Полный текст (577 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الْعَادَات وَإِن كَانَ انْتِفَاع ضعفاء الْعُقُول بالخوارق فِي الْإِيمَان أعظم من انتفاعهم بِنَفس الدعْوَة وَمَا جَاءَ بِهِ من الْإِيمَان فطرق الْهِدَايَة متنوعة رَحْمَة من الله بعباده ولطفا بهم لتَفَاوت عُقُولهمْ وأذهانهم وبصائرهم فَمنهمْ من يَهْتَدِي بِنَفس مَا جَاءَ بِهِ وَمَا دَعَا إِلَيْهِ من غير أَن يطْلب مِنْهُ برهانا خَارِجا عَن ذَلِك كَحال الكمل من الصَّحَابَة كالصديق ﵁ وَمِنْهُم من يَهْتَدِي بمعرفته بِحَالهِ وَمَا فطر عَلَيْهِ من كَمَال الْأَخْلَاق والأوصاف وَالْأَفْعَال وَأَن عَادَة الله أَن لَا يخزي من قَامَت بِهِ تِلْكَ الْأَوْصَاف وَالْأَفْعَال لعلمه بِاللَّه ومعرفته بِهِ وَإنَّهُ لَا يخزي من كَانَ بِهَذِهِ المثابة كَمَا قَالَت أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة ﵂ لَهُ إبشر فوَاللَّه لن يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتقري الضَّعِيف وَتعين على نَوَائِب الْحق فاستدلت بمعرفتها بِاللَّه وحكمته وَرَحمته على أَن من كَانَ كَذَلِك فَإِن الله لَا يخزيه وَلَا يَفْضَحهُ بل هُوَ جدير بكرامة الله واصطفائه ومحبته وتوبته وَهَذِه المقامات فِي الْإِيمَان عجز عَنْهَا أَكثر الْخلق فاحتاجوا إِلَى الْآيَات والخوارق والآيات المشهودة بالحس فَآمن كثير مِنْهُم عَلَيْهَا وأضعف النَّاس إِيمَانًا من كَانَ إيمَانه صادرا من الْمظهر ورؤية غلبته للنَّاس فاستدلوا بذلك الْمظهر وَالْغَلَبَة والنصرة على صِحَة الرسَالَة فَأَيْنَ بصائر هَؤُلَاءِ من بصائر من آمن بِهِ وَأهل الأَرْض قد نصبوا لَهُ الْعَدَاوَة وَقد ناله من قومه ضروب الْأَذَى وَأَصْحَابه فِي غَايَة قلَّة الْعدَد والمخافة من النَّاس وَمَعَ هَذَا فقلبه ممتلىء بِالْإِيمَان واثق بِأَنَّهُ سَيظْهر على الْأُمَم وَأَن دينه سيعلو كل دين وأضعف من هَؤُلَاءِ إِيمَانًا من إيمَانه إِيمَان الْعَادة والمربا والمنشأ فَإِنَّهُ نَشأ بَين أبوين مُسلمين وأقارب وجيران وَأَصْحَاب كَذَلِك فَنَشَأَ كواحد مِنْهُم لَيْسَ عِنْده من الرَّسُول وَالْكتاب إِلَّا اسمهما وَلَا من الدّين إِلَّا مَا رأى عَلَيْهِ أَقَاربه وَأَصْحَابه فَهَذَا دين العوائد وَهُوَ أَضْعَف شَيْء وَصَاحبه بِحَسب من يقْتَرن بِهِ فَلَو قيض لَهُ من يُخرجهُ عَنهُ لم يكن عَلَيْهِ كلفة فِي الِانْتِقَال عَنهُ وَالْمَقْصُود أَن خَواص الْأمة ولبابها لما شهِدت عُقُولهمْ حسن هَذَا الدّين وجلالته وكماله وَشهِدت قبح مَا خَالفه ونقصه ورداءته خالط الْإِيمَان بِهِ ومحبته بشاشة قُلُوبهم فَلَو خير بَين أَن يلقى فِي النَّار وَبَين أَن يخْتَار دينهَا غَيره لاختار أَن يقذف فِي النَّار وتقطع أعضاؤه وَلَا يخْتَار دينا غَيره وَهَذَا الضَّرْب من النَّاس هم الَّذين اسْتَقَرَّتْ أَقْدَامهم فِي الْإِيمَان وهم أبعد النَّاس عَن الارتداد عَنهُ وأحقهم بالثبات عَلَيْهِ إِلَى يَوْم لِقَاء الله وَلِهَذَا قَالَ هِرقل لأبي سُفْيَان أيرتد أحد مِنْهُم عَن دينه سخطَة لَهُ قَالَ لَا قَالَ فَكَذَلِك الْإِيمَان إِذْ خالطت بشاشته الْقُلُوب لَا يسخطه أحد وَالْمَقْصُود أَن الداخلين فِي الْإِسْلَام المستدلين على أَنه من عِنْد الله لحسنه وكماله وَأَنه دين الله الَّذِي لَا يجوز أَن يكون من عِنْد غَيره هم خَواص الْخلق والنفاة سدوا على أنفسهم هَذَا الطَّرِيق فَلَا يُمكنهُم سلوكه
стр. 317
فصل وَتَحْقِيق هَذَا الْمقَام بالْكلَام فِي مقامين أَحدهمَا فِي الْأَعْمَال خُصُوصا
ومراتبها فِي الْحسن والقبح وَالثَّانِي فِي الموجودات عُمُوما ومراتبها فِي الْخَيْر وَالشَّر أما الْمقَام الأول فالأعمال إِمَّا أَن تشْتَمل على مصلحَة خَالِصَة أَو راجحة واما أَن تشْتَمل على مفْسدَة خَالِصَة أَو راجحة واما أَن تستوي مصلحتها ومفسدتها فَهَذِهِ أَقسَام خَمْسَة مِنْهَا أَرْبَعَة تأت بهَا الشَّرَائِع فتأتي بِمَا مصْلحَته خَالِصَة أَو راجحة آمرة بِهِ مقتضية لَهُ وَمَا مفسدته خَالِصَة أَو راجحة فَحكمهَا فِيهِ النَّهْي عَنهُ وَطلب إعدامه فتأتي بتحصيل الْمصلحَة الْخَالِصَة ولراجحه أَو تكميلهما بِحَسب الْإِمْكَان وتعطيل الْمفْسدَة الْخَالِصَة أَو الراجحة أَو تقليلهما بِحَسب الْإِمْكَان فمدار الشَّرَائِع والديانات على هَذِه الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة وتنازع النَّاس هُنَا فِي مسئلتين
المسئلة الأولى فِي وجود الْمصلحَة الْخَالِصَة والمفسدة الْخَالِصَة فَمنهمْ من مَنعه وَقَالَ لَا وجود لَهُ قَالَ لِأَن الْمصلحَة هِيَ النَّعيم واللذة وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ والمفسدة هِيَ الْعَذَاب والألم وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ قَالُوا والمأمور بِهِ لَا بُد أَن يقْتَرن بِهِ مَا يحْتَاج مَعَه إِلَى الصَّبْر على نوع من الْأَلَم وَإِن كَانَ فِيهِ لَذَّة سرُور وَفَرح فَلَا بُد من وُقُوع أَذَى لَكِن لما كَانَ هَذَا مغمورا بِالْمَصْلَحَةِ لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَلم تعطل الْمصلحَة لأَجله فَترك الْخَيْر الْكثير الْغَالِب لآجل الشَّرّ الْقَلِيل المغلوب شَرّ كثير قَالُوا وَكَذَلِكَ الشَّرّ الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا يَفْعَله الْإِنْسَان لإن لَهُ فِيهِ غَرضا ووطرا مَا وَهَذِه مصلحَة عاجلة لَهُ فَإِذا نهى عَنهُ وَتَركه فَأَتَت عَلَيْهِ مصْلحَته ولذته العاجلة وَإِن كَانَت مفسدته أعظم من مصْلحَته بل مصْلحَته مغمورة جدا فِي جنب مفسدته كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْخمر وَالْميسر ﴿قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فالربا وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش وَالسحر وَشرب الْخمر وَإِن كَانَت شرورا ومفاسد فَفِيهَا مَنْفَعَة وَلَذَّة لفاعلها وَلذَلِك يؤثرها ويختارها وَإِلَّا فَلَو تجردت مفسدتها من كل وَجه لما أَثَرهَا الْعَاقِل وَلَا فعلهَا أصلا وَلما كَانَت خَاصَّة الْعقل النّظر إِلَى العواقب والغايات كَانَ أَعقل النَّاس أتركهم لما ترجحت مفسدته فِي الْعَاقِبَة وَإِن كَانَت فِيهِ لَذَّة مَا وَمَنْفَعَة يسيرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مضرته
ونازعهم آخَرُونَ وَقَالُوا الْقِسْمَة تَقْتَضِي إِمْكَان هذَيْن الْقسمَيْنِ والوجود يدل على وقوعهما فَإِن معرفَة الله ومحبته وَالْإِيمَان بِهِ خير مَحْض من كل وَجه لَا مفْسدَة فِيهَا بِوَجْه مَا قَالُوا وَمَعْلُوم أَن الْجنَّة خير مَحْض لَا شَرّ فِيهَا أصلا وَإِن النَّار شَرّ مَحْض لَا خير فِيهِ أصلا وَإِذا كَانَ هَذَانِ القسمان موجودان فِي الْآخِرَة فَمَا المخل بوجودهما فِي الدُّنْيَا قَالُوا أَيْضا فالمخلوقات كلهَا مِنْهَا مَا هُوَ خير مَحْض لَا شَرّ فِيهِ أصلا كالأنبياء وَالْمَلَائِكَة
وَمِنْهَا هُوَ شَرّ مَحْض لَا خير فِيهِ أصلا كإبليس وَالشَّيَاطِين وَمِنْهَا مَا هُوَ خير وَشر وَأَحَدهمَا غَالب على الآخر فَمن النَّاس من يغلب خَيره على شَره وَمِنْهُم من
стр. 318
يغلب شَره على خَيره فَهَكَذَا الْأَعْمَال مِنْهَا مَا هُوَ خَالص الْمصلحَة وراجحها وخالص الْمفْسدَة وراجحها هَذَا فِي الْأَعْمَال كَمَا أَن ذَلِك فِي الْعمَّال قَالُوا وَقد قَالَ تَعَالَى فِي السَّحَرَة ﴿ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ فَهَذَا دَلِيل على أَنه مضرَّة خَالِصَة لَا مَنْفَعَة فِيهَا إِمَّا لِأَن بعض أَنْوَاعه مضرَّة خَالِصَة لَا مَنْفَعَة فِيهَا بِوَجْه فَمَا كل السحر يحصل غَرَض السَّاحر بل يتَعَلَّم مائَة بَاب مِنْهُ حَتَّى يحصل غَرَضه بَاب وَالْبَاقِي مضرَّة خَالِصَة وَقس على هَذَا فَهَذَا من الْقسم الْخَالِص الْمفْسدَة وَإِمَّا لِأَن الْمَنْفَعَة الْحَاصِلَة للساحر لما كَانَت مغمورة مستهلكة فِي جنب الْمفْسدَة الْعَظِيمَة فِيهِ جعلت كلا منفعَته فَيكون من الْقسم الرَّاجِح الْمفْسدَة وعَلى الْقَوْلَيْنِ فَكل مَأْمُور بِهِ فَهُوَ رَاجِح الْمصلحَة على تَركه وَإِن كَانَ مَكْرُوها للنفوس قَالَ تَعَالَى كتب عَلَيْكُم الْقِتَال وَهُوَ كره لكم وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خيرا لكم وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شرا لكم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ فَبين أَن الْجِهَاد الَّذِي أمروا بِهِ وَإِن كَانَ مَكْرُوها للنفوس شاقا عَلَيْهَا فمصلحته راجحة وَهُوَ خير لَهُم وَأحمد عَاقِبَة وَأعظم فَائِدَة من التقاعد عَنهُ وإيثار الْبَقَاء والراحة فالشر الَّذِي فِيهِ مغمور بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تضمنه من الْخَيْر وَهَكَذَا كل مَنْهِيّ عَنهُ فَهُوَ رَاجِح الْمفْسدَة وَإِن كَانَ محبوبا للنفوس مُوَافقا للهوى فمضرته ومفسدته أعظم مِمَّا فِيهِ من الْمَنْفَعَة وَتلك الْمَنْفَعَة واللذة مغمورة مستهلكة فِي جنب مضرته كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ وَقَالَ وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شرا لكم وَفصل الْخطاب فِي المسئلة إِذا أُرِيد بِالْمَصْلَحَةِ الْخَالِصَة أَنَّهَا فِي نَفسهَا خَالِصَة من الْمفْسدَة لَا يشوبها مفْسدَة فَلَا ريب فِي وجودهَا وَإِن أُرِيد بهَا الْمصلحَة الَّتِي لَا يشوبها مشقة وَلَا أَذَى فِي طريقها والوسيلة إِلَيْهَا وَلَا فِي ذَاتهَا فَلَيْسَتْ بموجودة بِهَذَا الإعتبار إِذْ الْمصَالح والخيرات وَاللَّذَّات والكمالات كلهَا لَا تنَال إِلَّا بحظ من الْمَشَقَّة وَلَا يعبر إِلَيْهَا إِلَّا على جسر من التَّعَب وَقد أجمع عقلاء كل أمة على أَن النَّعيم لَا يدْرك بالنعيم وَإِن من آثر الرَّاحَة فَاتَتْهُ الرَّاحَة وَإِن بِحَسب ركُوب الْأَهْوَال وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة فَلَا فرحة لمن لَا هم لَهُ وَلَا لَذَّة لمن لَا صَبر لَهُ وَلَا نعيم لمن لَا شقاء لَهُ وَلَا رَاحَة لمن لَا تَعب لَهُ بل إِذا تَعب العَبْد قَلِيلا استراح طَويلا وَإِذا تحمل مشقة الصَّبْر سَاعَة قَادَهُ لحياة الْأَبَد وكل مَا فِيهِ أهل النَّعيم الْمُقِيم فَهُوَ صَبر سَاعَة وَالله الْمُسْتَعَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَكلما كَانَت النُّفُوس أشرف والهمة أعلا كَانَ تَعب الْبدن أوفر وحظه من الرَّاحَة أقل كَمَا قَالَ المتنبي:
وَإِذا كَانَت النُّفُوس كبارًا ... تعبت فِي مرادها الْأَجْسَام
وَقَالَ ابْن الرُّومِي:
قلب يظل على أفكاره وئد ... تمْضِي الْأُمُور وَنَفس لهوها التَّعَب
وَقَالَ مُسلم فِي صَحِيحه قَالَ يحيى بن أبي كثير لَا ينَال الْعلم براحة الْبدن وَلَا ريب
стр. 319
عِنْد كل عَاقل أَن كمان الرَّاحَة بِحَسب التَّعَب وَكَمَال النَّعيم بِحَسب تحمل المشاق فِي طَرِيقه وَإِنَّمَا تخلص الرَّاحَة واللذة وَالنَّعِيم فِي دَار السَّلَام فَأَما فِي هَذِه الدَّار فكلا وَلما
وَبِهَذَا التَّفْصِيل يَزُول النزاع فِي المسئلة وتعود مسئلة وفَاق
فصل وَأما المسئلة الثَّانِيَة وَهِي مَا تَسَاوَت مصْلحَته ومفسدته فقد اخْتلف
فِي وجوده وَحكمه فَاثْبتْ وجوده قوم ونفاه آخَرُونَ
وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْقسم لَا وجود لَهُ إِن حصره التَّقْسِيم بل التَّفْصِيل إِمَّا أَن يكون حُصُوله أولى بالفاعل وَهُوَ رَاجِح الْمصلحَة وَإِمَّا أَن يكون عَدمه أولى بِهِ وَهُوَ رَاجِح الْمفْسدَة وَأما فعل يكون حُصُوله أولى لمصلحته وَعَدَمه أولى بِهِ لمفسدته وَكِلَاهُمَا متساويان فَهَذَا مِمَّا لم يقم دَلِيل على ثُبُوته بل الدَّلِيل يَقْتَضِي نَفْيه فَإِن الْمصلحَة والمفسدة وَالْمَنْفَعَة والمضرة واللذة والألم إِذا تقابلا فَلَا بُد أَن يغلب أَحدهمَا الآخر فَيصير الحكم للْغَالِب وَأما أَن يتدافعا ويتصادما بِحَيْثُ لَا يغلب أَحدهمَا الآخر فَغير وَاقع فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يُقَال يُوجد الأثران مَعًا وَهُوَ محَال لتصادمها فِي الْمحل الْوَاحِد وَإِمَّا أَن يُقَال يمْتَنع وجود كل من الأثرين وَهُوَ مُمْتَنع لِأَنَّهُ تَرْجِيح لأحد الجائزين من غير مُرَجّح وَهَذَا الْمحَال إِنَّمَا نَشأ من فرض تدافع المؤثرين وتصادمهما فَهُوَ محَال فَلَا بُد أَن يقهر أَحدهمَا صَاحبه فَيكون الحكم لَهُ فَإِن قيل مَا الْمَانِع من أَن يمْتَنع وجود الأثرين قَوْلكُم أَنه محَال لوُجُود مقتضيه إِن أردتم بِهِ الْمُقْتَضى السَّالِم عَن الْمعَارض فَغير مَوْجُود وَإِن أردتم الْمُقْتَضى الْمُقَارن لوُجُود الْمعَارض فَتخلف أَثَره عَنهُ غير مُمْتَنع والمعارض قَائِم هَهُنَا فِي كل مِنْهُمَا فَلَا يمْتَنع تخلف الأثرين فَالْجَوَاب أَن الْمعَارض إِذا كَانَ قد سلب تَأْثِير الْمُقْتَضى فِي مُوجبه مَعَ قوته وَشدَّة اقتضائه لأثره وَمَعَ هَذَا فقد قوى على سلبه قُوَّة التَّأْثِير والاقتضاء فلَان يقوى على سلبه قُوَّة مَنعه لتأثيره هُوَ فِي مُقْتَضَاهُ وموجبه بطرِيق الأولى وَوجه الْأَوْلَوِيَّة أَن اقتضاءه لأثره اشد من مَنعه تَأْثِير غير فَإِذا قوى على سلبه للأقوى فسلبه للأضعف أولى وَأَحْرَى فَإِن قيل هَذَا ينْتَقض بِكُل مَانع يمْنَع تَأْثِير الْعلَّة فِي معلولها وَهُوَ بَاطِل قطعا قيل لَا ينْتَقض بِمَا ذكرْتُمْ والنقض مندفع فَإِن الْعلَّة وَالْمَانِع هَهُنَا لم يتدافعا ويتصادما وَلَكِن الْمَانِع أَضْعَف الْعلَّة فَبَطل تأثيرها فَهُوَ عائق لَهَا عَن الِاقْتِضَاء وَأما فِي مسئلتنا فالعلتان متصادمتان متعارضتان كل مِنْهُمَا تَقْتَضِي أَثَرهَا فَلَو بَطل أثرهما لكَانَتْ كل وَاحِدَة مُؤثرَة غير مُؤثرَة غالبة مغلوبة مَانِعَة مَمْنُوعَة وَهَذَا يمْتَنع وَهُوَ دَلِيل يشبه دَلِيل التمانع وسر الْفرق أَن الْعلَّة الْوَاحِدَة إِذا قارنها مَانع منع تأثيرها لم تبْق مقتضية لَهُ بل الْمَانِع عاقها عَن اقتضائها وَهَذَا غير مُمْتَنع وَأما العلتان المتمانعتان اللَّتَان كل مِنْهُمَا مَانِعَة لِلْأُخْرَى من تأثيرها فَإِن تمانعهما وتقابلهما يَقْتَضِي إبِْطَال كل وَاحِدَة مِنْهُمَا لِلْأُخْرَى وتأثيرها
стр. 320
فِيهَا وَعدم تأثيرها مَعًا وَهُوَ جمع بَين النقيضين لِأَنَّهَا إِذا بطلت لم تكن مُؤثرَة وَإِذا لم تكن مُؤثرَة لم تبطل غَيرهَا فَتكون كل مِنْهُمَا مُؤثرَة غير مُؤثرَة بَاطِلَة غير بَاطِلَة وَهَذَا محَال فَثَبت أَنَّهُمَا لَا بُد أَن تُؤثر إِحْدَاهمَا فِي الْأُخْرَى بقوتها فَيكون الحكم لَهَا
فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِيمَن توَسط أَرضًا مَغْصُوبَة ثمَّ بدا لَهُ فِي التَّوْبَة فَإِن أمرتموه باللبث فَهُوَ محَال وَإِن أمرتموه بقطعها وَالْخُرُوج من الْجَانِب الآخر فقد أمرتموه بالحركة وَالتَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر وَكَذَلِكَ إِن أمرتموه بِالرُّجُوعِ فَهُوَ حَرَكَة مِنْهُ وَتصرف فِي ارْض الْغَصْب فَهَذَا قد تَعَارَضَت فِيهِ الْمصلحَة والمفسدة فَمَا الحكم فِي هَذِه الصُّورَة وَكَذَلِكَ من توَسط بَين فِئَة مثبتة بالجراح منتظرين للْمَوْت وَلَيْسَ لَهُ انْتِقَال إِلَّا على أحدهم فَإِن أَقَامَ على من هُوَ فَوْقه قَتله وان انْتقل إِلَى غَيره قَتله فقد تَعَارَضَت هُنَا مصلحَة النقلَة ومفسدتها على السوَاء وَكَذَلِكَ من طلع عَلَيْهِ الْفجْر وَهُوَ مجامع فَإِن أَقَامَ أفسد صَوْمه وان نزع فالنزع من الْجِمَاع وَالْجِمَاع مركب من الحركتين فهاهنا أَيْضا قد تضادت العلتان وَكَذَلِكَ أَيْضا إِذا تترس الْكفَّار بأسرى من الْمُسلمين هم بِعَدَد الْمُقَاتلَة وَدَار الْأَمر بَين قتل الترس وَبَين الْكَفّ عَنهُ وَقتل الْكفَّار الْمُقَاتلَة الْمُسلمين فهاهنا أَيْضا قد تقابلت الْمصلحَة والمفسدة على السوَاء وَكَذَلِكَ أَيْضا إِذا ألْقى فِي مركبهم نَار وعاينوا الْهَلَاك بهَا فان أَقَامُوا احترقوا وان لجؤا إِلَى المَاء هَلَكُوا بِالْغَرَقِ وَكَذَلِكَ الرجل إِذا ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْت لَيْلَة عَرَفَة وَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَا يسع قدر صَلَاة الْعشَاء فان اشْتغل بهَا فَاتَهُ الْوُقُوف وان اشْتغل بالذهاب إِلَى عَرَفَة فَاتَتْهُ الصَّلَاة فهاهنا تحد تَعَارَضَت المصلحتان والمفسدتان على السوَاء وَكَذَلِكَ الرجل إِذا اسْتَيْقَظَ قبل طُلُوع الشَّمْس وَهُوَ جنب وَلم يبْق من الْوَقْت إِلَّا مَا يسع قدرالغسل أَو الصَّلَاة بِالتَّيَمُّمِ فان اغْتسل فَاتَتْهُ مصلحَة الصَّلَاة فِي الْوَقْت وَإِن صلى بِالتَّيَمُّمِ فَاتَتْهُ مصلحَة الطَّهَارَة فقد تقابلت الْمصلحَة والمفسدة وَكَذَلِكَ إِذا اغتلم الْبَحْر بِحَيْثُ يعلم ركبان السَّفِينَة أَنهم لَا يخلصون إِلَّا بتغريق شطر الركْبَان لتخف بهم السَّفِينَة فان ألقوا شطرهم كَانَ فِيهِ مفْسدَة وان تركوهم كَانَ فِيهِ مفْسدَة فقد تقابلت المفسدتان والمصلحتان على السوَاء وَكَذَلِكَ لَو أكره رجل على إِفْسَاد دِرْهَم من دِرْهَمَيْنِ متساويين أَو إِتْلَاف حَيَوَان من حيوانين متساويين أَو شرب قدح من قدحين متساويين أَو وجد كَافِرين قويين فِي حَال المبارزة لَا يُمكنهُ إِلَّا قتل أَحدهمَا أَو قصد الْمُسلمين عدوان متكافئان من كل وَجه فِي الْقرب والبعد وَالْعدَد والعداوة فانه فِي هَذِه الصُّور كلهَا تَسَاوَت الْمصَالح والمفاسد وَلَا يمكنكم تَرْجِيح أحد من المصلحتين وَلَا أحد من المفسدتين وَمَعْلُوم أَن هَذِه حوادث لَا تَخْلُو من حكم لله فِيهَا وَأما مَا ذكرْتُمْ من امْتنَاع تقَابل الْمصلحَة والمفسدة على السوَاء فَكيف عَلَيْكُم إِنْكَاره وَأَنْتُم تَقولُونَ بالموازنة وَإِن من النَّاس من تستوي حَسَنَاته وسيئاته فَيبقى فِي الْأَعْرَاف بَين الْجنَّة وَالنَّار لتقابل مُقْتَضى الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي حَقه فان حَسَنَاته
стр. 321
قصرت بِهِ عَن دُخُول النَّار وسيئاته قصرت بِهِ عَن دُخُول الْجنَّة وَهَذَا ثَابت عَن الصَّحَابَة حُذَيْفَة ابْن الْيَمَان وَابْن مَسْعُود وَغَيرهمَا
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن مُجمل ومفصل
