← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6840

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (577 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الْخَيْر وَالْبر والشجاعة والسماحة والبصيرة والثبات والعزيمة وَالْقُوَّة فِي الْحق واللين لاهله والشدة على اهل الْبَاطِل والغلظة عَلَيْهِم والاصلاح بَين النَّاس وَالسَّعْي فِي إصْلَاح ذَات الْبَين وتعظيم من يسْتَحق التَّعْظِيم وإهانة من يسْتَحق الاهانة وتنزيل النَّاس مَنَازِلهمْ وأعطاء كل ذِي حق حَقه وَأخذ مَا سهل عَلَيْهِم وطوعت بِهِ انفسهم من الاعمال والاموال والاخلاق ولارشاد ضالهم وَتَعْلِيم جاهلهم وَاحْتِمَال جفوتهم واستواء قريبهم وبعيدهم فِي الْحق فأقربهم اليه اولاهم بِالْحَقِّ وان كَانَ بَعيدا وابعدهم عَنهُ ابعدهم من الْحق وان كَانَ حبيبا قَرِيبا الى غير ذَلِك من معرفَة الْعقل الَّذِي وَضعه بَينهم فِي الْمُعَامَلَات والمناكحات والجنايات وَمَا اودع فِي فطرهم من حسن شكره وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وان نعمه عَلَيْهِم توجب بذل قدرتهم وطاقتهم فِي شكره والتقرب اليه وإيثاره على مَا سواهُ واثبت فِي الْفطر علمهَا بقبيح اضداد ذَلِك ثمَّ بعث رسله فِي الامر بِمَا اثْبتْ فِي الْفطر حسنه وكماله وَالنَّهْي عَمَّا اثْبتْ فِيهَا قبحه وعيبه وذمه فطابقت الشَّرِيعَة الْمنزلَة للفطرة المكلمة مُطَابقَة التَّفْصِيل بجملته وَقَامَت وشواهد دينه فِي الْفطْرَة تنادي للايمان حَيّ على الْفَلاح وصدعت تِلْكَ الشواهد والايات دياجي ظلم الاباء كَمَا صدع اللَّيْل ضوء الصَّباح وَقبل حَاكم الشَّرِيعَة شَهَادَة الْعقل والفطرة لما كَانَ الشَّاهِد غير مُتَّهم وَلَا معرض للجراح فصل وَكَذَلِكَ اعطاهم من الْعُلُوم الْمُتَعَلّقَة بصلاح معاشهم ودنياهم بِقدر حاجاتهم كعلم الطِّبّ والحساب وَعلم الزِّرَاعَة وَالْغِرَاس وضروب الصَّنَائِع واستنباط الْمِيَاه وَعقد الابنية وصنعة السفن واستخراج الْمَعَادِن وتهيئتها لما يُرَاد مِنْهَا وتركيب الادوية وصنعة الاطعمة وَمَعْرِفَة ضروب الْحِيَل فِي صيد الْوَحْش وَالطير ودواب المَاء وَالتَّصَرُّف فِي وُجُوه التِّجَارَات وَمَعْرِفَة وُجُوه المكاسب وَغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ قيام مَعَايشهمْ ثمَّ مَنعهم سُبْحَانَهُ علم مَا سوى ذَلِك مِمَّا لَيْسَ فِي شَأْنهمْ وَلَا فِيهِ مصلحَة لَهُم وَلَا نشأتهم قَابِلَة لَهُ كعلم الْغَيْب وَعلم مَا كَانَ وكل مَا يكون وَالْعلم بِعَدَد الْقطر وامواج الْبَحْر وذرات الرمال ومساقط الاوراق وَعدد الْكَوَاكِب ومقاديرها وَعلم مَا فَوق السَّمَوَات وَمَا تَحت الثرى وَمَا فِي لجج الْبحار واقطار الْعَالم وَمَا يكنه النَّاس فِي صُدُورهمْ وَمَا تحمل كل انثى وَمَا تغيض الارحام وَمَا تزداد الى سَائِر مَا عزب عَنْهُم علمه فَمن تكلّف معرفَة ذَلِك فقد ظلم نَفسه وبخس من التَّوْفِيق حَظه وَلم يحصل الا على الْجَهْل الْمركب والخيال الْفَاسِد فِي أَكثر امْرَهْ وَجَرت سنة الله وحكمته ان هَذَا الضَّرْب من النَّاس اجهلهم بِالْعلمِ النافع وَأَقلهمْ صَوَابا فترى عِنْد من لَا يرفعون بِهِ رَأْسا من الحكم وَالْعلم الْحق النافع مَالا يخْطر ببالهم اصلا وَذَلِكَ من حِكْمَة الله فِي خلقه وهوالعزيز الْحَكِيم وَلَا يعرف هَذَا الا من اطلع على مَا عِنْد الْقَوْم من انواع الخيال

стр. 282

وضروب الْمحَال وفنون الوساوس والهوى والهوس والخبط وهم يحسبون انهم على شَيْء إِلَّا انهم هم الْكَاذِبُونَ فَالْحَمْد لله الَّذِي من على الْمُؤمنِينَ ﴿إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ فصل وَمن حكمته سُبْحَانَهُ مَا مَنعهم من الْعلم علم السَّاعَة وَمَعْرِفَة آجالهم وَفِي ذَلِك من الْحِكْمَة الْبَالِغَة مَالا يحْتَاج الى نظر فَلَو عرف الانسان مِقْدَار عمره فَإِن كَانَ قصير الْعُمر لميتهنأ بالعيش وَكَيف يتهنأ بِهِ وَهُوَ يترقب الْمَوْت فِي ذَلِك الْوَقْت فلولا طول الامل لخربت الدُّنْيَا وأنما عمارتها بالامال وَإِن كَانَ طَوِيل الْعُمر وَقد تحقق ذَلِك فَهُوَ واثق بِالْبَقَاءِ فَلَا يُبَالِي بالانهماك فِي الشَّهَوَات والمعاصي وأنواع الْفساد وَيَقُول إِذا قرب الْوَقْت احدثت تَوْبَة وَهَذَا مَذْهَب لَا يرتضيه الله تَعَالَى من عباده وَلَا يقبله مِنْهُم وَلَا تصلح عَلَيْهِ احوال الْعَالم وَلَا يصلح الْعَالم إِلَّا على هَذَا الَّذِي اقتضته حكمته وَسبق فِي علمه فَلَو ان عبدا من عبيدك عمل على ان يستحضك اعواما ثمَّ يرضيك سَاعَة وَاحِدَة إِذا تَيَقّن انه صائر اليك لم تقبل مِنْهُ وَلم يفز لديك بِمَا يفوز بِهِ من همه رضاك وَكَذَا سنة الله ان العَبْد إِذا عاين الِانْتِقَال الى الله تَعَالَى لم يَنْفَعهُ تَوْبَة وَلَا اقلاع قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَت التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذا حضر أحدهم الْمَوْت قَالَ إِنِّي تبت الْآن﴾ وَقَوله فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا آمنا بِاللَّه وَحده وكفرنا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكين فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لما رَأَوْا باسنا سنة الله الَّتِي خلت فِي عباده وَالله تَعَالَى إِنَّمَا يغْفر للْعَبد إِذا كَانَ وُقُوع الذَّنب مِنْهُ على وَجه غَلَبَة الشَّهْوَة وَقُوَّة الطبيعة فيواقع الذَّنب مَعَ كَرَاهَته لَهُ من غير إِصْرَار فِي نَفسه فَهَذَا ترجى لَهُ مغْفرَة الله وصفحه وعفوه لعلمه تَعَالَى بضفعه وَغَلَبَة شَهْوَته لَهُ وَأَنه يرى كل وَقت مَالا صَبر لَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ إِذا وَاقع الذَّنب واقعه مواقعة ذليل خاضع لرَبه خَائِف مختلج فِي صَدره شَهْوَة النَّفس الذَّنب وَكَرَاهَة الايمان لَهُ فَهُوَ يُجيب دَاعِي النَّفس تاره وداعي الايمان تارات فاما من بنى امْرَهْ على ان لَا يقف عَن ذَنْب وَلَا يقدم خوفًا وَلَا يدع لله شَهْوَة وَهُوَ فَرح مسرور يضْحك ظهرا لبطن إِذْ ظفر بالذنب فَهَذَا الَّذِي يخَاف عَلَيْهِ ان يُحَال بَينه وَبَين التَّوْبَة وَلَا يوفق لَهَا فَإِنَّهُ من مَعَاصيه وقبائحه على نقد عَاجل يتقاضاه سلفا وتعجيلا وَمن تَوْبَته وإيابه ورجوعه إِلَى الله على دين مُؤَجل الى انْقِضَاء الاجل وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الضَّرْب من النَّاس يُحَال بَينهم وَبَين التَّوْبَة غَالِبا لَان النُّزُوع عَن اللَّذَّات والشهوات الى مُخَالفَة الطَّبْع وَالنَّفس والاستمرار على ذَلِك شَدِيد على النَّفس صَعب عَلَيْهَا اثقل من الْجبَال وَلَا سِيمَا إِذا انضاف إِلَى ذَلِك ضعف البصيرة وَقلة النَّصِيب من الايمان فنفسه لَا تطوع لَهُ ان يَبِيع نَقْدا بنسيئة وَلَا عَاجلا بآجل كَمَا قَالَ بعض هَؤُلَاءِ وَقد سُئِلَ ايما احب اليك دِرْهَم الْيَوْم اَوْ دِينَار غَدا فَقَالَ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلَكِن ربع دِرْهَم من اول امس فَحَرَام على هَؤُلَاءِ ان يوفقوا للتَّوْبَة إِلَّا ان يَشَاء الله فَإِذا بلغ

стр. 283

العَبْد حد الْكبر وضعفت بصيرته ووهت قواه وَقد اوجبت لَهُ تِلْكَ الاعمال قُوَّة فِي غيه وضعفا فِي إيمَانه صَارَت كالملكة لَهُ بِحَيْثُ لَا يتَمَكَّن من تَركهَا فَإِن كَثْرَة المزاولات تُعْطى الملكات فَتبقى للنَّفس هَيْئَة راسخة وملكة ثَابِتَة فِي الغي والمعاصي وَكلما صدر عَنهُ وَاحِد مِنْهَا اثرا أثرا زَائِدا على اثر مَا قبله فيقوى الاثران وهلم جرا فيهجم عَلَيْهِ الضعْف وَالْكبر ووهن الْقُوَّة على هَذِه الْحَال فَينْتَقل الى الله بِنَجَاسَتِهِ واوساخه وادرانه لم يتَطَهَّر للقدوم على الله فَمَا ظَنّه بربه وَلَو انه تَابَ وأناب وَقت الْقُدْرَة والامكان لقبلت تَوْبَته ومحيت سيئاته وَلَكِن حيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون وَلَا شَيْء اشهى لمن انْتقل الى الله على هَذِه الْحَال من التَّوْبَة وَلَكِن فرط فِي أَدَاء الدّين حَتَّى نفذ المَال وَلَو أَدَّاهُ وَقت الامكان لقبله ربه وَسَيعْلَمُ المسرف والمفرط أَي ديان ادان وَأي غَرِيم بتقاضاه وَيَوْم يكون الْوَفَاء من الْحَسَنَات فَإِن فنيت فَيحمل السَّيِّئَات فَبَان ان من حِكْمَة الله ونعمه على عباده ان ستر عَنْهُم مقادير آجالهم ومبلغ اعمارهم فَلَا يزَال الْكيس يترقب الْمَوْت وَقد وَضعه بَين عَيْنَيْهِ فينكف عَمَّا يضرّهُ فِي معاده ويجتهد فِيمَا يَنْفَعهُ وَيسر بِهِ عِنْد الْقدوم فَإِن قلت فها هُوَ مَعَ كَونه قد غيب عَنهُ مِقْدَار اجله وَهُوَ يترقب الْمَوْت فِي كل سَاعَة وَمَعَ ذَلِك يقارف الْفَوَاحِش وينتهك الْمَحَارِم فَأَي فَائِدَة وَحِكْمَة حصلت بستر اجله عَنهُ قيل لعمر الله ان الامر كَذَلِك وَهُوَ الْموضع الَّذِي حير الالباب والعقلاء وافترق النَّاس لاجله فرقا شَتَّى ففرقة انكرت الْحِكْمَة وتعليل افعال الرب جملَة وَقَالُوا بالجبر الْمَحْض وسدوا على انفسهم الْبَاب وَقَالُوا لَا تعلل افعال الرب تَعَالَى ولاهي مَقْصُود بهَا مصَالح الْعباد وَإِنَّمَا مصدرها مَحْض الْمَشِيئَة وَصرف الارادة فأنكروا حِكْمَة الله فِي امْرَهْ وَنَهْيه وَفرْقَة نفت لاجله الْقدر جملَة وَزَعَمُوا ان أَفعَال الْعباد غير مخلوقة لله حَتَّى يطْلب لَهَا وُجُوه الْحِكْمَة وَإِنَّمَا هِيَ خلقهمْ وابداعهم فَهِيَ وَاقعَة بِحَسب جهلهم وظلمهم وضعفهم فَلَا يَقع على السداد وَالصَّوَاب الا اقل الْقَلِيل مِنْهَا فهاتان الطائفتان متقابلتان اعظم تقَابل فَالْأولى غلت فِي الْجَبْر وانكار الحكم الْمَقْصُودَة فِي أَفعَال الله وَالثَّانيَِة غلت فِي الْقدر واخرجت كثيرا من الْحَوَادِث بل اكثرها عَن ملك الرب وَقدرته وَهدى الله اهل السّنة الْوسط لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق باذنه فأثبتوا لله عُمُوم الْقُدْرَة والمشيئة وَأَنه تَعَالَى ان يكون فِي مسلكه مَالا يَشَاء اَوْ يَشَاء مَالا يكون وَأَن اهل سمواته وارضه اعجز واضعف من ان يخلقوا مَالا يخلقه الله اَوْ يحدثوا مَالا يَشَاء بل مَا شَاءَ الله كَانَ وَوجد وجوده بمشيئته وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَامْتنع وجوده لعدم الْمَشِيئَة لَهُ وانه لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِهِ وَلَا تتحرك فِي الْعَالم الْعلوِي والسفلي ذرة الا بِإِذْنِهِ وَمَعَ ذَلِك فَلهُ فِي كل مَا خلق وَقضى وَقدر وَشرع من الحكم الْبَالِغَة والعواقب الحميدة مَا اقْتَضَاهُ كَمَال حكمته وَعلمه وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم فَمَا خلق شَيْئا وَلَا قَضَاهُ وَلَا شَرعه الا لحكمة بَالِغَة وان تقاصرت عَنْهَا عقول الْبشر فَهُوَ الْحَكِيم الْقَدِير فَلَا تجحد حكمته كمالا تجحد قدرته

стр. 284

والطائفة الاولى جحدت الْحِكْمَة وَالثَّانيَِة جحدت الْقُدْرَة والامة الْوسط اثبتت لَهُ كَمَال الْحِكْمَة وَكَمَال الْقُدْرَة فالفرقة الاولى تشهد فِي الْمعْصِيَة مُجَرّد الْمَشِيئَة والخلق العاري عَن الْحِكْمَة وَرُبمَا شهِدت الْجَبْر وَأَن حركاتهم بِمَنْزِلَة حركات الاشجار وَنَحْوهَا والفرقة الثَّانِيَة تشهد فِي الْمعْصِيَة مُجَرّد كَونهَا فاعلة محدثة مختارة هِيَ الَّتِي شَاءَت ذَلِك بِدُونِ مَشِيئَة الله والامة الْوسط تشهد عز الربوبية وقهر الْمَشِيئَة ونفوذها فِي كل شَيْء وَتشهد مَعَ ذَلِك فعلهَا وكسبها واختيارها وايثارها شهواتها على مرضات رَبهَا فَيُوجب الشُّهُود الاول لَهَا سُؤال رَبهَا والتذلل والتضرع لَهُ ان يوفقها لطاعته ويحول بَينهَا وَبَين مَعْصِيَته وان يثبتها على دينه ويعصمها بطواعيته وَيُوجب الشُّهُود الثَّانِي لَهَا اعترافها بالذنب وإقرارها بِهِ على نَفسهَا وَأَنَّهَا هِيَ الظالمة الْمُسْتَحقَّة للعقوبة وتنزيه رَبهَا عَن الظُّلم وان يعذبها بِغَيْر اسْتِحْقَاق مِنْهَا اَوْ يعذبها على مَا لم تعمله فيجتمع لَهَا من الشهودين شُهُود التَّوْحِيد وَالشَّرْع وَالْعدْل وَالْحكمَة وَقد ذكرنَا فِي الفتوحات القدسية مشَاهد الْخلق فِي مواقعة الذَّنب وانها تَنْتَهِي الى ثَمَانِيَة مشَاهد احدها المشهد الحيواني البهيمي الَّذِي شُهُود صَاحبه مَقْصُور على شهوات لذته بِهِ فَقَط وَهُوَ فِي هَذَا المشهد مشارك لجَمِيع الْحَيَوَانَات وَرُبمَا يزِيد عَلَيْهَا فِي اللَّذَّة وَكَثْرَة التَّمَتُّع وَالثَّانِي مشْهد الْجَبْر وان الْفَاعِل فِيهِ سواهُ والمحرك لَهُ غَيره وَلَا ذَنْب لَهُ هُوَ وَهَذَا مشْهد الْمُشْركين واعداء الرُّسُل الثَّالِث مشْهد الْقدر وَهُوَ انه هُوَ الْخَالِق لفعله الْمُحدث لَهُ بِدُونِ مَشِيئَة الله وخلقه وَهَذَا مشْهد الْقَدَرِيَّة الْمَجُوسِيَّة الرَّابِع مشْهد اهل الْعلم والايمان وَهُوَ مشْهد الْقدر وَالشَّرْع يشْهد فعله وَقَضَاء الله وَقدره كَمَا تقدم الْخَامِس مشْهد الْفقر والفاقة وَالْعجز والضعف وانه إِن لم يعنه الله ويثبته ويوفقه فَهُوَ هَالك وَالْفرق بَين مشْهد هَذَا ومشهد الجبرية ظَاهر السَّادِس مشْهد التَّوْحِيد وَهُوَ الَّذِي يشْهد فِيهِ إنفراد الله بالخلق والابداع ونفوذ الْمَشِيئَة وان الْخلق اعجز من ان يعصوه بِغَيْر مَشِيئَته وَالْفرق بَين هَذَا المشهد وَبَين المشهد الْخَامِس ان صَاحبه شَاهد لكَمَال فقره وَضَعفه وَحَاجته وَهَذَا شَاهد لِتَفَرُّد الله بالخلق والابداع وَأَنه لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِهِ السَّابِع مشْهد الْحِكْمَة وَهُوَ ان يشْهد حِكْمَة الله فِي قَضَائِهِ وتخليته بَين العَبْد والذنب وَللَّه فِي ذَلِك حكم تعجز الْعُقُول عَن الاحاطة بهَا وَذكرنَا مِنْهَا فِي ذَلِك الْكتاب قَرِيبا من اربعين حِكْمَة وَقد تقدم فِي اول هَذَا الْكتاب التَّنْبِيه على بَعْضهَا الثَّامِن مشْهد الاسماء وَالصِّفَات وَهُوَ ان يشْهد ارتباط الْخلق والامر وَالْقَضَاء وَالْقدر بأسمائه تَعَالَى وَصِفَاته وان ذَلِك مُوجبهَا ومقتضاها فأسماؤه الْحسنى اقْتَضَت مَا اقتضته من التَّخْلِيَة بَين العَبْد وَبَين الذَّنب فَإِنَّهُ الْغفار التواب الْعَفو الْحَلِيم وَهَذِه اسماء تطلب آثارها وموجباتها وَلَا بُد فَلَو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بِقوم يذنبون فيستغفرون فَيغْفر لَهُم وَهَذَا المشهد وَالَّذِي قبله اجل هَذِه الْمشَاهد واشرفها وارفعها قدرا

стр. 285

وهما لخواص الْخَلِيفَة فَتَأمل بعد مَا بَينهمَا وَبَين المشهد الاول وَهَذَانِ المشهدان يطرحان العَبْد على بَاب الْمحبَّة ويفتحان لَهُ من المعارف والعلوم امورا لَا يعبر عَنْهَا وَهَذَا بَاب عَظِيم من ابواب الْمعرفَة قل من استفتحه من النَّاس وَهُوَ شُهُود الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي قَضَاء السَّيِّئَات وَتَقْدِير الْمعاصِي وَإِنَّمَا استفتح النَّاس بَاب الحكم فِي الاوامر والنواهي وخاضوا فِيهَا واتوا بِمَا وصلت اليه علومهم واستفتحوا ايضا بَابهَا فِي الْمَخْلُوقَات كَمَا قدمْنَاهُ وَأتوا فِيهِ بِمَا وصلت اليه قواهم واما هَذَا الْبَاب فَكَمَا رَأَيْت كَلَامهم فِيهِ فَقل ان ترى لاحدهم فِيهِ مَا يشفى اَوْ يلموكيف يطلع على حِكْمَة هَذَا الْبَاب من عِنْده ان اعمال الْعباد لَيست مخلوقة لله وَلَا دَاخِلَة تَحت مَشِيئَته اصلا وَكَيف يتطلب لَهَا حِكْمَة اَوْ يثبتها ام كَيفَ يطلع عَلَيْهَا من يَقُول هِيَ خلق الله وَلَكِن افعاله غير معللة بالحكم وَلَا يدخلهَا لَام تَعْلِيل اصلا وَإِن جَاءَ شَيْء من ذَلِك صرف الى لَام الْعَاقِبَة لَا الى لَام الْعلَّة والغاية فَأَما إِذا جَاءَت الْبَاء فِي افعاله صرفت الى بَاء المصاحبة لَا الى بَاء السَّبَبِيَّة وَإِذا كَانَ المتكلمون عِنْد النَّاس هم هَؤُلَاءِ الطائفتان فَإِنَّهُم لَا يرَوْنَ الْحق خَارِجا عَنْهُمَا ثمَّ كثير من الْفُضَلَاء يتحير إِذا رأى بعض اقوالهم الْفَاسِدَة وَلَا يدرى أَيْن يذهب وَلما عربت كتب الفلاسفة صَار كثير من النَّاس إِذا رأى اقوال الْمُتَكَلِّمين الضعيفة وَقد قَالُوا إِن هَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُول قطع القنطرة وعدي الى ذَلِك الْبر وكل ذَلِك من الْجَهْل الْقَبِيح وَالظَّن الْفَاسِد ان الْحق لَا يخرج عَن اقوالهم فَمَا اكثر خُرُوج الْحق عَن اقوالهم وَمَا اكثر مَا يذهبون فِي الْمسَائِل الَّتِي هِيَ حق وصواب الى خلاف الصَّوَاب وَالْمَقْصُود ان الْمُتَكَلِّمين لَو اجْمَعُوا على شَيْء لم يكن اجماعهم حجَّة عِنْد اُحْدُ من الْعلمَاء فَكيف إِذا اخْتلفُوا وَالْمَقْصُود ان مُشَاهدَة حِكْمَة الله فِي اقضيته واقداره الَّتِي يجربها على عباده باختياراتهم وإراداتهم هِيَ من الطف مَا تكلم فِيهِ النَّاس وأدقه واغمضه وَفِي ذَلِك حكم لَا يعلمهَا إِلَّا الْحَكِيم الْعَلِيم سُبْحَانَهُ وَنحن نشِير الى بَعْضهَا فَمِنْهَا أَنه سُبْحَانَهُ يحب التوابين حَتَّى انه من محبته لَهُم يفرح بتوبة احدهم اعظم من فَرح الْوَاحِد براحلته الَّتِي عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فِي الارض الدوية الْمهْلكَة إِذا فقدها وايس مِنْهَا وَلَيْسَ فِي أَنْوَاع الْفَرح أكمل وَلَا اعظم من هَذَا الْفَرح كَمَا سنوضح ذَلِك ونزيده تقريرا عَن قريب إِن شَاءَ الله وَلَوْلَا الْمحبَّة التَّامَّة للتَّوْبَة ولأهلها لم يحصل هَذَا الْفَرح وَمن الْمَعْلُوم ان وجود الْمُسَبّب بِدُونِ سَببه مُمْتَنع وَهل يُوجد ملزوم بِدُونِ لَازمه اَوْ غَايَة بِدُونِ وسيلتها وَهَذَا معنى قَول بعض العارفين وَلَو لم تكن التَّوْبَة احب الاشياء اليه لما ابتلى بالذنب اكرم الْمَخْلُوقَات عَلَيْهِ فالتوبة هِيَ غَايَة كَمَال كل آدَمِيّ وَإِنَّمَا كَانَ كَمَال ابيهم بهَا فكم بَين حَالَة وَقد قيل لَهُ إِن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى وَإنَّك لَا تظمأ فِيهَا وَلَا تضحى وَبَين قَوْله ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى فالحال الاولى حَال أكل وَشرب

