Полный текст (577 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وَلَا يُنكرُونَ مُنْكرا وينزو بَعضهم على بعض نزو الْكلاب والحمر ويعدو بَعضهم على بعض عَدو السبَاع وَالْكلاب والذئاب وَيَأْكُل قويهم ضعيفهم لَا يعْرفُونَ الله وَلَا يعبدونه وَلَا يذكرُونَهُ وَلَا يشكرونه وَلَا يمجدونه وَلَا يدينون بدين بل هم من جنس الْأَنْعَام السَّائِمَة وَمن كَابر عقله فِي هَذَا سقط الْكَلَام مَعَه ونادى على نَفسه بغاية الوقاحة ومفارقة الإنسانية وَمَا نَظِير مطالبتكم هَذِه إِلَّا مُطَالبَة من يَقُول نَحن نطالبكم بِإِظْهَار وَجه الْمَنْفَعَة فِي خلق المَاء والهواء والرياح وَالتُّرَاب وَخلق الأقوات والفواكه والأنعام بل فِي خلق الأسماع والأبصار والألسن والقوى والأعضاء الَّتِي فِي العَبْد فان هَذِه أَسبَاب ووسائل ووسائط
وَأما أمره وشرعه وَدينه فكماله غَايَة وسعادة فِي المعاش والمعاد وَلَا ريب عَنهُ الْعُقَلَاء أَن وَجه الْحسن فِيهِ أعظم من وَجه الْحسن فِي الْأُمُور الحسية وان كَانَ الْحسن هُوَ الْغَالِب على النَّاس وانما غَايَة أَكْثَرهم إِدْرَاك الْحسن وَالْمَنْفَعَة فِي الحسيات وتقديمها وإيثارها على مدارك الْعُقُول والبصائر قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون﴾ وَلَو ذَهَبْنَا نذْكر وُجُوه المحاسن المودعة فِي الشَّرِيعَة لزادت على الألوف وَلَعَلَّ الله أَن يساعده بمصنف فِي ذَلِك مَعَ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة بَابه وقاعدته الَّتِي عَلَيْهَا بِنَاؤُه
الْوَجْه الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم أَنه سُبْحَانَهُ لَا يتَضَرَّر بِمَعْصِيَة العَبْد وَلَا ينْتَفع بِطَاعَتِهِ وَلَا تتَوَقَّف قدرته فِي الْإِحْسَان على فعل يصدر من العَبْد بل كَمَا أنعم عَلَيْهِ ابْتِدَاء فَهُوَ قَادر على أَن ينعم عَلَيْهِ بِلَا توَسط
فَيُقَال هَذَا حق وَلَكِن لَا يلْزم فِيهِ أَن لَا تكون الشَّرِيعَة وَالْأَمر والنهى مَعْلُومَة الْحسن عقلا وَلَا شرعا وَلَا يلْزم مِنْهُ أَيْضا عدم حسن التَّكْلِيف عقلا وَلَا شرعا فذكركم كم هَذَا عديم الْفَائِدَة فانه لم يقل منازعوكم وَلَا غَيرهم أَن الله سُبْحَانَهُ يتَضَرَّر بمعاصي الْعباد وَينْتَفع بطاعاتهم وَلَا أَنه غير قَادر على إِيصَال الْإِحْسَان إِلَيْهِم بِلَا واسطه وَلَكِن ترك التَّكْلِيف وَترك الْعباد هملا كالأنعام لَا يؤمرون وَلَا ينهون منَاف لحكمته وحمده وَكَمَال ملكه والهيته فَيجب تنزيهه عَنهُ وَمن نسبه إِلَيْهِ فَمَا قدره حق قدره وحكمته الْبَالِغَة اقْتَضَت الْأَنْعَام عَلَيْهِم ابْتِدَاء وبواسطة الْأَيْمَان والواسطة فِي إنعامه عَلَيْهِم أَيْضا فَهُوَ الْمُنعم بالوسيلة والغاية وَله الْحَمد وَالنعْمَة فِي هَذَا وَهَذَا يُوضحهُ