وَأما الْمُجْمل فَلَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا ذكرْتُمْ دَلِيل على مَحل النزاع فان مورد النزاع أَن تتقابل الْمصلحَة والمفسدة وتتساويا فيتدافعا وَيبْطل أثرهما وَلَيْسَ فِي هَذِه الصُّور شَيْء كَذَلِك وَهَذَا يتَبَيَّن بِالْجَوَابِ التفصيلي عَنْهَا صُورَة فَأَما من توَسط أَرضًا مَغْصُوبَة فَإِنَّهُ مَأْمُور من حِين دخل فِيهَا بِالْخرُوجِ مِنْهَا فَحكم الشَّارِع فِي حَقه الْمُبَادرَة إِلَى الْخُرُوج وان استلزم ذَلِك حَرَكَة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة فَإِنَّهَا حَرَكَة تَتَضَمَّن ترك الْغَصْب فَهِيَ من بَاب مَالا خلاص عَن الْحَرَام إِلَّا بِهِ وان قيل إِنَّهَا وَاجِبَة فوجوب عَقْلِي لزومي لَا شَرْعِي مَقْصُود فمفسدة هَذِه الْحَرَكَة مغمورة فِي مصلحَة تَفْرِيغ الأَرْض وَالْخُرُوج عَن الْغَصْب وَإِذا قدر تَسَاوِي الْجَواب بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَالْوَاجِب الْقدر الْمُشْتَرك وَهُوَ الْخُرُوج من أَحدهَا وعَلى كل تَقْدِير فمفسدة هَذِه الْحَرَكَة مغمورة جدا فِي مصلحَة ترك الْغَصْب فَلَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ بسبيل وَأما مسئلة من توَسط بَين قَتْلَى لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الْمقَام أَو النقلَة إِلَّا بقتل أحدهم فَهَذَا لَيْسَ مُكَلّفا فِي هَذِه الْحَال بل هُوَ فِي حكم الملجأ والملجأ لَيْسَ مُكَلّفا اتِّفَاقًا فَإِنَّهُ لَا قصد لَهُ وَلَا فعل وَهَذَا ملْجأ من حَيْثُ أَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى ترك النقلَة عَن وَاحِد إِلَّا إِلَى الآخر فَهُوَ ملْجأ إِلَى لبثه فَوق وَاحِد وَلَا بُد وَمثل هَذَا لَا يُوصف فعله بِإِبَاحَة وَلَا تَحْرِيم وَلَا حكم من أَحْكَام التَّكْلِيف لِأَن أَحْكَام التَّكْلِيف منوطة بِالِاخْتِيَارِ فَلَا تتَعَلَّق بِمن لَا اخْتِيَار لَهُ فَلَو كَانَ بَعضهم مُسلما وَبَعْضهمْ كَافِرًا مَعَ اشتراكهم فِي الْعِصْمَة فقد قيل يلْزمه الِانْتِقَال إِلَى الْكَافِر أَو الْمقَام عَلَيْهِ لِأَن قَتله أخف مفْسدَة من قتل الْمُسلم وَلِهَذَا يجوز قتل من لَا يقْتله فِي المعركة إِذا تترس بهم الْكفَّار فيرميهم ويقصد الْكفَّار
وَأما من طلع عَلَيْهِ الْفجْر وَهُوَ مجامع فَالْوَاجِب عَلَيْهِ النزع عينا وَيحرم عَلَيْهِ اسْتِدَامَة الْجِمَاع واللبث وَإِنَّمَا اخْتلف فِي وجوب الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة عَلَيْهِ على ثَلَاثَة أَقْوَال فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
أَحدهَا عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة وَهَذَا اخْتِيَار القَاضِي أبي يعلي وَالثَّانِي لَا شَيْء عَلَيْهِ وَهَذَا اخْتِيَار شَيخنَا وَهُوَ الصَّحِيح وَالثَّالِث عَلَيْهِ الْقَضَاء دون الْكَفَّارَة وعَلى الْأَقْوَال كلهَا فَالْحكم فِي حَقه وجوب النزع والمفسدة الَّتِي فِي حَرَكَة النزع مفْسدَة مغمورة فِي مصلحَة إقلاعه ونزعه فَلَيْسَتْ المسئلة من موارد النزاع وَأما إِذا تترس الْكفَّار بأسرى من الْمُسلمين بِعَدَد الْمُقَاتلَة فانه لَا يجوز رميهم إِلَّا أَن يخْشَى على جَيش الْمُسلمين وَتَكون مصلحَة حفظ الْجَيْش أعظم من مصلحَة حفظ الْأُسَارَى فَحِينَئِذٍ يكون رمي الْأُسَارَى وَيكون من بَاب دفع أعظم المفسدتين بِاحْتِمَال أدناهما فَلَو انعكس الامر وَكَانَت مصلحَة الاسرى أعظم من رميهم لم يجز رميهم
فَهَذَا الْبَاب مَبْنِيّ على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما وَتَحْصِيل أعظم لمصلحتين بتفويت أدناهما فان فرض الشَّك وتساوي الْأَمْرَانِ لم يجز رمي الأسرى لِأَنَّهُ
стр. 322
على يَقِين من قَتلهمْ وعَلى ظن وتخمين من قتل أَصْحَابه وهلاكهم وَلَو قدر أَنهم تيقنوا ذَلِك وَلم يكن فِي قَتلهمْ اسْتِبَاحَة ببضه الْإِسْلَام وَغَلَبَة الْعَدو على الديار لم يجز أَن يقي نُفُوسهم بنفوس الأسرى كَمَا لَا يجوز للمكره على قتل الْمَعْصُوم أَن يقْتله ويقي نَفسه بِنَفسِهِ بل الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يستسلم للْقَتْل وَلَا يَجْعَل النُّفُوس المعصومة وقاية لنَفسِهِ وَأما إِذا ألْقى فِي مركبهم نَار فانهم يَفْعَلُونَ مَا يرَوْنَ السَّلامَة فِيهِ وان شكوا هَل السَّلامَة فِي فِي مقامهم أَو فِي وقوعهم فِي المَاء أَو تيقنوا الْهَلَاك فِي الصُّورَتَيْنِ أَو غلب على ظنهم غَلَبَة مُتَسَاوِيَة لَا يتَرَجَّح أحد طرفيها فَفِي الصُّور الثَّلَاث قَولَانِ لأهل الْعلم وهما رِوَايَتَانِ منصوصتان عَن أحد إِحْدَاهمَا أَنهم يخيرون بَين الْأَمريْنِ لِأَنَّهُمَا موتتان قد عرضتا لَهُم فَلهم أَن يختاروا أيسرهما عَلَيْهِم إِذْ لَا بُد من أَحدهمَا وَكِلَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم سَوَاء فيخيرون بَينهمَا وَالْقَوْل الثَّانِي أَن يلْزمهُم الْمقَام وَلَا يعينون على أنفسهم لِئَلَّا يكون مَوْتهمْ بِسَبَب من جهتهم وليتمحص مَوْتهمْ شَهَادَة بأيدي عدوهم وَأما الَّذِي ضَاقَ عَلَيْهِ وَقت الْوُقُوف بِعَرَفَة وَالصَّلَاة فَإِن الْوَاجِب فِي حَقه تقوى الله بِحَسب الْإِمْكَان وَقد اخْتلف فِي تعْيين ذَلِك الْوَاجِب على ثَلَاثَة أَقْوَال فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره أَحدهَا أَن الْوَاجِب فِي حَقه معينا إِيقَاع الصَّلَاة فِي وَقتهَا فَإِنَّهَا قد تضيقت وَالْحج لم يتضيق وقته فَإِنَّهُ إِذا فعله فِي الْعَام الْقَابِل لم يكن قد أخرجه عَن وقته بِخِلَاف الصَّلَاة وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه يقدم الْحَج وَيقْضى الصَّلَاة بعد الْوَقْت لِأَن مشقة فَوَاته وتكلفه إنْشَاء سفر آخر أَو إِقَامَة فِي مَكَّة إِلَى قَابل ضَرَر عَظِيم تأباه الحنيفية السمحة فيشتغل بادراكه وَيقْضى الصَّلَاة وَالثَّالِث يقْضى الصَّلَاة وَهُوَ سَائِر إِلَى عَرَفَة فَيكون فِي طَرِيقه مُصَليا كَمَا يصلى الهارب من سيل أَو سبع أَو عَدو ايفاقا أَو الطَّالِب لعدو يخْشَى فَوَاته على أصح الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا أَقيس الْأَقْوَال وأقربها إِلَى قَوَاعِد الشَّرْع ومقاصده فَإِن الشَّرِيعَة مبناها على تَحْصِيل الْمصَالح بِحَسب الْإِمْكَان وَأَن لَا يفوت مِنْهَا شَيْء فَإِن أمكن تَحْصِيلهَا كلهَا حصلت وَإِن تزاحمت وَلم يُمكن تَحْصِيل بَعْضهَا إِلَّا بتفويت الْبَعْض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبا للشارع وَقد قَالَ عبد الله بن أبي أنيس بَعَثَنِي رَسُول الله إِلَى خَالِد ابْن سُفْيَان العرنى وَكَانَ نَحْو عُرَنَة وعرفات فَقَالَ اذْهَبْ فاقتله فرأيته وَحَضَرت صَلَاة الْعَصْر فَقلت إِنِّي أَخَاف أَن يكون بيني وَبَينه مَا أَن أؤخر الصَّلَاة فَانْطَلَقت أَمْشِي وَأَنا أصلى أومي ايماء نَحوه فَلَمَّا دَنَوْت مِنْهُ قَالَ لي من أَنْت قلت رجل من الْعَرَب بَلغنِي أَنَّك تجمع لهَذَا الرجل فجئتك فِي ذَلِك قَالَ أَنِّي لفي ذَلِك قَالَ فمشيت مَعَه سَاعَة حَتَّى إِذا أمكنني علوته بسيفي حَتَّى يرد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَأما مَسْأَلَة المستيقظ قبل طُلُوع الشَّمْس جنبا وضيق الْوَقْت عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَتَّسِع للْغسْل وَالصَّلَاة فَهَذَا الْوَاجِب فِي حَقه عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء أَن يغْتَسل وَأَن طلعت الشَّمْس وَلَا تجزيه الصَّلَاة بِالتَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ وَاجِد للْمَاء وَأَن كَانَ غير مفرط فِي نَومه فَلَا إِثْم عَلَيْهِ
стр. 323
كَمَا لَو نَام حَتَّى طلعت الشَّمْس وَالْوَاجِب فِي حَقه الْمُبَادرَة إِلَى الْغسْل وَالصَّلَاة وَهَذَا وَقتهَا فِي حق أَمْثَاله وعَلى هَذَا القَوْل الصَّحِيح فَلَا يتعارض هَاهُنَا مصلحَة ومفسدة متساويتان بل مصلحَة الصَّلَاة بِالطَّهَارَةِ أرجح من إيقاعها فِي الْوَقْت بِالتَّيَمُّمِ وَفِي الْمَسْأَلَة قَول ثَان وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك أَنه يتَيَمَّم وَيصلى فِي الْوَقْت لِأَن الشَّارِع لَهُ الْتِفَات إِلَى إِيقَاع الصَّلَاة فِي الْوَقْت بِالتَّيَمُّمِ أعظم من التفاته إِلَى إيقاعها بِطَهَارَة المَاء خَارج الْوَقْت والعدم الْمُبِيح للتيمم هُوَ الْعَدَم بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَقت الصَّلَاة لَا مُطلقًا فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يجد المَاء وَلَو بعد حِين وَمَعَ هَذَا فَأوجب عَلَيْهِ الشَّارِع التَّيَمُّم لِأَنَّهُ عادم للْمَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَقت الصَّلَاة وَهَكَذَا هَذَا النَّائِم وَأَن كَانَ واجدا للْمَاء لكنه عادم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَقْت وَصَاحب هَذَا القَوْل يَقُول مصلحَة إِيقَاع الصَّلَاة فِي الْوَقْت بِالتَّيَمُّمِ أرجح فِي نظر الشَّارِع من إيقاعها خَارج الْوَقْت بِطَهَارَة المَاء فعلى كلا الْقَوْلَيْنِ لم تتساو الْمصلحَة والمفسدة فَثَبت أَنه لَا وجوب لهَذَا الْقسم فِي الشَّرْع
وَأما مَسْأَلَة اغتلام الْبَحْر فَلَا يجوز إِلْقَاء أحد مِنْهُم فِي الْبَحْر بِالْقُرْعَةِ وَلَا غَيرهَا لاستوائهم فِي الْعِصْمَة وَقتل من لَا ذَنْب وقاية لنَفس الْقَاتِل بِهِ وَلَيْسَ أولى بذلك مِنْهُ ظلم نعم لَو كَانَ فِي السَّفِينَة مَال أَو حَيَوَان وَجب إِلْقَاء المَال ثمَّ الْحَيَوَان لِأَن الْمفْسدَة فِي فَوَات الْأَمْوَال والحيوانات أولى من الْمفْسدَة فِي فَوَات أنفس النَّاس المعصومة وَأما سَائِر الصُّور الَّتِي تَسَاوَت مفاسدها كإتلاف الدرهمين والحيوانين وَقتل أحد العدوين فَهَذَا الحكم فِيهِ التَّخْيِير بَينهمَا لِأَنَّهُ لَا بُد من أتلاف أَحدهمَا وقاية لنَفسِهِ وَكِلَاهُمَا سَوَاء فَيُخَير بَينهمَا وَكَذَلِكَ الْعدوان المتكافئان يُخَيّر بَين قتالهما كالواجب الْمُخَير وَالْوَلِيّ وَأما من تَسَاوَت حَسَنَاته وسيئاته وتدافع أثرهما فَهُوَ حجَّة عَلَيْكُم فَإِن الحكم للحسنات وَهِي تغلب السَّيِّئَات فَإِنَّهُ لَا يدْخل النَّار وَلكنه يبقي على الْأَعْرَاف مُدَّة ثمَّ يصير إِلَى الْجنَّة فقد تبين غَلَبَة الْحَسَنَات لجَانب السَّيِّئَات ومنعها من ترَتّب أَثَرهَا عَلَيْهَا وان الْأَثر هُوَ أثر الْحَسَنَات فَقَط فَبَان أَنه لَا دَلِيل حكم لكم على وجود هَذَا الْقسم أصلا وان الدَّلِيل يدل على امْتِنَاعه فَأن قيل لكم فَمَا قَوْلكُم فِيمَا إِذا عَارض الْمفْسدَة مصلحَة أرجع مِنْهَا وترتب الحكم على الرَّاجِح هَل يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَعَ بَقَاء الْمَرْجُوح من الْمصلحَة والمفسدة لكنه لما كَانَ مغمورا لم يلْتَفت إِلَيْهِ أَو يَقُولُونَ أَن الْمَرْجُوح زَالَ أَثَره بالراجح فَلم يبْق لَهُ أثر
وَمِثَال ذَلِك أَن الله تَعَالَى حرم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير لما فِي تنَاولهَا من الْمفْسدَة الراجحة وَهُوَ خبث التغذية والغازي شَبيه بالمغتذى فَيصير المفتذي بِهَذِهِ الْخَبَائِث خَبِيث النَّفس فَمن محَاسِن الشَّرِيعَة تَحْرِيم هَذِه الْخَبَائِث فَإِن اضْطر إِلَيْهَا وَخَافَ على نَفسه الْهَلَاك أَن لم يَتَنَاوَلهَا أبيحت لَهُ فَهَل إباحتها وَالْحَالة هَذِه مَعَ بَقَاء وصف الْخبث فِيهَا لَكِن عَارضه مصلحَة أرجح مِنْهُ وَهِي حفظ النَّفس أَو إباحتها أزالت وصف الْخبث مِنْهَا فَمَا أُبِيح لَهُ إِلَّا طيب
стр. 324
وَإِن كَانَ خبيثا فِي حَال الِاخْتِيَار قيل هَذَا مَوضِع دَقِيق وتحقيقه بستدعي اطلاعا على أسرار الشَّرِيعَة والطبيعة فَلَا تستهونه وأعطه حَقه من النّظر والتأمل وَقد اخْتلف النَّاس فِيهِ على قَوْلَيْنِ فكثير مِنْهُم أَو أَكْثَرهم سلك مسالك التَّرْجِيح مَعَ بَقَاء وصف الْخبث فِيهِ وَقَالَ مصلحَة حفظ النَّفس أرجح من مفْسدَة خبث التغذية وَهَذِه قَول من لم يُحَقّق النّظر ويمعن التَّأَمُّل بل استرسل مَعَ ظَاهر الْأُمُور وَالصَّوَاب أَن وصف الْخبث مُنْتَفٍ حَال الِاضْطِرَار وكشف الغطاء عَن الْمَسْأَلَة أَن وصف الْخبث غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ فِي الْمحل المتفذي بِهِ بل هُوَ متولد من الْقَابِل وَالْفَاعِل فَهُوَ حَاصِل من المتفذي والمفتذي بِهِ وَنَظِيره تَأْثِير السم فِي الْبدن هُوَ مَوْقُوف على الْفَاعِل وَالْمحل الْقَابِل إِذا علم ذَلِك فَتَنَاول هَذِه الْخَبَائِث فِي حَال الِاخْتِيَار يُوجب حُصُول الْأَثر الْمَطْلُوب عَدمه فَإِذا كَانَ المتناول لَهَا مُضْطَرّا فَإِن ضَرُورَته تمنع قبُول الْخبث الَّذِي فِي المفتذي بِهِ فَلم تحصل تِلْكَ الْمفْسدَة لِأَنَّهَا مَشْرُوطَة بِالِاخْتِيَارِ الَّذِي بِهِ يقبل الْمحل خبث التغذية فَإِذا زَالَ الِاخْتِيَار زَالَ شَرط الْقبُول فَلم تحصل الْمفْسدَة أصلا وَإِن اعتاص هَذَا على فهمك فَانْظُر فِي الأغذية والأشربة الضارة الَّتِي لَا يخْتَلف عَنْهَا الضَّرَر إِذا تنَاولهَا الْمُخْتَار الْوَاجِد لغَيْرهَا فَإِذا اشتدت ضَرُورَته إِلَيْهَا وَلم يجد مِنْهَا بدا فَإِنَّهَا تَنْفَعهُ وَلَا يتَوَلَّد لَهُ مِنْهَا ضَرَر أصلا لِأَن قبُول طَبِيعَته لَهَا وفاقته إِلَيْهَا وميله مَنعه من التضرر بهَا بِخِلَاف حَال الِاخْتِيَار وأمثلة ذَلِك مَعْلُومَة مَشْهُودَة بالحس فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْأَوْصَاف الحسية المؤثرة فِي محالها بالحس فَمَا الظَّن بالأوصاف المعنوية الَّتِي تأثيرها إِنَّمَا يعلم بِالْعقلِ أَو بِالشَّرْعِ فَلَا تظن أَن الضَّرُورَة أزالت وصف الْمحل وبدلته فَأَنا لم تقل هَذَا وَلَا يَقُوله عَاقل وَإِنَّمَا الضَّرُورَة منعت تَأْثِير الْوَصْف وأبطلته فَهِيَ من بَاب الْمَانِع الَّذِي يمْنَع تَأْثِير الْمُقْتَضى لَا أَنه يزِيل قوته أَلا ترى أَن السَّيْف الحاد إِذا صَادف حجرا فَإِنَّهُ يمْنَع قطعه وتأثيره لِأَنَّهُ يزِيل حِدته وتهيأه لقطع الْقَابِل وَنَظِير هَذَا الملابس الْمُحرمَة إِذا اضْطر إِلَيْهَا فَإِن ضَرُورَته تمنع ترَتّب الْمفْسدَة الَّتِي حرمت لأَجلهَا فَإِن قَالَ فَهَذَا ينْتَقض عَلَيْكُم بِتَحْرِيم نِكَاح الْأمة فَإِنَّهُ حرم للمفسدة الَّتِي تتضمنه من ارقاق وَلَده ثمَّ أُبِيح عِنْد الضَّرُورَة إِلَيْهِ وَهِي خوف الْعنَّة الَّذِي هُوَ اعظم فَسَادًا من ارقاق الْوَلَد وَمَعَ هَذَا فالمفسدة قَائِمَة بِعَينهَا وَلَكِن عارضها مصلحَة حفظ الْفرج عَن الْحَرَام وَهِي أرجح عِنْد الشَّارِع من رق الْوَلَد قيل هَذَا لَا ينْتَقض بِمَا قَرَّرْنَاهُ فَإِن الله سُبْحَانَهُ لم حرم نِكَاح الْأمة لما فِيهِ من مفْسدَة رق الْوَلَد واشتغال الْأمة بِخِدْمَة سَيِّدهَا فَلَا يحصل لزَوجهَا من السكن إِلَيْهَا والإيواء ودوام المعاشرة مَا تقر بِهِ عينه وتسكن بِهِ نَفسه أَبَاحَهُ عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ بِأَن لَا يقدر على نِكَاح حرَّة ويخشى على نَفسه مواقعة الْمَحْظُور وَكَانَت الْمصلحَة لَهُ فِي نِكَاحهَا فِي هَذِه الْحَال أرجح من تِلْكَ الْمَفَاسِد
وَلَيْسَ هَذَا حَال ضَرُورَة يُبَاح لَهَا الْمَحْظُور فَأن الله سُبْحَانَهُ لَا يضْطَر عَبده إِلَى الْجِمَاع بِحَيْثُ أَن لم يُجَامع مَاتَ بِخِلَاف الطَّعَام وَالشرَاب وَلِهَذَا لَا يُبَاح الزِّنَا بضرورة كَمَا يُبَاح الْخِنْزِير
стр. 325
وَالْميتَة وَالدَّم وَإِنَّمَا الشَّهْوَة وَقَضَاء الوطر يشق على الرجل تحمله وكف النَّفس عَنهُ لضَعْفه وَقلة صبره فرحمه أرْحم الرَّاحِمِينَ وأباح لَهُ أطيب النِّسَاء وأحسنهن أَرْبعا من الْحَرَائِر وَمَا شَاءَ من ملك يَمِينه من الْإِمَاء فَإِن عجز عَن ذَلِك أَبَاحَ لَهُ نِكَاح الْأمة رَحْمَة بِهِ وتخفيفا عَنهُ لضَعْفه وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فمما ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات وَالله أعلم بإيمانكم إِلَى قَوْله ﴿وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات أَن تميلوا ميلًا عَظِيما يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾ فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه شرع لَهُم هَذِه الْأَحْكَام تَخْفِيفًا عَنْهُم لضعفهم وَقلة صبرهم رَحْمَة بهم وإحسانا إِلَيْهِم فَلَيْسَ هَاهُنَا ضَرُورَة تبيح الْمَحْظُور وَإِنَّمَا هِيَ مصلحَة أرجح من مصلحَة ومفسدة أقل من مفْسدَة فَاخْتَارَ لَهُم أعظم المصلحتين وَأَن فَاتَت أدناهما وَدفع عَنْهُم أعظم المفسدتين وَأَن فَاتَت أدناهما وَهَذَا شَأْن الْحَكِيم اللَّطِيف الْخَبِير الْبر المحسن وَإِذا تَأَمَّلت شرائع دينه الَّتِي وَضعهَا بَين عباده وَجدتهَا لَا تخرج عَن تَحْصِيل الْمصَالح الْخَالِصَة أَو الراجحة بِحَسب الْإِمْكَان وان تزاحمت قدم أهمها وأجلها وَأَن فَاتَت أدناهما وتعطيل الْمَفَاسِد الْخَالِصَة أَو الراجحة بِحَسب الْإِمْكَان وَأَن تزاحمت عطل أعظمها فَسَادًا بِاحْتِمَال أدناهما وعَلى هَذَا وضع أحكم الْحَاكِمين شرائع دينه دَالَّة عَلَيْهِ شاهدة لَهُ بِكَمَال علمه وحكمته ولطفه بعباده وإحسانه إِلَيْهِم وَهَذِه الْجُمْلَة لَا يستريب فِيهَا من لَهُ ذوق من الشَّرِيعَة وارتضاع من ثديها وورود من صفو حَوْضهَا وَكلما كَانَ تضلعه مِنْهَا أعظم كَانَ شُهُوده لمحاسنها ومصالحها أكمل وَلَا يُمكن أحد من الْفُقَهَاء أَن يتَكَلَّم فِي مآخذ الْأَحْكَام وعللها والأوصاف المؤثرة فِيهَا حَقًا وفرقا إِلَّا على هَذِه الطَّرِيقَة وَأما طَريقَة إِنْكَار الحكم التَّعْلِيل وَنفي الْأَوْصَاف الْمُقْتَضِيَة لحسن مَا أَمر بِهِ وقبح مَا نهى عَنهُ وتأثيرها واقتضائها للحب والبغض الَّذِي هُوَ مصدر الْأَمر وَالنَّهْي بطريقة جدلية كلامية لَا يتَصَوَّر بِنَاء الْأَحْكَام عَلَيْهَا وَلَا يُمكن فَقِيها أَن يستعملها فِي بَاب وَاحِد من أَبْوَاب الْفِقْه كَيفَ وَالْقُرْآن وَسنة رَسُول الله مملوآن من تَعْلِيل الْأَحْكَام بالحكم والمصالح وتعليل الْخلق بهما والتنبيه على وُجُوه الحكم الَّتِي لأَجلهَا شرع تِلْكَ الإحكام ولأجلها خلق تِلْكَ الْأَعْيَان وَلَو كَانَ هَذَا فِي الْقُرْآن وَالسّنة فِي نَحْو مائَة مَوضِع أَو مِائَتَيْنِ لسقناها وَلكنه يزِيد على ألف مَوضِع بطرق متنوعة فَتَارَة يذكر لَام التَّعْلِيل الصَّرِيحَة وَتارَة يذكر الْمَفْعُول لأَجله الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود بِالْفِعْلِ وَتارَة يذكر من أجل الصَّرِيحَة فِي التَّعْلِيل وَتارَة يذكر أَدَاة كي وَتارَة يذكر الْفَاء وَأَن وَتارَة يذكر أَدَاة لَعَلَّ المتضمنة للتَّعْلِيل الْمُجَرَّدَة عَن معنى الرَّجَاء الْمُضَاف إِلَى الْمَخْلُوق وَتارَة يُنَبه على السَّبَب يذكرهُ صَرِيحًا وَتارَة يذكر الْأَوْصَاف المشتقة الْمُنَاسبَة لتِلْك الْأَحْكَام ثمَّ يرتبها عَلَيْهَا تَرْتِيب المسببات على أَسبَابهَا وَتارَة يُنكر على من زعم أَنه خلق خلقه وَشرع دينه عَبَثا وسدى وَتارَة يُنكر على من ظن أَنه يسوى