стр. 286

وتمتع وَالْحَال الاخرى حَال اجتباء واصطفاء وهداية فِيمَا بعد مَا بَينهمَا وَلما كَانَ كَمَاله بِالتَّوْبَةِ كَانَ كَمَال بنيه ايضا بهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ فكمال الادمي فِي هَذِه الدَّار بِالتَّوْبَةِ النصوح وَفِي الاخرة بالنجاة من النَّار وَدخُول الْجنَّة وَهَذَا الْكَمَال مُرَتّب على كَمَاله الاول وَالْمَقْصُود انه سُبْحَانَهُ لمحبته التَّوْبَة وفرحة بهَا يَقْتَضِي على عَبده بالذنب ثمَّ إِن كَانَ مِمَّن سبقت لَهُ الْحسنى قضى لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَإِن كَانَ مِمَّن غلبت عَلَيْهِ شقاوته اقام عَلَيْهِ حجَّة عدله وعاقبة بِذَنبِهِ فصل وَمِنْهَا انه سُبْحَانَهُ يجب ان يتفضل عَلَيْهِم وَيتم عَلَيْهِم نعمه وَيُرِيهمْ مواقع بره وَكَرمه فلمحبته الافضال والانعام ينوعه عَلَيْهِم اعظم الانواع واكثرها فِي سَائِر الْوُجُوه الظَّاهِرَة والباطنة وَمن اعظم انواع الاحسان وَالْبر ان يحسن الى من اساء وَيَعْفُو عَمَّن ظلم وَيغْفر لم اذنب وَيَتُوب على من تَابَ اليه وَيقبل عذر من اعتذر اليه وقدندب عباده الى هَذِه الشيم الفاضلة والافعال الحميدة وَهُوَ أولى بهَا مِنْهُم واحق وَكَانَ لَهُ فِي تَقْدِير اسبابها من الحكم والعواقب الحميدة مَا يبهر الْعُقُول فسبحانه وَبِحَمْدِهِ وَحكى بعض العارفين انه قَالَ طفت فِي لَيْلَة مطيرة شَدِيدَة الظلمَة وَقد خلا الطّواف وَطَابَتْ نَفسِي فوقفت عِنْد الْمُلْتَزم ودعوت الله فَقلت اللَّهُمَّ اعصمني حَتَّى لَا اعصيك فَهَتَفَ بِي هَاتِف انت تَسْأَلنِي الْعِصْمَة وكل عبَادي يَسْأَلُونِي الْعِصْمَة فَإِذا عصمتهم فعلى من اتفضل وَلمن اغْفِر قَالَ فَبَقيت لَيْلَتي الى الصَّباح اسْتغْفر الله حَيَاء مِنْهُ هَذَا وَلَو شَاءَ الله ان لَا يَعْصِي فِي الارض طرفَة عين لم يعْص وَلَكِن اقْتَضَت مشيئيه مَا هوموجب حكمته سُبْحَانَهُ فَمن اجهل بِاللَّه مِمَّن يَقُول انه يَعْصِي قسرا بِغَيْر اخْتِيَاره وميشيئته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا فصل وَمِنْهَا انه سُبْحَانَهُ لَهُ الاسماء الْحسنى وَلكُل اسْم من اسمائه اثر من الاثار فِي الْخلق والامر لَا بُد من ترتبه عَلَيْهِ كترتب المرزوق والرزق على الرازق وترتب المرحوم وَأَسْبَاب الرَّحْمَة على الراحم وترتب المرئيات والمسموعات على السَّمِيع والبصير ونظائر ذَلِك فِي جَمِيع الاسماء فَلَو لم يكن فِي عباده من يخطيء ويذنب ليتوب عَلَيْهِ وَيغْفر لَهُ وَيَعْفُو عَنهُ لم يظْهر اثر اسمائه الغفور وَالْعَفو والحليم والتواب وَمَا جرى مجْراهَا وَظُهُور اثر هَذِه الاسماء ومتعلقاتها فِي الخليقة كظهور آثَار سَائِر الاسماء الْحسنى ومتعلقاتها فَكَمَا ان اسْمه الْخَالِق يَقْتَضِي مخلوقا والبارئ يَقْتَضِي مبروا والمصوريقتضي مصورا وَلَا بُد فأسماؤه الْغفار التواب تَقْتَضِي مغفورا لَهُ مَا يغفره لَهُ وَكَذَلِكَ من يَتُوب

стр. 287

عَلَيْهِ وامورا يَتُوب عَلَيْهِ من اجلها وَمن يحكم عَنهُ وَيَعْفُو عَنهُ وَمَا يكون مُتَعَلق الْحلم وَالْعَفو فَإِن هَذِه الامور مُتَعَلقَة بِالْغَيْر ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها وَهَذَا بَاب اوسع من ان يدْرك واللبيب يَكْتَفِي مِنْهُ باليسير وغليظ الْحجاب فِي وَاد وَنحن فِي وَاد وان كَانَ اثل الواد يجمع بَيْننَا ... فَغير خَفِي شيجه من خزامه فَتَأمل ظُهُور هذَيْن الاسمين اسْم الرَّزَّاق وَاسم الْغفار فِي الخليقة ترى وَمَا يعجب الْعُقُول وَتَأمل آثارهما حق التَّأَمُّل فِي اعظم مجامع الخليقة وَانْظُر كَيفَ وسعهم رزقه ومغفرته وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَ لَهُ من قيام اصلا فَلِكُل مِنْهُم نصيب من الرزق وَالْمَغْفِرَة فإمَّا مُتَّصِلا بنشاته الثَّانِيَة إِمَّا مُخْتَصًّا بِهَذِهِ النشأة فصل وَمِنْه انه سُبْحَانَهُ يعرف عباده عزه فِي قَضَائِهِ وَقدره ونفوذ مَشِيئَته وجريان حكمته وَأَنه لَا محيص للْعَبد عَمَّا قَضَاهُ عَلَيْهِ وَلَا مفر لَهُ مِنْهُ بل هُوَ فِي قَبْضَة مَالِكه وسيده وَأَنه عَبده وَابْن عَبده وَابْن امته ناصيته بِيَدِهِ مَاض فِيهِ حكمه عدل فِيهِ قَضَاؤُهُ فصل وَمِنْهَا انه يعرف العَبْد حَاجته إِلَى حفظه لَهُ ومعونته وصيانته وانه كالوليد الطِّفْل فِي حَاجته الى من يحفظه ويصونه فَإِن لم يحفظه مَوْلَاهُ الْحق ويصونه ويعينه فَهُوَ هَالك وَلَا بُد وَقد مدت الشَّيَاطِين ايديها اليه من كل جَان بتريد تمزيق حَاله كُله إفاسد شَأْنه كُله وَإِن مَوْلَاهُ وسيده إِن وَكله الى نَفسه وَكله الى ضَيْعَة وَعجز وذنب وخطيئة وتفريط فهلاكه أدنى اليه من شِرَاك نَعله فقد أجمع الْعلمَاء بِاللَّه على ان التَّوْفِيق ان لَا يكل الله العَبْد الى نَفسه واجمعوا على ان الخذلان ان يخلى بَينه وَبَين نَفسه فصل وَمِنْهَا انه سُبْحَانَهُ يستجلب من عَبده بذلك مَا هُوَ من اعظم أَسبَاب السَّعَادَة لَهُ من استعاذته واستعانته بِهِ من شَرّ نَفسه وَكيد عدوه وَمن انواع الدُّعَاء والتضرع والابتهال والانابة والفاقة والمحبة والرجاء وَالْخَوْف وانواع من كمالات العَبْد تبلغ نَحْو الْمِائَة وَمِنْهَا مَالا تُدْرِكهُ الْعبارَة وَإِنَّمَا يدْرك بِوُجُودِهِ فَيحصل للروح بذلك قرب خَاص لم يكن يحصل بِدُونِ هَذِه الاسباب ويجد العَبْد من نَفسه كَأَنَّهُ ملقى على بَاب مَوْلَاهُ بعد ان كَانَ نَائِيا عَنهُ وَهَذَا الَّذِي أثمر لَهُ ان الله يحب التوابين وَهُوَ ثَمَرَة لله افرح بتوبة عَبده واسرار هَذَا الْوَجْه يضيق عَنْهَا

стр. 288

الْقلب وَاللِّسَان وَعَسَى ان يجيئك فِي الْقسم الثَّانِي من الْكتاب مَا تقر بِهِ عَيْنك ان شَاءَ الله تَعَالَى فكم بَين عبَادَة يدل صَاحبهَا على ربه بِعِبَادَتِهِ شامخ بِأَنْفِهِ كلما طلب مِنْهُ اوصافالعبد قَامَت صور تِلْكَ الاعمال فِي نَفسه فَحَجَبَتْهُ عَن معبوده والهه وَبَين عبَادَة من قد كسر الذل قلبه كل الْكسر واحرق مَا فِيهِ من الرعونات والحماقات والخيالات فَهُوَ لَا يرى نَفسه إِلَّا مسيئا كَمَا لَا يرى ربه إِلَّا محسنا فَهُوَ لايرضى ان يرى نَفسه طرفَة عين قد كسر ازدراؤه على نَفسه قلبه وذلل لِسَانه وجوارحه وطأطأ مِنْهُ مَا ارْتَفع من غَيره فقلبه وَاقِف بَين يَدي ربه وقُوف ناكس الراس خاشع خاضع غاض الْبَصَر خاشع الصَّوْت هادئ الحركات قد سجد بَين يَدَيْهِ سَجْدَة الى الْمَمَات فَلَو لم يكن من ثَمَرَة ذَلِك الْقَضَاء وَالْقدر إِلَّا هَذَا وَحده لكفى بِهِ حِكْمَة وَالله الْمُسْتَعَان فصل وَمِنْهَا انه سُبْحَانَهُ يسْتَخْرج بذلك من عَبده تَمام عبوديته فَإِن تَمام الْعُبُودِيَّة هُوَ بتكميل مقَام الذل والانقياد واكمل الْخلق عبودية اكملهم ذلا لله وانقيادا وَطَاعَة وَالْعَبْد ذليل لمَوْلَاهُ الْحق بِكُل وَجه من وُجُوه الذل فَهُوَ ذليل لعزه وذليل لقهره وذليل لربوبيته فِيهِ وتصرفه وذليل لاحسانه اليه وانعامه عَلَيْهِ فَإِن من احسن اليك فقد استعبدك وَصَارَ قبلك معبدًا لَهُ وذليلا تعبد لَهُ لِحَاجَتِهِ اليه على مدى الانفاس فِي جلب كل مَا يَنْفَعهُ وَدفع كل مَا يضرّهُ وَهنا نَوْعَانِ من انواع التذلل والتعبد لَهما اثر عَجِيب يقتضيان من صَاحبهمَا من الطَّاعَة والفوز مَالا يَقْتَضِيهِ غَيرهمَا احدهما ذل الْمحبَّة وَهَذَا نوع آخر غير مَا تقدم وَهُوَ خَاصَّة الْمحبَّة ولبها بل روحها وقوامها وحقيقتها وَهُوَ المُرَاد على الْحَقِيقَة من العَبْد لَو فطن وَهَذَا يسْتَخْرج من قلب الْمُحب من انواع التَّقَرُّب والتودد والتملق والايثار وَالرِّضَا وَالْحَمْد وَالشُّكْر وَالصَّبْر والتندم وَتحمل العظائم مَالا يَسْتَخْرِجهُ الْخَوْف وَحده وَلَا الرَّجَاء وَحده كَمَا قَالَ بعض الصَّحَابَة إِنَّه ليستخرج محبته من قلبِي من طَاعَته مَالا يَسْتَخْرِجهُ خَوفه اَوْ كَمَا قَالَ فَهَذَا ذل المحبين الثَّانِي ذل الْمعْصِيَة فَإِذا انضاف هَذَا الى هَذَا هُنَاكَ فنيت الرسوم وتلاشت الانفس واضمحلت القوى وَبَطلَت الدَّعَاوَى جملَة وَذَهَبت الرعونات وطاحت الشطحانات ومحيي من الْقلب وَاللِّسَان انا وانا واستراح الْمِسْكِين من شكاوى الصدود والاعراض والهجر وتحرد الشهودان فَلم يبْق الاشهود الْعِزّ والجلال الشُّهُود الْمَحْض الَّذِي تفرد بِهِ ذُو الْجلَال والاكرام الَّذِي لَا يُشَارِكهُ اُحْدُ من خلقه فِي ذرة من ذراته وشهود الذل والفقر الْمَحْض من جَمِيع الْوُجُوه بِكُل اعْتِبَار فَيشْهد غَايَة ذله وانكساره وَعزة محبوبه وجلاله وعظمته وَقدرته وغتاه فَإِذا تجرد لَهُ هَذَانِ الشهودان وَلم يبْق ذرة من ذرات الذل والفقر والضرورة الى ربه الا شَاهدهَا فِيهِ بِالْفِعْلِ وَقد شهد مقابلها هُنَاكَ فَللَّه أَي مقَام اقيم فِيهِ هَذَا الْقلب إِذْ ذَاك وَأي قرب حظي بِهِ وَأي نعيم ادركه واي روح بَاشرهُ فَتَأمل الان موقع الكسرة الَّتِي حصلت لَهُ بالمعصية فِي هَذَا

стр. 289

الموطن مَا اعجبها وَمَا اعظم موقعها كَيفَ جَاءَت فمحقت من نَفسه الدعاوي والرعونات وانواع الاماني الْبَاطِلَة ثمَّ اوجبت لَهُ الْحيَاء والخجل من صَالح مَا عمل ثمَّ اوجبت لَهُ استكثار قَلِيل مَا يرد عَلَيْهِ من ربه لعلمه بِأَن قدره اصغر من ذَلِك وَأَنه لَا يسْتَحقّهُ واستقلال أَمْثَال الْجبَال من عمله الصَّالح بِأَن سيئاته وذنوبه تحْتَاج من المكفرات والماحيات الى أعظم من هَذَا فَهُوَ لَا يزَال محسنا وَعند نَفسه الْمُسِيء المذنب متكسرا ذللا خاضعا لَا يرْتَفع لَهُ رَأس وَلَا ينقام لَهُ صدر وَإِنَّمَا سَاقه إِلَى هَذَا الذل وَالَّذِي اورثه إِيَّاه مُبَاشرَة الذائب فَأَي شَيْء انفع لَهُ من هَذَا الدَّوَاء لَعَلَّ عتبك مَحْمُود عواقبه ... وَرُبمَا صحت الاجسام بالعلل ونكتة هَذَا الْوَجْه ان العَبْد مَتى شهد صَلَاحه واستقامته شمخ بانفه وتعاظمت نَفسه وَظن انه وَأَنه أَي عَظِيما فَإِذا ابتلى بالذنب تصاغرت اليه نَفسه وذل وخضع وتيقن انه وَأَنه أَي عبدا ذليلا فصل وَمِنْهَا ان العَبْد يعرف حَقِيقَة نَفسه وَأَنَّهَا الظالمة وان مَا صدر مِنْهَا من شَرّ فقد صدر من اهله ومعدنه إِذْ الْجَهْل وَالظُّلم منبع الشَّرّ كُله وان كل مَا فِيهَا من خير وَعلم وَهدى وإنابة وتقوى فَهُوَ من رَبهَا تَعَالَى هُوَ الَّذِي زكاها بِهِ وَأَعْطَاهَا إِيَّاه لَا مِنْهَا فَإِذا لم يَشَأْ تَزْكِيَة العَبْد تَركه مَعَ دواعي ظلمه وجهله فَهُوَ تَعَالَى الَّذِي يزكّى من يَشَاء من النُّفُوس فتزكو وَتَأْتِي بأنواع الْخَيْر وَالْبر وَيتْرك تَزْكِيَة من يَشَاء مِنْهَا فتأتي بأنواع الشَّرّ والخبث وَكَانَ من دُعَاء النَّبِي اللَّهُمَّ آتٍ نَفسِي تقوها وزكها انت خير من زكاها انت وَليهَا ومولاها فَإِذا ابتلى الله العَبْد بالذنب عرف نَفسه ونقصها فرتب لَهُ على ذَلِك التَّعْرِيف حكم ومصالح عديدة مِنْهَا انه يانف من نَقصهَا ويجتهد فِي كمالها وَمِنْهَا أَنه يعلم فقرها دَائِما إِلَى من يتولاها ويحفظها وَمِنْهَا انه يستريح ويريح الْعباد من الرعونات والحماقات الَّتِي ادَّعَاهَا اهل الْجَهْل فِي انفسهم من قدم اَوْ اتِّصَال بالقديم اَوْ اتِّحَاد بِهِ اَوْ حُلُول فِيهِ اوغير ذَلِك من المحالات فلولا ان هَؤُلَاءِ غَابَ عَنْهُم شهودهم لنَقص انفسهم وحقيقتها لم يقعوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ فصل وَمِنْهَا تَعْرِيفه سُبْحَانَهُ عَبده سَعَة حلمه وَكَرمه فِي ستره عَلَيْهِ وَأَنه لَو شَاءَ لعاجله على الذَّنب ولهتكه بَين عباده فَلم يطب لَهُ مَعَهم عَيْش ابدا وَلَكِن جلله بستره غشاه بحلمه وقيض لَهُ من يحفظه وَهُوَ فِي حَالَته تِلْكَ بل كَانَ شَاهدا وَهُوَ يبارزه بِالْمَعَاصِي والاثام وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَحْرُسهُ بِعَيْنِه الَّتِي لاتنام وَقد جَاءَ فِي بعض الاثار يَقُول الله تَعَالَى انا الْجواد الْكَرِيم من اعظم مني جودا وكرما عبَادي يبارزونني

стр. 290

بالعظائم وَأَنا أكلوهم فِي مَنَازِلهمْ فَأَي حلم اعظم من هَذَا الْحلم وَأي كرم اوسع من هَذَا الْكَرم فلولا حلمه وَكَرمه ومغفرته لما اسْتَقَرَّتْ السَّمَوَات والارض فِي أماكنها وَتَأمل قَوْله تَعَالَى ان الله يمسك السَّمَوَات والارض ان تَزُولَا وَلَئِن زالتا إِن امسكهما من اُحْدُ من بعده الاية هَذِه الاية تَقْتَضِي الْحلم وَالْمَغْفِرَة فلولا حلمه ومغفرته لزالتا عَن اماكنهما وَمن هَذَا قَوْله تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الارض وتخر الْجبَال هدا ان دعوا للرحمن ولدا فصل وَمِنْهَا تَعْرِيفه عَبده انه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى النجَاة إِلَّا بعفوه ومغفرته وانه رهين بِحقِّهِ فَإِن لم يتغمده بعفوه ومغفرته وَإِلَّا فَهُوَ من الهالكين لَا محَالة فَلَيْسَ اُحْدُ من خلقه إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاج الى عَفوه ومغفرته كَمَا هُوَ مُحْتَاج الى فَضله وَرَحمته فصل وَمِنْهَا تَعْرِيفه عَبده كرمه سُبْحَانَهُ فِي قبُول تَوْبَته ومغفرته لَهُ على ظلمه واساءته فَهُوَ الَّذِي جاد عَلَيْهِ بَان وَفقه للتَّوْبَة والهمه إِيَّاهَا ثمَّ قبلهَا مِنْهُ فَتَابَ عَلَيْهِ اولا وآخرا فتوبة العَبْد محفوفة بتوبة قبلهَا عَلَيْهِ من الله إِذْنا وتوفيقا وتوبة ثَانِيَة مِنْهُ عَلَيْهِ قبولا ورضا فَلهُ الْفضل فِي التَّوْبَة وَالْكَرم اولا وآخرا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فصل وَمِنْهَا إِقَامَة حجَّة عدله على عَبده ليعلم العَبْد ان لله عَلَيْهِ الْحجَّة الْبَالِغَة فَإِذا اصابه مَا اصابه من الْمَكْرُوه فَلَا يُقَال من ايْنَ هَذَا وَلَا من ايْنَ اتيت وَلَا باي ذَنْب اصبت فَمَا أصَاب العَبْد من مُصِيبَة قطّ دقيقة وَلَا جليلة الا بِمَا كسبت يَدَاهُ وَمَا يعْفُو الله عَنهُ اكثر ومانزل بلَاء قطّ الا بذنب وَلَا رفع بلَاء إِلَّا بتوبة وَلِهَذَا وضع الله المصائب والبلايا والمحن رَحْمَة بَين عباده يكفر بهَا من خطاياهم فَهِيَ من اعظم نعمه عَلَيْهِم وان كرهتها انفسهم وَلَا يدْرِي العَبْد أَي النعمتين عَلَيْهِ اعظم نعْمَته عَلَيْهِ فِيمَا يكره اَوْ نعْمَته عَلَيْهِ فِيمَا يحب وَمَا يُصِيب الْمُؤمن من هم وَلَا وصب وَلَا اذى حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها إِلَّا كفر الله بهَا من خطاياه وَإِذا كَانَ للذنوب عقوبات وَلَا بُد فَكلما عُوقِبَ بِهِ العَبْد من ذَلِك قبل الْمَوْت خير لَهُ مِمَّا بعده وايسر وأسهل بِكَثِير فصل وَمِنْهَا ان يُعَامل العَبْد بني جنسه فِي إسائتهم اليه وزلاتهم مَعَه بِمَا يحب ان يعامله الله بِهِ فِي اساءته وزلاته وذنوبه فَإِن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَمن عَفا عفى الله عَنهُ وَمن سامح اخاه فِي إساءته اليه سامحه الله فِي سيئاته وَمن أغضي وَتجَاوز تجَاوز الله عَنهُ وَمن استقصى استقصى عَلَيْهِ

