضمك قطّ وَلم يشْتَمل عَلَيْك فِيمَا بعد مَا بَين ذَلِك الْقبُول والاشتمال حِين وضعت نُطْفَة وَبَين هَذَا الدّفع والطرد والاخراج وَكَانَ مبتهجا بحملك فَصَارَ يستغيث ويعج الى رَبك من ثقلك فَمن الَّذِي فتح لَك بَابه حَتَّى ولجت ثمَّ ضمه عَلَيْك حَتَّى حفظت وكملت ثمَّ فتح لَك ذَلِك الْبَاب ووسعه حَتَّى خرجت مِنْهُ كلمح الْبَصَر لم يخنقك ضيقه وَلم تحبسك صعوبة طريقك فِيهِ فَلَو تَأَمَّلت حالك فِي دخولك من ذَلِك الْبَاب وخروجك مِنْهُ لذهب بك الْعجب كل مَذْهَب فَمن الَّذِي اوحى اليه ان يتضايق عَلَيْك وانت نُطْفَة حَتَّى لاتفسد هُنَاكَ واوحى اليه ان يَتَّسِع لَك وينفسح حَتَّى تخرج مِنْهُ سليما الى ان خرجت فريدا وحيدا ضَعِيفا لَا قشرة وَلَا لِبَاس وَلَا مَتَاع وَلَا مَال احوج خلق الله واضعفهم وافقرهم فصرف ذَلِك اللَّبن الَّذِي كنت تتغذى بِهِ فِي بطن امك الى خزانتين معلقتين على صدرها تحمل غذاءك على صدرها كَمَا حَملتك فِي بَطنهَا ثمَّ سَاقه الى تينك الخزانتين الطف سوق على مجار وطرق قد تهيأت لَهُ فَلَا يزَال وَاقِفًا فِي طرقه ومجاريه حَتَّى تستوفي مَا فِي الخزانة فيجرى وينساق اليك فَهُوَ بِئْر لاتنقطع مادتها وَلَا تنسد طرقها يَسُوقهَا اليك فِي طرق لَا يَهْتَدِي اليها الطّواف وَلَا يسلكها الرِّجَال فَمن رققه لَك وصفاه واطاب طعمه وَحسن لَونه واحكم طبخه اعْدِلْ احكام لَا بالحار المؤذي وَلَا بالبارد الردي وَلَا المر وَلَا المالح وَلَا الكريه الرَّائِحَة بل قلبه الى ضرب آخر من التغذية وَالْمَنْفَعَة خلاف مَا كَانَ فِي الْبَطن فوافاك فِي أَشد اوقات الْحَاجة اليه على حِين ظمأ شَدِيد وجوع مفرط جمع لَك فِيهِ بَين الشَّرَاب والغذاء فحين تولد قد تلمظت وحركت شفتيك للرضاع فتجد الثدي الْمُعَلق كالاداوة قدتدلى اليك وَأَقْبل بدره عَلَيْك ثمَّ جعل فِي راسه تِلْكَ الحلمة الَّتِي هِيَ بِمِقْدَار صغر فمك فَلَا يضيق عَنْهَا وَلَا تتعب بالتقامها ثمَّ نقب لَك فِي راسها نقبا لطيفا بِحَسب احتمالك وَلم يوسعه فتختنق بِاللَّبنِ وَلم يضيقه فتمصه بكلفة بل جعله بِقدر اقتضته حكمته ومصلحتك فَمن عطف عَلَيْك قلب الام وَوضع فِيهِ الحنان العجيب وَالرَّحْمَة الباهرة حَتَّى تكون فِي أهنا مَا يكون من شَأْنهَا وراحتها ومقيلها فَإِذا احست مِنْك بِأَدْنَى صَوت اَوْ بكاء قَامَت اليك وآثرتك على نَفسهَا على عدد الانفس منقادة اليك بِغَيْر قَائِد وَلَا سائق الا قَائِد الرَّحْمَة وسائق
стр. 256
الحنان تود لَو ان كل مَا يؤلمك بجسمها وانه لم يطرقك مِنْهُ شَيْء وان حَيَاتهَا تزاد فِي حياتك فَمن الَّذِي وضع ذَلِك فِي قَلبهَا حَتَّى إِذا قوى بدنك واتسعت امعاؤك وخشنت عظامك واحتجت الى غذَاء اصلب من غذائك ليشتد بِهِ عظمك ويقوى عَلَيْهِ لحمك وضع فِي فِيك آله الْقطع والطحن فنصب لَك أسنانا تقطع بهَا الطَّعَام وطواحين تطحنه بهَا فَمن الَّذِي حَبسهَا عَنْك ايام رضاعك رَحْمَة بأمك لطفا بهَا ثمَّ اعطاكها ايام اكلك رَحْمَة بك وأحسانا اليك ولطفا بك فَلَو انك خرجت من الْبَطن ذَا سنّ وناب وناجذ وضرس كَيفَ كَانَ حَال امك بك وَلَو انك منعتها وَقت الْحَاجة اليها كَيفَ كَانَ حالك بِهَذِهِ الاطعمة الَّتِي لَا تسيغها الا بعد تقطيعها وطحنها وَكلما ازددت قُوَّة وحاجة الى الاسنان فِي اكل المطاعم الْمُخْتَلفَة زيد لَك فِي تِلْكَ الالات حَتَّى تَنْتَهِي الى النواجذ فتطيق نهش اللَّحْم وَقطع الْخبز وَكسر الصلب ثمَّ إِذا ازددت قُوَّة زيد لَك فِيهَا حَتَّى تَنْتَهِي الى الطواحين الَّتِي هِيَ آخر الاضراس فَمن الَّذِي ساعدك بِهَذِهِ الالات وانجدك بهَا ومكنك بهَا من ضروب الْغذَاء ثمَّ انه اقْتَضَت حكمته ان اخرجك من بطن امك لَا تعلم شَيْئا بل غبيا لَا عقل وَلَا فهم وَلَا علم وَذَلِكَ من رَحمته بك فَإنَّك على ضعفك لَا تحْتَمل الْعقل والفهم والمعرفة بل كنت تتمزق وتتصدع بل جعل ذَلِك ينْتَقل فِيك بالتدريح شَيْئا فَشَيْئًا فَلَا يصادفك ذَلِك وهلة وَاحِدَة بل يصادفك يَسِيرا يَسِيرا حَتَّى يتكامل فِيك وَاعْتبر ذَلِك بِأَن الطِّفْل إِذا سبي صَغِيرا من بَلَده وَمن بَين ابويه وَلَا عقل لَهُ فَإِنَّهُ لَا يؤلمه ذَلِك علما كَانَ اقْربْ الى الْعقل كَانَ اشق عَلَيْهِ واصعب حَتَّى إِذا كَانَ عَاقِلا فلاتراه إِلَّا كالواله الحيران ثمَّ لَو ولدت عَاقِلا فهيما كحالك فِي كبرك تنغصت عَلَيْك حياتك اعظم تنغيص وتنكدت اعظم تنكيد لانك ترى نَفسك مَحْمُولا رضيعا معصبا بالخرق مربطا بالقمط مسجونا فِي المهد عَاجِزا ضَعِيفا عَمَّا يحاوله الْكَبِير فَكيف كَانَ يكون عيشك مَعَ تعلقك التَّام فِي هَذِه الْحَالة ثمَّ لم يكن يُوجد لَك من الْحَلَاوَة واللطافة والوقع فِي الْقلب وَالرَّحْمَة بك مَا يُوجد للمولود الطِّفْل بل تكون انكد خلق الله واثقلهم واعنتهم واكثرهم فضولا وَكَانَ دخولك هَذَا الْعَالم وانت غبي لَا تعقل شَيْئا وَلَا تعلم مَا فِيهِ اهله مَحْض الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة بك وَالتَّدْبِير فَتلقى الاشياء بذهن ضَعِيف وَمَعْرِفَة نَاقِصَة ثمَّ لَا يزَال يتزايد فِيك الْعقل والمعرفة شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى تَالِف الاشياء وتتمرن عَلَيْهَا وَتخرج من التَّأَمُّل لَهَا والحيرة فِيهَا وتستقبلها بِحسن التَّصَرُّف فِيهَا وَالتَّدْبِير لَهَا والاتقان لَهَا وَفِي ذَلِك وُجُوه أخر من الْحِكْمَة غير مَا ذَكرْنَاهُ فَمن هَذَا الَّذِي هُوَ قيم عَلَيْك بالمرصاد يرصدك حَتَّى يوافيك بِكُل شَيْء من الْمَنَافِع والاراب والالات فِي وَقت حَاجَتك لَا يقدمهَا عَن وَقتهَا وَلَا يؤخرها عَنهُ ثمَّ انه اعطاك الاظفار
стр. 257
وَقت حَاجَتك اليها لمنافع شَتَّى فَإِنَّهَا تعين الاصابع وتقويها فَإِن اكثر الْعَمَل لما كَانَ برؤوس الاصابع وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَاد اعينت بالاظافر قُوَّة لَهَا مَعَ مَا فِيهَا من مَنْفَعَة حك ٢ الْجِسْم وقشط الاذى الَّذِي لَا يخرج بِاللَّحْمِ عَنهُ الى غير ذَلِك من فوائدها ثمَّ جملك بالشعر على الراس زِينَة ووقاية وصيانة من الْحر وَالْبرد إِذْ هُوَ مجمع الْحَواس ومعدن الْفِكر وَالذكر وَثَمَرَة الْعقل تَنْتَهِي اليه ثمَّ خص الذّكر بِأَن جمل وَجهه باللحية وتوابعها وقارا وهيبة لَهُ وجمالا وفصلا لَهُ عَن سنّ الصِّبَا وفرقا بَينه وَبَين الاناث وَبقيت الانثى على حَالهَا لما خلقت لَهُ من استمتاع الذّكر بهَا فبقى وَجههَا على حَاله ونضارته ليَكُون اهيج للرجل على الشَّهْوَة وأكمل للذة الِاسْتِمْتَاع فالماء وَاحِد الْجَوْهَر وَاحِد والوعاء وَاحِد واللقاح وَاحِد فَمن الَّذِي اعطى الذّكر الذكورية والانثى الانوثية وَلَا تلْتَفت الى مَا يَقُوله الجهلة من الطبائعيين فِي سَبَب الاذكار والايناث وإحالة ذَلِك على الامور الطبيعية الَّتِي لاتكاد تصدق فِي هَذَا الْموضع الا اتِّفَاقًا وَكذبه اكثر من صدقهَا وَلَيْسَ استناد الاذكار والايناث الا الى مَحْض المرسوم الالهي الَّذِي يلقيه الى ملك التَّصْوِير حِين يَقُول يَا رب ذكر ام انثى شقى ام سعيد فَمَا الرزق فَمَا الاجل فَيُوحِي رَبك مَا يَشَاء وَيكْتب الْملك فَإِذا كَانَ للطبيعة تَأْثِيرا فِي الاذكار والايناث فلهَا تاثير فِي الرزق والاجل والشقاوة والسعادة وَإِلَّا فَلَا أذ مخرج الْجَمِيع مَا يوحيه الله الى الْملك وَنحن لَا ننكر ان لذَلِك اسبابا اخر وَلَكِن تِلْكَ من الاسباب الَّتِي اسْتَأْثر الله بهَا دون الْبشر قَالَ الله تَعَالَى لله ملك السَّمَوَات والارض يخلق مَا يَشَاء يهب لمن يَشَاء اناثا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور الى قَوْله قدير فَذكر اصناف النِّسَاء الاربعة مَعَ الرِّجَال احدها من تَلد الاناث فَقَط الثَّانِيَة من تَلد الذُّكُور فَقَط الثَّالِثَة من تَلد الزَّوْجَيْنِ الذّكر والانثى وَهُوَ معنى التَّزْوِيج هُنَا ان يَجْعَل مَا يهب لَهُ زَوْجَيْنِ ذكرا اَوْ انثى الرَّابِعَة الْعَقِيم الَّتِي لَا تَلد اصلا وَمِمَّا يدل على ان سَبَب الاذكار والايناث لَا يُعلمهُ الْبشر وَلَا يدْرك بِالْقِيَاسِ والفكر وَإِنَّمَا يعلم بِالْوَحْي مَا روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ كنت عِنْد النَّبِي فجَاء حبر من احبار الْيَهُود فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَدَفَعته دفْعَة كَاد يصرع مِنْهَا فَقَالَ لم تدفعني فَقلت الا تَقول يَا رَسُول الله فَقَالَ الْيَهُودِيّ إِنَّمَا نَدْعُوهُ باسمه الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ اهله فَقَالَ رَسُول الله ان أسمي مُحَمَّد الَّذِي سماني بِهِ اهلي قَالَ الْيَهُودِيّ جِئْت أَسَالَك فَقَالَ رَسُول الله أينفعك شَيْء إِن حدثتك قَالَ اسْمَع بأذني فَنكتَ رَسُول الله بِعُود مَعَه فَقَالَ سل فَقَالَ الْيَهُودِيّ ايْنَ يكون النَّاس يَوْم تبدل الارض غير الارض وَالسَّمَوَات فَقَالَ رَسُول الله هم فِي الظلمَة دون الجسر قَالَ فَمن اول النَّاس إجَازَة قَالَ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين قَالَ الْيَهُودِيّ فَمَا تحفتهم حِين يدْخلُونَ الْجنَّة فَقَالَ زِيَادَة كبد حوت ذِي النُّون قَالَ فَمَا غذاؤهم على أَثَرهَا قَالَ
стр. 258
ينْحَر لَهُم ثَوْر الْجنَّة الَّذِي يَأْكُل من اطرافها قَالَ فَمَا شرابهم عَلَيْهِ قَالَ من عين تسمى سلسبيلا قَالَ صدقت وَجئْت أَسَالَك عَن شَيْء لايعلمه الا نَبِي اَوْ رجل اَوْ رجلَانِ قَالَ ينفعك ان حدثتك قَالَ اسْمَع بأذني قَالَ جِئْت أَسأَلك عَن الْوَلَد قَالَ مَاء الرجل ابيض وَمَاء الْمَرْأَة اصفر فَإِذا اجْتمعَا فعلا مني الرجل مني الْمَرْأَة اذكر بِإِذن الله وَإِن علا مني الْمَرْأَة مني الرجل اثْنَي بإ ذن الله قَالَ الْيَهُودِيّ لقد صدقت وَإنَّك لنَبِيّ ثمَّ انْصَرف فَقَالَ رَسُول الله لقد سالني عَن هَذَا الَّذِي سالني عَنهُ وَمَالِي علم بِهِ حَتَّى أَتَانِي الله بِهِ وَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْعقل وَالنَّقْل ان الْجَنِين يخلق من الماءين جَمِيعًا فالذكر يقذف مَاءَهُ فِي رحم الانثى وَكَذَلِكَ هِيَ تنزل ماءها الى حَيْثُ يَنْتَهِي مَاؤُهُ فيلتقى الماآن على امْر قد قدره الله وشاءه فيخلق الْوَلَد بَينهمَا جَمِيعًا وايهما غلب كَانَ الشّبَه لَهُ كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن حميد عَن انس قَالَ بلغ عبد الله بن سَلام قدوم النَّبِي فاتاه فَقَالَ إِنِّي سَائِلك عَن ثَلَاث لَا يعلمهُنَّ الا نَبِي قَالَ مَا أول اشراط السَّاعَة وَمَا اول طَعَام يَأْكُلهُ اهل الْجنَّة وَمن أَي شَيْء ينْزع الْوَلَد إِلَى ابيه وَمن أَي شَيْء ينْزع الى أَخْوَاله فَقَالَ رَسُول الله اخبرني بِهن آنِفا جِبْرِيل فَقَالَ عبد الله ذَاك عَدو الْيَهُود من الْمَلَائِكَة فَقَالَ رَسُول الله اما اول اشراط السَّاعَة فَنَار تحْشر النَّاس من الْمشرق الى الْمغرب واما اول طَعَام ياكله اهل الْجنَّة فَزِيَادَة كبد الْحُوت وَأما الشّبَه فِي الْوَلَد فَإِن الرجل إِذا غشى الْمَرْأَة وسبقها مَاؤُهُ كَانَ الشّبَه لَهُ وَإِن سبقت كَانَ الشّبَه لَهَا فَقَالَ اشْهَدْ انك رَسُول الله وَذكر الحَدِيث وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ام سَلمَة قَالَت يَا رَسُول الله إِن الله لَا يستحي من الْحق هَل على الْمَرْأَة من غسل إِذا هِيَ احْتَلَمت قَالَ نعم إِذا رَأَتْ المَاء الاصفر فَضَحكت ام سَلمَة فَقَالَت اَوْ تحتلم المراة فَقَالَ رَسُول الله فيمَ يشبهها الْوَلَد فَهَذِهِ الاحاديث الثَّلَاثَة تدل على ان الْوَلَد يخلق من الماءين وان الاذكار والايناث يكون بِغَلَبَة اُحْدُ الماءين وقهره للآخروعلوه عَلَيْهِ وان الشّبَه يكون بِالسَّبقِ فَمن سبق مَاؤُهُ الى الرَّحِم كَانَ الشّبَه لَهُ وَهَذِه امور لَيْسَ عِنْد أهل الطبيعة مَا يدل عَلَيْهَا وَلَا تعلم الا بِالْوَحْي وَلَيْسَ فِي صناعتهم ايضا مَا ينافيها على ان فِي النَّفس من حَدِيث وَبَان مَا فِيهَا وَأَنه يخَاف ان لَا يكون اُحْدُ رُوَاته حفظه كَمَا يَنْبَغِي وَأَن يكون السُّؤَال إِنَّمَا وَقع فِيهِ عَن الشّبَه لَا عَن الاذكار والايناث كَمَا سَأَلَ عَنهُ عبد الله بن سَلام وَلذَلِك لم يُخرجهُ البُخَارِيّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبد الله بن ابي بكر عَن انس عَن النَّبِي قَالَ ان الله وكل بالرحم ملكا فَيَقُول يَا رب نُطْفَة يَا رب علقَة يَا رب مُضْغَة فَإِذا اراد ان يخلقها قَالَ يَا رب اذكر ام انثى شقي ام سعيد فَمَا الرزق فَمَا الاجل فَيكْتب كَذَلِك فِي بطن امهِ أَفلا ترى كَيفَ أحَال بالاذكار والايناث على مُجَرّد الْمَشِيئَة وقرنه بِمَا لاتأثير للطبيعة فِيهِ من الشقاوة والسعادة والرزق والاجل وَلم يتَعَرَّض الْملك لكتبه الَّذِي للطبيعة فِيهِ مدْخل اولا ترى عبد الله بن سَلام لم يسْأَل الا عَن الشّبَه الَّذِي يُمكن الْجَواب عَنهُ وَلم يسال عَن الاذكار والايناث