стр. 326
بَين الْمُخْتَلِفين اللَّذين يقتضيان أثرين مُخْتَلفين وَتارَة يُخَيّر بِكَمَال حكمته وَعلمه الْمُقْتَضى أَنه لَا يفرق بَين متماثلين وَلَا يسوى بَين مُخْتَلفين وَأَنه ينزل الْأَشْيَاء منازلها ويرتبها مراتبها وَتارَة يستدعى من عباده التفكر والتأمل والتدبر والتعقل لحسن مَا بعث بِهِ رَسُوله وشرعه لِعِبَادِهِ كَمَا يستدعى مِنْهُم التفكر وَالنَّظَر فِي مخلوقاته وَحكمهَا وَمَا فِيهَا من الْمَنَافِع والمصالح وَتارَة يذكر مَنَافِع مخلوقاته منبها بهَا على ذَلِك وَأَنه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَتارَة يخْتم آيَات خلقه وَأمره بأسماء وصفات تناسبها وتقتضيها وَالْقُرْآن مَمْلُوء من أَوله إِلَى آخِره بِذكر حكم الْخلق وَالْأَمر ومصالحهما ومنافعهما وَمَا تضمناه من الْآيَات الشاهدة الدَّالَّة عَلَيْهِ وَلَا يُمكن من لَهُ أدني اطلَاع على مَعَاني الْقُرْآن إِنْكَار ذَلِك وَهل جعل الله سُبْحَانَهُ فِي فطر الْعباد اسْتِوَاء الْعدْل وَالظُّلم والصدق وَالْكذب والفجور والعفة وَالْإِحْسَان والإساءة وَالصَّبْر وَالْعَفو وَالِاحْتِمَال والطيش والانتقام والحدة وَالْكَرم والسماحة والبذل وَالْبخل وَالشح والإمسام بل الْفطْرَة على الْفرْقَان بَين ذَلِك كالفطرة على قبُول الأغذية النافعة وَترك مَالا ينفع وَلَا يغذي وَلَا فرق فِي الْفطْرَة بَينهمَا أصلا وَإِذا تَأَمَّلت الشَّرِيعَة الَّتِي بعث الله بهَا رَسُوله حق التَّأَمُّل وَجدتهَا من أَولهَا إِلَى آخرهَا شاهدة بذلك ناطقة بِهِ وَوجدت الْحِكْمَة والمصلحة وَالْعدْل وَالرَّحْمَة باديا على صفحاتها مناديا عَلَيْهَا يَدْعُو الْعُقُول والألباب إِلَيْهَا وَأَنه لَا يجوز على أحكم الْحَاكِمين وَلَا يَلِيق بِهِ أَن يشرع لِعِبَادِهِ مَا يضادها وَذَلِكَ لِأَن الَّذِي شرعها علم مَا فِي خلَافهَا من الْمَفَاسِد والقبائح وَالظُّلم والسفه الَّذِي يتعالى عَن أَرَادَتْهُ وشرعه وَأَنه لَا يصلح الْعباد إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا سَعَادَة لَهُم بِدُونِهَا الْبَتَّةَ فَتَأمل محَاسِن الْوضُوء بَين يَدي الصَّلَاة وَمَا تضمنه من النَّظَافَة والنزاهة ومجانبة الأوساخ والمستقذرات وَتَأمل كَيفَ وضع على الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ آلَة الْبَطْش وَالْمَشْي وَمجمع الْحَواس الَّتِي تعلق أَكثر الذُّنُوب والخطايا بهَا وَلِهَذَا خصها النَّبِي صلى الله علية وَسلم بِالذكر فِي قَوْله إِن الله كتب على ابْن آدم حَظه من الزِّنَا أدْرك ذَلِك وَلَا محَالة فالعين تَزني وزناها النّظر وَالْأُذن تَزني وزناها الِاسْتِمَاع وَالْيَد تَزني وزناها الْبَطْش وَالرجل تَزني وزناها الْمَشْي وَالْقلب يتمني ويشتهي والفرج يصدق ذَلِك ويكذبه فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَعْضَاء هِيَ أَكثر الْأَعْضَاء مُبَاشرَة للمعاصي كَانَ وسخ الذُّنُوب ألصق بهَا وأعلق من غَيرهَا فشرع أحكم الْحَاكِمين الْوضُوء عَلَيْهَا ليتضمن نظافتها وطهارتها من الأوساخ الحسية وأوساخ الذُّنُوب والمعاصي وَقد أَشَارَ النَّبِي إِلَى هَذَا الْمَعْنى بقوله إِذا تَوَضَّأ العَبْد الْمُسلم خرجت خطاياه مَعَ المَاء أَو مَعَ آخر قَطْرَة من المَاء حَتَّى يخرج من تَحت أَظْفَاره وَقَالَ أَبُو إِمَامَة يَا رَسُول الله كَيفَ الْوضُوء فَقَالَ أما فَإنَّك إِذا تَوَضَّأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بَين أظفارك وَأَنا ملك فَإِذا مضمضت واستنشقت بمنخريك وغسلت وَجهك ويديك إِلَى الْمرْفقين ومسحت
стр. 327
برأسك وغسلت رجليك إِلَى الْكَعْبَيْنِ اغْتَسَلت من عَامَّة خطاياك فَإِن أَنْت وضعت وَجهك لله خرجت من خطاياك كَيَوْم وَلدتك أمك رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة فاقتضت حِكْمَة أحكم الْحَاكِمين وَرَحمته أَن شرع الْوضُوء على هَذِه الْأَعْضَاء الَّتِي هِيَ أَكثر الْأَعْضَاء مُبَاشرَة للمعاصي وَهِي الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة البارزة للغبار والوسخ أَيْضا وَهِي أسهل الْأَعْضَاء غسلا فَلَا يشق تكْرَار غسلهَا فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَكَانَت الْحِكْمَة الباهرة فِي شرع الْوضُوء عَلَيْهَا دون سَائِر الْأَعْضَاء وَهَذَا يدل على أَن الْمَضْمَضَة من آكِد أَعْضَاء الْوضُوء وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي يداوم عَلَيْهَا وَلم ينْقل عَنهُ بِإِسْنَاد قطّ أَنه أخل بهَا يَوْمًا وَاحِدًا وَهَذَا يدل على أَنَّهَا فرض لَا يَصح الْوضُوء بِدُونِهَا كَمَا هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب أَحْمد وَغَيره من السّلف فَمن سوى بَين هَذِه الْأَعْضَاء وَغَيرهَا وَجعل تَعْيِينهَا بِمُجَرَّد الْأَمر الْخَالِي عَن الْحِكْمَة والمصلحة فقد ذهب مذهبا فَاسِدا فَكيف إِذا زعم مَعَ ذَلِك أَنه لَا فرق فِي نفس الْأَمر بَين التَّعَبُّد بذلك وَبَين أَن يتعبد بِالنَّجَاسَةِ وأنواع الأقذار والأوساخ والأنتان والرائحة الكريهة وَيجْعَل ذَلِك مَكَان الطَّهَارَة وَالْوُضُوء وَأَن الْأَمريْنِ سَوَاء وَإِنَّمَا يحكم بِمُجَرَّد الْمَشِيئَة بِهَذَا الْأَمر دون ضِدّه وَلَا فرق بَينهمَا فِي نفس الْأَمر وَهَذَا قَول تصَوره كَاف فِي الْجَزْم بِبُطْلَانِهِ وَجَمِيع مسَائِل الشَّرِيعَة كَذَلِك آيَات بَيِّنَات ودلالات واضحات وشواهد ناطقات بِأَن الَّذِي شرعها لَهُ الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالْعلم الْمُحِيط وَالرَّحْمَة والعناية بعباده وَإِرَادَة الصّلاح لَهُم وسوقهم بهَا إِلَى كمالهم وعواقبهم الحميدة وَقد نبه سُبْحَانَهُ عباده على هَذَا فَقَالَ يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَى قَوْله ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه لم يَأْمُرهُم بذلك حرجا عَلَيْهِم وتضييقا ومشقة وَلَكِن إِرَادَة تطهيرهم وإتمام نعْمَته عَلَيْهِم ليشكروه على ذَلِك فَلهُ الْحَمد كَمَا هُوَ أَهله وكما يَنْبَغِي لكرم وَجهه وَعز جَلَاله فَإِن قيل فَمَا جوابكم عَن الْأَدِلَّة الَّتِي ذكرهَا نفاة التحسين والتقبيح على كثرتها
قيل قد كفونا بِحَمْد الله مُؤنَة إِبْطَالهَا بقدحهم فِيهَا وَقد أبطلها كلهَا وَاعْترض عَلَيْهَا فضلاء اتباعها وأصحابها أَبُو عبد الله ابْن الْخَطِيب وَأَبُو الْحُسَيْن الآمدى وَاعْتمد كل مِنْهُم على مَسْلَك من أفسد المسالك وَاعْتمد القَاضِي على مَسْلَك من جنسهما فِي الْمَفَاسِد فاعتمد هَؤُلَاءِ الْفُضَلَاء على ثَلَاث مسالك فَاسِدَة وتعرضوا لإبطال مَا سواهَا والقدح فِيهِ وَنحن نذْكر مسالكهم الَّتِي اعتمدوا عَلَيْهَا ونبين فَسَادهَا وبطلانها فَأَما ابْن الْخَطِيب فاعتمد على المسلك الْمَشْهُور وَهُوَ أَن فعل العَبْد غير اخْتِيَاري وَمَا لَيْسَ بِفعل اخْتِيَاري لَا يكون حسنا وَلَا قبيحا عقلا بالِاتِّفَاقِ لِأَن الْقَائِلين بالْحسنِ والقبح العقليين يعترفون بِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون كَذَلِك إِذا كَانَ اختياريا وَقد ثَبت أَنه اضطراري فَلَا يُوصف بِحسن وَلَا قبح على المذهبين أما بَيَان كَونه غير اخْتِيَاري
стр. 328
فَلِأَنَّهُ أَن لم يتَمَكَّن العَبْد من فعله وَتَركه فَوَاضِح وَأَن كَانَ مُتَمَكنًا من فعله وَتَركه كَانَ جَائِزا فَأَما أَن يفْتَقر تَرْجِيح الفاعلية على التاركية إِلَى مُرَجّح أَولا فَأن لم يفْتَقر كَانَ اتفاقيا والاتفاق لَا يُوصف بالْحسنِ والقبح وان افْتقر إِلَى مُرَجّح فَهُوَ مَعَ مرجحه أما أَن يكون لَازِما وَأما جَائِزا فَإِن كَانَ لَازِما فَهُوَ اضطراري وَأَن كَانَ جَائِزا عَاد التَّقْسِيم فإمَّا أَن ينتهى إِلَى مَا يكون لَازِما فَيكون ضَرُورِيًّا أَولا فينتهى إِلَيْهِ فيتسلسل وَهُوَ محَال أَن يكون إتفاقيا فَلَا يُوصف بِحسن وَلَا قبح فَهَذَا الدَّلِيل هُوَ الَّذِي يصول بِهِ ويجول وَيثبت بِهِ الْجَبْر وَيرد بِهِ على الْقَدَرِيَّة وينفي بِهِ التحسين والتقبيح وَهُوَ فَاسد من وُجُوه مُتعَدِّدَة أَحدهَا أَنه يتَضَمَّن التَّسْوِيَة بَين الْحَرَكَة الضرورية والاختيارية وَعدم التَّفْرِيق بَينهمَا وَهُوَ بَاطِل بِالضَّرُورَةِ والحس وَالشَّرْع فالاستدلال على أَن فعل العَبْد غير اخْتِيَاري اسْتِدْلَال على مَا هُوَ مَعْلُوم الْبطلَان ضَرُورَة وحسا وَشرعا فَهُوَ بِمَنْزِلَة الِاسْتِدْلَال على الْجمع بَين النقيضين وعَلى وجود الْمحَال
الْوَجْه الثَّانِي لَو صَحَّ الدَّلِيل الْمَذْكُور لزم مِنْهُ أَن يكون الرب تَعَالَى غير مُخْتَار فِي فعله لِأَن التَّقْسِيم الْمَذْكُور والترديد جَار فِيهِ بِعَيْنِه بِأَن يُقَال فعله تَعَالَى إِمَّا أَن يكون لَازِما أَو جَائِزا فان كَانَ لَازِما كَانَ ضَرُورِيًّا وان كَانَ جَائِزا فان احْتَاجَ إِلَى مُرَجّح عَاد التَّقْسِيم وَإِلَّا فَهُوَ اتفاقي وَيَكْفِي فِي بطلَان الدَّلِيل الْمَذْكُور إِن يسْتَلْزم كَون الرب غير مُخْتَار الْوَجْه الثَّالِث أَن الدَّلِيل الْمَذْكُور لَو صَحَّ لزم بطلَان الْحسن والقبح الشرعيين لِأَن فعل العَبْد ضَرُورِيّ أَو اتفاقي وَمَا كَانَ كَذَلِك فَإِن الشَّرْع لَا يُحسنهُ وَلَا يقبحه لِأَنَّهُ لَا يرد بالتكليف بِهِ فضلا عَن أَن يَجعله مُتَعَلق الْحسن والقبح
الْوَجْه الرَّابِع قَوْله إِمَّا أَن يكون الْفِعْل لَازِما أَو جَائِزا قُلْنَا هُوَ لَازم عِنْد مرجحه التَّام وَكَانَ مَاذَا قَوْلك يكون ضَرُورِيًّا أتعني بِهِ أَنه لَا بُد مِنْهُ أَو تَعْنِي بِهِ أَنه لَا يكون اختياريا فَإِن عنيت الأول منعنَا انْتِفَاء اللَّازِم فانه لَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون غير مُخْتَار وَيكون حَاصِل الدَّلِيل إِن كَانَ لَا بُد مِنْهُ فَلَا بُد مِنْهُ وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون غير اخْتِيَاري وَإِن عنيت الثَّانِي وَهُوَ أَنه لَا يكون اختياريا منعنَا الْمُلَازمَة إِذْ لَا يلْزم من كَونه لَا بُد مِنْهُ أَن يكون غير اخْتِيَاري وَأَنت لم تذكر على ذَلِك دَلِيلا بل هِيَ دَعْوَى مَعْلُومَة الْبطلَان بِالضَّرُورَةِ الْوَجْه الْخَامِس أَن يُقَال هُوَ جَائِز قَوْلك أما أَن يتَوَقَّف ترجح الفاعلية على التاركية على مُرَجّح أَولا قُلْنَا يتَوَقَّف على مُرَجّح قَوْلك عِنْد الْمُرَجح إِمَّا أَن يجب أَو يبْقى جَائِزا قُلْنَا هُوَ وَاجِب بالمرجح جَائِز بِالنّظرِ إِلَى ذَاته والمرجح هُوَ الإختيار وَمَا وَجب بالإختيار لَا يُنَافِي أَن يكون اختياريا فلزوم الْفِعْل بالإختيار لَا يُنَافِي كَونه اختياريا الْوَجْه السَّادِس أَن هَذَا الدَّلِيل الَّذِي ذكرته بِعَيْنِه حجَّة على أَنه اخْتِيَاري لِأَنَّهُ وَجب بِالِاخْتِيَارِ وَمَا وَجب بِالِاخْتِيَارِ لَا يكون إِلَّا اختياريا وَإِلَّا كَانَ اختياريا غير اخْتِيَاري وَهُوَ جمع بَين النقيضين وَالدَّلِيل الْمَذْكُور حجَّة على
стр. 329
فَسَاد قَوْلك وَأَن الْفِعْل الْوَاجِب بالإختيار اخْتِيَاري الْوَجْه السَّابِع أَن صُدُور الْفِعْل عَن الْمُخْتَار بِشَرْط تعلق اخْتِيَاره بِهِ لَا يُنَافِي كَونه مَقْدُورًا لَهُ وَإِلَّا كَانَت إِرَادَته وَقدرته غير مَشْرُوطَة فِي الْفِعْل وَهُوَ محَال وَإِذا لم يناف ذَلِك كَونه مَقْدُورًا فَهُوَ اخْتِيَاري قطعا
الْوَجْه الثَّامِن قَوْلك إِن لم يتَوَقَّف على مُرَجّح فَهُوَ اتفاقي إِن عنيت بالمرجح مَا يخرج الْفِعْل عَن أَن يكون اختياريا ويجعله اضطراريا فَلَا يلْزم من نفي هَذَا الْمُرَجح كَونه اتفاقيا إِذْ هَذَا مُرَجّح خَاص وَلَا يلْزم من نفي الْمُرَجح الْمعِين نفي مُطلق الْمُرَجح فَمَا الْمَانِع من أَن يتَوَقَّف على مُرَجّح وَلَا يَجعله اضطراريا غير اخْتِيَاري وان عنيت بالمرجح مَا هُوَ أَعم من ذَلِك لم يلْزم من توقفه على الْمُرَجح الْأَعَمّ أَن يكون غير اخْتِيَاري لِأَن الْمُرَجح هُوَ الِاخْتِيَار وَمَا ترجح بِالِاخْتِيَارِ لم يمْتَنع كَونه اختياريا الْوَجْه التَّاسِع قَوْلك وَإِن لم يتَوَقَّف على مُرَجّح فَهُوَ اتفاقي مَا تَعْنِي بالاتفاقي أتعني بِهِ مَا لَا فَاعل لَهُ أَو مَا فَاعله مُرَجّح بِاخْتِيَارِهِ أَو معنى ثَالِثا فَإِن عنيت الأول لم يلْزم من عدم الْمُرَجح الْمُوجب كَونه اضطراريا أَن يكون الْفِعْل صادرا من غير فَاعل وَإِن عنيت الثَّانِي لم يلْزم مِنْهُ كَونه اضطراريا وَإِن عنيت معنى ثَالِثا فابده الْوَجْه الْعَاشِر أَن غَايَة هَذَا الدَّلِيل أَن يكون الْفِعْل لَازِما عِنْد وجود سَببه وَأَنت لم تقم دَلِيلا على أَن مَا كَانَ كَذَلِك يمْتَنع تحسينه وتقبيحه سوى الدعْوَة الْمُجَرَّدَة فَأَيْنَ الدَّلِيل على أَن مَا كَانَ لَازِما بِهَذَا الِاعْتِبَار يمْتَنع تحسينه وتقبيحه ودليلك إِنَّمَا يدل على أَن مَا كَانَ غير اخْتِيَاري من الْأَفْعَال امْتنع تحسينه وتقبيحه فَمحل النزاع لم يتَنَاوَلهُ الدَّلِيل الْمَذْكُور وَمَا تنَاوله وَصحت مقدماته فَهُوَ غير متنازع فِيهِ فدليلك لم يفد شَيْئا الْوَجْه الْحَادِي عشر ان قَوْلك يلْزم أَن لَا يُوصف بِحسن وَلَا قبح على المذهبين بَاطِل فال منازعيك إِنَّمَا يمْنَعُونَ من وصف الْفِعْل بالْحسنِ والقبح إِذا لم يكن مُتَعَلق الْقُدْرَة وَالِاخْتِيَار أما مَا وَجب بِالْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَار فَإِنَّهُم لَا يساعدونك على امْتنَاع وَصفه بالْحسنِ والقبح أبدا الْوَجْه الثَّانِي عشر أَن هَذَا الدَّلِيل لوصح لزم بطلَان الشَّرَائِع والتكاليف جملَة لِأَن التَّكْلِيف إِنَّمَا يكون بالأفعال الاختيارية إِذْ يَسْتَحِيل أَن يُكَلف المرتعش بحركة يَده وَأَن يُكَلف المحموم بتسخين جلده والمقرور بقره وَإِذا كَانَت الْأَفْعَال اضطرارية غير اختيارية لم يتَصَوَّر تعلق التَّكْلِيف وَالْأَمر والنهى بهَا فَلَو صَحَّ الدَّلِيل الْمَذْكُور لبطلت الشَّرَائِع جملَة فَهَذَا هُوَ الدَّلِيل الَّذِي اعْتَمدهُ ابْن الْخَطِيب وابطل أَدِلَّة غَيره وَأما الدَّلِيل الَّذِي اعْتمد عَلَيْهِ الْآمِدِيّ فَهُوَ أَن حسن الْفِعْل لَو كَانَ أمرا زَائِدا على ذَاته لزم قيام الْمَعْنى وَهُوَ محَال لِأَن الْعرض لَا يقوم بِالْعرضِ وَهَذَا فِي الْبطلَان من جنس مَا قبله فَإِنَّهُ منقوض مَالا يحصي من الْمعَانِي الَّتِي تُوصَف بالمعاني كَمَا يُقَال علم ضَرُورِيّ وَعلم كسبي وَإِرَادَة جازمة وحركة سريعة وحركة بطيئة وحركة مستديرة وحركة مُسْتَقِيمَة ومزاج معتدل ومزاج منحرف وَسَوَاد براق وَحُمرَة قانية وخضرة ناصعة ولون مشرق وَصَوت شج وحس رخيم ورفيع
стр. 330
ودقيق وغليظ وأضعاف أَضْعَاف ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى مِمَّا تُوصَف الْمعَانِي والأعراض فِيهِ بمعان وأعراض وجودية وَمن أدعى أَنَّهَا عدمية فَهُوَ مكابر وَهل شكّ أحد فِي وصف الْمعَانِي بالشدة والضعف فَيُقَال هم شَدِيد وَحب شَدِيد وحزن شَدِيد وألم شَدِيد ومقابلها فوصف الْمعَانِي بصفاتها أَمر مَعْلُوم عِنْد كل الْعُقَلَاء الْوَجْه الثَّانِي أَن قَوْله يلْزم مِنْهُ قيام الْمَعْنى بِالْمَعْنَى غير صَحِيح بل الْمَعْنى يُوصف بِالْمَعْنَى وَيقوم بِهِ تبعا لقِيَامه بالجوهر الَّذِي هُوَ الْمحل فَيكون المعنيان جَمِيعًا قَائِمين بِالْمحل وَأَحَدهمَا تَابع للْآخر وَكِلَاهُمَا تبع للمحل فَمَا قَامَ الْعرض بِالْعرضِ وَإِنَّمَا قَامَ العرضان جَمِيعًا بالجوهر فالحركة والسرعة قائمتان بالمتحرك وَالصَّوْت وشجاه وغلظه ودقته وَحسنه وقبحه قَائِمَة بالحامل لَهُ والمحال إِنَّمَا هُوَ قيام الْمَعْنى بِالْمَعْنَى من غير أَن يكون لَهما حَامِل فَأَما إِذا كَانَ لَهما حَامِل وَأَحَدهمَا صفة للْآخر وَكِلَاهُمَا قَامَ بِالْمحل الْحَامِل فَلَيْسَ بمحال وَهَذَا فِي غَايَة الوضوح
الْوَجْه الثَّالِث أَن حسن الْفِعْل وقبحه شرعا أَمر زَائِد عَلَيْهِ لِأَن الْمَفْهُوم مِنْهُ زَائِد على الْمَفْهُوم من نفس الْفِعْل وهما وجوديان لاعدميان لِأَن نقيضهما يحمل على الْعَدَم فَهُوَ عدمي فهما إِذا وجوديان لِأَن كَون أحد النقيضين عدميا يسْتَلْزم كَون نقيضه وجوديا فَلَو صَحَّ دليلكم الْمَذْكُور لزم أَن لَا يُوصف بالْحسنِ والقبح شرعا وَلَا خلاص عَن هَذَا إِلَّا بِالْتِزَام كَون الْحسن والقبح الشرعيين عدميين وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ لِأَن الثَّوَاب وَالْعِقَاب والمدح والذم مُرَتّب عَلَيْهِمَا ترَتّب الآثر على مؤثره الْمُقْتَضى على مقتضيه وَمَا كَانَ كَذَلِك لم يكن عدما مَحْضا إِذْ الْعَدَم الْمَحْض لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَلَا مدح وَلَا ذمّ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا معنى لكَون الْفِعْل حسنا وقبيحا شرعا إِلَّا أَنه يشْتَمل على صفة لأَجلهَا كَانَ حسنا محبوبا للرب مرضيا لَهُ مُتَعَلقا للمدح وَالثَّوَاب وَكَون الْقَبِيح مُشْتَمِلًا على صفة لأَجلهَا كَانَ قبيحا مبغوضا للرب مُتَعَلقَة للذم وَالْعِقَاب وَهَذِه أُمُور وجودية ثَابِتَة لَهُ فِي نَفسه ومحبة الرب لَهُ وَأمره بِهِ كَسَاه أمرا وجوديا زَاده حسنا إِلَى حسنه وَبَعضه لَهُ وَنَهْيه عَنهُ كَسَاه أمرا وجوديا زَاده قبحا إِلَى قبحه فَجعل ذَلِك كُله عدما مَحْضا ونفيا صرفا لَا يرجع إِلَى أَمر ثبوتي فِي غَايَة الْبطلَان والإحالة وَظهر والإحالة وَظهر أَن هَذَا الدَّلِيل فِي غَايَة الْبطلَان وَلم نتعرض للوجوه الَّتِي قَدَحُوا بهَا فِيهِ فَإِنَّهَا مَعَ طولهَا غير شافية وَلَا مقنعة فَمن اكْتفى بهَا فَهِيَ مَوْجُودَة فِي كتبهمْ وَأما المسلك الَّذِي اعْتَمدهُ كثير مِنْهُم كَالْقَاضِي وَأبي الْمَعَالِي وَأبي عَمْرو بن الْحَاجِب من الْمُتَأَخِّرين فَهُوَ أَن الْحسن والقبح لَو كَانَا ذاتيين لما اخْتلفَا باخْتلَاف الْأَحْوَال والمتعلقات والأزمان وَلَا ستحال وُرُود النّسخ على الْفِعْل لِأَن مَا ثَبت للذات فَهُوَ بَاقٍ ببقائها لَا يَزُول وَهِي بَاقِيَة وَمَعْلُوم أَن الْكَذِب يكون حسنا إِذا تضمن عصمَة دم نَبِي أَو مُسلم وَلَو كَانَ قبحه ذاتيا لَهُ لَكَانَ قبيحا ايْنَ وجد وَكَذَلِكَ مَا نسخ من الشَّرِيعَة لَو كَانَ حسنه لذاته لم يسْتَحل قبيحا وَلَو كَانَ قبحه لذاته لم يسْتَحل حسنا بالنسخ قَالُوا وَأَيْضًا لَو كَانَ ذاتيا لاجتمع النقيضان فِي صدق من
