← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6840

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (577 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المتوهم فَإِن فرض فِي بَهِيمَة أَو شخص لَا رقة فِيهِ يُفِيد تصَوره لَو تصَوره فَيبقى أَمر آخر وَهُوَ طلب الثَّنَاء على إحسانه فَإِن فرض بِحَيْثُ لَا يعلم أَنه المنفذ فيتوقع أَن يعلم فَيكون ذَلِك التوقع باعثا فَإِن فرض فِي مَوضِع يَسْتَحِيل أَن يعلم فيبقي ميل وترجيح يضاهي نفرة طبع السَّلِيم عَن الْحَبل وَذَلِكَ أَنه رأى هَذِه الصُّورَة مقرونة بالثناء فيظن أَن الثَّنَاء مقرون بهَا بِكُل حَال كَمَا أَنه لما رأى الْأَذَى مَقْرُونا بِصُورَة الْحَبل فطبعه ينفر عَن الْأَذَى فينفر عَن المقرون بِهِ فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالمكروه مَكْرُوه بل الْإِنْسَان إِذا جَالس من عشقه فِي مَكَان فَإِذا نتهي إِلَيْهِ أحس فِي نَفسه ذَلِك الْمَكَان من غَيره قَالَ الشَّاعِر أَمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذَا الْجِدَار وَذَا الجدارا وَمَا حب الديار شغفن قلبِي ... وَلَكِن حب من سكن الديارا وَقَالَ ابْن الرُّومِي منبها على سَبَب حب الأوطان وحبب أوطان الرِّجَال إِلَيْهِم ... مآرب قَضَاهَا الشَّبَاب هنالكا إِذا ذكرُوا أوطانهم ذكر تهموا ... عهودا جرت فِيهَا فحنوا لذلكا قَالَ وشواهد ذَلِك مِمَّا يكثر وكل ذَلِك من حكم الْوَهم قَالُوا وَأما الصَّبْر على السَّيْف فِي تَركه كلمة الْكفْر مَعَ طمأنينة النَّفس فَلَا يستحسنه جَمِيع الْعُقَلَاء لَوْلَا الشَّرْع بل رُبمَا استقبحوه فَإِنَّمَا يستحسنه من ينْتَظر الثَّوَاب على الصَّبْر أَو من ينْتَظر الثَّنَاء عَلَيْهِ بالشجاعة والصلابة فِي الدّين فكم من شُجَاع ركب متن الْخطر وهجم على عدد وَهُوَ يعلم أَنه لَا يطيقهم ويستحقر مَا يَنَالهُ من الْأَلَم لما يعتاضه من توهم الثَّنَاء وَالْحَمْد وَلَو بعد مَوته وَكَذَلِكَ إخفاء السِّرّ وَحفظ الْعَهْد إِنَّمَا يتواصى النَّاس بهما لما فيهمَا من الْمصَالح وَلذَلِك أَكْثرُوا الثَّنَاء عَلَيْهِمَا فَمن يحْتَمل الضَّرَر لَا لله فَإِنَّمَا يحْتَملهُ لأجل الثَّنَاء فَإِن فرض من لَا يستولي عَلَيْهِ هَذَا الْوَهم وَلَا ينْتَظر الثَّنَاء وَالثَّوَاب فَهُوَ يستقبح السَّعْي فِي هَلَاك نَفسه بِغَيْر فَائِدَة ويستحمق من يفعل ذَلِك قطعا فَمن يسلم أَن مثل ذَلِك يُؤثر الْهَلَاك على الْحَيَاة قَالُوا وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَمَّن عرضت لَهُ حَاجَة وَأمكن قَضَاؤُهَا بِالصّدقِ وَالْكذب واستويا عِنْده وإيثاره الصدْق على أَنا نقُول تَقْدِير اسْتِوَاء الصدْق وَالْكذب فِي الْمَقْصُود مَعَ قطع النّظر عَن الْغَيْر تَقْدِير مُسْتَحِيل لِأَن الصدْق وَالْكذب متنافيان وَمن الْمحَال تَسَاوِي المتنافيين فِي جَمِيع الصِّفَات فلأجل ذَلِك التَّقْدِير المستحيل يستبعد الْعقل إِيثَار الْكَذِب وَمنع إِيثَار الصدْق قَالُوا وَلَا يلْزم من استبعاد منع إِيثَار الصدْق على التَّقْدِير المستحيل استبعاده فِي نفس الْأَمر وَإِنَّمَا يلْزم لَو كَانَ التَّقْدِير المستلزم وَاقعا وَهُوَ مَمْنُوع قَالُوا وَلَئِن سلمنَا أَن ذَلِك التَّقْدِير مُمكن فغايته أَن يدل على حسن الصدْق شَاهدا وَلَكِن لَا

стр. 352

يلْزم حسنه غَائِبا إِلَّا بطرِيق قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد وَهُوَ فَاسد لوضوح الْفرق الْمَانِع من الْقيَاس وَالَّذِي يقطع دابر الْقيَاس أَن السَّيِّد لَو رأى عبيده وإماءه يموج بَعضهم فِي بعض ويركبون الظُّلم وَالْفَوَاحِش وَهُوَ مطلع عَلَيْهِم قَادر على مَنعهم لقبح ذَلِك مِنْهُ وَالله قد فعل ذَلِك بعباده بل أعانهم وأمدهم وَلم يقبح مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَلَا يَصح قَوْلهم انه سُبْحَانَهُ تَركهم لينزجروا بِأَنْفسِهِم ليستحقوا الثَّوَاب لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قد علم أَنهم لَا ينزجرون وَلم لم يمنعهُم قهرا فكم من مَمْنُوع من الْفَوَاحِش لعِلَّة وَعجز وَذَلِكَ أحسن من تَمْكِينه مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا ينزجر وَبِالْجُمْلَةِ فَقِيَاس أَفعَال الله على أَفعَال الْعباد بَاطِل قطعا ومحض التَّشْبِيه فِي الْأَفْعَال وَلِهَذَا جمعت الْمُعْتَزلَة الْقَدَرِيَّة بَين التعطيل فِي الصِّفَات والتشبيه فِي الْأَفْعَال فهم معطلة مشبهة لباسهم معلم من الطَّرفَيْنِ كَيفَ وَأَن إنقاذ الغريق الَّذِي استدللتم بِهِ حجَّة عَلَيْكُم فَإِن نفس الإغراق والإهلاك يحسن مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَلَا يقبح وَهُوَ أقبح شَيْء منا فالأنقاذ إِن كَانَ حسنا فالإغراق يجب أَن يكون قبيحا فَإِن قُلْتُمْ لَعَلَّ فِي ضمن الإغراق والإهلاك سرا لم نطلع عَلَيْهِ وغرضا لم نصل إِلَيْهِ فقدروا مثله فِي ترك إنقاذنا نَحن للغرقى بل فِي إهلاكنا لمن نهلكه والفعلان من حَيْثُ التَّكْلِيف والإيجاب مستويان عقلا وَشرعا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يتَضَرَّر بِمَعْصِيَة العَبْد وَلَا ينْتَفع بِطَاعَتِهِ وَلَا تتَوَقَّف قدرته فِي الْإِحْسَان إِلَى العَبْد على فعل يصدر من العَبْد بل كلما أنعم عَلَيْهِ ابْتِدَاء بأجزل الْمَوَاهِب وَأفضل العطايا من حسن الصُّورَة وَكَمَال الْخلقَة وقوام البنية وإعداد الْآلَة وإتمام الأداة تَعْدِيل الْقَامَة وَمَا متعهُ بِهِ من روح الْحَيَاة وفضله من حَيَاة الْأَرْوَاح وَمَا أكْرمه بِهِ من قبُول الْعلم وهداه إِلَى مَعْرفَته الَّتِي هِيَ أَسْنَى جوائزه وَأَن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها فَهُوَ سُبْحَانَهُ أقدر على الإنعام عَلَيْهِ دواما فَكيف يُوجب على العبيد عبَادَة شاقة فِي الْحَال لارتقاب ثَوَاب فِي ثَانِي الْحَال أَلَيْسَ لَو ألقِي إِلَيْهِ زِمَام الِاخْتِيَار حَتَّى يفعل مَا يَشَاء جَريا على سوق طبعه المائل إِلَى لذيذ الشَّهَوَات ثمَّ أجزل لَهُ فِي الْعَطاء من غير حِسَاب كَانَ ذَلِك أروح للْعَبد وَلم يكن قبيحا عِنْد الْعقل فقد تعَارض الْأَمْرَانِ: أَحدهمَا أَن يكلفهم فيأمر وَينْهى حَتَّى يطاع ويعصى ثمَّ يثيبهم ويعاقبهم على فعلهم الثَّانِي أَنه لَا يكلفهم بِأَمْر وَلَا نهى إِذْ لَا ينْتَفع سُبْحَانَهُ مِنْهُم بِطَاعَة لَا يتَضَرَّر مِنْهُم بِمَعْصِيَة كلا بل لَا تكون نعمه ثَوابًا بل ابْتِدَاء وَإِذا تعَارض فِي الْعُقُول هَذَانِ الْأَمْرَانِ فَكيف يَهْتَدِي الْعقل إِلَى اخْتِيَار أَحدهمَا حَقًا وقطعا فَكيف تعرفنا الْعُقُول وجوبا على النَّفس بالمعرفة وعَلى الْجَوَارِح بِالطَّاعَةِ وعَلى الْبَارِي سُبْحَانَهُ بالثواب وَالْعِقَاب قَالُوا وَلَا سِيمَا على أصُول الْمُعْتَزلَة الْقَدَرِيَّة فَإِن التَّكْلِيف بِالْأَمر والنهى والإيجاب من الله لَا حَقِيقَة لَهُ على أصلهم فَإِنَّهُ لَا يرجع إِلَى ذَات الرب تَعَالَى صفة يكون بهَا آمرا ناهيا مُوجبا مُكَلّفا بِالْأَمر والنهى لِلْخلقِ وَمَعْلُوم أَنه لَا يرجع إِلَى ذَاته من الْخلق صفة

стр. 353

وَالْعقل عِنْدهم إِنَّمَا يعرفهُ على هَذِه الصّفة ويستحيل عِنْدهم أَن يعرفهُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي وَيطْلب مِنْهُ شَيْئا أَو يَأْمُرهُ وينهاه بِشَيْء كَمَا يعقل كَمَا يعقل الْأَمر وَالنَّهْي بِالطَّلَبِ الْقَائِم بالآمر والناهي فَإِذا لم يقم بِهِ طلب اسْتَحَالَ أَن يكون آمرا ناهيا فغاية الْعقل عِنْدهم أَن يعرفهُ على صفة يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الاتصاف بِالْأَمر والنهى فَكيف يعرفهُ على صفة يُرِيد مِنْهُ طَاعَة فَيسْتَحق عَلَيْهَا ثَوابًا أَو يكره مِنْهُ مَعْصِيّة يسْتَحق عَلَيْهَا عقَابا وَإِذ لَا أَمر وَلَا نهى يعقل فَلَا طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة إِذا هما فرع الْأَمر والنهى فَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب إِذْ هما فرع الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَغَايَة مَا يَقُولُونَ أَنه يخلق فِي الْهَوَاء أَو فِي بَحر أفعل أَو لَا تفعل بِشَرْط أَن لَا يدل الْأَمر والنهى الْمَخْلُوق على صفة فِي ذَاته غير كَونه عَالما قَادِرًا وَمَعْلُوم أَن هَذَا لَا يدل أَلا على كَون الْفَاعِل قَادِرًا عَالما حَيا مرِيدا لفعله وَأما دلَالَته على حَقِيقَة الْأَمر والنهى المستلزمة للطاعة وَالْمَعْصِيَة المستلزمين للثَّواب وَالْعِقَاب فَلَا فتعرف من ذَلِك أَن من نفي قيام الْكَلَام وَالْأَمر والنهى بِذَات الله لم يُمكنهُ إِثْبَات التَّكْلِيف على العَبْد أبدا وَلَا إِثْبَات حكم للْفِعْل بِحسن وَلَا قبح وَفِي ذَلِك إبِْطَال الشَّرَائِع جملَة مَعَ استنادها إِلَى قَول من قَامَت الْبَرَاهِين على صدقه ودلت المعجزة على نبوته فضلا عَن الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة المتعارضة المستندة إِلَى عادات النَّاس الْمُخْتَلفَة بِالْإِضَافَة وَالنّسب والأزمنة والأمكنة والأقوال وَقد عرف بِهَذَا أَن من نفي قَول الله وَكَلَامه فقد نفي التَّكْلِيف جملَة وَصَارَ من أَخبث الْقَدَرِيَّة وشرهم مقَالَة حَيْثُ أثبت تكليفا وإيجابا وتحريما بِلَا أَمر وَلَا نهي وَلَا اقْتِضَاء وَلَا طلب وَهَذِه مقدرته فِي حق الرب تَعَالَى وَأثبت فعلا وَطَاعَة ومعصية بِلَا فَاعل وَلَا مُحدث وَهَذِه مقدرته فِي حق العَبْد فليتنبه لهَذِهِ الثَّلَاثَة قَالُوا وَأَيْضًا فَمَا من معنى يستنبط من قَول أَو فعل ليربط بِهِ حكم مُنَاسِب لَهُ إِلَّا وَمن جنسه فِي الْعقل أَمر آخر يُعَارضهُ يُسَاوِيه فِي الدرجَة أَو يفضل عَلَيْهِ فِي الْمرتبَة فيتحير الْعقل فِي الِاخْتِيَار إِلَى أَن يرد شرع يخْتَار أَحدهمَا ويرجحه من تلقائة فَيجب على الْعَاقِل اعْتِبَاره واختياره لترجيح الشَّرْع لَهُ لَا لرجحانه فِي نَفسه ونضرب لذَلِك مِثَالا فَنَقُول إِذا قتل إِنْسَان مثله عرض لِلْعَقْلِ الصَّرِيح هَاهُنَا آراء متعارضة مُخْتَلفَة مِنْهَا أَنه يجب أَن يقتل قصاصا ردعا للجناة وزجرا للطغاة وحفظا للحياة وشفاء للغيظ وتبريدا لحر الْمُصِيبَة اللاحقة لأولياء الْقَتِيل ويعارضه معنى آخر أَنه إِتْلَاف بازاء إِتْلَاف وعدوان فِي مُقَابلَة عدوان وَلَا يحيا الأول بقتل الثَّانِي فَفِيهِ تَكْثِير الْمفْسدَة بإعدام النفسين وَأما مصلحَة الردع والزجر واستبقاء النَّوْع فَأمر متوهم وَفِي الْقصاص اسْتِهْلَاك مُحَقّق فقد تعَارض الْأَمر ان وَرُبمَا يُعَارضهُ أَيْضا معنى ثَالِث وَرَاء هما فيفكر الْعقل أيراعى شَرَائِط آخر وَرَاء مُجَرّد الإنسانية من الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْعلم وَالْجهل والكمال وَالنَّقْص والقرابة والأجنبية أَولا فيتحير الْعقل كل التحير فَلَا بُد إِذا من شَارِع يفصل هَذِه الخطة ويقرر قانونا يطرد عَلَيْهِ أَمر الْأمة وتستقيم عَلَيْهِ مصالحهم

стр. 354

وَظهر بِهَذَا أَن الْمعَانِي المستنبطة إِذا كَانَت رَاجِعَة إِلَى مُجَرّد استنباط الْعقل فَيلْزم من ذَلِك أَن تكون الْحَرَكَة الْوَاحِدَة مُشْتَمِلَة على صِفَات متناقضة واحوال متنافرة وَلَيْسَ معنى قَوْلنَا أَن الْعقل استنبط مِنْهَا أَنَّهَا كَانَت مَوْجُودَة فِي الشَّيْء فاستخرجها الْعقل بل الْعقل تردد بَين إضافات الْأَحْوَال بَعْضهَا إِلَى بعض وَنسب الْأَشْخَاص والحركات نوعا إِلَى نوع وشخصا إِلَى شخص فيطرأ عَلَيْهِ من تِلْكَ الْمعَانِي مَا حكيناه وأحصيناه وَرُبمَا يبلغ مبلغا يشذ عَن الإحصاء فَعرف بذلك أَن الْمعَانِي لم ترجع إِلَى الذَّات بل مُجَرّد الخواطر الطارئة على الأَصْل وَهِي متعارضة قَالُوا وَأَيْضًا لوثبت الْحسن والقبح العقليان لتَعلق بهما الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم شَاهدا وغائبا على العَبْد والرب وَاللَّازِم محَال فالملزوم كَذَلِك أما الْمُلَازمَة فقد كفانا أهل الْإِثْبَات تقريرها بالتزامهم أَنه يجب على العَبْد عقلا بعض الْأَفْعَال الْحَسَنَة وَيحرم عَلَيْهِ الْقَبِيح وَيسْتَحق الثَّوَاب وَالْعِقَاب على ذَلِك وَأَنه يجب على الرب تَعَالَى فعل الْحسن ورعاية الصّلاح والأصلح وَيحرم عَلَيْهِ فعل الْقَبِيح وَالشَّر ومالا فَائِدَة فِيهِ كالعبث وَوَضَعُوا بعقولهم شَرِيعَة أوجبوا بهَا على الرب تَعَالَى وحرموا عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدهم ثَمَرَة المسئلة وفائدتها وَأما انْتِفَاء اللَّازِم فَإِن الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم بِدُونِ الشَّرْع مُمْتَنع إِذْ لَو ثَبت بِدُونِهِ لقامت الْحجَّة بِدُونِ الرُّسُل وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أثبت الْحجَّة بالرسل خَاصَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل وَأَيْضًا فَلَو ثَبت بِدُونِ الشَّرْع لَا يسْتَحق الثَّوَاب وَالْعِقَاب عَلَيْهِ وَقد نفى الله سُبْحَانَهُ الْعقَاب قبل الْبعْثَة فَقَالَ وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا وَقَالَ تَعَالَى وهم يصطرخون فِيهَا رَبنَا أخرجنَا نعمل صَالحا غير الَّذِي كُنَّا نعمل أولم نُعَمِّركُمْ مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر وَجَاءَكُم النذير فَإِنَّمَا احْتج عَلَيْهِم بالنذير وَقَالَ تَعَالَى وَنَادَوْا يَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك قَالَ إِنَّكُم مَاكِثُونَ لقد جئناكم بِالْحَقِّ وَلَكِن أَكْثَرَكُم للحق كَارِهُون وَالْحق هَاهُنَا هُوَ مَا بعث بِهِ المُرْسَلُونَ بِاتِّفَاق الْمُفَسّرين وَقَالَ تَعَالَى كلما ألْقى فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير وَقَالَ تَعَالَى وَيَوْم يناديهم فَيَقُول مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين فَلَا يسألهم ﵎ عَن مُوجبَات عُقُولهمْ بل عَمَّا أجابوا بِهِ رسله فَعَلَيهِ يَقع الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَقَالَ تَعَالَى ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَلا تعبدوا الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين وَأَن اعبدوني هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم فاحتج عَلَيْهِم ﵎ بِمَا عَهده إِلَيْهِم على أَلْسِنَة رسله خَاصَّة فَإِن عَهده هُوَ أمره وَنَهْيه الَّذِي بلغته رسله وَقَالَ تَعَالَى وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين فَهَذَا فِي حكم الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم على الْعباد قبل الْبعْثَة وَأما انْتِفَاء الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم على من لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل فَمن وُجُوه مُتعَدِّدَة أَحدهَا أَن الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم فِي حَقه سُبْحَانَهُ غير

стр. 355

مَعْقُول على الْإِطْلَاق وَكَيف يعلم أَنه سُبْحَانَهُ يجب عَلَيْهِ أَن يمدح ويذم ويثيب ويعاقب على الْفِعْل بِمُجَرَّد الْعقل وَهل ذَلِك إِلَّا مغيب عَنَّا فيمَ نَعْرِف أَنه رضى عَن فَاعل وَسخط على فَاعل وَأَنه يثيب هَذَا ويعاقب هَذَا وَلم يخبر عَنهُ بذلك مخبر صَادِق وَلَا دلّ على مواقع رِضَاهُ وَسخطه عقل وَلَا أخبر عَن محكومه ومعلومه مخبر فَلم يبْق إِلَّا قِيَاس أَفعاله على أَفعَال عباده وَهُوَ من أفسد الْقيَاس وأعظمه بطلانا فَأَنَّهُ تَعَالَى كَمَا أَنه لَيْسَ كمثله شَيْء فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته فَكَذَلِك لَيْسَ كمثله شَيْء فِي أَفعاله وَكَيف يُقَاس على خلقه فِي أَفعاله فَيحسن مِنْهُ مَا يحسن مِنْهُم ويقبح مِنْهُ مَا يقبح مِنْهُم وَنحن نرى كثيرا من الْأَفْعَال تقبح منا وَهِي حَسَنَة مِنْهُ تَعَالَى كإيلام الْأَطْفَال وَالْحَيَوَان وإهلاك من لَو أهلكناه نَحن لقبح منا من الْأَمْوَال والأنفس وَهُوَ مِنْهُ تَعَالَى مستحسن غير مستقبح وَقد سُئِلَ بعض الْعلمَاء عَن ذَلِك فَأَنْشد السَّائِل ويقبح من سواك الْفِعْل عِنْدِي ... فتفعله فَيحسن مِنْك ذاكا وَنحن نرى ترك إنقاذ الفرقي والهلكي قبيحا منا وَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذا أغرقهم وأهلكهم لم يكن قبيحا مِنْهُ ونرى ترك أَحَدنَا عبيده وإماءه يقتل بَعضهم بَعْضًا ويسيء بَعضهم بَعْضًا وَيفْسد بَعضهم بَعْضًا وَهُوَ مُتَمَكن من مَنعهم قبيحا وَهُوَ سُبْحَانَهُ قد ترك عباده كَذَلِك وَهُوَ قَادر على مَنعهم وَهُوَ مِنْهُ حسن غير قَبِيح وَإِذا كَانَ هَذَا شَأْنه سُبْحَانَهُ وشأننا فَكيف يصبح قِيَاس أَفعاله على أفعالنا فَلَا يدْرك إِذا للْوُجُوب وَالتَّحْرِيم عَلَيْهِ وَجه كَيفَ والإيجاب وَالتَّحْرِيم يَقْتَضِي مُوجبا ومحرما آمرا ناهيا وَبَينه فرق وَبَين الَّذِي يجب عَلَيْهِ وَيحرم وَهَذَا محَال فِي حق الْوَاحِد القهار فالإيجاب وَالتَّحْرِيم طلب للْفِعْل وَالتّرْك على سَبِيل الاستعلاء فَكيف يتَصَوَّر غَائِبا قَالُوا وَأَيْضًا فَلهَذَا الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم اللَّذين زعمتم على الله لَوَازِم فَاسِدَة يدل فَسَادهَا على فَسَاد الْمَلْزُوم اللَّازِم الأول إِذا أوجبتم على الله تَعَالَى رِعَايَة الصّلاح والأصلح فِي أَفعاله فَيجب أَن توجبوا على العَبْد رِعَايَة الصّلاح والأصلح أَيْضا فِي أَفعاله حَتَّى يَصح اعْتِبَار الْغَائِب بِالشَّاهِدِ وَإِذا لم يجب علينا رعايتهما بالِاتِّفَاقِ بِحَسب الْمَقْدُور بَطل ذَلِك فِي الْغَائِب وَلَا يَصح تفريقكم بَين الْغَائِب وَالشَّاهِد بالتعب وَالنّصب الَّذِي يلْحق الشَّاهِد دون الْغَائِب لآن ذَلِك لَو كَانَ فارقا فِي مَحل الْإِلْزَام لَكَانَ فارقا فِي أصل الصّلاح فَأن ثَبت الْفرق فِي صفته ومقداره ثَبت فِي أَصله وَأَن بَطل الْفرق ثَبت الْإِلْزَام الْمَذْكُور اللَّازِم الثَّانِي إِن القربات من النَّوَافِل صَلَاح فَلَو كَانَ الصّلاح وَاجِبا وَجب وجوب الْفَرَائِض اللَّازِم الثَّالِث أَن خُلُود أهل النَّار فِي النَّار يجب أَن يكون صلاحا لَهُم دون أَن يردوا فيعتبوا رَبهم ويتوبوا إِلَيْهِ وَلَا ينفعكم اعتذاركم عَن هَذَا الْإِلْزَام بِأَنَّهُم لوردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ فَإِن هَذَا حق وَلَكِن لَو أماتهم وأعدمهم فَقطع عتابهم كَانَ أصلح لَهُم وَلَو غفر لَهُم ورحمهم وأخرجهم من النَّار كَانَ أصلح لَهُم من إماتتهم