стр. 259
مَعَ انه ابلغ من الشّبَه وَالله اعْلَم وان كَانَ رَسُول الله قد قَالَه فَهُوَ عين الْحق وعَلى كل تَقْدِير فَهُوَ يبطل مَا زَعمه بعض الطبائعيين من معرفَة اسباب الاذكار والايناث وَالله اعْلَم
فصل فَانْظُر كَيفَ جعلت آلَات الْجِمَاع فِي الذّكر والانثى جَمِيعًا على وفْق
الْحِكْمَة فَجعلت فِي حق الذّكر آلَة نَاشِزَة تمتد حَتَّى توصل المنى الى قَعْر الرَّحِم بِمَنْزِلَة من يناول غَيره شَيْئا فَهُوَ يمد يَده اليه حَتَّى يوصله إِيَّاه وَلِأَنَّهُ يحْتَاج الى ان يقذف مَاءَهُ فِي قَعْر الرَّحِم وَأما الانثى فَجعل لَهَا وعَاء مجوف لانها تحْتَاج الى ان تقبل مَاء الرجل وتمسكه وتشتمل عَلَيْهِ فَأعْطيت آلَة تلِيق بهَا ثمَّ لما كَانَ مَاء الرجل ينحدر من اجزاء الْجَسَد رَقِيقا ضَعِيفا لَا يخلق مِنْهُ الْوَلَد جعل لَهُ الانثيان وعَاء يطْبخ فيهمَا وَيحكم انضاجه ليشتد وَينْعَقد وَيصير قَابلا لَان يكون مبدأ للتخليق وَلم تحتج الْمَرْأَة الى ذَلِك لَان رقة مَائِهَا ولطفاته إِذا مازج غلظ مَاء الرجل وشدته قوى بِهِ واستحكم وَلَو كَانَ الماآن رقيقان ضعيفان لم يتكون الْوَلَد مِنْهُمَا وَخص الرجل بِآلَة النضج والطبخ لحكم مِنْهَا ان حرارته اقوى والانثى بَارِدَة فَلَو اعطيت تِلْكَ الالة لم يستحكم طبخ المَاء وانضاجه فِيهَا وَمِنْهَا ان ماءها لَا يخرج عَن مَحَله بل ينزل من بَين ترائبها الى مَحَله وَمِنْهَا انها لما كَانَت محلا للجماع اعطيت من الالة مَا يَلِيق بهَا فَلَو اعطيت آلَة الرجل لم تحصل لَهَا اللَّذَّة والاستمتاع ولكانت تِلْكَ الالة معطلة بِغَيْر مَنْفَعَة فالحكمة التَّامَّة فِيمَا وجدت خلقَة كل مِنْهُمَا عَلَيْهِ
فصل فَارْجِع الان الى نَفسك وَكرر النّظر فِيك فَهُوَ يَكْفِيك وَتَأمل اعضاءك
وَتَقْدِير كل عُضْو مِنْهَا للأرب وَالْمَنْفَعَة المهيأ لَهَا فاليدان للعلاج والبطش والاخذ والاعطاء والمحاربة وَالدَّفْع وَالرجلَانِ لحمل الْبدن وَالسَّعْي وَالرُّكُوب وانتصاف الْقَامَة والعينان للاهتداء وَالْجمال والزينة والملاحة ورؤية مَا فِي السَّمَوَات والارض وآياتهما وعجائبهما والفم للغذاء وَالْكَلَام وَالْجمال وَغير ذَلِك والانف للنَّفس وَإِخْرَاج فضلات الدِّمَاغ وزينة للْوَجْه وَاللِّسَان للْبَيَان والترجمة عَنْك والاذنان صاحبتا الاخبار تؤديانها اليك وَاللِّسَان يبلغ عَنْك والمعدة خزانَة يسْتَقرّ فِيهَا الْغذَاء فتنضجه وتطبخه وتصلحه اصلاحا آخر وطبخا آخر غير الاصلاح والطبخ الَّذِي تَوليته من خَارج فَأَنت تعاني إنضاجه وطبخه وإصلاحه حَتَّى تظن انه قد كمل وانه قد اسْتغنى عَن طبخ آخر وانضاج آخر وطباخه الدَّاخِل ومنضجه يعاني من نضجه وطبخه مَالا تهتدي اليه وَلَا تقدر عَلَيْهِ فَهُوَ يُوقد عَلَيْهِ نيرانا تذيب الْحَصَى وتذيب مَالا تذيبه النَّار وَهِي فِي الطف مَوضِع مِنْك لَا تحرقك وَلَا تلتهب وَهِي اشد حرارة من النَّار وَإِلَّا فَمَا يذيب هَذِه الاطعمة الغليظة الشَّدِيدَة جدا حَتَّى يَجْعَلهَا مَاء ذائبا وَجعل الكبد للتخليص واخذ صفو الْغذَاء والطفه ثمَّ رتب مِنْهَا مجاري
стр. 260
وطرقا يَسُوق بهَا الْغذَاء الى كل عُضْو وَعظم وَعصب وَلحم وَشعر وظفر وَجعل الْمنَازل والابواب لادخال مَا ينفعك وَإِخْرَاج مَا يَضرك وَجعل الاوعية الْمُخْتَلفَة خَزَائِن تحفظ مَادَّة حياتك فَهَذِهِ خزانَة للطعام وَهَذِه خزانَة للحرارة وَهَذِه خَزَائِن للدم وَجعل مِنْهَا خَزَائِن مؤديات لِئَلَّا تختلط بالخزائن الاخر فَجعل خَزَائِن للمرة السَّوْدَاء وَأُخْرَى للمرة الصَّفْرَاء وَأُخْرَى للبول وَأُخْرَى للمنى فَتَأمل حَال الطَّعَام فِي وُصُوله الى الْمعدة وَكَيف يسرى مِنْهَا فِي الْبدن فَإِنَّهُ إِذا اسْتَقر فِيهَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ وانضمت فتطبخه وتجيد صَنعته ثمَّ تبعثه الى الكبد فِي مجار دقاق وَقد جعل بَين الكبد وَبَين تِلْكَ المجاري غشاء رَقِيقا كالمصفات الضيقة الابخاش تصفية فَلَا يصل الى الكبد مِنْهُ شَيْء غليظ خشن فينكؤها لَان الكبد رقيقَة لَا تحمل الغليظ فَإذْ قبلته الكبد انفذته الى الْبدن كُله فِي مجار مُهَيَّأ قلَّة بِمَنْزِلَة المجاري الْمعدة للْمَاء ليسلك فِي الارض فيعمها بالسقي ثمَّ يبْعَث مَا بَقِي من الْخبث والفضول الى مغايض ومصارف قد اعدت لَهَا فَمَا كَانَ من مرّة صفراء بعثت بِهِ الى المرارة وَمَا كَانَ من مرّة سَوْدَاء بعثت بِهِ الى الطحال وَمَا كَانَ من الرُّطُوبَة المائية بعثت بِهِ الى المثانة فَمن ذَا الَّذِي تولى ذلككله وأحكمه وَدبره وَقدره احسن تَقْدِير وَكَأَنِّي بك ايها الْمِسْكِين تَقول هَذَا كُله من فعل الطبيعة وَفِي الطبيعة عجائب واسرار فَلَو أَرَادَ الله ان يهديك لسالت نَفسك بِنَفْسِك وَقلت اخبريني عَن هَذِه الطبيعة اهي ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا لَهَا علم وقدرة على هَذِه الافعال العجيبة ام لَيست كَذَلِك بل عرض وَصفَة قَائِمَة بالمطبوع تَابِعَة لَهُ مَحْمُولَة فِيهِ فَإِن قَالَت لَك بل هِيَ ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا لَهَا الْعلم التَّام وَالْقُدْرَة والارادة وَالْحكمَة فَقل لَهَا هَذَا هُوَ الْخَالِق البارئ المصور فَلم تسمينه طبيعية وَيَا لله من ذكر الطبائع وَمن يرغب فِيهَا فَهَلا سميته بِمَا سمى بِهِ نَفسه على السن رسله وَدخلت فِي جملَة الْعُقَلَاء والسعداء فَإِن هَذَا الَّذِي وصفت بِهِ الطبيعة صفته تَعَالَى وَإِن قَالَت تِلْكَ بل الطبيعة عرض مَحْمُول مفتقر الى حَامِل وَهَذَا كُله فعلهَا بِغَيْر علم مِنْهَا وَلَا إِرَادَة وَلَا قدرَة وَلَا شُعُور اصلا وَقد شوهد من آثارها مَا شوهد فَقل لَهَا هَذَا مَالا يصدقهُ ذُو عقل سليم كَيفَ تصدر هَذِه الافعال العجيبة وَالْحكم الدقيقة الَّتِي تعجز عقول الْعُقَلَاء عَن مَعْرفَتهَا وَعَن الْقُدْرَة عَلَيْهَا مِمَّن لَا عقل لَهُ وَلَا قدرَة وَلَا حِكْمَة وَلَا شُعُور وَهل التَّصْدِيق بِمثل هَذَا إِلَّا دُخُول فِي سلك المجانين والمبرسمين ثمَّ قل لَهَا بعد وَلَو ثَبت لَك مَا ادعيت فمعلوم ان مثل هَذِه الصّفة لَيست بخالقة لنَفسهَا وَلَا مبدعة لذاتها فَمن رَبهَا ومبدعها وخالقها وَمن طبعها وَجعلهَا تفعل ذَلِك فَهِيَ إِذا من ادل الدَّلَائِل على بارئها وفاطرها وَكَمَال قدرته وَعلمه وحكمته فَلم يجد عَلَيْك تعطيلك رب الْعَالم وجحدك لصفاته وأفعاله الا مخالفتك الْعقل والفطرة وَلَو حاكمناك الى الطبيعة لرايناك انك خَارج عَن مُوجبهَا فَلَا انت مَعَ مُوجب الْعقل وَلَا الْفطْرَة وَلَا الطبيعة وَلَا الانسانية اصلا وَكفى بذلك جهلا وضلالا فَإِن رجعت الى الْعقل وَقلت لَا يُوجد حِكْمَة الا من حَكِيم قَادر عليم وَلَا تَدْبِير
стр. 261
متقن الا من صانع قَادر مُخْتَار مُدبر عليم بِمَا يُرِيد قَادر عَلَيْهِ لَا يعجزه وَلَا يؤؤده قيل لَك فَإِذا اقررت وَيحك بالخلاق الْعَظِيم الَّذِي لَا اله غَيره وَلَا رب سواهُ فدع تَسْمِيَته طبيعة اوعقلا فعالا اَوْ مُوجبا بِذَاتِهِ وَقل هَذَا هُوَ الله الْخَالِق البارئ المصور رب الْعَالمين وقيوم السَّمَوَات والارضين وَرب الْمَشَارِق والمغارب الَّذِي احسن كل شَيْء خلقه واتقن مَا صنع فمالك جحدت اسماءه وَصِفَاته وذاته اضفت صَنِيعه الى غَيره وخلقه الى سواهُ مَعَ انك مُضْطَر الى الاقرار بِهِ إِضَافَة الابداع والخلق والربوبية وَالتَّدْبِير اليه وَلَا بُد وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على انك لَو تَأَمَّلت قَوْلك طبيعة وَمعنى هَذِه اللَّفْظَة لدلك على الْخَالِق الباريء لَفظهَا كَمَا دلّ الْعُقُول عَلَيْهِ مَعْنَاهَا لَان طبيعة فعيلة بِمَعْنى مفعولة أَي مطبوعة وَلَا يحْتَمل غيرهذا الْبَتَّةَ لانها على بِنَاء الغرائز الَّتِي ركبت فِي الْجِسْم وَوضعت فِيهِ كالسجية والغريزة والبحيرة والسليقة والطبيعة فَهِيَ الَّتِي طبع عَلَيْهَا الْحَيَوَان وطبعت فِيهِ وَمَعْلُوم ان طبيعة من غير طَابع لَهَا محَال فقد دلّ لفظ الطبيعة على البارئ تَعَالَى كَمَا دلّ مَعْنَاهَا عَلَيْهِ والمسلمون يَقُولُونَ ان الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب وَهِي سنته فِي خليقته الَّتِي اجراها عَلَيْهِ ثمَّ انه يتَصَرَّف فِيهَا كَيفَ شَاءَ وكما شَاءَ فيسلبها تاثيرها إِذا اراد ويقلب تأثيرها الى ضِدّه إِذا شَاءَ ليرى عباده أَنه وَحده الْخَالِق البارئ المصور وَأَنه يخلق مَا يَشَاء كَمَا يَشَاء وَإِنَّمَا امْرَهْ إِذا اراد شَيْئا ان يَقُول لَهُ كن فَيكون وَإِن الطبيعة الَّتِي انْتهى نظر الخفافيش اليها إِنَّمَا هِيَ خلق من خلقه بِمَنْزِلَة سَائِر ملخوقاته فَكيف يحسن بِمن لَهُ حَظّ من انسانية اوعقل ان ينسى من طبعها وخلقها ويحيل الصنع والابداع عَلَيْهَا وَلم يزل الله سُبْحَانَهُ يسلبها قوتها ويحيلها ويقلبها الى ضد مَا جعلت لَهُ حَتَّى يرى عباده انها خلقه وصنعه مسخرة بامره ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾
فصل فاعد النّظر فِي نَفسك وَتَأمل حِكْمَة اللَّطِيف الْخَبِير فِي تركيب الْبدن
وَوضع هَذِه الاعضاء موَاضعهَا مِنْهُ واعدادها لما اعدت لَهُ وإعداد هَذِه الاوعية الْمعدة لحمل الفضلات وَجَمعهَا لكيلا تَنْتَشِر فِي الْبدن فتفسده ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي تنميتك وَكَثْرَة اجزائك من غير تفكيك وَلَا تَفْصِيل وَلَو ان صائغا اخذ تمثالا من ذهب اَوْ فضَّة اَوْ نُحَاس فَأَرَادَ ان يَجعله اكبر مِمَّا هُوَ هَل كَانَ يُمكنهُ ذَلِك الا بعد ان يكسرهُ ويصوغه صياغة اخرى والرب تَعَالَى ينمي جسم الطِّفْل واعضاءه الظَّاهِرَة والباطنة وَجَمِيع اجزائه وَهُوَ بَاقٍ ثَابت على شكله وهيئته لَا يتزايل وَلَا يَنْفَكّ وَلَا ينقص وأعجب من هَذَا كُله تَصْوِيره فِي الرَّحِم حَيْثُ لاتراه الْعُيُون وَلَا تلمسه الايدي وَلَا تصل اليه الالات فَيخرج بشرا سويا مُسْتَوْفيا لكل مَا فِيهِ مصْلحَته وقوامه
стр. 262
من عُضْو وحاسة وَآلَة من الاحشاء والجوارح والحوامل والاعصاب والرباطات والاغشية وَالْعِظَام الْمُخْتَلفَة الشكل وَالْقدر وَالْمَنْفَعَة والموضع الى غير ذَلِك من اللَّحْم والشحم والمخ وَمَا فِي ذَلِك من دَقِيق التَّرْكِيب ولطيف الْخلقَة وخفي الْحِكْمَة وبديع الصَّنْعَة كل هَذَا صنع الله احسن الْخَالِقِينَ فِي قَطْرَة من مَاء مهين وَمَا كرر عَلَيْك فِي كِتَابه مبدأ خلقك وإعادته ودعاك الى التفكير فِيهِ إِلَّا لما بك من الْعبْرَة والمعرفة وَلَا تستطل هَذَا الْفَصْل وَمَا فِيهِ من نوع تكْرَار يشْتَمل على مزِيد فَائِدَة فَإِن الْحَاجة اليه ماسة وَالْمَنْفَعَة عَظِيمَة فَانْظُر الى بعض مَا خصك بِهِ وفضلك بِهِ على الْبَهَائِم الْمُهْملَة إِذْ خلقك على هَيْئَة تنتصب قَائِما وتستوي جَالِسا وتستقبل الاشياء ببدنك وَتقبل عَلَيْهَا بجملتك فيمكنك الْعَمَل وَالصَّلَاح وَالتَّدْبِير وَلَو كنت كذوات الاربع المكبوبة على وَجههَا لم يظْهر لَك فَضِيلَة تَمْيِيز واختصاص وَلم يتهيأ مِنْك مَا تهَيَّأ من هَذِه النِّسْبَة
فصل قَالَ الله تَعَالَى وَلَقَد كرمنا بني آدم وحملناهم فِي الْبر وَالْبَحْر
ورزقناهم من الطَّيِّبَات وفضلناهم الاية فسبحان من البسه خلع الْكَرَامَة كلهَا من الْعقل وَالْعلم وَالْبَيَان والنطق والشكل وَالصُّورَة الْحَسَنَة والهيئة الشَّرِيفَة وَالْقد المعتدل واكتساب الْعُلُوم بالاستدلال والفكر واقتناص الاخلاق الشَّرِيفَة الفاضلة من الْبر وَالطَّاعَة والانقياد فكم بَين حَاله وَهُوَ نُطْفَة فِي دَاخل الرَّحِم مستودع هُنَا وَبَين حَاله وَالْملك يدْخل عَلَيْهِ فِي جنَّات عدن ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ فالدنيا قَرْيَة وَالْمُؤمن رئيسها وَالْكل مَشْغُول بِهِ ساع فِي مَصَالِحه وَالْكل قد اقيم فِي خدمته وحوائجه فالملائكة الَّذين هم حَملَة عرش الرَّحْمَن وَمن حوله يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَالْمَلَائِكَة الموكلون بِهِ يَحْفَظُونَهُ والموكلون بالقطر والنبات يسعون فِي رزقه ويعملون فِيهِ والافلاك سخرت منقادة دَائِرَة بِمَا فِيهِ مَصَالِحه وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات جاريات بِحِسَاب ازمنته واوقاته وَإِصْلَاح رواتب اقواته والعالم الجوي مسخر لَهُ برياحه وهوائه وسحابه وطيره وَمَا اودع فِيهِ والعالم السفلي كُله مسخر لَهُ مَخْلُوق لمصالحه ارضه وجباله وبحاره وأنهاره وأشجاره وثماره ونباته وحيوانه وكل مَا فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿الله الَّذِي سخر لكم الْبَحْر لتجري الْفلك فِيهِ بأَمْره﴾ الى قَوْله يتكفرون وَقَالَ تَعَالَى الله الَّذِي خلق السَّمَوَات والارض وَأنزل من السَّمَاء مَاء فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم الى قَوْله كفار فالسائر فِي معرفَة آلَاء الله وَتَأمل حكمته وبديع صِفَاته اطول باعا وَأَمْلَأُ صواعا من اللصيق بمكانه الْمُقِيم فِي بلد عَادَته وطبعه رَاضِيا بعيش بني جنسه لَا يرضى لنَفسِهِ إِلَّا ان يكون وَاحِدًا مِنْهُم يَقُول لي اسوة بهم وَهل