стр. 331
قَالَ لأكذبن غَدا إِذا فَإِنَّهُ لَا يخلوا إِمَّا أَن يكذب فِي الْغَد أَو يصدق فَإِن كذب لزم قبحه لكَونه كذبا وَحسنه لاستلزامه مُصدق الْخَبَر الأول والمستلزم لِلْحسنِ حسن فيجتمع فِي الْخَبَر الثَّانِي الْحسن والقبح وهما نقيضان وَإِن صدق لزم حسن الْخَبَر الثَّانِي من حَيْثُ أَنه صدق فِي نَفسه وقبحه من حَيْثُ أَنه مُسْتَلْزم لكذب الْخَبَر الأول فَلَزِمَ النقيضان قَالُوا وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْقَتْل وَالْجَلد وَقطع الاطراف قبيحا لذاته أَو لصفة لَازِمَة للذات لم يكن حسنا فِي الْحُدُود وَالْقصاص لِأَن مُقْتَضى الذَّات لَا يتَخَلَّف عَنْهَا فَإِذا تخلف فِيمَا ذكرنَا من الصُّور وَغَيرهَا دلّ على أَنه لَيْسَ ذاتيا فَهَذَا تَقْرِير هَذَا المسلك وَهُوَ من أفسد المسالك لوجوه أَحدهَا أَن كَون الْفِعْل حسنا أَو قبيحا لذاته أَو لصفة لم يعن بِهِ أَن ذَلِك يقوم بِحَقِيقَة لَا يَنْفَكّ عَنْهَا بِحَال مثل كَونه عرضا وَكَونه مفتقرا إِلَى مَحل يقوم بِهِ وَكَون الْحَرَكَة حَرَكَة والسواد لونا وَمن هَا هُنَا غلط علينا المنازعون لنا فِي المسئلة وألزمونا مَالا يلْزمنَا وَإِنَّمَا نعنى بِكَوْنِهِ حسنا أَو قبيحا لذاته أَو لصفته أَنه فِي نَفسه منشأ للْمصْلحَة والمفسدة وترتيبهما عَلَيْهِ كترتيب المسببات على أَسبَابهَا الْمُقْتَضِيَة لَهَا وَهَذَا كترتيب الرّيّ على الشّرْب والشبع على الْأكل وترتب مَنَافِع الأغذية والأدوية ومضارها عَلَيْهَا فَحسن الْفِعْل أَو قبحه هُوَ من جنس كَون الدَّوَاء الْفُلَانِيّ حسنا نَافِعًا أَو قبيحا ضارا وَكَذَلِكَ الْغذَاء واللباس والمسكن وَالْجِمَاع والاستفراغ وَالنَّوْم والرياضة وَغَيرهَا فَإِن ترَتّب آثارها عَلَيْهَا ترَتّب المعلومات والمسببات على عللها وأسبابها وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهَا تخْتَلف باخْتلَاف الْأَزْمَان وَالْأَحْوَال والأماكن وَالْمحل الْقَابِل وَوُجُود الْمعَارض فَتخلف الشِّبَع والري عَن الْخبز وَاللَّحم وَالْمَاء فِي حق الْمَرِيض وَمن بِهِ عِلّة تَمنعهُ من قبُول الْغذَاء لاتخرجه عَن كَونه مقتضيا لذَلِك حَتَّى يُقَال لَو كَانَ كَذَلِك لذاته لم يتَخَلَّف لِأَن مَا بِالذَّاتِ لَا يتَخَلَّف وَكَذَلِكَ تخلف الِانْتِفَاع بالدواء فِي شدَّة الْحر وَالْبرد وَفِي وَقت تزايد الْعلَّة لَا يُخرجهُ عَن كَونه نَافِعًا فِي ذَاته وَكَذَلِكَ تخلف الِانْتِفَاع باللباس فِي زمن الْحر مثلا لَا يدل على أَنه لَيْسَ فِي ذَاته نَافِعًا وَلَا حسنا فَهَذِهِ قوى الأغذية والأدوية واللباس وَمَنَافع الْجِمَاع وَالنَّوْم تتخلف عَنْهَا آثارها زَمَانا ومكانا وَحَالا وبحسب الْقبُول والاستعداد فَتكون نافعة حَسَنَة فِي زمَان دون زمَان وَمَكَان دون وَحَال دون حَال وَفِي حق طَائِفَة أَو شخص دون غَيرهم وَلم يُخرجهَا ذَلِك عَن كَونهَا مقتضية لآثارها بقواها وصفاتها فَهَكَذَا أوَامِر الرب ﵎ وشرائعه سَوَاء يكون الْأَمر منشأ الْمصلحَة وتابعا للْمَأْمُور فِي وَقت دون وَقت فيأمره بِهِ ﵎ فِي الْوَقْت الَّذِي علم أَنه مصلحَة فِيهِ ثمَّ ينْهَى عَنهُ فِي الْوَقْت الَّذِي يكون فعله فِيهِ مفْسدَة على نَحْو مَا يَأْمر الطَّبِيب بالدواء وَالْحمية فِي وَقت هُوَ مصلحَة للْمَرِيض وينهاه عَنهُ فِي الْوَقْت الَّذِي يكون تنَاوله مفْسدَة لَهُ بل أحكم الْحَاكِمين الَّذِي بهرت حكمته الْعُقُول أولى بمراعاة مصَالح عباده ومفاسدهم فِي الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال والأماكن والأشخاص وَهل وضعت الشَّرَائِع إِلَّا على هَذَا فَكَانَ نِكَاح الْأُخْت حسنا فِي وقته حَتَّى لم يكن بُد مِنْهُ فِي التناسل
стр. 332
وَحفظ النَّوْع الإنساني ثمَّ صَار قبيحا لما اسْتغنى عَنهُ فحرمه على عباده فأباحه فِي وَقت كَانَ فِيهِ حسنا وَحرمه فِي وَقت صَار فِيهِ قبيحا وَكَذَلِكَ كل مَا نسخه من الشَّرْع بل الشَّرِيعَة الْوَاحِدَة كلهَا لَا تخرج عَن هَذَا وَإِن خَفِي وَجه الْمصلحَة والمفسدة فِيهِ على أَكثر النَّاس وَكَذَلِكَ إِبَاحَة الْغَنَائِم كَانَ قبيحا فِي حق من قبلنَا لِئَلَّا تحملهم إباحتها على الْقِتَال لأَجلهَا وَالْعَمَل لغير الله فتفوت عَلَيْهِم مصلحَة الْإِخْلَاص الَّتِي هِيَ أعظم الْمصَالح فحمى أحكم الْحَاكِمين جَانب هَذِه الْمصلحَة الْعَظِيمَة بتحريمها عَلَيْهِم ليتمحض قِتَالهمْ لله لَا للدنيا فَكَانَت الْمصلحَة فِي حَقهم تَحْرِيمهَا عَلَيْهِم ثمَّ لما أوجد هَذِه الْأمة الَّتِي هِيَ أكمل الْأُمَم عقولا وأرسخهم إِيمَانًا وأعظمهم توحيدا وإخلاصا وأرغبهم فِي الْآخِرَة وأزهدهم فِي الدُّنْيَا أَبَاحَ لَهُم الْغَنَائِم وَكَانَت إباحتها حَسَنَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَإِن كَانَت قبحة بِالنِّسْبَةِ إِلَى من قبلهم فَكَانَت كإباحة الطَّبِيب اللَّحْم للصحيح الَّذِي لَا يخْشَى عَلَيْهِ من مضرته وحميته مِنْهُ للْمَرِيض المحموم وَهَذَا الحكم فِيمَا شرع فِي الشَّرِيعَة الْوَاحِدَة فِي وَقت ثمَّ نسخ فِي وَقت آخر كالتخيير فِي الصَّوْم فِي أول الْإِسْلَام بَين الْإِطْعَام وَبَينه لما كَانَ غير مألوف لَهُم وَلَا مُعْتَاد والطباع تأباه إِذْ هُوَ هجر مألوفها ومحبوبها وَلم تذق بعد حلاوته وعواقبه المحمودة وَمَا فِي طيه من الْمصَالح وَالْمَنَافِع فخيرت بَينه وَبَين الْإِطْعَام وندبت إِلَيْهِ فَلَمَّا عرفت علته يَعْنِي حكمته وَالْفِقْه وَعرفت مَا تضمنه من الْمصَالح والفوائد حتم عَلَيْهَا عينا وَلم يقبل مِنْهَا سَوَاء فَكَانَ التَّخْيِير فِي وقته مصلحَة وَتَعْيِين الصَّوْم فِي وقته مصلحَة فاقتضت الْحِكْمَة الْبَالِغَة شرع كل حكم فِي وقته لِأَن الْمصلحَة فِيهِ فِي ذَلِك الْوَقْت وَكَانَ فرض الصَّلَاة أَولا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ لما كَانُوا حَدِيثي عهد بِالْإِسْلَامِ وَلم يَكُونُوا معتادين لَهَا وَلَا ألفتها طباعهم وعقولهم فرضت عَلَيْهِم بِوَصْف التَّخْفِيف فَلَمَّا ذالت بهَا جوارحهم وطوعت بهَا أنفسهم وأطمأنت اليها قُلُوبهم وباشرت نعيمها لذتها وطيبها وذاقت حلاوة عبودية الله فِيهَا وَلَذَّة مناجاته زيدت ضعفها وأقرت فِي السّفر على الْفَرْض الأول لحَاجَة الْمُسَافِر إِلَى التَّخْفِيف ولمشقة السّفر عَلَيْهِ فَتَأمل كَيفَ جَاءَ كل حكم فِي وقته مطابقا للْمصْلحَة وَالْحكمَة شَاهدا لله بِأَنَّهُ أحكم الْحَاكِمين وأرحم الرَّاحِمِينَ الَّذِي بهرت حكمته الْعُقُول والألباب وبدا على صفحاتها بِأَن مَا خالفها هُوَ الْبَاطِل وَأَنَّهَا هِيَ عين الْمصلحَة وَالصَّوَاب وَمن هَذَا أمره سُبْحَانَهُ لَهُم بالأعراض عَن الْكَافرين وَترك آذاهم وَالصَّبْر عَلَيْهِم وَالْعَفو عَنْهُم لما كَانَ ذَلِك عين الْمصلحَة لقلَّة عدد الْمُسلمين وَضعف شوكتهم وَغَلَبَة عدوهم فَكَانَ هَذَا فِي حَقهم إِذْ ذَاك عين الْمصلحَة فَلَمَّا تحيزوا إِلَى دَار وَكثر عَددهمْ وقويت شوكتهم وتجرأت أنفسهم لمناجزة عدوهم أذن لَهُم فِي ذَلِك أذنا من غير إِيجَاب عَلَيْهِم ليذيقهم حلاوة النَّصْر وَالظفر وَعز الْغَلَبَة وَكَانَ الْجِهَاد أشق شَيْء على النُّفُوس فَجعله أَولا إِلَى اختيارهم إِذْنا لاحتما فَلَمَّا ذاقوا عز النَّصْر
стр. 333
وَالظفر وَعرفُوا عواقبه الحميدة أوجبه عَلَيْهِم حتما فانقادوا لَهُ طَوْعًا ورغبة ومحبة فَلَو أَتَاهُم الْأَمر بِهِ مفاجأة على ضعف وَقلة لنفروا عَنهُ أَشد النفار وَتَأمل الْحِكْمَة الباهرة فِي شرع الصَّلَاة أَولا إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِذْ كَانَت قبْلَة الْأَنْبِيَاء فَبعث بِمَا بعث بِهِ الرُّسُل وَبِمَا يعرفهُ أهل الْكتاب وَكَانَ اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس مقررا لنبوته وَأَنه بعث بِمَا بعث بِهِ الْأَنْبِيَاء قبله وَإِن دَعوته هِيَ دَعْوَة الرُّسُل بِعَينهَا وَلَيْسَ بدعا من الرُّسُل وَلَا مُخَالفا لَهُم بل مُصدقا لَهُم مُؤمنا بهم فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ أَعْلَام نبوته فِي الْقُلُوب وَقَامَت شَوَاهِد صدقه من كل جِهَة وَشهِدت الْقُلُوب لَهُ بِأَنَّهُ رَسُول الله حَقًا وَإِن أَنْكَرُوا رسَالَته عنادا وحسدا وبغيا وَعلم سُبْحَانَهُ أَن الْمصلحَة لَهُ ولأمته أَن يستقبلوا الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام افضل بقاع الارض وأحبها إِلَى الله وَأعظم الْبيُوت وَأَشْرَفهَا وأقدمها قرر قبله أمورا كالمقدمات بَين يَدَيْهِ لعظم شَأْنه فَذكر النّسخ أَولا وَأَنه إِذا نسخ آيَة أَو حكما أَتَى بِخَير مِنْهُ أَو مثله وَأَنه على كل شَيْء قدير وَأَن لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض ثمَّ حذرهم التعنت على رَسُوله والإعراض كَمَا فعل أهل الْكتاب قبلهم ثمَّ حذرهم من أهل الْكتاب وعداوتهم وَأَنَّهُمْ يودون لَو ردوهم كفَّارًا فَلَا يسمعوا مِنْهُم وَلَا يقبلُوا قَوْلهم ثمَّ ذكر تَعْظِيم دين الْإِسْلَام وتفضيله على الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَأَن أَهله هم السُّعَدَاء الفائزون لَا أهل الْأَمَانِي الْبَاطِلَة ثمَّ ذكر اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَشَهَادَة بَعضهم على بعض بِأَنَّهُم لَيْسُوا على شَيْء فحقيق بِأَهْل الْإِسْلَام إِن لَا يقتدوا بهم وَأَن يخالفوهم فِي هديهم الْبَاطِل ثمَّ ذكر جرم من منع عباده من ذكر اسْمه فِي بيوته ومساجده وَأَن يعبد فِيهَا وظلمه وَأَنه بذلك ساع فِي خرابها لِأَن عمارتها إِنَّمَا هِيَ بِذكر اسْمه وعبادته فِيهَا ثمَّ بَين أَن لَهُ الْمشرق وَالْمغْرب وَأَنه سُبْحَانَهُ لعظمته وإحاطته حَيْثُ اسْتقْبل الْمصلى فثم وَجهه تَعَالَى فَلَا يظنّ الظَّان أَنه إِذا اسْتقْبل الْبَيْت الْحَرَام خرج عَن كَونه مُسْتَقْبلا ربه وقبلته فَإِن الله وَاسع عليم ثمَّ ذكر عبودية أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض لَهُ وَأَنَّهُمْ كل لَهُ قانتون ثمَّ نبه على عدم الْمصلحَة فِي مُوَافقَة أهل الْكتاب وَأَن ذَلِك لَا يعود باستصلاحهم وَلَا يُرْجَى مَعَه إِيمَانهم وَأَنَّهُمْ لن يرْضوا عَنهُ حَتَّى يتبع ملتهم وَضمن هَذَا تَنْبِيه لطيف على أَن موافقتهم فِي الْقبْلَة لَا مصلحَة فِيهَا فَسَوَاء وافقتهم فِيهَا أَو خالفتهم فَإِنَّهُم لن يرْضوا عَنْك حَتَّى تتبع ملتهم ثمَّ أخبر أَن هداه هُوَ الْهدى الْحق وحذره من اتِّبَاع أهوائهم ثمَّ انْتقل إِلَى تَعْظِيم إِبْرَاهِيم صَاحب الْبَيْت وبانيه وَالثنَاء عَلَيْهِ وَذكر إِمَامَته للنَّاس وَإنَّهُ أَحَق من اتبع ثمَّ ذكر جلالة الْبَيْت وفضله وشرفه وَأَنه أَمن للنَّاس ومثابة لَهُم يثوبون إِلَيْهِ وَلَا يقضون مِنْهُ وطرا وَفِي هَذَا تَنْبِيه على أَنه أَحَق بالاستقبال من غَيره ثمَّ أَمرهم أَن يتخذوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى ثمَّ ذكر بِنَاء إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل الْبَيْت وتطهيره بعهده وإذنه ورفعهما قَوَاعِده وسؤالهما ربهما الْقبُول مِنْهُمَا وَأَن تجعلهما مُسلمين لَهُ ويريهما مناسكهما وَيبْعَث فِي ذريتهما رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم
стр. 334
وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة ثمَّ أخبر عَن جهل من رغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم وسفه ونقصان عقله ثمَّ أكد عَلَيْهِم أَن يَكُونُوا على مِلَّة إِبْرَاهِيم وَأَنَّهُمْ إِن خَرجُوا عَنْهَا إِلَى يَهُودِيَّة أَو نَصْرَانِيَّة أَو غَيرهَا كَانُوا ضلالا غير مهتدين وَهَذِه كلهَا مُقَدمَات بَين يَدي الْأَمر باستقبال الْكَعْبَة لمن تأملها وتدبرها وَعلم ارتباطها بشأن الْقبْلَة فَإِنَّهُ يعلم بذلك عَظمَة الْقُرْآن وجلالته وتنبيهه على كَمَال دينه وَحسنه وجلالته وَأَنه هُوَ عين الْمصلحَة لِعِبَادِهِ لَا مصلحَة لَهُم سواهُ وشوق بذلك النُّفُوس إِلَى الشَّهَادَة لَهُ بالْحسنِ والكمال وَالْحكمَة التَّامَّة فَلَمَّا قرر ذَلِك كُله أعلمهم بِمَا سَيَقُولُ السُّفَهَاء من النَّاس إِذا تركُوا قبلتهم لِئَلَّا يفجأهم من غير علم بِهِ فيعظم موقعه عِنْدهم فَلَمَّا وَقع لم يهلهم وَلم يصعب عَلَيْهِم بل أخبر أَن لَهُ الْمشرق وَالْمغْرب يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ثمَّ أخبر انه كَمَا جعلهم أمة وسطا خيارا اخْتَار لَهُم أَوسط جِهَات الِاسْتِقْبَال وَخَيرهَا كَمَا اخْتَار لَهُم خير الْأَنْبِيَاء وَشرع لَهُم خير الْأَدْيَان وَأنزل عَلَيْهِم خير الْكتب وجعلهم شُهَدَاء على النَّاس كلهم لكَمَال فَضلهمْ وعلمهم وعدالتهم وَظَهَرت حكمته فِي أَن اخْتَار لَهُم أفضل قبْلَة وَأَشْرَفهَا لتتكامل جِهَات الْفضل فِي حَقهم بالقبلة وَالرَّسُول وَالْكتاب والشريعة ثمَّ نبه سُبْحَانَهُ على حكمته الْبَالِغَة فِي أَن جعل الْقبْلَة أَولا هِيَ بَيت الْمُقَدّس ليعلم سُبْحَانَهُ وَاقعا فِي الْخَارِج مَا كَانَ مَعْلُوما لَهُ قبل وُقُوعه من يتبع الرَّسُول فِي جَمِيع أَحْوَاله وينقاد لَهُ ولأوامر الرب تَعَالَى ويدين بهَا كَيفَ كَانَت وَحَيْثُ كَانَت فَهَذَا هُوَ الْمُؤمن حَقًا الَّذِي أعْطى الْعُبُودِيَّة حَقّهَا وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ مِمَّن لم يرسخ فِي الْإِيمَان قلبه وَلم يسْتَقرّ عَلَيْهِ قدمه فعارض وَأعْرض وَرجع على حَافره وَشك فِي النُّبُوَّة وخالط قلبه شُبْهَة الْكفَّار الَّذين قَالُوا أَن كَانَت الْقبْلَة الأولى حَقًا فقد خَرجْتُمْ عَن الْحق وَأَن كَانَت بَاطِلا فقد كُنْتُم على بَاطِل وضاق عقله المنكوس عَن الْقسم الثَّالِث الْحق وَهُوَ أَنَّهَا كَانَت حَقًا ومصلحة فِي الْوَقْت الأول ثمَّ صَارَت مفْسدَة بَاطِلَة الِاسْتِقْبَال فِي الْوَقْت الثَّانِي وَلِهَذَا أخبر سُبْحَانَهُ عَن عظم شَأْن هَذَا التَّحْوِيل والنسخ فِي الْقبْلَة فَقَالَ وَأَن كَانَت لكبيرة إِلَّا على الَّذين هدى الله ثمَّ أخبر أَنه سُبْحَانَهُ لم يكن يضيع مَا تقدم لَهُم من الصَّلَوَات إِلَى الْقبْلَة الأولى وَأَن رأفته وَرَحمته بهم تأبي إِضَاعَة ذَلِك عَلَيْهِم وَقد كَانَ طَاعَة لَهُم فَلَمَّا قرر سُبْحَانَهُ ذَلِك كُله وَبَين حسن هَذِه الْجِهَة بعظمة الْبَيْت وعلو شَأْنه وجلالته قَالَ قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره وأكد ذَلِك عَلَيْهِم مرّة بعد مرّة اعتناء بِهَذَا الشَّأْن وتفخيما لَهُ وَأَنه شَأْن يَنْبَغِي الاعتناء بِهِ والاحتفال بأَمْره فندبر هَذَا الاعتناء وَهَذَا التَّقْرِير وَبَيَان الْمصَالح الناشئة من هَذَا الْفَرْع من فروع الشَّرِيعَة وَبَيَان الْمَفَاسِد الناشئة من خِلَافه وان كل جِهَة فِي وَقتهَا كَانَ استقبالها هُوَ الْمصلحَة وَأَن للرب تَعَالَى الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي شرع الْقبْلَة الأولى وتحويل عباده عَنْهَا إِلَى الْمَسْجِد
стр. 335
الْحَرَام فَهَذَا معنى كَون الْحسن والقبح ذاتيا للْفِعْل لَا ناشئا من ذَاته وَلَا ريب عِنْد ذَوي الْعُقُول أَن مثل هَذَا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَزْمَان والأمكنة وَالْأَحْوَال والأشخاص وَتَأمل حِكْمَة الرب تَعَالَى فِي أمره إِبْرَاهِيم خَلِيله بِذبح وَلَده لِأَن الله اتَّخذهُ خَلِيلًا والخلة منزلَة تقتضى إِفْرَاد الْخَلِيل بالمحبة وَأَن لَا يكون لَهُ فِيهَا مُنَازع أصلا بل قد تخللت محبته جَمِيع أَجزَاء الْقلب وَالروح فَلم يبْق فِيهَا مَوضِع خَال من حبه فضلا عَن أَن يكون محلا لمحبة غَيره فَلَمَّا سَأَلَ إِبْرَاهِيم الْوَلَد وأعطيه أَخذ شُعْبَة من قلبه كَمَا يَأْخُذ الْوَلَد شُعْبَة من قلب وَالِده فغار المحبوب على خَلِيله أَن يكون فِي قلبه مَوضِع لغيره فَأمره بِذبح الْوَلَد ليخرج حبه من قلبه وَيكون الله أحب إِلَيْهِ وآثر عِنْده وَلَا يبْقى فِي الْقلب سوى محبته فوطن نَفسه على ذَلِك وعزم عَلَيْهِ فخلصت الْمحبَّة لوَلِيّهَا ومستحقها فحصلت مصلحَة الْمَأْمُور بِهِ من الْعَزْم عَلَيْهِ وتوطين النَّفس على الِامْتِثَال فَبَقيَ الذّبْح مفْسدَة لحُصُول الْمصلحَة بِدُونِهِ فنسخه فِي حَقه لما صَار مفْسدَة وَأمر بِهِ لما كَانَ عزمه عَلَيْهِ وتوطين نَفسه مصلحَة لَهما فَأَي حِكْمَة فَوق هَذَا وَأي لطف وبر وإحسان يزِيد على هَذَا وَأي مصلحَة فَوق هَذِه الْمصلحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْأَمر ونسخة وَإِذا تَأَمَّلت الشَّرَائِع الناسخة والمنسوخة وَجدتهَا كلهَا بِهَذِهِ الْمنزلَة فَمِنْهَا مَا يكون وَجه الْمصلحَة فِيهِ ظَاهرا مكشوفا وَمِنْهَا مَا يكون ذَلِك فِيهِ خفِيا لَا يدْرك إِلَّا بِفضل فطنة وجوده إِدْرَاك
فصل وَهَهُنَا سر بديع من أسرار الْخلق وَالْأَمر بِهِ يتَبَيَّن لَك حَقِيقَة الْأَمر
وَهُوَ أَن الله لم يخلق شَيْئا وَلم يَأْمر بِشَيْء ثمَّ ابطله وأعدمه بِالْكُلِّيَّةِ بل لَا بُد أَن يُثبتهُ بِوَجْه مَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا خلقه لحكمة لَهُ فِي خلقه وَكَذَلِكَ أمره بِهِ وشرعه إِيَّاه هُوَ لما فِيهِ من الْمصلحَة وَمَعْلُوم أَن تِلْكَ الْمصلحَة وَالْحكمَة تَقْتَضِي ابقاءه فَإِذا عَارض تِلْكَ الْمصلحَة مصلحَة أُخْرَى أعظم مِنْهَا كَانَ مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ أولى بالخلق وَالْأَمر وَيبقى فِي الأولى مَا شَاءَ من الْوَجْه الَّذِي يتَضَمَّن الْمصلحَة وَيكون هَذَا من بَاب تزاحم الْمصَالح وَالْقَاعِدَة فِيهَا شرعا وخلقا تَحْصِيلهَا واجتماعها بِحَسب الْإِمْكَان فَإِن تعذر قدمت الْمصلحَة الْعُظْمَى وَإِن فَاتَت الصُّغْرَى وَإِذا تَأَمَّلت الشَّرِيعَة والخلق رَأَيْت ذَلِك ظَاهرا وَهَذَا سر قل من تفطن لَهُ من النَّاس فَتَأمل الْأَحْكَام المنسوخة حكما حكما كَيفَ تَجِد الْمَنْسُوخ لم يبطل بِالْكُلِّيَّةِ بل لَهُ بَقَاء بِوَجْه فَمن ذَلِك نسخ الْقبْلَة وَبَقَاء بَيت الْمُقَدّس مُعظما مُحْتَرما تشد إِلَيْهِ الرّحال ويقصد بِالسَّفرِ إِلَيْهِ وَحط الأوزار عِنْده واستقباله مَعَ غَيره من الْجِهَات فِي السّفر فَلم يبطل تَعْظِيمه واحترامه بِالْكُلِّيَّةِ وَإِن بَطل خُصُوص استقباله بالصلوات فالقصد إِلَيْهِ ليصلى فِيهِ بَاقٍ وَهُوَ نوع من تَعْظِيمه وتشريفه بِالصَّلَاةِ فِيهِ والتوجه إِلَيْهِ قصدا لفضيلته وشرعه لَهُ نِسْبَة من التَّوَجُّه إِلَيْهِ بالاستقبال
стр. 336