стр. 291

وَلَا تنس حَال الَّذِي قبضت الْمَلَائِكَة روحه فَقيل لَهُ هَل عملت خيرا هَل عملت حَسَنَة قَالَ مَا اعلمه قيل تذكر قَالَ كنت ابايع النَّاس فَكنت انْظُر الْمُوسر واتجاوز عَن الْمُعسر اَوْ قَالَ كنت امْر فتياني ان يتجاوزوا فِي السِّكَّة فَقَالَ الله نَحن احق بذلك مِنْك وَتجَاوز الله عَنهُ فَالله يُعَامل العَبْد فِي ذنُوبه بِمثل مَا يُعَامل بِهِ العَبْد النَّاس فِي ذنوبهم فَإِذا عرف العَبْد ذَلِك كَانَ فِي ابتلائه بِالذنُوبِ من الحكم والفوائد مَا هُوَ انفع الاشياء لَهُ فصل وَمِنْهَا انه إِذا عرف هَذَا فاحسن الى من اساء اليه وَلم يُقَابله بإساءته إساءة مثلهَا تعرض بذلك لمثلهَا من ربه تَعَالَى وَأَنه سُبْحَانَهُ يُقَال اساءته وذنوبه باحسانه كَمَا كَانَ هُوَ يُقَابل بذلك اساءة الْخلق اليه وَالله اوسع فضلا وَأكْرم واجزل عَطاء فَمن احب ان يُقَابل الله إساءته بالاحسان فليقابل هُوَ إساءة النَّاس اليه بالاحسان وَمن علم ان الذُّنُوب والاساءة لَازِمَة للانسان لم تعظم عِنْده اساءة النَّاس اليه فَلْيتَأَمَّل هُوَ حَاله مَعَ الله كَيفَ هِيَ مَعَ فرط احسانه اليه وَحَاجته هُوَ الى ربه وَهُوَ هَكَذَا لَهُ فَإِذا كَانَ العَبْد هَكَذَا لرَبه فَكيف ينكران يكون النَّاس لَهُ بِتِلْكَ الْمنزلَة وَمِنْهَا انه يُقيم معاذير الْخَلَائق وتتسع رَحمته لَهُم ويتفرج بطانه وَيَزُول عَنهُ ذَلِك الْحصْر والضيق والانحراف واكل بعضه بَعْضًا ويستريح العصاة من دُعَائِهِ عَلَيْهِم وقنوطه مِنْهُم وسؤال الله ان يخسف بهم الارض ويسلط عَلَيْهِم الْبلَاء فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يرى نَفسه وَاحِدًا مِنْهُم فَهُوَ يسْأَل الله لَهُم مَا يسْأَله لنَفسِهِ وَإِذا دَعَا لنَفسِهِ بِالتَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَة ادخلهم مَعَه فيرجو لَهُم فَوق مَا يَرْجُو لنَفسِهِ وَيخَاف على نَفسه اكثر مِمَّا يخَاف عَلَيْهِم فَأَيْنَ هَذَا منحاله الاولى وَهُوَ نَاظر اليهم بِعَين الاحتقار والازدراء لَا يجد فِي قلبه رَحْمَة لَهُم وَلَا دَعْوَة وَلَا يَرْجُو لَهُم نجاة فالذنب فِي حق مثل هَذَا من اعظم اسباب رَحمته مَعَ هَذَا فيقيم امْر الله فيهم طَاعَة لله وَرَحْمَة بهم وإحسانا اليهم إِذْ هوعين مصالحتهم لَا غلظة وَلَا قُوَّة وَلَا فظاظة فصل وَمِنْهَا ان يخلع صولة الطَّاعَة من قلبه وَينْزع عَنهُ رِدَاء الْكبر وَالْعَظَمَة الَّذِي لَيْسَ لَهُ ويلبس ردْءًا الذل والانكسار والفقر والفاقة فَلَو دَامَت تِلْكَ الصولة والعزة فِي قلبه لخيف عَلَيْهِ مَا هُوَ من اعظم الافات كَمَا فِي الحَدِيث لَو لم تذنبوا لخفت عَلَيْكُم مَا هُوَ اشد من ذَلِك الْعجب اَوْ كَمَا قَالَ فكم بَين آثَار الْعجب وَالْكبر وصولة الطَّاعَة وَبَين آثَار الذل والانكسار كَمَا قيل يَا آدم لَا تجزع من كأس زلل كَانَت سَبَب كيسك فقد استخرج مِنْك دَاء الْعجب والبست رِدَاء الْعُبُودِيَّة يَا آدم لَا تجزع من قولي لَك اخْرُج مِنْهَا

стр. 292

فلك خلقتها وَلَكِن انْزِلْ الى دَار المجاهدة وابذر بذر الْعُبُودِيَّة فَإِذا كمل الزَّرْع واستحصد فتعال فاستوفه لَا يوحشنك ذَاك العتب ان لَهُ لطفا يُرِيك الرِّضَا فِي حَالَة الْغَضَب فَبَيْنَمَا هُوَ لابس ثوب الاذلال الَّذِي لَا يَلِيق بِمثلِهِ تَدَارُكه ربه برحمته فَنَزَعَهُ عَنهُ والبسه ثوب الذل الذل لَا يَلِيق بِالْعَبدِ غَيره فَمَا لبس العَبْد ثوبا اكمل عَلَيْهِ وَلَا احسن وَلَا ابهى من ثوب الْعُبُودِيَّة وهوثوب المذلة الَّذِي لَا عَزله بِغَيْرِهِ فصل وَمِنْهَا ان لله على الْقُلُوب انواعا من الْعُبُودِيَّة من الخشية وَالْخَوْف والاشفاق وتوابعها من الْمحبَّة والانابة وابتغاء الْوَسِيلَة اليه وتوابعها وَهَذِه العبوديات لَهَا اسباب تهيجها وتبعث عَلَيْهَا فَكلما قيضه الرب تَعَالَى لعَبْدِهِ من الاسباب الباعثة على ذَلِك المهيجة لَهُ فَهُوَ من اسباب رَحمته لَهُ وَرب ذَنْب قد هاج لصَاحبه من الْخَوْف والاشفاق والوجل ولانابة والمحبة والايثار والفرار الى الله مَالا يهيجه لَهُ كثير من الطَّاعَات وَكم من ذَنْب كَانَ سَببا لِاسْتِقَامَةِ العَبْد وفراره الى الله وَبعده عَن طرق الغي وَهُوَ بِمَنْزِلَة من خلط فأحس بِسوء مزاجه وَكَانَ عِنْده اخلاط مزمنة قاتلة وَهُوَ لَا يشْعر بهَا فَشرب دَوَاء ازال تِلْكَ الاخلاط العفنة الَّتِي لَو دَامَت لترامت بِهِ الى الْفساد والعطب وان من تبلغ رَحمته ولطفه وبره بِعَبْدِهِ هَذَا الْمبلغ وَمَا هُوَ اعْجَبْ والطف مِنْهُ لحقيق بَان يكون الْحبّ كُله لَهُ والطاعات كلهَا لَهُ وان يذكر فَلَا ينسى ويطاع فَلَا يعْصى ويشكر فَلَا يكفر فصل وَمِنْهَا انه يعرف العَبْد مِقْدَار نعْمَة معافاته وفضله فِي توفيقه لَهُ وَحفظه إِيَّاه فَإِنَّهُ من تربى فِي الْعَافِيَة لَا يعلم مَا يقاسيه الْمُبْتَلى وَلَا يعرف مِقْدَار النِّعْمَة فَلَو عرف اهل طَاعَة الله انهم هم الْمُنعم عَلَيْهِم فِي الْحَقِيقَة وان الله عَلَيْهِم من الشُّكْر اضعاف مَا على غَيرهم وان تسودوا التُّرَاب ومضغوا الْحَصَى فهم اهل النِّعْمَة الْمُطلقَة وان من خلى الله بَينه وَبَين مَعَاصيه فقد سقط من عينه وَهَان عَلَيْهِ وان ذَلِك لَيْسَ من كرامته على ربه وان وسع الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَمد لَهُ من اسبابها فَإِنَّهُم اهل الِابْتِلَاء على الْحَقِيقَة فَإِذا طالبت العَبْد نَفسه بِمَا تطالبه من الحظوظ والاقسام وأرته انه فِي بلية وضائقة تَدَارُكه الله برحمته وابتلاه بِبَعْض الذُّنُوب فَرَأى مَا كَانَ فِيهِ من المعافاة وَالنعْمَة وَأَنه لَا نِسْبَة لما كَانَ فِيهِ من النعم الى مَا طلبته نَفسه من الحظوظ فَحِينَئِذٍ يكون اكثر أمانيه وآماله الْعود الى حَالَة وان يمنعهُ الله بعافيته

стр. 293

فصل وَمِنْهَا ان التَّوْبَة توجب للتائب آثارا عَجِيبَة من المقامات الَّتِي لَا تحصل بِدُونِهَا فتوجب لَهُ من الْمحبَّة والرقة واللطف وشكر الله وحمده وَالرِّضَا عَنهُ عبوديات أخر فَإِنَّهُ إِذا تَابَ الى الله تقبل الله تَوْبَته فرتب لَهُ على ذَلِك الْقبُول انواعا من النعم لَا يَهْتَدِي العَبْد لتفاصيلها بل يزَال يتقلب فِي بركتها وآثارها مالم ينقضها ويفسدها فصل وَمِنْهَا ان الله سُبْحَانَهُ يُحِبهُ ويفرح بتوبته اعظم فَرح وَقد تقرر ان الْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَلَا ينسى الفرحة الَّتِي يظفر بهَا عِنْد التَّوْبَة النصوح وتامل كَيفَ تجدالقلب يرقص فَرحا وَأَنت لَا تَدْرِي بِسَبَب ذَلِك الْفَرح مَا هُوَ وَهَذَا امْر لَا يحس بِهِ الا حييّ الْقلب وَأما ميت الْقلب فَإِنَّمَا يجد الْفَرح عِنْد ظفره بالذنب وَلَا يعرف فَرحا غَيره فوازن إِذا بَين هذَيْن الفرحين وَانْظُر مَا يعقبه فَرح الظفر بالذنب من انواع الاحزان والهموم والغموم والمصائب فَمن يَشْتَرِي فرحة سَاعَة بغم الابدو انْظُر مَا يعقبه فَرح الظفر بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْبَة النصوح من الانشراح الدَّائِم وَالنَّعِيم وَطيب الْعَيْش ووازن بَين هَذَا وَهَذَا ثمَّ اختر مَا يَلِيق بك ويبسابك وكل يعْمل على شاكلته وكل امْرِئ يصبو الى مَا يُنَاسِبه فصل وَمِنْهَا انه إِذا شهد ذنُوبه ومعاصيه وتفريطه فِي حق ربه استكثر الْقَلِيل من نعم ربه عَلَيْهِ وَلَا قَلِيل مِنْهُ لعلمه ان الْوَاصِل اليه فِيهَا كثير على مسيء مثله واستقل الْكثير من عمله لعلمه بَان الَّذِي يَنْبَغِي ان يغسل بِهِ نَجَاسَته واوضاره واوساخه اضعاف مَا اتي بِهِ فَهُوَ دَائِما مُسْتَقل لعلمه كَائِنا مَا كَانَ مستكثر لنعمة الله عَلَيْهِ وَإِن دقَّتْ وقدتقدم التَّنْبِيه على هَذَا الْوَجْه وَهُوَ من الطف الْوُجُوه فَعَلَيْك بمراعاته فَلهُ تَأْثِير عَجِيب وَلَو لم يكن فِي فوائدالذنب إِلَّا هَذَا لكفى بِهِ فَأَيْنَ حَال هَذَا من حَال من لَا يرى لله عَلَيْهِ نعْمَة إِلَّا وَيرى انه كَانَ يَنْبَغِي ان يُعْطي مَا هُوَ فَوْقهَا وَأجل مِنْهَا وانه لايقدر ان يتَكَلَّم وَكَيف يعاند الْقدر وَهُوَ مظلوم مَعَ الرب لَا ينصفه وَلَا يُعْطِيهِ مرتبته بل هُوَ مغرى بمعاندته لفضله وكماله وانه كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ان ينَال الثريا ويطأ بأخمصه هُنَالك وَلكنه مظلوم مبخوس الْحَظ وَهَذَا الضَّرْب من ابغض الْخلق الى الله وأشدهم مقتا عِنْده وَحِكْمَة الله تَقْتَضِي انهم لَا يزالون فِي سفال فهم بَين عتب على الْخَالِق وشكوى لَهُ وذل لخلقه وحاجة اليهم وخدمة لَهُم اشغل النَّاس قلوبا بارباب الولايات والمناصب ينتظرون مَا يقذفون بِهِ اليهم من عظامهم وغسالة ايديهم واوانيهم وأفرغ النَّاس قلوبا عَن مُعَاملَة الله والانقطاع اليه والتلذذ بمناجاته والطمأنينة بِذكرِهِ وقرة الْعين بخشيته والرضاء بِهِ فعياذا بِاللَّه من زَوَال نعْمَته وتحول عافيته

стр. 294

وفجأة نقمته وَمن جَمِيع سخطه فصل وَمِنْهَا ان الذَّنب يُوجب لصَاحبه التقيظ والتحرز من مصائد عدوه ومكامنه وَمن ايْنَ يدْخل عَلَيْهِ اللُّصُوص والقطاع ومكامنهم وَمن ايْنَ يخرجُون عَلَيْهِ وَفِي أَي وَقت يخرجُون فَهُوَ قد استعد لَهُم وتأهب وَعرف بِمَاذَا يستدفع شرهم وكيدهم فَلَو انه مر عَلَيْهِم على غرَّة وطمأنينه لم يَأْمَن ان يظفروا بِهِ ويجتاحوه جملَة فصل وَمِنْهَا ان الْقلب يكون ذاهلا عَن عدوه معرضًا عَنهُ مشتغلا بِبَعْض مهماته فَإِذا اصابه سهم من عدوه استجمعت لَهُ قوته وحاسته وحميته وَطلب بثاره إِن كَانَ قلبه حرا كَرِيمًا كَالرّجلِ الشجاع إِذا جرح فَإِنَّهُ لَا يقوم لَهُ شَيْء بل ترَاهُ بعْدهَا هائجا طَالبا مقداما وَالْقلب الجبان المهين إِذا جرح كَالرّجلِ الضَّعِيف المهين إِذا جرح ولى هَارِبا والجراحات فِي اكتافه وَكَذَلِكَ الاسد إِذا جرح فَإِنَّهُ لَا يُطَاق فَلَا خير فِيمَن لَا مُرُوءَة لَهُ يطْلب اخذ ثاره من اعدى عدوه فَمَا شَيْء اشفى للقلب من اخذه بثاره من عدوه ولاعدو اعدى لَهُ من الشَّيْطَان فَإِن كَانَ قلبه من قُلُوب الرِّجَال المتسابقين فِي حلبة الْمجد جد فِي اخذ الثأر وغاظ عدوه كل الغيظ واضناه كَمَا جَاءَ عَن بعض السّلف ان الْمُؤمن لينضى شَيْطَانه كَمَا ينضى احدكم بعيره فِي سَفَره فصل وَمِنْهَا ان مثل هَذَا يصير كالطبيب ينْتَفع بِهِ المرضى فِي علاجهم ودوائهم والطبيب الَّذِي عرف الْمَرَض مُبَاشرَة وَعرف دواءه وعلاجه احذق وَاخْبَرْ من الطَّبِيب الَّذِي إِنَّمَا عرفه وَصفا هَذَا فِي أمراض الابدان وَكَذَلِكَ فِي أمراض الْقُلُوب وأدوائها وَهَذَا معنى قَول بعض الصُّوفِيَّة اعرف النَّاس بالافات اكثرهم آفَات وَقَالَ عمر بن الْخطاب إِنَّمَا تنقض عرى الاسلام عُرْوَة عُرْوَة إِذا نَشأ فيالاسلام من لَا يعرف الْجَاهِلِيَّة وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَة اعرف الامة بالاسلام وتفاصيله وابوابه وطرقه وَأَشد النَّاس رَغْبَة فِيهِ ومحبة لَهُ وجهادا لاعدائه وتكلما بأعلامه بالامة وتحذيرا من خِلَافه لكَمَال علمهمْ بضده فَجَاءَهُمْ الْإِسْلَام وكل خصْلَة مِنْهُ مضادة لكل خصْلَة مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فازدادوا لَهُ معرفَة وحبا وَفِيه جهادا بمعرفتهم بضده وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة من كَانَ فِي حصر شَدِيد وضيق وَمرض وفقر وَخَوف ووحشة فقيض الله لَهُ من نَقله مِنْهُ الى فضاء وسعة وَأمن وعافية وغنى وبهجة وسرور فَإِنَّهُ يزْدَاد سروره وغبطته ومحبته بِمَا نقل اليه بِحَسب مَعْرفَته بِمَا كَانَ فِيهِ وَلَيْسَ حَال هَذَا كمن ولد فِي الارمن والعافية والغنى وَالسُّرُور فَإِنَّهُ لم يشْعر بِغَيْرِهِ وَرُبمَا قيضت لَهُ اسباب تخرجه عَن

стр. 295

ذَلِك الى ضِدّه وَهُوَ لَا يشْعر وَرُبمَا ظن ان كثيرا من اسباب الْهَلَاك والعطب تُفْضِي بِهِ الى السَّلامَة والامن والعافية فَيكون هَلَاكه على يَدي نَفسه وَهُوَ لَا يشْعر وَمَا اكثر هَذَا الضَّرْب من النَّاس فَإِذا عرف الضدين وَعلم مباينة الطَّرفَيْنِ وَعرف اسباب الْهَلَاك على التَّفْصِيل كَانَ احرى ان تدوم لَهُ النِّعْمَة مالم يُؤثر اسباب زَوَالهَا على علم وَفِي مثل هَذَا قَالَ الْقَائِل عرفت الشَّرّ لَا للشر لَكِن لتقوقيه ... وَمن لَا يعرف الشَّرّ من النَّاس يَقع فِيهِ وَهَذِه حَال الْمُؤمن يكون فطنا حاذقا اعرف النَّاس بِالشَّرِّ وأبعدهم مِنْهُ فَإِذا تكلم فِي الشَّرّ واسبابه ظننته من شَرّ النَّاس فَإِذا خالطته وَعرفت طويته رَأَيْته من ابر النَّاس وَالْمَقْصُود ان من بلَى بالافات صَار من اعرف النَّاس بطرقها وامكنه ان يسدها على نَفسه وعَلى من استنصحه من النَّاس وَمن لم يستنصحه فصل وَمِنْهَا انه سُبْحَانَهُ يُذِيق عَبده الم الْحجاب عَنهُ وَالْعَبْد وَزَوَال ذَلِك الانس والقرب ليمتحن عَبده فَإِن اقام على الرِّضَا بِهَذِهِ الْحَال وَلم يجد نَفسه تطالبه حَالهَا الاول مَعَ الله بل اطمأنت وسكنت الى غَيره علم انه لَا يصلح فَوَضعه فِي مرتبته الَّتِي تلِيق بِهِ وَإِن اسْتَغَاثَ استغاثة الملهوف وتقلق تقلق المركوب ودعا دُعَاء الْمُضْطَر وَعلم انه قد فَاتَتْهُ حَيَاته حَقًا فَهُوَ يَهْتِف بربه ان يردعليه حَيَاته وَيُعِيد عَلَيْهِ مَالا حَيَاة لَهُ بِدُونِهِ علم انه مَوضِع لما اهل لَهُ فَرد عَلَيْهِ احوج مَا هُوَ اليه فعظمت بِهِ فرحته وكملت بِهِ لذته وتمت بِهِ نعْمَته واتصل بِهِ سروره وَعلم حِينَئِذٍ مِقْدَاره فعض عَلَيْهِ بالنواجذ وثنى عَلَيْهِ الخناصر وَكَانَ حَاله كَحال ذَلِك الفاقد لراحلته الَّتِي عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فِي الارض الْمهْلكَة إِذا وجدهَا بعد مُعَاينَة الْهَلَاك فَمَا اعظم موقع ذَلِك الوجدان عِنْده وَللَّه اسرار وَحكم ومنبهات وتعريفات لَا تنالها عقول الْبشر فَقل لغليظ الْقلب وَيحك لَيْسَ ذَا ... بعشك فادرج طَالبا عشك الْبَالِي وَلَا تَكُ مِمَّن مد باعا الى جنا ... فقصر عَنهُ قَالَ ذَا لَيْسَ بالحالي فَالْعَبْد إِذا بلَى بعد الانس بالوحشة وَبعد الْقرب بِنَار البعاد اشتاقت نَفسه الى لَذَّة تِلْكَ الْمُعَامَلَة فحنت وانت وتصدعت وتعرضت لنفحات من لَيْسَ لَهَا مِنْهُ عوض ابدا وَلَا سِيمَا إِذا تذكرت بره ولطفه وحنانه وقربه فَإِن هَذِه الذكرى تمنعها الْقَرار وتهيج مِنْهَا البلابل كَمَا قَالَ الْقَائِل وَقد فَاتَهُ طواف الوادع فَركب الاخطار وَرجع اليه وَلما تذكرت الْمنَازل بالحمى ... وَلم يقْض لي تَسْلِيمَة المتزود تيقنت ان الْعَيْش لَيْسَ بنافعي ... إِذا انا لم انْظُر اليها بموعد وان اسْتمرّ اعراضها وَلم تحن الى معهدها الاول وَلم تحس بفاقتها الشَّدِيدَة وضرورتها

стр. 296

الى مُرَاجعَة قربهَا من رَبهَا فَهِيَ مِمَّن إِذا غَابَ لم يطْلب وَإِذا ابق لم يسترجع وَإِذا جنى لم يتعتب وَهَذِه هِيَ النُّفُوس الَّتِي لم تؤهل لما هُنَالك وبحسب الْمُعْتَرض هَذَا الحرمان فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ وَذَلِكَ ذَنْب عِقَابه فِيهِ فصل وَمِنْهَا ان الْحِكْمَة الالهية اقْتَضَت تركيب الشَّهْوَة وَالْغَضَب فِي الانسان وَهَاتَانِ القوتان فِيهِ بِمَنْزِلَة صِفَاته الذاتية لَا يَنْفَكّ عنهماوبهما وَقعت المحنة والابتلاء وَعرض لنيل الدَّرَجَات العلى واللحاق بالرفيق الاعلى والهبوط الى اسفل سافلين فهاتان القوتان لَا يدعان العَبْد حَتَّى ينيلانه منَازِل الابرار اَوْ يضعانه تَحت اقدام الأشرار وَلنْ يَجْعَل الله من شَهْوَته مصروفة الى مَا اعد لَهُ فِي دَار النَّعيم وغضبه حمية لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولدينه كمن جعل شَهْوَته مصروفة فِي هَوَاهُ وامانيه العاجلة وغضبه مَقْصُور على حَظه وَلَو انتهكت محارم الله وحدوده وعطلت شرائعه وسننه بعد ان يكون هُوَ ملحوظا بِعَين الاحترام والتعظيم والتوقير ونفوذ الْكَلِمَة وَهَذِه حَال اكثر الرؤساء اعاذنا الله مِنْهَا فَلَنْ يَجعله الله هذَيْن الصِّنْفَيْنِ فِي دَار وَاحِدَة فَهَذَا صعد بشهوته وغضبه الى اعلى عليين وَهَذَا هوى بهما الى أَسْفَل سافلين وَالْمَقْصُود ان تركيب الانسان على هَذَا الْوَجْه هوغاية الْحِكْمَة وَلَا بُد ان يَقْتَضِي كل وَاحِد من القوتين اثره فَلَا بُد من وُقُوع الذَّنب والمخالفات والمعاصي فَلَا بُد من ترَتّب آثَار هَاتين القوتين عَلَيْهِمَا وَلَو لم يخلقا فِي الانسان لم يكن انسانا بل كَانَ ملكا فالترتب من مُوجبَات الانسانية كَمَا قَالَ النَّبِي كل بني آدم خطاء وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون فَأَما من اكتنفته الْعِصْمَة وَضربت عَلَيْهِ سرادقات الْحِفْظ فهم اقل افراد النَّوْع الانساني وهم خلاصته ولبه فصل وَمِنْهَا ان الله سُبْحَانَهُ إِذا أَرَادَ بِعَبْدِهِ خيرا انساه رُؤْيَة طاعاته ورفعها من قلبه وَلسَانه فَإِذا ابتلى بالذنب جعله نصب عَيْنَيْهِ ونسى طاعاته وَجعل همه كُله بِذَنبِهِ فَلَا يزَال ذَنبه امامه ان قَامَ اَوْ قعد اَوْ غَدا اَوْ رَاح فَيكون هَذَا عين الرَّحْمَة فِي حَقه كَمَا قَالَ بعض السّلف ان العَبْد ليعْمَل الذَّنب فَيدْخل بِهِ الْجنَّة وَيعْمل الْحَسَنَة فَيدْخل بهَا النارقالوا وَكَيف ذَلِك قَالَ يعْمل الْخَطِيئَة فلاتزال نصب عَيْنَيْهِ كلما ذكرهَا بَكَى وَنَدم وَتَابَ واستغفر وتضرع وأناب الى الله وذل لَهُ وانكسر وَعمل لَهَا اعمالا فَتكون سَبَب الرَّحْمَة فِي حَقه وَيعْمل الْحَسَنَة فلاتزال نصب عَيْنَيْهِ يمن بهَا ويراها ويعتد بهَا على ربه وعَلى الْخلق ويتكبر بهَا ويتعجب من النَّاس كَيفَ لَا يعظمونه ويكرمونه ويجلونه عَلَيْهَا فَلَا تزَال هَذِه الامور بِهِ حَتَّى