стр. 263
انا الا من ربيعَة اَوْ مُضر وَلَيْسَت نفائس البضائع الا لمن امتطى غارب الاغتراب وطوف فِي الافاق حَتَّى رضى من الْغَنِيمَة بالاياب فاستلان مَا استوعره البطالون وَأنس بِمَا استوحش مِنْهُ الجاهلون
فصل فاعد النّظر فِي نَفسك وَحِكْمَة الخلاق الْعَلِيم فِي خلقك وَانْظُر الى
الْحَواس الَّتِي مِنْهَا تشرف على الاشياء كَيفَ جعلهَا الله فِي الراس كالمصابيح فَوق المنارة لتتمكن بهَا من مطالعة الاشياء وَلم تجْعَل فِي الاعضاء الَّتِي تمتهن كاليدين وَالرّجلَيْنِ فتتعرض للافات بِمُبَاشَرَة الاعمال والحركات ولاجعلها فِي الاعضاء الَّتِي فِي وسط الْبدن كالبطن وَالظّهْر فيعسر عَلَيْك التلفت والاطلاع على الاشياء فَلَمَّا لم يكن لَهَا فِي شَيْء من هَذِه الاعضاء مَوضِع كَانَ الراس اليق الْمَوَاضِع بهَا وأجملها فالراس صومعة الْحَواس ثمَّ تَأمل الْحِكْمَة فِي ان جعل الْحَواس خمْسا فِي مُقَابلَة المحسوسات الْخمس ليلقى خمْسا بِخمْس كي لَا يبْقى شَيْء من المحسوسات لَا يَنَالهُ بحاسة فَجعل الْبَصَر فِي مُقَابلَة المبصرات والسمع فِي مُقَابلَة الاصوات والشم فِي مُقَابلَة أَنْوَاع الروائح المختلفات والذوق فِي مُقَابلَة الكيفيات المذوقات واللمس فِي مُقَابلَة الملموسات فَأَي محسوس بَقِي بِلَا حاسة وَلَو كَانَ فِي المحسوسات شَيْء غير هَذِه لاعطاك لَهُ حاسة سادسة وَلما كَانَ مَا عَداهَا إِنَّمَا يدْرك بالباطن اعطاك الْحَواس الْبَاطِنَة وَهِي هَذِه الاخماس الَّتِي جرت عَلَيْهَا السّنة الْعَامَّة والخاصة حَيْثُ يَقُولُونَ فِي المفكر المتأمل ضرب اخماسه فِي أسداسه فأخماسه حواسه الْخمس واسداسه جهانه السِّت وَأَرَادُوا بذلك انه جذبه الْقلب وَسَار بِهِ فِي الاقطار والجهات حَتَّى قلب حواسه الْخمس فِي جهاته أَلَسْت وضربها فِيهَا لشدَّة فكره
فصل ثمَّ اعينت هَذِه الْحَواس بمخلوقات اخر مُنْفَصِلَة عَنْهَا تكون وَاسِطَة فِي
احساسها فاعينت حاسة الْبَصَر بالضياء والشعاع فلولاه لم ينْتَفع النَّاظر ببصره فَلَو منع الضياء والشعاع لم تَنْفَع الْعين شَيْئا واعينت حاسة السّمع بالهواء يحمل الاصوات فِي الجو ثمَّ يلقيها الى الاذن فتحويه ثمَّ تقلبه الى الْقُوَّة السامعة وَلَوْلَا الْهَوَاء لم يسمع الرجل شَيْئا واعينت حاسة الشم بالنسيم اللَّطِيف يحمل الرَّائِحَة ثمَّ يُؤَدِّيهَا اليها فتدركها فلولا هُوَ لم تشم شَيْئا واعينت حاسة الذَّوْق بالريق المتحلل فِي الْفَم تدْرك الْقُوَّة الزائقة بِهِ طعوم الاشياء وَلِهَذَا لم يكن لَهُ طعم لَا حُلْو وَلَا حامض وَلَا مالح وَلَا حريف لانه كَانَ يحِيل تِلْكَ الطعوم الى طعمه وَلَا يحصل بِهِ مَقْصُوده واعينت حاسة اللَّمْس بِقُوَّة جعلهَا الله فِيهَا تدْرك بهَا الملموسات وَلم تحتج الى شَيْء
стр. 264
من خَارج بِخِلَاف غَيرهَا من الْحَواس بل تدْرك الملموسات بِلَا وَاسِطَة بَينهَا وَبَينهَا لانها إِنَّمَا تدركها بالاجتماع وَالْمُلَامَسَة فَلم تحتج الى وَاسِطَة
فصل ثمَّ تَأمل حَال من عدم الْبَصَر وَمَا يَنَالهُ من الْخلَل فِي أُمُوره فَإِنَّهُ
لَا يعرف مَوضِع قدمه وَلَا يبصر مَا بَين يَدَيْهِ وَلَا يفرق بَين الالوان والمناظر الْحَسَنَة من القبيحة وَلَا يتَمَكَّن من استفادة علم من كتاب يقرأه ولايتهيأ لَهُ الِاعْتِبَار وَالنَّظَر فِي عجائب ملك الله هَذَا مَعَ انه لَا يشْعر بِكَثِير من مَصَالِحه ومضاره فَلَا يشْعر بحفرة يهوى فِيهَا وَلَا بحيوان يَقْصِدهُ كالسبع فيتحرز لَهُ وَلَا بعدو يهوى نَحوه ليَقْتُلهُ وَلَا يتَمَكَّن من هرب ان طلب بل هُوَ ملق السّلم لمن رامه باذى وَلَوْلَا حفظ خَاص من الله لَهُ قريب من حفظ الْوَلِيد وكلاءته لَكَانَ عطبه اقْربْ من سَلَامَته فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة لحم على وَضم وَلذَلِك جعل الله ثَوَابه إِذا صَبر واحتسب الْجنَّة وَمن كَمَال لطفه ان عكس نوربصره الى بصيرته فَهُوَ اقوى النَّاس بَصِيرَة وحدسا وَجمع عَلَيْهِ همه فقلبه مَجْمُوع عَلَيْهِ غير مشتت ليهنأ لَهُ الْعَيْش وتتم مصْلحَته وَلَا يظنّ انه مغموم حَزِين متاسف هَذَا حكم من ولد اعمى فَأَما من اصيب بِعَيْنيهِ بعدالبصر فَهُوَ بِمَنْزِلَة سَائِر اهل الْبلَاء المنتقلين من الْعَافِيَة الى البلية فالمحنة عَلَيْهِ شَدِيدَة لانه قد حيل بَينه وَبَين مَا الفه من الْمرَائِي والصور ووجوه الِانْتِفَاع ببصره فَهَذَا لَهُ حكم آخر وَكَذَلِكَ من عدم السّمع فَإِنَّهُ يفقد روح المخاطبة والمحاورة ويعدم لَذَّة المذاكرة ونغمة الاصوات الشجية وتعظم الْمُؤْنَة على النَّاس فِي خطابه ويتبرمون بِهِ وَلَا يسمع شَيْئا من اخبار النَّاس واحاديثهم فَهُوَ بَينهم شَاهد كغائب وَحي كميت وَقَرِيب كبعيد وَقد اخْتلف النظار فِي ايهما اقْربْ الى الْكَمَال واقل اختلالا لاموره الضَّرِير اَوْ الاطرش وَذكروا فِي ذَلِك وُجُوهًا وَهَذَا مَبْنِيّ على اصل آخر وَهُوَ أَي الصفتين اكمل صفة السّمع اَوْ صفة الْبَصَر وَقد ذكرنَا الْخلاف فيهمَا فِيمَا تقدم من هَذَا الْكتاب وَذكرنَا اقوال النَّاس وأدلتهم وَالتَّحْقِيق فِي ذَلِك فَأَي الصفتين كَانَت اكمل فالضرر بعدمها اقوى وَالَّذِي يَلِيق بِهَذَا الْموضع ان يُقَال عادم الْبَصَر اشدهما ضَرَرا وأسلمهما دينا واحمدهما عَاقِبَة وعادم السّمع اقلهما ضَرَرا فِي دُنْيَاهُ واجهلهما بِدِينِهِ وَاسَوْا عَاقِبَة فَإِنَّهُ إِذا عدم السّمع عدم المواعظ والنصائح وانسدت عَلَيْهِ ابواب الْعُلُوم النافعة وانفتحت لَهُ طرق الشَّهَوَات الَّتِي يُدْرِكهَا الْبَصَر وَلَا يَنَالهُ من الْعلم مَا يكفه عَنْهَا فضرره فِي دينه اكثر وضرر الاعمى فِي دُنْيَاهُ اكثر وَلِهَذَا لم يكن فِي الصَّحَابَة اطرش وَكَانَ فيهم جمَاعَة اضراء وَقل ان يبتلى الله اولياءه بالطرش ويبتلى كثيرا مِنْهُم بالعمى فَهَذَا فصل الْخطاب فِي هَذِه المسئلة فمضرة الطرش فِي الدّين ومضرة الْعَمى فِي الدُّنْيَا والمعافى من عافاه الله مِنْهُمَا ومتعه بسمعه وبصره وجعلهما الْوَارِثين مِنْهُ
стр. 265
فصل وَأما من عدم البيانين بَيَان الْقلب وَبَيَان اللِّسَان فَذَلِك بِمَنْزِلَة
الْحَيَوَانَات الْبَهِيمَة بل هِيَ احسن حَالا مِنْهُ فَإِن فِيهَا مَا خلقت لَهُ من الْمَنَافِع والمصالح الَّتِي تسْتَعْمل فِيهَا وَهَذَا يجهل كثيرا مِمَّا تهتدي اليه الْبَهَائِم ويلقى نَفسه فِيمَا تكف الْبَهَائِم انفسها عَنهُ وان عدم بَيَان اللِّسَان دون بَيَان الْقلب وَمن عدم خَاصَّة الانسان وَهِي النُّطْق اشتدت المؤمنة بِهِ وَعَلِيهِ وعظمت حسرته وَطَالَ تأسفه على رد الْجَواب وَرجع الْخطاب فَهُوَ كالمقعد الَّذِي يرى مَا هُوَ مُحْتَاج اليه وَلَا تمتد اليه يَده وَلَا رجله فكم لله على عَبده من نعْمَة سابغة فيهذه الاعضاء والجوارح والقوى وَالْمَنَافِع الَّتِي فِيهِ فَهُوَ لَا يلْتَفت اليها وَلَا يشْكر الله عَلَيْهَا وَلَو فقد شَيْئا مِنْهَا لتمنى انه لَهُ بالدنيا وَمَا عَلَيْهَا فَهُوَ يتقلب فِي نعم الله بسلامة اعضائه وجوارحه وَقواهُ وَهُوَ عَار من شكرها ولوعرضت عَلَيْهِ الدُّنْيَا مَا فِيهَا بِزَوَال وَاحِدَة مِنْهَا لابي الْمُعَاوضَة وَعلم انها مُعَاوضَة غبن ان الانسان لظلوم كفور
فصل ثمَّ تَأمل حكمته فِي الاعضاء الَّتِي خلقت فِيك آحادا ومثنى وَثَلَاث
وَربَاع وَمَا فِي ذَلِك من الحكم الْبَالِغَة فالراس وَاللِّسَان والانف وَالذكر خلق كل مِنْهُمَا وَاحِدًا فَقَط إذلا مصلحَة فِي كَونه اكثر من ذَلِك الا ترى انه لَو اضيف الى الراس راس آخر لاثقلا بدنه من غير حَاجَة اليه لَان جَمِيع الْحَواس الَّتِي يحْتَاج اليها مجتمعة فِي رَأس وَاحِد ثمَّ ان الانسان كَانَ يَنْقَسِم براسه قسمَيْنِ فَإِن تكلم من احدهما وَسمع بِهِ وابصر وشم وذاق بَقِي الاخر معطلا لَا أرب فِيهِ وَإِن تكلم وابصر وَسمع بهما مَعًا كلَاما وَاحِدًا وسمعا وَاحِدًا وبصرا وَاحِدًا كَانَ الاخر فَضله لَا فَائِدَة فِيهِ وَإِن اخْتلف إدراكهما اخْتلفت عَلَيْهِ احواله وإدراكاته وَكَذَلِكَ لَو كَانَ لَهُ لسانان فِي فَم وَاحِد فَإِن تكلم بهما كلَاما وَاحِدًا كَانَ احدهما ضائعا وان تكلم باحدهما دون الاخر فَكَذَلِك وان تكلم بهما مَعًا كلامين مُخْتَلفين خلط على السَّامع وَلم يدر باي الْكَلَامَيْنِ يَأْخُذ وَكَذَلِكَ لَو كَانَ لَهُ هنوان وفمان لَكَانَ مَعَ قبح الْخلقَة احدهما فضلَة لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَهَذَا بِخِلَاف الاعضاء الَّتِي خلقت مثنى كالعينين والاذنين والشفتين وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ والساقين والفخذين والوركين والثديين فَإِن الْحِكْمَة فِيهَا ظَاهِرَة والمصلحة بَينه وَالْجمال والزينة عَلَيْهَا بادية فَلَو كَانَ الانسان بِعَين وَاحِدَة لَكَانَ مُشَوه الْخلقَة ناقصها وَكَذَلِكَ الحاجبان وَأما اليدان وَالرجلَانِ والساقان والفخذان فتعددهما ضَرُورِيّ للانسان لَا تتمّ مصْلحَته الا بذلك الا ترى من قطعت احدى يَدَيْهِ اَوْ رجلَيْهِ كَيفَ تبقى حَاله وعجزه فَلَو ان النجار والخياط والحداد والخباز وَالْبناء واصحاب الصَّنَائِع الَّتِي لَا تتأتى الا باليدين شلت يَد احدهما لتعطلت عَلَيْهِ صَنعته فاقتضت الْحِكْمَة
стр. 266
ان اعطى من هَذَا الضَّرْب من الْجَوَارِح والاعضاء اثْنَيْنِ اثْنَي وَكَذَلِكَ اعطى شفتين لانه لَا تكمل مصْلحَته إِلَّا بهما وَفِيهِمَا ضروب عديدة من الْمَنَافِع وَمن الْكَلَام والذوق وغطاء الْفَم وَالْجمال والزينة والقبلة وَغير ذَلِك وَأما الاعضاء الثَّلَاثَة فَهِيَ جَوَانِب انفه وحيطانه وَقد ذكرنَا حِكْمَة ذَلِك فِيمَا تقدم واما الاعضاء الرّبَاعِيّة فالكعاب الاربعة الَّتِي هِيَ مجمع الْقَدَمَيْنِ والممسكة لَهما وَبِهِمَا قُوَّة الْقَدَمَيْنِ وحركتهما وَفِيهِمَا مَنَافِع السَّاقَيْن وَكَذَلِكَ اجفان الْعَينَيْنِ فِيهَا من الحكم وَالْمَنَافِع انها غطاء للعينين ووقاية لَهما وجمال وزينة وَغير ذَلِك من الحكم فاقتضت الْحِكْمَة الْبَالِغَة ان جعلت الاعضاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ من الْعدَد والشكل والهيئة فَلَو زَادَت اَوْ نقصت لَكَانَ نقصا فِي الْخلقَة وَلِهَذَا يُوجد فِي النَّوْع الانساني من زَائِد فِي الْخلقَة وناقص مِنْهَا مَا يدل على حِكْمَة الرب تَعَالَى وَأَنه لَو شَاءَ لجعل خلقه كلهم هَكَذَا وليعلم الْكَامِل الْخلقَة تَمام النِّعْمَة عَلَيْهِ وانه خلق خلقا سويا معتدلا لم يزدْ فِي خلقه مَالا يحْتَاج اليه وَلم ينقص مِنْهُ مَا يحْتَاج اليه كَمَا يرَاهُ فِي غَيره فَهُوَ اجدر ان لم يزْدَاد شكرا وحمدا لرَبه وَيعلم ان ذَلِك لَيْسَ من صنع الطبيعة وَإِنَّمَا ذَلِك صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء خلقه وانه يخلق مَا يَشَاء
فصل من ايْنَ للطبيعة هَذَا الِاخْتِلَاف وَالْفرق الْحَاصِل فِي النَّوْع الانسان
بَين صورهم فَقل ان يرى اثْنَان متشابهان من كل وَجه وَذَلِكَ من اندر مَا فِي الْعَالم بِخِلَاف اصناف الْحَيَوَان كالنعم والوحوش وَالطير وَسَائِر الدَّوَابّ فَإنَّك ترى السرب من الظباء والثلة من الْغنم والذود من الابل والصوار من الْبَقر تتشابه حَتَّى لَا يفرق بَين وَاحِد مِنْهُمَا وَبَين الاخر إِلَّا بعد طول تَأمل اَوْ بعلامة ظَاهِرَة وَالنَّاس مُخْتَلفَة صورهم وخلقتهم فَلَا يكَاد اثْنَان مِنْهُم يَجْتَمِعَانِ فِي صفة وَاحِدَة وخلقة وَاحِدَة بل وَلَا صَوت وَاحِد وحنجرة وَاحِدَة وَالْحكمَة الْبَالِغَة فِي ذَلِك ان النَّاس يَحْتَاجُونَ الى ان يتعارفوا بأعينهم وحلاهم لما يجرى بَينهم من الْمُعَامَلَات فلولا الْفرق وَالِاخْتِلَاف فِي الصُّور لفسدت احوالهم وتشت نظامهم وَلم يعرف الشَّاهِد من الْمَشْهُود عَلَيْهِ وَلَا الْمَدِين من رب الدّين وَلَا البَائِع من المُشْتَرِي وَلَا كَانَ الرجل يعرف عرسه من غَيرهَا للاختلاط وَلَا هِيَ تعرف بَعْلهَا من غَيره وَفِي ذَلِك اعظم الْفساد والخلل فَمن الَّذِي ميز بَين حلاهم وصورهم واصواتهم وَفرق بَينهَا بفروق لَا تنالها الْعبارَة وَلَا يُدْرِكهَا الْوَصْف فسل الْمُعَطل اهذا فعل الطبيعة وَهل فِي الطبيعة اقْتِضَاء هَذَا الِاخْتِلَاف والافتراق فِي النَّوْع وَأَيْنَ قَول الطبائعيين ان فعلهَا متشابه لانها وَاحِدَة فِي نَفسهَا لَا تفعل بِإِرَادَة وَلَا مَشِيئَة فَلَا يُمكن اخْتِلَاف افعالها فَكيف يجمع الْمُعَطل بَين هَذَا وَهَذَا فَإِنَّهَا لَا تعمى الابصار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور وَرُبمَا وَقع فِي النَّوْع الانساني تشابه بَين اثْنَيْنِ لَا يكَاد يُمَيّز بَينهمَا فتعظم عَلَيْهِم الْمُؤْنَة فِي