стр. 356

واعدا مُهِمّ وَلم يتَضَرَّر سُبْحَانَهُ بذلك اللَّازِم الرَّابِع أَن مَا فعله الرب تَعَالَى من الصّلاح وألاصلح وَتَركه من الْفساد والعبث لَو كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ لما اسْتوْجبَ بِفِعْلِهِ لَهُ حمدا وثناء فَإِنَّهُ فِي فعله ذَلِك قد قضي مَا وَجب عَلَيْهِ وَمَا استوجبه العَبْد بِطَاعَتِهِ من ثَوَابه فَإِنَّهُ عنْدكُمْ حَقه الْوَاجِب لَهُ على ربه وَمن قضى دينه لم يسْتَوْجب بِقَضَائِهِ شَيْئا آخر اللَّازِم الْخَامِس أَن خلق إِبْلِيس وَجُنُوده أصلح لِلْخلقِ وأنفع لَهُم من أَن لم يخلق مَعَ أَن إقطاعه من الْعباد من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ اللَّازِم السَّادِس انه مَعَ كَون خلقه أصلح لَهُم وأنفع أَن يكون أنظاره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أصلح لَهُم وأنفع من إهلاكه وإماتته اللَّازِم السَّابِع أَن يكون تَمْكِينه من إغوائهم وجريانه مِنْهُم مجْرى الدَّم فِي أبشارهم أَنْفَع لَهُم وَأصْلح لَهُم من أَن يُحَال بَينهم وَبَينه اللَّازِم الثَّامِن أَن يكون إماتة الرُّسُل أصلح للعباد من بقائهم بَين أظهرهم مَعَ هدايتهم لَهُم وَأصْلح من أَن يُحَال بَينهم وَبَينه اللَّازِم الثَّامِن أَن يكون إمانة الرُّسُل أصلح للعباد من بقائهم بَين أظهرهم مَعَ هدايتهم لَهُم وَأصْلح من أَن يُحَال بَينهم وَبَينهَا اللَّازِم التَّاسِع مَا ألزمهُ أَبُو الْحسن الأشعرى للجبائي وَقد سَأَلَهُ عَن ثَلَاثَة أخوة أمات الله أحدهم صَغِيرا وَأَحْيَا الآخرين فَاخْتَارَ أَحدهمَا الْإِيمَان وَالْآخر الْكفْر فَرفع دَرَجَة الْمُؤمن الْبَالِغ على أَخِيه الصَّغِير فِي الْجنَّة لعمله فَقَالَ أَخُوهُ يَا رب لم لَا تبلغني منزلَة أخي فَقَالَ إِنَّه عَاشَ وَعمل أعمالا اسْتحق بهَا هَذِه الْمنزلَة فَقَالَ يَا رب فَهَلا أحييتني حَتَّى أعمل مثل عمله فَقَالَ كَانَ الْأَصْلَح لَك أَن توفيتك صَغِيرا لِأَنِّي علمت أَنَّك إِن بلغت اخْتَرْت الْكفْر فَكَانَ الْأَصْلَح فِي حَقك أَن أمتك صَغِيرا فَنَادَى أخوهما الثَّالِث من أطباق النَّار يَا رب فَهَلا عملت معي هَذَا الْأَصْلَح واختر متني صَغِيرا كَمَا عملته مَعَ أخي واخترمتني صَغِيرا فأسكت الجبائي وَلم يجبهُ بِشَيْء فَإِذا علم الله سُبْحَانَهُ أَنه لَو اخترم العَبْد قبل الْبلُوغ وَكَمَال الْعقل لَكَانَ ناجيا وَلَو أمهله وَسَهل لَهُ النّظر لعاند وَكفر وَجحد فَكيف يُقَال إِن الْأَصْلَح فِي حَقه إبقاؤه حَتَّى يبلغ وَالْمَقْصُود عنْدكُمْ بالتكليف الاستصلاح والتعويض بأسني الدَّرَجَات الَّتِي لَا تنَال إِلَّا بِالْأَعْمَالِ أَو لَيْسَ الْوَاحِد منا إِذا علم من حَال وَلَده أَنه إِذا أعطي مَالا يتجر بِهِ فَهَلَك وخسر بِسَبَب ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يعرضه لذَلِك ويقبح مِنْهُ تعريضه لَهُ وَهُوَ من رب الْعَالمين حسن غير قَبِيح وَكَذَلِكَ من علم من حَال وَلَده انه لَو أعطَاهُ سَيْفا أَو سِلَاحا يُقَاتل بِهِ الْعَدو فَقتل بِهِ نَفسه وَأعْطى السِّلَاح لعَدوه فَإِنَّهُ يقبح مِنْهُ إِعْطَاؤُهُ ذَلِك السِّلَاح والرب تَعَالَى قد علم من أَكثر عباده ذَلِك وَلم يقبح مِنْهُ سُبْحَانَهُ تمكينهم وإعطاؤهم الْآلَات بل هُوَ حسن مِنْهُ كَيفَ وَقد ساعدوا على نُفُوسهم أَن الله سُبْحَانَهُ لَو علم أَنه لَو أرسل رَسُولا إِلَى خلقه وكلفه الْأَدَاء عَنهُ مَعَ علمه بِأَنَّهُ لَا يُؤدى فَإِن علمه سُبْحَانَهُ بذلك يصرفهُ عَن إِرَادَة الْخَيْر وَالصَّلَاح وَهَذَا بِمَثَابَة من أدلى حبلا إِلَى غريق ليخلص نَفسه من الْغَرق مَعَ علمه بِأَنَّهُ يخنق نَفسه بِهِ وَقد ساعدوا أَيْضا على نُفُوسهم بِأَن الله سُبْحَانَهُ إِذا علم أَن فِي تَكْلِيفه عبدا من عباده فَسَاد الْجَمَاعَة فَإِنَّهُ يقبح تَكْلِيفه لِأَنَّهُ استفساد لمن يعلم

стр. 357

أَنه يكفر عِنْد تَكْلِيفه الْإِلْزَام الْحَادِي عشر أَنهم قَالُوا وَصَدقُوا بِأَن الرب تَعَالَى قَادر على التفضل بِمثل الثَّوَاب ابْتِدَاء بِلَا وَاسِطَة عمل فَأَي غَرَض لَهُ فِي تَعْرِيض الْعباد للبلوى والمشاق ثمَّ قَالُوا وكذبوا الْغَرَض فِي التَّكْلِيف أَن اسْتِيفَاء الْمُسْتَحق حَقه أهنا لَهُ وألذ من قبُول التفضل وَاحْتِمَال الْمِنَّة وَهَذَا كَلَام أَجْهَل الْخلق بالرب تَعَالَى وبحقه وبعظمته ومساو بَينه وَبَين أحاد النَّاس وَهُوَ من أقبح النِّسْبَة وأخبثه تَعَالَى الله عَن ضلالهم علوا كَبِيرا فَكيف يستنكف العَبْد الْمَخْلُوق المربوب من قبُول فضل الله تَعَالَى ومنته وَهل الْمِنَّة فِي الْحَقِيقَة إِلَّا الله المان بفضله قَالَ تَعَالَى يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم إِن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين وَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ وَلما قَالَ النَّبِي للْأَنْصَار ألم أَجِدكُم ضلالا فَهدَاكُم الله بِي وَعَالَة فَأَغْنَاكُمْ الله بِي فَأَجَابُوهُ بقَوْلهمْ الله وَرَسُوله أَمن وَيَا للعقول الَّتِي قد خسف بهَا أَي حق للْعَبد على الرب حَتَّى يمْتَنع من قبُول منته عَلَيْهِ فَبِأَي حق اسْتحق الْأَنْعَام عَلَيْهِ بالإيجاد وَكَمَال الْخلقَة وَحسن الصُّورَة وقوام البنية وإعطائه القوى وَالْمَنَافِع والآلات والأعضاء وتسخير مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض لَهُ وَمن أقل مَاله عَلَيْهِ من النعم التنفس فِي الْهَوَاء الَّذِي لَا يكَاد يخْطر بِبَالِهِ أَنه من النعم وَهُوَ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف نفس فَإِذا كَانَت أقل نعمه عَلَيْهِم وَلَا أقل مِنْهَا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف نعْمَة كل يَوْم وَلَيْلَة فَمَا الظَّن بِمَا هُوَ أجل مِنْهَا من النعم فيا للعقول السخيفة المخسوف بهَا أَي علم لكم وَأي سعي يُقَابل الْقَلِيل من نعمه الدُّنْيَوِيَّة حَتَّى لَا يبْقى لله عَلَيْكُم مِنْهُ إِذا أثابكم لأنكم استوفيتم ديونكم قبله وَلَا نعْمَة لَهُ عَلَيْكُم فِيهَا فَأَي أمة من الْأُمَم بلغ جهلها بِاللَّه هَذَا الْمبلغ واستنكفت عَن قبُول منته وَزَعَمت أَن لَهَا الْحق على رَبهَا وَأَن تفضله عَلَيْهَا ومنته مكدر لَا لتذاذها بعطائه وَلَو أَن العَبْد اسْتعْمل هَذَا الْأَدَب مَعَ ملك من مُلُوك الدُّنْيَا لمقته وأبعده وَسقط من عينه مَعَ أَنه لَا نعْمَة لَهُ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا الْمُنعم فِي الْحَقِيقَة هُوَ الله ولى النعم وموليها وَلَقَد كشف الْقَوْم عَن أقبح عَورَة من عورات الْجَهْل بِهَذَا الرَّأْي السخيف وَالْمذهب الْقَبِيح وَالْحَمْد لله الَّذِي عَافَانَا مِمَّا ابتلى بِهِ أَرْبَاب هَذَا الْمَذْهَب المستنكفين من قبُول منَّة الله الزاعمين أَن مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِم حَقهم عَلَيْهِ وحقهم قبله وَأَنه لَا يسْتَحق الْحَمد وَالثنَاء على أَدَاء مَا عَلَيْهِ من الدّين وَالْخُرُوج مِمَّا عَلَيْهِ من الْحق لِأَن أَدَاء الْوَاجِب يَقْتَضِي غَيره تَعَالَى الله عَن إفكهم وكذبهم علوا كَبِيرا الْإِلْزَام الثَّانِي عشر أَنه يلْزمهُم أَن يوجبوا على الله أَن يُمِيت كل من علم من الْأَطْفَال أَنه لَو بلغ لكفر وعاند فَإِن اخترامه هُوَ الْأَصْلَح لَهُ بِلَا ريب أَو أَن يجحدوا علمه سُبْحَانَهُ بِمَا سَيكون قبل كَونه كَمَا الْتَزمهُ سلفهم الْخَبيث الَّذين

стр. 358

اتّفق سلف الْأمة الطّيب على تكفيرهم وَلَا خلاص لَهُم عَن أحد هذَيْن الإلزامين إِلَّا بِالْتِزَام مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن أَفعَال الله تَعَالَى لَا نقاس بِأَفْعَال عباده وَلَا تدخل تَحت شرائع عُقُولهمْ القاصرة بل أَفعاله لَا تشبه أَفعَال خلقه وَلَا صِفَاته صفاتهم وَلَا ذَاته ذواتهم ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ الْإِلْزَام الثَّالِث عشر أَنه سُبْحَانَهُ لَا يؤلم أحدا من خلقه أبدا لعدم الْمَنْفَعَة فِي ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى العَبْد وَلَا ينفعكم اعتذاركم بِأَن الإيلام سَبَب مضاعفة الثَّوَاب ونيل الدَّرَجَات العلى وَأَن هَذَا ينْتَقض بِالْحَيَوَانِ البهيم وينتقض بالأطفال الَّذين لَا يسْتَحقُّونَ ثَوابًا وَلَا عقَابا وَلَا ينفعكم اعتذاركم بِأَن الطِّفْل ينْتَفع بِهِ فِي الْآخِرَة فِي زِيَادَة ثَوَابه لَا نتقاضه عَلَيْكُم بالطفل الَّذِي علم الله أَنه يبلغ ويختار الْكفْر والجحود فَأَي مصلحَة لَهُ فِي إيلامه وَأي معنى ذكر تموه على أصولكم الْفَاسِدَة فَهُوَ منتقض عَلَيْكُم بِمَا لَا جَوَاب لكم عَنهُ الْإِلْزَام الرَّابِع عشر ان من علم الله سُبْحَانَهُ إِذا بلغ الْأَطْفَال يختاروا الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح فَأن الْأَصْلَح فِي حَقه أَن يحييه حَتَّى يبلغ ويؤمن فينال بذلك الدرجَة الْعَالِيَة وَأَن لَا يحترمه صَغِيرا وَهَذَا مِمَّا لَا جَوَاب لكم عَنهُ الْإِلْزَام الْخَامِس عشر وَهُوَ من أعظم الإلزامات وأصحها الزاما وَقد الْتَزمهُ الْقَدَرِيَّة وَهُوَ أَنه لَيْسَ فِي مَقْدُور الله تَعَالَى لطف لَو فعله الله تَعَالَى بالكفار لآمنوا وَقد الْتزم الْمُعْتَزلَة الْقَدَرِيَّة هَذَا اللَّازِم وَبَنوهُ على أصلهم الْفَاسِد أَنه يجب على الله تَعَالَى أَن يفعل فِي حق كل عبد مَا هُوَ الْأَصْلَح لَهُ فَلَو كَانَ فِي مقدوره فعل يُؤمن العَبْد عِنْده لَو جب عَلَيْهِ أَن يَفْعَله بِهِ وَالْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره يرد هَذَا القَوْل ويكذبه ويخبر تَعَالَى أَنه لَو شَاءَ لهدى النَّاس جَمِيعًا وَلَو شَاءَ لَا من من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا وَلَو شَاءَ لآتي كل نفس هداها الْإِلْزَام السَّادِس عشر وَهُوَ مِمَّا الْتَزمهُ الْقَوْم أَيْضا أَن لطفه وَنعمته وتوفيقه بِالْمُؤمنِ كلطفه بالكافر وَأَن نعْمَته عَلَيْهِمَا سَوَاء لم يخص الْمُؤمن بِفضل عَن الْكَافِر وَكفى بِالْوَحْي وصريح الْمَعْقُول وفطرة الله وَالِاعْتِبَار الصَّحِيح وَإِجْمَاع الْأمة ردا لهَذَا القَوْل وتكذيبا لَهُ الْإِلْزَام السَّابِع عشر أَن مَا من أصلح إِلَّا وفوقه مَا هُوَ أصلح مِنْهُ والاقتصار على رُتْبَة وَاحِدَة كالاقتصار على الصّلاح فَلَا معنى لقولكم يجب مُرَاعَاة الْأَصْلَح إِذْ لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا يُمكن فِي الْفِعْل رعايته الْإِلْزَام الثَّامِن عشر أَن الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم يَقْتَضِي سُؤال الْمُوجب الْمحرم لمن أوجب عَلَيْهِ وَحرم هَل فعل مُقْتَضى ذَلِك أم لَا وَهَذَا محَال فِي حق من لَا يسئل عَمَّا يفعل وَإِنَّمَا يعقل فِي حق المخلوقين وَأَنَّهُمْ يسْأَلُون وَبِالْجُمْلَةِ فتحتم بِهَذِهِ المسئلة طَرِيقا للإستغناء عَن الصَّوَاب وسلطتم بهَا الفلاسفة والصابئة والبراهمة وكل مُنكر للنبوات فَهَذِهِ المسئلة بَيْننَا وَبينهمْ فانكم إِذا زعمتم أَن الْعقل حَاكما يحسن ويقبح وَيُوجب وَيحرم ويتقاضى الثَّوَاب وَالْعِقَاب لم تكن الْحَاجة إِلَى الْبعْثَة ضَرُورِيَّة لِإِمْكَان الإستغناء عَنْهَا بِهَذَا الْحَاكِم وَلِهَذَا قَالَت الفلاسفة وزادت عَلَيْكُم حجَّة وتقريرا قد اشْتَمَل الْوُجُود على خير مُطلق وَشر مُطلق وَخير وَشر ممتزجين وَالْخَيْر الْمُطلق مَطْلُوب فِي الْعقل لذاته وَالشَّر الْمُطلق

стр. 359

مرفوض فِي الْعقل لذاته والممتزج مَطْلُوب من وَجه ومرفوض من وَجه وَهُوَ بِحَسب الْغَالِب من جِهَته وَلَا يشك الْعَاقِل أَن الْعلم بِجِنْسِهِ ونوعه خير ومحمود ومطلوب وَالْجهل بِجِنْسِهِ ونوعه شَرّ فِي الْعقل فَهُوَ مستقبح عِنْد الْجُمْهُور وَالْفطر السليمة دَاعِيَة إِلَى تَحْصِيل المستحسن ورفض المستقبح سَوَاء حمله عَلَيْهِ شَارِع أَو لم يحملهُ ثمَّ الْأَخْلَاق الحميدة والخصال الرشيدة من الْعِفَّة والجود والسخاء والنجدة مستحسنات فعلية وأضدادها مستقبحات فعلية وَكَمَال حَال الْإِنْسَان أَن تستكمل النَّفس قوى الْعلم الْحق وَالْعَمَل الْخَيْر والشرائع إِنَّمَا ترد بتمهيد مَا تقرر فِي الْعقل لَا بتغييره لَكِن الْعُقُول الحرونة لما كَانَت قَاصِرَة عَن اكْتِسَاب المعقولات بأسرها عاجزة عَن الاهتداء إِلَى الْمصلحَة الْكُلية الشاملة لنَوْع الْإِنْسَان وَجب من حَيْثُ الْحِكْمَة أَن يكون بَين النَّاس شرع يفرضه شَارِع يحملهم على الْإِيمَان بِالْغَيْبِ جملَة ويهديهم إِلَى مصَالح معاشهم ومعادهم تَفْصِيلًا فَيكون قد جمع لَهُم بَين حظي الْعلم وَالْعدْل على مُقْتَضى الْعقل وَحَملهمْ على التَّوَجُّه إِلَى الْخَيْر الْمَحْض والإعراض عَن الشَّرّ الْمَحْض اسْتِبْقَاء لنوعهم واستدامة لنظام الْعَالم ثمَّ ذَاك الشَّارِع يجب أَن يكون مُمَيّزا من بَينهم بآيَات تدل على أَنَّهَا من عِنْد ربه سُبْحَانَهُ راجحا عَلَيْهِم بعقله الرزين ورأية المتين وَحَدِيثه النَّافِذ وخلقه الْحسن وسمته وهديه يلين لَهُم فِي القَوْل ويشاورهم فِي الْأَمر ويكلمهم على قدر عُقُولهمْ ويكلفهم بِحَسب وسعهم وطاقتهم قَالُوا وَقد أَخْطَأت الْمُعْتَزلَة حِين ردوا الْحسن والقبيح إِلَى الصِّفَات الذاتية للأفعال وَكَانَ من حَقهم تَقْرِير ذَلِك فِي الْعلم وَالْجهل إِذْ الْأَفْعَال تخْتَلف بالأشخاص والأزمان وَسَائِر الإضافات وَلَيْسَ هِيَ على صِفَات نفسية لَازِمَة لَهَا بِحَيْثُ لَا تفارقها الْبَتَّةَ ثمَّ زَادَت الصائبة فِي ذَلِك على الفلاسفة وَقَالُوا لما كَانَت الموجودات فِي الْعَالم السفلي مركبة على تَأْثِير الْكَوَاكِب والروحانيات الَّتِي هِيَ مدبرات الْكَوَاكِب وَكَانَ فِي اتصالاتها نظر سعيد ونحس وَاجِب أَن يكون فِي آثارها حسن وقبح فِي الْأَخْلَاق والخلق وَالْأَفْعَال والعقول الإنسانية مُتَسَاوِيَة فِي النَّوْع فَوَجَبَ أَن يُدْرِكهَا كل عقل سليم وطبع قويم لَا تتَوَقَّف معرفَة المعقولات على من هُوَ مثل ذَلِك الْعَاقِل فِي النَّوْع فَنحْن لَا نحتاج إِلَى من يعرفنا حسن الْأَشْيَاء وقبحها وَخَيرهَا وشرها ونفعها وضرها وكما أَنا نستخرج بالعقول من طبائع الْأَشْيَاء ومنافعها ومضارها كَذَلِك نستنبط من أَفعَال نوع الْإِنْسَان حسنها وقبيحها فنلابس مَا هُوَ أحسن مِنْهَا بِحَسب الِاسْتِطَاعَة ونجتنب مَا هُوَ قَبِيح مِنْهَا بِحَسب الطَّاقَة فَأَي حَاجَة بِنَا إِلَى شَارِع يتحكم على عقولنا وزادت التناسخية على الصائبية بِأَن قَالُوا نوع الْإِنْسَان لما كَانَ مَوْصُوفا بِنَوْع اخْتِيَار فِي أَفعاله مَخْصُوصًا بنطق وعقل فِي علومه وأحواله ارْتَفع عَن الدرجَة الحيوانية ارْتِفَاع استخسار لَهَا فَإِن كَانَت أَعماله على مناهج الدرجَة الإنسانية ارْتَفَعت إِلَى الْمَلَائِكَة وَإِن كَانَت مناهج الدرجَة الحيوانية انخفضت إِلَيْهَا أَو إِلَى أَسْفَل وَهُوَ أبدا فِي أحد

стр. 360

أَمريْن إِمَّا فعل يَقْتَضِي جَزَاء أَو مجازاة على فعل فَمَا باله يحْتَاج فِي أَفعاله وأحواله إِلَى شخص مثله يحسن أَو يقبح فَلَا الْعقل يحسن ويقبح وَلَا الشَّرْع وَلَكِن حسن أَفعاله جَزَاء على حسن أَفعَال غَيره وقبح أَفعاله كَذَلِك وَرُبمَا يظْهر حسنها وقبحها صورا حيوانية روحانية وَإِنَّمَا يصير الْحسن والقبح فِي الْحَيَوَانَات أفعالا إنسانية وَلَيْسَ بعد هَذَا الْعَالم عَالم آخر يحكم فِيهِ وَيُحَاسب ويثاب ويعاقب وزادت البراهمة على التناسخية بِأَن قَالُوا نَحن لَا نحتاج إِلَى شَرِيعَة وشارع أصلا فَأن مَا يَأْمر بِهِ النَّبِي لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون معقولا أَو غير مَعْقُول فَإِن كَانَ معقولا فقد اسْتغنى بِالْعقلِ عَن النَّبِي وَأَن لم يكن معقولا لم يكن مَقْبُولًا فَهَذِهِ الطوائف كلهَا لما جعلت فِي الْعقل حَاكما بالْحسنِ والقبح أَدَّاهَا إِلَى هَذِه الآراء الْبَاطِلَة والنحل الْكَافِرَة وَأَنْتُم يَا معاشر المثبتة يصعب عَلَيْكُم الرَّد عَلَيْهِم وَقد وافقتموهم على هَذَا الأَصْل وَأما نَحن فأخذنا عَلَيْهِم رَأس الطَّرِيق وسددنا عَلَيْهِم الْأَبْوَاب فَمن طرق لَهُم الطَّرِيق وَفتح لَهُم الْأَبْوَاب ثمَّ رام مناجزة الْقَوْم فقد رام مرتقى صعبا فَهَذِهِ مجامع جيوش النفاة قد وافتك بعددها وعديدها وَأَقْبَلت إِلَيْك بحدها وحديدها فَإِن كنت من أَبنَاء الطعْن وَالضَّرْب فقد التقى الزحفان وتقابل الصفان وَإِن كنت من أَصْحَاب التلول فَالْزَمْ مقامك وَلَا تدن من الْوَطِيس فَإِنَّهُ قد حمى وَإِن كنت من اهل الأسراب الَّذين يسْأَلُون عَن الأنباء وَلَا يثبتون عِنْد اللِّقَاء فدع الحروب لأقوام لَهَا خلقُوا ... وَمَالهَا من سوى أجسامهم جنن وَلَا تلمهم على مَا فِيك من جبن ... فبئست الحلتان اللؤم والجبن قَالَ المتوسطون من أهل الْإِثْبَات مَا مِنْكُم أَيهَا الْفَرِيقَانِ إِلَّا من مَعَه حق وباطل وَنحن نساعد كل فريق على حَقه ونصير إِلَيْهِ ونبطل مَا مَعَه من الْبَاطِل وترده عَلَيْهِ فَنَجْعَل حق الطَّائِفَتَيْنِ مذهبا ثَالِثا يخرج من بَين فرث وَدم لَبَنًا خَالِصا سائغا للشاربين من غير أَن ننتسب لي ذِي مقَالَة وَطَائِفَة مُعينَة انتسابا يحملنا على قبُول جَمِيع أحوالها والانتصار لَهَا بِكُل غث وسمين ورد جَمِيع أَقْوَال خصومها ومكابريها على مَا مَعهَا من الْحق حَتَّى لَو كَانَت تِلْكَ الْأَقْوَال منسوبة إِلَى رئيسها وطائفتها لبالغت فِي نصرتها وتقريرها وَهَذِه آفَة مَا نجا مِنْهَا إِلَّا من أنعم الله عَلَيْهِ وَأَهله لمتابعة الْحق أَيْن كَانَ وَمَعَ من كَانَ وَأما من يرى أَن الْحق وقف مؤبد على طائفته وَأهل مذْهبه وَحجر مَحْجُور على من سواهُم مِمَّن لَعَلَّه أقرب إِلَى الْحق وَالصَّوَاب مِنْهُ فقد حرم خيرا كثيرا وَفَاته هدى عَظِيم وَهنا نَحن نجلس مجْلِس الْحُكُومَة بَين هَاتين المقالتين فَمن أدلى بحجته فِي مَوضِع كَانَ الْمَحْكُوم لَهُ فِي ذَلِك الْموضع وَأَن كَانَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ حَيْثُ يدلى خَصمه بحجته وَالله تَعَالَى أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق وَالْعدْل بَين الطوائف الْمُخْتَلفَة قَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن﴾