بالصلوات فَقدم الْبَيْت الْحَرَام عَلَيْهِ فِي الِاسْتِقْبَال لِأَن مصْلحَته أعظم وأكمل وَبَقِي قَصده وَشد الرّحال إِلَيْهِ وَالصَّلَاة فِيهِ منشأ للْمصْلحَة فتمت للْأمة المحمدية المصلحتان المتعلقتان بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَهَذَا نِهَايَة مَا يكون من اللطف وَتَحْصِيل الْمصَالح وتكميلها لَهُم فَتَأمل هَذَا الْموضع وَمن ذَلِك نسخ التَّخْيِير فِي الصَّوْم بتعيينه فَإِن لَهُ بَقَاء وبيانا ظَاهرا وَهُوَ أَن الرجل كَانَ إِذا أَرَادَ أفطر وَتصدق فحصلت لَهُ مصلحَة الصَّدَقَة دون مصلحَة الصَّوْم وَإِن شَاءَ صَامَ وَلم يفد فحصلت لَهُ مصلحَة الصَّوْم دون الصَّدَقَة فحتم الصَّوْم على الْمُكَلف لِأَن مصْلحَته أتم وأكمل من مصلحَة الْفِدْيَة وَندب إِلَى الصَّدَقَة فِي شهر رَمَضَان فَإِذا صَامَ وَتصدق حصلت لَهُ المصلحتان مَعًا وَهَذَا أكمل مَا يكون من الصَّوْم وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَفْعَله النَّبِي فَإِنَّهُ كَانَ أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان فَلم تبطل الْمصلحَة الأولى جملَة بل قدم عَلَيْهَا مَا هُوَ أكمل مِنْهَا وجوبا وَشرع الْجمع بَينهَا وَبَين الْأُخْرَى ندبا واستحبابا وَمن ذَلِك نسخ ثبات الْوَاحِد من الْمُسلمين للعشرة من الْعَدو بثباته للإثنين وَلم تبطل الْحِكْمَة الأولى من كل وَجه بل بَقِي اسْتِحْبَابه وَإِن زَالَ وُجُوبه بل إِذا غلب على ظن الْمُسلمين ظفرهم بعدوهم وهم عشرَة أمثالهم وَجب عَلَيْهِم الثَّبَات وَحرم عَلَيْهِم الْفِرَار فَلم تبطل الْحِكْمَة الأولى من كل وَجه وَمن ذَلِك نسخ وجوب الصَّدَقَة بَين يَدي مُنَاجَاة الرَّسُول لم يبطل حكمه بِالْكُلِّيَّةِ بل نسخ وُجُوبه وَبَقِي اسْتِحْبَابه وَالنَّدْب إِلَيْهِ وَمَا علم من تنبيهه وإشارته وَهُوَ أَنه إِذا استحبت الصَّدَقَة بَين يَدي مُنَاجَاة الْمَخْلُوق فاستحبابها بَين يَدي مُنَاجَاة الله عِنْد الصَّلَوَات وَالدُّعَاء أولى فَكَانَ بعض السّلف الصَّالح يتَصَدَّق بَين يَدي الصَّلَاة وَالدُّعَاء إِذا أمكنه ويتأول هَذِه الْأَوْلَوِيَّة وَرَأَيْت شيخ الْإِسْلَام ابْن تيمة يَفْعَله ويتحراه مَا أمكنه وفاوضته فِيهِ فَذكر لي هَذَا التَّنْبِيه وَالْإِشَارَة وَمن ذَلِك نسخ الصَّلَوَات الْخمسين الَّتِي فَرضهَا الله على رَسُوله لَيْلَة الْإِسْرَاء بِخمْس فَإِنَّهَا لم تبطل بِالْكُلِّيَّةِ بل اثبتت خمسين فِي الثَّوَاب وَالْأَجْر خمْسا فِي الْعَمَل وَالْوُجُوب وَقد أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذَا بِعَيْنِه حَيْثُ يَقُول على لِسَان نبيه لَا يُبدل القَوْل لَدَى هِيَ خمس وَهِي خَمْسُونَ فِي الْأجر فَتَأمل هَذِه الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالنعْمَة السابغة فَإِنَّهُ لما اقْتَضَت الْمصلحَة أَن تكون خمسين تكميلا للثَّواب وسوقا لَهُم بهَا إِلَى أعلا الْمنَازل واقتضت أَيْضا أَن تكون خمْسا لعجز الْأمة وضعفهم وَعدم احتمالهم الْخمسين جعلهَا خمْسا من وَجه وَخمسين من وَجه جمعا بَين الْمصَالح وتكميلا لَهَا وَلَو لم نطلع من حكمته فِي شَرعه وَأمره ولطفه بعباده ومراعاة مصالحهم وتحصيلها لَهُم على أتم الْوُجُوه إِلَّا على هَذِه الثَّلَاثَة وَحدهَا لكفى بهَا دَلِيلا على مَا راءها فسبحان من لَهُ فِي كل مَا خلق وَأمر حِكْمَة بَالِغَة شاهدة لَهُ بِأَنَّهُ أحكم الْحَاكِمين وأرحم الرَّاحِمِينَ وَأَنه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَالمين وَمن ذَلِك الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين فَإِنَّهَا كَانَت وَاجِبَة على من حَضَره الْمَوْت ثمَّ نسخ الله ذَلِك بِآيَة الْمَوَارِيث وَبقيت مَشْرُوعَة فِي حق الْأَقَارِب الَّذين لَا يَرِثُونَ
стр. 337
وَهل ذَلِك على سَبِيل الْوُجُوب أَو الِاسْتِحْبَاب فِيهِ قَولَانِ للسلف وَالْخلف وهما فِي مَذْهَب أَحْمد فعلى القَوْل الأول بالاستحباب إِذا أوصى للأجانب دونهم صحت الْوَصِيَّة وَلَا شَيْء للأقارب وعَلى القَوْل بِالْوُجُوب فَهَل لَهُم أَن يبطلوا وَصِيَّة الْأَجَانِب ويختصوا هم بِالْوَصِيَّةِ كَمَا للْوَرَثَة يبطلوا وَصِيَّة الْوَارِث أَو يبطلوا مَا زَاد على ثلث الثُّلُث ويختصوا هم بثلثيه كَمَا للْوَرَثَة أَن يبطلوا مَا زَاد على ثلث المَال من الْوَصِيَّة وَيكون الثُّلُث فِي حَقهم بِمَنْزِلَة المَال كُله فِي حق الْوَرَثَة على وَجْهَيْن وَهَذَا الثَّانِي أَقيس وأفقه وسره أَن الثُّلُث لما صَار مُسْتَحقّا لَهُم كَانَ بِمَنْزِلَة جَمِيع المَال فِي حق الْوَرَثَة وهم لَا يَكُونُوا أقوى من الْوَرَثَة فَكَمَا لَا سَبِيل للْوَرَثَة إِلَى أبطال الْوَصِيَّة بِالثُّلثِ للأجانب فَلَا سَبِيل لهَؤُلَاء إِلَى إبِْطَال الْوَصِيَّة بِثلث الثُّلُث للأجانب وَتَحْقِيق هَذِه الْمسَائِل وَالْكَلَام على مَا أَخذهَا لَهُ مَوضِع آخر وَالْمَقْصُود هُنَا أَن إِيجَاب الْوَصِيَّة للأقارب وَأَن نسخ لم يبطل بِالْكُلِّيَّةِ بل بَقِي مِنْهُ مَا هُوَ منشأ الْمصلحَة كَمَا ذَكرْنَاهُ وَنسخ مِنْهُ مَالا مصلحَة فِيهِ بل الْمصلحَة فِي خِلَافه وَمن ذَلِك نسخ الِاعْتِدَاد فِي الْوَفَاة بحول بالاعتداد بأَرْبعَة أشهر وَعشر على الْمَشْهُور من الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِك فَلم تبطل الْعدة الأولى جملَة
وَمن ذَلِك حبس الزَّانِيَة فِي الْبَيْت حَتَّى تَمُوت فَإِنَّهُ على أحد الْقَوْلَيْنِ لَا نسخ فِيهِ لِأَنَّهُ مغيا بِالْمَوْتِ أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا وَقد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا بِالْحَدِّ وعَلى القَوْل الْأُخَر هُوَ مَنْسُوخ بِالْحَدِّ وَهُوَ عُقُوبَة من جنس عُقُوبَة الْحَبْس فَلم تبطل الْعقُوبَة عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ بل نقلت من عُقُوبَة إِلَى عُقُوبَة وَكَانَت الْعقُوبَة الأولى أصلح فِي وَقتهَا لأَنهم كَانُوا حَدِيثي عهد بجاهلية وزنا فَأمروا بِحَبْس الزَّانِيَة أَولا ثمَّ لما استوطنت أنفسهم على عقوبتها وَخَرجُوا عَن عوائد الْجَاهِلِيَّة وركنوا إِلَى التَّحْرِيم والعقوبة نقلوا إِلَى مَا هُوَ أغْلظ من الْعقُوبَة الأولى وَهُوَ الرَّجْم وَالْجَلد فَكَانَت كل عُقُوبَة فِي وَقتهَا هِيَ الْمصلحَة الَّتِي لَا يصلحهم سواهَا وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ فِي نسخ الحكم الَّذِي ثَبت بشرعه وَأمره وَأما مَا كَانَ مستصحبا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة فَهَذَا لَا يلْزم من رَفعه بَقَاء شَيْء مِنْهُ لِأَنَّهُ لم يكن مصلحَة لَهُم وَإِنَّمَا أخر عَنْهُم تَحْرِيمه إِلَى وَقت لضرب من الْمصلحَة فِي تَأْخِير التَّحْرِيم وَلم يلْزم من ذَلِك أَن يكون مصلحَة حِين فعلهم أَيَّاهُ وَهَذَا كتحريم الرِّبَا والمسكر وَغير ذَلِك من الْمُحرمَات الَّتِي كَانُوا يفعلونها استصابا لعدم التَّحْرِيم فَإِنَّهَا لم تكن مصلحَة فِي وَقت وَلِهَذَا لم يشرعها الله تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ رَفعهَا بِالْخِطَابِ لَا يُسمى نسخا إِذْ لَو كَانَ ذَلِك نسخا لكَانَتْ الشَّرِيعَة كلهَا نسخا وَإِنَّمَا النّسخ رفع الحكم الثَّابِت بِالْخِطَابِ لَا رفع مُوجب الِاسْتِصْحَاب وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ
فصل وَأما مَا خلقه سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ أوجده لحكمة فِي إيجاده فَإِذا اقْتَضَت
حكمته إعدامه جملَة أعدمه وأحدث بدله وَإِذا اقْتَضَت حكمته تبدليه وتغييره وتحويله من صُورَة بدله وَغَيره
стр. 338
وَحَوله وَلم يعدمه جملَة وَمن فهم هَذَا فهم مَسْأَلَة الْمعَاد وَمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل فِيهِ فَإِن الْقُرْآن وَالسّنة إِنَّمَا دلا على تَغْيِير الْعَالم وتحويله وتبديله لَا جعله عدما مَحْضا وإعدامه بِالْكُلِّيَّةِ فَدلَّ على تَبْدِيل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات وعَلى تشقق السَّمَاء وانفطارها وتكوير الشَّمْس وانتثار الْكَوَاكِب وسجر الْبحار وإنزال الْمَطَر على أَجزَاء بنى آدم المختلطة بِالتُّرَابِ فينبتون كَمَا ينْبت النَّبَات وَترد تِلْكَ الْأَرْوَاح بِعَينهَا إِلَى تِلْكَ الأجساد الَّتِي أحيلت ثمَّ أنشئت نشأة أُخْرَى وَكَذَلِكَ الْقُبُور تبعثر وَكَذَلِكَ الْجبَال تسير ثمَّ تنسف وَتصير كالعهن المنفوش وتقيء الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة أفلاذ كَبِدهَا أَمْثَال الاسطوان من الذَّهَب وَالْفِضَّة وتميد الأَرْض وتدنو والشحى من رُؤْس النَّاس فَهَذَا هُوَ الَّذِي أخبر بِهِ الْقُرْآن وَالسّنة وَلَا سَبِيل لَاحَدَّ من الْمَلَاحِدَة الفلاسفة وَغَيرهم إِلَى الِاعْتِرَاض على هَذَا الْمعَاد الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل بِحرف وَاحِد وَإِنَّمَا اعتراضاتهم على الْمعَاد الَّذِي عَلَيْهِ طَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين أَن الرُّسُل جاؤا بِهِ وَهُوَ أَن الله يعْدم أَجزَاء الْعَالم الْعلوِي والسفلي كلهَا فيجعلها عدما مَحْضا ثمَّ يُعِيد ذَلِك الْعَدَم وجودا وَيَا لَيْت شعري أَيْن فِي الْقُرْآن وَالسّنة أَن الله يعْدم ذرات الْعَالم وأجزاءه جملَة ثمَّ يقلب ذَلِك الْعَدَم وجودا وَهَذَا هُوَ الْمعَاد الَّذِي أنكرته الفلاسفة ورمته بأنواع الاعتراضات وضروب الالزامات وَاحْتَاجَ المتكلمون إِلَى تعسف الْجَواب وَتَقْرِيره بأنواع من المكابرات وَأما الْمعَاد الَّذِي أخْبرت بِهِ الرُّسُل فبريء من ذَلِك كُله مصون عَنهُ لَا مطمع لِلْعَقْلِ فِي الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ وَلَا يقْدَح فِيهِ شُبْهَة وَاحِد وَقد أخبر سُبْحَانَهُ أَنه يحي الْعِظَام بعد مَا صَارَت رميما وَأَنه قد علم مَا تنقص الأَرْض من لُحُوم بني آدم وعظامهم فَيرد ذَلِك إِلَيْهِم عِنْد النشأة الثَّانِيَة وَأَنه ينشىء تِلْكَ الأجساد بِعَينهَا بعد مَا بليت نشأه أخري وَيرد إِلَيْهَا تِلْكَ الْأَرْوَاح فَلم يدل على أَنه يعْدم تِلْكَ الْأَرْوَاح ويفنيها حَتَّى تصير عدما مَحْضا فَلم يدل الْقُرْآن على أَنه يعْدم تِلْكَ الْأَرْوَاح ثمَّ يخلقها خلقا جَدِيدا وَلَا دلّ على أَنه يفني الأَرْض وَالسَّمَوَات ويعدمهما عدما صرفا ثمَّ يجدد وجودهما وَإِنَّمَا دلّت النُّصُوص على تبديلهما وتغييرهما من حَال إِلَى حَال فَلَو أَعْطَيْت النُّصُوص حَقّهَا لارتفع أَكثر النزاع من الْعَالم وَلَكِن خفيت النُّصُوص وَفهم مِنْهَا خلاف مرادها وانضاف إِلَى ذَلِك تسليط الآراء عَلَيْهَا وَاتِّبَاع مَا تقضى بِهِ فتضاعف الْبلَاء وَعظم الْجَهْل واشتدت المحنة وتفاقم الْخطب وَسبب ذَلِك كُله الْجَهْل بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وبالمراد مِنْهُ فَلَيْسَ للْعَبد أَنْفَع من سمع مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وعقل مَعْنَاهُ وَأما من لم يسمعهُ وَلم يعقله فَهُوَ من الَّذين قَالَ الله فيهم وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير فلنرجع إِلَى الْكَلَام عَن الدَّلِيل الْمَذْكُور وَهُوَ أَن الْحسن أَو الْقبْح لَو كَانَ ذاتيا لما اخْتلف إِلَى آخِره فَنَقُول قد بَينا أَن اختلافه بِحَسب الْأَزْمِنَة والأمكنة وَالْأَحْوَال والشروط لَا يُخرجهُ عَن كَونه ذاتيا الثَّانِي أَنه لَيْسَ الْمَعْنى من كَونه ذاتيا إِلَّا أَنه ناشىء من الْفِعْل فالفاعل منشؤه وَهَذَا
стр. 339
لَا يُوجب اختلافه بِدَلِيل مَا ذكرنَا من الصُّور الثَّالِث انه يجوز اقْتِضَاء الذَّات الْوَاحِدَة لأمرين متنافيين بِحَسب شرطين متنافيين فيقتضى التبريد مثلا فِي مَحل معِين بِشَرْط معِين والتسخين فِي مَحل آخر بِشَرْط آخر والجسم فِي حيزه يَقْتَضِي السّكُون فَإِذا خرج عَن حيزه اقْتضى الْحَرَكَة وَاللَّحم يَقْتَضِي الصِّحَّة بِشَرْط سَلامَة الْبدن من الْحمى وَالْمَرَض الْمُمْتَنع مِنْهُ الْغذَاء وَيَقْتَضِي الْمَرَض بِشَرْط كَون الْجِسْم محموما وَنَحْوه ونظائر ذَلِك أَكثر من أَن تحصى فَإِن قيل مَحل النزاع أَن الْفِعْل لذاته أَو لوصف لَازم لَهُ يَقْتَضِي الْحسن والقبح والشرطان متنافيان يمْتَنع أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا وَصفا لَازِما لِأَن اللَّازِم يمْتَنع انفكاك الشَّيْء عَنهُ قيل معنى كَونه يَقْتَضِي الْحسن والقبح لذاته أَو لوصفه اللَّازِم أَن الْحسن ينشأ من ذَاته أَو من وَصفه بِشَرْط معِين والقبح ينشأ من ذَاته أَو من وَصفه بِشَرْط آخر فَإِذا عدم شَرط الِاقْتِضَاء أَو وجد مَانع يمْنَع الِاقْتِضَاء زَالَ الْأَمر الْمُتَرَتب بِحَسب الذَّات أَو الْوَصْف لزوَال شَرطه أَو لوُجُود مانعه وَهَذَا وَاضح جدا: الثَّالِث أَن قَوْلكُم يحسن الْكَذِب إِذا تضمن عصمَة نبى أَو مُسلم فَهَذَا فِيهِ طَرِيقَانِ أَحدهمَا لَا نسلم أَنه يحسن الْكَذِب فضلا عنأن يجب بل لَا يكون الْكَذِب إِلَّا قبيحا وَأما الَّذِي يحسن فالتعريض والتورية كَمَا وَردت بِهِ السّنة النَّبَوِيَّة وكما عرض إِبْرَاهِيم للْملك الظَّالِم بقوله هَذِه أُخْتِي لزوجته وكما قَالَ أَنِّي سقيم فَعرض بِأَنَّهُ سقيم قلبه من شركهم أَو سيسقم يَوْمًا مَا وكما فعل فِي قَوْله بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا فاسألوهم أَن كَانُوا ينطقون فَأن الْخَبَر والطلب كِلَاهُمَا مُعَلّق بِالشّرطِ وَالشّرط مُتَّصِل بهما وَمَعَ هَذَا فسماها ثَلَاث كذبات وَامْتنع بهَا من مقَام الشَّفَاعَة فَكيف يَصح دعواكم أَن الْكَذِب يجب إِذا تضمن عصمَة مُسلم مَعَ ذَلِك فَأن قيل كَيفَ سَمَّاهَا إِبْرَاهِيم كذبات وَهِي تورية وتعريض صَحِيح قيل لَا يلْزمنَا جَوَاب هَذَا السُّؤَال إِذا الْغَرَض أبطال استدلالكم وَقد حصل فَالْجَوَاب عَنهُ تبرع منا وتكميل للفائدة وَلم أجد فِي هَذَا الْمقَام للنَّاس جَوَابا شافيا يسكن الْقلب إِلَيْهِ وَهَذَا السُّؤَال لَا يخْتَص بِهِ طَائِفَة مُعينَة بل هُوَ وَارِد عَلَيْكُم بِعَيْنِه وَقد فتح الله الْكَرِيم بِالْجَوَابِ عَنهُ فَنَقُول الْكَلَام لَهُ نسبتان نِسْبَة إِلَى الْمُتَكَلّم وقصده وإرادته وَنسبَة إِلَى السَّامع وإفهام الْمُتَكَلّم إِيَّاه مضمونه فَإِذا أخبر الْمُتَكَلّم بِخَبَر مُطَابق للْوَاقِع وَقصد إفهام الْمُخَاطب فَهُوَ صدق من الْجِهَتَيْنِ وَأَن قصد خلاف الْوَاقِع وَقصد مَعَ ذَلِك إفهام الْمُخَاطب خلاف مَا قصد بل معنى ثَالِثا لَا هُوَ الْوَاقِع وَلَا هُوَ المُرَاد فَهُوَ كذب من الْجِهَتَيْنِ بالنسبتين مَعًا وَإِن قصد معنى مطابقا صَحِيحا وَقصد مَعَ ذَلِك التعمية على الْمُخَاطب وإفهامه خلاف مَا قَصده فَهُوَ صدق بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَصده كذب بِالنِّسْبَةِ إِلَى إفهامه وَمن هَذَا الْبَاب التورية والمعاريض وَبِهَذَا أطلق عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ اسْم الْكَذِب مَعَ أَنه الصَّادِق فِي خَبره وَلم يخبر إِلَّا صدقا فَتَأمل هَذَا الْموضع الَّذِي أشكل على النَّاس وَقد ظهر بِهَذَا أَن الْكَذِب لَا يكون قطّ إِلَّا
стр. 340
قبيحا وَأَن الَّذِي يحسن وَيجب إِنَّمَا هُوَ التورية وَهِي صدق وَقد يُطلق عَلَيْهَا الْكَذِب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإفهام لَا إِلَى الْعِنَايَة الطَّرِيق الثَّانِي ان تخلف الْقبْح عَن الْكَذِب لفَوَات شَرط أَو قيام مَانع يَقْتَضِي مصلحَة رَاجِعَة على الصدْق لَا تخرجه عَن كَونه قبيحا لذاته وَتَقْرِيره مَا تقدم وَقد تقدم أَن الله سُبْحَانَهُ حرم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير للمفسدة الَّتِي فِي تنَاولهَا وَهِي ناشئة من ذَوَات هَذِه الْمُحرمَات وتخلف التَّحْرِيم عَنْهَا عِنْد الضَّرُورَة لَا يُوجب أَن تكون ذَاتهَا غير مقتضية للمفسدة الَّتِي حرمت لأَجلهَا فَهَكَذَا الْكَذِب المتضمن نجاة نَبِي أَو مُسلم الْوَجْه الرَّابِع قَوْله لَو كَانَ ذاتيا لاجتمع النقيضان فِي صدق من قَالَ لأكذبن غَدا إِلَى آخر مَا ذكر جَوَابه أَنه مَتى يجْتَمع النقيضان إِذا كَانَ الْحسن والقبح بِاعْتِبَار وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة أَو إِذا كَانَا باعتبارين من جِهَتَيْنِ أَو أَعم من ذَلِك فَإِن عنيتم الأول فَمُسلم وَلَكِن لَا نسلم الْمُلَازمَة فَإِنَّهُ لَا يلْزم من اجْتِمَاع الْحسن والقبح فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة أَن يكون لجِهَة وَاحِدَة وَاعْتِبَار وَاحِد فَإِن اجْتِمَاع الْحسن والقبح فيهمَا باعتبارين مُخْتَلفين من جِهَتَيْنِ متباينتين وَهَذَا لَيْسَ مُمْتَنعا فَإِنَّهُ إِذا كَانَ كذبا كَانَ قبيحا بِالنّظرِ إِلَى ذَاته وحسنا بِالنّظرِ إِلَى تضمنه صدق الْخَبَر الأول وَنَظِيره إِن يَقُول وَالله لأشربن الْخمر غَدا أَو وَالله لآسرقن هَذَا الثَّوْب غَدا وَنَحْوه وَأَن عنيتم الثَّانِي فَهُوَ حق وَلَكِن لَا نسلم انْتِفَاء اللَّازِم وَأَن عنيتم الثَّالِث منعنَا الْمُلَازمَة أَيْضا على التَّقْدِير الأول وَانْتِفَاء اللَّازِم على التَّقْدِير الثَّانِي وَهَذَا وَاضح جدا الْوَجْه الْخَامِس قَوْله الْقَتْل وَالضَّرْب حسن إِذا كَانَ حدا أَو قصاصا وقبيح فِي غَيره فَلَو كَانَ ذاتيا لاجتمع النقيضان كَلَام فِي غَايَة الْفساد فَإِن الْقَتْل وَالضَّرْب وَاحِد بالنوع والقبيح مَا كَانَ ظنا وعدوانا والحس مِنْهُ مَا كَانَ جَزَاء على إساءة أما حدا وَأما قصاصا فَلم يرجع الْحسن والقبح إِلَى وَاحِد بِالْعينِ وَنَظِير هَذَا السُّجُود فَإِنَّهُ فِي غَايَة الْحسن لذاته إِذا كَانَ عبودية وخضوعا للْوَاحِد المعبود وَفِي غَايَة الْقبْح إِذا كَانَ لغيره وَلَو سلمنَا أَن الْقَتْل وَالضَّرْب الْوَاحِد بِالْعينِ إِذا كَانَ حدا أَو قصاصا فَإِنَّهُ يكون حسنا قبيحا لم يكن ذَلِك محالا لِأَنَّهُ باعتبارين فَهُوَ حسن لما تضمنه من الزّجر والنكال وعقوبة الْمُسْتَحق وقبيح بِالنّظرِ إِلَى الْمَقْتُول الْمَضْرُوب فَهُوَ قَبِيح لَهُ حسن فِي نَفسه وَهَذَا كَمَا أَنه مَكْرُوه مبغوض لَهُ وَهُوَ مَحْبُوب مرضى لفَاعِله والآمر بِهِ فَأَي محَال فِي هَذَا فَظهر أَن هَذَا الدَّلِيل فَاسد وَالله أعلم
فصل فَهَذِهِ أقوى أَدِلَّة النفاة باعترافهم بِضعْف مَا سواهَا فَلَا حَاجَة بِنَا
إِلَى ذكرهَا وَبَيَان فَسَادهَا فقد تبين الصُّبْح لذِي عينين وجلبت عَلَيْك المسئلة رافلة فِي حلل أدلتها الصَّحِيحَة وبراهينها