стр. 267
معاملتهما وتشتد الْحَاجة الى تَمْيِيز الْمُسْتَحق مِنْهُمَا والمؤاخذ بِذَنبِهِ وَمن عَلَيْهِ الْحق وَإِذا كَانَ هَذَا يعرض فِي التشابه فِي الاسماء كثيرا ويلقى الشَّاهِد وَالْحَاكِم من ذَلِك مَا يلقى فَمَا الظَّن لَو وضع التشابه فِي الْخلقَة وَالصُّورَة وَلما كَانَ الْحَيَوَان البهيم وَالطير والوحوش لَا يَضرهَا هَذَا التشابه شَيْئا لم تدع الْحِكْمَة الى الْفرق بَين كل زَوْجَيْنِ مِنْهَا فَتَبَارَكَ الله احسن الْخَالِقِينَ الَّذِي وسعت حكمته كل شَيْء
فصل ثمَّ تَأمل لم صَارَت الْمَرْأَة وَالرجل إِذا ادركا اشْتَركَا فِي نَبَات
الْعَانَة ثمَّ ينْفَرد الرجل عَن الْمَرْأَة باللحية فَإِن الله لما جعل الرجل قيمًا على الْمَرْأَة وَجعلهَا كالخول لَهُ والعاني فِي يَدَيْهِ ميزه عَلَيْهَا بِمَا فِيهِ لَهُ المهانة والعز وَالْوَقار وَالْجَلالَة لكماله وَحَاجته الى ذَلِك ومنعتها الْمَرْأَة لكَمَال الِاسْتِمْتَاع بهَا والتلذذ لتبقى نضارة وَجههَا وَحسنه لَا يشينه الشّعْر واشتراكا فِي سَائِر الشُّعُور للحكمة وَالْمَنْفَعَة الَّتِي فِيهَا
فصل ثمَّ تَأمل هَذَا الصَّوْت الْخَارِج من الْحلق وتهيئة آلاته وَالْكَلَام
وانتظامه والحروف ومخارجها وأدواتها ومقاطعها واجراسها تَجِد الْحِكْمَة الباهرة فِي هَوَاء ساذج يخرج من الْجوف فيسلك فِي أنبوبة الحنجرة حَتَّى يَنْتَهِي الى الْحلق وَاللِّسَان والشفتين والاسنان فَيحدث لَهُ هُنَاكَ مقاطع ونهايات وأجراس يسمع لَهُ عِنْد كل مقطع وَنِهَايَة جرس مُبين مُنْفَصِل عَن الاخر يحدث بِسَبَبِهِ الْحَرْف فَهُوَ صَوت وَاحِد ساذج يجرى فِي قَصَبَة وَاحِدَة حَتَّى يَنْتَهِي الى مقاطع وحدود تسمع لَهُ مِنْهَا تِسْعَة وَعشْرين حرفا يَدُور عَلَيْهَا الْكَلَام كُله امْرَهْ وَنَهْيه وَخَبره واستخباره ونظمه ونثرة وخطبه ومواعظه وفضوله فَمِنْهُ المضحك وَمِنْه المبكي وَمِنْه المؤيس وَمِنْه المطمع وَمِنْه الْمخوف وَمِنْه المرجي والمسلى والمحزن والقابض للنَّفس والجوارح والمنشط لَهَا وَالَّذِي يسقم الصَّحِيح وَيُبرئ السقيم وَمِنْه مَا يزِيل النعم وَيحل النقم وَمِنْه مَا يستدفع بِهِ الْبلَاء ويستجلب بِهِ النعماء وتستمال بِهِ الْقُلُوب ويؤلف بِهِ بَين المتباغضين ويوالي بِهِ بَين المتعاديين وَمِنْه مَا هُوَ بضد ذَلِك وَمِنْه الْكَلِمَة الَّتِي لَا يلقى لَهَا صَاحبهَا بَالا يهوى بهَا فِي النَّار ابعد مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب والكلمة الَّتِي لَا يلقى لَهَا بَالا صَاحبهَا يرْكض بهَا فِي أعلا عليين فِي جوَار رب الْعَالمين فسبحان من أنشأ ذَلِك كُله من هَوَاء ساذج يخرج من الصَّدْر لَا يدْرِي مَا يُرَاد بِهِ وَلَا أَيْن يَنْتَهِي وَلَا أَيْن مستقره هَذَا الى مَا فِي ذَلِك من اخْتِلَاف الالسنة واللغات الَّتِي لَا يحصيها الا الله فيجتمع الْجمع من النَّاس من بِلَاد شَتَّى فيتكلم كل مِنْهُم بلغته
стр. 268
فَتسمع لُغَات مُخْتَلفَة كلَاما منتظما مؤلفا وَلَا يدْرِي كل مِنْهُم مَا يَقُول الاخر وَاللِّسَان الَّذِي هُوَ جارحة وَاحِد فِي الشكل والمنظر وَكَذَلِكَ الْحلق والاضراس والشفتان وَالْكَلَام مُخْتَلف متفاوت اعظم تفَاوت فالاية فِي ذَلِك كالاية فِي الارض الَّتِي تسقى بِمَاء وَاحِد وَتخرج مَعَ ذَلِك من انواع النَّبَات والازهار والحبوب وَالثِّمَار تِلْكَ الانواع الْمُخْتَلفَة المتباينة وَلِهَذَا اخبر الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه ان فِي كل مِنْهُمَا آيَات فَقَالَ وَمن آيَاته خلق السَّمَوَات والارض وَاخْتِلَاف السنتكم والونكم إِن فِي ذَلِك لايات للْعَالمين وَقَالَ ﴿وَفِي الأَرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان يسقى بِمَاء وَاحِد﴾ الاية فَانْظُر الان فِي الحنجرة كَيفَ هِيَ كالأنبوب لخُرُوج الصَّوْت وَاللِّسَان والشفتان والاسنان لصياغة الْحُرُوف والنغمات الا ترى ان من سَقَطت اسنانه لم يقم الْحُرُوف الَّتِي تخرج مِنْهَا وَمن اللِّسَان وَمن سَقَطت شفته كَيفَ لم يقم الرَّاء وَاللَّام وَمن عرضت لَهُ آفَة فِي حلقه كَيفَ لم يتَمَكَّن من الْحُرُوف الحلقية وَقد شبه اصحاب التشريح مخرج الصَّوْت بالمزمار والرئة بالزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ من تَحْتَهُ ليدْخل الرّيح فِيهِ والفضلات الَّتِي تقبض على الرئة ليخرج الصَّوْت من الحنجرة بالاكف الَّتِي تقبض على الزق حَتَّى يخرج الْهَوَاء فِي الْقصب والشفتين والاسنان الَّتِي تصوغ الصَّوْت حروفا ونغما بالاصابع الَّتِي تخْتَلف على المزمار فتصوغه الحانا والماقطع الَّتِي يَنْتَهِي اليها الصَّوْت بالابخاش الَّتِي فِي القصبة حَتَّى قيل ان المزمار إِنَّمَا اتخذ على مِثَال ذَلِك من الانسان فَإِذا تعجبت من الصِّنَاعَة الَّتِي تعملها اكف النَّاس حَتَّى تخرج مِنْهَا تِلْكَ الاصوات فَمَا احراك بطول التَّعَجُّب من الصِّنَاعَة الالهية الَّتِي اخرجت تِلْكَ الْحُرُوف والاصوات من اللَّحْم وَالدَّم وَالْعُرُوق وَالْعِظَام وَيَا بعد مَا بَينهمَا وَلَكِن المألوف الْمُعْتَاد لَا يَقع عِنْد النُّفُوس موقع التَّعَجُّب فَإِذا رَأَتْ مَالا نِسْبَة لَهُ اليه اصلا الا انه غَرِيب عِنْدهَا تَلَقَّتْهُ بالتعجب وتسبيح الرب تَعَالَى وَعِنْدهَا من آيَاته العجيبة الباهرة مَا هُوَ اعظم من ذَلِك مِمَّا لَا يُدْرِكهُ الْقيَاس ثمَّ تَأمل اخْتِلَاف هَذِه النغمات وتباين هَذِه الاصوات مَعَ تشابه الْحَنَاجِر والحلوق والالسنة والشفاة والاسنان فَمن الَّذِي ميز بَينهَا أتم تَمْيِيز مَعَ تشابه محالها سوى الخلاق الْعَلِيم
فصل وَفِي هَذِه الالات مآرب اخرى وَمَنَافع سوى مَنْفَعَة الْكَلَام فَفِي الحنجرة
مَسْلَك النسيم الْبَارِد الَّذِي يروح على الْفُؤَاد بِهَذَا النَّفس الدَّائِم المتتابع وَفِي اللِّسَان مَنْفَعَة الذَّوْق فتذاق بِهِ الطعوم وتدرك لذتها ويميز بهَا بَينهَا فَيعرف حَقِيقَة كل وَاحِد مِنْهَا وَفِيه مَعَ ذَلِك مَعُونَة على إساغة الطَّعَام وان يلوكه ويقلبه حَتَّى يسهل مسلكه فِي الْحلق وَفِي الاسنان من الْمَنَافِع مَا هُوَ مَعْلُوم من تقطيع الطَّعَام كَمَا تقدم وفيهَا إِسْنَاد الشفتين وإمساكهما
стр. 269
عَن الاسترخاء وتشويه الصُّورَة وَلِهَذَا ترى من سَقَطت اسنانه كَيفَ تسترخي شفتاه وَفِي الشفتين مَنَافِع عديدة يرشف بهَا الشَّرَاب حَتَّى يكون الدَّاخِل مِنْهُ الى حلقه بِقدر فَلَا يشرق بِهِ الشَّارِب ثمَّ هما بَاب مغلق على الْفَم الَّذِي اليه يَنْتَهِي اليه مَا يخرج من الْجوف وَمِنْه يبتدي مَا يلج فَهِيَ فهما عَطاء وطابق عَلَيْهِ يفتحهما البواب مَتى شَاءَ ويغلقهما إِذا شَاءَ وهما ايضا جمال وزينة للْوَجْه وَفِيهِمَا مَنَافِع اخرى سوى ذَلِك وَانْظُر الى من سَقَطت شفتاه مَا اشوه منظره وَقد بَان ان كل وَاحِد من هَذِه الاعضاء يتَصَرَّف الى وُجُوه شَتَّى من الْمَنَافِع والمآرب والمصالح كَمَا تتصرف الاداة الْوَاحِدَة فِي اعمال شَتَّى هَذَا وَلَو رَأَيْت الدِّمَاغ وكشف لَك عَن تركيبه وخلقه لرايت الْعجب العجاب وَتكشف لَك عَن تركيب يحار فِيهِ الْعقل قد لف بحجب وأغشيه بَعْضهَا فَوق بعض لتصونه عَن الاعراض وَتَحفظه عَن الِاضْطِرَاب ثمَّ اطبقت عَلَيْهِ الجمجمة بِمَنْزِلَة الخوذة وبيضة الْحَدِيد لتقيه حد الصدمة والسقطة والضربة الَّتِي تصل اليه فتتلقاها تِلْكَ الْبَيْضَة عَنهُ بِمَنْزِلَة الخوذة الَّتِي على راس الْمُحَارب ثمَّ جللت تِلْكَ الجمجمة بِالْجلدِ الَّذِي هُوَ فَرْوَة الراس يستر الْعظم من البروز للمؤذيات ثمَّ كُسِيت تِلْكَ الفروة حلَّة من الشّعْر الوافر وقاية لَهَا وسترا من الْحر وَالْبرد والاذى وجمالا وزينة لَهُ فسل الْمُعَطل من الَّذِي حصن الدِّمَاغ هَذَا التحصين وَقدره هَذَا التَّقْدِير وَجعله خزانَة اودع فِيهَا من الْمَنَافِع والقوى والعجائب مَا اودعه ثمَّ احكم سد تِلْكَ الخزانة وحصنها اتم تحصين وصانها اعظم صِيَانة وَجعلهَا مَعْدن الْحَواس والادراكات وَمن الَّذِي جعل الاجفان على الْعَينَيْنِ كالغشاء والاشفار كالاشراج والاهداب كالرفوف فوف عَلَيْهَا إِذا فتحت وَمن الَّذِي ركب طبقاتها الْمُخْتَلفَة طبقَة فَوق طبقَة حَتَّى بلغت عدد السَّمَوَات سبعا وَجعل لكل طبقَة مَنْفَعَة وَفَائِدَة فَلَو اختلت طبقَة مِنْهَا لاختل الْبَصَر وَمن شقهما فِي الْوَجْه احسن شقّ واعطاهما احسن شكل وأودع الملاحة فيهمَا وجعلهما مرْآة للقلب وطليعة وحارسا للبدن ورائدا يُرْسِلهُ كالجند فِي مهماته فَلَا يتعب وَلَا يعيا على كَثْرَة ظعنه وَطول سَفَره وَمن اودع النُّور الباصر فِيهِ فِي قدر جرم العدسة فَيرى فِيهِ السَّمَوَات والارض وَالْجِبَال وَالشَّمْس وَالْقَمَر والبحار والعجائب من دَاخل سبع طَبَقَات وجعلهما فِي أعلا الْوَجْه بِمَنْزِلَة الحارس على الرابية الْعَالِيَة ربيتة للبدن وَمن حجب الْملك فِي الصُّدُور وَأَجْلسهُ هُنَاكَ على كرْسِي المملكة واقام جند الْجَوَارِح والاعضاء والقوى الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة فِي خدمته وذللها لَهُ فَهِيَ مؤتمرة إِذا امرها منتهية إِذا نهاها سامعة لَهُ مطيعة تكدح وتسعى فِي مرضاته فَلَا تَسْتَطِيع مِنْهُ خلاصا وَلَا خُرُوجًا عَن امْرَهْ فَمِنْهَا رَسُوله وَمِنْهَا بريده وَمِنْهَا ترجمانه وَمِنْهَا اعوانه وكل مِنْهَا على عمل لَا يتعداه وَلَا يتَصَرَّف فِي غير عمله حَتَّى إِذا أَرَادَ الرَّاحَة أوعز اليها بالهدو والسكون ليَأْخُذ الْملك رَاحَته فَإِذا اسْتَيْقَظَ من مَنَامه قَامَت جُنُوده
стр. 270
بَين يَدَيْهِ على اعمالها وَذَهَبت حَيْثُ وَجههَا دائبة لَا تفتر فَلَو شاهدته فِي مَحل ملكه والاشغال والمراسيم صادرة عَنهُ وواردة والعساكر فِي خدمته وَالْبرد تَتَرَدَّد بَينه وَبَين جنده ورعيته لرأيت لَهُ شَأْنًا عجيبا فَمَاذَا فَاتَ الْجَاهِل الغافل من الْعَجَائِب والمعارف والعبر الَّتِي لَا يحْتَاج فِيهَا الى طول الاسفار وركوب القفار قَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي الأَرْض آيَات للموقنين وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ فَدَعَا عباده الى التفكر فِي أنفسهم وَالِاسْتِدْلَال بهَا على فاطرها وباريها وَلَوْلَا هَذَا لم نوسع الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب وَلَا أطلنا النَّفس الى هَذِه الْغَايَة وَلَكِن الْعبْرَة بذلك حَاصِلَة وَالْمَنْفَعَة عَظِيمَة والفكرة فِيهِ مِمَّا يزِيد الْمُؤمن ايمانا فكم دون الْقلب من حرس وَكم لَهُ من خَادِم وَكم لَهُ من عبيد وَلَا يشْعر بِهِ وَللَّه مَا خلق لَهُ وهيأ لَهُ واريد مِنْهُ وَأعد لَهُ من الْكَرَامَة وَالنَّعِيم اَوْ الهوان وَالْعَذَاب فَأَما على سَرِير الْملك فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر ينظر الى وَجه ربه وَيسمع خطابه وَإِمَّا اسير فِي السجْن الاعظم بَين اطباق النيرَان فِي الْعَذَاب الاليم فَلَو عقل هَذَا السُّلْطَان مَا هيأ لَهُ لضن بِملكه ولسعى فِي الْملك الَّذِي لاينقطع وَلَا يبيد وَلكنه ضربت عَلَيْهِ حجب الْغَفْلَة ليقضى الله امرا كَانَ مَفْعُولا
فصل وَمن جعل فِي الْحلق منفذين احدهما للصوت وَالنَّفس الْوَاصِل الى الرئة
والاخر للطعام وَالشرَاب وَهُوَ المريء الْوَاصِل الى الْمعدة وَجعل بَينهمَا حاجزا يمْنَع عبور احدهما فِي طَرِيق الاخر فَلَو وصل الطَّعَام من منفذ النَّفس الى الرئة لاهلك الْحَيَوَان وَمن جعل الرئة مروحة للقلب تروح عَلَيْهِ لَا تنى وَلَا تفتر لكيلا تَنْحَصِر الْحَرَارَة فِيهِ فَيهْلك وَمن جعل المنافذ لفضلات الْغذَاء وَجعل لَهَا اشراجا تقبضها لكيلا تجرى جَريا دَائِما فتفسد على الانسان عيشه وَيمْنَع النَّاس من مجالسه بَعضهم بَعْضًا وَمن جعل الْمعدة كأشد مَا يكون من العصب لانها هيئت لطبخ الاطعمة وانضاجها فَلَو كَانَت لَحْمًا غضا لانطبخت هِيَ ونضجت فَجعلت كالعصب الشَّديد لتقوى على الطَّبْخ والانضاج وَلَا تنهكها النَّار الَّتِي تحتهَا وَمن جعل الكبد رقيقَة ناعمة لانها هيئت لقبُول الصفو اللَّطِيف من الْغذَاء والهضم وَعمل هُوَ الطف من عمل الْمعدة وَمن حصن المخ اللَّطِيف الرَّقِيق فِي انابيب صلبة من الْعِظَام ليحفظها ويصونها فَلَا تفْسد وَلَا تذوب وَمن جعل الدَّم السيال مَحْبُوسًا محصورا فِي الْعُرُوق بِمَنْزِلَة المَاء فِي الْوِعَاء ليضبط فَلَا يجْرِي وَمن جعل الاظفار على اطراف الاصابع وقاية لَهَا وصيانة من الاعمال والصناعات وَمن جعل دَاخل الاذن مستويا كَهَيئَةِ الْكَوْكَب ليطرد فِيهِ الصَّوْت حَتَّى يَنْتَهِي الى السّمع الدَّاخِل وَقد انْكَسَرت حِدة الْهَوَاء فَلَا ينكؤه وليتعذر على الْهَوَاء النّفُوذ اليه قبل ان يمسك وليمسك