стр. 297

تقوى عَلَيْهِ آثارها فتدخله النَّار فعلامة السَّعَادَة ان تكون حَسَنَات العَبْد خلف ظَهره وسيئاته نصب عَيْنَيْهِ وعلامة الشقاوة ان يَجْعَل حَسَنَاته نصب عَيْنَيْهِ وسيئاته خلف ظَهره وَالله الْمُسْتَعَان فصل وَمِنْهَا ان شُهُود العَبْد ذنُوبه وخطاياه مُوجب لَهُ ان لَا يرى لنَفسِهِ على اُحْدُ فضلا وَلَا لَهُ على اُحْدُ حَقًا فَإِنَّهُ يشْهد عُيُوب نَفسه وذنوبه فَلَا يظنّ انه خير من مُسلم يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله وَيحرم مَا حرم الله وَرَسُوله وَإِذا شهد ذَلِك من نَفسه لم يرلها على النَّاس حقوقا من الاكرم يتقاضاهم اياها ويذمهم على ترك الْقيام بهَا فَإِنَّهَا عِنْده اخس قدرا واقل قيمَة من ان يكون لَهُ بهَا على عباد الله حُقُوق يجب عَلَيْهِم مراعاتها اوله عَلَيْهِم فضل يسْتَحق ان يكرم ويعظم وَيقدم لاجلها فَيرى ان من سلم عَلَيْهِ اَوْ لقِيه بِوَجْه منبسط فقد احسن اليه وبذل لَهُ مَالا يسْتَحقّهُ فاستراح هَذَا فِي نَفسه وأراح النَّاس من شكايته وغضبه على الْوُجُود واهله فَمَا اطيب عيشه وَمَا انْعمْ باله وَمَا اقرعينه واين هَذَا مِمَّن لَا يزَال عاتبا على الْخلق شاكيا ترك قيامهم بِحقِّهِ ساخطا عَلَيْهِم وهم عَلَيْهِ اسخط فصل وَمِنْهَا انه وَيُوجب لَهُ الامساك عَن عُيُوب النَّاس والفكر فِيهَا فَإِنَّهُ فِي شغل بِعَيْب نَفسه فطوبى لمن شغله عَيبه عَن عُيُوب النَّاس وويل لمن نسي عَيبه وتفرغ لعيوب النَّاس هَذَا من عَلامَة الشقاوة كَمَا ان الاول من امارات السَّعَادَة وَمِنْهَا انه إِذا وَقع فِي الذَّنب شهد نَفسه مثل اخوانه الْخَطَّائِينَ وَشهد ان الْمُصِيبَة وَاحِدَة والجميع مشتركون فِي الْحَاجة بل فِي الضورروة الى مغْفرَة الله وعفوه وَرَحمته فَكَمَا يحب ان يسْتَغْفر لَهُ اخوه الْمُسلم كَذَلِك هُوَ ايضا يَنْبَغِي ان يسْتَغْفر لاخيه الْمُسلم فَيصير هجيراه رب اغْفِر لي ولوالدي وللمسلمين وَالْمُسلمَات وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَقد كَانَ بعض السّلف يسْتَحبّ لكل اُحْدُ ان يداوم على هَذَا الدُّعَاء كل يَوْم سبعين مرّة فَيجْعَل لَهُ مِنْهُ وردا لَا يخل بِهِ وَسمعت شَيخنَا يذكرهُ وَذكر فِيهِ فضلا عَظِيما لَا احفظه وَرُبمَا كَانَ من جملَة اوراده الَّتِي لَا يخل بهَا وسمعته يَقُول ان جعله بَين السَّجْدَتَيْنِ جَائِز فَإِذا شهدالعبد ان اخوانه مصابون بِمثل مَا اصيب بِهِ محتاجون الى مَا هُوَ مُحْتَاج اليه لم يمْتَنع من مساعدتهم الا لفرط جهل بمغفرة الله وفضله وحقيق بِهَذَا ان لَا يساعد فَإِن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل وَقد قَالَ بعض السّلف إِن الله لما عتب على الْمَلَائِكَة بِسَبَب قَوْلهم ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾ وامتحن هاروت وماروت بِمَا امتحنهما بِهِ جعلت الْمَلَائِكَة بعد ذَلِك تستغفر لبني آدم وتدعوالله لَهُم

стр. 298

فصل وَمِنْهَا انه إِذا شهدنفسه مَعَ ربه مسيئا خاطئا مفرطا مَعَ فرط إِحْسَان الله اليه فِي كل طرفَة عين وبره بِهِ وَدفعه عَنهُ وَشدَّة حَاجته الى ربه وَعدم استغنائه عَنهُ نفسا وَاحِدًا وَهَذِه حَاله مَعَه فَكيف يطْمع ان يكون النَّاس مَعَه كَمَا يحب وان يعاملوه بمحض الاحسان وَهُوَ لم يُعَامل ربه بِتِلْكَ الْمُعَامَلَة وَكَيف يطْمع ان يطيعه مَمْلُوكه وَولده وَزَوجته فِي كل مَا يُرِيد وَلَا يعصونه لَا يخلون بحقوقه وَهُوَ مَعَ ربه لَيْسَ كَذَلِك وَهَذَا يُوجب لَهُ ان يسْتَغْفر لمسيئهم وَيَعْفُو عَنهُ ويسامحه ويغضي عَن الِاسْتِقْصَاء فِي طلب حَقه فَهَذِهِ الاثمار وَنَحْوهَا مَتى اجتناها العَبْد من الذَّنب فَهِيَ عَلامَة كَونه رَحْمَة فِي حَقه وَمن اجتنى مِنْهُ اضدادها واوجبت لَهُ خلاف مَا ذَكرْنَاهُ فَهِيَ وَالله عَلامَة الشقاوة وَأَنه من هوانه على الله وسقوطه من عينه خلى بَينه وَبَين مَعَاصيه ليقيم عَلَيْهِ حجَّة عدله فيعاقبه باستحقاقه وتتداعى السَّيِّئَات فِي حق مثل هَذَا وتتألف فيتولد من الذَّنب الْوَاحِد مَا شَاءَ الله من المتالف والمعاطب الَّتِي يهوى بهَا فِي دركات الْعَذَاب والمصيبة كل الْمُصِيبَة الذَّنب الَّذِي يتَوَلَّد من الذَّنب ثمَّ يتَوَلَّد من الِاثْنَيْنِ ثَالِث ثمَّ تقوى الثَّلَاثَة فتوجب رَابِعا وهلم جرا وَمن لم يكن لَهُ فقه نفس فِي هَذَا الْبَاب هلك من حَيْثُ لَا يشْعر فالحسنات والسيئات آخذ بَعْضهَا برقاب بعض يَتْلُو بَعْضهَا بَعْضًا ويثمر بَعْضهَا بعض قَالَ بعض السّلف إِن من ثَوَاب الْحَسَنَة الْحَسَنَة بعْدهَا وَإِن من عِقَاب السَّيئَة السَّيئَة بعْدهَا وَهَذَا اظهر عِنْد النَّاس من ان تضرب لَهُ الامثال وتطلب لَهُ الشواهد وَالله الْمُسْتَعَان فصل وَإِذا تَأَمَّلت حكمته سُبْحَانَهُ فِيمَا ابتلى بِهِ عباده وصفوته بِمَا ساقهم بِهِ الى اجل الغايات وأكمل النهايات الَّتِي لم يكونوايعبرون اليها إِلَّا على جسر من الِابْتِلَاء والامتحان وَكَانَ ذَلِك الجسر لكماله كالجسر الَّذِي لَا سَبِيل الى عبورهم الى الْجنَّة إِلَّا عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك الِابْتِلَاء ولامتحان عين الْمنْهَج فِي حَقهم والكرامة فصورته صُورَة ابتلاء وامتحان وباطنه فِيهِ الرَّحْمَة وَالنعْمَة فكم لله من نعْمَة جسيمة وَمِنْه عَظِيمَة تجنى من قطوف الِابْتِلَاء والامتحان فَتَأمل حَال ابينا آدم وَمَا آلت اليه محنته من الاصطفاء والاجتباء وَالتَّوْبَة وَالْهِدَايَة ورفعة الْمنزلَة وَلَوْلَا تِلْكَ المحنة الَّتِي جرت عَلَيْهِ وَهِي إِخْرَاجه من الْجنَّة وتوابع ذَلِك لما وصل الى مَا وصل اليه فكم بَين حَالَته الاولى وحالته الثَّانِيَة فِي نهايته وَتَأمل حَال ابينا الثَّانِي نوح وَمَا آلت اليه محنته وَصَبره على قومه تِلْكَ الْقُرُون كلهَا حَتَّى اقر الله عينه واغرق اهل الارض بدعوته وَجعل الْعَالم بعده من ذُريَّته وَجعله خَامِس خَمْسَة وهم اولو الْعَزْم الَّذين هم افضل الرُّسُل وَأمر رَسُوله وَنبيه مُحَمَّدًا ان يصبر كصبره واثنى عَلَيْهِ بالشكر فَقَالَ ﴿إِنَّه كَانَ عبدا﴾

стр. 299

﴿شكُورًا﴾ فوصفه بِكَمَال الصَّبْر وَالشُّكْر ثمَّ تَأمل حَال ابينا الثَّالِث إِبْرَاهِيم إِمَام الحنفاء وَشَيخ الانبياء وعمود الْعَالم وخليل رب الْعَالمين من بني آدم وَتَأمل مَا آلت اليه محنته وَصَبره وبذله نَفسه لله وَتَأمل كَيفَ آل بِهِ بذله لله نَفسه وَنَصره دينه الى ان اتَّخذهُ الله خَلِيلًا لنَفسِهِ وامر رَسُوله وخليله مُحَمَّدًا ان يتبع مِلَّته وأنبهك على خصْلَة وَاحِدَة مِمَّا اكرمه الله بِهِ فِي محنته بِذبح وَلَده فَإِن الله ﵎ جازاه على تَسْلِيمه وَلَده لأمر الله بَان بَارك فِي نَسْله وَكَثْرَة حَتَّى مَلأ السهل والجبل فَإِن الله ﵎ لَا يتكرم عَلَيْهِ اُحْدُ وَهُوَ اكرم الاكرمين فَمن ترك لوجهه امرا اَوْ فعله لوجهه بذل الله لَهُ اضعاف مَا تَركه من ذَلِك الامر اضعافا مضاعفة وجازاه باضعاف مَا فعله لاجله اضعافا مضاعفة فَلَمَّا أَمر إِبْرَاهِيم بِذبح وَلَده فبادر لامر الله وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْوَلَد أَبَاهُ رِضَاء مِنْهُمَا وتسليما وَعلم الله مِنْهُمَا الصدْق وَالْوَفَاء فدَاه بِذبح عَظِيم واعطاهما مَا اعطاهما من فَضله وَكَانَ من بعض عطاياه ان بَارك فِي ذريتهما حَتَّى ملؤا الارض فَإِن الْمَقْصُود بِالْوَلَدِ إِنَّمَا هُوَ التناسل وتكثير الذُّرِّيَّة وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم ﴿رب هَب لي من الصَّالِحين﴾ وَقَالَ ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾ فغاية مَا كَانَ يحذر ويخشى من ذبح وَلَده انْقِطَاع نَسْله فَلَمَّا بذل وَلَده لله وبذل الْوَلَد نَفسه ضاعف الله لَهُ النَّسْل وَبَارك فِيهِ وَكثر حَتَّى ملؤا الدُّنْيَا وَجعل النُّبُوَّة وَالْكتاب فِي ذُريَّته خَاصَّة وَأخرج مِنْهُم مُحَمَّدًا وَقد ذكر ان دَاوُد ﵇ اراد ان يعلم عدد بني إِسْرَائِيل فَأمر بإحضارهم وَبعث لذَلِك نقباء وعرفاء وامرهم ان يرفعوا اليه مَا بلغ عَددهمْ فَمَكَثُوا مُدَّة لَا يقدرُونَ على ذَلِك فَأوحى الله إِلَى دَاوُد ان قد علمت اني وعدت أَبَاك إِبْرَاهِيم لما أَمرته بِذبح وَلَده فبادر الى طَاعَة امري ان أبارك لَهُ فِي ذُريَّته حَتَّى يصيروا فِي عدد النُّجُوم واجعلهم بِحَيْثُ لَا يُحْصى عَددهمْ وَقد اردت ان يُحْصى عددا قدرت انه لَا يُحْصى وَذكر بَاقِي الحَدِيث فَجعل من نَسْله هَاتين الامتين العظيمتين اللَّتَيْنِ لَا يُحْصى عَددهمْ الا الله خالقهم ورازقهم وهم بَنو إِسْرَائِيل وَبَنُو إسمايعل هَذَا سوى مَا أكْرمه الله بِهِ من رفع الذّكر وَالثنَاء الْجَمِيل على السّنة جَمِيع الامم وَفِي السَّمَوَات بَين الْمَلَائِكَة فَهَذَا من بعض ثَمَرَة مُعَامَلَته فتبا لمن عرفه ثمَّ عَامل غَيره مَا اخسر صفقته وَمَا اعظم حسرته فصل ثمَّ تَأمل حَال الكليم مُوسَى ﵇ وَمَا آلت اليه محنته وفتونه من اول وِلَادَته الى مُنْتَهى امْرَهْ حَتَّى كَلمه الله تكليما وقربه مِنْهُ وَكتب لَهُ التَّوْرَاة بِيَدِهِ وَرَفعه الى اعلى السَّمَوَات وَاحْتمل لَهُ مَالا يحْتَمل لغيره فَإِنَّهُ رمى الالواح على الارض حَتَّى تَكَسَّرَتْ اخذ بلحية نَبِي الله هَارُون وجره اليه وَلَطم وَجه ملك الْمَوْت ففقأ عينه وَخَاصم ربه لَيْلَة الاسراء فِي شَأْن

стр. 300

رَسُول الله وربه يُحِبهُ على ذَلِك كُله وَلَا سقط شَيْء مِنْهُ من عينه وَلَا سَقَطت مَنْزِلَته عِنْده بل هُوَ الْوَجِيه عِنْد الله الْقَرِيب وَلَوْلَا ماتقدم لَهُ من السوابق وَتحمل الشدائد والمحن الْعِظَام فِي الله ومقاسات الامر الشَّديد بَين فِرْعَوْن وَقَومه ثمَّ بنى إِسْرَائِيل وَمَا آذوه بِهِ وَمَا صَبر عَلَيْهِم لله لم يكن ذَلِك ثمَّ تَأمل حَال الْمَسِيح وَصَبره على قومه واحتماله فِي الله وَمَا تحمله مِنْهُم حَتَّى رَفعه الله إِلَيْهِ وطهره من الَّذين كفرُوا وانتقم من اعدائه وقطعهم فِي الارض ومزقهم كل ممزق وسلبهم ملكهم وفخرهم الى آخر الدَّهْر فصل فَإِذا جِئْت الى النَّبِي وتأملت سيرته مَعَ قومه وَصَبره فِي الله واحتماله مالم يحْتَملهُ نَبِي قبله وتلون الاحوال عَلَيْهِ من سلم وَخَوف وغني وفقر وَأمن وَإِقَامَة فِي وَطنه وظعن عَنهُ وَتَركه لله وَقتل احبابه واوليائه بَين يَدَيْهِ واذى الْكفَّار لَهُ بِسَائِر انواع الاذى من القَوْل وَالْفِعْل وَالسحر وَالْكذب والافتراء عَلَيْهِ والبهتان وَهُوَ مَعَ ذَلِك كُله صابر على امْر الله يَدْعُو الى الله فَلم يؤذ نَبِي مَا أوذي وَلم يحْتَمل فِي الله مَا احتمله وَلم يُعْط نَبِي مَا اعطيه فَرفع الله لَهُ ذكره وَقرن اسْمَعْهُ باسمه وَجعله سيدالناس كلهم وَجعله اقْربْ الْخلق اليه وَسِيلَة واعظمهم عِنْده جاها واسمعهم عِنْده شَفَاعَة وَكَانَت تِلْكَ المحن والابتلاء عين كرامته وَهِي مِمَّا زَاده الله بهَا شرفا وفضلا وَسَاقه بهَا الى أعلا المقامات وَهَذَا حَال ورثته من بعده الامثل فالأمثل كل لَهُ نصيب من المحنة يَسُوقهُ الله بِهِ إِلَى كَمَاله بِحَسب مُتَابَعَته لَهُ وَمن لَا نصيب لَهُ من ذَلِك فحظه من الدُّنْيَا حَظّ من خلق لَهَا وخلقت لَهُ وَجعل خلاقه ونصيبه فِيهَا فَهُوَ يَأْكُل مِنْهَا رغدا ويتمتع فِيهَا حَتَّى يَنَالهُ نصِيبه من الْكتاب يمْتَحن اولياء الله وَهُوَ فِي دعة وخفض عَيْش وَيَخَافُونَ وَهُوَ آمن ويحزنون وَهُوَ فِي اهله مسرور لَهُ شَأْن وَلَهُم شَأْن وَهُوَ فِي وَاد وهم فِي وَاد همه مَا يُقيم بِهِ جاهه وَيسلم بِهِ مَاله وَتسمع بِهِ كَلمته لزم من ذَلِك مَا لزم ورضى من رضى وَسخط من سخط وهمهم إِقَامَة دين الله وإعلاء كَلمته وإعزاز اوليائه وان تكون الدعْوَة لَهُ وَحده فَيكون هُوَ وَحده المعبود لَا غَيره وَرَسُوله المطاع لَا سواهُ فَللَّه سُبْحَانَهُ من الحكم فِي ابتلائه انبياءه وَرُسُله وعباده الْمُؤمنِينَ مَا تتقاصر عقول الْعَالمين عَن مَعْرفَته وَهل وصل من وصل الى المقامات المحمودة والنهايات الفاضلة إِلَّا على جسر المحنة والابتلاء كَذَا الْمَعَالِي إِذا مَا رمت ندركها ... فاعبر اليها على جسر من التَّعَب وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا دَائِما ابدا الى يَوْم الدّين ورضى الله عَن اصحاب رَسُول الله اجمعين فصل وَإِذا تَأَمَّلت الْحِكْمَة الباهرة فِي هَذَا الدّين القويم وَالْملَّة الحنيفية والشريعة المحمدية الَّتِي لَا

стр. 301

تنَال الْعبارَة كمالها وَلَا يدْرك الْوَصْف حسنها وَلَا تقترح عقول الْعُقَلَاء وَلَو اجْتمعت وَكَانَت على اكمل عقل رجل مِنْهُم فَوْقهَا وَحسب الْعُقُول الْكَامِلَة الفاضلة ان ادركت حسنها وَشهِدت بفضلها وانه مَا طرق الْعَالم شَرِيعَة اكمل وَلَا اجل وَلَا اعظم مِنْهَا فَهِيَ نَفسهَا الشَّاهِد والمشهود لَهُ وَالْحجّة والمحتج لَهُ وَالدَّعْوَى والبرهان وَلَو لم يَأْتِ الرَّسُول ببرهان عَلَيْهَا لكفى بهَا برهانا وَآيَة وَشَاهدا على انها من عِنْد الله وَكلهَا شاهدة لَهُ بِكَمَال الْعلم وَكَمَال الْحِكْمَة وسعة الرَّحْمَة وَالْبر والاحسان والاحاطة بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَة وَالْعلم بالمباديء والعواقب وَأَنَّهَا من اعظم نعم الله الَّتِي انْعمْ بهَا على عباده فَمَا انْعمْ عَلَيْهِم بِنِعْمَة اجل من ان هدَاهُم لَهَا وجعلهم من اهلها وَمِمَّنْ ارتضاهم لَهَا فَلهَذَا امتن على عباده بَان هدَاهُم لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ وَقَالَ مُعَرفا لِعِبَادِهِ ومذكرا لَهُم عَظِيم نعْمَته عَلَيْهِم مستدعيا مِنْهُم شكره على ان جعلهم من اهلها الْيَوْم اكملت لكم دينكُمْ الاية وَتَأمل كَيفَ وصف الدّين الَّذِي اخْتَارَهُ لَهُم بالكمال وَالنعْمَة الَّتِي اسبغها عَلَيْهِم بالتمام إِيذَانًا فِي الدّين بِأَنَّهُ لَا نقص فِيهِ وَلَا عيب وَلَا خلل وَلَا شَيْء خَارِجا عَن الْحِكْمَة بِوَجْه بل هُوَ الْكَامِل فِي حسنه وجلالته وَوصف النِّعْمَة بالتمام إِيذَانًا بدوامها واتصالها وَأَنه لَا يسلبهم إِيَّاهَا بعد إِذْ أعطاهموها بل يُتمهَا لَهُم بالدوام فِي هَذِه الدَّار وَفِي دَار الْقَرار وَتَأمل حسن اقتران التَّمام بِالنعْمَةِ وَحسن اقتران الْكَمَال بِالدّينِ وَإِضَافَة الدّين اليهم إِذْ هم القائمون بِهِ المقيمون لَهُ وأضاف النِّعْمَة اليه إِذْ هُوَ وَليهَا ومسديها والمنعم بهَا عَلَيْهِم فَهِيَ نعْمَته حَقًا وهم قابلوها واتى فِي الْكَمَال بِاللَّامِ المؤذنة بالاختصاص وَأَنه شَيْء خصوا بِهِ دون الامم وَفِي إتْمَام النِّعْمَة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والاحاطة فجَاء اتممت فِي مُقَابلَة أكملت وَعَلَيْكُم فِي مُقَابلَة لكم ونعمتي فِي مُقَابلَة دينكُمْ واكد ذَلِك وزاده تقريرا وكمالا وإتماما للنعمة بقوله ﴿ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ وَكَانَ بعض السّلف الصَّالح يَقُول ياله من دين لَو ان لَهُ رجَالًا وَقد ذكرنَا فصلا مُخْتَصرا فِي دلَالَة خلقه على وحدانيته وصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله وأسمائه الْحسنى واردنا ان نختم بِهِ الْقسم الاول من الْكتاب ثمَّ راينا ان نتبعه فصلا فِي دلَالَة دينه وشرعه على وحدانيته وَعلمه وحكمته وَرَحمته وَسَائِر صِفَات كَمَاله إِذْ هَذَا من أشرف الْعُلُوم الَّتِي يكتسبها العَبْد فِي هَذِه الدَّار وَيدخل بهَا الى الدَّار الاخرة وَقد كَانَ الاولى بِنَا الامساك عَن ذَلِك لَان مَا يصفه الواصفون مِنْهُ وتنتهي اليه علومهم هُوَ كَمَا يدْخل الرجل اصبعه فِي اليم ثمَّ يَنْزِعهَا فَهُوَ يصف الْبَحْر بِمَا يعلق على إصبعه من البلل وَأَيْنَ ذَلِك من الْبَحْر فيظن السَّامع ان تِلْكَ الصّفة احاطت بالبحر وَإِنَّمَا هِيَ صفة مَا علق بالاصبع مِنْهُ وَإِلَّا فَالْأَمْر اجل وَأعظم وأوسع من ان تحيط عقول الْبشر بِأَدْنَى جُزْء مِنْهُ وماذا عَسى