стр. 361

أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ كبر على الْمُشْركين مَا تدعوهم إِلَيْهِ الله تجتبيء إِلَيْهِ من يَشَاء ويهدى إِلَيْهِ من ينيب وَمَا تفَرقُوا إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك إِلَى أجل مُسَمّى لقضى بَينهم وَأَن الَّذين أورثوا الْكتاب من بعدهمْ لفي شكّ مِنْهُ مريب فَلذَلِك فَادع واستقم كَمَا أمرت وَلَا تتبع أهواءهم وَقل آمَنت بِمَا أنزل الله من كتاب وَأمرت لأعدل بَيْنكُم فَأخْبر تَعَالَى أَنه شرع لنا دينه الَّذِي وصّى بِهِ نوحًا والنبيين من بعده وَهُوَ دين وَاحِد ونهانا عَن التَّفْرِيق فِيهِ ثمَّ أخبرنَا أَنه مَا تفرق من قبلنَا فِي الدّين إِلَّا بعد الْعلم الْمُوجب للإثبات وَعدم التَّفَرُّق وَأَن الْحَامِل على ذَلِك التَّفَرُّق الْبَغي من بَعضهم على بعض وَإِرَادَة كل طَائِفَة أَن يكون الْعُلُوّ والظهور لَهَا ولقولها دون غَيرهَا وَإِذا تَأَمَّلت تفرق أهل الْبدع والضلال رَأَيْته صادرا عَن هَذَا بِعَيْنِه ثمَّ أَمر سُبْحَانَهُ نبيه أَن يَدْعُو إِلَى دينه الَّذِي شَرعه لأنبيائه وَأَن يَسْتَقِيم كَمَا أمره ربه وحذره من اتِّبَاع أهواء المتفرقين وَأمره أَن يُؤمن بِكُل مَا أنزلهُ الله من الْكتب وَهَذِه حَال المحق أَن يُؤمن بِكُل مَا جمعه من الْحق على لِسَان أَي طَائِفَة كَانَت ثمَّ أمره أَن يُخْبِرهُمْ بِأَنَّهُ أَمر بِالْعَدْلِ بَينهم وَهَذَا يعم الْعدْل فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال والآراء والمحاكمات كلهَا فنصبه ربه ومرسله للعدل بَين الْأُمَم فَهَكَذَا وَارثه ينْتَصب للعدل بَين المقالات والآراء والمذاهب ونسبته مِنْهَا إِلَى الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا من الْحق فَهُوَ أولى بِهِ وبتقريره وبالحكم لمن خَاصم بِهِ ثمَّ أمره أَن يُخْبِرهُمْ بِأَن الرب المعبود وَاحِد فَمَا الْحَامِل للتفرق وَالِاخْتِلَاف وَهُوَ رَبنَا وربكم وَالدّين وَاحِد وَلكُل عَامل عمله لَا يعدوه إِلَى غَيره ثمَّ قَالَ لَا حجَّة بَيْننَا وَبَيْنكُم وَالْحجّة هَهُنَا هِيَ الْخُصُومَة أَي للخصومة وَلَا وَجه لخصومة بَيْننَا وَبَيْنكُم بَعْدَمَا ظهر الْحق وأسفر صبحه وَبَانَتْ أَعْلَامه وانكشفت الْغُمَّة عَنهُ وَلَيْسَ المُرَاد نفي الِاحْتِجَاج من الطَّرفَيْنِ كَمَا يَظُنّهُ بعض من لَا يدرى مَا يَقُول وَأَن الدّين لَا احتجاج فِيهِ كَيفَ وَالْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره حجج وبراهين على أهل الْبَاطِل قَطْعِيَّة يقينية وأجوبة لمعارضتهم وإفسادا لأقوالهم بأنواع الْحجَج والبراهين وإخبارا عَن أنبيائه وَرُسُله بِإِقَامَة الْحجَج والبراهين وَأمر لرَسُوله بمجادلة الْمُخَالفين بِالَّتِي هِيَ أحسن وَهل تكون المجادلة إِلَّا بالاحتجاج وإفساد حجج الْخصم وَكَذَلِكَ أَمر الْمُسلمين بمجادلة أهل الْكتاب بِالَّتِي هِيَ أحسن وَقد نَاظر النَّبِي جَمِيع طوائف الْكفْر أتم مناظرة وَأقَام عَلَيْهِم مَا أفحمهم بِهِ من الْحجَج حَتَّى عدل بَعضهم إِلَى محاربته بعد أَن عجز عَن رد قَوْله وَكسر حجَّته وَاخْتَارَ بَعضهم مسالمته ومتاركته وَبَعْضهمْ بذل الْجِزْيَة عَن يَد وَهُوَ صاغر كل ذَلِك بعد إِقَامَة الْحجَج عَلَيْهِم وَأَخذهَا بكظمهم وأسرها لنفوسهم وَمَا اسْتَجَابَ لَهُ من اسْتَجَابَ إِلَّا بعد أَن وضحت لَهُ الْحجَّة وَلم يجد إِلَى ردهَا سَبِيلا وَمَا خَالفه أعداؤه إِلَّا عنادا مِنْهُم وميلا إِلَى المكابرة بعد اعترافهم بِصِحَّة حججه وَأَنَّهَا لَا تدفع فَمَا قَامَ الدّين إِلَّا على سَاق الْحجَّة فَقَوله لَا

стр. 362

حجَّة بَيْننَا وَبَيْنكُم أَي لَا خُصُومَة فَإِن الرب وَاحِد فَلَا وَجه للخصومة فِيهِ وَدينه وَاحِد وَقد قَامَت الْحجَّة وَتحقّق الْبُرْهَان فَلم يبْق للاحتجاج والمخاصمة فَائِدَة فَإِن فَائِدَة الِاحْتِجَاج ظُهُور الْحق ليتبع فَإِذا ظهر وعانده الْمُخَالف وَتَركه جحُودًا وعنادا لم يبْق للاحتجاج فَائِدَة فَلَا حجَّة بَيْننَا وَبَيْنكُم أَيهَا الْكفَّار فقد وضح الْحق واستبان وَلم يبْق إِلَّا الْإِقْرَار بِهِ أَو العناد وَالله يجمع بَيْننَا يَوْم الْقِيَامَة فَيَقْضِي للمحق على الْمُبْطل وَإِلَيْهِ الْمصير قَالُوا وهما نَحن نتحرى الْقسْط بَين الْفَرِيقَيْنِ عَمَّا يَقُوله المقسطون عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليهم مِمَّا ولوا وَيَكْفِي فِي هَذَا قَوْله تَعَالَى يأيها الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَن لَا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى وَاتَّقوا الله أَن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا قد أصَاب أهل الْإِثْبَات من الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم أَن الْحسن والقبح صِفَات ثبوتية للأفعال مَعْلُومَة بِالْعقلِ وَالشَّرْع وَأَن الشَّرْع جَاءَ بتقرير مَا هُوَ مُسْتَقر فِي الْفطر والعقول من تَحْسِين الْحسن وَالْأَمر بِهِ وتقبيح الْقَبِيح والنهى عَنهُ وَأَنه لم يَجِيء بِمَا يُخَالف الْعقل والفطرة وَأَن جَاءَ بِمَا يعجز الْعُقُول عَن أَحْوَاله والاستقلال بِهِ فالشرائع جَاءَت بمجازات الْعُقُول لَا محالاتها وَفرق بَين مَالا تدْرك الْعُقُول حسنه وَبَين مَا تشهد بقبحه فَالْأول مِمَّا يَأْتِي بِهِ الرُّسُل دون الثَّانِي وأخطؤا فِي تَرْتِيب الْعقَاب على هَذَا الْقَبِيح عقلا كَمَا تقدم وَأَصَابُوا فِي إِثْبَات الْحِكْمَة لله تَعَالَى وَأَنه سُبْحَانَهُ لَا يفعل فعلا خَالِيا عَن الْحِكْمَة بل كل أَفعاله مَقْصُودَة لعواقبها الحميدة وغاياتها المحبوبة لَهُ وأخطؤا فِي موضِعين أَحدهمَا أَنهم أعادوا تِلْكَ الْحِكْمَة إِلَى الْمَخْلُوق وَلم يعيدوها إِلَى الْخَالِق سُبْحَانَهُ على فَاسد أصولهم فِي نفي قيام الصِّفَات بِهِ فنفوا الْحِكْمَة من حَيْثُ أثبتوها وجحدوها من حَيْثُ أقرُّوا بهَا الْموضع الثَّانِي انهم وضعُوا لتِلْك الْحِكْمَة شَرِيعَة بعقولهم وأوجبوا على الرب تَعَالَى بهَا وحرموه وشبهوه بخلقه فِي أَفعاله بِحَيْثُ مَا حسن مِنْهُم حسن مِنْهُ وَمَا قبح مِنْهُم قبح مِنْهُ فلزمتهم بذلك اللوازم الشنيعة وضاق عَلَيْهِم المجال وعجزوا عَن التَّخَلُّص عَن تِلْكَ الالتزامات وَلَو أَنهم أثبتوا لَهُ حِكْمَة تلِيق بِهِ لَا يشبه خلقه فِيهَا بل نسبتها إِلَيْهِ كنسة صِفَاته إِلَى ذَاته فَكَمَا أَنه لَا يشبه خلقه فِي صِفَاته فَكَذَلِك فِي أَفعاله وَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال بقبح الْقبْح وَحسن الْحسن مِنْهُم على ثُبُوت ذَلِك فِي حَقه تَعَالَى وَمن هَاهُنَا استطال عَلَيْهِم النفاة وصاحوا عَلَيْهِم من كل قطر وَأَقَامُوا عَلَيْهِم ثائرة الشناعة وَأَصَابُوا أَيْضا فِي قَوْلهم بِأَن الرب تَعَالَى لَا يمْتَنع فِي نَفسه الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم وأخطأوا فِي جعل ذَلِك تَابعا لمقْتَضى عُقُولهمْ وآرئهم بل يجب عَلَيْهِ مَا أوجبه على نَفسه وَيحرم عَلَيْهِ مَا حرمه هُوَ على نَفسه فَهُوَ الَّذِي كتب على نَفسه الرَّحْمَة وأحق على نَفسه ثَوَاب المطيعين وَحرم على نَفسه الظُّلم كَمَا جعله محرما بَين عباده وَأَصَابُوا فِي قَوْلهم أَنه سُبْحَانَهُ لَا يحب الشَّرّ

стр. 363

وَالْكفْر وأنواع الْفساد بل يكرهها وَأَنه يحب الْإِيمَان وَالْخَيْر وَالْبر وَالطَّاعَة وَلَكِن أخطأوا فِي تَفْسِير هَذِه الْمحبَّة وَالْكَرَاهَة بِمُجَرَّد معَان مفهومة من أَلْفَاظ خلقهَا فِي الْهَوَاء أَو فِي الشَّجَرَة وَلم يجعلوها مَعَاني مَا يهدى بِهِ تَعَالَى على فَاسد أصولهم فِي التعطيل وَنفي الصِّفَات فنفوا الْمحبَّة وَالْكَرَاهَة من حَيْثُ أثبتوها وأعادوها إِلَى مُجَرّد الشَّرْع وَلم يثبتوا لَهُ حَقِيقَة قَائِمَة بِذَاتِهِ فَإِن شرع الله هُوَ أمره وَنَهْيه وَلم يقم بِهِ عِنْدهم أَمر وَلَا نهى فحقيقة قَوْلهم أَنه لَا شرع وَلَا محبَّة وَلَا كَرَاهَة فَإِن زخرفوا القَوْل وتحيلوا لإِثْبَات مَا سدوا على نُفُوسهم طَرِيق إثْبَاته وَأَصَابُوا أَيْضا فِي قَوْلهم أَن مصلحَة الْمَأْمُور تنشأ من الْفِعْل تَارَة وَمن الْأَمر تَارَة أُخْرَى فَرب فعل لم يكن منشأ لمصْلحَة الْمُكَلف فَلَمَّا أَمر بِهِ صَار منشأ لمصْلحَة بِالْأَمر وَلَو توسطوا هَذَا التَّوَسُّط وسلكوا هَذَا المسلك وَقَالُوا إِن الْمصلحَة تنشأ من الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ تَارَة وَمن الْأَمر تَارَة ومنهما تَارَة وَمن الْعَزْم الْمُجَرّد تَارَة لانتصفوا من خصومهم فمثال الأول الصدْق والعفة وَالْإِحْسَان وَالْعدْل فَإِن مصالحها ناشئة مِنْهَا وَمِثَال الثَّانِي التجرد فِي الْإِحْرَام والتطهر بِالتُّرَابِ وَالسَّعْي بَين الصفى والمروة وَرمي الْجمار وَنَحْو ذَلِك فَإِن هَذِه الْأَفْعَال لَو تجردت عَن الْأَمر لم تكن منشأ لمصْلحَة فَلَمَّا أَمر بهَا نشأت مصلحتها من نفس الْأَمر وَمِثَال الثُّلُث الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالْحج وَإِقَامَة الْحُدُود وَأكْثر الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَإِن مصلحتها ناشئة من الْفِعْل وَالْأَمر مَعًا فالفعل يتَضَمَّن مصلحَة وَالْأَمر بهَا يتَضَمَّن مصلحَة أُخْرَى فالمصلحة فِيهَا من وَجْهَيْن وَمِثَال الرَّابِع أَمر الله تَعَالَى خَلِيله إِبْرَاهِيم بِذبح وَلَده فَإِن الْمصلحَة إِنَّمَا نشأت من عزمه على الْمَأْمُور بِهِ لَا من نفس الْفِعْل وَكَذَلِكَ أمره نبيه لَيْلَة الْإِسْرَاء بِخَمْسِينَ صَلَاة فَلَمَّا حصرتم الْمصلحَة فِي الْفِعْل وَحده تسلط عَلَيْكُم خصومكم بأنواع المناقضات والإلزامات قَالُوا وَقد أصَاب النفاة حَيْثُ قَالُوا إِن الْحجَّة إِنَّمَا تقوم على الْعباد بالرسالة وَإِن الله لَا يعذبهم قبل الْبعْثَة وَلَكنهُمْ نقضوا الأَصْل وَلم يطردوه حَيْثُ جوزوا تَعْذِيب من لم تقم عَلَيْهِ الْحجَّة أصلا من الْأَطْفَال والمجانين وَمن لم تبلغه الدعْوَة وأخطؤا فِي تسويتهم بَين الْأَفْعَال الَّتِي خَالف الله بَينهَا فَجعل بَعْضهَا حسنا وَبَعضهَا قبيحا وَركب فِي الْعُقُول وَالْفطر التَّفْرِقَة بَينهمَا كَمَا ركب فِي الْحَواس التَّفْرِقَة بَين الحلو والحامض والمر والعذب والسخن والبارد والضار والنافع فَزعم النفاة أَنه لَا فرق فِي نفس الْأَمر أصلا بَين فعل وَفعل فِي الْحسن والقبح وَإِنَّمَا يعود الْفرق إِلَى عَادَة مُجَرّدَة أَو وهم أَو خيال أَو مُجَرّد الْأَمر والنهى وسلبوا الْأَفْعَال حَتَّى خواصها الَّتِي جعلهَا الله عَلَيْهَا من الْحسن والقبح فخالفوا الْفطر والعقول وسلطوا عَلَيْهِم خصومهم بأنواع الإلزامات والمناقضات الشنيعة جدا وَلم يَجدوا إِلَى ردهَا سَبِيلا إِلَّا بالعناء وجحدوا الضَّرُورَة وَأَصَابُوا فِي نفيهم الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم على الله الَّذِي أثبتته الْقَدَرِيَّة من الْمُعْتَزلَة

стр. 364

وَوَضَعُوا على الله شَرِيعَة بعقولهم قادتهم إِلَى مَالا قبل لَهُم بِهِ من اللوازم الْبَاطِلَة وأخطأوا فِي نفيهم عَنهُ إِيجَاب مَا أوجبه على نَفسه وَتَحْرِيم مَا حرمه على نَفسه بِمُقْتَضى حكمته وعدله وعزته وَعلمه وأخطاوا أَيْضا فِي نفسهم حكمته تَعَالَى فِي خلقه وَأمره وَأَنه لَا يفعل شَيْئا لشَيْء وَلَا يَأْمر بِشَيْء لشَيْء وَفِي إنكارهم الْأَسْبَاب والقوى الَّتِي أودعها الله فِي الْأَعْيَان والأعمال وجعلهم كل لَام دخلت فِي الْقُرْآن لتعليل أَفعاله وأوامره لَام عَاقِبَة وكل بَاء دخلت لربط السَّبَب بِسَبَبِهِ بَاء مصاحبة فنفوا الحكم والغايات الْمَطْلُوبَة فِي أوامره وأفعاله وردوها إِلَى الْعلم وَالْقُدْرَة فَجعلُوا مُطَابقَة الْمَعْلُوم للْعلم وَوُقُوع الْمَقْدُور على وفْق الْقُدْرَة هُوَ الْحِكْمَة وَمَعْلُوم أَن وُقُوع الْمَقْدُور بِالْقُدْرَةِ ومطابقة الْمَعْلُوم للْعلم عين الْحِكْمَة والغايات الْمَطْلُوبَة من الْفِعْل وَتعلق الْقُدْرَة بمقدورها وَالْعلم بمعلومة اعم من كَون الْمَعْلُوم والمقدور مُشْتَمِلًا على حِكْمَة ومصلحة أَو مُجَردا عَن ذَلِك والأعم لَا يشْعر بالأخص وَلَا يستلزمه وَهل هَذَا فِي الْحَقِيقَة الأنفي للحكمة وَإِثْبَات لأمر آخر وأخطاوا فِي تسويتهم بَين الْمحبَّة والمشيئة وَأَن كل مَا شاءه الله من الْأَفْعَال والأعيان فقد أحبه ورضيتة وَمَا لم يشأه نقد كرهه وأبغضه فمحبته مَشِيئَته وإرادته الْعَامَّة وكراهته وبغضه عدم مَشِيئَته وإرادته فلزمهم من ذَلِك أَن يكون إِبْلِيس محبوبا لَهُ وَفرْعَوْن وهامان وَجَمِيع الشَّيَاطِين وَالْكفَّار بل أَن يكون الْكفْر والفسوق وَالظُّلم والعدوان الْوَاقِعَة فِي الْعَالم محبوبة لَهُ مرضية وَأَن يكون الْإِيمَان وَالْهدى ووفاء الْعَهْد وَالْبر الَّتِي لم تُوجد من النَّاس مَكْرُوهَة مسخوطة لَهُ مَكْرُوهَة ممقوتة عِنْده فسووا بَين الْأَفْعَال الَّتِي فاوت الله بَينهَا وسووا بَين الْمَشِيئَة الْمُتَعَلّقَة بتكوينها وإيجادها والمحبة الْمُتَعَلّقَة بالرضى بهَا وأخيارها وَهَذَا مِمَّا استطال بِهِ عَلَيْهِم خصومهم كَمَا استطالوا هم عَلَيْهِم حَيْثُ أخرجوها عَن مَشِيئَة الله وإرادته الْعَامَّة وَنَفَوْا تعلق قدرته وخلقه بهَا فاستطال كل من الْفَرِيقَيْنِ على الآخر بِسَبَب مَا مَعَهم من الْبَاطِل وَهدى الله أهل السّنة الَّذين هم وسط فِي المقالات والنحل لما اخْتلف الْفَرِيقَانِ فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ وَالله يهدى من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم فالقدرية حجروا على الله وألزموه شَرِيعَة حرمُوا عَلَيْهِ الْخُرُوج عَنْهَا وخصومهم من الجبرية جوزوا عَلَيْهِ كل فعل مُمكن يتنزه عَنهُ سُبْحَانَهُ إِذْ لَا يَلِيق بغناه وحمده وكماله مَا نزه نَفسه عَنهُ وَحمد نَفسه بِأَنَّهُ لَا يَفْعَله فالطائفتان متقابلتان غَايَة التقابل والقدرية أثبتوا لَهُ حِكْمَة وَغَايَة مَطْلُوبَة من افعاله على حسب مَا أثبتوه لخلقه والجبرية نفوا والقدرية أثبتوا لَهُ حكمته اللائقة بِهِ الَّتِي لَا يشابهه فِيهَا أحد والقدرية قَالَت أَنه لَا يُرِيد من عباده طاعتهم وَإِيمَانهمْ وَأَنه لَا يسْأَل ذَلِك مِنْهُم والجبرية قَالَت أَنه يحب الْكفْر والفسوق والعصيان ويرضاه من فَاعله والقدرية قَالَت أَنه يجب عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ أَن يفعل بِكُل شخص مَا هُوَ الْأَصْلَح لَهُ والجبرية قَالَت أَنه يجوز أَن يعذب أولياءه وَأهل طَاعَته وَمن لم يطعه قطّ وينعم أعداءه وَمن كفر بِهِ

стр. 365

وأشرك وَلَا فرق عِنْده بَين هَذَا وَهَذَا فليعجب الْعَاقِل من هَذَا التقابل والتباعد الَّذِي يزْعم كل فريق أَن قَوْلهم هُوَ مَحْض الْعقل وَمَا خَالفه بَاطِل بِصَرِيح الْعقل وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّة قَالَت أَنه ألْقى إِلَى عباده زِمَام الِاخْتِيَار وفوض إِلَيْهِم الْمَشِيئَة والإرادة وَأَنه لم يخص أحدا مِنْهُم دون أحد بِتَوْفِيق وَلَا لطف وَلَا هِدَايَة بل سَاوَى بَينهم فِي مقدوره وَلَو قدر أَن يهدى أحدا وَلم يهده كَانَ بخلا وَأَنه لَا يهدى أحدا وَلَا يضله إِلَّا بِمَعْنى الْبَيَان والإرشاد وَأما خلق الْهدى والضلال فَهُوَ إِلَيْهِم لَيْسَ إِلَيْهِ وَقَالَت الجبرية أَنه سُبْحَانَهُ أجبر عباده على أفعالهم بل قَالُوا أَن أفعالهم هِيَ نفس أَفعاله وَلَا فعل لَهُم فِي الْحَقِيقَة وَلَا قدرَة وَلَا اخْتِيَار وَلَا مَشِيئَة وَإِنَّمَا يعذبهم على مَا فعله هُوَ لَا على مَا فَعَلُوهُ وَنسبَة أفعالهم إِلَيْهِ كحركات الْأَشْجَار والمياه والجمادات فالقدرية سلبوه قدرته على أَفعَال الْعباد ومشيئته لَهَا والجبرية جعلُوا أَفعَال الْعباد نفس أَفعاله وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا فاعلين لَهَا فِي الْحَقِيقَة وَلَا قَادِرين عَلَيْهَا فالقدرية سلبته كَمَال ملكه والجبرية سلبته كَمَال حكمته والطائفتان سلبته كَمَال حَمده وَأهل السّنة الْوسط أثبتوا كَمَال الْملك وَالْحَمْد وَالْحكمَة فوصفوه بِالْقُدْرَةِ التَّامَّة على كل شَيْء من الْأَعْيَان وأفعال الْعباد وَغَيرهم وأثبتوا لَهُ الْحِكْمَة التَّامَّة فِي جَمِيع خلقه وَأمره واثبتوا لَهُ الْحَمد كُله فِي جَمِيع مَا خلقه وَأمر بِهِ ونزهوه عَن دُخُوله تَحت شَرِيعَة يَضَعهَا الْعباد بآرائهم كَمَا نزهوه عَمَّا نزه نَفسه عَنهُ مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ فاستولوا على محَاسِن الْمذَاهب وتجنبوا أَرْدَاهَا ففازوا بالقدح الْمُعَلَّى وَغَيرهم طَاف على أَبْوَاب الْمذَاهب ففاز باخس المطالب وَالْهدى هدى يخْتَص بِهِ من يَشَاء من عباده فصل إِذا عرفت هَذِه الْمُقدمَة فَالْكَلَام على كَلِمَات النفاة من وُجُوه: أَحدهَا قَوْلكُم لَو قدر الْإِنْسَان نَفسه وَقد خلق تَامّ الْخلقَة تَامّ الْعقل دفْعَة من غير تأدب بتأديب الْأَبَوَيْنِ وَلَا تعلم من معلم ثمَّ عرض عَلَيْهِ أَمْرَانِ: أَحدهمَا أَن الْوَاحِد أَكثر من الِاثْنَيْنِ وَالْآخر أَن الْكَذِب قَبِيح لم يتَوَقَّف فِي الأول ويتوقف فِي الثَّانِي فَهَذَا تَقْدِير مُسْتَحِيل ركبتم عَلَيْهِ أمرا غير مَعْلُوم الصِّحَّة فَإِن تَقْدِير الْإِنْسَان كَذَلِك محَال الْوَجْه الثَّانِي سلمنَا إِمْكَان التَّقْدِير لَكِن لم قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لَا يتَوَقَّف فِي كَون الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ ويتوقف فِي كَون الْكَذِب قبيحا بعد تصور حَقِيقَته فَلَا نسلم أَنه إِذا تصور مَاهِيَّة الْكَذِب توقف فِي الْجَزْم بقبحه وَهل هَذَا إِلَّا دَعْوَة مُجَرّدَة الْوَجْه الثَّالِث سلمنَا أَنه قد يتَوَقَّف فِي الحكم بقبحه وَلَكِن لَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يكون قبيحا لذاته وقبحه مَعْلُوم لِلْعَقْلِ وَتوقف الذِّهْن فِي الحكم الْعقلِيّ لَا يُخرجهُ عَن كَونه عقليا وَلَا يجب التَّسَاوِي فِي العقليات إِذْ بَعْضهَا أَجلي من بعض فَإِن قُلْتُمْ فَهَذَا التَّوَقُّف يَنْفِي أَن يكون الحكم بقبحه ضَرُورِيًّا وَهُوَ يبطل قَوْلكُم قُلْنَا هَذَا إِنَّمَا لزم من التَّقْدِير المستحيل فِي الْوَاقِع