стр. 271
مَا عساه ان يَغْشَاهَا من القذى والوسخ ولغير ذَلِك من الحكم وَمن جعل على الفخذين والوركين من اللَّحْم اكثر مِمَّا على سَائِر الاعضاء ليقيها من الارض فَلَا تألم عظامها من كَثْرَة الْجُلُوس كَمَا يألم من قد نحل جِسْمه وَقل لَحْمه من طول الْجُلُوس حَيْثُ لم يحل بَينه وَبَين الارض حَائِل وَمن جعل مَاء الْعَينَيْنِ ملحا يحفظها من الذوبان وَمَاء الاذن مرا يحفظها من الذُّبَاب والهواء والبعوض وَمَاء الْفَم عذبا يدْرك بِهِ طعوم الاشياء فَلَا يخالطها طعم غَيرهَا وَمن جعل بَاب الْخَلَاء فِي الانسان فِي اسْتُرْ مَوضِع كَمَا ان الْبناء الْحَكِيم بِجعْل مَوضِع التخلى فِي اسْتُرْ مَوضِع فِي الدَّار وَهَكَذَا منفذ الْخَلَاء من الانسان فِي اسْتُرْ مَوضِع لَيْسَ بارزا من خَلفه وَلَا ناشزا بَين يَدَيْهِ بل مغيب فِي مَوضِع غامض من الْبدن يلتقى عَلَيْهِ الفخذان بِمَا عَلَيْهِمَا من اللَّحْم متواريا فَإِذا جَاءَ وَقت الْحَاجة وَجلسَ الانسان لَهَا برز ذَلِك الْمخْرج للآرض وَمن جعل الاسنان حدادا لقطع الطَّعَام وتفصيله والاضراس عراضا لرضه وطحنه وَمن سلب الاحساس الحيواني الشُّعُور والاظفار الَّتِي فِي الادمي لانها قد تطول وتمتد وَتَدْعُو الْحَاجة الى اخذها وتخفيفها فَلَو اعطاها الْحس لالمته وشق عَلَيْهِ اخذ مَا شَاءَ مِنْهَا وَلَو كَانَت تحس لوقع الانسان مِنْهَا فِي إِحْدَى البليتين اما تَركهَا حَتَّى تطول وتفحش وتثقل عَلَيْهِ وَأما مقاساة الالم والوجع عِنْد اخذها وَمن جعل بَاطِن الْكَفّ غير قَابل لانبات الشّعْر لانه لَو اشعر لتعذر على الانسان صِحَة اللَّمْس ولشق عَلَيْهِ كثير من الاعمال الَّتِي تباشر بالكف ولهذه الْحِكْمَة لم يكن هن الرجل قَابلا لانباته لانه يمنعهُ من الْجِمَاع وَلما كَانَت الْمَادَّة تَقْتَضِي إنباته هُنَاكَ نبت حول هن الرجل وَالْمَرْأَة ولهذه الْحِكْمَة سلب عَن الشفتين وَكَذَا بَاطِن الْفَم وَكَذَا ايضا الْقدَم اخمصها وظاهرها لانها تلاقي التُّرَاب والوسخ والطين والشوك فَلَو كَانَ هُنَاكَ شعر لأَذى الانسان جدا وَحمل من الارض كل وَقت مَا يثقل الانسان وَلَيْسَ هَذَا للانسان وَحده بل ترى الْبَهَائِم قد جللها الشّعْر كلهَا واخليت هَذِه الْمَوَاضِع مِنْهُ لهَذِهِ الْحِكْمَة افلا ترى الصَّنْعَة الالهية كَيفَ سلبت وُجُوه الْخَطَأ والمضرة وَجَاءَت بِكُل صَوَاب وكل مَنْفَعَة وكل مصلحَة وَلما اجْتهد الطاعنون فِي الْحِكْمَة العائبون للخلقة فِيمَا يطعنون بِهِ عابوا الشُّعُور تَحت الاباط وَشعر الْعَانَة وَشعر بَاطِن الانف وَشعر الرُّكْبَتَيْنِ وَقَالُوا أَي حِكْمَة فِيهَا واي فَائِدَة وَهَذَا من فرط جهلهم وسخافة عُقُولهمْ فَإِن الْحِكْمَة لَا يجب ان تكون بأسرها مَعْلُومَة للبشر وَلَا أَكْثَرهَا بل لَا نِسْبَة لما علموه الى مَا جهلوه فِيهَا لَو قيست عُلُوم الْخَلَائق كلهم بِوُجُوه حِكْمَة الله تَعَالَى فِي خلقه وَأمره الى مَا خَفِي عَنْهُم مِنْهَا كَانَت كنقرة عُصْفُور فِي الْبَحْر وَحسب الفطن اللبيب ان يسْتَدلّ بِمَا عرف مِنْهَا على مَا لم يعرف وَيعلم الْحِكْمَة فِيمَا جَهله مِنْهَا مثلهَا فِيمَا علمه بل اعظم وادق وَمَا مثل هَؤُلَاءِ الحمقى النوكي الا كَمثل رجل لاعلم لَهُ بدقائق الصَّنَائِع
стр. 272
والعلوم من الْبناء والهندسة والطب بل ولاحياكة والخياطة والنجارة إِذا رام الِاعْتِرَاض بعقله الْفَاسِد على اربابها فِي شَيْء من الاتهم وصنائعهم وترتيب صناعتهم فخفيت عَلَيْهِ فَجعل كل مَا خَفِي عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْء قَالَ هَذَا لَا فَائِدَة فِيهِ وَأي حِكْمَة تَقْتَضِيه هَذَا مَعَ ان ارباب الصَّنَائِع بشر مثله يُمكنهُ ان يشاركهم فِي صنائعهم ويفوقهم فِيهَا فَمَا الظَّن بِمن بهرت حكمته الْعُقُول الَّذِي لَا يُشَارِكهُ مشارك فِي حكمته كَمَا لايشاركه فِي خلقه فَلَا شريك لَهُ بِوَجْه فَمن ظن ان يكتال حكمته بِمِكْيَال عقله اَوْ يَجْعَل عقله عيارا عَلَيْهَا فَمَا ادركه اقربه وَمَا لم يُدْرِكهُ نَفَاهُ فَهُوَ من اجهل الْجَاهِلين وَللَّه فِي كل مَا خَفِي على النَّاس وَجه الْحِكْمَة فِيهِ حكم عديدة لاتدفع وَلَا تنكر فَاعْلَم الان ان تَحت منابت هَذِه الشُّعُور من الْحَرَارَة والرطوبة مَا اقْتَضَت الطبيعة إِخْرَاج هَذِه الشُّعُور عَلَيْهَا الا ترى ان العشب ينبتفي مستنقع الْمِيَاه بعد نضوب المَاء عَنْهَا لما خصت بِهِ من الرُّطُوبَة وَلِهَذَا كَانَت هَذِه الْمَوَاضِع من ارطب مَوَاضِع الْبدن وَهِي اقبل لنبات الشّعْر وأهيأ فَدفعت الطبيعة تِلْكَ الفضلات والرطوبات الى خَارج فَصَارَت شعرًا وَلَو حبست فِي دَاخل الْبدن لاضرته وآذت بَاطِنه فخروجها عين مصلحَة الْحَيَوَان واحتباسها إِنَّمَا يكون لنَقص وَآفَة فِيهِ وَهَذَا كخروج دم الْحيض من الْمَرْأَة فَإِنَّهُ عين مصلحتها وكمالها وَلِهَذَا يكون احتباسه لفساد فِي الطبيعة وَنقص فِيهَا الا ترى ان من احْتبسَ عَنهُ شعر الرَّأْس واللحية بعد إبانه كَيفَ ترَاهُ نَاقص الطبيعة نَاقص الْخلقَة ضَعِيف التَّرْكِيب فَإِذا شاهدت ذَلِك فِي الشّعْر الَّذِي عرفت بعض حكمته فمالك لاتعتبره فِي الشّعْر الَّذِي خفيت عَلَيْك حكمته وَمن جعل الرِّيق يجْرِي دَائِما الى الْفَم لَا يَنْقَطِع عَنهُ ليبل الْحلق واللهوات ويسهل الْكَلَام ويسيغ الطَّعَام قَالَ بقراط الرُّطُوبَة فِي الْفَم مَطِيَّة الْغذَاء فَتَأمل حالك عِنْد مَا يجِف ريقك بعض الْجَفَاف ويقل ينبوع هَذِه الْعين الَّتِي لَا يسْتَغْنى عَنهُ
فصل ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله تَعَالَى فِي كَثْرَة بكاء الاطفال وَمَا لَهُم فِيهِ
من الْمَنْفَعَة فَإِن الاطباء والطبائعيين شهدُوا مَنْفَعَة ذَلِك وحكمته وَقَالُوا فِي أدمغة الاطفال رُطُوبَة لَو بقيت فِي أدمغتهم لاحدثت احداثا عَظِيمَة فالبكاء يسيل ذَلِك ويحدره من ادمغتهم فتقوى ادمغتهم وَتَصِح وايضا فَإِن الْبكاء والعياط يُوسع عَلَيْهِ مجاري النَّفس وَيفتح الْعُرُوق ويصابها ويقوى الاعصاب وَكم للطفل من مَنْفَعَة ومصلحة فِيمَا تسمعه من بكائه وصراخه فَإِذا كَانَت هَذِه الْحِكْمَة فِي الْبكاء الَّذِي سَببه وُرُود الالم المؤذي وَأَنت لَا تعرفها وَلَا تكَاد تخطر ببالك فَهَكَذَا ايلام الاطفال فِيهِ وَفِي اسبابه وعواقبه الحميدة من الحكم مَا قد خَفِي على اكثر النَّاس واضطرب عَلَيْهِم الْكَلَام فِي حكمه اضْطِرَاب الارشية وسلكوا فِي هَذَا الْبَاب مسالك فَقَالَت
стр. 273
طَائِفَة لَيْسَ الا مَحْض الْمَشِيئَة الْعَارِية عَن الْحِكْمَة والغاية الْمَطْلُوبَة وسدوا على انفسهم هَذَا الْبَاب جملَة وَكلما سئلوا عَن شَيْء اجابوا بِلَا يسال عَمَّا يفعل وَهَذَا من اصدق الْكَلَام وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ نفي حكمته تَعَالَى وعواقب افعاله الحميدة وغاياتها الْمَطْلُوبَة مِنْهَا وَإِنَّمَا المُرَاد بالاية إِفْرَاده بالالهية والربوبية وَإنَّهُ لكَمَال حكمته لَا معقب لحكمه وَلَا يعْتَرض عَلَيْهِ بالسؤال لانه لَا يفعل شَيْئا سدى وَلَا خلق شَيْئا عَبَثا وَإِنَّمَا يسْأَل عَن فعله من خرج عَن الصَّوَاب وَلم يكن فِيهِ مَنْفَعَة وَلَا فَائِدَة الا ترى الى قَوْله ام اتَّخذُوا آلِهَة من الارض هم ينشرون لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة الا الله لفسدتا فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسئلون كَيفَ سَاق الاية فِي الانكار على من اتخذ من دونه آلِهَة لَا تساويه فسواها بِهِ مَعَ اعظم الْفرق فَقَوله لَا يسْأَل عَمَّا يفعل اثبات لحقيقة الالهية وإفراده لَهُ بالربوبية والالهية وَقَوله وهم يسْأَلُون فِي صَلَاح تِلْكَ الالهة المتخذة للالهية فإنهامسئولة مربوبة مُدبرَة فَكيف يسوى بَينهَا وَبَينه مَعَ اعظم الْفرْقَان فَهَذَا الَّذِي سيق لَهُ الْكَلَام فَجَعلهَا الجبرية ملْجأ ومعقلا فِي إِنْكَار حكمته وتعليل أَفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة وَالله الْمُوفق للصَّوَاب وَقَالَت طَائِفَة الْحِكْمَة فِي ابتلائهم تعويضهم فِي الاخرة بالثواب التَّام فَقيل لَهُم قد كَانَ يُمكن ايصال الثَّوَاب اليهم بِدُونِ هَذَا الايلام فَأَجَابُوا بِأَن توَسط الايلام فِي حَقهم كتوسط التكاليف فِي حق الْمُكَلّفين فَقيل لَهُم فَهَذَا ينْتَقض عَلَيْكُم بإيلام اطفال الْكفَّار فَأَجَابُوا بِأَنا لَا نقُول انهم فِي النَّار كَمَا قَالَه من قَالَه من النَّاس وَالنَّار لَا يدخلهَا اُحْدُ الا بذنب وَهَؤُلَاء لَا ذَنْب لَهُم وَكَذَا الْكَلَام مَعَهم فِي مسئلة الاطفال وَالْحجاج فِيهَا من الْجَانِبَيْنِ بِمَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه فأورد عَلَيْهِم مَالا جَوَاب لَهُم عَنهُ وَهُوَ إيلام اطفالهم الَّذين قدر بلوغهم وموتهم على الْكفْر فَإِن هَذَا لَا تعويض فِيهِ قطعا وَلَا هُوَ عُقُوبَة على الْكفْر فَإِن الْعقُوبَة لَا تكون سلفا وتعجيلا فحاروا فِي هَذَا الْموضع واضطربت اصولهم وَلم يَأْتُوا بِمَا يقبله الْعقل وَقَالَت طَائِفَة ثَالِثَة هَذَا السُّؤَال لَو تَأمله مورده لعلم انه سَاقِط وَأَن تكلّف الْجَواب عَنهُ الزام مَالا يلْزم فَإِن هَذِه الالام وتوابعها وأسبابها من لَوَازِم النشأة الانسانية الَّتِي لم يخلق منفكا عَنْهَا فَهِيَ كَالْحرِّ وَالْبرد والجوع والعطش والتعب وَالنّصب والهم وَالْغَم والضعيف وَالْعجز فالسؤال عَن حكم الْحَاجة الى الاكل عِنْد الْجُوع وَالْحَاجة الى الشّرْب عِنْد الظمأ والى النّوم والراحة عِنْد التَّعَب فَإِن هَذِه الالام هِيَ من لَوَازِم النشأة الانسانية الَّتِي لَا يَنْفَكّ عَنْهَا الانسان وَلَا الْحَيَوَان فَلَو تجرد عَنْهَا لم يكن انسانا بل كَانَ ملكا اَوْ خلقا آخر وَلَيْسَت آلام الاطفال باصعب من آلام الْبَالِغين لَكِن لما صَارَت لَهُم عَادَة سهل موقعها عِنْدهم وَكم بَين مَا يقاسيه الطِّفْل ويعانيه الْبَالِغ الْعَاقِل وكل ذَلِك من مُقْتَضى الانسانية وَمُوجب الْخلقَة فَلَو لم يخلق كَذَلِك لَكَانَ خلقا آخر فَيرى
стр. 274
ان الطِّفْل اذا جَاع اَوْ عَطش اَوْ برد اَوْ تَعب قد خص من ذَلِك بِمَا لم يمْتَحن بِهِ الْكَبِير فإيلامه بِغَيْر ذَلِك من الاوجاع والاسقام كإيلامه بِالْجُوعِ والعطش وَالْبرد والحردون ذَلِك اَوْ فَوْقه وَمَا خلق الانسان بل الْحَيَوَان الا على هَذِه النشأة قَالُوا فَإِن سَأَلَ سَائل وَقَالَ فَلم خلق كَذَلِك وهلا خلق خلقَة غير قَابِلَة للألم فَهَذَا سُؤال فَاسد فَإِن الله تَعَالَى خلقه فِي عَالم الِابْتِلَاء والامتحان من مَادَّة ضَعِيفَة فَهِيَ عرضة للآفات وركبة تركيبا معرضًا للأنواع من الالام وَجعل فِيهِ الاخلاط الاربعة الَّتِي لَا قوام لَهُ إِلَّا بهَا وَلَا يكون الا عَلَيْهَا وَهِي لَا محَالة توجب امتزاجا واختلاطا وتفاعلا يبغى بَعْضهَا على بعض بكيفيته تَارَة وبكميته تَارَة وَبِهِمَا تَارَة وَذَلِكَ مُوجب للالام قطعا وَوُجُود الْمَلْزُوم بِدُونِ لَازمه محَال ثمَّ انه سُبْحَانَهُ ركب فِيهِ من القوى والشهوة والارادة مَا يُوجب حركته الدائبة وسعيه فِي طلب مَا يصلحه دفع مَا يضرّهُ بِنَفسِهِ تَارَة وبمن يُعينهُ تَارَة فاحوج النَّوْع بعضه الى بعض فَحدث من ذَلِك الِاخْتِلَاط بَينهم وبغى بَعضهم على بعض فَحدث من ذَلِك الالام والشرور بِنَحْوِ مَا يحدث من امتزاج اخلاطه واختلاطها وبغى بَعْضهَا على بعض والالام لَا تتخلف عَن هَذَا الامتزاج ابدا الا فِي دَار الْبَقَاء وَالنَّعِيم الْمُقِيم لَا فِي دَار الِابْتِلَاء والامتحان فَمن ظن ان الْحِكْمَة فِي ان تجْعَل خَصَائِص تِلْكَ الدَّار فِي هَذِه فقد ظن بَاطِلا بل الْحِكْمَة التَّامَّة الْبَالِغَة اقْتَضَت ان تكون هَذِه الدَّار ممزوجة عَافِيَتهَا ببلائها وراحتها بعنائها ولذتها بآلامها وصحتها بسقمها وفرحها بغمها فَهِيَ دَار ابتلاء تدفع بعض آفاتها بِبَعْض كَمَا قَالَ الْقَائِل:
اصبحت فِي دَار بليات ... ادْفَعْ آفَات بآفات وَلَقَد صدق فَإنَّك إِذا فَكرت فِي الاكل وَالشرب واللباس وَالْجِمَاع والراحة وَسَائِر مَا يستلذ بِهِ رَأَيْته يدْفع بهَا مَا قابله من الالام والبليات افلا تراك تدفع بالاكل الم الْجُوع وبالشرب الم الْعَطش وباللباس الم الْحر وَالْبرد وَكَذَا سائرها وَمن هُنَا قَالَ بعض الْعُقَلَاء ان لذاتها لنا هِيَ دفع الالام لَا غير فاما اللَّذَّات الْحَقِيقِيَّة فلهَا دَار اخرى وَمحل آخر غير هَذِه فوجود هَذِه الالام وَاللَّذَّات الممتزجة المختلطة من الادلة على الْمعَاد وَأَن الْحِكْمَة الَّتِي اقْتَضَت ذَلِك هِيَ اولى باقتضاء دارين دَار خَالِصَة للذات لَا يشوبها الم مَا وَدَار خَالِصَة للالام لَا يشوبها لَذَّة مَا وَالدَّار الاولى الْجنَّة وَالدَّار الثَّانِيَة النَّار أَفلا ترى كَيفَ دلك ذَلِك مَعَ مَا انت مجبول عَلَيْهِ فِي هَذِه النشأة من اللَّذَّة والالم على الْجنَّة وَالنَّار ورايت شواهدهما وأدلة وجودهما من نَفسك حَتَّى كَأَنَّك تعاينهما عيَانًا وَانْظُر كَيفَ دلّ العيان والحس والوجود على حِكْمَة الرب تَعَالَى وعَلى صدق رسله فِيمَا اخبروا بِهِ من الْجنَّة وَالنَّار فَتَأمل كَيفَ قاد النّظر فِي حِكْمَة الله الى شَهَادَة الْعُقُول وَالْفطر بِصدق رسله وَمَا اخبروا