الْوَجْه الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ أَن إنعامه عَلَيْهِ ابْتِدَاء بالإيجاد واعطاء الْحَيَاة وَالْعقل والسمع وَالْبَصَر وَالنعَم الَّتِي سخرها لَهُ إِنَّمَا فعلهَا بِهِ لأجل عِبَادَته إِيَّاه وشكره لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم﴾ وَأَصَح الْأَقْوَال فِي الْآيَة أَن مَعْنَاهَا مَا يصنع بكم رَبِّي لَوْلَا عبادتكم إِيَّاه فَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يخلقكم إِلَّا لعبادته فَكيف يُقَال بعد هَذَا أَن تَكْلِيفه إيَّاهُم عِبَادَته غير حسن فِي الْعقل لِأَنَّهُ قَادر على الْأَنْعَام عَلَيْهِم بالجزاء من غير توَسط الْعِبَادَة الْوَجْه الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ أَن قدرته سُبْحَانَهُ على الشَّيْء لَا تَنْفِي حكمته الْبَالِغَة من وجوده
стр. 387
فَإِنَّهُ تَعَالَى يقدر على مقدورات تمنع بِحِكْمَتِهِ كقدرته على قِيَامه السَّاعَة الْآن وَقدرته على إرْسَال الرُّسُل بعد النَّبِي وَقدرته على إبقائهم بَين ظُهُور الْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقدرته على أماتة إِبْلِيس وَجُنُوده واراحة الْعَالم مِنْهُم وَقد ذكر سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن قدرته على مَا لَا يَفْعَله لحكمته فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء بِقدر فأسكناه فِي الأَرْض وَإِنَّا على ذهَاب بِهِ لقادرون﴾ وَقَوله أيحسب الْإِنْسَان أَن لن نجمع عِظَامه بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه أَي نَجْعَلهَا كخف الْبَعِير صفحة وَاحِدَة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني﴾ وَقَوله ﴿لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ وَقَوله ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس أمة وَاحِدَة﴾ فَهَذِهِ وَغَيرهَا مقدورات لَهُ سُبْحَانَهُ وانما امْتنعت لكَمَال حكمته فَهِيَ الَّتِي اقْتَضَت عدم وُقُوعهَا فَلَا يلْزم من كَون الشَّيْء مَقْدُورًا أَن يكون حسنا مُوَافقا للحكمة وعَلى هَذَا فقدرته ﵎ على مَا ذكرْتُمْ لَا تقتصي حسنه وموافقته لحكمته وَنحن إِنَّمَا نتكلم مَعَهم فِي الثَّانِي لَا فِي الأول فَالْكَلَام فِي الحكمه يَقْتَضِي الْحِكْمَة
والعناية غير الْكَلَام فِي الْمَقْدُور فَتعلق الْحِكْمَة شَيْء ومتعلق الْقُدْرَة شَيْء وَلَكِن انتم إِنَّمَا لويتم من إِنْكَار الْحِكْمَة فَلَا يمكنكم التَّفْرِيق بَين المتعلقين بل قد اعْترف سلفكم وأئمتكم بِأَن الْحِكْمَة لَا تخرج عَن صِحَة تعلقه بالمقدور ومطابقته لَهَا أَو تعلق الْعلم بالمعلوم ومطابقته لَهُ وَلما بنيتم على هَذَا الأَصْل لم يمكنكم الْفرق بَين مُوجب الْحِكْمَة وَمُوجب الْقُدْرَة فتوعرت عَلَيْكُم الطَّرِيق وألجأتم أَنفسكُم إِلَى اصعب مضيق