стр. 366

والمحال قد يلْزمه محَال آخر سلمنَا أَنه يَنْفِي كَون الحكم بقبحه ضَرُورِيًّا ابْتِدَاء فَلم قُلْتُمْ أَنه لَا يكون ضَرُورِيًّا بعد التَّأَمُّل وَالنَّظَر والضروري أَعم من كَونه ضَرُورِيًّا ابْتِدَاء بِلَا وَاسِطَة أَو ضَرُورِيًّا بوسط وَنفي الْأَخَص لَا يسْتَلْزم نفي الْأَعَمّ وَمن ادّعى سلب الوسائط عَن الضروريات فقد كَابر أَو اصْطلحَ مَعَ نَفسه على تَسْمِيَة الضروريات بِمَا لَا يتَوَقَّف على وسط الْوَجْه الرَّابِع أَن نصور مَاهِيَّة الْكَذِب يَقْتَضِي جزم الْعقل بقبحه وَنسبَة الْكَذِب إِلَى الْعقل كنسبة المتنافرات الحسية إِلَى الْحس فَكَمَا أَن أَدْرَاك الْحَواس المتنافرات يَقْتَضِي نفرتها عَنْهَا فَكَذَلِك أَدْرَاك الْعقل لحقيقة الْكَذِب وَلَا فرق بَينهمَا إِلَّا فرق مَا بَين أَدْرَاك الْحس وأدراك الْعقل فَإِن جَازَ الْقدح فِي مدركات الْعُقُول وَحكمهَا فِيهَا بالْحسنِ والقبح جَازَ الْقدح فِي مدركات الْحَواس الْوَجْه الْخَامِس إِنَّكُم فتحتم بَاب السفسطة فَإِن الْقدح فِي مَعْلُومَات الْعُقُول وموجباتها كالقدح فِي مدركات الْحَواس وموجباتها فَمن لَجأ إِلَى المكابرة فِي المعقولات فقد فتح بَاب المكابرة فِي المحسوسات وَلِهَذَا كَانَت السفسطة تعرض أَحْيَانًا فِي هَذَا وَهَذَا وَلَيْسَت مذهبا لأمة من النَّاس يعيشون عَلَيْهِ كَمَا يَظُنّهُ بعض أهل المقالات وَلَا يُمكن أَن تعيش أمة وَلَا أحد على ذَلِك وَلَا تتمّ لَهُ مصلحَة وَإِنَّمَا هِيَ حَال عارضة لكثير من النَّاس وَهِي تكْثر وتقل وَمَا من صَاحب مَذْهَب بَاطِل إِلَّا وَهُوَ مرتكب للسفسطة شَاءَ أم أبي وَسَنذكر أَن شَاءَ الله فصلا فِيمَا بعد نبين فِيهِ أَن جَمِيع أَرْبَاب الْمذَاهب الْبَاطِلَة سوفسطائية صَرِيحًا ولزوما قَرِيبا وبعيدا الْوَجْه السَّادِس قَوْلكُم من حكم بِأَن هذَيْن الْأَمريْنِ سيان بِالنِّسْبَةِ إِلَى عقله خرج عَن قضايا الْعُقُول جَوَابه أَنكُمْ أَن أردتم بالتسوية كَونهمَا معقولان فِي الْجُمْلَة فَمن أَيْن يخرج عَن قضايا الْعُقُول من حكم بذلك وَهل الْخَارِج فِي الْحَقِيقَة عَنْهَا إِلَّا من منع هَذَا الحكم فَإِن أردتم بالتسوية الاسْتوَاء فِي الْإِدْرَاك وَأَن كليهمَا على رُتْبَة وَاحِدَة من الضَّرُورَة فَلَا يلْزم من عدم هَذَا الاسْتوَاء أَن لَا يكون الْعلم بقبح الْكَذِب عقليا الْوَجْه السَّابِع قَوْلكُم لَو تقرر عِنْد الْمُثبت أَن الله تَعَالَى لَا يتَضَرَّر بكذب وَلَا ينْتَفع بِصدق كَانَ الآمران فِي حكم التَّكْلِيف على وتيرة وَاحِدَة كَلَام لَا يرتضيه عَاقل فَإِنَّهُ من المتقرر أَن الله تَعَالَى لَا يتَضَرَّر بكذب وَلَا ينْتَفع بِصدق وَإِنَّمَا يعود نفع الصدْق وضرر الْكَذِب على الْمُكَلف وَلَكِن لَيْت شعري من أَيْن يلْزم أَن يكون هَذَانِ الضدان بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّكْلِيف على وتيرة وَاحِدَة وَهل هَذَا الا مُجَرّد تحكم وَدَعوى بَاطِلَة الْوَجْه الثَّامِن أَنه لَا يلْزم من كَون الْحَكِيم لَا يتَضَرَّر بالقبح وَلَا ينْتَفع بالْحسنِ أَن لَا يحب هَذَا وَلَا يبغض هَذَا بل تكون نسبتهما إِلَيْهِ نِسْبَة وَاحِدَة بل الْأَمر بِالْعَكْسِ وَهُوَ أَن حكمته تَقْتَضِي بغضه للقبيح وَأَن لم يتَضَرَّر بِهِ ومحبته لِلْحسنِ وَأَن لم ينْتَفع بِهِ وَحِينَئِذٍ يَنْقَلِب هَذَا الْكَلَام عَلَيْكُم ونكون أسعد بِهِ مِنْكُم فَنَقُول لَو تقرر عِنْد النَّافِي أَن الله تَعَالَى حَكِيم عليم يضع الْأَشْيَاء موَاضعهَا وينزلها منازلها الْعلم أَن الْأَمريْنِ أَعنِي الصدْق وَالْكذب بِالنِّسْبَةِ

стр. 367

إِلَى شَرعه وتكليفه متباينان غَايَة التباين متضادان وانه يَسْتَحِيل فِي حكمته التَّسْوِيَة بَينهمَا وَأَن يَكُونَا على وتيرة وَاحِدَة وَمَعْلُوم إِن هَذَا هُوَ الْمَعْقُول وَمَا ذكرتموه خَارج عَن الْمَعْقُول الْوَجْه التَّاسِع قَوْلكُم أَن الصدْق وَالْكذب على حَقِيقَة ذاتية وَأَن الْحسن والقبح غير داخلين فِي صفاتهما الذاتية وَلَا يلْزمهُمَا فِي الْوَهم بالبديهة وَلَا فِي الْوُجُود ضَرُورَة جَوَابه أَنكُمْ أَن أردتم أَن الْحسن والقبح لَا يدْخل فِي مُسَمّى الصدْق وَالْكذب فَمُسلم وَلَكِن لَا يفيدكم شَيْئا فَإِن غَايَته إِنَّمَا يدل على تغاير المفهومين فَكَانَ مَاذَا وَإِن أردتم أَن ذَات الصدْق وَالْكذب لَا تَقْتَضِي الْحسن والقبح وَلَا تستلزمهما فَهَل هَذَا إِلَّا مُجَرّد الْمَذْهَب وَنَفس الدَّعْوَى وَهِي مصادرة على الْمَطْلُوب وخصومكم يَقُولُونَ أَن معنى كَونهمَا ذاتيين للصدق وَالْكذب أَن ذَات الصدْق وَالْكذب تَقْتَضِي الْحسن والقبح وَلَيْسَ مُرَادهم أَن الْحسن والقبح صفة دَاخِلَة فِي مُسَمّى الصدْق وَالْكذب وَأَنْتُم لم تُبْطِلُوا عَلَيْهِم هَذَا الْوَجْه الْعَاشِر قَوْلكُم وَلَا يلْزمهُمَا فِي الْوَهم بالبديهة وَلَا فِي الْوُجُود دَعْوَى مُجَرّدَة كَيفَ وَقد علم بُطْلَانهَا بالبرهان والضرورة الْوَجْه الْحَادِي عشر قَوْلكُم أَن من الْأَخْبَار الَّتِي هِيَ صَادِقَة مَا يلام عَلَيْهِ مثل الدّلَالَة على من هرب من ظَالِم وَمن الْأَخْبَار الَّتِي هِيَ كَاذِبَة مَا يُثَاب عَلَيْهَا مثل إِنْكَار الدّلَالَة عَلَيْهِ فَلم يدْخل كَون الْكَذِب قبيحا فِي حد الْكَذِب وَلَا لزمَه فِي الْوَهم وَلَا فِي الْوُجُود فَلَا يجوز أَن يعد من الصِّفَات الذاتية الَّتِي تلْزم النَّفس وجودا وعدما جَوَابه من وُجُوه أَحدهَا أَنا لَا نسلم أَن الصدْق يقبح فِي حَال وَلَا أَن الْكَذِب يحسن فِي حَال أبدا وَلَا تنْقَلب ذَاته وَإِنَّمَا يحسن اللوم على الْخَبَر الصَّادِق من حَيْثُ لم يعرض الْمخبر وَلم يور بِمَا يَقْتَضِي سَلامَة النَّبِي أَو الْوَلِيّ الْوَجْه الثَّانِي أَنه أخبر بِمَا لَا يجوز لَهُ الْأَخْبَار بِهِ لاستلزامه مفْسدَة راجحة وَلَا يَقْتَضِي هَذَا كَون الصدْق قبيحا بل الْأَخْبَار بِالصّدقِ هُوَ الْقَبِيح وَفرق بَين النِّسْبَة الْمُطَابقَة الَّتِي هِيَ صدق وَبَين الْأَعْلَام بهَا فالقبح إِنَّمَا نَشأ من الْأَعْلَام لَا من النِّسْبَة الصادقة والأعلام غير ذاتي للْخَبَر وَلَا دَاخل فِي حَده إِذا الْخَبَر غير الْأَخْبَار وَلَا يلْزم من كَون الْأَخْبَار قبيحا أَن يكون الْخَبَر قبيحا وَهَذِه الدقيقة غفل عَنْهَا الطائفتان كِلَاهُمَا الْوَجْه الثَّالِث أَن قبح الصدْق وَحسن الْكَذِب الْمَذْكُورين فِي بعض الْمَوَاضِع لمعارضة مصلحَة أَو مفْسدَة راجحة لَا يَقْتَضِي عدم اتصاف ذَات كل مِنْهُمَا بِحكمِهِ عقلا فَإِن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة والأوصاف الذاتية الْمُقْتَضِيَة لأحكامها قد تتخلف عَنْهَا لفَوَات شَرط أَو قيام مَانع وَلَا يُوجب ذَلِك سلب اقتضائها لأحكامها عِنْد عدم الْمَانِع وَقيام الشَّرْط وَقد تقدم تَقْرِير ذَلِك الْوَجْه الثَّانِي عشر قَوْلكُم أَنه لم يبْق للمثبتين إِلَّا الاسترواح إِلَى عادات النَّاس من تَسْمِيَة مَا يضرهم قبيحا وَمَا يَنْفَعهُمْ حسنا كَلَام بَاطِل فَإِن استرواحهم إِلَى مَا ركبة الله تَعَالَى فِي عُقُولهمْ وفطرهم وَبعث رسله بتقريره وتكميله من اسْتِحْسَان الْحسن واستقباح الْقَبِيح الْوَجْه الثَّالِث عشر قَوْلكُم أَنَّهَا تخْتَلف بعادة قوم دون قوم وزمان دون زمَان وَمَكَان دون

стр. 368

مَكَان وَإِضَافَة دون إِضَافَة فقد تقدم أَن هَذَا الِاخْتِلَاف لَا يخرج هَذِه القبائح والمستحسنات عَن كَون الْحسن والقبح ناشئا من ذواتهما وَأَن الزَّمَان الْمعِين وَالْمَكَان الْمَخْصُوص والشخص والقابل وَالْإِضَافَة شُرُوط لهَذَا الِاقْتِضَاء على حد اقْتِضَاء الأغذية والأدوية والمساكن والملابس آثارها فَإِن اختلافها بالأزمنة والأمكنة والأشخاص والإضافات لَا يُخرجهَا عَن الِاقْتِضَاء الذاتي وَنحن لَا نعنى بِكَوْن الْحسن والقبح ذاتيين إِلَّا هَذَا والمشاحنة فِي الاصطلاحات لَا تنقع طَالب الْحق وَلَا تجدي عَلَيْهِ إِلَّا المناكدة والتعنت فكم يُعِيدُوا ويبدوا فِي الذاتي وَغير الذاتي سموا هَذَا الْمَعْنى بِمَا شِئْتُم ثمَّ أَن أمكنكم إِبْطَاله فأبطلوه الْوَجْه الرَّابِع عشر قَوْلكُم نَحن لَا ننكر اشتهار القضايا الْحَسَنَة والقبيحة من الْخلق وَكَونهَا محمودة مشكورة مثنى على فاعلها أَو مذموماولكن سَبَب ذكرهَا أما التدين بالشرائع وَأما الاعراض وَنحن إِنَّمَا ننكرها فِي حق الله لانْتِفَاء الاعراض عَنهُ فَهَذَا معترك القَوْل بَين الْفرق فِي هَذِه المسئلة وَغَيرهَا فَنَقُول لكم مَا تعنون معاشرة النفاة بالاعراض الَّتِي نفيتموها عَن الله ونفيتم لاجلها حسن أوَامِر الذاتية وقبح نواهيه الذاتية وزعمتم لاجلها أَنه لَا فرق عِنْده بَين مذمومها ومحمودها وَأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سواهُ فأخبرونا عَن مرادكم بِهَذِهِ اللفطة البديعة المحتملة أتعنون بهَا الحكم والمصالح والعواقب الحميدة والغايات المحبوبة الَّتِي يفعل وَيَأْمُر لأَجلهَا أم تعنون بهَا امرا وَرَاء ذَلِك يجب تَنْزِيه الرب عَنهُ كَمَا يشْعر بِهِ لفظ الاعراض من الارادات فان اردتم الْمَعْنى الأول فنفيكم إِيَّاه عَن أحكم الْحَاكِمين مَذْهَب لكم خالفتم بِهِ صَرِيح الْمَنْقُول وصريح الْمَعْقُول وأتيتم مَا لَا تقر بِهِ الْعُقُول من فعل فَاعل حَكِيم مُخْتَار وَلَا لمصْلحَة وَلَا لغاية محمودة وَلَا عَاقِبَة مَطْلُوبَة بل الْفِعْل وَعَدَمه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سيان وقلتم مَا تنكره الْفطر والعقول وَيَردهُ التَّنْزِيل وَالِاعْتِبَار وَقد قَررنَا من ذكر الحكم الباهرة فِي الْخلق وَالْأَمر مَا تقربه بِهِ عين كل طَالب للحق وَهَاهُنَا من ادلة اثبات الحكم الْمَقْصُودَة بالخلق والامر أَضْعَاف أَضْعَاف مَا ذكرنَا بل لانسبه لما ذَكرْنَاهُ إِلَى مَا تَرَكْنَاهُ وَكَيف يُمكن انكار ذَلِك وَالْحكمَة فِي خلق الْعَالم وأجزائه ظَاهِرَة لمن تأملها بادية لمن أبصرهَا وَقد رقمت سطورها على صفحات الْمَخْلُوقَات يَقْرَأها كل عَاقل وَغير كَاتب نصبت شاهدة لله بالوحدانية والربوبية وَالْعلم وَالْحكمَة واللطف والخبرة تَأمل سطور الكائنات فَإِنَّهَا ... من الْمَلأ الْأَعْلَى إِلَيْك رسائل وَقد خطّ فِيهَا لَو تَأَمَّلت خطها ... أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل وَأما النُّصُوص على ذَلِك فَمن طلبَهَا بهرته كثرتها وتطابقها ولعلها أَن تزيد على المئين وَمَا يحيله النفاة لحكمة الله تَعَالَى أَن اثباتها يسْتَلْزم افتقارا مِنْهَا واستكمالا بِغَيْرِهِ فهوس ووساواس

стр. 369

فان هَذَا بِعَيْنِه وَارِد عَلَيْهِم فِي أصل الْفِعْل أَيْضا فَهَذَا إِنَّمَا هُوَ إِكْمَال للصنع لَا استكمال بالصنع وَأَيْضًا فَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ فعاله عَن كَمَاله فَأَنَّهُ كمل فَفعل لَا أَن كَمَاله عَن فعاله فَلَا يُقَال فعل فكمل كَمَا يُقَال للمخلوق وَأَيْضًا فَأن مصدر الْحِكْمَة ومتعلقها وأسبابها عَنهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ الْخَالِق وَهُوَ الْحَكِيم وَهُوَ الْغَنِيّ من كل وَجه أكمل الْغنى وأتمه وَكَمَال الْغنى وَالْحَمْد فِي كَمَال الْقُدْرَة وَالْحكمَة وَمن الْمحَال أَن يكون فَقِيرا إِلَى غَيره فَأَما إِذا كَانَ كل شَيْء فَهُوَ فَقير إِلَيْهِ من كل وَجه وَهُوَ الْغنى الْمُطلق عَن كل شَيْء فَأَي مَحْذُور فِي إِثْبَات حكمته مَعَ احْتِيَاج مَجْمُوع الْعَالم وكل مَا يقدر مَعَه إِلَيْهِ دون غَيره وَهل الْغنى إِلَّا ذَلِك وَللَّه سُبْحَانَهُ فِي كل صنع من صنائعه وَأمر من شرائعه حِكْمَة باهرة وَآيَة ظَاهِرَة تدل على وحدانيته وحكمته وَكَلمه وغناه وقيوميته وَملكه لَا تنكرهَا إِلَّا الْعُقُول السخيفة وَلَا تنبو عَنْهَا إِلَّا الْفطر المنكوسة: وَللَّه فِي كل تسكينة ... وتحريكة أبدا شَاهد وَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ... تدل على أَنه وَاحِد وَبِالْجُمْلَةِ فَنحْن لَا ننكر حِكْمَة الله وَلَا نساعدكم على جَحدهَا لتسميتكم إِيَّاهَا أعراضا وإخراجكم لَهَا فِي هَذَا القالب فَالْحق لَا يُنكر حكمه لسوء التَّعْبِير عَنهُ وَهَذَا اللَّفْظ بدعى لم يرد بِهِ كتاب وَلَا سنة وَلَا أطلقهُ أحد من أَئِمَّة الْإِسْلَام وأتباعهم على الله وَقد قَالَ الْأَمَام أَحْمد لَا نزيل عَن الله صفة من صِفَاته لأجل شناعة المشنعين فَهَل ننكر صِفَات كَمَاله سُبْحَانَهُ لأجل تَسْمِيَة المعطلة والجهمية لَهَا أعراضا ولأرباب المقالات أغراض فِي سوء التَّعْبِير عَن مقالات خصومهم وتخيرهم لَهَا أقبح الْأَلْفَاظ وَحسن التَّعْبِير عَن مقالات أَصْحَابهم وتخيرهم لَهَا أحسن الْأَلْفَاظ وأتباعهم محبوسون فِي قبُول تِلْكَ الْعبارَات لَيْسَ مَعَهم فِي الْحَقِيقَة سواهَا بل لَيْسَ مَعَ المتبوعين غَيرهَا وَصَاحب البصيرة لَا تهوله تِلْكَ الْعبارَات الهائلة بل يجرد الْمَعْنى عَنْهَا وَلَا يكسوه عبارَة مِنْهَا ثمَّ يحملهُ على مَحل الدَّلِيل السَّالِم عَن الْمعَارض فَحِينَئِذٍ يتَبَيَّن لَهُ الْحق من الْبَاطِل والحالي من العاطل الْوَجْه الْخَامِس عشر قَوْلكُم مُسْتَند الِاسْتِحْسَان والاستقباح التدين بالشرائع فَيُقَال لَا ريب أَن التدين بالشرائع يَقْتَضِي الِاسْتِحْسَان والاستقباح وَلَكِن الشَّرَائِع إِنَّمَا جَاءَت بتكميل الْفطر وتقريرها لَا بتحويلها وتغييرها فَمَا كَانَ فِي الْفطْرَة مستحسنا جَاءَت الشَّرِيعَة باستحسانه فكسته حسنا إِلَى حسنه فَصَارَ حسنا من الْجِهَتَيْنِ وَمَا كَانَ فِي الْفطْرَة مستقبحاجاءت الشَّرِيعَة باستقباحه فكسته قبحا إِلَى قبحه فَصَارَ قبيحا من الْجِهَتَيْنِ وَأَيْضًا فَهَذِهِ القضايا مستحسنة ومستقبحة عِنْد من لم تبلغه الدعْوَة وَلم يقر بنبوة وَأَيْضًا فمجيء الرَّسُول بِالْأَمر بحسنها وَالنَّهْي عَن قبيحها دَلِيل على نبوته وَعلم على رسَالَته كَمَا قَالَ بعض الصَّحَابَة وَقد سُئِلَ عَمَّا أوجب إِسْلَامه فَقَالَ مَا أَمر بِشَيْء فَقَالَ الْعقل ليته نهى عَنهُ وَلَا نهى

стр. 370

عَن شَيْء فَقَالَ الْعقل ليته أَمر بِهِ فَلَو كَانَ الْحسن والقبح لم يكن مركوزا فِي الْفطر والعقول لم يكن مَا أَمر بِهِ الرَّسُول وَنهى عَنهُ علما من أَعْلَام صدقه وَمَعْلُوم أَن شَرعه وَدينه عِنْد الْخَاصَّة من اكبر أَعْلَام صدقه وشواهد نبوته كَمَا تقدم الْوَجْه السَّادِس عشر قَوْلكُم فِي مثارات الْغَلَط الَّتِي يغلط الْوَهم فِيهَا أَنَّهَا ثَلَاث مثارات الأولى أَن الْإِنْسَان يُطلق اسْم الْقَبِيح على مَا يُخَالف غَرَضه وان كَانَ يُوَافق غَرَض غَيره من حَيْثُ أَنه لَا يلْتَفت إِلَى الْغَيْر فان كل طبع مشغوف بِنَفسِهِ فَيقْضى بالقبح مُطلقًا فقد أصَاب فِي الحكم بالقبح وَأَخْطَأ فِي إِضَافَة الْقبْح إِلَى ذَات الشَّيْء وغفل عَن كَونه قبيحا لمُخَالفَة غَرَضه وَأَخْطَأ فِي حكمه بالقبح مُطلقًا ومنشأه عدم الِالْتِفَات إِلَى غَيره فحاصله أَمْرَانِ أَحدهمَا أَنه إِنَّمَا قضى بالْحسنِ والقبح لموافقة غَرَضه ومخالفته الثَّانِي أَن هَذِه الْمُوَافقَة والمخالفة لَيست عَامَّة فِي حق كل شخص وزمان وَمَكَان بل وَلَا فِي جَمِيع أَحْوَال الشَّخْص هَذَا حَاصِل مَا طولتم بِهِ فَيُقَال لَا ريب أَن الْحسن يُوَافق الْغَرَض والقبح يُخَالِفهُ وَلَكِن مُوَافقَة هَذَا وَمُخَالفَة هَذَا لما قَامَ بِكُل وَاحِد من الصِّفَات الَّتِي أوجبت الْمُخَالفَة والموافقة إِذْ لَو كَانَا سَوَاء فِي نفس الْأَمر وذاتهما لَا تقتضى حسنا وَلَا قبحا لم يخْتَص أَحدهمَا بالموافقة وَالْآخر بالمخالفة وَلم يكن أَحدهمَا بِمَا اخْتصَّ بِهِ أولى من الْعَكْس فَمَا لجأتم إِلَيْهِ من مُوَافقَة الْغَرَض ومخالفته من أكبر الْأَدِلَّة على أَن ذَات الْفِعْل متصفة بِمَا لأَجله وَافق الْغَرَض وَخَالفهُ وَهَذَا كموافقة الْغَرَض ومخالفته فِي الطعوم والأغذية والروائح فان مَا لاءم مِنْهَا الْإِنْسَان وَوَافَقَهُ مُخَالف بِالذَّاتِ وَالْوَصْف لما نافره مِنْهَا وَخَالفهُ وَلم تكن تِلْكَ الملاءمة والمنافرة لمُجَرّد الْعَادة بل لما قَامَ بالملائم والمنافر من الصِّفَات فَفِي الْخبز والما وَاللَّحم والفاكهة من الصِّفَات الَّتِي اقْتَضَت ملاءمتها الْإِنْسَان مَا لَيْسَ فِي التُّرَاب وَالْحجر والقصب والعصف وَغَيرهَا وَمن سَاوَى بَين الْأَمريْنِ فقد كَابر حسه وعقله فَهَكَذَا مَا لاءم الْعُقُول وَالْفطر من الْأَعْمَال وَالْأَحْوَال وَمَا خالفها هُوَ لما قَامَ بِكُل مِنْهَا من الصِّفَات الَّتِي اخْتصّت بِهِ فَأوجب الملاءمة والمنافرة فملاءمة الْعدْل وَالْإِحْسَان وَالْبر للعقول وَالْفطر وَالْحَيَوَان لما اخْتصّت بِهِ ذَوَات هَذِه الْأَفْعَال من أُمُور لَيست فِي الظُّلم والإساءة وَلَيْسَت هَذِه الملاءمة والمنافرة لمُجَرّد الْعَادة والتدين بالشرائع بل هِيَ أُمُور ذاتية لهَذِهِ الْأَفْعَال وَهَذَا مِمَّا لَا يُنكره الْعقل بعد تصَوره الْوَجْه السَّابِع عشر أَنا لَا ننكر أَن للْعَادَة وَاخْتِلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان وَالْإِضَافَة وَالْحَال تَأْثِيرا فِي الملاءمة والمنافرة وَلَا ننكر أَن الْإِنْسَان يلائمه مَا اعتاده من الأغذية والمساكن والملابس وينافره مَا لم يعتده مِنْهَا وان كَانَ أشرف مِنْهَا وَأفضل وَمن هَذَا إلْف الأوطان وَحب المساكن والحنين إِلَيْهَا وَلَكِن هَل يلْزم من هَذَا أَن تكون الملاءمة والمنافرة كلهَا ترجع إِلَى الالف وَالْعَادَة الْمُجَرَّدَة وَمَعْلُوم أَن هَذَا مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِذْ الحكم على فَرد