стр. 341
المستقيمة وَلَا تغضض طرف بصيرتك عَن هَذِه المسئلة فَأن شَأْنهَا عَظِيم وخطبها جسيم وَقد احْتج بَعضهم بِدَلِيل أفسد من هَذَا كُله فَقَالُوا لَو حسن الْفِعْل أَو قبح لذاته اَوْ لصفته لم يكن الباريء تَعَالَى مُخْتَارًا فِي الحكم لِأَن الحكم بالمرجوح على خلاف الْمَعْقُول فليزم الآخر فَلَا اخْتِيَار وَتَقْرِير هَذَا الِاسْتِدْلَال بِبَيَان الْمُلَازمَة الْمَذْكُورَة أَولا وَبَيَان انْتِفَاء اللَّازِم ثَانِيًا أما الْمقَام الأول وَهُوَ بَيَان الْمُلَازمَة فَإِن الْفِعْل لَو حسن لذاته اَوْ لصفته لَكَانَ راجحا على الْحسن فِي كَونه مُتَعَلقا للْوُجُوب أَو النّدب وَلَو قبح لذاته أَو لصفته لَكَانَ راجحا على الْحسن فِي كَونه مُتَعَلقا للتَّحْرِيم أَو الْكَرَاهَة فَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن يتَعَلَّق الحكم بالراجح الْمُقْتَضِي لَهُ اَوْ الْمَرْجُوح الْمُقْتَضِي لضده
وَالثَّانِي بَاطِل قطعا لَا لاستلزامه تَرْجِيح الْمَرْجُوح وَهُوَ بَاطِل بِصَرِيح الْعقل فَتعين الأول ضَرُورَة فَإِذا كَانَ تعلق الحكم بالراجح لَازِما ضَرُورَة لم يكن الْبَارِي مُخْتَارًا فِي حكمه فَتَأمل هَذِه الشُّبْهَة مَا أفسدها وَأبين بُطْلَانهَا وَالْعجب مِمَّن يرضى لنَفسِهِ ان يحْتَج يمثلها وحسبك فَسَاد الْحجَّة مضمونها أَن الله تَعَالَى لم يشرع السُّجُود لَهُ وتعظيمه وشكره وَيحرم السُّجُود للصنم وتعظيمه لحسن هَذَا وقبح هَذَا مَعَ استوائهما تفريقا بَين المتماثلين فَأَي برهَان أوضح من هَذَا على فَسَاد هَذِه الشُّبْهَة الْبَاطِلَة
الثَّانِي أَن يُقَال هَذَا يُوجب أَن تكون أَفعاله كلهَا مستلزمة للترجيح بِغَيْر مُرَجّح إِذْ لَو ترجح الْفِعْل مِنْهَا بمرجح لزم عدم الِاخْتِيَار بِعَين مَا ذكرْتُمْ إِذا لحكم بالمرجح لَازم فَإِن قيل لَا يلْزم الِاضْطِرَار وَترك الِاخْتِيَار لِأَن الْمُرَجح هُوَ الْإِرَادَة وَالِاخْتِيَار قيل فَهَلا قنعتم بِهَذَا الْجَواب منا وقلتم إِذا كَانَ اخْتِيَاره تَعَالَى مُتَعَلقا بِالْفِعْلِ لما فِيهِ من الْمصلحَة الداعية إِلَى فعله وشرعه وتحريمه لَهُ مَا فِيهِ من الْمفْسدَة الداعية إِلَى تَحْرِيمه وَالْمَنْع مِنْهُ فَكَانَ الحكم بالراجح فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُتَعَلقا بِاخْتِيَارِهِ تَعَالَى وإرادته فَإِنَّهُ الْحَكِيم فِي خلقه وَأمره فَإِذا علم فِي الْفِعْل مصلحَة راجحة شَرْعِيَّة وأوجبه شَرعه وَوَضعه وَإِذا علم فِيهِ مفْسدَة راجحة كرهه وأبغضه وَحرمه هَذَا فِي شَرعه وَكَذَلِكَ فِي خلقه لم يفعل شَيْئا إِلَّا ومصلحته راجحة وحكمته ظَاهِرَة واشتماله على الْمصلحَة وَالْحكمَة الَّتِي فعله لأَجلهَا لَا يُنَافِي اخْتِيَاره بل لَا يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ إِلَّا لما فِيهِ من الْمصلحَة وَالْحكمَة وَكَذَلِكَ تَركه لما فِيهِ من خلاف حكمته فَلَا يلْزم من تعلق الْحِكْمَة بالراجح أَن لَا يكون الحكم اختياريا فَإِن الْمُخْتَار الَّذِي هُوَ أحكم الْحَاكِمين لَا يخْتَار إِلَّا مَا يكون على وفْق الْحِكْمَة والمصلحة
الثَّالِث أَن قَوْله إِذا لزم تعلق الحكم بالراجح لم يكن مُخْتَارًا تلبيس فَإِنَّهُ إِنَّمَا تعلق بالراجح بِاخْتِيَارِهِ وإرادته واختياره وإرادته اقْتَضَت تعلقه بالراجح على وَجه اللُّزُوم فَكيف لَا يكون مُخْتَارًا واختياره استلزم تعلق الحكم بالراجح الرَّابِع إِن تعلق حكمه تَعَالَى بِالْفِعْلِ الْمَأْمُور بِهِ أَو الْمنْهِي عَنهُ إِمَّا أَن يكون جَائِز الْوُجُود والعدم أَو رَاجِح الْوُجُود أَو رَاجِح الْعَدَم فَإِن كَانَ جَائِز الطَّرفَيْنِ لم بترجح أَحدهمَا إِلَّا بمرجح وَإِن كَانَ راجحا فالتعلق لَازم لِأَن الحكم
стр. 342
يمْتَنع ثُبُوته مَعَ الْمُسَاوَاة وَمَعَ المرجوحية
أما الأول فَلَا ستلزامه التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَأما الثَّانِي فَلَا ستلزامه تَرْجِيح الْمَرْجُوح وَهُوَ بَاطِل بِصَرِيح الْعقل فَلَا يثبت إِلَّا مَعَ الْمُرَجح التَّام وَحِينَئِذٍ فيلزله عدم الِاخْتِيَار وَمَا يجيبون بِهِ عَن الْإِلْزَام الْمَذْكُور هُوَ جوابكم بِعَيْنِه عَن شبهتكم الَّتِي استدللتم بهَا الْخَامِس أَن هَذِه الشُّبْهَة الْفَاسِدَة مستلزمة لأحد الْأَمريْنِ وَلَا بُد أما التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَإِمَّا أَن لَا يكون الْبَارِي تَعَالَى مُخْتَارًا كَمَا قررتم وَكِلَاهُمَا بَاطِل السَّادِس أَنَّهَا تَقْتَضِي أَن لَا يكون فِي الْوُجُود قَادر مُخْتَار إِلَّا من يرجح أحد المتساويين على الآخر بِلَا مُرَجّح وَأما من رجح أحد الجائزين بمرجح فَلَا يكون مُخْتَارًا وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل بل الْقَادِر الْمُخْتَار لَا يرجح أحد مقدريه على الآخر إِلَّا بمرجح وَهُوَ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَاحْتج النفاة أَيْضا بقوله تَعَالَى وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا وَوجه الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ أَنه سُبْحَانَهُ نفي التعذيب قبل بعثة الرُّسُل فَلَو كَانَ حسن الْفِعْل وقبحه ثَابتا لَهُ قبل الشَّرْع لَكَانَ مرتكب الْقبْح وتارك الْحسن فَاعِلا لِلْحَرَامِ وتاركا الْوَاجِب لِأَن قبحه عقلا يَقْتَضِي تَحْرِيمه عقلا عنْدكُمْ وَحسنه عقلا يَقْتَضِي وُجُوبه عقلا فَإِذا فعل الْمحرم وَترك الْوَاجِب اسْتحق الْعَذَاب عنْدكُمْ وَالْقُرْآن نَص صَرِيح أَن الله لَا يعذب بِدُونِ بعثة الرُّسُل فَهَذَا تَقْرِير الِاسْتِدْلَال احتجاجا والتزاما وَلَا ريب أَن الْآيَة حجَّة على تنَاقض المثبتين إِذا أثبتوا التعذيب قبل الْبعْثَة فَيلْزم تناقضهم وَإِبْطَال جمعهم بَين هذَيْن الْحكمَيْنِ إِثْبَات الْحسن والقبح عقلا وَإِثْبَات التعذيب على ذَلِك بِدُونِ الْبعْثَة وَلَيْسَ إبِْطَال القَوْل بِمَجْمُوع الْأَمريْنِ مُوجبا لإبطال كل وَاحِد مِنْهُمَا فَلَعَلَّ الْبَاطِل هُوَ قَوْلهم بِجَوَاز التعذيب قبل الْبعْثَة وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَيّن لِأَنَّهُ خلاف نَص الْقُرْآن وَخلاف صَرِيح الْعقل أَيْضا فَأن الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَقَامَ الْحجَّة على الْعباد برسله قَالَ تَعَالَى رسلًا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل فَهَذَا صَرِيح بِأَن الْحجَّة إِنَّمَا قَامَت بالرسل وَأَنه بعد مجيئهم لَا يكون للنَّاس على الله حجَّة وَهَذَا يدل على أَنه لَا يعذبهم قبل مَجِيء الرُّسُل إِلَيْهِم لِأَن الْحجَّة حِينَئِذٍ لم تقم عَلَيْهِم فَالصَّوَاب فِي المسئلة اثبات الْحسن والقبح عقلا وَنفي التعذيب على ذَلِك إِلَّا بعد بعثة الرُّسُل فالحسن والقبح الْعقلِيّ لَا يسْتَلْزم التعذيب وَإِنَّمَا يستلزمة مُخَالفَة الْمُرْسلين وَأما الْمُعْتَزلَة فقد أجابوا عَن ذَلِك بِأَن قَالُوا الْحسن والقبح الْعقلِيّ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاق الْعقَاب على فعل الْقَبِيح وَترك الْحسن وَلَا يلْزم من اسْتِحْقَاق الْعقَاب وُقُوعه لجَوَاز الْعَفو عَنهُ قَالُوا وَلَا يرد هَذَا علينا حَيْثُ نمْنَع الْعَفو بعد الْبعْثَة إِذا أَو عد الرب على الْفِعْل لِأَن الْعَذَاب قد صَار وَاجِبا بِخَبَرِهِ ومستحقا بارتكاب الْقَبِيح وَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يحصل مِنْهُ إيعاد قبل الْبعْثَة فَلَا يقبح الْعَفو لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم خلفا فِي الْخَبَر وَإِنَّمَا غَايَته ترك حق لَهُ قد وَجب قبل الْبعْثَة وَهَذَا حسن وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا أَن سَبَب الْعقَاب قَائِم قبل الْبعْثَة وَلَكِن لَا يلْزم من وجود سَبَب الْعَذَاب حُصُوله لِأَن هَذَا السَّبَب قد نصب الله تَعَالَى لَهُ شرطا وَهُوَ بعثة الرُّسُل وَانْتِفَاء التعذيب قبل الْبعْثَة هُوَ لَا نتفاء شَرطه لَا لعدم
стр. 343
سَببه ومقتضيه وَهَذَا فصل الْخطاب فِي هَذَا الْمقَام وَبِه يَزُول كل إِشْكَال فِي المسئلة وينقشع غيمها ويسفر صبحها وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
وَاحْتج بَعضهم أَيْضا بِأَن قَالَ لَو كَانَ الْفِعْل حسنا لذاته لَا متنع الشَّارِع من نسخه قبل إِيقَاع الْمُكَلف لَهُ وَقبل تمكنه مِنْهُ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ حسنا لذاته فَهُوَ منشأ للْمصْلحَة الراجحة فَكيف ينْسَخ وَلم تحصل مِنْهُ تِلْكَ الْمصلحَة وَأجَاب الْمُعْتَزلَة عَن هَذَا بالتزامه وَمنعُوا النّسخ قبل وَقت الْفِعْل ونازعهم جُمْهُور هَذِه الْأمة فِي هَذَا الأَصْل وجوزوا وُقُوع النّسخ قبل حُضُور وَقت الْفِعْل ثمَّ انقسموا قسمَيْنِ فنفاة التحسين والتقبيح بنوه على أصلهم ومثبتو التحسين والتقبيح أجابوا عَن ذَلِك بِأَن الْمصلحَة كَمَا تنشأ من الْفِعْل فَأَنَّهَا أَيْضا قد تنشأ من الْعَزْم عَلَيْهِ وتوطين النَّفس على الِامْتِثَال وَتَكون الْمصلحَة الْمَطْلُوبَة هِيَ الْعَزْم وتوطين النَّفس لَا إِيقَاع الْفِعْل فِي الْخَارِج فَإِذا أَمر الْمُكَلف بِأَمْر فعزم عَلَيْهِ وتهيأ لَهُ ووطن نَفسه على امتثاله فحصلت الْمصلحَة المرادة مِنْهُ لم يمْتَنع نسخ الْفِعْل وَإِن لم يوقعه لِأَنَّهُ لَا مصلحَة لَهُ فِيهِ وَهَذَا كأمر إِبْرَاهِيم الْخَلِيل بِذبح وَلَده فَإِن الْمصلحَة لم تكن فِي ذبحه وَإِنَّمَا كَانَت فِي استسلام الْوَالِد وَالْولد لأمر الله وعزمهما عَلَيْهِ وتوطينهما أَنفسهمَا على امتثاله فَلَمَّا حصلت هَذِه الْمصلحَة بَقِي الذّبْح مفْسدَة فِي حَقّهمَا فنسخه الله وَرَفعه وَهَذَا هُوَ الْجَواب الْحق الشافي فِي المسئلة وَبِه تتبين الْحِكْمَة الباهرة فِي إِثْبَات مَا أثْبته الله من الْأَحْكَام وَنسخ مَا نسخه مِنْهَا بعد وُقُوعه وَنسخ مَا نسخ مِنْهَا قبل إِيقَاعه وَأَن لَهُ فِي ذَلِك كُله من الحكم الْبَالِغَة مَا تشهد لَهُ بِأَنَّهُ احكم الْحَاكِمين وَأَنه اللَّطِيف الْخَبِير الَّذِي بهرت حكمته الْعُقُول فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين
وَمِمَّا احْتج بِهِ النفاة أَيْضا أَنه لَو حسن الْفِعْل أَو قبح لغير الطّلب لم يكن تعلق الطّلب لنَفسِهِ لتوقفه على أَمر زَائِد
وَتَقْرِير هَذِه الْحجَّة ان حسن الْفِعْل وقبحه لَا يجوز ان يكون لغير نفس الطّلب بل لَا معنى لحسنه إِلَّا كَونه مَطْلُوبا للشارع أيجاده وَلَا لقبحه إِلَّا كَونه مَطْلُوبا لَهُ إعدامه لِأَنَّهُ لَو حسن وقبح لِمَعْنى غير الطّلب الشَّرْعِيّ لم يكن الطّلب مُتَعَلقا بالمطلوب لنَفسِهِ بل كَانَ التَّعَلُّق لأجل ذَلِك الْمَعْنى فَيتَوَقَّف الطّلب على حُصُول الِاعْتِبَار الزَّائِد على الْفِعْل وَهَذَا بَاطِل لِأَن التَّعَلُّق نِسْبَة بَين الطّلب وَالْفِعْل وَالنِّسْبَة بَين الْأَمريْنِ لَا تتَوَقَّف إِلَّا على حصولهما فَإِذا حصل الْفِعْل تعلق الطّلب بِهِ سَوَاء حصل فِيهِ اعْتِبَار زَائِد على ذَاته أَولا فَإِن قُلْتُمْ الطّلب وَأَن لم يتَوَقَّف إِلَّا على الْفِعْل الْمَطْلُوب وَالْفَاعِل الْمَطْلُوب مِنْهُ لَكِن تعلقه بِالْفِعْلِ مُتَوَقف على جِهَة الْحسن والقبح الْمُقْتَضِي لتَعلق الطّلب بِهِ قُلْنَا الطّلب قديم والجهة الْمُوجبَة لِلْحسنِ والقبح حَادِثَة وَلَا يَصح توقف الْقَدِيم على الْحَادِث وسر الدَّلِيل أَن تعلق الطّلب بِالْفِعْلِ ذاتي فَلَا يجوز أَن يكون مُعَللا بِأَمْر زَائِد على الْفِعْل إِذْ لَو كَانَ تعلقه بِهِ مُعَللا لم يكن ذاتيا وَهَذَا وَجه تَقْرِير هَذِه الشُّبْهَة وان كَانَ كثير من شرَّاح الْمُخْتَصر لم يفهموا تقريرها على هَذَا الْوَجْه فقرروها على وَجه
стр. 344
آخر لَا يُفِيد شَيْئا وَبعد فَهِيَ شُبْهَة فَاسِدَة من وُجُوه: أَحدهَا أَن يُقَال مَا تعنون بِأَن تعلق الطّلب بِالْفِعْلِ ذاتي لَهُ أتعنون بِهِ أَن التَّعَلُّق مقوم لماهية الطّلب وَأَن تقوم الْمَاهِيّة بِهِ كتقومها بجنسها وفصلها أم تعنون بِهِ أَنه لَا تعقل مَاهِيَّة الطّلب الا بالتعلق الْمَذْكُور أم أمرا آخر فَإِن عنيتم الأول والتعلق نِسْبَة إضافية وَهِي عدمية عنْدكُمْ لَا وجود لَهَا فِي الْأَعْيَان فَكيف تكون النِّسْبَة العدمية مقومة للماهية الوجودية وَأَنْتُم تَقولُونَ أَنه لَيْسَ لمتعلق الطّلب من الطّلب صفة ثبوتية لِأَن هَذَا هُوَ الْكَلَام النَّفْسِيّ وَلَيْسَ لمتعلق القَوْل فِيهِ صفة ثبوتية وَأَن عنيتم الثَّانِي فَلَا يلْزم من ذَلِك توقف الطّلب على اعْتِبَار زَائِد على الْفِعْل يكون ذَلِك الِاعْتِبَار شرطا فِي الطّلب وَأَن عنيتم أمرا ثَالِثا فَلَا بُد بَيَانه وعَلى تَقْدِير بَيَانه فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي توقف التَّعَلُّق على الشَّرْط الْمَذْكُور الثَّانِي أَن غَايَة مَا قررتموه قررتموه أَن التَّعَلُّق ذاتي للطلب والذاتي لَا يُعلل كَمَا ادعيتموه فِي الْمنطق دَعْوَى مُجَرّدَة وَلم تقرروه وَلم تبينوا مَا معنى كَونه غير مُعَلل حَتَّى ظن بعض المقلدين من المنطقيين أَن مَعْنَاهُ ثبوتية الذَّات لنَفسِهِ بِغَيْر وَاسِطَة وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد لَا يَقُوله من يدرى مَا يَقُول وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه لَا تحْتَاج الذَّات فِي اتصافها بِهِ إِلَى عِلّة مُغَايرَة لعِلَّة وجودهَا بل عِلّة وجودهَا هِيَ عِلّة اتصاف الذَّات فَهَذَا معنى كَونه غير مُعَلل بعلة خارجية عَن عِلّة الذَّات بل عِلّة الذَّات علته وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع استقصاء الْكَلَام على ذَلِك وَالْمَقْصُود أَن كَون التَّعَلُّق ذاتيا للطلب فَلَا يُعلل بِغَيْر عِلّة الطّلب لَا يُنَافِي توقفه على شَرط فَهَب أَن صفة الْفِعْل لَا تكون عِلّة للتعلق فَمَا الْمَانِع أَن تكون شرطا لَهُ وَيكون تعلق الطّلب بِالْفِعْلِ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ على الْجِهَة الْمَذْكُورَة فَإِذا انْتَفَت تِلْكَ الْجِهَة انْتَفَى التَّعَلُّق لانْتِفَاء شَرطه وَهَذَا مِمَّا لم يتَعَرَّضُوا لبطلانه أصلا وَلَا سَبِيل لكم إِلَى أبطالة الثَّالِث أَن قَوْلك الطّلب قديم والجهة الْمَذْكُورَة حَادِثَة للْفِعْل وَلَا يَصح توقف الْقَدِيم على الْحَادِث كَلَام فِي غَايَة الْبطلَان فَإِن الْفِعْل الْمَطْلُوب حَادث والطلب مُتَوَقف عَلَيْهِ إِذْ لَا تتَصَوَّر مَاهِيَّة الطّلب بِدُونِ الْمَطْلُوب فَمَا كَانَ جوابكم عَن توقف الطّلب على الْفِعْل الْحَادِث فَهُوَ جَوَابنَا عَن توقفه على جِهَة الْفِعْل الْحَادِثَة فَإِن جِهَته لَا تزيد عَلَيْهِ بل هِيَ صفة من صِفَاته فَإِن قُلْتُمْ التَّوَقُّف هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ لتَعلق الطّلب بالمطلوب لَا لنَفس الطّلب وَلَا تَجِدُونَ محذورا فِي توقف التَّعَلُّق لِأَنَّهُ حَادث قُلْنَا فَهَلا قنعتم بِهَذَا الْجَواب فِي صفة الْفِعْل وقلتم التَّوَقُّف على الْجِهَة الْمَذْكُورَة هُوَ توقف التَّعَلُّق لَا توقف نفس الطّلب فنسبة التَّعَلُّق إِلَى جِهَة الْفِعْل كنسبته إِلَى ذَاته وَنسبَة الطّلب إِلَى الْجِهَة كنسبته إِلَى نفس الْفِعْل سَوَاء بِسَوَاء فنسبة الْقَدِيم إِلَى أحد الحادثين كنسبته إِلَى الآخر وَنسبَة تعلقه بِأحد الحادثين كنسبة تعلقه بِالْآخرِ فَتبين فَسَادًا الدَّلِيل الْمَذْكُور وحسبك بِمذهب فَسَادًا استلزامه جَوَاز ظُهُور المعجزة على يَد الْكَاذِب وَإنَّهُ لَيْسَ بقبيح واستلزامه جَوَاز نِسْبَة الْكَذِب إِلَى أصدق
стр. 345
الصَّادِقين وَأَنه لَا يقبح مِنْهُ واستلزامه التَّسْوِيَة بَين التَّثْلِيث والتوحيد فِي الْعقل وَأَنه قبل وُرُود النُّبُوَّة لَا يقبح التَّثْلِيث وَلَا عبَادَة الْأَصْنَام وَلَا مسَبَّة المعبود وَلَا شَيْء من أَنْوَاع الْكفْر وَلَا السَّعْي فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ وَلَا تقبيح شَيْء من القبائح أصلا وَقد الْتزم النفاة ذَلِك وَقَالُوا أَن هَذِه الْأَشْيَاء لم تقبح عقلا وَإِنَّمَا جِهَة قبحها السّمع فَقَط وانه لَا فرق قبل السّمع بَين ذكر الله وَالثنَاء عَلَيْهِ وحمده وَبَين ضد ذَلِك وَلَا بَين شكره بِمَا يقدر عَلَيْهِ العَبْد وَبَين ضِدّه وَلَا بَين الصدْق وَالْكذب والعفة والفجور وَالْإِحْسَان إِلَى الْعَالم والإساءة إِلَيْهِم بِوَجْه مَا وَإِنَّمَا التَّفْرِيق بِالشَّرْعِ بَين متماثلين من كل وَجه وَقد كَانَ تصور هَذَا الْمَذْهَب على حَقِيقَته كَافِيا فِي الْعلم بِبُطْلَانِهِ وَأَن لَا يتَكَلَّف رده وَلِهَذَا رغب عَنهُ فحول الْفُقَهَاء والنظار من الطوائف كلهم فأطبق أَصْحَاب أبي حنيفَة على خِلَافه وحكوه عَن أبي حنيفَة نصا وَاخْتَارَهُ من أَصْحَاب أَحْمد أَبُو الْخطاب وَابْن عقيل وَأَبُو يعلى الصَّغِير وَلم يقل أحد من متقدميهم بِخِلَافِهِ وَلَا يُمكن أَن ينْقل عَنْهُم حرف وَاحِد مُوَافق للنفاة وَاخْتَارَهُ من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن على بن إِسْمَاعِيل الْقفال الْكَبِير وَبَالغ فِي إثْبَاته وَبنى كِتَابه محَاسِن الشَّرِيعَة عَلَيْهِ وَأحسن فِيهِ مَا شَاءَ وَكَذَلِكَ الإِمَام سعيد بن على الزنجانى بَالغ فِي إِنْكَاره على أبي الْحسن الأشعرى القَوْل بِنَفْي التحسين والتقبيح وَأَنه لم يسْبقهُ إِلَيْهِ أحد وَكَذَلِكَ أَبُو الْقَاسِم الرَّاغِب وَكَذَلِكَ أَبُو عبد الله الحليمى وخلائق لَا يُحصونَ وكل من تكلم فِي علل الشَّرْع ومحاسنه وَمَا تضمنه من الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد فَلَا يُمكنهُ ذَلِك إِلَّا بتقرير الْحسن والقبح العقليين إِذْ لَو كَانَ حسنه وقبحه بِمُجَرَّد الْأَمر والنهى لم يتَعَرَّض فِي إِثْبَات ذَلِك لغير الْأَمر وَالنَّهْي فَقَط وعَلى تَصْحِيح ذَلِك فَالْكَلَام فِي الْقيَاس وَتَعْلِيق الْأَحْكَام بالأوصاف الْمُنَاسبَة الْمُقْتَضِيَة لَهَا دون الْأَوْصَاف الطردية الَّتِي لَا مُنَاسبَة فِيهَا فَيجْعَل الأول ضابطا للْحكم دون الثَّانِي لَا يُمكن إِلَّا على إِثْبَات هَذَا الأَصْل فَلَو تَسَاوَت الْأَوْصَاف فِي نَفسهَا لانسد بَاب الْقيَاس والمناسبات وَالتَّعْلِيل بالحكم والمصالح ومراعات الْأَوْصَاف المؤثرة دون الْأَوْصَاف الَّتِي لَا تَأْثِير لَهَا
فصل وَإِذا قد انتهينا فِي هَذِه المسئلة إِلَى هَذَا الْموضع وَهُوَ بحرها