стр. 275
بِهِ تَفْصِيلًا يدل عَلَيْهِ الْعقل مُجملا فَأَيْنَ هَذَا من مقَام من اداء علمه الى الْمُعَارضَة بَين مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَبَين شَوَاهِد الْعقل وأدلته وَلَكِن تِلْكَ الْعُقُول كادها باريها ووكلها الى انفسها فَحلت بهَا عَسَاكِر الخذلان من كل جَانب وحسبك بِهَذَا الْفَصْل وعظيم منفعَته من هَذَا الْكتاب وَالله الْمَحْمُود المسؤل تَمام نعْمَته فَهَذِهِ كَلِمَات مختصرة نافعة فِي مَسْأَلَة إيلام الاطفال لَعَلَّك لَا تظفر بهَا فِي أَكثر الْكتب فَارْجِع الان الى نَفسك وفكر فِي هَذِه الافعال الطبيعية الَّتِي جعلت فِي الانسان وَمَا فِيهَا من الْحِكْمَة وَالْمَنْفَعَة وَمَا جعل لكل وَاحِد مِنْهَا فِي الطَّبْع الْمُجَرّد والداعي الَّذِي يَقْتَضِيهِ ويستحثه فالجوع يستحث الاكل ويطلبه لما فِيهِ من قوام الْبدن وحياته ومماته والكرى يقتضى النّوم ويستحثه لما فِيهِ من رَاحَة الْبدن والاعضاء واجمام القوى وعودها الى قوتها جَدِيدَة غير كالة والشبق يَقْتَضِي الْجِمَاع الَّذِي بِهِ دوَام النَّسْل وقضاءالوطر وَتَمام اللَّذَّة فتجد هَذِه الدَّوَاعِي تستحث الانسان لهَذِهِ الامور وتتقاضاها مِنْهُ بِغَيْر اخْتِيَاره وَذَلِكَ عين الْحِكْمَة فَإِنَّهُ لَو كَانَ الانسان إِنَّمَا يَسْتَدْعِي هَذِه المستحثات إِذا اراد لَأَوْشَكَ ان يشْتَغل عَنْهَا بماي يعروه من الْعَوَارِض مُدَّة فينحل بدنه وَيهْلك ويترامى الى الْفساد وَهُوَ لَا يشْعر كَمَا إِذا احْتَاجَ بدنه الى شَيْء من الدَّوَاء وَالصَّلَاح فدافعه وَأعْرض عَنهُ حَتَّى إِذا استحكم بِهِ الدَّاء اهلكه فاقتضت حِكْمَة اللَّطِيف الْخَبِير ان جعلت فِيهِ بواعث ومستحثات تؤزه ازا الى مَا فِيهِ قوامه وبقاؤه ومصلحته وَترد عَلَيْهِ بِغَيْر اخْتِيَاره وَلَا استدعائه فَجعل لكل وَاحِد من هَذِه الافعال محرك من نفس الطبيعة يحركه ويحدوه عَلَيْهِ ثمَّ انْظُر الى مَا يُعْطِيهِ من القوى الْمُخْتَلفَة الَّتِي بهَا قوامه فَأعْطى الْقُوَّة الجاذبة الطالبة المستحثة الَّتِي تَقْتَضِي معلومها من الْغذَاء فتأخذه ويورده على الاعضاء بِحَسب قبُولهَا ثمَّ اعطى الْقُوَّة الممسكة الَّتِي تمسك الطَّعَام وتحبسه ريثما تنضجه الطبيعة وتحكم طبخه وتهيؤه لمصارفه وتبعثه لمستحقه ثمَّ اعطى الْقُوَّة الهاضمة الَّتِي تصرفه فِي الْبدن وتهضمه عَن الْمعدة ثمَّ اعطى الْقُوَّة الدافعة وَهِي الَّتِي تدفع ثقله ومالا مَنْفَعَة فِيهِ فتدفعه وتخرجه عَن الْبدن لِئَلَّا يُؤْذِيه وينهكه فَمن اعطاك هَذِه الْقُوَّة عِنْد شدَّة حَاجَتك اليها وَمن جعلهَا خَادِمًا لَك وَمن اعطاها افعالها وَاسْتعْمل كل وَاحِد مِنْهَا على غير عمل الاخر وَمن الف بَينهَا على تباينها حَتَّى اجْتمعت فِي شخص وَاحِد وَمحل وَاحِد وَلَو عادى بَينهَا كَانَ بَعْضهَا يذهب بَعْضًا فَمن كَانَ يحول بَينه وَبَين ذَلِك فلولا الْقُوَّة الجاذبة كَيفَ كنت متحركا لطلب الْغذَاء الَّذِي بِهِ قوام الْبدن وَلَوْلَا الممسكة كَيفَ كَانَ الطَّعَام يذهب فِي الْجوف حَتَّى تهضمه الْمعدة وَلَوْلَا الهاضمة كَيفَ كَانَ يطْبخ حَتَّى يخلص مِنْهُ الصفو الى سَائِر اجزاء الْبدن وأعماقه وَلَوْلَا الدافعة كَيفَ كَانَ الثّقل المؤذي الْقَاتِل لَو انحبس يخرج اولا فأولا فيستريح الْبدن فيخف
стр. 276
وينشط فَتَأمل كَيفَ وكلت هَذِه الْقُوَّة بك وَالْقِيَام بمصالحك فالبدن كدار اللملك فِيهَا حشمه وخدمه قد وكل بِتِلْكَ الدَّار اقواما يقومُونَ بمصالحها فبعضهم لاقْتِضَاء حوائجها وإيرادها عَلَيْهَا وَبَعْضهمْ لقبض الْوَارِد وحظفه وخزنه الى ان يهيأ وَيصْلح وَبَعْضهمْ يقبضهُ فيهيؤه ويصلحه ويدفعه الى اهل الدَّار ويفرقه عَلَيْهِم بِحَسب حاجاتهم وَبَعْضهمْ لمسح الدَّار وتنظيفها وكنسها من الْمَزَابِل والاقذار فالملك هُوَ الْملك الْحق الْمُبين ﷻ وَالدَّار انت والحشم والخدم الاعضاء والجوارح والقوام عَلَيْهَا هَذِه القوى الَّتِي ذَكرنَاهَا تَنْبِيه فرق بَين نظر الطَّبِيب والطبائعي فِي هَذِه الامور فنظرهما فيهامقصور على النّظر فِي حفظ الصِّحَّة وَدفع السقم فَهُوَ ينظر فيهامن هَذِه الْجِهَة فَقَط وَبَين نظر الْمُؤمن الْعَارِف فِيهَا فَهُوَ ينظر فِيهَا من جِهَة دلالتها على خَالِقهَا وباريها وَمَاله فِيهَا من الحكم الْبَالِغَة وَالنعَم السابغة والالاء الَّتِي دَعَا الْعباد الى شكرها وَذكرهَا
تَنْبِيه ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله فِي الْحِفْظ وَالنِّسْيَان الَّذِي خص بِهِ نوع الانسان وَمَاله فيهمَا من الحكم وَمَا للْعَبد فيهمَا من الْمصَالح فَإِنَّهُ لَوْلَا الْقُوَّة الحافظة الَّتِي خص بهَا لدخل عَلَيْهِ الْخلَل فِي أُمُوره كلهَا وَلم يعرف مَاله وَمَا عَلَيْهِ وَلَا مَا اخذ وَلَا مَا اعطى وَلَا مَا سمع وَرَأى وَلَا مَا قَالَ وَلَا مَا قيل لَهُ وَلَا ذكر من احسن اليه وَلَا من اساء اليه وَلَا من عَامله وَلَا من نَفعه فَيقرب مِنْهُ وَلَا من ضره فينأى عَنهُ ثمَّ كَانَ لايهتدي الى الطَّرِيق الَّذِي سلكه اول مرّة وَلَو سلكه مرَارًا وَلَا يعرف علما وَلَو درسه عمره وَلَا ينْتَفع بتجربة وَلَا يَسْتَطِيع ان يعْتَبر شَيْئا على مَا مضى بل كَانَ خليقا ان يَنْسَلِخ من الانسانية اصلا فَتَأمل عَظِيم الْمَنْفَعَة عَلَيْك فِي هَذِه الْخلال وموقع الْوَاحِدَة مِنْهَا فضلا عَن جَمِيعهنَّ وَمن اعْجَبْ النعم عَلَيْهِ نعْمَة النسْيَان فَإِنَّهُ لَوْلَا النسْيَان لما سلا شَيْئا وَلَا انْقَضتْ لَهُ حسرة وَلَا تعزى عَن مُصِيبَة وَلَا مَاتَ لَهُ حزن وَلَا بَطل لَهُ حقد وَلَا تمتّع بِشَيْء من مَتَاع الدُّنْيَا مَعَ تذكر الافات وَلَا رجا غَفلَة عَدو وَلَا نقمة من حَاسِد فَتَأمل نعْمَة الله فِي الْحِفْظ وَالنِّسْيَان مَعَ اخْتِلَافهمَا وتضادهما وَجعله فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا ضربا من الْمصلحَة تَنْبِيه ثمَّ تَأمل هَذَا الْخلق الَّذِي خص بِهِ الانسان دون جَمِيع الْحَيَوَان وَهُوَ خلق الْحيَاء الَّذِي هُوَ من افضل الاخلاق واجلها واعظمها قدرا واكثرها نفعا بل هُوَ خَاصَّة الانسانية فَمن لَا حَيَاء فِيهِ لَيْسَ مَعَه من الانسانية الا اللَّحْم وَالدَّم وصورتهم الظَّاهِرَة كَمَا انه لَيْسَ مَعَه من الْخَيْر شَيْء وَلَوْلَا هذاالخلق لم يقر الضَّيْف وَلم يوف بالوعد وَلم يؤد امانة وَلم يقْض لَاحَدَّ حَاجَة وَلَا تحرى الرجل الْجَمِيل فآثره والقبيح فتجنبه وَلَا ستر لَهُ عَورَة وَلَا امْتنع من فَاحِشَة وَكثير من النَّاس لَوْلَا الْحيَاء الَّذِي فِيهِ لم يؤد شَيْئا من الامور المفترضة عَلَيْهِ وَلم يرع لمخلوق
стр. 277
حَقًا وَلم يصل لَهُ رحما وَلَا بر لَهُ والدا فَإِن الْبَاعِث على هَذِه الافعال إِمَّا ديني وَهُوَ رَجَاء عَاقبَتهَا الحميدة وَإِمَّا دُنْيَوِيّ علوي وَهُوَ حَيَاء فاعلها من الْخلق قد تبين انه لَوْلَا الْحيَاء إِمَّا من الْخَالِق اَوْ من الْخَلَائق لم يَفْعَلهَا صَاحبهَا وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره مَرْفُوعا اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء قَالُوا وَمَا حق الْحيَاء قَالَ ان تحفظ الراس وَمَا حوى والبطن وَمَا وعى وتذكر الْمَقَابِر والبلى وَقَالَ إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ فِيهِ قَول ابي عبيد والاكثرين انه تهديد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ وَقَوله ﴿كلوا وتمتعوا قَلِيلا﴾ وَقَالَت طَائِفَة هُوَ إِذن وَإِبَاحَة وَالْمعْنَى إِنَّك اذا اردت ان تفعل فعلا فَانْظُر قبل فعله فَإِن كَانَ مِمَّا يستحيا فِيهِ من الله وَمن النَّاس فَلَا تَفْعَلهُ وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يستحيا مِنْهُ فافعله فَإِنَّهُ لَيْسَ بقبيح وَعِنْدِي ان هَذَا الْكَلَام صُورَة صرة الطّلب وَمَعْنَاهُ معنى الْخَبَر وَهُوَ فِي قُوَّة قَوْلهم من لَا يستحى صنع مَا يشتهى فَلَيْسَ بِإِذن وَلَا هُوَ مُجَرّد تهديد وَإِنَّمَا هُوَ فِي معنى الْخَبَر وَالْمعْنَى ان الرادع عَن الْقَبِيح إِنَّمَا هُوَ الْحيَاء فَمن لم يستح فَإِنَّهُ يصنع ماشاء وَإِخْرَاج هَذَا الْمَعْنى فِي صِيغَة الطّلب لنكته بديعة جدا وَهِي ان للانسان آمرين وزاجرين آمروزاجر من جِهَة الْحيَاء فَإِذا اطاعه امْتنع من فعل كل مَا يَشْتَهِي وَله آمُر وزاجر من جِهَة الْهوى والطبيعة فَمن لم يطع آمُر الْحيَاء وزاجره اطاع آمُر الْهوى والشهوة وَلَا بُد فإخراج الْكَلَام فِي قالب الطّلب يتَضَمَّن هَذَا الْمَعْنى دون ان يُقَال من لَا يستحي صنع مَا يَشْتَهِي
تَنْبِيه ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الانسان بالبيانين الْبَيَان النطقي وَالْبَيَان الخطي وَقد اعْتد بهما سُبْحَانَهُ فِي جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقَالَ فِي أول سُورَة انزلت على رَسُول الله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ فَتَأمل كَيفَ جمع فِي هَذِه الْكَلِمَات مَرَاتِب الْخلق كلهَا وَكَيف تَضَمَّنت مَرَاتِب الوجودات الاربعة بأوجز لفظ واوضحه واحسنه فَذكر أَولا عُمُوم الْخلق وَهُوَ إعطاءالوجود الْخَارِجِي ثمَّ ذكر ثَانِيًا خُصُوص خلق الانسان لانه مَوضِع الْعبْرَة والاية فِيهِ عَظِيمَة وَمن شُهُوده عَمَّا فِيهِ مَحْض تعدد النعم وَذكر مَادَّة خلقه هَا هُنَا من الْعلقَة وَفِي سَائِر الْمَوَاضِع يذكر مَا هُوَ سَابق عَلَيْهَا إِمَّا مَادَّة الاصل وَهُوَ التُّرَاب والطين اَوْ الصلصال الَّذِي كالفخار اَوْ مَادَّة الْفَرْع وَهُوَ المَاء المهين وَذكر فِي هَذَا الْموضع اول مبادئ تعلق التخليق وَهُوَ الْعلقَة فَإِنَّهُ كَانَ قبلهَا نُطْفَة فَأول انتقالها إِنَّمَا هُوَ الى الْعلقَة ثمَّ ذكر ثَالِثا التَّعْلِيم بالقلم الَّذِي هُوَ من اعظم نعمه على عباده إِذْ بِهِ تخلد الْعُلُوم وَتثبت الْحُقُوق وَتعلم الْوَصَايَا وَتحفظ الشَّهَادَات ويضبط حِسَاب الْمُعَامَلَات الْوَاقِعَة بَين النَّاس وَبِه تقيد اخبار الماضين للباقين اللاحقين وَلَوْلَا الْكِتَابَة لانقطعت اخبار بعض الازمنة عَن بعض ودرست السّنَن وتخبطت الاحكام وَلم يعرف
стр. 278
الْخلف مَذَاهِب السّلف وَكَانَ مُعظم الْخلَل الدَّاخِل على النَّاس فِي دينهم ودنياهم إنمايعتريهم من النسْيَان الَّذِي يمحو صور الْعلم من قُلُوبهم فَجعل لَهُم الْكتاب وعَاء حَافِظًا للْعلم من الضّيَاع كالأوعية الَّتِي تحفظ الامتعة من الذّهاب والبطلان فنعمة الله عَن وَجل بتعليم الْقَلَم بعد الْقُرْآن من اجل النعم والتعليم بِهِ وَإِن كَانَ مِمَّا يخلص اليه الانسان بالفطنة وَالْحِيلَة فَإِنَّهُ الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك وأوصله اليه عَطِيَّة وَهبهَا الله مِنْهُ وَفضل اعطاه الله إِيَّاه وَزِيَادَة فِي خلقه وفضله فَهُوَ الَّذِي علمه الْكِتَابَة وَإِن كَانَ هُوَ المتعلم فَفعله فعل مُطَاوع لتعليم الَّذِي علم بالقلم فَإِن علمه فتعلم كَمَا انه علمه الْكَلَام فَتكلم هَذَا وَمن اعطاه الذِّهْن الَّذِي يعي بِهِ وَاللِّسَان الَّذِي يترجم بِهِ والبنان الَّذِي يحط بِهِ وَمن هيأ ذهنه لقبُول هَذَا التَّعْلِيم دون سَائِر الْحَيَوَانَات وَمن الَّذِي انطق لِسَانه وحرك بنانه وَمن الَّذِي دعم البنان بالكف ودعم الْكَفّ بالساعد فكم لله من آيَة نَحن غافلون عَنْهَا فِي التَّعَلُّم بالقلم فقف وَقْفَة فِي حَال الْكِتَابَة وَتَأمل حالك وَقد امسكت الْقَلَم وَهُوَ جماد وَضعته على القرطاس وَهُوَ جماد فتولد من بَينهمَا انواع الحكم واصناف الْعُلُوم وفنون المراسلات والخطب وَالنّظم والنثر وجوابات الْمسَائِل فَمن الَّذِي اجرى فلك الْمعَانِي على قَلْبك ورسمها فِي ذهنك ثمَّ اجرى الْعبارَات الدَّالَّة عَلَيْهَا على لسَانك ثمَّ حرك بهَا بنانك حَتَّى صَارَت نقشا عجيبا مَعْنَاهُ اعْجَبْ من صورته فتقضى بِهِ مآربك وتبلغ بِهِ حَاجَة فِي صدرك وترسله الى الاقطار النائية والجهات المتباعدة فَيقوم مقامك ويترجم عَنْك وَيتَكَلَّم على لسَانك وَيقوم مقَام رَسُولك ويجدي عَلَيْك مَالا يجدي من ترسله سوى من علم بالقلم علم الانسان مَا لم يعلم والتعليم بالقلم يتسلزم الْمَرَاتِب الثَّلَاثَة مرتبَة الْوُجُود الذهْنِي والوجود اللَّفْظِيّ والوجود الرسمي فقد دلّ التَّعْلِيم بالقلم على انه سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُعْطِي لهَذِهِ الْمَرَاتِب وَدلّ قَوْله خلق على انه يعْطى الْوُجُود الْعَيْنِيّ فدلت هَذِه الايات مَعَ اختصارها ووجازتها وفصاحتها على ان مَرَاتِب الْوُجُود بأسرها مُسندَة اليه تَعَالَى خلقا وتعليما وَذكر خلقين وتلعيمين خلقا عَاما وخلقا خَاصّا وتعليما خَاصّا وتعليما عَاما وَذكر من صِفَاته هَا هُنَا اسْم الاكرم الَّذِي فِيهِ كل خير وكل كَمَال فَلهُ كل كَمَال وَصفا وَمِنْه كل خير فعلا فَهُوَ الاكرم فِي ذَاته وأوصافه وأفعاله وَهَذَا الْخلق والتعليم إِنَّمَا نَشأ من كرمه وبره وإحسانه لَا من حَاجَة دَعَتْهُ الى ذَلِك وَهُوَ الْغَنِيّ الحميد وَقَوله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان﴾ دلّت هَذِه الْكَلِمَات على إِعْطَائِهِ سُبْحَانَهُ مَرَاتِب الْوُجُود بأسرها فَقَوله خلق الانسان إِخْبَار عَن الايجاد الْخَارِجِي الْعَيْنِيّ وَخص الانسان بالخلق لما تقدم وَقَوله علم الْقُرْآن إِخْبَار عَن إِعْطَاء الْوُجُود العلمي الذهْنِي فَإِنَّمَا تعلم الانسان الْقُرْآن بتعليمه كَمَا انه إِنَّمَا صَار إنْسَانا بخلقه فَهُوَ الَّذِي خلقه وَعلمه ثمَّ قَالَ علمه الْبَيَان وَالْبَيَان يتَنَاوَل مَرَاتِب راتب ثَلَاثَة كل مِنْهَا يُسمى بَيَانا احدها الْبَيَان الذهْنِي الَّذِي يُمَيّز فِيهِ بَين المعلومات الثَّانِي الْبَيَان