стр. 302

ان يصف بِهِ النَّاظر الى قرص الشَّمْس من ضوئها وقدرها وحسنها وعجائب صنع الله فِيهَا وَلَكِن قد رضى الله من عباده بالثناء عَلَيْهِ وَذكر آلائه وأسمائه وَصِفَاته وحكمته وجلاله مَعَ انه لايحصى ثَنَاء عَلَيْهِ ابدا بل هُوَ كَمَا اثنى على نَفسه فَلَا يبلغ مَخْلُوق ثَنَاء عَلَيْهِ ﵎ وَلَا وصف كِتَابه وَدينه بِمَا يَنْبَغِي لَهُ بل لَا يبلغ اُحْدُ من الامة ثَنَاء على رَسُوله كَمَا هُوَ اهل ان يثني عَلَيْهِ بل هُوَ فَوق مَا يثنون بِهِ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا ان الله تَعَالَى يحب ان يحمد ويثني عَلَيْهِ وعَلى كِتَابه وَدينه وَرَسُوله فَهَذِهِ مُقَدّمَة اعتذار بَين يَدي الْقُصُور وَالتَّقْصِير من رَاكب هَذَا الْبَحْر الاعظم وَالله عليم بمقاصد الْعباد دنياهم وَهُوَ اولى بالعذر والتجاوز فصل وبصائر النَّاس فِي هَذَا النُّور الباهر تَنْقَسِم الى ثَلَاثَة اقسام احدها من عدم بَصِيرَة الايمان جملَة فَهُوَ لَا يرى من هَذَا الصِّنْف الا الظُّلُمَات والرعد والبرق فَهُوَ يَجْعَل اصبعيه فِي اذنه من الصَّوَاعِق وَيَده على عينه من الْبَرْق خشيَة ان يخطف بَصَره وَلَا يُجَاوز نظره مَا وَرَاء ذَلِك من الرَّحْمَة واسباب الْحَيَاة الابدية فَهَذَا الْقسم هُوَ الَّذِي لم يرفع بِهَذَا الدّين رَأْسا وَلم يقبل هدى الله الَّذِي هدى بِهِ عباده وَلَو جَاءَتْهُ كل آيَة لانه مِمَّن سبقت لَهُ الشقاوة وحقت عَلَيْهِ الْكَلِمَة ففائدة إنذار هَذَا إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ ليعذب بِذَنبِهِ لَا بِمُجَرَّد علم الله فِيهِ الْقسم الثَّانِي اصحاب البصيرة الضعيفة الخفاشية الَّذين نِسْبَة ابصارهم الى هَذَا النُّور كنسبة ابصار الخفاش الى جرم الشَّمْس فهم تبع لابائهم واسلافهم دينهم دين الْعَادة والمنشأ وهم الَّذين قَالَ فيهم امير الْمُؤمنِينَ على بن ابي طَالب اَوْ منقادا للحق لَا بصيره لَهُ فِي إِصَابَة فَهَؤُلَاءِ إِذا كَانُوا منقادين لاهل البصائر لَا يتخالجهم شكّ وَلَا ريب فهم على سَبِيل نجاة الْقسم الثَّالِث وَهُوَ خُلَاصَة الْوُجُود ولباب بني آدم وهم اولو البصائر النافذة الَّذين شهِدت بصائرهم هَذَا النُّور الْمُبين فَكَانُوا مِنْهُ على بَصِيرَة ويقين ومشاهدة لحسنه وكماله بِحَيْثُ لَو عرض على عُقُولهمْ ضِدّه لراوه كالليل البهم الاسود وَهَذَا هُوَ المحك وَالْفرْقَان بَينهم وَبَين الَّذين قبلهم فَإِن اولئك بِحَسب داعيهم وَمن يقرن بهم كَمَا قَالَ فيهم عَليّ بن ابي طَالب اتِّبَاع كل ناعق يميلون مَعَ كل صائح لم يستضيئوا بِنور الْعلم وَلم يلجئوا الى ركن وثيق هَذَا عَلامَة من عدم البصيرة فَإنَّك ترَاهُ يستحسن الشَّيْء وضده ويمدح الشَّيْء ويذمه بِعَيْنِه إِذا جَاءَ فِي قالب لَا يعرفهُ فيعظم طَاعَة الرَّسُول وَيرى عَظِيما مُخَالفَته ثمَّ هُوَ من اشد النَّاس مُخَالفَة لَهُ ونفيا لما اثبته ومعاداة للقائمين بسنته وَهَذَا من عدم البصيرة فَهَذَا الْقسم الثَّالِث إِنَّمَا عَمَلهم على البصائر وَبهَا تفَاوت مَرَاتِبهمْ فِي دَرَجَات الْفضل كَمَا قَالَ بعض السّلف وَقد ذكر السَّابِقين فَقَالَ إِنَّمَا كَانُوا يعْملُونَ على البصائر وَمَا اوتي اُحْدُ افضل من بَصِيرَة فِي دين الله وَلَو قصر فِي الْعَمَل قَالَ تَعَالَى وَاذْكُر عبادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل

стр. 303

وَإِسْحَق وَيَعْقُوب اولي الايدي والابصار قَالَ ابْن عَبَّاس اولي الْقُوَّة فِي طَاعَة الله والابصار فِي الْمعرفَة فِي امْر الله وَقَالَ قَتَادَة وَمُجاهد اعطوا قُوَّة فِي الْعِبَادَة وبصرا فِي الدّين وَاعْلَم النَّاس ابصرهم بِالْحَقِّ إِذا اخْتلف النَّاس وَإِن كَانَ مقصرا فِي الْعَمَل وَتَحْت كل من هَذِه الاقسام انواع لَا يُحْصى مقادير تفاوتها إِلَّا الله إِذا عرف هَذَا فالقسم الاول لَا ينْتَفع بِهَذَا الْبَاب وَلَا يزْدَاد بِهِ الا ضَلَالَة وَالْقسم الثَّانِي ينْتَفع مِنْهُ بِقدر فهمه واستعداده وَالْقسم الثَّالِث واليهم هَذَا الحَدِيث يساق وهم اولو الالباب الَّذين يخصهم الله فِي كِتَابه بخطاب التَّنْبِيه والارشاد وهم المرادون على الْحَقِيقَة بالتذكرة قَالَ تَعَالَى وَمَا يتَذَكَّر لَا اولو الالباب فصل قد شهِدت الْفطر والعقول بِأَن للْعَالم رَبًّا قَادِرًا حَلِيمًا عليما رحِيما كَامِلا فِي ذَاته وَصِفَاته لَا يكون إِلَّا مرِيدا للخير لِعِبَادِهِ مجريا لَهُم على الشَّرِيعَة وَالسّنة الفاضلة العائدة باستصلاحهم الْمُوَافقَة لما ركب فِي عُقُولهمْ من اسْتِحْسَان الْحسن واستقباح الْقَبِيح وَمَا جبل طباعهم عَلَيْهِ من إِيثَار النافع لَهُم المصلح لشأنهم وَترك الضار الْمُفْسد لَهُم وَشهِدت هَذِه الشَّرِيعَة لَهُ بِأَنَّهُ احكم الْحَاكِمين وأرحم الرَّاحِمِينَ وانه الْمُحِيط بِكُل شَيْء علما وَإِذا عرف ذَلِك فَلَيْسَ من الْحِكْمَة الالهية بل وَلَا الْحِكْمَة فِي مُلُوك الْعَالم انهم يسوون بَين من هُوَ تَحت تدبيرهم فِي تعريفهم كلما يعرفهُ الْمُلُوك وإعلامهم جَمِيع مَا يعلمونه واطلاعهم على كل مَا يجرونَ عَلَيْهِ سياساتهم فِي انفسهم وَفِي مَنَازِلهمْ حَتَّى لَا يقيمو فِي بلد فِيهَا إِلَّا اخبروا من تَحت ايديهم بِالسَّبَبِ فِي ذَلِك وَالْمعْنَى الَّذِي قصدوه مِنْهُ وَلَا يأمرون رعيتهم بِأَمْر وَلَا يضْربُونَ عَلَيْهِم بعثا وَلَا يسوسونهم سياسة إِلَّا اخبروهم بِوَجْه ذَلِك وَسَببه وغايته ومدته بل لَا تتصرف بهم الاحوال فِي مطاعمهم وملابسهم ومراكبهم إِلَّا اوقفوهم على أغراضهم فِيهِ وَلَا شكّ ان هَذَا منَاف للحكمة والمصلحة بَين المخلوقين فَكيف بشأن رب الْعَالمين واحكم الْحَاكِمين الَّذِي لَا يُشَارِكهُ فِي علمه وَلَا حكمته اُحْدُ ابدا فَحسب الْعُقُول الْكَامِلَة ان تستدل بِمَا عرفت من حكمته على مَا غَابَ عَنْهَا وَتعلم ان لَهُ حِكْمَة فِي كل مَا خلقه وَأمر بِهِ وشرعه وَهل تَقْتَضِي الْحِكْمَة ان يخبر الله تَعَالَى كل عبد من عباده بِكُل مَا يَفْعَله ويوقفهم على وَجه تَدْبيره فِي كل مَا يُريدهُ وعَلى حكمته فِي صَغِير مَا ذَرأ وبرأ من خليقته وَهل فِي قوى الْمَخْلُوقَات ذَلِك بل طوى سُبْحَانَهُ كثيرا من صنعه وَأمره عَن جَمِيع خلقه فَلم يطلع على ذَلِك ملكا مقربا وَلَا نَبيا مُرْسلا وَالْمُدبر الْحَكِيم من الْبشر إِذا ثبتَتْ حكمته وابتغاؤه الصّلاح لمن تَحت تَدْبيره وسياسته كفا فِي ذَلِك تتبع مقاصده فِيمَن يولي ويعزل وَفِي جنس مَا يَأْمر بِهِ وَيُنْهِي عَنهُ وَفِي تَدْبيره لرعيته

стр. 304

وسياسته لَهُم دون تفاصيل كل فعل من افعاله اللَّهُمَّ إِلَّا ان يبلغ الامر فِي ذَلِك مبلغا لَا يُوجد لفعله منفذ ومساغ فِي الْمصلحَة اصلا فَحِينَئِذٍ يخرج بذلك عَن استحاق اسْم الْحَكِيم وَلنْ يجد اُحْدُ فِي خلق الله وَلَا فِي أمره وَلَا وَاحِدًا من هَذَا الضَّرْب بل غَايَة مَا تخرجه نفس المتعنت امور يعجز الْعقل عَن معرفَة وجوهها وحكمتها وَأما ان ينفى ذَلِك عَنْهَا فمعاذ الله إِلَّا ان يكون مَا اخرجه كذب على الْخلق الامر فَلم يخلق الله ذَلِك وَلَا شرعة وَإِذا عرف هَذَا فقد علم ان رب الْعَالمين احكم الْحَاكِمين والعالم بِكُل شَيْء والغني عَن كل شَيْء والقادر على كل شَيْء وَمن هَذَا شَأْنه لم تخرج أَفعاله وأوامره قطّ عَن الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة والمصلحة وَمَا يخفى على الْعباد من مَعَاني حكمته فِي صنعه وابداعه وامره وشرعه فيكفيهم فِيهِ مَعْرفَته بِالْوَجْهِ الْعَام ان تضمنته حِكْمَة بَالِغَة وَإِن لم يعرفوا تفصيلها وَأَن ذَلِك من علم الْغَيْب الَّذِي اسْتَأْثر الله بِهِ فيكفيهم فِي ذَلِك الاسناد إِلَى الْحِكْمَة الْبَالِغَة الْعَامَّة الشاملة الَّتِي علمُوا مَا خَفِي مِنْهَا بِمَا ظهر لَهُم هَذَا وَأَن الله تَعَالَى بني امور عباده على ان عرفهم مَعَاني جلائل خلقه وَأمره دون دقائقهما وتفاصيلهما وَهَذَا مطرد فِي الاشياء اوصولها وفروعها فَأَنت إِذا رايت الرجلَيْن مثلا أَحدهمَا اكثر شعرًا من الاخر أَو اشد بَيَاضًا اَوْ اُحْدُ ذهنا لامكنك ان تعرف من جِهَة السَّبَب الَّذِي اجرى الله عَلَيْهِ سنة الخلقية وَجه اخْتِصَاص كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا اخْتصَّ بِهِ وَهَكَذَا فِي اخْتِلَاف الصُّور والاشكال وَلَكِن لَو اردت ان تعرف مَاذَا كَانَ شعر هَذَا مثلا يزِيد على شعر الاخر بِعَدَد معِين اَوْ الْمَعْنى الَّذِي فَضله بِهِ فِي الْقدر الْمَخْصُوص والتشكيل الْمَخْصُوص وَمَعْرِفَة الْقدر الَّذِي بَينهمَا من التَّفَاوُت وَسَببه لما أمكن ذَلِك اصلا وَقس على هَذَا جَمِيع الْمَخْلُوقَات من الرمال وَالْجِبَال والاشجار ومقادير الْكَوَاكِب وهيآتها وَإِذا كَانَ لَا سَبِيل الى معرفَة هَذَا فِي الْخلق بل يَكْفِي فِيهِ الْعلَّة الْعَامَّة وَالْحكمَة الشاملة فَهَكَذَا فِي الامر يعلم ان جَمِيع مَا امْر بِهِ مُتَضَمّن لحكمة بَالِغَة واما تفاصيل اسرار المأمورات والمنهيات فَلَا سَبِيل الى علم البشرية وَلَكِن يطلع الله من شَاءَ من خلقه على مَا شَاءَ مِنْهُ فاعتصم بِهَذَا الاصل تمّ الْجُزْء الاول من كتاب مِفْتَاح دَار السَّعَادَة ويليه الْجُزْء الثَّانِي واوله فصل حَاجَة النَّاس الى الشَّرِيعَة ضَرُورِيَّة

стр. 305

فصل مِفْتَاح دَار السَّعَادَة حَاجَة النَّاس إِلَى الشَّرِيعَة ضَرُورِيَّة فَوق حَاجتهم إِلَى كل شَيْء وَلَا نِسْبَة لحاجتهم إِلَى علم الطِّبّ إِلَيْهَا إِلَّا ترى أَن أَكثر الْعَالم يعيشون بِغَيْر طَبِيب وَلَا يكون الطَّبِيب إِلَّا فِي بعض المدن الجامعة وَأما أهل البدو كلهم وَأهل الكفور كلهم وَعَامة بني آدم فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى طَبِيب وهم أصح أبدانا وَأقوى طبيعة مِمَّن هُوَ متقيد بالطبيب وَلَعَلَّ أعمارهم مُتَقَارِبَة وَقد فطر الله بني آدم على تنَاول مَا يَنْفَعهُمْ وَاجْتنَاب مَا يضرهم وَجعل لكل قوم عَادَة وَعرفا فِي اسْتِخْرَاج مَا يهجم عَلَيْهِم من الأدواء حَتَّى أَن كثيرا من أصُول الطِّبّ إِنَّمَا أخذت عَن عوائد النَّاس وعرفهم وتجاربهم وَأما الشَّرِيعَة فمبناها على تَعْرِيف مواقع رضى الله وَسخطه فِي حركات الْعباد الاختيارية فمبناها على الْوَحْي الْمَحْض وَالْحَاجة إِلَى التنفس فضلا عَن الطَّعَام وَالشرَاب لِأَن غَايَة مَا يقدر فِي عدم التنفس وَالطَّعَام وَالشرَاب موت الْبدن وتعطل الرّوح عَنهُ وَأما مَا يقدر عِنْد عدم الشَّرِيعَة ففساد الرّوح وَالْقلب جملَة وهلاك الْأَبدَان وشتان بَين هَذَا وهلاك الْبدن بِالْمَوْتِ فَلَيْسَ النَّاس قطّ إِلَى شَيْء أحْوج مِنْهُم إِلَى معرفَة مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَالْقِيَام بِهِ والدعوة إِلَيْهِ وَالصَّبْر عَلَيْهِ وَجِهَاد من خرج عَنهُ حَتَّى يرجع إِلَيْهِ وَلَيْسَ للْعَالم صَلَاح بِدُونِ ذَلِك الْبَتَّةَ وَلَا سَبِيل إِلَى الْوُصُول إِلَى السَّعَادَة والفوز الْأَكْبَر إِلَّا بالعبور على هَذَا الْجِسْم فصل الشَّرَائِع كلهَا فِي أُصُولهَا وَإِن تباينت متفقة مركوز حسنها فِي الْعُقُول وَلَو وَقعت على غير مَا هِيَ عَلَيْهِ لَخَرَجت عَن الْحِكْمَة والمصلحة وَالرَّحْمَة بل من الْمحَال أَن تَأتي بِخِلَاف مَا أَتَت بِهِ ﴿وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ﴾ وَكَيف يجوز ذُو الْعقل أَن ترد شَرِيعَة أحكم الْحَاكِمين بضد مَا وَردت بِهِ فَالصَّلَاة قد وضعت على أكمل الْوُجُوه وأحسنها الَّتِي تعبد بهَا الْخَالِق ﵎ عباده من تضمنها للتعظيم لَهُ بأنواع الْجَوَارِح من نطق اللِّسَان وَعمل الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وَالرَّأْس وحواسه وَسَائِر أَجزَاء الْبدن كل يَأْخُذ لحظه من الْحِكْمَة فِي هَذِه الْعِبَادَة الْعَظِيمَة الْمِقْدَار مَعَ أَخذ الْحَواس الْبَاطِنَة بحظها مِنْهَا وَقيام الْقلب بِوَاجِب عبوديته فِيهَا فَهِيَ مُشْتَمِلَة على الثَّنَاء وَالْحَمْد والتمجيد وَالتَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَشَهَادَة الْحق وَالْقِيَام بَين يَدي الرب مقَام العَبْد الذَّلِيل الخاضع الْمُدبر المربوب ثمَّ التذلل لَهُ فِي هَذَا الْمقَام والتضرع والتقرب إِلَيْهِ بِكَلَامِهِ ثمَّ انحناء الظّهْر ذلا لَهُ وخشوعا واستكانة ثمَّ استواؤه قَائِما ليستعد لخضوع أكمل لَهُ من الخضوع

стр. 306

الأول وَهُوَ السُّجُود من قيام فَيَضَع أشرف شَيْء فِيهِ وَهُوَ وَجهه على التُّرَاب خشوعا لرَبه واستكانة وخضوعا لعظمته وذلا لعزته قد انْكَسَرَ لَهُ قلبه وذل لَهُ جِسْمه وخشعت لَهُ جوارحه ثمَّ يَسْتَوِي قَاعِدا يتَضَرَّع لَهُ ويتذلل بَين يَدَيْهِ ويسأله من فَضله ثمَّ يعود إِلَى حَاله من الذل والخشوع والاستكانة فَلَا يزَال هَذَا دأبه حَتَّى يقْضى صلَاته فيجلس عِنْد إِرَادَة الِانْصِرَاف مِنْهَا مثنيا على ربه مُسلما على نبيه وعَلى عباده ثمَّ يصلى على رَسُوله ثمَّ يسْأَل ربه من خَيره وبره وفضله فَأَي شَيْء بعد هَذِه الْعِبَادَة من الْحسن وَأي كَمَال وَرَاء هَذَا الْكَمَال وَأي عبودية أشرف من هَذِه الْعُبُودِيَّة فَمن جوز عقله أَن ترد الشَّرِيعَة بضدها من كل وَجه فِي القَوْل وَالْعَمَل وَأَنه لَا فرق فِي نفس الْأَمر بَين هَذِه الْعِبَادَة وَبَين ضدها من السخرية والسب والبطر وكشف الْعَوْرَة وَالْبَوْل على السَّاقَيْن والضحك والصفير وأنواع المجون وأمثال ذَلِك فليعز عقله وليسأل الله أَن يَهبهُ عقلا سواهُ وَأما حسن الزَّكَاة وَمَا تضمنته من مواساة ذَوي الْحَاجَات والمسكنة والخلة من عباد الله الَّذين يعجزون عَن إِقَامَة نُفُوسهم وَيخَاف عَلَيْهِم التّلف إِذا خلاهم الْأَغْنِيَاء وأنفسهم وَمَا فِيهَا من الرَّحْمَة وَالْإِحْسَان وَالْبر والطهرة وإيثار أهل الإيثار والاتصاف بِصفة الْكَرم والجود وَالْفضل وَالْخُرُوج من سماة أهل الشُّح وَالْبخل والدناءة فَأمر لَا يسريب عَاقل فِي حسنه ومصلحته وَأَن الْآمِر بِهِ أحكم الْحَاكِمين وَلَيْسَ يجوز فِي الْعقل وَلَا فِي الْفطْرَة الْبَتَّةَ أَن ترد شَرِيعَة من الْحَكِيم الْعَلِيم بضد ذَلِك أبدا وَأما الصَّوْم فناهيك بِهِ من عبَادَة تكف النَّفس عَن شهواتها وتخرجها عَن شبه الْبَهَائِم إِلَى شبه الْمَلَائِكَة المقربين فَإِن النَّفس إِذا خليت ودواعي شهواتها التحقت بعالم الْبَهَائِم فَإِذا كفت شهواتها لله ضيقت مجاري الشَّيْطَان وَصَارَت قريبَة من الله بترك عَادَتهَا وشهواتها محبَّة لَهُ وإيثارا لمرضاته وتقربا إِلَيْهِ فيدع الصَّائِم أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ وَأَعْظَمهَا لصوقا بِنَفسِهِ من الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع من أجل ربه فَهُوَ عبَادَة وَلَا تتَصَوَّر حَقِيقَتهَا إِلَّا بترك الشَّهْوَة لله فالصائم يندع طَعَامه وَشَرَابه وشهواته من أجل ربه وَهَذَا معنى كَون الصَّوْم لَهُ ﵎ وَبِهَذَا فسر النَّبِي هَذِه الْإِضَافَة فِي الحَدِيث فَقَالَ يَقُول الله تَعَالَى كل عمل ابْن آدم يُضَاعف الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا قَالَ الله إِلَّا الصَّوْم فَأَنَّهُ لي وَأَنا أجزي بِهِ يدع طَعَامه وَشَرَابه من أجلى حَتَّى أَن الصَّائِم ليتصور بِصُورَة من لَا حَاجَة لَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا فِي تَحْصِيل رضى الله وَأي حسن يزِيد على حسن هَذِه الْعِبَادَة الَّتِي تكسر الشَّهْوَة وتقمع النَّفس وتحي الْقلب وتفرحه وتزهد فِي الدُّنْيَا وشهواتها وترغب فِيمَا عِنْد الله وتذكر الْأَغْنِيَاء بشأن الْمَسَاكِين وأحوالهم وَأَنَّهُمْ قد أخذُوا بِنَصِيب من عيشهم فتعطف قُلُوبهم عَلَيْهِم ويعلمون مَا هم فِيهِ من نعم الله فيزدادوا لَهُ شكرا وَبِالْجُمْلَةِ فعون الصَّوْم على تقوى الله أَمر مَشْهُور فَمَا اسْتَعَانَ أحد على تقوى الله وَحفظ حُدُوده