ومعظمها فلنذكر سرها وغايتها وأصولها الَّتِي أَثْبَتَت عَلَيْهَا فبذلك تتمّ الْفَائِدَة فَإِن كثيرا من الْأُصُولِيِّينَ ذكروها مُجَرّدَة وَلم يتَعَرَّضُوا لسرها وَأَصلهَا الَّذِي أَثْبَتَت عَلَيْهِ وللمسئلة ثَلَاثَة أصُول هِيَ أساسها
الأَصْل الأول هَل أَفعَال الرب تَعَالَى وأوامره معللة بالحكم والغايات وَهَذِه من أجل مسَائِل التَّوْحِيد الْمُتَعَلّقَة بالخلق وَالْأَمر بِالشَّرْعِ وَالْقدر الأَصْل الثَّانِي أَن تِلْكَ الحكم الْمَقْصُودَة فعل يقوم بِهِ سُبْحَانَهُ
стр. 346
وَتَعَالَى قيام الصّفة بِهِ فَيرجع إِلَيْهِ حكمهَا ويشتق لَهُ اسْمهَا أم يرجع إِلَى الْمَخْلُوق فَقَط من غير أَن يعود إِلَى الرب مِنْهَا حكم أَو يشتق لَهُ مِنْهَا اسْم الأَصْل الثَّالِث هَل تعلق إِرَادَة الرب تَعَالَى بِجَمِيعِ الْأَفْعَال تعلق وَاحِد فَمَا وجد مِنْهَا مُرَاد لَهُ مَحْبُوب مرضى طَاعَة كَانَ أَو مَعْصِيّة وَمَا لم يُوجد مِنْهَا فَهُوَ مَكْرُوه لَهُ مبغوض غير مُرَاد طَاعَة كَانَ أَو مَعْصِيّة فَهُوَ يحب الْأَفْعَال الْحَسَنَة الَّتِي هِيَ منشأ الْمصَالح وَأَن لم يَشَأْ تكوينها وإيجادها لِأَن فِي مَشِيئَة لإيجادها فَوَات حِكْمَة أُخْرَى هِيَ أحب إِلَيْهِ مِنْهَا وَيبغض الْأَفْعَال القبيحة الَّتِي هِيَ منشأ الْمَفَاسِد ويمنعها ويمقت أَهلهَا وَأَن شَاءَ تكوينها وإيجادها لما تستلزمه من حكمه ومصلحة هِيَ أحب إِلَيْهِ مِنْهَا
وَلَا بُد من توَسط هَذِه الْأَفْعَال فِي وجودهَا فَهَذِهِ الْأُصُول الثَّلَاثَة عَلَيْهَا مدَار هَذِه المسئلة ومسائل الْقدر وَالشَّرْع وَقد اخْتلف النَّاس فِيهَا قَدِيما وحديثا إِلَى الْيَوْم فالجبرية تَنْفِي الْأُصُول الثَّلَاثَة وَعِنْدهم أَن الله لَا يفعل لحكمة وَلَا يَأْمر لَهَا وَلَا يدْخل فِي أمره وخلقه لَام التَّعْلِيل بِوَجْه وَإِنَّمَا هِيَ لَام الْعَاقِبَة كَمَا لَا يدْخل فِي أَفعاله بَاء السَّبَبِيَّة وَإِنَّمَا هِيَ بَاء المصاحبة وَمِنْهُم من يثبت الأَصْل الثَّالِث وينفي الاصلين الْأَوَّلين كَمَا هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ للأشعري وَقَول كثير من أَئِمَّة أَصْحَابه وَأحد الْقَوْلَيْنِ لأبي الْمَعَالِي وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الْمُعْتَزلَة إِثْبَات الأَصْل الأول وَهُوَ التَّعْلِيل بالحكم والمصالح وَنفي الثَّانِي بِنَاء على قواعدهم الْفَاسِدَة فِي نفي الصِّفَات
فَأَما الأَصْل الثَّالِث فهم فِيهِ ضد الجبرية من كل وَجه فهما طرفا نقيض فأنهم لَا يثبتون لأفعال الْعباد سوى الْمحبَّة لحسنها والبغض لقبحها وَأما الْمَشِيئَة لَهَا فعندهم أَن مَشِيئَة الله لَا تتَعَلَّق بهَا بِنَاء مِنْهُم على نفي خلق أَفعَال الْعباد فَلَيْسَتْ عِنْدهم إِرَادَة الله لَهَا إِلَّا بِمَعْنى محبته لحسنها فَقَط وَأما قبيحها فَلَيْسَ مُرَاد الله بِوَجْه وَأما الجبرية فعندهم انه لم يتَعَلَّق بهَا سوى الْمَشِيئَة والإرادة وَأما الْمحبَّة عِنْدهم فَهِيَ نفس الْإِرَادَة والمشيئة فَمَا شاءه فقد أحبه ورضيه وَأما أَصْحَاب القَوْل الْوسط وهم أهل التَّحْقِيق من الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء والمتكلمين فيثبتون الْأُصُول الثَّلَاثَة فيثبتون الْحِكْمَة الْمَقْصُودَة بِالْفِعْلِ فِي أَفعاله تَعَالَى وأوامره ويجعلونها عَائِدَة إِلَيْهِ حكما ومشتقا لَهُ اسْمهَا فالمعاصي كلهَا مقوتة مَكْرُوهَة وَإِن وَقعت بمشيئته وخلقه والطاعات كلهَا محبوبة لَهُ مرضية وَإِن لم يشاها مِمَّن لم يطعه وَمن وجدت مِنْهُ فقد تعلق بهَا الْمَشِيئَة وَالْحب فَمَا لم يُوجد من أَنْوَاع الْمعاصِي فَلم تتَعَلَّق بِهِ مَشِيئَة وَلَا محبته وَمَا وجد مِنْهَا تعلّقت بِهِ مَشِيئَته دون محبته وَمَا لم يُوجد من الطَّاعَات الْمقدرَة تعلق بهَا محبته دون مَشِيئَته وَمَا وجد مِنْهَا تعلق بِهِ محبته ومشيئته وَمن لم يحكم هَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة لم يسْتَقرّ لَهُ فِي مسَائِل الحكم وَالتَّعْلِيل والتحسين والتقبيح قدم بل لَا بُد من تناقضه ويتسلط عَلَيْهِ خصومه من جِهَة نَفْيه لوَاحِد مِنْهَا وَلِهَذَا لما رأى الْقَدَرِيَّة والجبرية أَنهم لَو سلمُوا للمعتزلة شَيْئا من هَذِه تسلطوا عَلَيْهِم بِهِ سدوا على أنفسهم الْبَاب
стр. 347
بِالْكُلِّيَّةِ وأنكروها جملَة فَلَا حِكْمَة عِنْدهم وَلَا تَعْلِيل وَلَا محبَّة تزيد على الْمَشِيئَة وَلما أنكر الْمُعْتَزلَة رُجُوع الْحِكْمَة إِلَيْهِ تَعَالَى سلطوا عَلَيْهِم خصومهم فأبدوا تناقضهم وكشفوا عَوْرَاتهمْ وَلما سلك أهل السّنة القَوْل الْوسط وتوسطوا بَين الْفَرِيقَيْنِ لم يطْمع أحد فِي مناقضتهم وَلَا فِي إِفْسَاد قَوْلهم وَأَنت إِذا تَأَمَّلت حجج الطَّائِفَتَيْنِ وَمَا ألزمته كل مِنْهُمَا لِلْأُخْرَى علمت أَن من سلك القَوْل الْوسط لم يلْزمه شَيْء من إلزاماتهم وَلَا تناقضهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين هادي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
فصل وَقد سلم كثير من النفاة أَن كَون الْفِعْل حسنا أَو قبيحا بِمَعْنى
الملاءمة والمنافرة والكمال وَالنُّقْصَان عَقْلِي وَقَالَ نَحن لَا ننازعكم فِي الْحسن والقبح بِهَذَيْنِ الاعتبارين وَإِنَّمَا النزاع فِي إثْبَاته عقلا بِمَعْنى كَونه مُتَعَلق الْمَدْح والذم عَاجلا وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب آجلا فعندنا لَا مدْخل لِلْعَقْلِ فِي ذَلِك وَإِنَّمَا يعلم بِالسَّمْعِ الْمُجَرّد قَالَ هَؤُلَاءِ فيطلق الْحسن والقبح بِمَعْنى الملاءمة والمنافرة وَهُوَ عَقْلِي وَبِمَعْنى الْكَمَال وَالنُّقْصَان وَهُوَ عَقْلِي وَبِمَعْنى إستلزامه للثَّواب وَالْعِقَاب وَهُوَ مَحل النزاع وَهَذَا التَّفْصِيل لَو أعطي حَقه والتزمت لوازمه رفع النزاع وَأعَاد المسئلة اتفاقية وَأَن كَون الْفِعْل صفة كَمَال أَو نُقْصَان يسْتَلْزم إثباب تعلق الملاءمة والمنافرة لِأَن الْكَمَال مَحْبُوب للْعَالم وَالنَّقْص مبغوض لَهُ وَلَا معنى للملاءمة والمنافرة إِلَّا الْحبّ والبغض فَإِن الله سُبْحَانَهُ يحب الْكَامِل من الْأَفْعَال والأقوال والأعمال ومحبته لذَلِك بِحَسب كَمَاله وَيبغض النَّاقِص مِنْهَا ويمقته ومقته لَهُ بِحَسب نقصانه وَلِهَذَا أسلفنا أَن من أصُول المسئلة إِثْبَات صفة الْحبّ والبغض لله فَتَأمل كَيفَ عَادَتْ المسئلة إِلَيْهِ وتوقفت عَلَيْهِ وَالله سُبْحَانَهُ يحب كل مَا أَمر بِهِ وَيبغض كل مَا نهى عَنهُ وَلَا يُسمى ذَلِك ملاءمة أَو منافرة بل يُطلق عَلَيْهِ الْأَسْمَاء الَّتِي أطلقها على نَفسه وأطلقها عَلَيْهِ رَسُوله من محبته للْفِعْل الْحسن الْمَأْمُور بِهِ وبغضه للْفِعْل الْقَبِيح ومقته لَهُ وَمَا ذَاك إِلَّا لكَمَال الأول ونقصان الثَّانِي فَإِذا كَانَ الْفِعْل مستلزما للكمال وَالنُّقْصَان وأستلزامه لَهُ عَقْلِي والكمال وَالنُّقْصَان يسْتَلْزم الْحبّ والبغض الَّذِي سميتموه ملاءمة ومنافرة واستلزامه عَقْلِي فبيان كَون الْفِعْل حسنا كَامِلا محبوبا مرضيا وَكَونه قبيحا نَاقِصا مسحوطا مبغوضا أَمر عَقْلِي بَقِي حَدِيث الْمَدْح والذم وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَمن أحَاط علما بِمَا اسلفناه فِي ذَلِك انكشفت لَهُ المسئلة واسفرت عَن وَجههَا وَزَالَ عَنْهَا كل شُبْهَة وإشكال فَأَما الْمَدْح والذم فترتبه على النُّقْصَان والكمال والمتصف بِهِ وذمهم لمؤثر النَّقْص والمتصف بِهِ أَمر عَقْلِي فطري وإنكاره يزاحم المكابرة وَأما الْعقَاب فقد قَررنَا أَن ترتبه على فعل الْقَبِيح مَشْرُوط بِالسَّمْعِ وَأَنه إِنَّمَا انتفي عِنْد انْتِفَاء السّمع انْتِفَاء الْمَشْرُوط لانْتِفَاء شَرطه لَا انتفاءه لَا انْتِفَاء سَببه فَإِن سَببه قَائِم ومقتضيه مَوْجُود إِلَّا أَنه لم يتم لتوقف على شَرطه وعَلى
стр. 348
هَذَا فكونه مُتَعَلقا للثَّواب وَالْعِقَاب والمدح والذم عَقْلِي وَأَن كَانَ وُقُوع الْعقَاب مَوْقُوفا على شَرط وَهُوَ وُرُود السّمع وَهل يُقَال أَن الِاسْتِحْقَاق لَيْسَ بِثَابِت لِأَن وُرُود السّمع شَرط فِيهِ هَذَا فِيهِ طَرِيقَانِ للنَّاس وَلَعَلَّ النزاع لَفْظِي فَإِن أُرِيد بالاستحاق الِاسْتِحْقَاق التَّام فَالْحق نَفْيه وَأَن أُرِيد بِهِ قيام السَّبَب والتخلف لفَوَات شَرط أَو وجود مَانع فَالْحق إثْبَاته فَعَادَت الْأَقْسَام الثَّلَاثَة أعنى الْكَمَال وَالنُّقْصَان والملاءمة والمنافرة والمدح والذم إِلَى عرف وَاحِد وَهُوَ كَون الْفِعْل محبوبا أَو مبغوضا وَيلْزم من كَونه محبوبا أَن يكون كمالا وَأَن يسْتَحق عَلَيْهِ الْمَدْح وَالثَّوَاب وَمن كَونه مبعوضا أَن يكون نقصا يسْتَحق بِهِ الذَّم وَالْعِقَاب فَظهر أَن الْتِزَام لَوَازِم هَذَا التَّفْصِيل وإعطاءه حَقه يرفع النزاع وَيُعِيد المسئلة اتفاقية وَلَكِن أصُول الطَّائِفَتَيْنِ تأبى الْتِزَام ذَلِك فَلَا بُد لَهما من التناقص إِذا طردوا أصولهم وَأما من كَانَ أَصله إِثْبَات الْحِكْمَة واتصاف الرب تَعَالَى بهَا وَإِثْبَات الْحبّ والبغض لَهُ وأنهما أَمر وَرَاء الْمَشِيئَة الْعَامَّة فأصول مستلزمه لفروعه وفروعه دَالَّة على أُصُوله فأصوله وفروعه لَا تتناقص وأدلته لَا تتمانع وَلَا تتعارض قَالَ النفاة لَو قدر نَفسه وَقد خلق تَامّ الْخلقَة كَامِل الْعقل دفْعَة وَاحِدَة من أَن يتخلق بأخلاق قوم وَلَا تأدب بتأديب الْأَبَوَيْنِ وَلَا تربي فِي الشَّرْع وَلَا تعلم من متعلم ثمَّ عرض عَلَيْهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا الِاثْنَيْنِ أَكثر من الْوَاحِد وَالثَّانِي أَن الْكَذِب قَبِيح بِمَعْنى أَنه يسْتَحق من الله تَعَالَى لوما عَلَيْهِ لم نشك أَنه لَا يتَوَقَّف فِي الأول ويتوقف فِي الثَّانِي وَمن حكم بِأَن الْأَمريْنِ سيان بِالنِّسْبَةِ إِلَى عقله خرج عَن قضايا الْعُقُول وعاند كعناد الفضول كَيفَ وَلَو تقرر عِنْده أَن الله تَعَالَى لَا يتَضَرَّر بكذب وَلَا ينْتَفع بِصدق وَأَن الْقَوْلَيْنِ فِي حكم التَّكْلِيف على وتيرة وَاحِدَة لم يُمكنهُ أَن يرد أَحدهمَا دون الثَّانِي بِمُجَرَّد عقله وَالَّذِي يُوضحهُ أَن الصدْق وَالْكذب على حَقِيقَة ذاتية لَا تتَحَقَّق ذاتهما إِلَّا بأركان تِلْكَ الْحَقِيقَة مثلا كَمَا يُقَال أَن الصدْق إِخْبَار عَن أَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَالْكذب أَخْبَار عَن أَمر على خلاف مَا هُوَ بِهِ وَنحن نعلم أَن من أدْرك هَذِه الْحَقِيقَة عرف الْمُحَقق وَلم يخْطر بِبَالِهِ كَونه حسنا أَو قبيحا فَلم يدْخل الْحسن والقبح إِذا فِي صفاتهما الذاتية الَّتِي تحققت حقيقتهما بهَا ولوازمها فِي الْوَهم بالبديهة كَمَا بَينا ولألزمها فِي الْوُجُود ضَرُورَة فَأن من الْأَخْبَار الَّتِي هِيَ صَادِقَة مَا يلام عَلَيْهِ من الدّلَالَة على هرب من ظَالِم وَمن الْأَخْبَار الَّتِي هِيَ كَاذِبَة مَا يُثَاب عَلَيْهَا مثل إِنْكَار الدّلَالَة عَلَيْهِ فَلم يدْخل كَون الْكَذِب قبيحا فِي حد الْكَذِب وَلَا لزمَه فِي الْوَهم وَلَا لزمَه فِي الْوُجُود فَلَا يجوز أَن يعد من الصِّفَات الذاتية الَّتِي تلْزم النَّفس وجودا وعدما عِنْدهم وَلَا يجوز أَن يعد من الصِّفَات التابعة للحدوث فَلَا يعقل بالبديهة وَلَا بِالنّظرِ فَإِن النّظر لَا بُد أَن يرد إِلَى الضَّرُورِيّ أَي
стр. 349
البديهي وَإِذ لَا بديهي فَلَا مرد لَهُ أصلا فَلم يبْق لَهُم إِلَّا الاسترواح إِلَى عادات النَّاس من تَسْمِيَة مَا يضر بهم قبيحا وَمَا يَنْفَعهُمْ حسنا وَنحن لَا ننكر أَمْثَال تِلْكَ الاسامي على أَنَّهَا تخْتَلف بعادة قوم وزمان وَمَكَان دون مَكَان وَإِضَافَة دون إِضَافَة وَمَا يخْتَلف بِتِلْكَ النّسَب والإضافات لَا حَقِيقَة لَهُ فِي الذَّات فَرُبمَا يستحسن قوم ذبح الْحَيَوَان وَرُبمَا يستقبحه قوم وَرُبمَا يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى قوم وزمان حسنا وَرُبمَا يكون قبيحا لَكنا وَضعنَا الْكَلَام فِي حكم التَّكْلِيف بِحَيْثُ يجب الْحسن بِهِ وجوبا يُثَاب عَلَيْهِ قطعا وَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ لوم أصلا وَمثل هَذَا يمْتَنع إِدْرَاكه عقلا قَالُوا فَهَذِهِ طَريقَة أهل الْحق على أحسن مَا تقرر وَأحسن مَا تحرر قَالُوا وَأَيْضًا فَنحْن لَا ننكر اشتهار حسن الْفَضَائِل الَّتِي ذكر ضَربهمْ بهَا الْأَمْثَال وقبحها بَين الْخلق وَكَونهَا محمودة مشكورة مثني على فاعلها أَو مذمومه مذموما فاعلها وَلَكنَّا نثبتها إِمَّا بالشرائع وَأما بالأغراض وَنحن إِنَّمَا ننكرها فِي حق الله لانْتِفَاء الْأَغْرَاض عَنهُ فإمَّا إِطْلَاق النَّاس هَذِه الْأَلْفَاظ فِيمَا يَدُور بَينهم فيستمد من الْأَغْرَاض وَلَكِن قد تبدو الْأَغْرَاض وتخفي فَلَا ينتبه لَهَا إِلَّا الْمُحَقِّقُونَ قَالُوا وَنحن ننبه على مثارات الْغَلَط فِيهِ وَهِي ثَلَاثَة مثارات يغلط الْوَهم فِيهَا الأولى أَن الْإِنْسَان يُطلق اسْم الْقبْح على مَا يُخَالف غَرَضه وَأَن كَانَ يُوَافق غَرَض غَيره من حَيْثُ أَنه لَا يلْتَفت إِلَى الْغَيْر فَإِن كل طبع مشغوف بِنَفسِهِ ومستحقر لغيره فَيَقْضِي بالقبح مُطلقًا وَرُبمَا يضيف الْقبْح إِلَى ذَات الشَّيْء وَيَقُول هُوَ فِي نَفسه قَبِيح فقد قضى بِثَلَاثَة أُمُور هُوَ مُصِيب فِي وَاحِد مِنْهَا وَهُوَ أصل الاستقباح مخطىء فِي أَمريْن أَحدهمَا إِضَافَة الْقبْح إِلَى ذَاته وغفل عَن كَونه قبيحا لمُخَالفَة غَرَضه وَالثَّانِي حكمه بالقبح مُطلقًا ومنشؤه عدم الِالْتِفَات إِلَى غَيره بل عَن الِالْتِفَات إِلَى بعض أَحْوَال نَفسه فَإِنَّهُ قد يستحسن فِي بعض الْأَحْوَال عين مَا يستقبحه إِذا اخْتلف الْغَرَض الغلطة الثَّانِيَة سَببهَا أَن الْوَهم غَالب لِلْعَقْلِ فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا فِي حَالَة نادرة قد لَا يلْتَفت الْوَهم إِلَى تِلْكَ الْحَالة النادرة عِنْد ذكرهَا كحكمه على الْكَذِب بِأَنَّهُ قَبِيح مُطلقًا وغفلته عَن الْكَذِب الَّذِي يُسْتَفَاد مِنْهُ عصمَة نَبِي أَو ولى وَإِذا قضى بالقبح مُطلقًا وَاسْتمرّ عَلَيْهِ مرّة وتكرر ذَلِك على سَمعه وَلسَانه إنغرس فِي قلبه استقباحه والنفرة مِنْهُ فَلَو وَقعت تِلْكَ الْحَالة النادرة وجد فِي نَفسه نفرة عَنهُ لطول نشوه على الاستقباح فَإِنَّهُ ألقِي إِلَيْهِ مُنْذُ الصِّبَا على سَبِيل التَّأْدِيب والإرشاد أَن الْكَذِب قَبِيح لَا يَنْبَغِي أَن يقدم عَلَيْهِ أحد وَلَا يُنَبه على حسنه فِي بعض الْأَحْوَال خيفة من أَن لَا تستحكم نفرته عَن الْكَذِب فَيقدم عَلَيْهِ وَهُوَ قَبِيح فِي أَكثر الْأَحْوَال وَالسَّمَاع فِي الصغر كالنقش فِي الْحجر وينغرس فِي النَّفس ويجد التَّصْدِيق بِهِ مُطلقًا وَهُوَ صدق لَكِن لَا على الْإِطْلَاق بل فِي أَكثر الْأَحْوَال اعتقده مُطلقًا الغلطة الثَّالِثَة سَببهَا سبق الْوَهم إِلَى الْعَكْس فَأن من رأى شَيْئا مَقْرُونا بِشَيْء يظنّ أَن الشَّيْء لَا محَالة مقرون بِهِ مُطلقًا وَلَا يدْرِي أَن الْأَخَص أبدا مقرون الأعمبالأعم لَا يلْزم
стр. 350
أَن يكون مَقْرُونا بالأخص ومثاله نفرة نفس الَّذِي نهشته الْحَيَّة عَن الْحَبل المرقش اللَّوْن لِأَنَّهُ وجد الْأَذَى مَقْرُونا بِهَذِهِ الصُّورَة فَتوهم أَن هَذِه الصُّورَة مقرونة بالأذى وَكَذَلِكَ ينفر عَن الْعَسَل إِذا شبهه بالعذرة لِأَنَّهُ وجد الاستقذار مَقْرُونا بالرطب الْأَصْفَر فَتوهم أَن الرطب الْأَصْفَر يقْتَرن بِهِ الاستقذار وَقد يغلب عَلَيْهِ الْوَهم حَتَّى يتَعَذَّر الْأكل وَأَن كَانَ حكم الْعقل يكذب الْوَهم وَلَكِن خلقت قوى النَّفس مطيعة للأوهام وَأَن كَانَت كَاذِبَة حَتَّى أَن الطَّبْع ينفر عَن حسناء سميت باسم الْيَهُود إِذْ وجد الِاسْم مَقْرُونا بالقبح فَظن أَن الْقبْح أَيْضا يلازم الِاسْم وَلِهَذَا يُورد على بعض الْعَوام مسئلة عقلية جلية فيقبلها فَإِذا قلت هَذَا مَذْهَب الاشعري أَو المعتزلي أَو الظَّاهِرِيّ أَو غَيره نفر عَنهُ أَن كَانَ سيء الِاعْتِقَاد فِيمَن نسبتها إِلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا طبع الْعَاميّ بل طبع أَكثر الْعُقَلَاء المتوسمين بِالْعلمِ إِلَّا الْعلمَاء الراسخين الَّذين أَرَاهُم الله الْحق حَقًا وقواهم على إتباعه وَأكْثر الْخلق ترى نُفُوسهم مطيعة للأوهام الكاذبة مَعَ علمهمْ بكذبها وَأكْثر أَقْدَام الْخلق وإحجامهم بِسَبَب هَذِه الأوهام فَأن الْوَهم عَظِيم الِاسْتِيلَاء وَكَذَلِكَ ينفر طبع الْإِنْسَان عَن الْمبيت فِي بَيت فِيهِ ميت مَعَ قِطْعَة بِأَنَّهُ لَا يَتَحَرَّك وَلكنه يتَوَهَّم فِي كل سَاعَة حركته ونطقه قَالُوا فَإِذا انْتَبَهت لهَذِهِ المثارات عرفت بهَا سر القضايا الَّتِي تستحسنها الْعُقُول وسر استحسانها إِيَّاهَا والقضايا الَّتِي تستقبحها الْعُقُول وسر استقباحها لَهَا ولنضرب لذَلِك مثلين وهما مِمَّا يحْتَج بهما علينا أهل الْإِثْبَات
الْمثل الأول الْملك الْعَظِيم المستولي على الأقاليم إِذا رأى ضَعِيفا مشرفا على الْهَلَاك فَإِنَّهُ يمِيل إِلَى إنقاذه ويستحسنه وَأَن كَانَ لَا يعْتَقد أصل الدّين لينتظر ثَوابًا أَو مجازاة وَلَا سِيمَا إِذا لم يعرفهُ الْمِسْكِين وَلم يره بِأَن كَانَ أعمى أَصمّ لَا يسمع الصَّوْت وَأَن كَانَ لَا يُوَافق ذَلِك غَرَضه بل رُبمَا يتعب بِهِ بل يحكم الْعُقَلَاء بِحسن الصَّبْر على السَّيْف إِذا أكره على كلمة الْكفْر أَو على إفشاء السِّرّ وَنقض الْعَهْد وَهُوَ على خلاف غَرَض الْكَفَرَة وعَلى الْجُمْلَة فاستحسان مَكَارِم الْأَخْلَاق وإفاضة النعم لَا يُنكره إِلَّا من عاند الْمثل الثَّانِي الْعَاقِل إِذا سنحت لَهُ حَاجَة وَأمكن قَضَاؤُهَا بِالصّدقِ كَمَا أمكن بِالْكَذِبِ بِحَيْثُ تَسَاويا فِي حُصُول الْغَرَض مِنْهُمَا كل التَّسَاوِي فَإِنَّهُ يُؤثر الصدْق ويختاره ويميل إِلَيْهِ طبعه وَمَا ذَاك إِلَّا لحسنه فلولا أَن الْكَذِب على صفة يجب عِنْده الِاحْتِرَاز عَنهُ وَإِلَّا لما ترجح الصدْق عِنْده قَالُوا وَهَذَا الْغَرَض وَاضح فِي حق من أنكر الشَّرَائِع وَفِي حق من لم تبلغه الدعْوَة حَتَّى لَا يلزموننا كَون التَّرْجِيح بالتكليف فَهَذَا من حججهم وَنحن نجيب عَن ذَلِك فَتبين أَنه لَا يثبت حكم على هذَيْن المثالين فَنَقُول أما قَضِيَّة إنقاذ الْملك وَحسنه حَتَّى فِي حق من لم تبلغه الدعْوَة وَأنكر الشَّرَائِع فسببه دفع الْأَذَى الَّذِي يلْحق الْإِنْسَان من رقة الْقلب وَهُوَ طبع يَسْتَحِيل الأنفكاك عَنهُ وَذَلِكَ لِأَن الْإِنْسَان يقدر نَفسه فِي تِلْكَ البلية وَيقدر غَيره معرضًا عَن الإنقاذ فيستقبحه مِنْهُ لمُخَالفَة غَرَضه فَيَعُود وَيقدر ذَلِك الاستقباح من المشرف على الْهَلَاك فِي حق نَفسه فَيدْفَع عَن نَفسه ذَلِك الْقبْح