стр. 279
اللَّفْظِيّ الَّذِي يعبر بِهِ عَن تِلْكَ المعلومات ويترجم عَنْهَا فِيهِ لغيره الثَّالِث الْبَيَان الرسمي الخطي الَّذِي يرسم بِهِ تِلْكَ الالفاظ فيتبين النَّاظر مَعَانِيهَا كَمَا يتَبَيَّن للسامع مَعَاني الالفاظ فَهَذَا بَيَان للعين وَذَاكَ بَيَان للسمع والاول بَيَان للقلب وَكَثِيرًا مَا يجمع سُبْحَانَهُ بَين هَذِه الثَّلَاثَة كَقَوْلِه ﴿إِن السّمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وَقَوله ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ ويذم من عدم الِانْتِفَاع بهَا فِي اكْتِسَاب الْهدى وَالْعلم النافع كَقَوْلِه ﴿صم بكم عمي﴾ وَقَوله ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾ وَقد تقدم بسط هَذَا الْكَلَام تَنْبِيه ثمَّ تَأمل حِكْمَة اللَّطِيف الْخَبِير فِيمَا اعطى الانسان علمه بِمَا فِيهِ صَلَاح معاشه ومعاده وَمنع عَنهُ علم مَالا حَاجَة لَهُ بِهِ فجهله بِهِ لَا يضر وَعلمه بِهِ لَا ينْتَفع بِهِ انتفاعا طائلا ثمَّ يسر عَلَيْهِ طرق مَا هُوَ مُحْتَاج اليه من الْعلم اتم تيسير وَكلما كَانَت حَاجته اليه من الْعلم اعظم كَانَ تيسيره اياه عَلَيْهِ اتم فاعطاه معرفَة خالقه وبارئه ومبدعه سُبْحَانَهُ والاقرار بِهِ وَيسر عَلَيْهِ طرق هَذِه الْمعرفَة فَلَيْسَ فِي الْعُلُوم مَا هُوَ اجل مِنْهَا وَلَا اظهر عِنْد الْعقل والفطرة وَلَيْسَ فِي طرق الْعُلُوم الَّتِي تنَال بهَا أَكثر من طرقها وَلَا أدل وَلَا ابين وَلَا اوضح فَكلما ترَاهُ بِعَيْنِك اَوْ تسمعه بأذنك اوتعقله بقلبك وَكلما يخْطر ببالك وَكلما نالته حاسة من حواسك فَهُوَ دَلِيل على الرب ﵎ فطرق الْعلم بالصانع فطرية ضَرُورِيَّة لَيْسَ فِي الْعُلُوم اجلي مِنْهَا وكل مَا اسْتدلَّ بِهِ على الصَّانِع فالعلم بِوُجُودِهِ اظهر من دلَالَته وَلِهَذَا قَالَت الرُّسُل لاممهم افي الله شكّ فخاطبوهم مُخَاطبَة من لَا يَنْبَغِي ان يخْطر لَهُ شكّ مَا فِي وجود الله سُبْحَانَهُ وَنصب من الادلة على وجوده وحدانيته وصفات كَمَاله الادلة على اخْتِلَاف انواعها وَلَا يُطيق حصرها إِلَّا الله ثمَّ ركز ذَلِك فِي الْفطْرَة وَوَضعه فِي الْعقل جملَة ثمَّ بعث الرُّسُل مذكرين بِهِ وَلِهَذَا يَقُول تَعَالَى فَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ وَقَوله ﴿فَذكر إِن نَفَعت الذكرى﴾ وَقَوله ﴿إِنَّمَا أَنْت مُذَكّر﴾ وَقَوله ﴿فَمَا لَهُم عَن التَّذْكِرَة معرضين﴾ وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن ومفصلين لما فِي الْفطْرَة وَالْعقل الْعلم بِهِ جملَة فَانْظُر كَيفَ وجد الاقرار بِهِ وبتوحيده وصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله وحكمته فِي خلقه وَأمره الْمُقْتَضِيَة إِثْبَات رِسَالَة رسله ومجازات المحسن بإحسانه والمسيء بإسائته مودعا فِي الْفطْرَة مركوزا فِيهَا فَلَو خليت على مَا خلقت عَلَيْهِ لم يعرض لَهَا مَا يُفْسِدهَا ويحولها ويغيرها عَمَّا فطرت عَلَيْهِ ولأقرت بوحدنيه وَوُجُوب شكره وطاعته وبصفاته وحكمته فِي أَفعاله وبالثواب وَالْعِقَاب وَلكنهَا لما فَسدتْ وانحرفت عَن الْمنْهَج الَّذِي خلقت
стр. 280
عَلَيْهِ انكرت مَا انكرت وجحدت مَا جحدت فَبعث الله رسله مذكرين لاصحاب الْفطر الصَّحِيحَة السليمة فانقادوا طَوْعًا واختيارا ومحبة وإذعانا بِمَا جعل من شَوَاهِد ذَلِك فِي قُلُوبهم حَتَّى ان مِنْهُم من لم يسْأَل عَن المعجزة والخارق بل علم صِحَة الدعْوَة من ذَاتهَا وَعلم انها دَعْوَة حق برهانها فِيهَا ومعذرين ومقيمين الْبَيِّنَة على اصحاب الْفطر الْفَاسِدَة لِئَلَّا نحتج على الله بِأَنَّهُ مَا ارشدها وَلَا هداها فيحق القَوْل عَلَيْهَا بِإِقَامَة الْحجَّة فَلَا يكون سُبْحَانَهُ ظَالِما لَهَا بتعذيبها واشقائها وَقد بَين ذَلِك سُبْحَانَهُ فِي قَوْله ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر وَقُرْآن مُبين لينذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين﴾ فَتَأمل كَيفَ ظَهرت معرفَة الله وَالشَّهَادَة لَهُ بِالتَّوْحِيدِ واثبات اسمائه وَصِفَاته ورسالة رسله والبعث للجزاء مسطورة مثبتة فِي الْفطر وَلم يكن ليعرف بهَا انها ثَابِتَة فِي فطرته فَلَمَّا ذكرته الرُّسُل ونبهته رأى مَا أَخْبرُوهُ بِهِ مُسْتَقرًّا فِي فطرته شَاهدا بِهِ عقله بل وجوارحه ولسان حَاله وَهَذَا اعظم مَا يكون من الايمان وَهُوَ الَّذِي كتبه سُبْحَانَهُ فِي قُلُوب اوليائه وخاصته فَقَالَ ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ فَتدبر هَذَا الْفَصْل فَإِنَّهُ من الْكُنُوز فِي هَذَا الْكتاب وَهُوَ حقيق بِأَن تثنى عَلَيْهِ الخناصر وَللَّه الْحَمد والمنه وَالْمَقْصُود ان الله سُبْحَانَهُ اعطى العَبْد من هَذِه المعارف وطرقها ويسرها عَلَيْهِ مَا لم يُعْطه من غَيرهَا لعظم حَاجته فِي معاشه ومعاده اليها ثمَّ وضع فِي الْعقل من الاقرار بِحسن شَرعه وَدينه الَّذِي هُوَ ظله فِي ارضه وعدله بَين عباده ونوره فِي الْعَالم مالوا اجْتمعت عقول الْعَالمين كلهم فَكَانُوا على عقل اعقل رجل وَاحِد مِنْهُم لما امكنهم ان يقترحوا شَيْئا احسن مِنْهُ وَلَا اعْدِلْ وَلَا اصلح وَلَا انفع للخليقة فِي معاشها ومعادها فَهُوَ اعظم آيَاته واوضح بيناته وَأظْهر حججه على انه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَإنَّهُ المتصف بِكُل كَمَال المنزه عَن كل عيب وَمِثَال فضلا عَن ان يحْتَاج الى إِقَامَة شَاهد من خَارج عَلَيْهِ بالادلة والشواهد لتكثير طرق الْهدى وَقطع المعذرة وإزاحة الْعلَّة والشبهة ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة ويحيا من حييّ عَن بَينه وان الله لسميع عليم فَأثْبت فِي الْفطْرَة حسن الْعدْل والانصاف والصدق وَالْبر والاحسان وَالْوَفَاء بالعهد والنصيحة لِلْخلقِ وَرَحْمَة الْمِسْكِين وَنصر الْمَظْلُوم ومواساة اهل الْحَاجة والفاقة وَأَدَاء الامانات ومقابلة الاحسان بالاحسان والاساءة بِالْعَفو والصفح وَالصَّبْر فِي مَوَاطِن الصَّبْر والبذل فِي مَوَاطِن الْبَذْل والانتقام فِي مَوضِع الانتقام والحلم فِي مَوضِع الْحلم والسكينة وَالْوَقار والرأفة والرفق والتؤدة وَحسن الاخلاق وَجَمِيل المعاشرة مَعَ الاقارب والاباعد وَستر العورات وإقالة العثرات والايثار عِنْد الْحَاجَات واغاثة اللهفات وتفريج الكربات والتعاون على انواع
стр. 281
الْخَيْر وَالْبر والشجاعة والسماحة والبصيرة والثبات والعزيمة وَالْقُوَّة فِي الْحق واللين لاهله والشدة على اهل الْبَاطِل والغلظة عَلَيْهِم والاصلاح بَين النَّاس وَالسَّعْي فِي إصْلَاح ذَات الْبَين وتعظيم من يسْتَحق التَّعْظِيم وإهانة من يسْتَحق الاهانة وتنزيل النَّاس مَنَازِلهمْ وأعطاء كل ذِي حق حَقه وَأخذ مَا سهل عَلَيْهِم وطوعت بِهِ انفسهم من الاعمال والاموال والاخلاق ولارشاد ضالهم وَتَعْلِيم جاهلهم وَاحْتِمَال جفوتهم واستواء قريبهم وبعيدهم فِي الْحق فأقربهم اليه اولاهم بِالْحَقِّ وان كَانَ بَعيدا وابعدهم عَنهُ ابعدهم من الْحق وان كَانَ حبيبا قَرِيبا الى غير ذَلِك من معرفَة الْعقل الَّذِي وَضعه بَينهم فِي الْمُعَامَلَات والمناكحات والجنايات وَمَا اودع فِي فطرهم من حسن شكره وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وان نعمه عَلَيْهِم توجب بذل قدرتهم وطاقتهم فِي شكره والتقرب اليه وإيثاره على مَا سواهُ واثبت فِي الْفطر علمهَا بقبيح اضداد ذَلِك ثمَّ بعث رسله فِي الامر بِمَا اثْبتْ فِي الْفطر حسنه وكماله وَالنَّهْي عَمَّا اثْبتْ فِيهَا قبحه وعيبه وذمه فطابقت الشَّرِيعَة الْمنزلَة للفطرة المكلمة مُطَابقَة التَّفْصِيل بجملته وَقَامَت وشواهد دينه فِي الْفطْرَة تنادي للايمان حَيّ على الْفَلاح وصدعت تِلْكَ الشواهد والايات دياجي ظلم الاباء كَمَا صدع اللَّيْل ضوء الصَّباح وَقبل حَاكم الشَّرِيعَة شَهَادَة الْعقل والفطرة لما كَانَ الشَّاهِد غير مُتَّهم وَلَا معرض للجراح
فصل وَكَذَلِكَ اعطاهم من الْعُلُوم الْمُتَعَلّقَة بصلاح معاشهم ودنياهم بِقدر
حاجاتهم كعلم الطِّبّ والحساب وَعلم الزِّرَاعَة وَالْغِرَاس وضروب الصَّنَائِع واستنباط الْمِيَاه وَعقد الابنية وصنعة السفن واستخراج الْمَعَادِن وتهيئتها لما يُرَاد مِنْهَا وتركيب الادوية وصنعة الاطعمة وَمَعْرِفَة ضروب الْحِيَل فِي صيد الْوَحْش وَالطير ودواب المَاء وَالتَّصَرُّف فِي وُجُوه التِّجَارَات وَمَعْرِفَة وُجُوه المكاسب وَغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ قيام مَعَايشهمْ ثمَّ مَنعهم سُبْحَانَهُ علم مَا سوى ذَلِك مِمَّا لَيْسَ فِي شَأْنهمْ وَلَا فِيهِ مصلحَة لَهُم وَلَا نشأتهم قَابِلَة لَهُ كعلم الْغَيْب وَعلم مَا كَانَ وكل مَا يكون وَالْعلم بِعَدَد الْقطر وامواج الْبَحْر وذرات الرمال ومساقط الاوراق وَعدد الْكَوَاكِب ومقاديرها وَعلم مَا فَوق السَّمَوَات وَمَا تَحت الثرى وَمَا فِي لجج الْبحار واقطار الْعَالم وَمَا يكنه النَّاس فِي صُدُورهمْ وَمَا تحمل كل انثى وَمَا تغيض الارحام وَمَا تزداد الى سَائِر مَا عزب عَنْهُم علمه فَمن تكلّف معرفَة ذَلِك فقد ظلم نَفسه وبخس من التَّوْفِيق حَظه وَلم يحصل الا على الْجَهْل الْمركب والخيال الْفَاسِد فِي أَكثر امْرَهْ وَجَرت سنة الله وحكمته ان هَذَا الضَّرْب من النَّاس اجهلهم بِالْعلمِ النافع وَأَقلهمْ صَوَابا فترى عِنْد من لَا يرفعون بِهِ رَأْسا من الحكم وَالْعلم الْحق النافع مَالا يخْطر ببالهم اصلا وَذَلِكَ من حِكْمَة الله فِي خلقه وهوالعزيز الْحَكِيم وَلَا يعرف هَذَا الا من اطلع على مَا عِنْد الْقَوْم من انواع الخيال
стр. 282
وضروب الْمحَال وفنون الوساوس والهوى والهوس والخبط وهم يحسبون انهم على شَيْء إِلَّا انهم هم الْكَاذِبُونَ فَالْحَمْد لله الَّذِي من على الْمُؤمنِينَ ﴿إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾
فصل وَمن حكمته سُبْحَانَهُ مَا مَنعهم من الْعلم علم السَّاعَة وَمَعْرِفَة آجالهم