стр. 307

وَاجْتنَاب مَحَارمه بِمثل الصَّوْم فَهُوَ شَاهد لمن شَرعه وَأمر بِهِ بِأَنَّهُ أحكم الْحَاكِمين وأرحم الرَّاحِمِينَ وَأَنه إِنَّمَا شَرعه إحسانا إِلَى عباده وَرَحْمَة بهم ولطفا بهم لَا بخلا عَلَيْهِم برزقه وَلَا مُجَرّد تَكْلِيف وتعذيب خَال من الْحِكْمَة والمصلحة بل هُوَ غَايَة الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة والمصلحة وَإِن شرع هَذِه الْعِبَادَات لَهُم من تَمام نعْمَته عَلَيْهِم وَرَحمته بهم ٠ وَأما الْحَج فشأن آخر لَا يُدْرِكهُ إِلَّا الحنفاء الَّذين ضربوا فِي الْمحبَّة بِسَهْم وشأنه أجل من أَن تحيط بِهِ الْعبارَة وَهُوَ خَاصَّة هَذَا الدّين الحنيف حَتَّى قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حنفَاء لله غير مُشْرِكين﴾ أَي حجاجا وَجعل الله بَيته الْحَرَام قيَاما للنَّاس فَهُوَ عَمُود الْعَالم الَّذِي عَلَيْهِ بِنَاؤُه فَلَو ترك النَّاس كلهم الْحَج سنة لخرت السَّمَاء على الأَرْض هَكَذَا قَالَ ترجمان الْقُرْآن ابْن عَبَّاس فالبيت الْحَرَام قيام الْعَالم فَلَا يزَال قيَاما مَا زَالَ هَذَا الْبَيْت محجوجا فالحج هُوَ خَاصَّة الحنيفة ومعونة الصَّلَاة وسر قَول العَبْد لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِنَّهُ مؤسس على التَّوْحِيد الْمَحْض والمحبة الْخَالِصَة وَهُوَ استزارة المحبوب لأحبابه ودعوتهم إِلَى بَيته وَمحل كرامته وَلِهَذَا إِذا دخلُوا فِي هَذِه الْعِبَادَة فشعارهم لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك إِجَابَة محب لدَعْوَة حَبِيبه وَلِهَذَا كَانَ لِلتَّلْبِيَةِ موقع عِنْد الله وَكلما أَكثر العَبْد مِنْهَا كَانَ أحب إِلَى ربه وأحظى فَهُوَ لَا يملك نَفسه أَن يَقُول لبيْك لبيْك حَتَّى يَنْقَطِع نَفسه ٠ وَأما أسرار مَا فِي هَذِه الْعِبَادَة من الْإِحْرَام وَاجْتنَاب العوائد وكشف الرَّأْس وَنزع الثِّيَاب الْمُعْتَادَة وَالطّواف وَالْوُقُوف بِعَرَفَة وَرمى الْجمار وَسَائِر شَعَائِر الْحَج فمما شهِدت بحسنه الْعُقُول السليمة وَالْفطر المستقيمة وَعلمت بِأَن الَّذِي شرع هَذِه لَا حِكْمَة فَوق حكمته وسنعود أَن شَاءَ الله إِلَى الْكَلَام فِي ذَلِك مَوْضِعه ٠ وَأما الْجِهَاد فناهيك بِهِ من عبَادَة هِيَ سَنَام الْعِبَادَات وذروتها وَهُوَ المحك وَالدَّلِيل المفرق بَين الْمُحب وَالْمُدَّعى فالمحب قد بذل مهجته وَمَاله لرَبه وإلهه متقربا إِلَيْهِ ببذل أعز مَا بِحَضْرَتِهِ يود لَو أَن لَهُ بِكُل شَعْرَة نفسا يبذلها فِي حبه ومرضاته وَيَوَد أَن لَو قتل فِيهِ ثمَّ أَحَي ثمَّ قتل ثمَّ أَحَي فَهُوَ يفْدي ثمَّ قتل بِنَفسِهِ حَبِيبه وَعَبده وَرَسُوله ولسان حَاله يَقُول ٠ يفديك بِالنَّفسِ صب لَو يكون لَهُ ... أعز من نَفسه شَيْء فَذَاك بِهِ فَهُوَ قد سلم نَفسه وَمَاله لمشتريها وَعلم أَنه لَا سَبِيل إِلَى أَخذ السّلْعَة إِلَّا ببذل ثمنهَا ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾ وَإِذا كَانَ من الْمَعْلُوم المستقر عِنْد الْخلق أَن عَلامَة الْمحبَّة إِلَّا لَهُ وكل محبَّة الصَّحِيحَة بذل الرّوح وَالْمَال فِي مرضات المحبوب فالمحبوب الْحق الَّذِي لَا تنبغي الْمحبَّة إِلَّا لَهُ وكل محبَّة سوى محبته فالمحبة لَهُ بَاطِلَة أولى بِأَن يشرع لِعِبَادِهِ الْجِهَاد الَّذِي هُوَ غَايَة مَا يَتَقَرَّبُون بِهِ إِلَى إلههم وربهم وَكَانَت قرابين من قبلهم من الْأُمَم فِي ذَبَائِحهم وقرابينهم تَقْدِيم أنفسهم للذبح فِي الله مَوْلَاهُم الْحق فَأَي حسن يزِيد على حسن هَذِه الْعِبَادَة وَلِهَذَا ادخرها الله لأكمل الْأَنْبِيَاء وأكمل الْأُمَم عقلا وتوحيدا ومحبة لله ٠

стр. 308

وَأما الضَّحَايَا والهدايا فقربان إِلَى الْخَالِق سُبْحَانَهُ تقوم مقَام الْفِدْيَة عَن النَّفس الْمُسْتَحقَّة للتلف فديَة وعوضا وقربانا إِلَى الله وتشبها بِإِمَام الحنفاء وإحياء لسنته أَن فدى الله وَلَده بالقربان فَجعل ذَلِك فِي ذُريَّته بَاقِيا أبدا وَأما الْإِيمَان وَالنُّذُور فعقود يعقدها العَبْد على نَفسه يُؤَكد بهَا مَا ألزم بِهِ نَفسه من الْأُمُور بِاللَّه وَللَّه فَهِيَ تَعْظِيم للخالق ولأسمائه ولحقه وَأَن تكون الْعُقُود بِهِ وَله وَهَذَا غَايَة التَّعْظِيم فَلَا يعْقد بِغَيْر اسْمه وَلَا لغير الْقرب إِلَيْهِ بل أَن حلف فباسمه تَعْظِيمًا وتبجيلا وتوحيدا وإجلالا وَأَن نذر فَلهُ توحيدا وَطَاعَة ومحبة وعبودية فَيكون هُوَ المعبود وَحده والمستعان بِهِ وَحده ٠ وَأما المطاعم والمشارب والملابس والمناكح فَهِيَ دَاخِلَة فِيمَا يُقيم الْأَبدَان ويحفظها من الْفساد والهلاك وَفِيمَا يعود بِبَقَاء النَّوْع الإنساني ليتم بذلك قوام الأجساد وَحفظ النَّوْع فيتحمل الْأَمَانَة الَّتِي عرضت على السَّمَوَات وَالْأَرْض ويقوى على حملهَا وأدائها ويتمكن من شكر مولى الْأَنْعَام ومسديه وَفرق فِي هَذِه الْأَنْوَاع بَين الْمُبَاح والمحظور وَالْحسن والقبيح والضار والنافع وَالطّيب والخبيث فَحرم مِنْهَا الْقَبِيح والخبيث والضار وأباح مِنْهَا الْحسن وَالطّيب والنافع كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله وَتَأمل ذَلِك فِي المناكح فَإِن من المستقر فِي الْعُقُول وَالْفطر أَن قَضَاء هَذَا الوطر فِي الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات والعمات والخالات والجدات مستقبح فِي كل عقل مستهجن فِي كل فطْرَة وَمن الْمحَال أَن يكون الْمُبَاح من ذَلِك مُسَاوِيا للمحظور فِي نفس الْأَمر وَلَا فرق بَينهمَا إِلَّا مُجَرّد التحكم بِالْمَشِيئَةِ سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم وَكَيف يكون فِي نفس الْأَمر نِكَاح الْأُم واستفراشها مُسَاوِيا لنكاح الْأَجْنَبِيَّة واستفراشها وَإِنَّمَا فرق بَينهمَا مَحْض الْآمِر وَكَذَلِكَ من الْمحَال أَن يكون الدَّم وَالْبَوْل والرجيع مُسَاوِيا للخبز وَالْمَاء والفاكهة وَنَحْوهَا وَإِنَّمَا الشَّارِع فرق بَينهمَا فأباح هَذَا وَحرم هَذَا مَعَ اسْتِوَاء الْكل فِي نفس الْأَمر وَكَذَلِكَ أَخذ المَال بِالْبيعِ وَالْهِبَة وَالْوَصِيَّة وَالْمِيرَاث لَا يكون مُسَاوِيا لأَخذه بالقهر وَالْغَلَبَة وَالْغَصْب وَالسَّرِقَة وَالْجِنَايَة حَتَّى يكون إِبَاحَة هَذَا وَتَحْرِيم هَذَا رَاجعا إِلَى مَحْض الْأَمر والنهى المفرق بَين المتماثلين وَكَذَلِكَ الظُّلم وَالْكذب والزور وَالْفَوَاحِش كَالزِّنَا واللواط وكشف الْعَوْرَة بَين الْمَلأ وَنَحْو ذَلِك كَيفَ يسوغ عقل عَاقل أَنه لَا فرق قطّ فِي نفس الْأَمر بَين ذَلِك وَبَين الْعدْل وَالْإِحْسَان والعفة والصيانة وَستر الْعَوْرَة وَإِنَّمَا الشَّارِع يحكم بِإِيجَاب هَذَا وَتَحْرِيم هَذَا وَهَذَا مِمَّا لَو عرض على الْعُقُول السليمة الَّتِي لم تدخل وَلم يَمَسهَا ميل للمثالات الْفَاسِدَة وتعظيم أَهلهَا وَحسن الظَّن بهم لكَانَتْ أَشد إنكارا لَهُ وَشَهَادَة بِبُطْلَانِهِ من كثير من الضروريات وَهل ركب الله فِي فطْرَة عَاقل قطّ أَن الْإِحْسَان والإساءة والصدق وَالْكذب والفجور والعفة وَالْعدْل وَالظُّلم وَقتل النُّفُوس وانجاءها بل السُّجُود لله وللصنم سَوَاء فِي نفس الْأَمر لَا فرق بَينهمَا وَإِنَّمَا

стр. 309

الْفرق بَينهمَا الْأَمر الْمُجَرّد وَأي جحد للضروريات أعظم من هَذَا وَهل هَذَا إِلَّا بِمَنْزِلَة من يَقُول أَنه لَا فرق بَين الرجيع وَالْبَوْل وَالدَّم والقيء وَبَين الْخبز وَاللَّحم وَالْمَاء والفاكهة وَالْكل سَوَاء فِي نفس الْأَمر وَإِنَّمَا الْفرق بالعوائد فَأَي فرق بَين مدعى هَذَا الْبَاطِل وَبَين مدعى ذَلِك الْبَاطِل وَهل هَذَا إِلَّا بهت لِلْعَقْلِ والحس والضرورة وَالشَّرْع وَالْحكمَة وَإِذا كَانَ لَا معنى عِنْدهم للمعروف إِلَّا مَا أَمر بِهِ فَصَارَ مَعْرُوفا بِالْأَمر وَلَا للْمُنكر إِلَّا مَا نهى عَنهُ فَصَارَ مُنْكرا بنهيه فَأَي معنى لقَوْله ﴿يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر﴾ وَهل حَاصِل ذَلِك زَائِد على أَن يُقَال يَأْمُرهُم بِمَا يَأْمُرهُم بِهِ وينهاهم عَمَّا ينهاهم عَنهُ وَهَذَا كَلَام ينزه عَنهُ آحَاد الْعُقَلَاء فضلا عَن كَلَام رب الْعَالمين وَهل دلّت الْآيَة إِلَّا على أَنه أَمرهم بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي تعرفه الْعُقُول وتقر بحسنه الْفطر فَأَمرهمْ بِمَا هُوَ مَعْرُوف فِي نَفسه عِنْد كل عقل سليم ونهاهم عَمَّا هُوَ مُنكر فِي الطباع والعقول بِحَيْثُ إِذا عرض على الْعُقُول السليمة أنكرته أَشد الْإِنْكَار كَمَا أَن مَا أَمر بِهِ إِذا عرض على الْعقل السَّلِيم قبله أعظم قبُول وَشهد بحسنه كَمَا قَالَ بعض الْأَعْرَاب وَقد سُئِلَ بِمَ عرفت أَنه رَسُول الله فَقَالَ مَا أَمر بِشَيْء فَقَالَ الْعقل ليته ينْهَى عَنهُ وَلَا نهى عَن شَيْء فَقَالَ ليته أَمر بِهِ فَهَذَا الْأَعرَابِي أعرف بِاللَّه وَدينه وَرَسُوله من هَؤُلَاءِ وَقد اقر عقله وفطرته بِحسن مَا أَمر بِهِ وقبح مَا نهى عَنهُ حَتَّى كَانَ فِي حَقه من أَعْلَام نبوته وشواهد رسَالَته وَلَو كَانَ جِهَة كَونه مَعْرُوفا ومنكرا هُوَ الْأَمر الْمُجَرّد لم يكن فِيهِ دَلِيل بل كَانَ يطْلب لَهُ الدَّلِيل من غَيره وَمن سلك ذَلِك المسلك الْبَاطِل لم يُمكنهُ أَن يسْتَدلّ على صِحَة نبوته بِنَفس دَعوته وَدينه وَمَعْلُوم أَن نفس الدّين الَّذِي جَاءَ بِهِ وَالْملَّة الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا من أعظم براهين صدقه وشواهد نبوته وَمن لم يثبت لذَلِك صِفَات وجودية أوجبت حسنه وَقبُول الْعُقُول لَهُ ولضده صِفَات أوجبت قبحه ونفور الْعقل عَنهُ فقد سد على نَفسه بَاب الِاسْتِدْلَال بِنَفس الدعْوَة وَجعلهَا مستدلا عَلَيْهِ فَقَط وَمِمَّا يدل على صِحَة ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾ فَهَذَا صريخ فِي أَن الْحَلَال كَانَ طيبا قبل حلّه وَأَن الْخَبيث كَانَ خبيثا قبل تَحْرِيمه وَلم يستفد طيب هَذَا وخبث هَذَا من نفس الْحل وَالتَّحْرِيم لوَجْهَيْنِ اثْنَيْنِ أَحدهمَا أَن هَذَا علم من أَعْلَام نبوته الَّتِي احْتج الله بهَا على أهل الْكتاب فَقَالَ الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التوارة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم فَلَو كَانَ الطّيب والخبيث إِنَّمَا اسْتُفِيدَ من التَّحْرِيم والتحليل لم يكن فِي ذَلِك دَلِيل فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة أَن يُقَال يحل لَهُم مَا بِحل وَيحرم عَلَيْهِم مَا يحرم وَهَذَا أَيْضا بَاطِل فَإِنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ وَهُوَ الْوَجْه الثَّانِي فَثَبت أَنه أحل مَا هُوَ طيب فِي نَفسه قبل الْحل فَكَسَاهُ بأحلاله طيبا آخر فَصَارَ منشأ طيبه من الْوَجْهَيْنِ مَعًا فَتَأمل هَذَا الْموضع حق

стр. 310

التَّأَمُّل يطلعك على أسرار الشَّرِيعَة ويشرفك على محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها وَأَنه من الْمُمْتَنع فِي حِكْمَة أحكم الْحَاكِمين أَن ترد بِخِلَاف مَا وَردت بِهِ وَأَن الله تَعَالَى يتنزه عَن ذَلِك كَمَا يتنزه عَن سَائِر مَالا يَلِيق بِهِ وَمِمَّا يدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَالا تعلمُونَ وَهَذَا دَلِيل على أَنَّهَا فواحش فِي نَفسهَا لَا تستحسنها الْعُقُول فَتعلق التَّحْرِيم بهَا لفحشها فَإِن تَرْتِيب الحكم على الْوَصْف الْمُنَاسب الْمُشْتَقّ يدل على أَنه هُوَ الْعلَّة الْمُقْتَضِيَة لَهُ وَهَذَا دَلِيل فِي جَمِيع هَذِه الْآيَات الَّتِي ذَكرنَاهَا فَدلَّ على أَنه حرمهَا لكَونهَا فواحش وَحرم الْخَبيث لكَونه خبيثا وَأمر بِالْمَعْرُوفِ لكَونه مَعْرُوفا وَالْعلَّة يجب أَن تغاير الْمَعْلُول فَلَو كَانَ كَونه فَاحِشَة هُوَ معنى كَونه مَنْهِيّا عَنهُ وَكَونه خبيثا هُوَ معنى كَونه محرما كَانَت الْعلَّة عين الْمَعْلُول وَهَذَا محَال فَتَأَمّله وَكَذَا تَحْرِيم الْإِثْم وَالْبَغي دَلِيل على أَن هَذَا وصف ثَابت لَهُ قبل التَّحْرِيم وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى وَلَا تقربُوا الزِّنَا أَنه كَانَ فَاحِشَة ومقتا وساء سَبِيلا فعلل النَّهْي فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِكَوْن الْمنْهِي عَنهُ فَاحِشَة وَلَو كَانَ جِهَة كَونه فَاحِشَة هُوَ النَّهْي لَكَانَ تعليلا للشَّيْء بِنَفسِهِ ولكان بِمَنْزِلَة أَن يُقَال لَا تقربُوا الزِّنَا فَإِنَّهُ يَقُول لكم لَا تقربوه أَو فَإِنَّهُ مَنْهِيّ عَنهُ وَهَذَا محَال من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه يتَضَمَّن إخلاء الْكَلَام من الْفَائِدَة وَالثَّانِي أَنه تَعْلِيل للنَّهْي بِالنَّهْي وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى وَلَوْلَا أَن تصيبهم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم فيقولوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك ونكون من الْمُؤمنِينَ فَأخْبر تَعَالَى أَن مَا قدمت أَيْديهم قبل الْبعْثَة سَبَب لإصابتهم بالمصيبة وَأَنه سُبْحَانَهُ لَو أَصَابَهُم بِمَا يسْتَحقُّونَ من ذَلِك لاحتجوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يُرْسل إِلَيْهِم رَسُولا وَلم ينزل عَلَيْهِم كتابا فَقطع هَذِه الْحجَّة بإرسال الرَّسُول وإنزال الْكتاب لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل وَهَذَا صَرِيح فِي أَن أَعْمَالهم قبل الْبعْثَة كَانَت قبيحة بِحَيْثُ استحقوا أَن يُصِيبُوا بهَا الْمُصِيبَة وَلكنه سُبْحَانَهُ لَا يعذب إِلَّا بعد إرْسَال الرُّسُل وَهَذَا هُوَ فصل الْخطاب وَتَحْقِيق القَوْل فِي هَذَا الأَصْل الْعَظِيم أَن الْقبْح ثَابت للْفِعْل فِي نَفسه وَأَنه لَا يعذب الله عَلَيْهِ إِلَّا بعد إِقَامَة الْحجَّة بالرسالة وَهَذِه النُّكْتَة هِيَ الَّتِي فَاتَت الْمُعْتَزلَة والكلابية كليهمَا فاستطالت كل طَائِفَة مِنْهُمَا على الْأُخْرَى لعدم جَمعهمَا بَين هذَيْن الْأَمريْنِ فاستطالت الْكلابِيَّة على الْمُعْتَزلَة بإثباتهم الْعَذَاب قبل إرْسَال الرُّسُل وترتيبهم الْعقَاب على مُجَرّد الْقبْح الْعقلِيّ وأحسنوا فِي رد ذَلِك عَلَيْهِم واستطالت الْمُعْتَزلَة عَلَيْهِم فِي إنكارهم الْحسن والقبح العقليين جملَة وجعلهم انْتِفَاء الْعَذَاب قبل الْبعْثَة دَلِيلا على انْتِفَاء الْقبْح واستواء الْأَفْعَال فِي أَنْفسهَا وأحسنوا فِي رد هَذَا عَلَيْهِم فَكل طَائِفَة استطالت على الْأُخْرَى بِسَبَب إنكارها الصَّوَاب وَأما من سلك هَذَا المسلك الَّذِي سلكناه فَلَا سَبِيل لوَاحِدَة من الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى رد