الْوَجْه الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم أَنه تَعَالَى لَو ألْقى إِلَى العَبْد زِمَام الِاخْتِيَار وَتَركه يفعل مَا يَشَاء جَريا على رسوم طبعه المائل إِلَى لذيذ الشَّهَوَات ثمَّ أجزل لَهُ فِي الْعَطاء من غير حِسَاب كَانَ أروح للْعَبد وَلم يكن قبيحا عِنْد الْعقل فَيُقَال لكم مَا تعنون بإلقاء زِمَام الِاخْتِيَار إِلَيْهِ أتعنون بِهِ أَنه لَا يكلفه وَلَا يَأْمُرهُ وَلَا ينهاه بل يَجعله كالبهيمة السَّائِمَة الْمُهْملَة أم تعنون بِهِ أَنه يلقى إِلَيْهِ زِمَام الِاخْتِيَار مَعَ تَكْلِيفه وَأمره وَنَهْيه فان عنيتم الأول فَهُوَ من أقبح شَيْء فِي الْعقل وأعظمه نقصا فِي الْآدَمِيّ وَلَو ترك ورسوم طبعه لكَانَتْ الْبَهَائِم أكمل مِنْهُ وَلم يكن مكرما مفضلا على كثير مِمَّن خلق الله تَفْضِيلًا بل كَانَ كثير من الْمَخْلُوقَات أَو أَكْثَرهَا مفضلا عَلَيْهِ فانه يكون مصدودا عَن كَمَاله الَّذِي هُوَ مستعد لَهُ قَابل لَهُ وَذَلِكَ أَسْوَأ حَالا وَأعظم نقصا مِمَّا منع كمالا لَيْسَ قَابلا لَهُ
وَتَأمل حَال الْآدَمِيّ المخلى ورسوم طبعه الْمَتْرُوك ودواعي هَوَاهُ كَيفَ تجه فِي شرار الخليقة وأفسدها للْعَالم وَلَوْلَا من يَأْخُذ على يَدَيْهِ لأهْلك الْحَرْث والنسل وَكَانَ شرا من الْخَنَازِير والذئاب والحيات فَكيف يَسْتَوِي فِي الْعقل أمره وَنَهْيه بِمَا فِيهِ صَلَاحه وَصَلَاح غَيره بِهِ وَتَركه وَمَا فِيهِ أعظم فَسَاده وَفَسَاد النَّوْع وَغَيره بِهِ وَكَيف لَا يكون هَذَا القَوْل قبيحا وَأي قبح أعظم
стр. 388
من هَذَا وَلِهَذَا أنكر الله سُبْحَانَهُ على من جوز عقله مثل هَذَا ونزه نَفسه عَنهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ قَالَ الشَّافِعِي معطلا لَا يُؤمر وَلَا ينْهَى وَقيل لَا ثِيَاب وَلَا يُعَاقب وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ ثمَّ نزه نَفسه عَن هَذَا الظَّن الْكَاذِب وَأَنه لَا يَلِيق بِهِ وَلَا يجوز فِي الْعُقُول نِسْبَة مثله إِلَيْهِ لمنافاته لحكمته وربوبيته والهيته وحمده فَقَالَ ﴿فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين مَا خلقناهما إِلَّا بِالْحَقِّ وَفسّر الْحق بالثواب وَالْعِقَاب وَفسّر بِالْأَمر وَالنَّهْي وَهَذَا تَفْسِير لَهُ بِبَعْض مَعْنَاهُ وَالصَّوَاب أَن الْحق هُوَ ألهيته وحكمته المتضمنة لِلْخلقِ وَالْأَمر وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فمصدر ذَلِك كُله الْحق وبالحق وجد وبالحق قَامَ وغايته الْحق وَبِه قِيَامه فمحال أَن يكون على غير هَذَا الْوَجْه فانه يكون بَاطِلا وعبثا فتعالى الله عَنهُ لمنافاته ألهيته وحكمته وَكَمَال ملكه وحمده وَقَالَ تَعَالَى أَن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآياب لأولى الْأَلْبَاب الَّذِي يذكرُونَ الله قيَاما وقعودا وعَلى جنُوبهم ويتفكرون فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فقنا عَذَاب النَّار وَتَأمل كَيفَ أخبر سُبْحَانَهُ عَنهُ بِنَفْي الباطلية عَن خلقه دون إِثْبَات الْحِكْمَة لِأَن بَيَان نفي الْبَاطِل على سَبِيل الْعُمُوم والاستغراق أوغل فِي الْمَعْنى الْمَقْصُود وأبلغ من إِثْبَات الحكم لِأَن بَيَان جَمِيعهَا لَا يَفِي بِهِ إفهام الخليقة وَبَيَان الْبَعْض يُؤذن بتناهي الْحِكْمَة وَنفى الْبطلَان والخلو عَن الْحِكْمَة والفائدة تفِيد أَن كل جُزْء من أَجزَاء الْعَالم عُلْوِيَّهُ وسفليه مُتَضَمّن لحكم جمة وآيات باهرة ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُم بتنزيهه عَن الْخلق بَاطِلا خلوا عَن الْحِكْمَة وَلَا معنى لهَذَا التَّنْزِيه عِنْد النفاة فان الْبَاطِل عِنْدهم هُوَ الْمحَال لذاته فعلى قَوْلهم نزهوه عَن الْمحَال لذاته الَّذِي لَيْسَ بِشَيْء كالجمع بَين النقيضين وَكَون الْجِسْم الْوَاحِد لَا يكون فِي مكانين وَمَعْلُوم قطعا أَن هَذَا لَيْسَ مُرَاد الرب تَعَالَى مِمَّا نزه نَفسه عَنهُ وَأَنه لَا يمدح أحد بتنزيهه عَن هَذَا وَلَا يكون المنزه بِهِ مثنيا وَلَا حامدا وَلم يخْطر هَذَا بقلب بشر حَتَّى يُنكره الله على من زَعمه وَنسبه إِلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين مَا خلقناهما إِلَّا بِالْحَقِّ فنفى اللّعب عَن خلقه وَأثبت أَنه إِنَّمَا خلقهما بِالْحَقِّ فَجمع تَعَالَى بَين نفي اللّعب الصَّادِر عَن غير حِكْمَة وَغَايَة محمودة واثبات الْحق المتضمن للْحكم والغايات المحمودة والعواقب المحبوبة وَالْقُرْآن مَمْلُوء من هَذَا بِنَفْي الْعَبَث وَالْبَاطِل واللعب تَارَة وتنزيه الرب نَفسه عَنهُ تَارَة واثبات الحكم الباهرة فِي خلقه تَارَة كَيفَ يجوز أَن يُقَال أَنه لَو عطل خلقه وتركهم سدى لم يكن ذَلِك قبيحا فِي الْعقل فان عنيتم أَنه يلقى إِلَيْهِ زِمَام الِاخْتِيَار مَعَ أمره وَنَهْيه فَهَذَا حق فانه جعله مُخْتَارًا مَأْمُورا مَنْهِيّا وان كَانَ اخْتِيَاره مخلوقا لَهُ تَعَالَى إِذْ هُوَ من جملَة الْحَوَادِث الصادرة عَن خلقه وَلَكِن
стр. 389
هَذَا الِاخْتِيَار لَا ينافى التَّكْلِيف وَلَا يكون إِلَّا بِهِ بِوَجْه بل لَا يَصح التَّكْلِيف إِلَّا بِهِ
الْوَجْه السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم فقد تعَارض الْأَمْرَانِ أَحدهمَا أَن يكلفهم فيأمر وَينْهى حَتَّى يطاع ويعصى ثمَّ يثيبهم ويعاقبهم الثَّانِي أَن لَا يكلفهم إِذْ لَا يتزين مِنْهُم بِطَاعَة وَلَا تشينه معصيتهم وَإِذا تعَارض فِي الْمَعْقُول هَذَانِ الْأَمْرَانِ فَكيف يهدي الْعقل إِلَى اخْتِيَار أَحدهمَا عقلا فَكيف يعرفنا الْوُجُوب على نَفسه بالمعرفة وعَلى الْجَوَارِح بِالطَّاعَةِ وعَلى الرب تَعَالَى بالثواب