وَفِي ذَلِك من الْحِكْمَة الْبَالِغَة مَالا يحْتَاج الى نظر فَلَو عرف الانسان مِقْدَار عمره فَإِن كَانَ قصير الْعُمر لميتهنأ بالعيش وَكَيف يتهنأ بِهِ وَهُوَ يترقب الْمَوْت فِي ذَلِك الْوَقْت فلولا طول الامل لخربت الدُّنْيَا وأنما عمارتها بالامال وَإِن كَانَ طَوِيل الْعُمر وَقد تحقق ذَلِك فَهُوَ واثق بِالْبَقَاءِ فَلَا يُبَالِي بالانهماك فِي الشَّهَوَات والمعاصي وأنواع الْفساد وَيَقُول إِذا قرب الْوَقْت احدثت تَوْبَة وَهَذَا مَذْهَب لَا يرتضيه الله تَعَالَى من عباده وَلَا يقبله مِنْهُم وَلَا تصلح عَلَيْهِ احوال الْعَالم وَلَا يصلح الْعَالم إِلَّا على هَذَا الَّذِي اقتضته حكمته وَسبق فِي علمه فَلَو ان عبدا من عبيدك عمل على ان يستحضك اعواما ثمَّ يرضيك سَاعَة وَاحِدَة إِذا تَيَقّن انه صائر اليك لم تقبل مِنْهُ وَلم يفز لديك بِمَا يفوز بِهِ من همه رضاك وَكَذَا سنة الله ان العَبْد إِذا عاين الِانْتِقَال الى الله تَعَالَى لم يَنْفَعهُ تَوْبَة وَلَا اقلاع قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَت التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذا حضر أحدهم الْمَوْت قَالَ إِنِّي تبت الْآن﴾ وَقَوله فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا آمنا بِاللَّه وَحده وكفرنا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكين فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لما رَأَوْا باسنا سنة الله الَّتِي خلت فِي عباده وَالله تَعَالَى إِنَّمَا يغْفر للْعَبد إِذا كَانَ وُقُوع الذَّنب مِنْهُ على وَجه غَلَبَة الشَّهْوَة وَقُوَّة الطبيعة فيواقع الذَّنب مَعَ كَرَاهَته لَهُ من غير إِصْرَار فِي نَفسه فَهَذَا ترجى لَهُ مغْفرَة الله وصفحه وعفوه لعلمه تَعَالَى بضفعه وَغَلَبَة شَهْوَته لَهُ وَأَنه يرى كل وَقت مَالا صَبر لَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ إِذا وَاقع الذَّنب واقعه مواقعة ذليل خاضع لرَبه خَائِف مختلج فِي صَدره شَهْوَة النَّفس الذَّنب وَكَرَاهَة الايمان لَهُ فَهُوَ يُجيب دَاعِي النَّفس تاره وداعي الايمان تارات فاما من بنى امْرَهْ على ان لَا يقف عَن ذَنْب وَلَا يقدم خوفًا وَلَا يدع لله شَهْوَة وَهُوَ فَرح مسرور يضْحك ظهرا لبطن إِذْ ظفر بالذنب فَهَذَا الَّذِي يخَاف عَلَيْهِ ان يُحَال بَينه وَبَين التَّوْبَة وَلَا يوفق لَهَا فَإِنَّهُ من مَعَاصيه وقبائحه على نقد عَاجل يتقاضاه سلفا وتعجيلا وَمن تَوْبَته وإيابه ورجوعه إِلَى الله على دين مُؤَجل الى انْقِضَاء الاجل وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الضَّرْب من النَّاس يُحَال بَينهم وَبَين التَّوْبَة غَالِبا لَان النُّزُوع عَن اللَّذَّات والشهوات الى مُخَالفَة الطَّبْع وَالنَّفس والاستمرار على ذَلِك شَدِيد على النَّفس صَعب عَلَيْهَا اثقل من الْجبَال وَلَا سِيمَا إِذا انضاف إِلَى ذَلِك ضعف البصيرة وَقلة النَّصِيب من الايمان فنفسه لَا تطوع لَهُ ان يَبِيع نَقْدا بنسيئة وَلَا عَاجلا بآجل كَمَا قَالَ بعض هَؤُلَاءِ وَقد سُئِلَ ايما احب اليك دِرْهَم الْيَوْم اَوْ دِينَار غَدا فَقَالَ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلَكِن ربع دِرْهَم من اول امس فَحَرَام على هَؤُلَاءِ ان يوفقوا للتَّوْبَة إِلَّا ان يَشَاء الله فَإِذا بلغ
стр. 283
العَبْد حد الْكبر وضعفت بصيرته ووهت قواه وَقد اوجبت لَهُ تِلْكَ الاعمال قُوَّة فِي غيه وضعفا فِي إيمَانه صَارَت كالملكة لَهُ بِحَيْثُ لَا يتَمَكَّن من تَركهَا فَإِن كَثْرَة المزاولات تُعْطى الملكات فَتبقى للنَّفس هَيْئَة راسخة وملكة ثَابِتَة فِي الغي والمعاصي وَكلما صدر عَنهُ وَاحِد مِنْهَا اثرا أثرا زَائِدا على اثر مَا قبله فيقوى الاثران وهلم جرا فيهجم عَلَيْهِ الضعْف وَالْكبر ووهن الْقُوَّة على هَذِه الْحَال فَينْتَقل الى الله بِنَجَاسَتِهِ واوساخه وادرانه لم يتَطَهَّر للقدوم على الله فَمَا ظَنّه بربه وَلَو انه تَابَ وأناب وَقت الْقُدْرَة والامكان لقبلت تَوْبَته ومحيت سيئاته وَلَكِن حيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون وَلَا شَيْء اشهى لمن انْتقل الى الله على هَذِه الْحَال من التَّوْبَة وَلَكِن فرط فِي أَدَاء الدّين حَتَّى نفذ المَال وَلَو أَدَّاهُ وَقت الامكان لقبله ربه وَسَيعْلَمُ المسرف والمفرط أَي ديان ادان وَأي غَرِيم بتقاضاه وَيَوْم يكون الْوَفَاء من الْحَسَنَات فَإِن فنيت فَيحمل السَّيِّئَات فَبَان ان من حِكْمَة الله ونعمه على عباده ان ستر عَنْهُم مقادير آجالهم ومبلغ اعمارهم فَلَا يزَال الْكيس يترقب الْمَوْت وَقد وَضعه بَين عَيْنَيْهِ فينكف عَمَّا يضرّهُ فِي معاده ويجتهد فِيمَا يَنْفَعهُ وَيسر بِهِ عِنْد الْقدوم فَإِن قلت فها هُوَ مَعَ كَونه قد غيب عَنهُ مِقْدَار اجله وَهُوَ يترقب الْمَوْت فِي كل سَاعَة وَمَعَ ذَلِك يقارف الْفَوَاحِش وينتهك الْمَحَارِم فَأَي فَائِدَة وَحِكْمَة حصلت بستر اجله عَنهُ قيل لعمر الله ان الامر كَذَلِك وَهُوَ الْموضع الَّذِي حير الالباب والعقلاء وافترق النَّاس لاجله فرقا شَتَّى ففرقة انكرت الْحِكْمَة وتعليل افعال الرب جملَة وَقَالُوا بالجبر الْمَحْض وسدوا على انفسهم الْبَاب وَقَالُوا لَا تعلل افعال الرب تَعَالَى ولاهي مَقْصُود بهَا مصَالح الْعباد وَإِنَّمَا مصدرها مَحْض الْمَشِيئَة وَصرف الارادة فأنكروا حِكْمَة الله فِي امْرَهْ وَنَهْيه وَفرْقَة نفت لاجله الْقدر جملَة وَزَعَمُوا ان أَفعَال الْعباد غير مخلوقة لله حَتَّى يطْلب لَهَا وُجُوه الْحِكْمَة وَإِنَّمَا هِيَ خلقهمْ وابداعهم فَهِيَ وَاقعَة بِحَسب جهلهم وظلمهم وضعفهم فَلَا يَقع على السداد وَالصَّوَاب الا اقل الْقَلِيل مِنْهَا فهاتان الطائفتان متقابلتان اعظم تقَابل فَالْأولى غلت فِي الْجَبْر وانكار الحكم الْمَقْصُودَة فِي أَفعَال الله وَالثَّانيَِة غلت فِي الْقدر واخرجت كثيرا من الْحَوَادِث بل اكثرها عَن ملك الرب وَقدرته وَهدى الله اهل السّنة الْوسط لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق باذنه فأثبتوا لله عُمُوم الْقُدْرَة والمشيئة وَأَنه تَعَالَى ان يكون فِي مسلكه مَالا يَشَاء اَوْ يَشَاء مَالا يكون وَأَن اهل سمواته وارضه اعجز واضعف من ان يخلقوا مَالا يخلقه الله اَوْ يحدثوا مَالا يَشَاء بل مَا شَاءَ الله كَانَ وَوجد وجوده بمشيئته وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَامْتنع وجوده لعدم الْمَشِيئَة لَهُ وانه لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِهِ وَلَا تتحرك فِي الْعَالم الْعلوِي والسفلي ذرة الا بِإِذْنِهِ وَمَعَ ذَلِك فَلهُ فِي كل مَا خلق وَقضى وَقدر وَشرع من الحكم الْبَالِغَة والعواقب الحميدة مَا اقْتَضَاهُ كَمَال حكمته وَعلمه وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم فَمَا خلق شَيْئا وَلَا قَضَاهُ وَلَا شَرعه الا لحكمة بَالِغَة وان تقاصرت عَنْهَا عقول الْبشر فَهُوَ الْحَكِيم الْقَدِير فَلَا تجحد حكمته كمالا تجحد قدرته
стр. 284
والطائفة الاولى جحدت الْحِكْمَة وَالثَّانيَِة جحدت الْقُدْرَة والامة الْوسط اثبتت لَهُ كَمَال الْحِكْمَة وَكَمَال الْقُدْرَة فالفرقة الاولى تشهد فِي الْمعْصِيَة مُجَرّد الْمَشِيئَة والخلق العاري عَن الْحِكْمَة وَرُبمَا شهِدت الْجَبْر وَأَن حركاتهم بِمَنْزِلَة حركات الاشجار وَنَحْوهَا والفرقة الثَّانِيَة تشهد فِي الْمعْصِيَة مُجَرّد كَونهَا فاعلة محدثة مختارة هِيَ الَّتِي شَاءَت ذَلِك بِدُونِ مَشِيئَة الله والامة الْوسط تشهد عز الربوبية وقهر الْمَشِيئَة ونفوذها فِي كل شَيْء وَتشهد مَعَ ذَلِك فعلهَا وكسبها واختيارها وايثارها شهواتها على مرضات رَبهَا فَيُوجب الشُّهُود الاول لَهَا سُؤال رَبهَا والتذلل والتضرع لَهُ ان يوفقها لطاعته ويحول بَينهَا وَبَين مَعْصِيَته وان يثبتها على دينه ويعصمها بطواعيته وَيُوجب الشُّهُود الثَّانِي لَهَا اعترافها بالذنب وإقرارها بِهِ على نَفسهَا وَأَنَّهَا هِيَ الظالمة الْمُسْتَحقَّة للعقوبة وتنزيه رَبهَا عَن الظُّلم وان يعذبها بِغَيْر اسْتِحْقَاق مِنْهَا اَوْ يعذبها على مَا لم تعمله فيجتمع لَهَا من الشهودين شُهُود التَّوْحِيد وَالشَّرْع وَالْعدْل وَالْحكمَة وَقد ذكرنَا فِي الفتوحات القدسية مشَاهد الْخلق فِي مواقعة الذَّنب وانها تَنْتَهِي الى ثَمَانِيَة مشَاهد احدها المشهد الحيواني البهيمي الَّذِي شُهُود صَاحبه مَقْصُور على شهوات لذته بِهِ فَقَط وَهُوَ فِي هَذَا المشهد مشارك لجَمِيع الْحَيَوَانَات وَرُبمَا يزِيد عَلَيْهَا فِي اللَّذَّة وَكَثْرَة التَّمَتُّع وَالثَّانِي مشْهد الْجَبْر وان الْفَاعِل فِيهِ سواهُ والمحرك لَهُ غَيره وَلَا ذَنْب لَهُ هُوَ وَهَذَا مشْهد الْمُشْركين واعداء الرُّسُل الثَّالِث مشْهد الْقدر وَهُوَ انه هُوَ الْخَالِق لفعله الْمُحدث لَهُ بِدُونِ مَشِيئَة الله وخلقه وَهَذَا مشْهد الْقَدَرِيَّة الْمَجُوسِيَّة الرَّابِع مشْهد اهل الْعلم والايمان وَهُوَ مشْهد الْقدر وَالشَّرْع يشْهد فعله وَقَضَاء الله وَقدره كَمَا تقدم الْخَامِس مشْهد الْفقر والفاقة وَالْعجز والضعف وانه إِن لم يعنه الله ويثبته ويوفقه فَهُوَ هَالك وَالْفرق بَين مشْهد هَذَا ومشهد الجبرية ظَاهر السَّادِس مشْهد التَّوْحِيد وَهُوَ الَّذِي يشْهد فِيهِ إنفراد الله بالخلق والابداع ونفوذ الْمَشِيئَة وان الْخلق اعجز من ان يعصوه بِغَيْر مَشِيئَته وَالْفرق بَين هَذَا المشهد وَبَين المشهد الْخَامِس ان صَاحبه شَاهد لكَمَال فقره وَضَعفه وَحَاجته وَهَذَا شَاهد لِتَفَرُّد الله بالخلق والابداع وَأَنه لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِهِ السَّابِع مشْهد الْحِكْمَة وَهُوَ ان يشْهد حِكْمَة الله فِي قَضَائِهِ وتخليته بَين العَبْد والذنب وَللَّه فِي ذَلِك حكم تعجز الْعُقُول عَن الاحاطة بهَا وَذكرنَا مِنْهَا فِي ذَلِك الْكتاب قَرِيبا من اربعين حِكْمَة وَقد تقدم فِي اول هَذَا الْكتاب التَّنْبِيه على بَعْضهَا الثَّامِن مشْهد الاسماء وَالصِّفَات وَهُوَ ان يشْهد ارتباط الْخلق والامر وَالْقَضَاء وَالْقدر بأسمائه تَعَالَى وَصِفَاته وان ذَلِك مُوجبهَا ومقتضاها فأسماؤه الْحسنى اقْتَضَت مَا اقتضته من التَّخْلِيَة بَين العَبْد وَبَين الذَّنب فَإِنَّهُ الْغفار التواب الْعَفو الْحَلِيم وَهَذِه اسماء تطلب آثارها وموجباتها وَلَا بُد فَلَو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بِقوم يذنبون فيستغفرون فَيغْفر لَهُم وَهَذَا المشهد وَالَّذِي قبله اجل هَذِه الْمشَاهد واشرفها وارفعها قدرا
стр. 285
وهما لخواص الْخَلِيفَة فَتَأمل بعد مَا بَينهمَا وَبَين المشهد الاول وَهَذَانِ المشهدان يطرحان العَبْد على بَاب الْمحبَّة ويفتحان لَهُ من المعارف والعلوم امورا لَا يعبر عَنْهَا وَهَذَا بَاب عَظِيم من ابواب الْمعرفَة قل من استفتحه من النَّاس وَهُوَ شُهُود الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي قَضَاء السَّيِّئَات وَتَقْدِير الْمعاصِي وَإِنَّمَا استفتح النَّاس بَاب الحكم فِي الاوامر والنواهي وخاضوا فِيهَا واتوا بِمَا وصلت اليه علومهم واستفتحوا ايضا بَابهَا فِي الْمَخْلُوقَات كَمَا قدمْنَاهُ وَأتوا فِيهِ بِمَا وصلت اليه قواهم واما هَذَا الْبَاب فَكَمَا رَأَيْت كَلَامهم فِيهِ فَقل ان ترى لاحدهم فِيهِ مَا يشفى اَوْ يلموكيف يطلع على حِكْمَة هَذَا الْبَاب من عِنْده ان اعمال الْعباد لَيست مخلوقة لله وَلَا دَاخِلَة تَحت مَشِيئَته اصلا وَكَيف يتطلب لَهَا حِكْمَة اَوْ يثبتها ام كَيفَ يطلع عَلَيْهَا من يَقُول هِيَ خلق الله وَلَكِن افعاله غير معللة بالحكم وَلَا يدخلهَا لَام تَعْلِيل اصلا وَإِن جَاءَ شَيْء من ذَلِك صرف الى لَام الْعَاقِبَة لَا الى لَام الْعلَّة والغاية فَأَما إِذا جَاءَت الْبَاء فِي افعاله صرفت الى بَاء المصاحبة لَا الى بَاء السَّبَبِيَّة وَإِذا كَانَ المتكلمون عِنْد النَّاس هم هَؤُلَاءِ الطائفتان فَإِنَّهُم لَا يرَوْنَ الْحق خَارِجا عَنْهُمَا ثمَّ كثير من الْفُضَلَاء يتحير إِذا رأى بعض اقوالهم الْفَاسِدَة وَلَا يدرى أَيْن يذهب وَلما عربت كتب الفلاسفة صَار كثير من النَّاس إِذا رأى اقوال الْمُتَكَلِّمين الضعيفة وَقد قَالُوا إِن هَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُول قطع القنطرة وعدي الى ذَلِك الْبر وكل ذَلِك من الْجَهْل الْقَبِيح وَالظَّن الْفَاسِد ان الْحق لَا يخرج عَن اقوالهم فَمَا اكثر خُرُوج الْحق عَن اقوالهم وَمَا اكثر مَا يذهبون فِي الْمسَائِل الَّتِي هِيَ حق وصواب الى خلاف الصَّوَاب وَالْمَقْصُود ان الْمُتَكَلِّمين لَو اجْمَعُوا على شَيْء لم يكن اجماعهم حجَّة عِنْد اُحْدُ من الْعلمَاء فَكيف إِذا اخْتلفُوا وَالْمَقْصُود ان مُشَاهدَة حِكْمَة الله فِي اقضيته واقداره الَّتِي يجربها على عباده باختياراتهم وإراداتهم هِيَ من الطف مَا تكلم فِيهِ النَّاس وأدقه واغمضه وَفِي ذَلِك حكم لَا يعلمهَا إِلَّا الْحَكِيم الْعَلِيم سُبْحَانَهُ وَنحن نشِير الى بَعْضهَا فَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ يحب التوابين حَتَّى انه من محبته لَهُم يفرح بتوبة احدهم اعظم من فَرح الْوَاحِد براحلته الَّتِي عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فِي الارض الدوية الْمهْلكَة إِذا فقدها وايس مِنْهَا وَلَيْسَ فِي أَنْوَاع الْفَرح أكمل وَلَا اعظم من هَذَا الْفَرح كَمَا سنوضح ذَلِك ونزيده تقريرا عَن قريب إِن شَاءَ الله وَلَوْلَا الْمحبَّة التَّامَّة للتَّوْبَة ولأهلها لم يحصل هَذَا الْفَرح وَمن الْمَعْلُوم ان وجود الْمُسَبّب بِدُونِ سَببه مُمْتَنع وَهل يُوجد ملزوم بِدُونِ لَازمه اَوْ غَايَة بِدُونِ وسيلتها وَهَذَا معنى قَول بعض العارفين وَلَو لم تكن التَّوْبَة احب الاشياء اليه لما ابتلى بالذنب اكرم الْمَخْلُوقَات عَلَيْهِ فالتوبة هِيَ غَايَة كَمَال كل آدَمِيّ وَإِنَّمَا كَانَ كَمَال ابيهم بهَا فكم بَين حَالَة وَقد قيل لَهُ إِن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى وَإنَّك لَا تظمأ فِيهَا وَلَا تضحى وَبَين قَوْله ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى فالحال الاولى حَال أكل وَشرب
следующие страницы →