стр. 351
المتوهم فَإِن فرض فِي بَهِيمَة أَو شخص لَا رقة فِيهِ يُفِيد تصَوره لَو تصَوره فَيبقى أَمر آخر وَهُوَ طلب الثَّنَاء على إحسانه فَإِن فرض بِحَيْثُ لَا يعلم أَنه المنفذ فيتوقع أَن يعلم فَيكون ذَلِك التوقع باعثا فَإِن فرض فِي مَوضِع يَسْتَحِيل أَن يعلم فيبقي ميل وترجيح يضاهي نفرة طبع السَّلِيم عَن الْحَبل وَذَلِكَ أَنه رأى هَذِه الصُّورَة مقرونة بالثناء فيظن أَن الثَّنَاء مقرون بهَا بِكُل حَال كَمَا أَنه لما رأى الْأَذَى مَقْرُونا بِصُورَة الْحَبل فطبعه ينفر عَن الْأَذَى فينفر عَن المقرون بِهِ فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالمكروه مَكْرُوه بل الْإِنْسَان إِذا جَالس من عشقه فِي مَكَان فَإِذا نتهي إِلَيْهِ أحس فِي نَفسه ذَلِك الْمَكَان من غَيره قَالَ الشَّاعِر
أَمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذَا الْجِدَار وَذَا الجدارا
وَمَا حب الديار شغفن قلبِي ... وَلَكِن حب من سكن الديارا
وَقَالَ ابْن الرُّومِي منبها على سَبَب حب الأوطان
وحبب أوطان الرِّجَال إِلَيْهِم ... مآرب قَضَاهَا الشَّبَاب هنالكا
إِذا ذكرُوا أوطانهم ذكر تهموا ... عهودا جرت فِيهَا فحنوا لذلكا
قَالَ وشواهد ذَلِك مِمَّا يكثر وكل ذَلِك من حكم الْوَهم قَالُوا وَأما الصَّبْر على السَّيْف فِي تَركه كلمة الْكفْر مَعَ طمأنينة النَّفس فَلَا يستحسنه جَمِيع الْعُقَلَاء لَوْلَا الشَّرْع بل رُبمَا استقبحوه فَإِنَّمَا يستحسنه من ينْتَظر الثَّوَاب على الصَّبْر أَو من ينْتَظر الثَّنَاء عَلَيْهِ بالشجاعة والصلابة فِي الدّين فكم من شُجَاع ركب متن الْخطر وهجم على عدد وَهُوَ يعلم أَنه لَا يطيقهم ويستحقر مَا يَنَالهُ من الْأَلَم لما يعتاضه من توهم الثَّنَاء وَالْحَمْد وَلَو بعد مَوته وَكَذَلِكَ إخفاء السِّرّ وَحفظ الْعَهْد إِنَّمَا يتواصى النَّاس بهما لما فيهمَا من الْمصَالح وَلذَلِك أَكْثرُوا الثَّنَاء عَلَيْهِمَا فَمن يحْتَمل الضَّرَر لَا لله فَإِنَّمَا يحْتَملهُ لأجل الثَّنَاء فَإِن فرض من لَا يستولي عَلَيْهِ هَذَا الْوَهم وَلَا ينْتَظر الثَّنَاء وَالثَّوَاب فَهُوَ يستقبح السَّعْي فِي هَلَاك نَفسه بِغَيْر فَائِدَة ويستحمق من يفعل ذَلِك قطعا فَمن يسلم أَن مثل ذَلِك يُؤثر الْهَلَاك على الْحَيَاة قَالُوا وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَمَّن عرضت لَهُ حَاجَة وَأمكن قَضَاؤُهَا بِالصّدقِ وَالْكذب واستويا عِنْده وإيثاره الصدْق على أَنا نقُول تَقْدِير اسْتِوَاء الصدْق وَالْكذب فِي الْمَقْصُود مَعَ قطع النّظر عَن الْغَيْر تَقْدِير مُسْتَحِيل لِأَن الصدْق وَالْكذب متنافيان وَمن الْمحَال تَسَاوِي المتنافيين فِي جَمِيع الصِّفَات فلأجل ذَلِك التَّقْدِير المستحيل يستبعد الْعقل إِيثَار الْكَذِب وَمنع إِيثَار الصدْق قَالُوا وَلَا يلْزم من استبعاد منع إِيثَار الصدْق على التَّقْدِير المستحيل استبعاده فِي نفس الْأَمر وَإِنَّمَا يلْزم لَو كَانَ التَّقْدِير المستلزم وَاقعا وَهُوَ مَمْنُوع قَالُوا وَلَئِن سلمنَا أَن ذَلِك التَّقْدِير مُمكن فغايته أَن يدل على حسن الصدْق شَاهدا وَلَكِن لَا
стр. 352
يلْزم حسنه غَائِبا إِلَّا بطرِيق قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد وَهُوَ فَاسد لوضوح الْفرق الْمَانِع من الْقيَاس وَالَّذِي يقطع دابر الْقيَاس أَن السَّيِّد لَو رأى عبيده وإماءه يموج بَعضهم فِي بعض ويركبون الظُّلم وَالْفَوَاحِش وَهُوَ مطلع عَلَيْهِم قَادر على مَنعهم لقبح ذَلِك مِنْهُ وَالله قد فعل ذَلِك بعباده بل أعانهم وأمدهم وَلم يقبح مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَلَا يَصح قَوْلهم انه سُبْحَانَهُ تَركهم لينزجروا بِأَنْفسِهِم ليستحقوا الثَّوَاب لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قد علم أَنهم لَا ينزجرون وَلم لم يمنعهُم قهرا فكم من مَمْنُوع من الْفَوَاحِش لعِلَّة وَعجز وَذَلِكَ أحسن من تَمْكِينه مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا ينزجر وَبِالْجُمْلَةِ فَقِيَاس أَفعَال الله على أَفعَال الْعباد بَاطِل قطعا ومحض التَّشْبِيه فِي الْأَفْعَال وَلِهَذَا جمعت الْمُعْتَزلَة الْقَدَرِيَّة بَين التعطيل فِي الصِّفَات والتشبيه فِي الْأَفْعَال فهم معطلة مشبهة لباسهم معلم من الطَّرفَيْنِ كَيفَ وَأَن إنقاذ الغريق الَّذِي استدللتم بِهِ حجَّة عَلَيْكُم فَإِن نفس الإغراق والإهلاك يحسن مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَلَا يقبح وَهُوَ أقبح شَيْء منا فالأنقاذ إِن كَانَ حسنا فالإغراق يجب أَن يكون قبيحا فَإِن قُلْتُمْ لَعَلَّ فِي ضمن الإغراق والإهلاك سرا لم نطلع عَلَيْهِ وغرضا لم نصل إِلَيْهِ فقدروا مثله فِي ترك إنقاذنا نَحن للغرقى بل فِي إهلاكنا لمن نهلكه والفعلان من حَيْثُ التَّكْلِيف والإيجاب مستويان عقلا وَشرعا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يتَضَرَّر بِمَعْصِيَة العَبْد وَلَا ينْتَفع بِطَاعَتِهِ وَلَا تتَوَقَّف قدرته فِي الْإِحْسَان إِلَى العَبْد على فعل يصدر من العَبْد بل كلما أنعم عَلَيْهِ ابْتِدَاء بأجزل الْمَوَاهِب وَأفضل العطايا من حسن الصُّورَة وَكَمَال الْخلقَة وقوام البنية وإعداد الْآلَة وإتمام الأداة تَعْدِيل الْقَامَة وَمَا متعهُ بِهِ من روح الْحَيَاة وفضله من حَيَاة الْأَرْوَاح وَمَا أكْرمه بِهِ من قبُول الْعلم وهداه إِلَى مَعْرفَته الَّتِي هِيَ أَسْنَى جوائزه وَأَن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها فَهُوَ سُبْحَانَهُ أقدر على الإنعام عَلَيْهِ دواما فَكيف يُوجب على العبيد عبَادَة شاقة فِي الْحَال لارتقاب ثَوَاب فِي ثَانِي الْحَال أَلَيْسَ لَو ألقِي إِلَيْهِ زِمَام الِاخْتِيَار حَتَّى يفعل مَا يَشَاء جَريا على سوق طبعه المائل إِلَى لذيذ الشَّهَوَات ثمَّ أجزل لَهُ فِي الْعَطاء من غير حِسَاب كَانَ ذَلِك أروح للْعَبد وَلم يكن قبيحا عِنْد الْعقل فقد تعَارض الْأَمْرَانِ:
أَحدهمَا أَن يكلفهم فيأمر وَينْهى حَتَّى يطاع ويعصى ثمَّ يثيبهم ويعاقبهم على فعلهم الثَّانِي أَنه لَا يكلفهم بِأَمْر وَلَا نهى إِذْ لَا ينْتَفع سُبْحَانَهُ مِنْهُم بِطَاعَة لَا يتَضَرَّر مِنْهُم بِمَعْصِيَة كلا بل لَا تكون نعمه ثَوابًا بل ابْتِدَاء وَإِذا تعَارض فِي الْعُقُول هَذَانِ الْأَمْرَانِ فَكيف يَهْتَدِي الْعقل إِلَى اخْتِيَار أَحدهمَا حَقًا وقطعا فَكيف تعرفنا الْعُقُول وجوبا على النَّفس بالمعرفة وعَلى الْجَوَارِح بِالطَّاعَةِ وعَلى الْبَارِي سُبْحَانَهُ بالثواب وَالْعِقَاب قَالُوا وَلَا سِيمَا على أصُول الْمُعْتَزلَة الْقَدَرِيَّة فَإِن التَّكْلِيف بِالْأَمر والنهى والإيجاب من الله لَا حَقِيقَة لَهُ على أصلهم فَإِنَّهُ لَا يرجع إِلَى ذَات الرب تَعَالَى صفة يكون بهَا آمرا ناهيا مُوجبا مُكَلّفا بِالْأَمر والنهى لِلْخلقِ وَمَعْلُوم أَنه لَا يرجع إِلَى ذَاته من الْخلق صفة
стр. 353
وَالْعقل عِنْدهم إِنَّمَا يعرفهُ على هَذِه الصّفة ويستحيل عِنْدهم أَن يعرفهُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي وَيطْلب مِنْهُ شَيْئا أَو يَأْمُرهُ وينهاه بِشَيْء كَمَا يعقل كَمَا يعقل الْأَمر وَالنَّهْي بِالطَّلَبِ الْقَائِم بالآمر والناهي فَإِذا لم يقم بِهِ طلب اسْتَحَالَ أَن يكون آمرا ناهيا فغاية الْعقل عِنْدهم أَن يعرفهُ على صفة يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الاتصاف بِالْأَمر والنهى فَكيف يعرفهُ على صفة يُرِيد مِنْهُ طَاعَة فَيسْتَحق عَلَيْهَا ثَوابًا أَو يكره مِنْهُ مَعْصِيّة يسْتَحق عَلَيْهَا عقَابا وَإِذ لَا أَمر وَلَا نهى يعقل فَلَا طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة إِذا هما فرع الْأَمر والنهى فَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب إِذْ هما فرع الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَغَايَة مَا يَقُولُونَ أَنه يخلق فِي الْهَوَاء أَو فِي بَحر أفعل أَو لَا تفعل بِشَرْط أَن لَا يدل الْأَمر والنهى الْمَخْلُوق على صفة فِي ذَاته غير كَونه عَالما قَادِرًا وَمَعْلُوم أَن هَذَا لَا يدل أَلا على كَون الْفَاعِل قَادِرًا عَالما حَيا مرِيدا لفعله وَأما دلَالَته على حَقِيقَة الْأَمر والنهى المستلزمة للطاعة وَالْمَعْصِيَة المستلزمين للثَّواب وَالْعِقَاب فَلَا فتعرف من ذَلِك أَن من نفي قيام الْكَلَام وَالْأَمر والنهى بِذَات الله لم يُمكنهُ إِثْبَات التَّكْلِيف على العَبْد أبدا وَلَا إِثْبَات حكم للْفِعْل بِحسن وَلَا قبح وَفِي ذَلِك إبِْطَال الشَّرَائِع جملَة مَعَ استنادها إِلَى قَول من قَامَت الْبَرَاهِين على صدقه ودلت المعجزة على نبوته فضلا عَن الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة المتعارضة المستندة إِلَى عادات النَّاس الْمُخْتَلفَة بِالْإِضَافَة وَالنّسب والأزمنة والأمكنة والأقوال وَقد عرف بِهَذَا أَن من نفي قَول الله وَكَلَامه فقد نفي التَّكْلِيف جملَة وَصَارَ من أَخبث الْقَدَرِيَّة وشرهم مقَالَة حَيْثُ أثبت تكليفا وإيجابا وتحريما بِلَا أَمر وَلَا نهي وَلَا اقْتِضَاء وَلَا طلب وَهَذِه مقدرته فِي حق الرب تَعَالَى وَأثبت فعلا وَطَاعَة ومعصية بِلَا فَاعل وَلَا مُحدث وَهَذِه مقدرته فِي حق العَبْد فليتنبه لهَذِهِ الثَّلَاثَة
قَالُوا وَأَيْضًا فَمَا من معنى يستنبط من قَول أَو فعل ليربط بِهِ حكم مُنَاسِب لَهُ إِلَّا وَمن جنسه فِي الْعقل أَمر آخر يُعَارضهُ يُسَاوِيه فِي الدرجَة أَو يفضل عَلَيْهِ فِي الْمرتبَة فيتحير الْعقل فِي الِاخْتِيَار إِلَى أَن يرد شرع يخْتَار أَحدهمَا ويرجحه من تلقائة فَيجب على الْعَاقِل اعْتِبَاره واختياره لترجيح الشَّرْع لَهُ لَا لرجحانه فِي نَفسه ونضرب لذَلِك مِثَالا فَنَقُول إِذا قتل إِنْسَان مثله عرض لِلْعَقْلِ الصَّرِيح هَاهُنَا آراء متعارضة
مُخْتَلفَة مِنْهَا أَنه يجب أَن يقتل قصاصا ردعا للجناة وزجرا للطغاة وحفظا للحياة وشفاء للغيظ وتبريدا لحر الْمُصِيبَة اللاحقة لأولياء الْقَتِيل ويعارضه معنى آخر أَنه إِتْلَاف بازاء إِتْلَاف وعدوان فِي مُقَابلَة عدوان وَلَا يحيا الأول بقتل الثَّانِي فَفِيهِ تَكْثِير الْمفْسدَة بإعدام النفسين وَأما مصلحَة الردع والزجر واستبقاء النَّوْع فَأمر متوهم وَفِي الْقصاص اسْتِهْلَاك مُحَقّق فقد تعَارض الْأَمر ان وَرُبمَا يُعَارضهُ أَيْضا معنى ثَالِث وَرَاء هما فيفكر الْعقل أيراعى شَرَائِط آخر وَرَاء مُجَرّد الإنسانية من الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْعلم وَالْجهل والكمال وَالنَّقْص والقرابة والأجنبية أَولا فيتحير الْعقل كل التحير فَلَا بُد إِذا من شَارِع يفصل هَذِه الخطة ويقرر قانونا يطرد عَلَيْهِ أَمر الْأمة وتستقيم عَلَيْهِ مصالحهم
стр. 354
وَظهر بِهَذَا أَن الْمعَانِي المستنبطة إِذا كَانَت رَاجِعَة إِلَى مُجَرّد استنباط الْعقل فَيلْزم من ذَلِك أَن تكون الْحَرَكَة الْوَاحِدَة مُشْتَمِلَة على صِفَات متناقضة واحوال متنافرة وَلَيْسَ معنى قَوْلنَا أَن الْعقل استنبط مِنْهَا أَنَّهَا كَانَت مَوْجُودَة فِي الشَّيْء فاستخرجها الْعقل بل الْعقل تردد بَين إضافات الْأَحْوَال بَعْضهَا إِلَى بعض وَنسب الْأَشْخَاص والحركات نوعا إِلَى نوع وشخصا إِلَى شخص فيطرأ عَلَيْهِ من تِلْكَ الْمعَانِي مَا حكيناه وأحصيناه وَرُبمَا يبلغ مبلغا يشذ عَن الإحصاء فَعرف بذلك أَن الْمعَانِي لم ترجع إِلَى الذَّات بل مُجَرّد الخواطر الطارئة على الأَصْل وَهِي متعارضة
قَالُوا وَأَيْضًا لوثبت الْحسن والقبح العقليان لتَعلق بهما الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم شَاهدا وغائبا على العَبْد والرب وَاللَّازِم محَال فالملزوم كَذَلِك
أما الْمُلَازمَة فقد كفانا أهل الْإِثْبَات تقريرها بالتزامهم أَنه يجب على العَبْد عقلا بعض الْأَفْعَال الْحَسَنَة وَيحرم عَلَيْهِ الْقَبِيح وَيسْتَحق الثَّوَاب وَالْعِقَاب على ذَلِك وَأَنه يجب على الرب تَعَالَى فعل الْحسن ورعاية الصّلاح والأصلح وَيحرم عَلَيْهِ فعل الْقَبِيح وَالشَّر ومالا فَائِدَة فِيهِ كالعبث وَوَضَعُوا بعقولهم شَرِيعَة أوجبوا بهَا على الرب تَعَالَى وحرموا عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدهم ثَمَرَة المسئلة وفائدتها وَأما انْتِفَاء اللَّازِم فَإِن الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم بِدُونِ الشَّرْع مُمْتَنع إِذْ لَو ثَبت بِدُونِهِ لقامت الْحجَّة بِدُونِ الرُّسُل وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أثبت الْحجَّة بالرسل خَاصَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل وَأَيْضًا فَلَو ثَبت بِدُونِ الشَّرْع لَا يسْتَحق الثَّوَاب وَالْعِقَاب عَلَيْهِ وَقد نفى الله سُبْحَانَهُ الْعقَاب قبل الْبعْثَة فَقَالَ وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا وَقَالَ تَعَالَى وهم يصطرخون فِيهَا رَبنَا أخرجنَا نعمل صَالحا غير الَّذِي كُنَّا نعمل أولم نُعَمِّركُمْ مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر وَجَاءَكُم النذير فَإِنَّمَا احْتج عَلَيْهِم بالنذير وَقَالَ تَعَالَى وَنَادَوْا يَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك قَالَ إِنَّكُم مَاكِثُونَ لقد جئناكم بِالْحَقِّ وَلَكِن أَكْثَرَكُم للحق كَارِهُون وَالْحق هَاهُنَا هُوَ مَا بعث بِهِ المُرْسَلُونَ بِاتِّفَاق الْمُفَسّرين وَقَالَ تَعَالَى كلما ألْقى فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير وَقَالَ تَعَالَى وَيَوْم يناديهم فَيَقُول مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين فَلَا يسألهم ﵎ عَن مُوجبَات عُقُولهمْ بل عَمَّا أجابوا بِهِ رسله فَعَلَيهِ يَقع الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَقَالَ تَعَالَى ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَلا تعبدوا الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين وَأَن اعبدوني هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم فاحتج عَلَيْهِم ﵎ بِمَا عَهده إِلَيْهِم على أَلْسِنَة رسله خَاصَّة فَإِن عَهده هُوَ أمره وَنَهْيه الَّذِي بلغته رسله وَقَالَ تَعَالَى وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين فَهَذَا فِي حكم الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم على الْعباد قبل الْبعْثَة وَأما انْتِفَاء الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم على من لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل فَمن وُجُوه مُتعَدِّدَة
أَحدهَا أَن الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم فِي حَقه سُبْحَانَهُ غير
стр. 355
مَعْقُول على الْإِطْلَاق وَكَيف يعلم أَنه سُبْحَانَهُ يجب عَلَيْهِ أَن يمدح ويذم ويثيب ويعاقب على الْفِعْل بِمُجَرَّد الْعقل وَهل ذَلِك إِلَّا مغيب عَنَّا فيمَ نَعْرِف أَنه رضى عَن فَاعل وَسخط على فَاعل وَأَنه يثيب هَذَا ويعاقب هَذَا وَلم يخبر عَنهُ بذلك مخبر صَادِق وَلَا دلّ على مواقع رِضَاهُ وَسخطه عقل وَلَا أخبر عَن محكومه ومعلومه مخبر فَلم يبْق إِلَّا قِيَاس أَفعاله على أَفعَال عباده وَهُوَ من أفسد الْقيَاس وأعظمه بطلانا فَأَنَّهُ تَعَالَى كَمَا أَنه لَيْسَ كمثله شَيْء فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته فَكَذَلِك لَيْسَ كمثله شَيْء فِي أَفعاله وَكَيف يُقَاس على خلقه فِي أَفعاله فَيحسن مِنْهُ مَا يحسن مِنْهُم ويقبح مِنْهُ مَا يقبح مِنْهُم وَنحن نرى كثيرا من الْأَفْعَال تقبح منا وَهِي حَسَنَة مِنْهُ تَعَالَى كإيلام الْأَطْفَال وَالْحَيَوَان وإهلاك من لَو أهلكناه نَحن لقبح منا من الْأَمْوَال والأنفس وَهُوَ مِنْهُ تَعَالَى مستحسن غير مستقبح وَقد سُئِلَ بعض الْعلمَاء عَن ذَلِك فَأَنْشد السَّائِل
ويقبح من سواك الْفِعْل عِنْدِي ... فتفعله فَيحسن مِنْك ذاكا
وَنحن نرى ترك إنقاذ الفرقي والهلكي قبيحا منا وَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذا أغرقهم وأهلكهم لم يكن قبيحا مِنْهُ ونرى ترك أَحَدنَا عبيده وإماءه يقتل بَعضهم بَعْضًا ويسيء بَعضهم بَعْضًا وَيفْسد بَعضهم بَعْضًا وَهُوَ مُتَمَكن من مَنعهم قبيحا وَهُوَ سُبْحَانَهُ قد ترك عباده كَذَلِك وَهُوَ قَادر على مَنعهم وَهُوَ مِنْهُ حسن غير قَبِيح وَإِذا كَانَ هَذَا شَأْنه سُبْحَانَهُ وشأننا فَكيف يصبح قِيَاس أَفعاله على أفعالنا فَلَا يدْرك إِذا للْوُجُوب وَالتَّحْرِيم عَلَيْهِ وَجه كَيفَ والإيجاب وَالتَّحْرِيم يَقْتَضِي مُوجبا ومحرما آمرا ناهيا وَبَينه فرق وَبَين الَّذِي يجب عَلَيْهِ وَيحرم وَهَذَا محَال فِي حق الْوَاحِد القهار فالإيجاب وَالتَّحْرِيم طلب للْفِعْل وَالتّرْك على سَبِيل الاستعلاء فَكيف يتَصَوَّر غَائِبا
قَالُوا وَأَيْضًا فَلهَذَا الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم اللَّذين زعمتم على الله لَوَازِم فَاسِدَة يدل فَسَادهَا على فَسَاد الْمَلْزُوم اللَّازِم الأول إِذا أوجبتم على الله تَعَالَى رِعَايَة الصّلاح والأصلح فِي أَفعاله فَيجب أَن توجبوا على العَبْد رِعَايَة الصّلاح والأصلح أَيْضا فِي أَفعاله حَتَّى يَصح اعْتِبَار الْغَائِب بِالشَّاهِدِ وَإِذا لم يجب علينا رعايتهما بالِاتِّفَاقِ بِحَسب الْمَقْدُور بَطل ذَلِك فِي الْغَائِب وَلَا يَصح تفريقكم بَين الْغَائِب وَالشَّاهِد بالتعب وَالنّصب الَّذِي يلْحق الشَّاهِد دون الْغَائِب لآن ذَلِك لَو كَانَ فارقا فِي مَحل الْإِلْزَام لَكَانَ فارقا فِي أصل الصّلاح فَأن ثَبت الْفرق فِي صفته ومقداره ثَبت فِي أَصله وَأَن بَطل الْفرق ثَبت الْإِلْزَام الْمَذْكُور اللَّازِم الثَّانِي إِن القربات من النَّوَافِل صَلَاح فَلَو كَانَ الصّلاح وَاجِبا وَجب وجوب الْفَرَائِض اللَّازِم الثَّالِث أَن خُلُود أهل النَّار فِي النَّار يجب أَن يكون صلاحا لَهُم دون أَن يردوا فيعتبوا رَبهم ويتوبوا إِلَيْهِ وَلَا ينفعكم اعتذاركم عَن هَذَا الْإِلْزَام بِأَنَّهُم لوردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ فَإِن هَذَا حق وَلَكِن لَو أماتهم وأعدمهم فَقطع عتابهم كَانَ أصلح لَهُم وَلَو غفر لَهُم ورحمهم وأخرجهم من النَّار كَانَ أصلح لَهُم من إماتتهم
следующие страницы →