стр. 311

قَوْله وَلَا الظفر عَلَيْهِ أصلا فانه مُوَافق لكل طَائِفَة على مَا مَعهَا من الْحق مُقَرر لَهُ مُخَالف فِي باطلها مُنكر لَهُ وَلَيْسَ مَعَ النفاة قطّ دَلِيل وَاحِد صَحِيح على نفي الْحسن والقبح العقليين وَإِن الْأَفْعَال المتضادة كلهَا فِي نفس الْأَمر سَوَاء لَا فرق بَينهَا إِلَّا بِالْأَمر وَالنَّهْي وكل أدلتهم على هَذَا بَاطِلَة كَمَا سنذكرها وَنَذْكُر بُطْلَانهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلَيْسَ مَعَ الْمُعْتَزلَة دَلِيل وَاحِد صَحِيح قطّ يدل على إِثْبَات الْعَذَاب على مُجَرّد الْقبْح الْعقلِيّ قبل بعثة الرُّسُل وأدلتهم على ذَلِك كلهَا بَاطِلَة كَمَا سنذكرها وَنَذْكُر بُطْلَانهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَيْضا أَنه سُبْحَانَهُ يحْتَج على فَسَاد مَذْهَب من عبد غَيره بالأدلة الْعَقْلِيَّة الَّتِي تقبلهَا الْفطر والعقول وَيجْعَل مَا رَكبه فِي الْعُقُول من حسن عبَادَة الْخَالِق وَحده وقبح عبَادَة غَيره من أعظم الْأَدِلَّة على ذَلِك وَهَذَا فِي الْقُرْآن أَكثر من أَن يذكر هَهُنَا وَلَوْلَا أَنه مُسْتَقر فِي الْعُقُول وَالْفطر حسن عِبَادَته وشكره وقبح عبَادَة غَيره وَترك شكره لما احْتج عَلَيْهِم بذلك أصلا وَإِنَّمَا كَانَت الْحجَّة فِي مُجَرّد الْأَمر وَطَرِيقَة الْقُرْآن صَرِيحَة فِي هَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم وَالَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون الَّذِي جعل لكم الأَرْض فراشا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأنزل من السَّمَاء مَاء فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم فَلَا تجْعَلُوا لله أندادا وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ فَذكر سُبْحَانَهُ أَمرهم بِعِبَادَتِهِ وَذكر اسْم الرب مُضَافا إِلَيْهِم لمقْتَضى عبوديتهم لرَبهم ومالكهم ثمَّ ذكر ضروب أنعامه عَلَيْهِم بإيجادهم وَإِنَّمَا من قبلهم وَجعل الأَرْض فراشا لَهُم يُمكنهُم الِاسْتِقْرَار عَلَيْهَا وَالْبناء وَالسُّكْنَى وَجعل السَّمَاء بِنَاء وسقفا فَذكر أَرض الْعَالم وسقفه ثمَّ ذكر إِنْزَال مَادَّة أقواتهم ولباسهم وثمارهم منبها بِهَذَا على اسْتِقْرَار حسن عبَادَة من هَذَا شَأْنه وتشكره الْفطر والعقول وقبح الْإِشْرَاك بِهِ وَعبادَة غَيره وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى حاكيا عَن صَاحب ياسين أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ محتجا عَلَيْهِم بِمَا تقر بِهِ فطرهم وعقولهم وَمَالِي لَا أعبد الَّذِي فطرني وَإِلَيْهِ ترجعون فَتَأمل هَذَا الْخطاب كَيفَ تَجِد تَحْتَهُ أشرف معنى وأجله وَهُوَ أَن كَونه سُبْحَانَهُ فاطرا لِعِبَادِهِ يَقْتَضِي عِبَادَتهم لَهُ وَأَن من كَانَ مفطورا مخلوقا فحقيق بِهِ أَن يعبد فاطره وخالقه وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ مرده إِلَيْهِ فمبدأه مِنْهُ ومصيره إِلَيْهِ وَهَذَا يُوجب عَلَيْهِ التفرغ لعبادته ثمَّ احْتج عَلَيْهِم بِمَا تقر بِهِ عُقُولهمْ وفطرهم من قبح عبَادَة غَيره وَإِنَّهَا أقبح شَيْء فِي الْعقل وَأنْكرهُ فَقَالَ أأتخذ من دونه آلِهَة إِن يردني الرَّحْمَن بضر لَا تغن عني شفاعتهم شَيْئا وَلَا ينقذون إِنِّي إِذا لفي ضلال مُبين أَفلا ترَاهُ كَيفَ لم يحْتَج عَلَيْهِم بِمُجَرَّد الْأَمر بل احْتج عَلَيْهِم بِالْعقلِ الصَّحِيح وَمُقْتَضى الْفطْرَة وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى يَا أَيهَا النَّاس ضرب مثل فَاسْتَمعُوا لَهُ إِن الَّذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا وَلَو اجْتَمعُوا لَهُ وَأَن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا لَا يستنقذوه مِنْهُ ضعف الطَّالِب وَالْمَطْلُوب مَا قدرُوا الله حق قدرهإن الله لقوي عَزِيز فَضرب لَهُم

стр. 312

سُبْحَانَهُ مثلا من عُقُولهمْ يدلهم على قبح عِبَادَتهم لغيره وَإِن هَذَا أَمر مُسْتَقر قبحه وهجنته فِي كل عقل وَإِن لم يرد بِهِ الشَّرْع وَهل فِي الْعقل أنكر وأقبح من عبَادَة من لَو اجْتَمعُوا كلهم لم يخلقوا ذبابا وَاحِدًا وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا لم يقدروا على الِانْتِصَار مِنْهُ واستنقاذ مَا سلبهم إِيَّاه وَترك عبَادَة الخلاق الْعَلِيم الْقَادِر على كل شَيْء الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء أَفلا ترَاهُ كَيفَ احْتج عَلَيْهِم بِمَا رَكبه فِي الْعُقُول من حسن عِبَادَته وَحده وقبح عبَادَة غَيره وَقَالَ تَعَالَى ﴿ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هَل يستويان مثلا﴾ هَذَا مثل ضربه الله لمن عَبده وَحده فَسلم لَهُ وَلمن عبد من دونه آلِهَة فهم شُرَكَاء فِيهِ متشاكسون عسرون فَهَل يستوى فِي الْعُقُول هَذَا وَهَذَا وَقد أَكثر تَعَالَى من هَذِه الْأَمْثَال ونوعها مستدلا بهَا على حسن شكره وعبادته وقبح عبَادَة غَيره وَلم يحْتَج عَلَيْهِم بِنَفس الْأَمر بل بِمَا رَكبه فِي عُقُولهمْ من الْإِقْرَار بذلك وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن فَمن تتبعه وجده وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه وبالوالدين إحسانا﴾ فَذكر توحيده وَذكر المناهي الَّتِي نَهَاهُم عَنْهَا والأوامر الَّتِي أَمرهم بهَا ثمَّ ختم الْآيَة بقوله ﴿كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها﴾ أَي مُخَالفَة هَذِه الْأَوَامِر وارتكاب هَذِه المناهي سَيِّئَة مَكْرُوهَة لله فَتَأمل قَوْله سَيِّئَة عِنْد رَبك مَكْرُوها أَي أَنه سيء فِي نفس الْأَمر عِنْد الله حَتَّى لَو لم يرد بِهِ تَكْلِيف لَكَانَ سيئه فِي نَفسه عِنْد الله مَكْرُوها لَهُ وكراهته سُبْحَانَهُ لَهُ لما هُوَ عَلَيْهِ من الصّفة الَّتِي اقْتَضَت أَن كرهه وَلَو كَانَ قبحه إِنَّمَا هُوَ مُجَرّد النَّهْي لم يكن مَكْرُوها لله إِذْ لَا معنى للكراهة عِنْدهم إِلَّا كَونه مَنْهِيّا عَنهُ فَيَعُود قَوْله كل ذَلِك كَانَ سيئه عِنْد رَبك مَكْرُوها إِلَى معنى كل ذَلِك نهى عَنهُ عِنْد رَبك وَمَعْلُوم إِن هَذَا غير مُرَاد من الْآيَة وَأَيْضًا فَإِذا وَقع ذَلِك مِنْهُم فَهُوَ عِنْد النفاة لِلْحسنِ والقبح مَحْبُوب لله مرضى لَهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقع بإرادته والإرادة عِنْدهم هِيَ الْمحبَّة لَا فرق بَينهمَا وَالْقُرْآن صَرِيح فِي أَن هَذَا كُله قَبِيح عِنْد الله مَكْرُوه مبغوض لَهُ وَقع أَو لم يَقع وَجعل سُبْحَانَهُ هَذَا البغض والقبح سَببا للنَّهْي عَنهُ وَلِهَذَا جعله عِلّة وَحِكْمَة لِلْأَمْرِ فَتَأَمّله وَالْعلَّة غير الْمَعْلُول وَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد أرسلنَا رسلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأنزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ﴾ دلّ ذَلِك على أَن فِي نفس الْأَمر قسطا وَأَن الله سُبْحَانَهُ أنزل كِتَابه وَأنزل الْمِيزَان وَهُوَ الْعدْل ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ أنزل الْكتاب لأَجله وَالْمِيزَان فَعلم أَن فِي نفس الْأَمر مَا هُوَ قسط وَعدل وَحسن ومخالفته قبيحة وَأَن الْكتاب وَالْمِيزَان نزلا لأَجله وَمن يَنْفِي الْحسن والقبح يَقُول لَيْسَ فِي نفس الْأَمر مَا هُوَ عدل حسن وَإِنَّمَا صَار قسطا وعدلا بِالْأَمر فَقَط وَنحن لَا ننكر أَن الْأَمر كَسَاه حسنا وعدلا إِلَى حسنه وعدله فِي نَفسه فَهُوَ فِي نَفسه قسط حسن وكساه الْأَمر حسنا آخر يُضَاعف بِهِ كَونه عدلا حسنا فَصَارَ ذَلِك ثَابتا لَهُ من الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى وَذَا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا

стр. 313

عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله امرنا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَالا تعلمُونَ فَقَوله قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء دَلِيل على أَنَّهَا فِي نَفسهَا فحشاء وَأَن الله لَا يَأْمر بِمَا يكون كَذَلِك وانه يتعالى ويتقدس عَنهُ وَلَو كَانَ كَونه فَاحِشَة إِنَّمَا علم بِالنَّهْي خَاصَّة كَانَ بِمَنْزِلَة أَن يُقَال إِن الله لَا يَأْمر بِمَا ينْهَى عَنهُ وَهَذَا كَلَام يصان عَنهُ آحَاد الْعُقَلَاء فَكيف بِكَلَام رب الْعَالمين ثمَّ أكد سُبْحَانَهُ هَذَا الْإِنْكَار بقوله ﴿قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد وادعوه مُخلصين لَهُ الدّين﴾ فَأخْبر انه يتعالى عَن الْأَمر بالفحشاء بل أوامره كلهَا حَسَنَة فِي الْعُقُول مَقْبُولَة فِي الْفطر فَإِنَّهُ أَمر بِالْقِسْطِ لَا بالجور وبإقامة الْوُجُوه لَهُ عِنْد مساجده لَا لغيره وبدعوته وَحده مُخلصين لَهُ الدّين لَا بالشرك فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَأْمر بِهِ تَعَالَى لَا بالفحشاء أَفلا ترَاهُ كَيفَ يخبر بِحسن مَا يَأْمر بِهِ ويحسنه وينزه نَفسه عَن الْأَمر بضده وَأَنه لَا يَلِيق بِهِ تَعَالَى ﴿وَمن أحسن دينا مِمَّن أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ فاحتج سُبْحَانَهُ على حسن دين الْإِسْلَام وَإنَّهُ لَا شَيْء أحسن مِنْهُ بِأَنَّهُ يتَضَمَّن إِسْلَام الْوَجْه لله وَهُوَ إخلاص الْقَصْد والتوجه وَالْعَمَل لَهُ سُبْحَانَهُ وَالْعَبْد مَعَ ذَلِك محسن آتٍ بِكُل حسن لَا مرتكب للقبح الَّذِي يكرههُ الله بل هُوَ مخلص لرَبه محسن فِي عِبَادَته بِمَا يُحِبهُ ويرضاه وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُتبع لملة إِبْرَاهِيم فِي محبته لله وَحده وإخلاص الدّين لَهُ وبذل النَّفس وَالْمَال فِي مرضاته ومحبته وَهَذَا احتجاج مِنْهُ على أَن دين الْإِسْلَام أحسن الْأَدْيَان بِمَا تضمنه مِمَّا تستحسنه الْعُقُول وَتشهد بِهِ الْفطر وَأَنه قد بلغ الْغَايَة القصوى فِي دَرَجَات الْحسن والكمال وَهَذَا اسْتِدْلَال بِغَيْر الْأَمر الْمُجَرّد بل هُوَ دَلِيل على أَن مَا كَانَ كَذَلِك فحقيق بِأَن يَأْمر بِهِ عباده وَلَا يرضى مِنْهُم سواهُ وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين﴾ فَهَذَا احتجاج بِمَا ركب فِي الْعُقُول وَالْفطر لِأَنَّهُ لَا قَول للْعَبد أحسن من هَذَا القَوْل وَقَالَ تَعَالَى فبظلم من الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِم مَعَ كَونه طَيّبَات أحلّت لَهُم فَأَي شَيْء أصرح من هَذَا حَيْثُ أخبر سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ حرمه عَلَيْهِم مَعَ كَونه طيبا فِي نَفسه فلولا أَن طيبه أَمر ثَابت لَهُ بِدُونِ الْأَمر لم يكن ليجمع الطّيب وَالتَّحْرِيم وَقد أخبر تَعَالَى أَنه حرم عَلَيْهِم طَيّبَات كَانَت حَلَالا عُقُوبَة لَهُم فَهَذَا تَحْرِيم عُقُوبَة بِخِلَاف التَّحْرِيم على هَذِه الْأمة فَإِنَّهُ تَحْرِيم صِيَانة وحماية وَلَا فرق عِنْد النفاة بَين الْأَمريْنِ بل الْكل سَوَاء فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمر عباده بِمَا أَمرهم بِهِ رَحْمَة مِنْهُ وإحسانا وإنعاما عَلَيْهِم لآن صَلَاحهمْ فِي معاشهم وأبدانهم وأحوالهم وَفِي معادهم ومآلهم إِنَّمَا هُوَ بِفعل مَا أمروا بِهِ وَهُوَ فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة الْغذَاء الَّذِي لَا قوام للبدن إِلَّا بِهِ بل أعظم وَلَيْسَ مُجَرّد تَكْلِيف وابتلاء كَمَا يَظُنّهُ كثير من النَّاس ونهاهم عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ صِيَانة وحمية لَهُم إِذْ لَا بَقَاء لصحتهم وَلَا حفظ لَهَا إِلَّا بِهَذِهِ الحمية فَلم يَأْمُرهُم حَاجَة مِنْهُ إِلَيْهِم وَهُوَ الْغنى الحميد وَلَا حرم عَلَيْهِم

стр. 314

مَا حرم بخلا مِنْهُ عَلَيْهِم وَهُوَ الْجواد الْكَرِيم بل أمره وَنَهْيه عين حظهم وسعادتهم العاجلة والآجلة ومصدر أمره وَنَهْيه رَحمته الواسعة وبره وجوده وإحسانه وإنعامه فَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل لكَمَال حكمته وَعلمه وَوُقُوع أَفعاله على وفْق الْمصلحَة وَالرَّحْمَة وَالْحكمَة وَقَالَ تَعَالَى أم لم يعرفوا رسولهم فهم لَهُ منكرون أم يَقُولُونَ بِهِ جنَّة بل جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرهم للحق كَارِهُون وَلَو اتبع الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ بل آتَيْنَاهُم بذكرهم فهم عَن ذكرهم معرضون فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن الْحق لَو اتبع أهواء الْعباد فجَاء شرع الله وَدينه بأهوائهم لفسدت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَمَعْلُوم أَن عِنْد النفاة يجوز أَن يرد شرع الله وَدينه بأهواء الْعباد وَأَنه لَا فرق فِي نفس الْأَمر بَين مَا ورد بِهِ وَبَين مَا تَقْتَضِيه أهواؤهم إِلَّا مُجَرّد الْأَمر وَإنَّهُ لَو ورد بأهوائهم جَازَ وَكَانَ تعبدا ودينا وَهَذِه مُخَالفَة صَرِيحَة لِلْقُرْآنِ وَإنَّهُ من الْمحَال أَن يتبع الْحق أهوائهم وَأَن أهواءهم مُشْتَمِلَة على قبح عَظِيم لَو ورد الشَّرْع بِهِ لفسد الْعَالم أَعْلَاهُ وأسفله وَمَا بَين ذَلِك وَمَعْلُوم أَن هَذَا الْفساد إِنَّمَا يكون لقبح خلاف مَا شَرعه الله وَأمر بِهِ ومنافاته لصلاح الْعَالم عُلْوِيَّهُ وسفليه وَإِن خراب الْعَالم وفساده لَازم لحصوله ولشرعه وَأَن كَمَال حِكْمَة الله وَكَمَال علمه وَرَحمته وربو بَيته يَأْبَى ذَلِك وَيمْنَع مِنْهُ وَمن يَقُول الْجَمِيع فِي نفس الْأَمر سَوَاء يجوز وُرُود التَّعَبُّد بِكُل شَيْء سَوَاء كَانَ من مُقْتَضى أهوائهم أَو خلَافهَا ٠ وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا فسبحان الله رب الْعَرْش﴾ أَي لَو كَانَ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض آلِهَة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا وَلم يقل أَرْبَاب بل قَالَ آلِهَة والإله هُوَ المعبود المألوه وَهَذَا يدل على أَنه من الْمُمْتَنع المستحيل عقلا أَن يشرع الله عبَادَة غَيره أبدا وَإنَّهُ لَو كَانَ مَعَه معبود سواهُ لفسدت السَّمَاوَات وَالْأَرْض فقبح عبَادَة غَيره قد اسْتَقر فِي الْفطر والعقول وَأَن لم يرد النَّبِي عَنهُ شرع بل الْعقل يدل على أَنه أقبح الْقَبِيح على الْإِطْلَاق وَأَنه من الْمحَال أَن يشرعه الله قطّ فصلاح الْعَالم فِي أَن يكون الله وَحده هُوَ المعبود وفساده وهلاكه فِي أَن يعبد مَعَه غَيره ومحال أَن يشرع لِعِبَادِهِ مَا فِيهِ فَسَاد الْعَالم وهلاكه بل هُوَ المنزه عَن ذَلِك ٠ فصل وَقد أنكر تَعَالَى على من نسب إِلَى حكمته التَّسْوِيَة بَين الْمُخْتَلِفين كالتسوية بَين الْأَبْرَار والفجار فَقَالَ تَعَالَى ﴿أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار﴾ وَقَالَ تَعَالَى أم حسب الَّذين اجتر حوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون فَدلَّ على أَن هَذَا حكم سيء قَبِيح ينزه الله عَنهُ وَلم يُنكره سُبْحَانَهُ من جِهَة أَنه أخبر بِأَنَّهُ لَا يكون وَإِنَّمَا أنكرهُ من جِهَة قبحه فِي نَفسه وَإنَّهُ حكم

стр. 315

سيء يتعالى ويتنزه عَنهُ لمنافاته لحكمته وغناه وكماله وَوُقُوع أَفعاله كلهَا على السداد وَالصَّوَاب وَالْحكمَة فَلَا يَلِيق بِهِ أَن يَجْعَل الْبر كالفاجر وَلَا المحسن كالمسيء وَلَا الْمُؤمن كالمفسد فِي الأَرْض فَدلَّ على أَن هَذَا قَبِيح فِي نَفسه تَعَالَى الله عَن فعله ٠ وَمن هَذَا أَيْضا إِنْكَاره سُبْحَانَهُ على من جوز أَن يتْرك عباده سدى فَلَا يَأْمُرهُم وَلَا ينهاهم وَلَا يثيبهم وَلَا يعاقبهم وَأَن هَذَا الحسبان بَاطِل وَالله متعال عَنهُ لمنافاته لحكمته وكماله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ قَالَ الشَّافِعِي رضى الله عَنهُ أَي مهملا لَا يُؤمر وَلَا ينْهَى وَقَالَ غَيره لَا يُثَاب وَلَا يُعَاقب وَالْقَوْلَان وَاحِد لِأَن الثَّوَاب وَالْعِقَاب غَايَة الْأَمر والنهى فَهُوَ سُبْحَانَهُ خلقهمْ لِلْأَمْرِ والنهى فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الْآخِرَة فَأنْكر سُبْحَانَهُ على من زعم أَنه يتْرك سدى إِنْكَار من جعل فِي الْعقل استقباح ذَلِك واستهجانه وَأَنه لَا يَلِيق أَن ينْسب ذَلِك إِلَى احكم الْحَاكِمين ٠ وَمثله وَقَوله تَعَالَى ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم﴾ فنزه نَفسه سُبْحَانَهُ وباعدها عَن هَذَا الحسبان وَأَنه يتعالى عَنهُ وَلَا يَلِيق بِهِ لقبحه ولمنافاته لحكمته وَملكه وإلهيته أَفلا ترى كَيفَ ظهر فِي الْعقل الشَّهَادَة بِدِينِهِ وشرعه وبثوابه وعقابه وَهَذَا يدل على إِثْبَات الْمعَاد بِالْعقلِ كَمَا يدل على إثْبَاته بِالسَّمْعِ وَكَذَلِكَ دينه وَأمره وَمَا بعث بِهِ رسله هُوَ ثَابت فِي الْعُقُول جملَة ثمَّ علم بِالْوَحْي فقد تطابقت شَهَادَة الْعقل وَالْوَحي على توحيده وشرعه والتصديق بوعده ووعيده وَأَنه سُبْحَانَهُ دَعَا عباده على أَلْسِنَة رسله إِلَى مَا وضع فِي الْعُقُول حسنه والتصديق بِهِ جملَة فجَاء الْوَحْي مفصلا مُبينًا ومقررا ومذكرا لما هُوَ مركوز فِي الْفطر والعقول وَلِهَذَا سَأَلَ هِرقل أَبَا سُفْيَان فِي جملَة مَا سَأَلَهُ من أَدِلَّة النُّبُوَّة وشواهدها عَمَّا يَأْمر بِهِ النَّبِي فَقَالَ بِمَ يَأْمُركُمْ قَالَ يَأْمُرنَا بِالصَّلَاةِ والصدق والعفاف فَجعل مَا يَأْمر بِهِ من أَدِلَّة نبوته فَأن أكذب الْخلق وأفجرهم من أدعى النُّبُوَّة وَهُوَ كَاذِب فِيهَا على الله وَهَذَا محَال أَن يَأْمر إِلَّا بِمَا يَلِيق بكذبه وفجوره وافترائه فدعوته تلِيق بِهِ وَأما الصَّادِق الْبَار الَّذِي هُوَ أصدق الْخلق وأبرهم فدعوته لَا تكون إِلَّا أكمل دَعْوَة وَأَشْرَفهَا وأجلها وَأَعْظَمهَا فَإِن الْعُقُول وَالْفطر تشهد بحسنها وَصدق الْقَائِم بهَا فَلَو كَانَت الْأَفْعَال كلهَا سَوَاء فِي نفس الْأَمر لم يكن هُنَاكَ فرقان بَين مَا يجوز أَن يَدْعُو إِلَيْهِ الرَّسُول ومالا يجوز أَن يَدْعُو إِلَيْهِ إِذْ الْعرف وضده إِنَّمَا يعلم بِنَفس الدعْوَة وَالْأَمر وَالنَّهْي وَكَذَلِكَ مسئلة النَّجَاشِيّ لجَعْفَر وَأَصْحَابه عَمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الرَّسُول فَدلَّ على أَنه من المستقر فِي الْعُقُول وَالْفطر انقسام الْأَفْعَال إِلَى قَبِيح وَحسن فِي نَفسه وَأَن الرُّسُل تَدْعُو إِلَى حسنها وتنهى عَن قبيحها وَأَن ذَلِك من آيَات صدقهم وبراهين رسالتهم وَهُوَ أولى وَأعظم عِنْد أولي الْأَلْبَاب والحجى من مُجَرّد خوارق