стр. 371

جزئي من أَفْرَاد النَّوْع لَا يَقْتَضِي الحكم على جَمِيع النَّوْع واستلزام الْفَرد الْمعِين من النَّوْع اللَّازِم الْمعِين لَا يَقْتَضِي استلزام النَّوْع لَهُ وَثُبُوت خَاصَّة معينه للفرد الجزئي لَا يَقْتَضِي ثُبُوتهَا للنوع الْكُلِّي: الْوَجْه الثَّامِن عشر أَن غَايَة مَا ذكرْتُمْ من خطأ الْوَهم فِي اعْتِقَاده إِضَافَة الْقبْح إِلَى ذَات الْفِعْل وَحكمه بالاستقباح مُطلقًا مِمَّا قد يعرض فِي بعض الْأَفْعَال فَهَل يلْزم من ذَلِك أَنه حَيْثُ قضى بِهَاتَيْنِ القضيتين يكون غالطا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل فعل وَنحن إِنَّمَا علمنَا غلطه فِيمَا غلط فِيهِ لقِيَام الدَّلِيل الْعقلِيّ على غلطه فَأَما إِذا كَانَ الدَّلِيل الْعقلِيّ مطابقا لحكمه فَمن أَيْن لكم الحكم بغلطه فان قُلْتُمْ إِذا ثَبت أَنه يغلط فِي حكم مَا لم يكن حكمه مَقْبُولًا إِذْ لَا ثِقَة بِحكمِهِ قُلْنَا إِذا جوزتم أَن يكون فِي الْفطْرَة حاكمان حَاكم الْوَهم وحاكم الْعقل ونسبتم حكم الْعقل إِلَى حكم الْوَهم وقلتم فِي بعض القضايا الَّتِي يجْزم الْعقل بهَا هِيَ من حكم الْوَهم لم يبْق لكم وثوق بالقضايا الَّتِي يجْزم بهَا الْعقل وَيحكم بهَا لاحْتِمَال أَن يكون مستندها حكم الْوَهم لَا حكم الْعقل فَلَا بُد لكم من التَّفْرِيق بَينهمَا وَلَا بُد أَن تكون قضاياه ضَرُورِيَّة ابْتِدَاء وانتهاء وَإِذا جوزتم أَن يكون بعض القضايا الضرورية وهمية لم يبْق لكم طَرِيق إِلَى التَّفْرِيق الْوَجْه التَّاسِع عشر أَن هَذَا الَّذِي فرضتموه فِيمَن يتقبح شَيْئا لمُخَالفَة غَرَضه ويستحسنه لموافقة غَرَضه أَو بِالْعَكْسِ إِنَّمَا مورده الْحَسَنَات غَالِبا كالمآكل والملابس والمساكن والمناكح فَأَنَّهَا بِحَسب الدَّوَاعِي والميول والعوائد والمناسبات فَهِيَ إِنَّمَا تكون فِي الحركات وَأما الكليات الْعَقْلِيَّة فَلَا تكَاد تعَارض تِلْكَ فَلَا يكون الْعدْل والصدق وَالْإِحْسَان حسنا عِنْد بعض الْعُقُول قبيحا عِنْد بَعْضهَا كَمَا يكون اللَّوْن اسود مشتهى حسنا مُوَافقا لبَعض النَّاس مبغوضا مستقبحا لبَعْضهِم وَمن اعْتبر هَذَا بِهَذَا فقد خرج وَاعْتبر الشَّيْء بِمَا لَا يَصح اعْتِبَاره بِهِ وَيُؤَيّد هَذَا الْوَجْه الْعشْرُونَ أَن الْعقل إِذا حكم بقبح الْكَذِب وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش فانه لَا يخْتَلف حكمه بذلك فِي حق نَفسه وَلَا غَيره بل يعلم أَن كل عقل يستقبحها وَأَن كَانَ يرتكبها لِحَاجَتِهِ أَو جَهله فَلَمَّا أصَاب فِي استقباحها أصَاب فِي نِسْبَة الْقبْح إِلَى ذَاتهَا وَأصَاب فِي حكمه بقبحها مُطلقًا وَمن غلطه فِي بعض هَذِه الْأَحْكَام فَهُوَ الغالط عَلَيْهِ وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا حكم باستحسان مطعم أَو ملبس أَو مسكن أَو لون فانه يعلم أَن غَيره يحكم باستحسان غَيره وَأَن هَذَا مِمَّا يخْتَلف باخْتلَاف العوائد والأمم والأشخاص فَلَا يحكم بِهِ حكما كليا أَلا حَيْثُ يعلم أَنه لَا يخْتَلف كَمَا يحكم حكما كليا بِأَن كل ظمآن يستحسن شرب المَاء مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع وكل مقرور يستحسن لِبَاس مَا فِيهِ دفؤه مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع وَكَذَلِكَ كل جَائِع يستحسن مَا يدْفع بِهِ سُورَة الْجُوع فَهَذَا حكم كلي فِي هَذِه الْأُمُور المستحسنة لَا غلط فِيهِ مَعَ كَون المحسوسات عرضة لاخْتِلَاف النَّاس فِي استحسانها واستقباحها بِحَسب الْأَغْرَاض

стр. 372

والعوائد والالف فَمَا الظَّن بالأمور الْكُلية الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَا تخْتَلف إِنَّمَا هِيَ نفى واثبات الْوَجْه الْحَادِي وَالْعشْرُونَ قَوْلكُم من منارات الْغَلَط إِنَّمَا هُوَ مُخَالف للغرض فِي جَمِيع الْأَحْوَال أَلا فِي حَالَة نادرة بل لَا يلْتَفت الْوَهم إِلَى تِلْكَ الْحَالة النادرة بل لَا يخْطر بالبال فَيقْضى بالقبح مُطلقًا لاستيلاء قبحه على قلبه وَذَهَاب الْحَالة النادرة عَن ذكره فَحكمه على الْكَذِب بِأَنَّهُ قَبِيح مُطلقًا وعقليه ١ عَن الْكَذِب يُسْتَفَاد بِهِ عصمَة دم نَبِي أَو ولي وَإِذا قضى بالقبح مُطلقًا وَاسْتمرّ عَلَيْهِ مرّة وتكرر ذَلِك على سَمعه وَلسَانه انغرس فِي قلبه استقباح مُسْتَند إِلَى أخر فمضمونه بعد الإطالة أَنه لَو كَانَ الْكَذِب قبيحا لذاته لما تخلف عَلَيْهِ الْقبْح وَلكنه يتَخَلَّف إِذا تضمن عصمَة دم نَبِي فَفِي هَذِه الْحَالة وَنَحْوهَا لَا يكون قبيحا وَهِي حَالَة نادرة لَا تكَاد تخطر بالبال فَيقْضى الْعقل بقبح الْكَذِب مُطلقًا ويغفل عَن هَذِه الْحَالة وَهِي تنَافِي حكمه بقبحه مُطلقًا ثمَّ تتْرك وينشأ على ذَلِك الِاعْتِقَاد فيظن أَن قبحه لذاته مُطلقًا وَلَيْسَ كَذَلِك وَهَذَا بعد تَسْلِيمه لَا يمْنَع كَونه قبيحا لذاته وان تخلف الْقبْح عَنهُ لمعارض رَاجِح كَمَا أَن الاغذاء بالميتة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَيُوجب نباتا خبيثا وان يخلف عَنهُ ذَلِك عِنْد المخمصة كَيفَ وَقد بَينا أَن الْقبْح لَا يتَخَلَّف عَن الْكَذِب أصلا وَأما إِذا تضمن عصمَة ولي فالحسن إِنَّمَا هُوَ التَّعْرِيض والصدق لَا يقبح أبدا وانما الْقَبِيح الْأَعْلَام بِهِ وَفرق بَين الْخَبَر وَالْأَخْبَار فالقبح إِنَّمَا وَقع فِي الْأَخْبَار لَا فِي الْخَبَر وَلَو سلمنَا ذَلِك كُله لتخلف الحكم الْعقلِيّ لقِيَام مَانع أَو لفَوَات شَرط غير مستنكر فَهَذِهِ الشُّبْهَة من أَضْعَف الشّبَه وحسبك ضعفا بِحكم إِنَّمَا يسْتَند إِلَيْهَا والى أَمْثَالهَا الْوَجْه الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أَن الْوَهم قد سبق إِلَى الْعَكْس كمن يرى شَيْئا مَقْرُونا بِشَيْء فيظن الشَّيْء لَا محَالة مَقْرُونا بِهِ مُطلقًا وَلَا يدرى أَن الْأَخَص أبدا مقرون بالأعم من غير عكس وتمثيلكم ذَلِك بنفرة السَّلِيم من الْحَبل المرقش ونفور الطَّبْع عَن الْعَسَل إِذا شبه بالعذرة إِلَى آخر مَا ذكرْتُمْ من الْأَمْثَال كنفرة الطَّبْع عَن الْحَسْنَاء ذَات الِاسْم الْقَبِيح ونفرة الرجل عَن الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْمَيِّت ونفرة كثير من النَّاس عَن الْأَقْوَال الصَّحِيحَة الَّتِي تُضَاف إِلَى من يسيؤن الظَّن بهم فَنحْن لَا ننكر أَن للوهم تَأْثِير فِي النُّفُوس وَفِي الْحبّ والبغض بل هُوَ غَالب على أَكثر النُّفُوس فِي كثير من الْأَحْوَال وَلَكِن إِذا سلط عَلَيْهِ الْعقل الصَّرِيح تبين غلطه وَأَن مَا حكم بِهِ إِنَّمَا هُوَ موهوم لَا مَعْقُول كَمَا إِذا سلط الْعقل الصَّرِيح وَالْحسن على الْحَبل المرقش تبين أَن نفرة الطَّبْع عَنهُ مستندها الْوَهم الْبَاطِل وَكَذَلِكَ إِذا سلط الذَّوْق وَالْعقل على الْعَسَل تبين أَن نفرة الطَّبْع عَنهُ مستندها

стр. 373

الْوَهم الْكَاذِب وَإِذا تَأمل الطّرف محَاسِن الجميلة البديعة الْجمال تبين أَن نفرته عَنْهَا لقبح اسْمهَا وهم فَاسد وَإِذا سلط الْعقل الصَّرِيح على الْمَيِّت تبين أَن نفرة الرجل عَنهُ لتوهم حركته وثورانه خيال بَاطِل وَوهم فَاسد وَهَكَذَا نَظَائِر ذَلِك أفتري يلْزم من هَذَا أَنا إِذا سلطنا الْعقل الصَّرِيح على الْكَذِب وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش والإساءة إِلَى النَّاس وكفران النعم وَضرب الْوَالِدين وَالْمُبَالغَة فِي أهانتهما وسبهما وأمثال ذَلِك تبين أَن حكمه بقبحها وهم مِنْهُ ليَكُون نَظِير مَا ذكرْتُمْ من الْأَمْثِلَة وَهل فِي الِاعْتِبَار أفسد من اعتباركم هَذَا فان الحكم فِيمَا ذكرْتُمْ قد تبين بِالْعقلِ الصَّرِيح والحس أَنه حكم وهمي وَنحن لَا ننازع فِيهِ وَلَا عَاقل لأَنا أَن سلطنا عَلَيْهِ الْعقل والحس ظهر أَن مُسْتَنده الْوَهم وَأما فِي القضايا الَّتِي ركب فِي الْعُقُول وَالْفطر حسنها وقبحا فَأَنا إِذا سلطنا الْعقل الصَّرِيح عَلَيْهَا لم يحكم لَهَا بِخِلَاف مَا هِيَ عَلَيْهِ أبدا أَلا أَن يلجؤا إِلَى دبوس السَّارِق وَهُوَ الصدْق المتضمن هَلَاك والى الْكَذِب المتضمن عصمته وَلَيْسَ مَعكُمْ مَا تصولون بِهِ سواهُ وَقد بَينا حَقِيقَة الْأَمر فِيهِ بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَحَتَّى لَو كَانَ الْأَمر فيهمَا كَمَا ذكرْتُمْ قطعا لم يجز أَن يبطل بهما ماركبه الله فِي الْعُقُول وَالْفطر وألزمها إِيَّاه التزاما لَا انفكاك لَهَا عَنهُ من اسْتِحْسَان الْحسن واستقباح الْقَبِيح وَالْحكم بقبحه والتفرقة الْعَقْلِيَّة التابعة لذواتهما وأوصافهما بَينهمَا وَقد أنكر الله سُبْحَانَهُ على الْعُقُول الَّتِي جوزت أَن يَجْعَل الله فَاعل الْقَبِيح وفاعل الْحسن سَوَاء ونزه نَفسه عَن هَذَا الظَّن وَعَن نِسْبَة هَذَا الحكم الْبَاطِل إِلَيْهِ وَلَوْلَا أَن ذَلِك قَبِيح عقلا لما أنكرهُ على الْعُقُول الَّتِي جوزته فان الْإِنْكَار إِنَّمَا كَانَ يتَوَجَّه عَلَيْهِم بِمُجَرَّد الشَّرْع وَالْخَبَر لَا بإفساد مَا ظنوه عقلا وَلَا يُقَال فَلَو كَانَ هَذَا الحكم بَاطِلا قطعا لما جوزه أُولَئِكَ الْعُقَلَاء لِأَن هَذَا احتجاج بعقول أهل الشّرك الْفَاسِدَة الَّتِي عابها الله وَشهد عَلَيْهِم بِأَنَّهُم لَا يعْقلُونَ وشهدوا على أنفسهم بِأَنَّهُم أَو لَو كَانُوا يسمعُونَ أَو يعْقلُونَ مَا كَانُوا فِي أَصْحَاب السعير وَهل يُقَال أَن اسْتِحْسَان عبَادَة الْأَصْنَام بعقولهم واستحسان التَّثْلِيث وَالسُّجُود للقمر وَعبادَة النَّار وتعظيم الصَّلِيب يدل على حسنها لاستحسان بعض الْعُقَلَاء لَهَا فان قيل فَهَذَا حجَّة عَلَيْكُم فان عقول هَؤُلَاءِ قد قَضَت بحسنها وَهِي أقبح القبائح قيل مَا مثلنَا ومثلكم فِي ذَلِك أَلا كَمثل من قَالَ إِذا كَانَ الْأَحْوَال يرى الْقَمَر اثْنَيْنِ لم يبْق لنا وثوق بِكَوْن صَحِيح الْفَم إِذا ذاق الشَّيْء المر يذوقه عذبا وحلوا وَإِذا كَانَ صَاحب الْفَهم السقيم يعيب القَوْل الصَّحِيح وَيشْهد بِبُطْلَانِهِ لم يبْق لنا وثوق بِشَهَادَة صَاحب الْفَهم الْمُسْتَقيم بِصِحَّتِهِ إِلَى أَمْثَال ذَلِك فَإِذا كَانَت فطْرَة أمة من الْأُمَم وشرذمة من النَّاس وعقولهم قد فَسدتْ فَهَل يلْزم من هَذَا إبِْطَال شَهَادَة الْعُقُول السليمة وَالْفطر المستقيمة وَلَو صَحَّ لكم هَذَا الِاعْتِرَاض لبطل استدلالكم على كل مُنَازع لكم فِي

стр. 374

كل مَسْأَلَة فانه عَاقل وَقد شهد عقله بهَا بِخِلَاف قَوْلكُم وَكفى بِهَذَا فَسَادًا وبطلانا وَكفى برد الْعُقُول وَسَائِر الْعُقَلَاء لَهُ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين الْوَجْه الثَّالِث وَالْعشْرُونَ قَوْلكُم أَن الْملك الْعَظِيم إِذا رأى مِسْكينا مشرفا على الْهَلَاك اسْتحْسنَ إنقاذه وَالسَّبَب فِي ذَلِك دفع الأذي الَّذِي يلْحق الْإِنْسَان من رقة الجنسية وَهُوَ طبع يَسْتَحِيل الانفكاك عَنهُ إِلَى آخِره كَلَام فِي غَايَة الْفساد فان مضمونه أَن هَذَا الْإِحْسَان الْعَظِيم والتنزل من مثل هَذَا الْملك الْقَادِر إِلَى الْإِحْسَان إِلَى مجهود مضرور قد مَسّه الضّر وتقطعت بِهِ الْأَسْبَاب وانقطعت بِهِ الْحِيَل لَيْسَ فعلا حسنا فِي نَفسه وَلَا فرق عِنْد الْعقل بَين ذَلِك وان يلقى عَلَيْهِ حجرا يغرقه وانما مَال إِلَيْهِ طبعه لرقه الجنسية ولتصويره نَفسه فِي تِلْكَ الْحَال واحتياجه إِلَى من ينقذه وَألا فَلَو جردنا النّظر إِلَى ذَات الْفِعْل وضربنا صفحا عَن لوازمه وَمَا يقْتَرن بِهِ وَيبْعَث عَلَيْهِ لم يقْض الْعقل بحسنه وَلم يفرق بَينه وَبَين إِلْقَاء حجر عَلَيْهِ حَتَّى يغرقه هَذَا قَول يكفى فِي فَسَاده مُجَرّد تصَوره وَلَيْسَ فِي الْمُقدمَات البديهية مَا هُوَ أجلى وأوضح من كَون مثل هَذَا الْفِعْل حسنا لذاته حَتَّى يحْتَج بهَا عَلَيْهِ فان الِاحْتِجَاج إِنَّمَا يكون بالأوضح على الأخفى فَإِذا كَانَ الْمَطْلُوب الْمُسْتَدلّ عَلَيْهِ أوضح من الدَّلِيل كَانَ الِاسْتِدْلَال عناء وكلفة وَلَكِن تصور الدَّعْوَى ومقابلتها تصويرا مُجَردا يعرضان على الْعُقُول الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا تَقْلِيد الآراء وَلم يتواطأ عَلَيْهَا ويتلقاها صاغر عَن كَابر وَولد عَن وَالِد حَتَّى نشأت مَعهَا بنشئها فَهِيَ تسْعَى بنصرتها بِمَا دب ودرج من الْأَدِلَّة لاعتقادها أَولا أَنَّهَا حق فِي نَفسهَا لإحسانها الظَّن بأربابها فَلَو تجردت من حب من وَلدته وبغض من خالفته وجردت النّظر وصابرت الْعلم وتابعت الْمسير فِي المسئلة إِلَى آخرهَا لَأَوْشَكَ أَن تعلم الْحق من الْبَاطِل وَلَكِن حبك الشَّيْء يعمى ويصم وَالنَّظَر بِعَين البغض يرى المحاسن مساوى هَذَا فِي إِدْرَاك الْبَصَر مَعَ ظُهُوره ووضوحه فَكيف فِي إِدْرَاك البصيرة لَا سِيمَا إِذا صَادِق مُشكلا فَهَذِهِ بلية أَكثر الْعَالم فان تنج مِنْهَا تنج من ذِي عَظِيمَة ... وَألا فَإِنِّي لَا أخالك ناجيا الْوَجْه الرَّابِع وَالْعشْرُونَ أَن اقتران هَذِه الْأُمُور الَّتِي ذكرتموها من رقة الجنسية وتصور نَفسه بِصُورَة من يُرِيد إِنْفَاذه وَنَحْوهَا هِيَ أُمُور تقترن بِهَذَا الْإِحْسَان فَيقوم الْبَاعِث على فعله وَلَا يُوجب تجرده عَن وصف يَقْتَضِي حسنه وان يكون ذَاته مقتضية لحسنة وان اقْترن بفاعل هَذَا الْأُمُور وَمَا مثلكُمْ فِي ذَلِك أَلا كَمثل من قَالَ أَن تنَاول الْأَطْعِمَة والأغذية والأدوية لَيْسَ حسنا لذاته فانه يقْتَرن بمتناولها من لَذَّة الْمرة لفم الْمعدة مَا يُوجب نزوعها إِلَى طلب الْغذَاء لقِيَام البنيه وَكَذَلِكَ الْأَدْوِيَة وَغَيرهَا وَمَعْلُوم أَن هَذِه البواعث والدواعي وَأَسْبَاب الميول لَا يُنَافِي الِاقْتِضَاء الذاتي وَقيام الصِّفَات الَّتِي تَقْتَضِي الِانْتِفَاع بهَا فَكَذَلِك تِلْكَ

стр. 375

البواعث والدواعي وَأَسْبَاب الميول الَّتِي تحصل لفاعل الْإِحْسَان ومنقذ الغريق والحريق وَمَا يُنجى الْهَالِك لَا ينافى مَا عَلَيْهِ هَذِه الْأَفْعَال فِي ذواتها من الصِّفَات الَّتِي تَقْتَضِي حسنها وقبح أضدادها الْوَجْه الْخَامِس وَالْعشْرُونَ قَوْلكُم أَنه يقدر نَفسه فِي تِلْكَ الْحَال وَتَقْدِيره غَيره معرضًا عَن الانقاذ فيستقبحه مِنْهُ لمُخَالفَته غَرَضه فَيدْفَع عَن نَفسه ذَلِك الْقبْح المتوهم فَيُقَال هَذَا الْقبْح المتوهم إِنَّمَا نَشأ عَن الْقبْح الْمُحَقق فِي ترك الْإِحْسَان إِلَيْهِ مَعَ قدرته عَلَيْهِ وَعدم تضرره بِهِ فالقبح مُحَقّق فِي ترك إنقاذه ومتوهم فِي تَصْوِيره نَفسه بِتِلْكَ الْحَال وَعدم إنقاذه غَيره لَهُ فلولا تِلْكَ الْحَقِيقَة لم يحكم الْعقل بِهَذَا الْقبْح الموهوم وَكَون الانقاذ مُوَافقا للغرض وَتَركه مُخَالفا لَهُ لَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي ذَاته حسنا وقبيحا ملائما وَافق الْغَرَض أَو خَالفه لما اتصفت بِهِ ذَاته من الصِّفَات الْمُقْتَضِيَة لهَذِهِ الْمُوَافقَة والمخالفة الْوَجْه السَّادِس وَالْعشْرُونَ قَوْلكُم فَلَو فرض هَذَا فِي بَهِيمَة أَو شخص لارقة فِيهِ فَيبقى أَمر آخر وَهُوَ طلب الثَّنَاء على إحسانه فَيُقَال طلب الثَّنَاء يَقْتَضِي أَن هَذَا الْفِعْل مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ الثَّنَاء وَمَا ذَاك أَلا لِأَنَّهُ فِي نَفسه على صفة تَقْتَضِي الثَّنَاء على فَاعله وَلَو كَانَ هَذَا الْفِعْل مُسَاوِيا لضده فِي نفس الْأَمر لم يتَعَلَّق الثَّنَاء بِهِ والذم بضده وَفعله لتوقع الثَّنَاء لَا ينفى أَن يكون على صفة لأَجلهَا اسْتحق فَاعله الثَّنَاء بل هُوَ باقتضاء ذَلِك أولى من نَفْيه الْوَجْه السَّابِع وَالْعشْرُونَ قَوْلكُم فان فرض فِي مَوضِع يَسْتَحِيل أَن يعلم فَيبقى ميل وترجيح يضاهي نفرة طبع السَّلِيم عَن الْحَبل وَذَلِكَ أَنه رأى هَذِه الصُّورَة مقرونة بالثناء فيظن أَن الثَّنَاء مقرون بهَا بِكُل حَال كَمَا أَنه لما رأى الْأَذَى مَقْرُونا بِصُورَة الْحَبل وطبعه ينفر عَن الْأَذَى فينفر عَن المقرون بِهِ فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالمكروه مَكْرُوه فَيُقَال يَا عجبا كَيفَ يرد أعظم الْإِحْسَان الَّذِي فطر الله عقول عباده وفطرهم على إحسانه حَتَّى لَو تصور نطق الْحَيَوَان البهيم لشهد باستحسانه إِلَى مُجَرّد وهم وخيال فَاسد يشبه نفرة طبع الرجل السَّلِيم عَن حَبل مرقش فَتَأمل كَيفَ يحمل نفرة الآراء المتقلدة وَبَعض مخالفتها على أَمْثَال هَذِه الشنع وَهل سوى الله سُبْحَانَهُ فِي الْعُقُول وَالْفطر بَين إنقاذ الغريق والحريق وتخليص الْأَسير من عدوه واحياء النُّفُوس وَبَين نفرة طبع السَّلِيم عَن حَبل مرقش لتوهمه أَنه حَيَّة وَقد كَانَ مُجَرّد تصور هَذِه الشُّبْهَة كَافِيا فِي الْعلم ببطلانها وَلَكنَّا زِدْنَا الْأَمر إيضاحا وبيانا الْوَجْه الثَّامِن وَالْعشْرُونَ قَوْلكُم الْإِنْسَان إِذا جَالس من عشقه فِي مَكَان فَإِذا انْتهى إِلَيْهِ أحس فِي نَفسه تَفْرِقَة بَين ذَلِك الْمَكَان وَغَيره واستشهادكم على ذَلِك بقول الشَّاعِر أَمر على الديار ديار ليلى ... وَقَوله وحبب أوطان الرِّجَال إِلَيْهِم ... فَيُقَال لَا ريب أَن الْأَمر هَكَذَا وَلَكِن هَل يلْزم من هَذَا اسْتِوَاء الصدْق وَالْكذب فِي نفس الْأَمر واستواء الْعدْل وَالظُّلم وَالْبر والفجور وَالْإِحْسَان والإساءة بل هَذَا الْمِثَال نَفسه حجَّة عَلَيْكُم فانه لم يمل طبعه

стр. 376

إِلَى ذَلِك الْمَكَان مَعَ مساواته لجَمِيع الْأَمْكِنَة عِنْده وَكَذَلِكَ حنينه إِلَى وَطنه ومحته لَهُ وَكَذَلِكَ حنينه إِلَى الفه من النَّاس وَغَيرهم فان هَذَا لَا يَقع مِنْهُ مَعَ تَسَاوِي تِلْكَ الْأَمَاكِن والأشخاص عِنْده بل لظَنّه اختصاصهما بِأُمُور لَا تُوجد فِي سواهُمَا فترتب ذَلِك الْحبّ والميل على هَذَا الظَّن ثمَّ لَهُ حالان أَحدهمَا أَن يكون كَمَا ظَنّه بل ذَلِك الْمَكَان أَو الشَّخْص مساولغيره وَرُبمَا يكون غَيره أكمل مِنْهُ فِي الْأَوْصَاف الَّتِي تَقْتَضِي حبه والميل إِلَيْهِ فَهَذَا إِذا سلط الْعقل الْحس على سَبَب ميله وحبه علم أَنه مُجَرّد الف أَو عَادَة أَو تذكر أَو تخيل وَهَذَا الْوَهم مُسْتَند إِلَى مَا تقرر فِي الْعقل من أَن اخْتِصَاص الْحبّ والميل بالشَّيْء دون غَيره لما اخْتصَّ بِهِ من الصِّفَات الَّتِي اقْتَضَت ذَلِك وَكَذَلِكَ تعلق النفرة والبغض بِهِ ثمَّ تغلب الْوَهم حَتَّى يتخيل أَن تِلْكَ الصِّفَات باينة عَن الْمحل وَلَيْسَت فِيهِ بل يكون الْمحل مَقْرُونا بِتِلْكَ الصِّفَات فيحب وَيبغض لأجل تِلْكَ الْمُفَارقَة فمقارن المحبوب مَحْبُوب ومقارن الْمَكْرُوه مَكْرُوه كَقَوْلِه وَمَا حب الديار شغفن قلبِي ... وَلَكِن حب من سكن الديارا وَقَول الآخر إِذا ذكرُوا أوطانهم ذكرتهمو عهودا ... جرت فِيهَا فحبوا لدالكا الْوَجْه التَّاسِع وَالْعشْرُونَ قَوْلكُم أَن الصَّبْر على السَّيْف فِي ترك كلمة الْكفْر لَا يستحسنه الْعُقَلَاء لَوْلَا الشَّرْع بل رُبمَا استقبحوه إِنَّمَا يستحسن الثَّوَاب أَو الثَّنَاء بالشجاعة وَكَذَلِكَ بِالصبرِ على حفظ السِّرّ وَالْوَفَاء بالعهد لما فِي ذَلِك من الْمصَالح فان فرض حَيْثُ لَا تنافيه فقد وجد مَقْرُونا بالثناء فَيبقى ميل الْوَهم المقرون فَيُقَال لكم اسْتِحْسَان الشَّرْع لَهُ مُطَابق لاستحسان الْعقل لَا مُخَالف وَكَذَلِكَ انْتِظَار الثَّوَاب بِهِ وَهُوَ حسنه فِي نَفسه وَكَذَلِكَ الْمصَالح المترتبة على حفظ السِّرّ وَالْوَفَاء بالعهد هِيَ لما قَامَ بذوات هَذِه الْأَفْعَال من الصِّفَات الَّتِي أوجبت الْمصَالح إِذْ لَو ساوت غَيرهَا لم تكن باقتضاء الْمصلحَة أولى مِنْهَا وقولكم أَنه إِذا وَجب فرض حَيْثُ لاثناء ينفى ميل الْوَهم للمقارنة فقد تقدم أَن هَذَا الْميل تبع للْحَقِيقَة وَأَنه يَسْتَحِيل وجوده فِي فعل لَا تَقْتَضِي ذَاته الْمصلحَة وَالِاسْتِحْسَان وان حُصُول الْوَهم الْمُقَارن تبع للْحَقِيقَة الثَّابِتَة لِاسْتِحَالَة حُصُول هَذَا الْوَهم فِي فعل لَا تكون ذَاته منشأ لِلْأَمْرِ الموهوم فيتوهم الذِّهْن حَيْثُ تَنْتفِي الْحَقِيقَة الْوَجْه الثَّلَاثُونَ قَوْلكُم أَن من عرضت لَهُ حَاجَة وَأمكن قضاءها بِالصّدقِ وَالْكذب وَأَنه إِنَّمَا يُؤثر الصدْق لِأَنَّهُ وجده مَقْرُونا بالثناء فَهُوَ يؤثره لما يقْتَرن بِهِ من الثَّنَاء فَجَوَابه أَيْضا مَا تقدم وَأَن اقترانه بالثناء لما اخْتصَّ بِهِ من الصِّفَات الَّتِي اقْتَضَت الثَّنَاء على فَاعله كَيفَ وَالْكذب مُتَضَمّن لفساد تظلم الْعَالم وَلَا يُمكن قيام الْعَالم عَلَيْهِ لَا فِي معاشهم وَلَا فِي معادهم بل هُوَ مُتَضَمّن لفساد المعاش والمعاد ومفاسد الْكَذِب اللَّازِمَة لَهُ مَعْلُومَة عِنْد خَاصَّة النَّاس وعامتهم كَيفَ وَهُوَ منشأ كل وَفَسَاد

стр. 377

الْأَعْضَاء لِسَان كذوب وَكم قد أزيلت بِالْكَذِبِ من دوَل وممالك وَخَربَتْ بِهِ من بِلَاد واستلبت بِهِ من نعم وتعطلت بِهِ من معايش وفسدت بِهِ مصَالح وغرست بِهِ عداوات وَقطعت بِهِ مودات وافتقر بِهِ غنى وذل بِهِ عَزِيز وهتكت بِهِ مصونة ورميت بِهِ مُحصنَة وخلت بِهِ دور وقصور وعمرت بِهِ قُبُور وأزيل بِهِ أنس واستجلبت بِهِ وَحْشَة وأفسد بِهِ بَين الابْن وَأَبِيهِ وغاض بَين الْأَخ وأخيه وأحال الصّديق عدوا مُبينًا ورد الْغنى الْعَزِيز مِسْكينا وَكم فرق بَين الحبيب وحبيبه فأفسد عَلَيْهِ عيشته ونغص عَلَيْهِ حَيَاته وَكم جلا عَن الأوطان وَكم سود من وُجُوه وطمس من نور وأعمى من بَصِيرَة وأفسد من عقل وَغير من فطْرَة وجلب من معرة وَقطعت بِهِ السبل وعفت بِهِ معالم الْهِدَايَة ودرست بِهِ من آثَار النُّبُوَّة وخفيت بِهِ من مصَالح الْعباد فِي المعاش والمعاد وَهَذَا وأضعافه ذرة من مفاسده وَجَنَاح بعوضة من مضاره ومصالحه أَلا فَمَا يجلبه من غضب الرَّحْمَن وحرمان الْجنان وحلول دَار الهوان أعظم من ذَلِك وَهل ملئت الْجَحِيم أَلا بِأَهْل الْكَذِب الْكَاذِبين على الله وعَلى رَسُوله وعَلى دينه وعَلى أوليائه المكذبين بِالْحَقِّ حمية وعصبية جَاهِلِيَّة وَهل عمرت الْجنان أَلا بِأَهْل الصدْق الصَّادِقين المصدقين بِالْحَقِّ قَالَ تَعَالَى فَمن أظلم مِمَّن كذب على الله وَكذب بِالصّدقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للْكَافِرِينَ وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاؤن عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ وَإِذا كَانَت هَذِه حَال الْكَذِب والصدق فَمن أبطل الْبَاطِل دَعْوَى تساويهما وان الْعقل إِنَّمَا يُؤثر الصدْق لتوهم اقترانه بالثناء وانما يتَجَنَّب الْكَذِب لتوهم اقترانه بالقبح كتوهم اقتران اللسع فِي الْحَبل المرقش ورد استقباح هَذِه الْمَفَاسِد والمقابح الَّتِي لَا أقبح مِنْهَا إِلَى مُجَرّد وهم بَاطِل شبه نفرة الطَّبْع عَن الْحَبل المرقش وَنَفس الْعلم بِهَذِهِ الْمقَالة كَاف فِي الْجَزْم ببطلانها وَلَو ذَهَبْنَا نعدد قبائح الْكَذِب الناشئة من ذَاته وَصِفَاته لزادت عَن الْألف وَمَا من عَاقل أَلا وَعند الْعلم بِبَعْض ذَلِك علما ضَرُورِيًّا مركوزا فِي فطرته فَمَا سوى الله بَينه وَبَين الصدْق أبدا وَدَعوى استوائهما كدعوى اسْتِوَاء النُّور والظلمة وَالْكفْر والأيمان وخراب الْعَالم واهلاك الْحَرْث والنسل وعمارته بل كدعوى اسْتِوَاء الْجُوع والشبع والري والظمأ والفرح وَالْغَم وَأَنه لَا فرق عِنْد الْعقل بَين علمه بِهَذَا وَهَذَا الْوَجْه الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ قَوْلكُم الصدْق وَالْكذب متنافيان وَمن الْمحَال تَسَاوِي المتنافيين فِي جَمِيع الصِّفَات إِلَى آخِره إِقْرَار مِنْكُم بِالْحَقِّ وَنقض لما أصلتموه فانهما إِذا كَانَا متنافيين ذاتا وصفاتا لم يرجع الْفرق بَينهمَا اسْتِحْسَانًا واستقباحا إِلَى مُجَرّد الْعَادة والمنشأ والوباء أَو مُجَرّد التدين بالشرائع بل يكون مرجع الْفرق إِلَى ذاتهما وَأَن ذَات هَذَا مقتضية لحسنه وَذَات هَذَا مقتضية لقبحه وَهَذَا هُوَ عين الصَّوَاب لَوْلَا أَنكُمْ لَا تثبتون علته وتصرحون بِأَن الْفرق بَينهمَا سَببه الْعَادة والتربية والمنشأ والتدين بشرائع الْأَنْبِيَاء حَتَّى لَو فرض انْتِفَاء ذَلِك لم يُؤثر الرجل الصدْق على الْكَذِب وَهل فِي التَّنَاقُض أقبح من هَذَا

стр. 378

الْوَجْه الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ قَوْلكُم أَن غَايَة هَذَا أَن يدل على قبح الْكَذِب وَحسن الصدْق شَاهدا وَلَا يلْزم مِنْهُ حسنه وقبحه وغائبا أَلا بطرِيق قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد وَهُوَ بَاطِل لوضوح الْفرق واستنادكم فِي الْفرق إِلَى مَا ذكرْتُمْ من تخلية الله بَين عباده يموج بَعضهم فِي بعض ظلما وإفسادا وقبح ذَلِك مشَاهد فيالله الْعجب كَيفَ يجوز الْعقل الْتِزَام مَذْهَب مُلْتَزم مَعَه جَوَاز الْكَذِب على رب الْعَالمين وأصدق الصَّادِقين وَأَنه لَا فرق أصلا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بَين الصدْق وَالْكذب بل جَوَاز الْكَذِب عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا كجواز الصدْق وَحسنه لحسنه وَهل هَذَا أَلا من أعظم الْإِفْك وَالْبَاطِل ونسبته إِلَى الله تَعَالَى جَوَازًا كنسبة مَا لَا يَلِيق بجلاله إِلَيْهِ من الْوَلَد وَالزَّوْجَة وَالشَّرِيك بل لنسبة أَنْوَاع الظُّلم وَالشَّر إِلَيْهِ جَوَازًا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا فَمن اصدق من الله حَدِيثا وَمن أصدق من الله قيلا وَهل هَذَا الْإِفْك المفترى أَلا رَافع للوثوق بأخباره ووعده ووعيده وتجويزه عَلَيْهِ وعَلى كَلَامه مَا هُوَ أقبح القبائح الَّتِي تنزه عَنْهَا بعض عبيده وَلَا يَلِيق بِهِ فضلا عَنهُ سُبْحَانَهُ فَلَو التزمتم كل إِلْزَام بِلُزُوم مُسَمّى الْحسن والقبح العقليين لَكَانَ أسهل من الْتِزَام هَذَا الإد الَّتِي تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هَذَا وَلَا نِسْبَة فِي الْقبْح بَين الْوَلَد وَالشَّرِيك وَالزَّوْجَة وَبَين الْكَذِب وَلِهَذَا فطر الله عقول عباده على الازدراء والذم والمقت للكاذب دون من لَهُ زَوْجَة وَولد وَشريك فتنزه أصدق الصَّادِقين عَن هَذَا الْقَبِيح كتنزهه عَن الْوَلَد وَالزَّوْجَة وَالشَّرِيك بل لَا يعرف أحد من طوائف هَذَا الْعَالم جوز الْكَذِب على الله لما فطر الله عقول الْبشر وَغَيرهم على قبحه ومقت فَاعله وخسته ودناءته وَنسبَة طوائف الْمُشْركين الشَّرِيك وَالْولد إِلَيْهِ لما لم يكن قبحه عِنْدهم كقبح الْكَذِب وَكفى بِمذهب بطلانا وَفَسَادًا هَذَا القَوْل الْعَظِيم والإفك الْمُبين لَازِمَة وَمَعَ هَذَا فأهله لَا يتحاشون من الْتِزَامه فَلَو الْتزم الْقَائِل أَن يذهب الذَّم كَانَ خيرا لَهُ من هَذَا وَنحن نَسْتَغْفِر الله من التَّقْصِير فِي رد أهل الْمَذْهَب الْقَبِيح وَلَكِن ظُهُور قبحه للعقول وَالْفطر أقوى شَاهد على رده وإبطاله وَلَقَد كَانَ كافينا من رده نفس تَصْوِيره وَعرضه على عقول النَّاس وفطرهم فَلْيتَأَمَّل اللبيب الْفَاضِل مَاذَا يعود إِلَيْهِ نصر المقالات والتعصب لَهَا والتزام لوازمها وإحسان الظَّن بأربابها بِحَيْثُ يرى مساويهم محَاسِن وإساءة الظَّن بخصومهم بِحَيْثُ يرى محاسنهم مساوي كم أفسد هَذَا السلوك من فطْرَة وصاحبها من الَّذين يحسبون أَنهم على شَيْء إِلَّا انهم هم الْكَاذِبُونَ وَلَا يتعجب من هَذَا فان مرْآة الْقلب لَا يزَال يتنفس فِيهَا حَتَّى يستحكم صداؤها فَلَيْسَ ببدع لَهَا أَن ترى الْأَشْيَاء على خلاف مَا هِيَ عَلَيْهِ فمبدأ الْهدى والفلاح صقال تِلْكَ الْمرْآة وَمنع الْهوى من التنفس فِيهَا وَفتح عين البصيرة فِي أَقْوَال من يسيء الظَّن بهم كَمَا يقبحها فِي أَقْوَال من يحسن الظَّن بِهِ وقيامك

стр. 379

لله وشهادتك بِالْقِسْطِ وَأَن لَا يحملك بغض منازعيك وخصومك على جحد دينهم وتقبيح محاسنهم وَترك الْعدْل فيهم فان الله لَا يعْتد بتعب من هَذَا ثناه وَلَا يجدي علمه نفعا أحْوج مَا يكون إِلَيْهِ وَالله يحب المقسطين وَلَا يحب الظَّالِمين الْوَجْه الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ قَوْلكُم أَن مُسْتَند الحكم يقبح الْكَذِب غَائِبا على الشَّاهِد وَهُوَ فَاسد فَيُقَال الرب تَعَالَى لَا يدْخل مَعَ خلقه فِي قِيَاس تَمْثِيل وَلَا قِيَاس شُهُود يَسْتَوِي أَفْرَاده فهذان الفرعان من الْقيَاس يَسْتَحِيل ثبوتهما فِي حَقه وَأما قِيَاس الأولى فَهُوَ غير مُسْتَحِيل فِي حَقه بل هُوَ وَاجِب لَهُ وَهُوَ مُسْتَعْمل فِي حَقه عقلا ونقلا أما الْعقل فكاستدلالنا على أَن معطى الْكَمَال أَحَق بالكمال فَمن جعل غَيره سميعا بَصيرًا عَالما متكلما حَيا حكيما قَادِرًا مرِيدا رحِيما محسنا فَهُوَ أولى بذلك وأحق مِنْهُ وَيثبت لَهُ من هَذِه الصِّفَات أكملها وأتمها وَهَذَا مُقْتَضى قَوْلهم كَمَال الْمَعْلُول مُسْتَفَاد من كَمَال علته وَلَكِن نَحن ننزه الله عَن إِطْلَاق هَذِه الْعبارَة فِي حَقه بل نقُول كل كَمَال ثَبت للمخلوق غير مُسْتَلْزم للنقص فخالقه ومعطيه إِيَّاه أَحَق بالاتصاف بِهِ وكل نقص فِي الْمَخْلُوق فالخالق أَحَق بالتنزه عَنهُ كالكذب وَالظُّلم والسفه وَالْعَيْب بل يجب تَنْزِيه الرب تَعَالَى عَن كل النقائص والعيوب مُطلقًا وان لم يتنزه عَنْهَا بعض المخلوقين وَكَذَلِكَ إِذا استدللنا على حكمته تَعَالَى بِهَذِهِ الطرائق نَحْو أَن يُقَال إِذا كَانَ الْفَاعِل الْحَكِيم الَّذِي لَا يفعل فعلا إِلَّا لحكمة وَغَايَة مَطْلُوبَة لَهُ من فعله أكمل مِمَّن يفعل لَا لغاية وَلَا لحكمة وَلَا لأجل عَاقِبَة محمودة وَهِي مَطْلُوبَة من فعله فِي الشَّاهِد فَفِي حَقه تَعَالَى أولى وَأَحْرَى فَإِذا كَانَ الْفِعْل للحكمة كَمَا لَا فِينَا فالرب تَعَالَى أولى بِهِ وأحق وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ التَّنَزُّه عَن الظُّلم وَالْكذب كَمَا لَا فِي حَقنا فالرب تَعَالَى أولى وأحق بالتنزه عَنهُ وَبِهَذَا وَنَحْوه ضرب الله الْأَمْثَال فِي الْقُرْآن وَذكر الْعُقُول ونبهها وأرشدها إِلَى ذَلِك كَقَوْلِه ﴿ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هَل يستويان مثلا﴾ فَهَذَا مثل ضربه يتَضَمَّن قِيَاس الأول يَعْنِي إِذا كَانَ الْمَمْلُوك فِيكُم لَهُ ملاك مشتركون فِيهِ وهم متنازعون ومملوك آخر لَهُ مَالك وَاحِد فَهَل يكون هَذَا وَهَذَا سَوَاء فَإِذا كَانَ هَذَا لَيْسَ عنْدكُمْ كمن لَهُ رب وَاحِد وَمَالك وَاحِد فَكيف ترْضونَ أَن تجْعَلُوا لأنفسكم آلِهَة مُتعَدِّدَة تجعلونها شُرَكَاء لله تحبونها كَمَا يحبونه وتخافونها كَمَا يخافونه وترجونها كَمَا يرجونه وَكَقَوْلِه تَعَالَى وَإِذا بشر أحدهم بِمَا ضرب للرحمن مثلا ظلّ وهجه مسودا وَهُوَ كظيم يَعْنِي أَن أحدكُم لَا يرضى أَن يكون لَهُ بنت فَكيف تَجْعَلُونَ لله مَالا ترضونه لأنفسكم وَكَقَوْلِه ﴿ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء وَمن رزقناه منا رزقا حسنا فَهُوَ ينْفق مِنْهُ سرا وجهرا هَل يستوون الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ وَضرب الله مثلا رجلَيْنِ أَحدهمَا أبكم لَا يقدر على شَيْء وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يوجهه لَا يَأْتِ بِخَير هَل﴾

стр. 380

﴿يَسْتَوِي هُوَ وَمن يَأْمر بِالْعَدْلِ وَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ يَعْنِي إِذا كَانَ لَا يَسْتَوِي عنْدكُمْ عبد مَمْلُوك لَا يقدر على شَيْء وغني موسع عَلَيْهِ ينْفق مِمَّا رزقه الله فَكيف تَجْعَلُونَ الصَّنَم الَّذِي هُوَ أَسْوَأ حَالا من هَذَا العَبْد شَرِيكا لله وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ لَا يَسْتَوِي عنْدكُمْ رجلَانِ أَحدهمَا أبكم لَا يعقل وَلَا ينْطق وَهُوَ مَعَ ذَلِك عَاجز لَا يقدر على شَيْء وَآخر على طَرِيق مُسْتَقِيم فِي أَقْوَاله وأفعاله وَهُوَ آمُر بِالْعَدْلِ عَامل بِهِ لِأَنَّهُ على صِرَاط مُسْتَقِيم فَكيف تسوون بَين الله وَبَين الصَّنَم فِي الْعِبَادَة ونظائر ذَلِك كَثِيرَة فِي الْقُرْآن وَفِي الحَدِيث كَقَوْلِه فِي حَدِيث الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ وان الله أَمركُم أَن تَعْبُدُوهُ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وان مثل من أشرك كَمثل رجل اشْترى عبدا من خَالص مَاله وَقَالَ لَهُ اعْمَلْ وأد إِلَى فَكَانَ يعْمل وَيُؤَدِّي إِلَى غَيره فَأَيكُمْ يحب أَن يكون عَبده كَذَلِك فَالله سُبْحَانَهُ لَا تضرب الْأَمْثَال الَّتِي يشْتَرك هُوَ وخلقه فِيهَا لَا شمولا وَلَا تمثيلا وانما يسْتَعْمل فِي حَقه قِيَاس الأولى كَمَا تقدم الْوَجْه الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ أَن النفاة إِنَّمَا ردوا على خصومهم من الْجَهْمِية الْمُعْتَزلَة فِي إِنْكَار الصِّفَات بِقِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد فَقَالُوا الْعَالم شَاهدا من لَهُ الْعلم والمتكلم من قَامَ بِهِ الْكَلَام والحي والمريد والقادر من قَامَ بِهِ الْحَيَاة والإرادة وَالْقُدْرَة وَلَا يعقل إِلَّا هَذَا قَالُوا وَلِأَن شَرط إِطْلَاق الِاسْم شَاهدا وجود هَذِه الصِّفَات وَلَا يسْتَحق الِاسْم فِي الشَّاهِد إِلَّا من قَامَت بِهِ فَكَذَلِك فِي الْغَائِب قَالُوا وَلِأَن شَرط الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة فِي الشَّاهِد الْحَيَاة فَكَذَلِك فِي الْغَائِب قَالُوا وَلِأَن علم كَون الْعَالم عَالما شَاهدا وجود الْعلم وقيامه بِهِ فَكَذَلِك فِي الْغَائِب فَقَالُوا بِقِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد فِي الْعلَّة وَالشّرط وَالِاسْم وَالْحَد فَقَالُوا حد الْعَالم شَاهدا من قَامَ بِهِ الْعلم فَكَذَلِك غَائِبا وَشرط صِحَة إِطْلَاق الِاسْم عَلَيْهِ شَاهدا قيام الْعلم بِهِ فَكَذَلِك غَائِبا وَعَلِيهِ كَونه عَالما شَاهدا قيام الْعلم بِهِ فَكَذَلِك غَائِبا فَكيف تنكرون هُنَا قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد وتحتجون بِهِ فِي مَوَاضِع أُخْرَى فَأَي تنَاقض أَكثر من هَذَا فان كَانَ قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد بَاطِلا بَطل احتجاجكم علينا بِهِ فِي هَذِه الْمَوَاضِع وان كَانَ صَحِيحا بَطل ردكم فِي هَذَا الْموضع فَأَما أَن يكون صَحِيحا إِذا استدللتم بِهِ بَاطِلا إِذا اسْتدلَّ بِهِ خصومكم فَهَذَا أقبح التطفيف وقبحه ثَابت بِالْعقلِ وَالشَّرْع الْوَجْه السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ قَوْلكُم أَن الله خلى بَين الْعباد وظلم بَعضهم بَعْضًا وَأَن ذَلِك لَيْسَ بقبيح مِنْهُ فانه قَبِيح منا فَذَلِك فَاسد على أصل التَّكْلِيف فان التَّكْلِيف إِنَّمَا يتم بِإِعْطَاء الْقُدْرَة وَالِاخْتِيَار وَالله تَعَالَى قد أقدر عباده على الطَّاعَات والمعاصي وَالصَّلَاح وَالْفساد وَهَذَا الأقدار هُوَ منَاط الشَّرْع وَالْأَمر وَالنَّهْي فلولاه لم يكن شرع وَلَا رِسَالَة وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَكَانَ النَّاس بِمَنْزِلَة الجمادات وَالْأَشْجَار والنبات فَلَو حَال سُبْحَانَهُ بَين الْعباد وَبَين الْقُدْرَة على الْمعاصِي لارتفع الشَّرْع والرسالة والتكليف وانتفت فَوَائِد الْبعْثَة وَلزِمَ من ذَلِك لَوَازِم لَا يُحِبهَا الله وتعطلت