стр. 316

الْعَادَات وَإِن كَانَ انْتِفَاع ضعفاء الْعُقُول بالخوارق فِي الْإِيمَان أعظم من انتفاعهم بِنَفس الدعْوَة وَمَا جَاءَ بِهِ من الْإِيمَان فطرق الْهِدَايَة متنوعة رَحْمَة من الله بعباده ولطفا بهم لتَفَاوت عُقُولهمْ وأذهانهم وبصائرهم فَمنهمْ من يَهْتَدِي بِنَفس مَا جَاءَ بِهِ وَمَا دَعَا إِلَيْهِ من غير أَن يطْلب مِنْهُ برهانا خَارِجا عَن ذَلِك كَحال الكمل من الصَّحَابَة كالصديق ﵁ وَمِنْهُم من يَهْتَدِي بمعرفته بِحَالهِ وَمَا فطر عَلَيْهِ من كَمَال الْأَخْلَاق والأوصاف وَالْأَفْعَال وَأَن عَادَة الله أَن لَا يخزي من قَامَت بِهِ تِلْكَ الْأَوْصَاف وَالْأَفْعَال لعلمه بِاللَّه ومعرفته بِهِ وَإنَّهُ لَا يخزي من كَانَ بِهَذِهِ المثابة كَمَا قَالَت أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة ﵂ لَهُ إبشر فوَاللَّه لن يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتقري الضَّعِيف وَتعين على نَوَائِب الْحق فاستدلت بمعرفتها بِاللَّه وحكمته وَرَحمته على أَن من كَانَ كَذَلِك فَإِن الله لَا يخزيه وَلَا يَفْضَحهُ بل هُوَ جدير بكرامة الله واصطفائه ومحبته وتوبته وَهَذِه المقامات فِي الْإِيمَان عجز عَنْهَا أَكثر الْخلق فاحتاجوا إِلَى الْآيَات والخوارق والآيات المشهودة بالحس فَآمن كثير مِنْهُم عَلَيْهَا وأضعف النَّاس إِيمَانًا من كَانَ إيمَانه صادرا من الْمظهر ورؤية غلبته للنَّاس فاستدلوا بذلك الْمظهر وَالْغَلَبَة والنصرة على صِحَة الرسَالَة فَأَيْنَ بصائر هَؤُلَاءِ من بصائر من آمن بِهِ وَأهل الأَرْض قد نصبوا لَهُ الْعَدَاوَة وَقد ناله من قومه ضروب الْأَذَى وَأَصْحَابه فِي غَايَة قلَّة الْعدَد والمخافة من النَّاس وَمَعَ هَذَا فقلبه ممتلىء بِالْإِيمَان واثق بِأَنَّهُ سَيظْهر على الْأُمَم وَأَن دينه سيعلو كل دين وأضعف من هَؤُلَاءِ إِيمَانًا من إيمَانه إِيمَان الْعَادة والمربا والمنشأ فَإِنَّهُ نَشأ بَين أبوين مُسلمين وأقارب وجيران وَأَصْحَاب كَذَلِك فَنَشَأَ كواحد مِنْهُم لَيْسَ عِنْده من الرَّسُول وَالْكتاب إِلَّا اسمهما وَلَا من الدّين إِلَّا مَا رأى عَلَيْهِ أَقَاربه وَأَصْحَابه فَهَذَا دين العوائد وَهُوَ أَضْعَف شَيْء وَصَاحبه بِحَسب من يقْتَرن بِهِ فَلَو قيض لَهُ من يُخرجهُ عَنهُ لم يكن عَلَيْهِ كلفة فِي الِانْتِقَال عَنهُ وَالْمَقْصُود أَن خَواص الْأمة ولبابها لما شهِدت عُقُولهمْ حسن هَذَا الدّين وجلالته وكماله وَشهِدت قبح مَا خَالفه ونقصه ورداءته خالط الْإِيمَان بِهِ ومحبته بشاشة قُلُوبهم فَلَو خير بَين أَن يلقى فِي النَّار وَبَين أَن يخْتَار دينهَا غَيره لاختار أَن يقذف فِي النَّار وتقطع أعضاؤه وَلَا يخْتَار دينا غَيره وَهَذَا الضَّرْب من النَّاس هم الَّذين اسْتَقَرَّتْ أَقْدَامهم فِي الْإِيمَان وهم أبعد النَّاس عَن الارتداد عَنهُ وأحقهم بالثبات عَلَيْهِ إِلَى يَوْم لِقَاء الله وَلِهَذَا قَالَ هِرقل لأبي سُفْيَان أيرتد أحد مِنْهُم عَن دينه سخطَة لَهُ قَالَ لَا قَالَ فَكَذَلِك الْإِيمَان إِذْ خالطت بشاشته الْقُلُوب لَا يسخطه أحد وَالْمَقْصُود أَن الداخلين فِي الْإِسْلَام المستدلين على أَنه من عِنْد الله لحسنه وكماله وَأَنه دين الله الَّذِي لَا يجوز أَن يكون من عِنْد غَيره هم خَواص الْخلق والنفاة سدوا على أنفسهم هَذَا الطَّرِيق فَلَا يُمكنهُم سلوكه

стр. 317

فصل وَتَحْقِيق هَذَا الْمقَام بالْكلَام فِي مقامين أَحدهمَا فِي الْأَعْمَال خُصُوصا ومراتبها فِي الْحسن والقبح وَالثَّانِي فِي الموجودات عُمُوما ومراتبها فِي الْخَيْر وَالشَّر أما الْمقَام الأول فالأعمال إِمَّا أَن تشْتَمل على مصلحَة خَالِصَة أَو راجحة واما أَن تشْتَمل على مفْسدَة خَالِصَة أَو راجحة واما أَن تستوي مصلحتها ومفسدتها فَهَذِهِ أَقسَام خَمْسَة مِنْهَا أَرْبَعَة تأت بهَا الشَّرَائِع فتأتي بِمَا مصْلحَته خَالِصَة أَو راجحة آمرة بِهِ مقتضية لَهُ وَمَا مفسدته خَالِصَة أَو راجحة فَحكمهَا فِيهِ النَّهْي عَنهُ وَطلب إعدامه فتأتي بتحصيل الْمصلحَة الْخَالِصَة ولراجحه أَو تكميلهما بِحَسب الْإِمْكَان وتعطيل الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة أَو تقليلهما بِحَسب الْإِمْكَان فمدار الشَّرَائِع والديانات على هَذِه الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة وتنازع النَّاس هُنَا فِي مسئلتين المسئلة الأولى فِي وجود الْمصلحَة الْخَالِصَة والمفسدة الْخَالِصَة فَمنهمْ من مَنعه وَقَالَ لَا وجود لَهُ قَالَ لِأَن الْمصلحَة هِيَ النَّعيم واللذة وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ والمفسدة هِيَ الْعَذَاب والألم وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ قَالُوا والمأمور بِهِ لَا بُد أَن يقْتَرن بِهِ مَا يحْتَاج مَعَه إِلَى الصَّبْر على نوع من الْأَلَم وَإِن كَانَ فِيهِ لَذَّة سرُور وَفَرح فَلَا بُد من وُقُوع أَذَى لَكِن لما كَانَ هَذَا مغمورا بِالْمَصْلَحَةِ لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَلم تعطل الْمصلحَة لأَجله فَترك الْخَيْر الْكثير الْغَالِب لآجل الشَّرّ الْقَلِيل المغلوب شَرّ كثير قَالُوا وَكَذَلِكَ الشَّرّ الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا يَفْعَله الْإِنْسَان لإن لَهُ فِيهِ غَرضا ووطرا مَا وَهَذِه مصلحَة عاجلة لَهُ فَإِذا نهى عَنهُ وَتَركه فَأَتَت عَلَيْهِ مصْلحَته ولذته العاجلة وَإِن كَانَت مفسدته أعظم من مصْلحَته بل مصْلحَته مغمورة جدا فِي جنب مفسدته كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْخمر وَالْميسر ﴿قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فالربا وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش وَالسحر وَشرب الْخمر وَإِن كَانَت شرورا ومفاسد فَفِيهَا مَنْفَعَة وَلَذَّة لفاعلها وَلذَلِك يؤثرها ويختارها وَإِلَّا فَلَو تجردت مفسدتها من كل وَجه لما أَثَرهَا الْعَاقِل وَلَا فعلهَا أصلا وَلما كَانَت خَاصَّة الْعقل النّظر إِلَى العواقب والغايات كَانَ أَعقل النَّاس أتركهم لما ترجحت مفسدته فِي الْعَاقِبَة وَإِن كَانَت فِيهِ لَذَّة مَا وَمَنْفَعَة يسيرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مضرته ونازعهم آخَرُونَ وَقَالُوا الْقِسْمَة تَقْتَضِي إِمْكَان هذَيْن الْقسمَيْنِ والوجود يدل على وقوعهما فَإِن معرفَة الله ومحبته وَالْإِيمَان بِهِ خير مَحْض من كل وَجه لَا مفْسدَة فِيهَا بِوَجْه مَا قَالُوا وَمَعْلُوم أَن الْجنَّة خير مَحْض لَا شَرّ فِيهَا أصلا وَإِن النَّار شَرّ مَحْض لَا خير فِيهِ أصلا وَإِذا كَانَ هَذَانِ القسمان موجودان فِي الْآخِرَة فَمَا المخل بوجودهما فِي الدُّنْيَا قَالُوا أَيْضا فالمخلوقات كلهَا مِنْهَا مَا هُوَ خير مَحْض لَا شَرّ فِيهِ أصلا كالأنبياء وَالْمَلَائِكَة وَمِنْهَا هُوَ شَرّ مَحْض لَا خير فِيهِ أصلا كإبليس وَالشَّيَاطِين وَمِنْهَا مَا هُوَ خير وَشر وَأَحَدهمَا غَالب على الآخر فَمن النَّاس من يغلب خَيره على شَره وَمِنْهُم من

стр. 318

يغلب شَره على خَيره فَهَكَذَا الْأَعْمَال مِنْهَا مَا هُوَ خَالص الْمصلحَة وراجحها وخالص الْمفْسدَة وراجحها هَذَا فِي الْأَعْمَال كَمَا أَن ذَلِك فِي الْعمَّال قَالُوا وَقد قَالَ تَعَالَى فِي السَّحَرَة ﴿ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ فَهَذَا دَلِيل على أَنه مضرَّة خَالِصَة لَا مَنْفَعَة فِيهَا إِمَّا لِأَن بعض أَنْوَاعه مضرَّة خَالِصَة لَا مَنْفَعَة فِيهَا بِوَجْه فَمَا كل السحر يحصل غَرَض السَّاحر بل يتَعَلَّم مائَة بَاب مِنْهُ حَتَّى يحصل غَرَضه بَاب وَالْبَاقِي مضرَّة خَالِصَة وَقس على هَذَا فَهَذَا من الْقسم الْخَالِص الْمفْسدَة وَإِمَّا لِأَن الْمَنْفَعَة الْحَاصِلَة للساحر لما كَانَت مغمورة مستهلكة فِي جنب الْمفْسدَة الْعَظِيمَة فِيهِ جعلت كلا منفعَته فَيكون من الْقسم الرَّاجِح الْمفْسدَة وعَلى الْقَوْلَيْنِ فَكل مَأْمُور بِهِ فَهُوَ رَاجِح الْمصلحَة على تَركه وَإِن كَانَ مَكْرُوها للنفوس قَالَ تَعَالَى كتب عَلَيْكُم الْقِتَال وَهُوَ كره لكم وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خيرا لكم وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شرا لكم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ فَبين أَن الْجِهَاد الَّذِي أمروا بِهِ وَإِن كَانَ مَكْرُوها للنفوس شاقا عَلَيْهَا فمصلحته راجحة وَهُوَ خير لَهُم وَأحمد عَاقِبَة وَأعظم فَائِدَة من التقاعد عَنهُ وإيثار الْبَقَاء والراحة فالشر الَّذِي فِيهِ مغمور بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تضمنه من الْخَيْر وَهَكَذَا كل مَنْهِيّ عَنهُ فَهُوَ رَاجِح الْمفْسدَة وَإِن كَانَ محبوبا للنفوس مُوَافقا للهوى فمضرته ومفسدته أعظم مِمَّا فِيهِ من الْمَنْفَعَة وَتلك الْمَنْفَعَة واللذة مغمورة مستهلكة فِي جنب مضرته كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ وَقَالَ وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شرا لكم وَفصل الْخطاب فِي المسئلة إِذا أُرِيد بِالْمَصْلَحَةِ الْخَالِصَة أَنَّهَا فِي نَفسهَا خَالِصَة من الْمفْسدَة لَا يشوبها مفْسدَة فَلَا ريب فِي وجودهَا وَإِن أُرِيد بهَا الْمصلحَة الَّتِي لَا يشوبها مشقة وَلَا أَذَى فِي طريقها والوسيلة إِلَيْهَا وَلَا فِي ذَاتهَا فَلَيْسَتْ بموجودة بِهَذَا الإعتبار إِذْ الْمصَالح والخيرات وَاللَّذَّات والكمالات كلهَا لَا تنَال إِلَّا بحظ من الْمَشَقَّة وَلَا يعبر إِلَيْهَا إِلَّا على جسر من التَّعَب وَقد أجمع عقلاء كل أمة على أَن النَّعيم لَا يدْرك بالنعيم وَإِن من آثر الرَّاحَة فَاتَتْهُ الرَّاحَة وَإِن بِحَسب ركُوب الْأَهْوَال وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة فَلَا فرحة لمن لَا هم لَهُ وَلَا لَذَّة لمن لَا صَبر لَهُ وَلَا نعيم لمن لَا شقاء لَهُ وَلَا رَاحَة لمن لَا تَعب لَهُ بل إِذا تَعب العَبْد قَلِيلا استراح طَويلا وَإِذا تحمل مشقة الصَّبْر سَاعَة قَادَهُ لحياة الْأَبَد وكل مَا فِيهِ أهل النَّعيم الْمُقِيم فَهُوَ صَبر سَاعَة وَالله الْمُسْتَعَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَكلما كَانَت النُّفُوس أشرف والهمة أعلا كَانَ تَعب الْبدن أوفر وحظه من الرَّاحَة أقل كَمَا قَالَ المتنبي: وَإِذا كَانَت النُّفُوس كبارًا ... تعبت فِي مرادها الْأَجْسَام وَقَالَ ابْن الرُّومِي: قلب يظل على أفكاره وئد ... تمْضِي الْأُمُور وَنَفس لهوها التَّعَب وَقَالَ مُسلم فِي صَحِيحه قَالَ يحيى بن أبي كثير لَا ينَال الْعلم براحة الْبدن وَلَا ريب

стр. 319

عِنْد كل عَاقل أَن كمان الرَّاحَة بِحَسب التَّعَب وَكَمَال النَّعيم بِحَسب تحمل المشاق فِي طَرِيقه وَإِنَّمَا تخلص الرَّاحَة واللذة وَالنَّعِيم فِي دَار السَّلَام فَأَما فِي هَذِه الدَّار فكلا وَلما وَبِهَذَا التَّفْصِيل يَزُول النزاع فِي المسئلة وتعود مسئلة وفَاق فصل وَأما المسئلة الثَّانِيَة وَهِي مَا تَسَاوَت مصْلحَته ومفسدته فقد اخْتلف فِي وجوده وَحكمه فَاثْبتْ وجوده قوم ونفاه آخَرُونَ وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْقسم لَا وجود لَهُ إِن حصره التَّقْسِيم بل التَّفْصِيل إِمَّا أَن يكون حُصُوله أولى بالفاعل وَهُوَ رَاجِح الْمصلحَة وَإِمَّا أَن يكون عَدمه أولى بِهِ وَهُوَ رَاجِح الْمفْسدَة وَأما فعل يكون حُصُوله أولى لمصلحته وَعَدَمه أولى بِهِ لمفسدته وَكِلَاهُمَا متساويان فَهَذَا مِمَّا لم يقم دَلِيل على ثُبُوته بل الدَّلِيل يَقْتَضِي نَفْيه فَإِن الْمصلحَة والمفسدة وَالْمَنْفَعَة والمضرة واللذة والألم إِذا تقابلا فَلَا بُد أَن يغلب أَحدهمَا الآخر فَيصير الحكم للْغَالِب وَأما أَن يتدافعا ويتصادما بِحَيْثُ لَا يغلب أَحدهمَا الآخر فَغير وَاقع فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يُقَال يُوجد الأثران مَعًا وَهُوَ محَال لتصادمها فِي الْمحل الْوَاحِد وَإِمَّا أَن يُقَال يمْتَنع وجود كل من الأثرين وَهُوَ مُمْتَنع لِأَنَّهُ تَرْجِيح لأحد الجائزين من غير مُرَجّح وَهَذَا الْمحَال إِنَّمَا نَشأ من فرض تدافع المؤثرين وتصادمهما فَهُوَ محَال فَلَا بُد أَن يقهر أَحدهمَا صَاحبه فَيكون الحكم لَهُ فَإِن قيل مَا الْمَانِع من أَن يمْتَنع وجود الأثرين قَوْلكُم أَنه محَال لوُجُود مقتضيه إِن أردتم بِهِ الْمُقْتَضى السَّالِم عَن الْمعَارض فَغير مَوْجُود وَإِن أردتم الْمُقْتَضى الْمُقَارن لوُجُود الْمعَارض فَتخلف أَثَره عَنهُ غير مُمْتَنع والمعارض قَائِم هَهُنَا فِي كل مِنْهُمَا فَلَا يمْتَنع تخلف الأثرين فَالْجَوَاب أَن الْمعَارض إِذا كَانَ قد سلب تَأْثِير الْمُقْتَضى فِي مُوجبه مَعَ قوته وَشدَّة اقتضائه لأثره وَمَعَ هَذَا فقد قوى على سلبه قُوَّة التَّأْثِير والاقتضاء فلَان يقوى على سلبه قُوَّة مَنعه لتأثيره هُوَ فِي مُقْتَضَاهُ وموجبه بطرِيق الأولى وَوجه الْأَوْلَوِيَّة أَن اقتضاءه لأثره اشد من مَنعه تَأْثِير غير فَإِذا قوى على سلبه للأقوى فسلبه للأضعف أولى وَأَحْرَى فَإِن قيل هَذَا ينْتَقض بِكُل مَانع يمْنَع تَأْثِير الْعلَّة فِي معلولها وَهُوَ بَاطِل قطعا قيل لَا ينْتَقض بِمَا ذكرْتُمْ والنقض مندفع فَإِن الْعلَّة وَالْمَانِع هَهُنَا لم يتدافعا ويتصادما وَلَكِن الْمَانِع أَضْعَف الْعلَّة فَبَطل تأثيرها فَهُوَ عائق لَهَا عَن الِاقْتِضَاء وَأما فِي مسئلتنا فالعلتان متصادمتان متعارضتان كل مِنْهُمَا تَقْتَضِي أَثَرهَا فَلَو بَطل أثرهما لكَانَتْ كل وَاحِدَة مُؤثرَة غير مُؤثرَة غالبة مغلوبة مَانِعَة مَمْنُوعَة وَهَذَا يمْتَنع وَهُوَ دَلِيل يشبه دَلِيل التمانع وسر الْفرق أَن الْعلَّة الْوَاحِدَة إِذا قارنها مَانع منع تأثيرها لم تبْق مقتضية لَهُ بل الْمَانِع عاقها عَن اقتضائها وَهَذَا غير مُمْتَنع وَأما العلتان المتمانعتان اللَّتَان كل مِنْهُمَا مَانِعَة لِلْأُخْرَى من تأثيرها فَإِن تمانعهما وتقابلهما يَقْتَضِي إبِْطَال كل وَاحِدَة مِنْهُمَا لِلْأُخْرَى وتأثيرها

стр. 320

فِيهَا وَعدم تأثيرها مَعًا وَهُوَ جمع بَين النقيضين لِأَنَّهَا إِذا بطلت لم تكن مُؤثرَة وَإِذا لم تكن مُؤثرَة لم تبطل غَيرهَا فَتكون كل مِنْهُمَا مُؤثرَة غير مُؤثرَة بَاطِلَة غير بَاطِلَة وَهَذَا محَال فَثَبت أَنَّهُمَا لَا بُد أَن تُؤثر إِحْدَاهمَا فِي الْأُخْرَى بقوتها فَيكون الحكم لَهَا فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَن توَسط أَرضًا مَغْصُوبَة ثمَّ بدا لَهُ فِي التَّوْبَة فَإِن أمرتموه باللبث فَهُوَ محَال وَإِن أمرتموه بقطعها وَالْخُرُوج من الْجَانِب الآخر فقد أمرتموه بالحركة وَالتَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر وَكَذَلِكَ إِن أمرتموه بِالرُّجُوعِ فَهُوَ حَرَكَة مِنْهُ وَتصرف فِي ارْض الْغَصْب فَهَذَا قد تَعَارَضَت فِيهِ الْمصلحَة والمفسدة فَمَا الحكم فِي هَذِه الصُّورَة وَكَذَلِكَ من توَسط بَين فِئَة مثبتة بالجراح منتظرين للْمَوْت وَلَيْسَ لَهُ انْتِقَال إِلَّا على أحدهم فَإِن أَقَامَ على من هُوَ فَوْقه قَتله وان انْتقل إِلَى غَيره قَتله فقد تَعَارَضَت هُنَا مصلحَة النقلَة ومفسدتها على السوَاء وَكَذَلِكَ من طلع عَلَيْهِ الْفجْر وَهُوَ مجامع فَإِن أَقَامَ أفسد صَوْمه وان نزع فالنزع من الْجِمَاع وَالْجِمَاع مركب من الحركتين فهاهنا أَيْضا قد تضادت العلتان وَكَذَلِكَ أَيْضا إِذا تترس الْكفَّار بأسرى من الْمُسلمين هم بِعَدَد الْمُقَاتلَة وَدَار الْأَمر بَين قتل الترس وَبَين الْكَفّ عَنهُ وَقتل الْكفَّار الْمُقَاتلَة الْمُسلمين فهاهنا أَيْضا قد تقابلت الْمصلحَة والمفسدة على السوَاء وَكَذَلِكَ أَيْضا إِذا ألْقى فِي مركبهم نَار وعاينوا الْهَلَاك بهَا فان أَقَامُوا احترقوا وان لجؤا إِلَى المَاء هَلَكُوا بِالْغَرَقِ وَكَذَلِكَ الرجل إِذا ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْت لَيْلَة عَرَفَة وَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَا يسع قدر صَلَاة الْعشَاء فان اشْتغل بهَا فَاتَهُ الْوُقُوف وان اشْتغل بالذهاب إِلَى عَرَفَة فَاتَتْهُ الصَّلَاة فهاهنا تحد تَعَارَضَت المصلحتان والمفسدتان على السوَاء وَكَذَلِكَ الرجل إِذا اسْتَيْقَظَ قبل طُلُوع الشَّمْس وَهُوَ جنب وَلم يبْق من الْوَقْت إِلَّا مَا يسع قدرالغسل أَو الصَّلَاة بِالتَّيَمُّمِ فان اغْتسل فَاتَتْهُ مصلحَة الصَّلَاة فِي الْوَقْت وَإِن صلى بِالتَّيَمُّمِ فَاتَتْهُ مصلحَة الطَّهَارَة فقد تقابلت الْمصلحَة والمفسدة وَكَذَلِكَ إِذا اغتلم الْبَحْر بِحَيْثُ يعلم ركبان السَّفِينَة أَنهم لَا يخلصون إِلَّا بتغريق شطر الركْبَان لتخف بهم السَّفِينَة فان ألقوا شطرهم كَانَ فِيهِ مفْسدَة وان تركوهم كَانَ فِيهِ مفْسدَة فقد تقابلت المفسدتان والمصلحتان على السوَاء وَكَذَلِكَ لَو أكره رجل على إِفْسَاد دِرْهَم من دِرْهَمَيْنِ متساويين أَو إِتْلَاف حَيَوَان من حيوانين متساويين أَو شرب قدح من قدحين متساويين أَو وجد كَافِرين قويين فِي حَال المبارزة لَا يُمكنهُ إِلَّا قتل أَحدهمَا أَو قصد الْمُسلمين عدوان متكافئان من كل وَجه فِي الْقرب والبعد وَالْعدَد والعداوة فانه فِي هَذِه الصُّور كلهَا تَسَاوَت الْمصَالح والمفاسد وَلَا يمكنكم تَرْجِيح أحد من المصلحتين وَلَا أحد من المفسدتين وَمَعْلُوم أَن هَذِه حوادث لَا تَخْلُو من حكم لله فِيهَا وَأما مَا ذكرْتُمْ من امْتنَاع تقَابل الْمصلحَة والمفسدة على السوَاء فَكيف عَلَيْكُم إِنْكَاره وَأَنْتُم تَقولُونَ بالموازنة وَإِن من النَّاس من تستوي حَسَنَاته وسيئاته فَيبقى فِي الْأَعْرَاف بَين الْجنَّة وَالنَّار لتقابل مُقْتَضى الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي حَقه فان حَسَنَاته
следующие страницы →