стр. 381

بِهِ غايات محمودة محبوبة لله وَهِي ملزومة لأقدار الْعباد وتمكينهم من الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة وَوُجُود الْمَلْزُوم بِدُونِ اللَّازِم محَال وَقد نبهنا على شَيْء يسير من الحكم الْمَطْلُوبَة والغايات المحمودة فِيمَا سلف من هَذَا الْفَصْل وَفِي أول الْكتاب فَلَو أَن الرب تَعَالَى خلق خلقه ممنوعين من الْمعاصِي غير قَادِرين عَلَيْهَا بِوَجْه لم يكن لإرسال الرُّسُل وانزال الْكتب وَالْأَمر والنهى وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب سَبَب يَقْتَضِيهِ وَلَا حِكْمَة تستدعيه وَفِي ذَلِك تعطل الْأَمر جملَة بل تَعْطِيل الْملك وَالْحَمْد والرب تَعَالَى لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَله الْملك وَالْحَمْد والغايات الْمَطْلُوبَة والعواقب المحمودة الَّتِي لأَجلهَا أنزل كتبه وَأرْسل رسله وَشرع شرائعه وَخلق الْجنَّة وَالنَّار وَوضع الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَذَلِكَ لَا يحصل إِلَّا بأقدار الْعباد على الْخَيْر وَالشَّر وتمكينهم من ذَلِك فَأَعْطَاهُمْ الْأَسْبَاب والآلات الَّتِي يتمكنون بهَا من فعل هَذَا وَهَذَا فَلهَذَا حسن مِنْهُ ﵎ التَّخْلِيَة بَين عباده وَبَين مَا هم فاعلوه وقبح من أَحَدنَا أَن يخلى بَين عبيده وَبَين الْإِفْسَاد وَهُوَ قَادر على مَنعهم هَذَا مَعَ أَنه سُبْحَانَهُ لم يخل بَينهم بل مَنعهم مِنْهُ وَحرمه عَلَيْهِم وَنصب لَهُم الْعُقُوبَات الدُّنْيَوِيَّة والأخروية على القبائح وَأحل بهم من بأسه وعذابه وانتقامه مَالا يَفْعَله السَّيِّد من المخلوقين بعبيده ليمنعهم ويزجرهم فقولكم أَنه خلى بَين عباد وَبَين إِفْسَاد بَعضهم بَعْضًا وظلم بَعضهم بَعْضًا كذب عَلَيْهِ فانه لم يخل بَينهم شرعا وَلَا قدرا بل حَال بَينهم وَبَين ذَلِك شرعا أتم حيلولة ومنعهم قدرا بِحَسب مَا تَقْتَضِيه حكمته الباهرة وَعلمه الْمُحِيط وخلى بَينهم وَبَين ذَلِك بِحَسب مَا تَقْتَضِيه حكمته وشرعه وَدينه فَمَنعه سُبْحَانَهُ لَهُم حيلولته بَينهم وَبَين الشَّرّ أعظم من تخليته وَالْقدر الَّذِي خلاه بَينهم فِي ذَلِك هُوَ ملزوم أمره وشرعه وَدينه فَالَّذِي فعله فِي الطَّرفَيْنِ غَايَة الْحِكْمَة والمصلحة وَلَا نِهَايَة فَوْقه لاقتراح عقل وَلَو خلى بَينهم كَمَا زعمتم لكانوا بِمَنْزِلَة الْأَنْعَام السَّائِمَة بل لَو تَركهم ودواعي طباعهم لأهْلك بَعضهم بَعْضًا وَخرب الْعَالم وَمن عَلَيْهِ بل ألجمهم لجام الْعَجز وَالْمَنْع من كل مَا يُرِيدُونَ فَلَو أَنه خلى بَينهم وَبَين مَا يُرِيدُونَ لفسدت الخليقة كَمَا الجمهم بلجام الشَّرْع وَالْأَمر وَلَو مَنعهم جملَة وَلم يُمكنهُم وَلم يقدرهم لتعطل الْأَمر وَالشَّرْع جملَة وانتقت حِكْمَة الْبعْثَة والإرسال وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فَأَي حِكْمَة فَوق هَذِه الْحِكْمَة وَأي أَمر أحسن مِمَّا فعله بهم وَلَو أعْطى النَّاس هَذَا الْمقَام بعض حَقه لعلموا أَنه مُقْتَضى الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالْقُدْرَة التَّامَّة وَالْعلم الْمُحِيط وَأَنه غَايَة الْحِكْمَة وَمن فتح لَهُ بفهم فِي الْقُرْآن رَآهُ من أَوله إِلَى آخِره يُنَبه الْعُقُول على هَذَا ويرشدها إِلَيْهِ ويدلها عَلَيْهِ وَأَنه يتعالى ويتنزه أَن يكون هَذَا مِنْهُ عَبَثا أَو سدى أَو بَاطِلا أَو بِغَيْر الْحق أَو لَا لِمَعْنى وَلَا لداع وباعث وان مصدر ذَاك جَمِيعه عَن عزته وحكمته وَلِهَذَا كثيرا مَا يقرن تَعَالَى بَين هذَيْن الاسمين الْعَزِيز الْحَكِيم فِي آيَات التشريع والتكوين وَالْجَزَاء ليدل عباده على أَن مصدر ذَلِك كُله عَن حِكْمَة بَالِغَة وَعزة قاهرة ففهم الموفقون عَن الله مُرَاده وحكمته وانتهوا إِلَى مَا وقفُوا عَلَيْهِ

стр. 382

ووصلت إِلَيْهِ إفهامهم وعلومهم وردوا علم مَا غَابَ عَنْهُم إِلَى أحكم الْحَاكِمين وَمن هُوَ بِكُل شَيْء عليم وتحققوا بِمَا عملوه من حكمته الَّتِي بهرت عُقُولهمْ أَن الله فِي كل مَا خلق وَأمر وأثاب وعاقب من الحكم البوالغ مَا تقصر عُقُولهمْ عَن إِدْرَاكه وَأَنه تَعَالَى هُوَ الْغَنِيّ الحميد الْعَلِيم الْحَكِيم فمصدر خلقه وَأمره وثوابه وعقابه غناهُ وحمده وَعلمه وحكمته لَيْسَ مصدره مَشِيئَة مُجَرّدَة وقدرة خَالِيَة من الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة والمصلحة والغايات المحمودة الْمَطْلُوبَة لَهُ خلقا وأمرا وَأَنه سُبْحَانَهُ لَا يسْأَل عَمَّا يفعل لكَمَال حكمته وَوُقُوع أَفعاله كلهَا على أحسن الْوُجُوه وأتمها على الصَّوَاب والسداد ومطابقة الحكم والعباد يسْأَلُون إِذْ لَيست أفعالهم كَذَلِك وَلِهَذَا قَالَ خطيب الْأَنْبِيَاء شُعَيْب ﵇ أَنى توكلت على الله رَبِّي وربكم مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها أَن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم فَأخْبر عَن عُمُوم قدرته تَعَالَى وَأَن الْخلق كلهم تَحت تسخيره وَقدرته وانه آخذ بنواصيهم فَلَا محيص لَهُم عَن نُفُوذ مَشِيئَته وَقدرته فيهم ثمَّ عقب ذَلِك بالأخبار عَن تصرفه فيهم وَأَنه بِالْعَدْلِ لَا بالظلم وبالإحسان لَا بالإساءة وبالصلاح لَا بِالْفَسَادِ فَهُوَ يَأْمُرهُم وينهاهم إحسانا إِلَيْهِم وحماية وصيانة لَهُم وَلَا حَاجَة إِلَيْهِم وَلَا بخلا عَلَيْهِم بل جودا وكرما ولطفا وَبرا ويثيبهم إحسانا وتفضلا وَرَحْمَة لَا لمعاوضة وَاسْتِحْقَاق مِنْهُم وَدين وَاجِب لَهُم يستحقونه عَلَيْهِ ويعاقبهم عدلا وَحِكْمَة لَا تشفيا وَلَا مَخَافَة وَلَا ظلما كَمَا يُعَاقب الْمُلُوك وَغَيرهم بل هُوَ على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَهُوَ صِرَاط الْعدْل وَالْإِحْسَان فِي أمره وَنَهْيه وثوابه وعقابه فَتَأمل أَلْفَاظ هَذِه الْآيَة وَمَا جمعته من عُمُوم الْقُدْرَة وَكَمَال الْملك وَمن تَمام الْحِكْمَة وَالْعدْل وَالْإِحْسَان وَمَا تضمنته من الرَّد على الطَّائِفَتَيْنِ فَأَنَّهَا من كنوز الْقُرْآن وَلَقَد كفت وشفت لمن فتح عَلَيْهِ بفهمها فكونه تَعَالَى على صِرَاط مُسْتَقِيم ينفى ظلمه للعباد وتكليفه إيَّاهُم مَا لَا يُطِيقُونَ وينفى الْعَيْب من أَفعاله وشرعه وَيثبت لَهَا غَايَة الْحِكْمَة والسداد ردا على منكري ذَلِك وَكَون كل دَابَّة تَحت قَبضته وَقدرته وَهُوَ آخذ بناصيتها يَنْبَغِي أَن لَا يَقع فِي ملكه من أحد الْمَخْلُوقَات شَيْء بِغَيْر مَشِيئَته وَقدرته وَأَن من ناصيته بيد الله وَفِي قَبضته لَا يُمكنهُ أَن يَتَحَرَّك إِلَّا بتحريكه وَلَا يفعل إِلَّا بأقداره وَلَا يَشَاء إِلَّا بمشيئته تَعَالَى ردا على منكري ذَلِك من الْقَدَرِيَّة فالطائفتان مَا وفوا الْآيَة مَعْنَاهَا وَلَا قدروها حق قدرهَا فَهُوَ سُبْحَانَهُ على صِرَاط مُسْتَقِيم فِي عطائه وَمنعه وهدايته واضلاله وَفِي نَفعه وضره وعافيته وبلائه واغناه وإفقاره وإعزازه وإذلاله وانعامه وانتقامه وثوابه وعقابه وإحيائه وإماتته وَأمره وَنَهْيه وتحليله وتحريمه وَفِي كل مَا يخلق وكل مَا يَأْمر بِهِ وَهَذِه الْمعرفَة بِاللَّه لَا تكون إِلَّا للأنبياء ولورثتهم وَنَظِير هَذِه الْآيَة قَوْله تَعَالَى وَضرب الله مثلا رجلَيْنِ أَحدهمَا أبكم لَا يقدر على شَيْء وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يوجهه لايأت بِخَير هَل يَسْتَوِي هُوَ وَمن يَأْمر بِالْعَدْلِ وَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم فالمثل الأول للضم وعابديه والمثل الثَّانِي ضربه الله تَعَالَى لنَفسِهِ وَأَنه يَأْمر بِالْعَدْلِ وَهُوَ على صِرَاط مُسْتَقِيم فَكيف يسوى بَينه وَبَين الصَّنَم الَّذِي لَهُ مثل السوء فَمَا فعله الرب تبَارك

стр. 383

وَتَعَالَى مَعَ عباده هُوَ غَايَة الْحِكْمَة وَالْإِحْسَان وَالْعدْل فِي اقدارهم واعطائهم ومنعهم وَأمرهمْ ونهيهم فدعوى الْمُدعى أَن هَذَا نَظِير تخلية السَّيِّد بَين عبيده وامائه يفجر بَعضهم بِبَعْض ويسيء بَعضهم بَعْضًا اكذب دَعْوَى وأبطلها وَالْفرق بَينهمَا أظهر وَأعظم من أَن يحْتَاج إِلَى ذكره والتنبيه عَلَيْهِ وَالْحَمْد لله الْغَنِيّ الحميد فغناه التَّام فَارق وحمده وَملكه وعزته وحكمته وَعلمه وإحسانه وعدله وَدينه وشرعه وَحكمه وَكَرمه ومحبته للمغفرة وَالْعَفو عَن الجناة والصفح عَن المسيئين وتوبة التائبين وصبر الصابرين وشكر الشَّاكِرِينَ الَّذين يؤثرونه على غَيره ويتطلبون مراضيه ويعبدونه وَحده ويسيرون فِي عبيده بسيرة الْعدْل وَالْإِحْسَان والنصائح ويجاهدون أعداءه فيبذلون دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فِي محبته ومرضاته فيتميز الْخَبيث من الطّيب ووليه من عدوه وَيخرج طَيّبَات هَؤُلَاءِ وخبائث أُولَئِكَ إِلَى الْخَارِج فيترتب عَلَيْهَا آثارها المحبوبة للرب تَعَالَى من الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْحَمْد لأوليائه والذم لأعدائه وَقد نبه تَعَالَى على هَذِه الْحِكْمَة فِي كِتَابه فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ حَتَّى يُمَيّز الْخَبيث من الطّيب وَمَا كَانَ الله ليطلعكم على الْغَيْب وَلَكِن الله يجتبي من رسله من يَشَاء﴾ هَذِه الْآيَة من كنوز الْقُرْآن نبه فِيهَا على حكمته تَعَالَى الْمُقْتَضِيَة تَمْيِيز الْخَبيث من الطّيب وَأَن ذَلِك التَّمْيِيز لَا يَقع إِلَّا برسله فاجتبى مِنْهُم من شَاءَ وأرسله إِلَى عباده فيتميز برسالتهم الْخَبيث من الطّيب والولى من الْعَدو وَمن يصلح لمجاورته وقربه وكرامته مِمَّن لَا يصلح إِلَّا للوقود وَفِي هَذَا تَنْبِيه على الْحِكْمَة فِي إرْسَال الرُّسُل وَأَنه لَا بُد مِنْهُ وان الله تَعَالَى لَا يَلِيق بِهِ الْإِخْلَال بِهِ وان من جحد رِسَالَة رسله فَمَا قدره حق قدره وَلَا عرفه حق مَعْرفَته وَنسبه إِلَى مَا لَا يَلِيق بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره إِذْ قَالُوا مَا أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ فَتَأمل هَذَا الْموضع حق التَّأَمُّل واعطه حَظه من الْفِكر فَلَو لم يكن فِي هَذَا الْكتاب سواهُ لَكَانَ من أجل مَا يُسْتَفَاد وَالله الْهَادِي إِلَى سَبِيل الرشاد الْوَجْه السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ قَوْلكُم أَن الإغراق والإهلاك بخس مِنْهُ تَعَالَى وَهُوَ أقبح شَيْء منا فَكيف يدعونَ حسن إنقاذ الغرقى عقلا إِلَى آخِره كَلَام فَاسد جدا فان الإغراق والإهلاك من الرب تَعَالَى لَا يخرج قطّ عَن الْمصلحَة وَالْعدْل وَالْحكمَة فانه إِذا أغرق أعداءه وأهلكهم وانتقم مِنْهُم كَانَ هَذَا غَايَة الْحِكْمَة وَالْعدْل والمصلحة وان أغرق أولياءه وَأهل طَاعَته فَهُوَ سَبَب من الْأَسْبَاب الَّتِي نصبها لموتهم وتخليصهم من الدُّنْيَا والوصول إِلَى دَار كرامته وَمحل قربه وَلَا بُد من موت على كل حَال فَاخْتَارَ لَهُم أكمل الموتتين وأنفعهما لَهُم فِي معادهم ليوصلهم إِلَى دَرَجَات عالية لَا تنَال إِلَّا بِتِلْكَ الْأَسْبَاب الَّتِي نصبها الله موصلها كإيصال سَائِر الْأَسْبَاب إِلَى مسبباتها وَلِهَذَا سلط على أنبيائه وأوليائه مَا سلط عَلَيْهِم من الْقَتْل وأذى النَّاس وظلمهم لَهُم وعدوانهم عَلَيْهِم وَمَا ذَاك لهوانهم عَلَيْهِ وَلَا لكرامة أعدائهم عَلَيْهِ بل ذَاك عين كرامتهم وهوان أعدائهم عَلَيْهِ وسقوطهم من عينه لينالوا بذلك مَا خلقُوا لَهُ من مساكنتهم فِي دَار

стр. 384

الهوان وينال أولياؤه وَحزبه مَا هيئ لَهُم من الدَّرَجَات الْعلي وَالنَّعِيم الْمُقِيم فَكل تسليط أعدائه وأعدائهم عَلَيْهِم عين كرامتهم وَعين إهانة أعدائهم فَهَذَا من بعض حكمه تَعَالَى فِي ذَلِك ووراء ذَلِك من الحكم مَا لَا تبلغه الْعُقُول والأفه والإفهام وَكَانَ إغراقه واهلاكه وابتلاؤه مَحْض الْحِكْمَة وَالْعدْل فِي حق أعدائه ومحض الْإِحْسَان وَالْفضل وَالرَّحْمَة فِي حق أوليائه فَلهَذَا حسن مِنْهُ وَلَعَلَّ الإغراق وتسليط الْقَتْل عَلَيْهِم أسهل الموتتين عَلَيْهِم مَعَ مَا فِي ضمنه من الثَّوَاب الْعَظِيم فَيكون وَقد بلغ حسن اخْتِيَاره لَهُم إِلَى أَن خفف عَلَيْهِم الموتة وأعاضهم عَلَيْهَا أفضل الثَّوَاب فانه لَا يجد الشَّهِيد من ألم الْقَتْل إِلَّا كمس القرصة وَمن لم يمت بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تنوعت الْأَسْبَاب وَالْمَوْت وَاحِد فَلَيْسَ إماتة أوليائه شُهَدَاء بيد أعدائه إهانة لَهُم وَلَا غَضبا عَلَيْهِم بل كَرَامَة وَرَحْمَة وإحسانا ولطفا وَكَذَلِكَ الْغَرق والحرق والردم والتردى والبطن وَغير ذَلِك والمخلوق لَيْسَ بِهَذِهِ المثابة فَلهَذَا قبح مِنْهُ الإغراق والإهلاك وَحسن من اللَّطِيف الْخَبِير الْوَجْه الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ قَوْلكُم إِذا كَانَ لله فِي إغراقه واهلاكه سُبْحَانَهُ حِكْمَة وسر لَا نطلع عَلَيْهِ نَحن فقد رَأَوْا مثله فِي ترك إنقاذنا الغرقى كَلَام تغى ركته وفساده عَن تكلّف رده وَهل يجوز أَن يُقَال إِذا كَانَ لله الْحِكْمَة الْبَالِغَة والأسرار الْعَظِيمَة فِي إهلاك من يهلكه وابتلاء من يَبْتَلِيه وَلِهَذَا حسن مِنْهُ ذَلِك فَيلْزم من هَذَا أَن يُقَال يجوز أَن يكون فِي تركنَا انجاء الغرقى وَنصر الْمَظْلُوم سد الْخلَّة وَستر الْعَوْرَة حكما وأسرارا لَا يعلمهَا الْعُقَلَاء والمناكدة فِي البحوث إِذا وصلت إِلَى هَذَا الْحَد سمجت وثقلت على النُّفُوس ومحتها الْقُلُوب والأسماع الْوَجْه التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ قَوْلكُم العقلان من حَيْثُ الصِّفَات النفسية وَاحِدَة فَكيف يقبح أَحدهمَا من فَاعل وَيحسن الآخر وبمنزلة أَن يُقَال السُّجُود لله وَالسُّجُود للصنم وَاحِد من حَيْثُ الصِّفَات النفسية فَكيف يقبح أَحدهمَا وَيحسن الآخر وَهل فِي الْبَاطِل أبطل من هَذَا الْوَهم فَمَا جعل الله ذَلِك وَاحِدًا أصلا وَلَيْسَ إماتة الله لعَبْدِهِ مثل قتل الْمَخْلُوق لَهُ وَلَا أجاعته واعراؤه وابتلاؤه مُسَاوِيا فِي الصِّفَات النفسية لفعل الْمَخْلُوق بالمخلوق ذَلِك وَدَعوى التَّسَاوِي كذب وباطل فَلَا أعظم من التَّفَاوُت بَينهمَا وَهل يُسَاوِي هَذَا الْفِعْل والفطرة فعل الله وَفعل الْمَخْلُوق فيا لله الْعجب أَن بتناولهما اسْم الْفِعْل الْمُشْتَرك صَارا سَوَاء فِي الصِّفَات النفسية أَتَرَى حصل لَهما هَذَا التَّسَاوِي من جِهَة الْفِعْلَيْنِ وَالَّذِي أوجب هَذَا الخيال الْفَاسِد اتِّحَاد الْمحل وَتعلق الْفِعْلَيْنِ بِهِ وَهل يدل هَذَا على اسْتِوَاء الْفِعْلَيْنِ فِي الصِّفَات النفسية وَلَقَد وهت أَرْكَان مَسْأَلَة بنيت على هَذَا الشفا فانه شفا جرف هار وَالله الْمُسْتَعَان الْوَجْه الْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم مواجب الْعُقُول فِي أصل التَّكْلِيف مُعَارضَة الْأُصُول فَيُقَال معَاذ الله من تعارضهما بل هِيَ متفقة الْأُصُول مُسْتَقر حسنها فِي الْعُقُول وَالْفطر مركوز ذَلِك فِيهَا فَمَا شرع الله شَيْئا فَقَالَ الْعقل

стр. 385

السَّلِيم ليته شرع خِلَافه بل هِيَ متعارضة بَين الْعقل والهوى وَالْعقل يقْضى بحسنها وَيَدْعُو إِلَيْهَا وَيَأْمُر بمتابعتها جملَة فِي بَعْضهَا وَجُمْلَة وتفصيلا فِي بعض والهوى والشهوة قد يدعوان غَالِبا إِلَى خلَافهَا فالتعارض وَاقع بَين مواجب الْعُقُول ومواجب الْهوى وَمَا جعل الله فِي الْعقل وَلَا فِي الْفطْرَة استقباحا لما أَمر بِهِ وَلَا اسْتِحْسَانًا لما نهى عَنهُ وَأَن مَال الْهوى إِلَى خلاف أمره وَنَهْيه فالعقل حِينَئِذٍ يكون مَأْمُورا مَعَ الْهوى مقهورا فِي قَبضته وَتَحْت سُلْطَانه الْوَجْه الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم نطالبكم بِإِظْهَار وَجه الْحسن فِي أصل التَّكْلِيف وايجابه عقلا وَشرعا فَيُقَال يالله الْعجب أيحتاج أَمر الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِمَا فِيهِ غَايَة صَلَاحهمْ وسعادتهم فِي معاشهم ومعادهم وَنَهْيه لَهُم عَمَّا فِيهِ هلاكهم وشقاؤهم فِي معاشهم ومعادهم إِلَى الْمُطَالبَة بحسنه ثمَّ لَا يقْتَصر على الْمُطَالبَة بحسنه عقلا حَتَّى يُطَالب بحسنه عقلا وَشرعا فَأَي حسن لم يَأْمر الله بِهِ ويستحبه لِعِبَادِهِ ويندبهم إِلَيْهِ وَأي حسن فَوق حسن مَا أَمر بِهِ وشرعه وَأي قَبِيح لم ينْه عَنهُ وَلم يزْجر عباده من ارتكابه وَأي قبح فَوق قبح مَا نهى عَنهُ وَهل فِي الْعقل دَلِيل أوضح من علمه بِحسن مَا أَمر الله بِهِ من الْأَيْمَان وَالْإِحْسَان وتفاصيلها من الْعدْل وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وأنواع الْبر وَالتَّقوى وكل مَعْرُوف تشهد الْفطر والعقول بِهِ من عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ على أكمل الْوُجُوه وأتمها وَالْإِحْسَان إِلَى خلقه بِحَسب الْإِمْكَان فَلَيْسَ فِي الْعقل مُقَدمَات هِيَ أوضح من هَذَا الْمُسْتَدلّ عَلَيْهِ فَيجْعَل دَلِيلا لَهُ وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي الْعقل دَلِيل أوضح من قبح مَا نهى الله عَنهُ من الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن والاثم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق والشرك بِاللَّه بِأَن يَجْعَل لَهُ عديل من خلقه فيعبد كَمَا يعبد وَيُحب كَمَا يحب ويعظم كَمَا يعظم وَمن الْكَذِب على الله وعَلى أنبيائه وعباده الْمُؤمنِينَ الَّذِي فِيهِ خراب الْعَالم وَفَسَاد الْوُجُود فَأَي عقل لم يدْرك حسن ذَلِك وقبح هَذَا فأحرى أَن لَا يدْرك الدَّلِيل على ذَلِك وَلَيْسَ يَصح فِي الأذهان شَيْء ... إِذا احْتَاجَ النَّهَار إِلَى دَلِيل فَمَا أبقى الله حسنا إِلَّا أَمر بِهِ وشرعه وَلَا قبيحا إِلَّا نهى عَنهُ وحذر مِنْهُ ثمَّ أَنه سُبْحَانَهُ أودع فِي الْفطر والعقول الْإِقْرَار بذلك فَأَقَامَ عَلَيْهَا الْحجَّة من الْوَجْهَيْنِ وَلَكِن اقْتَضَت رَحمته وحكمته أَن لَا يعذبها إِلَّا بعد إِقَامَتهَا عَلَيْهَا برسله وان كَانَت قَائِمَة عَلَيْهَا بِمَا أودع فِيهَا واستشهدها عَلَيْهِ من الْإِقْرَار بِهِ وبوحدانيته واستحقاقه الشُّكْر من عباده بِحَسب طاقتهم على نعمه وَبِمَا نصب عَلَيْهَا من الْأَدِلَّة المتنوعة المستلزمة إِقْرَارهَا بِحسن الْحسن وقبح الْقَبِيح الْوَجْه الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ أَنا نذْكر لكم وَجها من الْوُجُوه الدَّالَّة على وَجه الْحسن فِي أصل التَّكْلِيف والإيجاب فَنَقُول لَا ريب أَن إِلْزَام النَّاس شَرِيعَة يأتمرون بأوامرها الَّتِي فِيهَا صَلَاحهمْ وينتهون عَن مناهيها الَّتِي فِيهَا فسادهم أحسن عِنْد كل عَاقل من تَركهم هملا كالأنعام لَا يعْرفُونَ مَعْرُوفا

стр. 386

وَلَا يُنكرُونَ مُنْكرا وينزو بَعضهم على بعض نزو الْكلاب والحمر ويعدو بَعضهم على بعض عَدو السبَاع وَالْكلاب والذئاب وَيَأْكُل قويهم ضعيفهم لَا يعْرفُونَ الله وَلَا يعبدونه وَلَا يذكرُونَهُ وَلَا يشكرونه وَلَا يمجدونه وَلَا يدينون بدين بل هم من جنس الْأَنْعَام السَّائِمَة وَمن كَابر عقله فِي هَذَا سقط الْكَلَام مَعَه ونادى على نَفسه بغاية الوقاحة ومفارقة الإنسانية وَمَا نَظِير مطالبتكم هَذِه إِلَّا مُطَالبَة من يَقُول نَحن نطالبكم بِإِظْهَار وَجه الْمَنْفَعَة فِي خلق المَاء والهواء والرياح وَالتُّرَاب وَخلق الأقوات والفواكه والأنعام بل فِي خلق الأسماع والأبصار والألسن والقوى والأعضاء الَّتِي فِي العَبْد فان هَذِه أَسبَاب ووسائل ووسائط وَأما أمره وشرعه وَدينه فكماله غَايَة وسعادة فِي المعاش والمعاد وَلَا ريب عَنهُ الْعُقَلَاء أَن وَجه الْحسن فِيهِ أعظم من وَجه الْحسن فِي الْأُمُور الحسية وان كَانَ الْحسن هُوَ الْغَالِب على النَّاس وانما غَايَة أَكْثَرهم إِدْرَاك الْحسن وَالْمَنْفَعَة فِي الحسيات وتقديمها وإيثارها على مدارك الْعُقُول والبصائر قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون﴾ وَلَو ذَهَبْنَا نذْكر وُجُوه المحاسن المودعة فِي الشَّرِيعَة لزادت على الألوف وَلَعَلَّ الله أَن يساعده بمصنف فِي ذَلِك مَعَ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة بَابه وقاعدته الَّتِي عَلَيْهَا بِنَاؤُه الْوَجْه الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم أَنه سُبْحَانَهُ لَا يتَضَرَّر بِمَعْصِيَة العَبْد وَلَا ينْتَفع بِطَاعَتِهِ وَلَا تتَوَقَّف قدرته فِي الْإِحْسَان على فعل يصدر من العَبْد بل كَمَا أنعم عَلَيْهِ ابْتِدَاء فَهُوَ قَادر على أَن ينعم عَلَيْهِ بِلَا توَسط فَيُقَال هَذَا حق وَلَكِن لَا يلْزم فِيهِ أَن لَا تكون الشَّرِيعَة وَالْأَمر والنهى مَعْلُومَة الْحسن عقلا وَلَا شرعا وَلَا يلْزم مِنْهُ أَيْضا عدم حسن التَّكْلِيف عقلا وَلَا شرعا فذكركم كم هَذَا عديم الْفَائِدَة فانه لم يقل منازعوكم وَلَا غَيرهم أَن الله سُبْحَانَهُ يتَضَرَّر بمعاصي الْعباد وَينْتَفع بطاعاتهم وَلَا أَنه غير قَادر على إِيصَال الْإِحْسَان إِلَيْهِم بِلَا واسطه وَلَكِن ترك التَّكْلِيف وَترك الْعباد هملا كالأنعام لَا يؤمرون وَلَا ينهون منَاف لحكمته وحمده وَكَمَال ملكه والهيته فَيجب تنزيهه عَنهُ وَمن نسبه إِلَيْهِ فَمَا قدره حق قدره وحكمته الْبَالِغَة اقْتَضَت الْأَنْعَام عَلَيْهِم ابْتِدَاء وبواسطة الْأَيْمَان والواسطة فِي إنعامه عَلَيْهِم أَيْضا فَهُوَ الْمُنعم بالوسيلة والغاية وَله الْحَمد وَالنعْمَة فِي هَذَا وَهَذَا يُوضحهُ الْوَجْه الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ أَن إنعامه عَلَيْهِ ابْتِدَاء بالإيجاد واعطاء الْحَيَاة وَالْعقل والسمع وَالْبَصَر وَالنعَم الَّتِي سخرها لَهُ إِنَّمَا فعلهَا بِهِ لأجل عِبَادَته إِيَّاه وشكره لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم﴾ وَأَصَح الْأَقْوَال فِي الْآيَة أَن مَعْنَاهَا مَا يصنع بكم رَبِّي لَوْلَا عبادتكم إِيَّاه فَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يخلقكم إِلَّا لعبادته فَكيف يُقَال بعد هَذَا أَن تَكْلِيفه إيَّاهُم عِبَادَته غير حسن فِي الْعقل لِأَنَّهُ قَادر على الْأَنْعَام عَلَيْهِم بالجزاء من غير توَسط الْعِبَادَة الْوَجْه الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ أَن قدرته سُبْحَانَهُ على الشَّيْء لَا تَنْفِي حكمته الْبَالِغَة من وجوده

стр. 387

فَإِنَّهُ تَعَالَى يقدر على مقدورات تمنع بِحِكْمَتِهِ كقدرته على قِيَامه السَّاعَة الْآن وَقدرته على إرْسَال الرُّسُل بعد النَّبِي وَقدرته على إبقائهم بَين ظُهُور الْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقدرته على أماتة إِبْلِيس وَجُنُوده واراحة الْعَالم مِنْهُم وَقد ذكر سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن قدرته على مَا لَا يَفْعَله لحكمته فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء بِقدر فأسكناه فِي الأَرْض وَإِنَّا على ذهَاب بِهِ لقادرون﴾ وَقَوله أيحسب الْإِنْسَان أَن لن نجمع عِظَامه بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه أَي نَجْعَلهَا كخف الْبَعِير صفحة وَاحِدَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني﴾ وَقَوله ﴿لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ وَقَوله ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس أمة وَاحِدَة﴾ فَهَذِهِ وَغَيرهَا مقدورات لَهُ سُبْحَانَهُ وانما امْتنعت لكَمَال حكمته فَهِيَ الَّتِي اقْتَضَت عدم وُقُوعهَا فَلَا يلْزم من كَون الشَّيْء مَقْدُورًا أَن يكون حسنا مُوَافقا للحكمة وعَلى هَذَا فقدرته ﵎ على مَا ذكرْتُمْ لَا تقتصي حسنه وموافقته لحكمته وَنحن إِنَّمَا نتكلم مَعَهم فِي الثَّانِي لَا فِي الأول فَالْكَلَام فِي الحكمه يَقْتَضِي الْحِكْمَة والعناية غير الْكَلَام فِي الْمَقْدُور فَتعلق الْحِكْمَة شَيْء ومتعلق الْقُدْرَة شَيْء وَلَكِن انتم إِنَّمَا لويتم من إِنْكَار الْحِكْمَة فَلَا يمكنكم التَّفْرِيق بَين المتعلقين بل قد اعْترف سلفكم وأئمتكم بِأَن الْحِكْمَة لَا تخرج عَن صِحَة تعلقه بالمقدور ومطابقته لَهَا أَو تعلق الْعلم بالمعلوم ومطابقته لَهُ وَلما بنيتم على هَذَا الأَصْل لم يمكنكم الْفرق بَين مُوجب الْحِكْمَة وَمُوجب الْقُدْرَة فتوعرت عَلَيْكُم الطَّرِيق وألجأتم أَنفسكُم إِلَى اصعب مضيق الْوَجْه الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم أَنه تَعَالَى لَو ألْقى إِلَى العَبْد زِمَام الِاخْتِيَار وَتَركه يفعل مَا يَشَاء جَريا على رسوم طبعه المائل إِلَى لذيذ الشَّهَوَات ثمَّ أجزل لَهُ فِي الْعَطاء من غير حِسَاب كَانَ أروح للْعَبد وَلم يكن قبيحا عِنْد الْعقل فَيُقَال لكم مَا تعنون بإلقاء زِمَام الِاخْتِيَار إِلَيْهِ أتعنون بِهِ أَنه لَا يكلفه وَلَا يَأْمُرهُ وَلَا ينهاه بل يَجعله كالبهيمة السَّائِمَة الْمُهْملَة أم تعنون بِهِ أَنه يلقى إِلَيْهِ زِمَام الِاخْتِيَار مَعَ تَكْلِيفه وَأمره وَنَهْيه فان عنيتم الأول فَهُوَ من أقبح شَيْء فِي الْعقل وأعظمه نقصا فِي الْآدَمِيّ وَلَو ترك ورسوم طبعه لكَانَتْ الْبَهَائِم أكمل مِنْهُ وَلم يكن مكرما مفضلا على كثير مِمَّن خلق الله تَفْضِيلًا بل كَانَ كثير من الْمَخْلُوقَات أَو أَكْثَرهَا مفضلا عَلَيْهِ فانه يكون مصدودا عَن كَمَاله الَّذِي هُوَ مستعد لَهُ قَابل لَهُ وَذَلِكَ أَسْوَأ حَالا وَأعظم نقصا مِمَّا منع كمالا لَيْسَ قَابلا لَهُ وَتَأمل حَال الْآدَمِيّ المخلى ورسوم طبعه الْمَتْرُوك ودواعي هَوَاهُ كَيفَ تجه فِي شرار الخليقة وأفسدها للْعَالم وَلَوْلَا من يَأْخُذ على يَدَيْهِ لأهْلك الْحَرْث والنسل وَكَانَ شرا من الْخَنَازِير والذئاب والحيات فَكيف يَسْتَوِي فِي الْعقل أمره وَنَهْيه بِمَا فِيهِ صَلَاحه وَصَلَاح غَيره بِهِ وَتَركه وَمَا فِيهِ أعظم فَسَاده وَفَسَاد النَّوْع وَغَيره بِهِ وَكَيف لَا يكون هَذَا القَوْل قبيحا وَأي قبح أعظم

стр. 388

من هَذَا وَلِهَذَا أنكر الله سُبْحَانَهُ على من جوز عقله مثل هَذَا ونزه نَفسه عَنهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ قَالَ الشَّافِعِي معطلا لَا يُؤمر وَلَا ينْهَى وَقيل لَا ثِيَاب وَلَا يُعَاقب وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ ثمَّ نزه نَفسه عَن هَذَا الظَّن الْكَاذِب وَأَنه لَا يَلِيق بِهِ وَلَا يجوز فِي الْعُقُول نِسْبَة مثله إِلَيْهِ لمنافاته لحكمته وربوبيته والهيته وحمده فَقَالَ ﴿فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين مَا خلقناهما إِلَّا بِالْحَقِّ وَفسّر الْحق بالثواب وَالْعِقَاب وَفسّر بِالْأَمر وَالنَّهْي وَهَذَا تَفْسِير لَهُ بِبَعْض مَعْنَاهُ وَالصَّوَاب أَن الْحق هُوَ ألهيته وحكمته المتضمنة لِلْخلقِ وَالْأَمر وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فمصدر ذَلِك كُله الْحق وبالحق وجد وبالحق قَامَ وغايته الْحق وَبِه قِيَامه فمحال أَن يكون على غير هَذَا الْوَجْه فانه يكون بَاطِلا وعبثا فتعالى الله عَنهُ لمنافاته ألهيته وحكمته وَكَمَال ملكه وحمده وَقَالَ تَعَالَى أَن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآياب لأولى الْأَلْبَاب الَّذِي يذكرُونَ الله قيَاما وقعودا وعَلى جنُوبهم ويتفكرون فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فقنا عَذَاب النَّار وَتَأمل كَيفَ أخبر سُبْحَانَهُ عَنهُ بِنَفْي الباطلية عَن خلقه دون إِثْبَات الْحِكْمَة لِأَن بَيَان نفي الْبَاطِل على سَبِيل الْعُمُوم والاستغراق أوغل فِي الْمَعْنى الْمَقْصُود وأبلغ من إِثْبَات الحكم لِأَن بَيَان جَمِيعهَا لَا يَفِي بِهِ إفهام الخليقة وَبَيَان الْبَعْض يُؤذن بتناهي الْحِكْمَة وَنفى الْبطلَان والخلو عَن الْحِكْمَة والفائدة تفِيد أَن كل جُزْء من أَجزَاء الْعَالم عُلْوِيَّهُ وسفليه مُتَضَمّن لحكم جمة وآيات باهرة ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُم بتنزيهه عَن الْخلق بَاطِلا خلوا عَن الْحِكْمَة وَلَا معنى لهَذَا التَّنْزِيه عِنْد النفاة فان الْبَاطِل عِنْدهم هُوَ الْمحَال لذاته فعلى قَوْلهم نزهوه عَن الْمحَال لذاته الَّذِي لَيْسَ بِشَيْء كالجمع بَين النقيضين وَكَون الْجِسْم الْوَاحِد لَا يكون فِي مكانين وَمَعْلُوم قطعا أَن هَذَا لَيْسَ مُرَاد الرب تَعَالَى مِمَّا نزه نَفسه عَنهُ وَأَنه لَا يمدح أحد بتنزيهه عَن هَذَا وَلَا يكون المنزه بِهِ مثنيا وَلَا حامدا وَلم يخْطر هَذَا بقلب بشر حَتَّى يُنكره الله على من زَعمه وَنسبه إِلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين مَا خلقناهما إِلَّا بِالْحَقِّ فنفى اللّعب عَن خلقه وَأثبت أَنه إِنَّمَا خلقهما بِالْحَقِّ فَجمع تَعَالَى بَين نفي اللّعب الصَّادِر عَن غير حِكْمَة وَغَايَة محمودة واثبات الْحق المتضمن للْحكم والغايات المحمودة والعواقب المحبوبة وَالْقُرْآن مَمْلُوء من هَذَا بِنَفْي الْعَبَث وَالْبَاطِل واللعب تَارَة وتنزيه الرب نَفسه عَنهُ تَارَة واثبات الحكم الباهرة فِي خلقه تَارَة كَيفَ يجوز أَن يُقَال أَنه لَو عطل خلقه وتركهم سدى لم يكن ذَلِك قبيحا فِي الْعقل فان عنيتم أَنه يلقى إِلَيْهِ زِمَام الِاخْتِيَار مَعَ أمره وَنَهْيه فَهَذَا حق فانه جعله مُخْتَارًا مَأْمُورا مَنْهِيّا وان كَانَ اخْتِيَاره مخلوقا لَهُ تَعَالَى إِذْ هُوَ من جملَة الْحَوَادِث الصادرة عَن خلقه وَلَكِن

стр. 389

هَذَا الِاخْتِيَار لَا ينافى التَّكْلِيف وَلَا يكون إِلَّا بِهِ بِوَجْه بل لَا يَصح التَّكْلِيف إِلَّا بِهِ الْوَجْه السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم فقد تعَارض الْأَمْرَانِ أَحدهمَا أَن يكلفهم فيأمر وَينْهى حَتَّى يطاع ويعصى ثمَّ يثيبهم ويعاقبهم الثَّانِي أَن لَا يكلفهم إِذْ لَا يتزين مِنْهُم بِطَاعَة وَلَا تشينه معصيتهم وَإِذا تعَارض فِي الْمَعْقُول هَذَانِ الْأَمْرَانِ فَكيف يهدي الْعقل إِلَى اخْتِيَار أَحدهمَا عقلا فَكيف يعرفنا الْوُجُوب على نَفسه بالمعرفة وعَلى الْجَوَارِح بِالطَّاعَةِ وعَلى الرب تَعَالَى بالثواب فَيُقَال لكم لم يتعارض بِحَمْد الله الْأَمْرَانِ لِأَن أَحدهمَا قد علم قبحه فِي الْمَعْقُول وَالْآخر قد علم حسنه فِي الْمَعْقُول فَكيف يتعارض فِي الْعقل جَوَاز الْأَمريْنِ وَأَن يكون نسبتهما إِلَى الرب تَعَالَى نِسْبَة وَاحِدَة وانما يتعارض الجائزات على كل سَوَاء بِحَيْثُ لَا يتَرَجَّح بَعْضهَا عَن بعض فَأَما الْحسن والقبح فَلم يتعارض فِي الْعقل قطّ استواؤهما وَقد قَررنَا مِمَّا لَا مدفع لَهُ قبح التّرْك سدى بِمَنْزِلَة الْأَنْعَام السَّائِمَة وَحسن الْأَمر والنهى وأستصلاحهم فِي معاشهم ومعادهم فَكيف يُقَال أَن هذَيْن الْأَمريْنِ سَوَاء فِي الْعقل بِحَيْثُ يتعارضان فِيهِ وَيقْضى باستوائهما بِالنِّسْبَةِ إِلَى أحكم الْحَاكِمين فان قيل إِنَّمَا تَعَارضا فِي المقدورية إِذْ نِسْبَة الْقُدْرَة إِلَيْهِمَا وَاحِدَة قُلْنَا قد تقدم أَنه لَا يلْزم من كَون الشَّيْء مَقْدُورًا أَن لَا يكون مُمْتَنعا لمنافاته الْحِكْمَة وَقد بَينا ذَلِك قَرِيبا فَيكون تَركهم هملا وسدى مَقْدُورًا للرب تَعَالَى لَا يَقْتَضِي معارضته لمقدوره الآخر فِي تكليفهم وَأمرهمْ ونهيهم الْوَجْه الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم إِذْ لَا يتزين مِنْهُم بِطَاعَة وَلَا تشيئه معصيتهم ﴿قُلْنَا﴾ وَمن الَّذِي نَازع فِي هَذَا وَلَكِن حسن التَّكْلِيف لَا ينفى ذَلِك عَن الرب تَعَالَى وَأَنه إِنَّمَا يكلفهم تَكْلِيف من لَا يبلغُوا ضره فيضروه وَلَا يبلغُوا نَفعه فينفعوه وَأَنَّهُمْ لَو كَانُوا كلهم على أتقى قلب رجل وَاحِد مِنْهُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكه شَيْئا وَلَو كَانُوا على أفجر قلب رجل وَاحِد مِنْهُم مَا نقص ذَلِك فِي ملكه شَيْئا وَهَهُنَا اخْتلفت الطّرق بِالنَّاسِ فِي عِلّة التَّكْلِيف وحكمته مَعَ كَونه سُبْحَانَهُ لَا ينْتَفع بطاعتهم وَلَا تضره معصيتهم فسلكت الجبرية مسلكها الْمَعْرُوف وَأَن ذَلِك صادر عَن مَحْض الْمَشِيئَة وَصرف الْإِرَادَة وَأَنه لَا عِلّة لَهُ وَلَا باعث عَلَيْهِ سوى مَحْض الْإِرَادَة وسلكت الْقَدَرِيَّة مسلكها الْمَعْرُوف وَهل ذَلِك إِلَّا اسْتِئْجَار مِنْهُ لعبيده لينالوا أجرهم بِالْعَمَلِ فَيكون ألذ من اقتضائهم الثَّوَاب بِلَا عمل لما فِيهِ من تكدير الْمِنَّة والمسلكان كَمَا ترى وحسبك مَا يدل عَلَيْهِ الْعقل الصَّرِيح وَالنَّقْل الصَّحِيح من بطلانهما وفسادهما وَلَيْسَ عِنْد النَّاس غير هذَيْن المسلكين إِلَّا مَسْلَك من هُوَ خَارج عَن الديانَات وَاتِّبَاع الرُّسُل مِمَّن يرى أَن الشَّرَائِع وضعت نواميس يقوم عَلَيْهَا مصلحَة النَّاس ومعيشتهم فان فائدتها تَكْمِيل قُوَّة النَّفس وَالْحكمَة وَهَذَا مَسْلَك خَارج عَن مناهج الْأَنْبِيَاء وأممهم وَأما أَتبَاع الرُّسُل الَّذين هم أهل البصائر فحكمة الله فِي تكليفهم مَا كلفهم بِهِ أعظم وَأجل عِنْدهم مِمَّا يخْطر بالبال أَو يجْرِي بِهِ

стр. 390

الْمقَال وَيشْهدُونَ لَهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِك بالحكم الباهرة والأسرار الْعَظِيمَة أَكثر مِمَّا يشهدونه فِي مخلوقاته وَمَا تضمنته وَمن الْأَسْرَار وَالْحكم ويعلمون مَعَ ذَلِك أَنه لَا نِسْبَة لما أطلعهم سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ من ذَلِك إِلَى مَا طوى علمه عَنْهُم واستأثر بِهِ دونهم وَأَن حكمته فِي أمره وَنَهْيه وتكليفهم أجل وَأعظم مِمَّا تُطِيقهُ عقول الْبشر فهم يعبدونه سُبْحَانَهُ بأَمْره وَنَهْيه لِأَنَّهُ تَعَالَى أهل أَن يعبد وَأهل أَن يكون الْحبّ كُله لَهُ وَالْعِبَادَة كلهَا لَهُ حَتَّى لَو لم يخلق جنَّة وَلَا نَارا وَلَا وضع ثَوابًا وَلَا عقَابا لَكَانَ أَهلا أَن يعبد أقْصَى مَا تناله قدرَة خلقه من الْعِبَادَة وَفِي بعض الْآثَار الإلهية لَو لم أخلق جنَّة وَلَا نَارا ألم أكن أَهلا أَن أعبد حَتَّى أَنه لَو قدر أَنه لم يُرْسل رسله وَلم ينزل كتبه لَكَانَ فِي الْفطْرَة وَالْعقل مَا يَقْتَضِي شكره وأفراده بِالْعبَادَة كَمَا أَن فيهمَا مَا يَقْتَضِي الْمَنَافِع وَاجْتنَاب المضار وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْفطْرَة وَالْعقل فان الله فطر خليقته على محبته والأقبالعليه وابتغاء الْوَسِيلَة إِلَيْهِ وَأَنه لَا شَيْء على الْإِطْلَاق أحب إِلَيْهِمَا مِنْهُ وان فَسدتْ فطر أَكثر الْخلق بِمَا طَرَأَ عَلَيْهَا مِمَّا اقتطعها واجتالها عَمَّا خلق فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ فَبين سُبْحَانَهُ أَن إِقَامَة الْوَجْه وَهُوَ إخلاص الْقَصْد وبذل الوسع لدينِهِ المتضمن محبته وعبادته حَنِيفا مُقبلا عَلَيْهِ معرضًا عَمَّا سواهُ هُوَ فطرته الَّتِي فطر عَلَيْهَا عباده فَلَو خلوا ودواعي فطرهم لما رَغِبُوا عَن ذَلِك وَلَا اخْتَارُوا سواهُ وَلَكِن غيرت الْفطر وأفسدت كَمَا قَالَ النَّبِي مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء هَل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُم تجدعونها ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة اقرأوا أَن شِئْتُم ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ منيبين إِلَيْهِ واتقوه﴾ ومنيبين نصب على الْحَال من الْمَفْعُول أَي فطرهم منيبين إِلَيْهِ والإنابة إِلَيْهِ تَتَضَمَّن الإقبال عَلَيْهِ بمحبته وَحده والأعراض عَمَّا سواهُ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عِيَاض بن حَمَّاد عَن النَّبِي قَالَ أَن الله أَمرنِي أَن أعلمكُم مَا جهلتم مِمَّا عَلمنِي فِي مقَامي هَذَا أَنه قَالَ كل مَال نحلته عبدا فَهُوَ لَهُ حَلَال واني خلقت عبَادي حنفَاء فأتتهم الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَن دينهم وأمرتهم أَن يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه إِنَّمَا فطر عباده على الحنيفة المتضمنة لكَمَال حبه والخضوع لَهُ والذل لَهُ وَكَمَال طَاعَته وَحده دون غَيره وَهَذَا من الْحق الَّذِي خلقت لَهُ وَبِه قَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَعَلِيهِ قَامَ الْعَالم ولأجله خلقت الْجنَّة وَالنَّار ولأجله أرسل رسله وَأنزل كتبه ولأجله هلك الْقُرُون الَّتِي خرجت عَنهُ وآثرت غَيره فكونه سُبْحَانَهُ أَهلا أَن يعبد وَيُحب ويحمد ويثني عَلَيْهِ أَمر ثَابت لَهُ لذاته فَلَا يكون إِلَّا كَذَلِك كَمَا أَن الْغنى الْقَادِر الْحَيّ القيوم السَّمِيع الْبَصِير فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْإِلَه الْحق الْمُبين والإله هُوَ الَّذِي يسْتَحق أَن يوله محبَّة
следующие страницы →