فَيُقَال لكم لم يتعارض بِحَمْد الله الْأَمْرَانِ لِأَن أَحدهمَا قد علم قبحه فِي الْمَعْقُول وَالْآخر قد علم حسنه فِي الْمَعْقُول فَكيف يتعارض فِي الْعقل جَوَاز الْأَمريْنِ وَأَن يكون نسبتهما إِلَى الرب تَعَالَى نِسْبَة وَاحِدَة وانما يتعارض الجائزات على كل سَوَاء بِحَيْثُ لَا يتَرَجَّح بَعْضهَا عَن بعض فَأَما الْحسن والقبح فَلم يتعارض فِي الْعقل قطّ استواؤهما وَقد قَررنَا مِمَّا لَا مدفع لَهُ قبح التّرْك سدى بِمَنْزِلَة الْأَنْعَام السَّائِمَة وَحسن الْأَمر والنهى وأستصلاحهم فِي معاشهم ومعادهم فَكيف يُقَال أَن هذَيْن الْأَمريْنِ سَوَاء فِي الْعقل بِحَيْثُ يتعارضان فِيهِ وَيقْضى باستوائهما بِالنِّسْبَةِ إِلَى أحكم الْحَاكِمين فان قيل إِنَّمَا تَعَارضا فِي المقدورية إِذْ نِسْبَة الْقُدْرَة إِلَيْهِمَا وَاحِدَة قُلْنَا قد تقدم أَنه لَا يلْزم من كَون الشَّيْء مَقْدُورًا أَن لَا يكون مُمْتَنعا لمنافاته الْحِكْمَة وَقد بَينا ذَلِك قَرِيبا فَيكون تَركهم هملا وسدى مَقْدُورًا للرب تَعَالَى لَا يَقْتَضِي معارضته لمقدوره الآخر فِي تكليفهم وَأمرهمْ ونهيهم
الْوَجْه الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم إِذْ لَا يتزين مِنْهُم بِطَاعَة وَلَا تشيئه معصيتهم ﴿قُلْنَا﴾ وَمن الَّذِي نَازع فِي هَذَا وَلَكِن حسن التَّكْلِيف لَا ينفى ذَلِك عَن الرب تَعَالَى وَأَنه إِنَّمَا يكلفهم تَكْلِيف من لَا يبلغُوا ضره فيضروه وَلَا يبلغُوا نَفعه فينفعوه وَأَنَّهُمْ لَو كَانُوا كلهم على أتقى قلب رجل وَاحِد مِنْهُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكه شَيْئا وَلَو كَانُوا على أفجر قلب رجل وَاحِد مِنْهُم مَا نقص ذَلِك فِي ملكه شَيْئا وَهَهُنَا اخْتلفت الطّرق بِالنَّاسِ فِي عِلّة التَّكْلِيف وحكمته مَعَ كَونه سُبْحَانَهُ لَا ينْتَفع بطاعتهم وَلَا تضره معصيتهم فسلكت الجبرية مسلكها الْمَعْرُوف وَأَن ذَلِك صادر عَن مَحْض الْمَشِيئَة وَصرف الْإِرَادَة وَأَنه لَا عِلّة لَهُ وَلَا باعث عَلَيْهِ سوى مَحْض الْإِرَادَة وسلكت الْقَدَرِيَّة مسلكها الْمَعْرُوف وَهل ذَلِك إِلَّا اسْتِئْجَار مِنْهُ لعبيده لينالوا أجرهم بِالْعَمَلِ فَيكون ألذ من اقتضائهم الثَّوَاب بِلَا عمل لما فِيهِ من تكدير الْمِنَّة والمسلكان كَمَا ترى وحسبك مَا يدل عَلَيْهِ الْعقل الصَّرِيح وَالنَّقْل الصَّحِيح من بطلانهما وفسادهما وَلَيْسَ عِنْد النَّاس غير هذَيْن المسلكين إِلَّا مَسْلَك من هُوَ خَارج عَن الديانَات وَاتِّبَاع الرُّسُل مِمَّن يرى أَن الشَّرَائِع وضعت نواميس يقوم عَلَيْهَا مصلحَة النَّاس ومعيشتهم فان فائدتها تَكْمِيل قُوَّة النَّفس وَالْحكمَة وَهَذَا مَسْلَك خَارج عَن مناهج الْأَنْبِيَاء وأممهم وَأما أَتبَاع الرُّسُل الَّذين هم أهل البصائر فحكمة الله فِي تكليفهم مَا كلفهم بِهِ أعظم وَأجل عِنْدهم مِمَّا يخْطر بالبال أَو يجْرِي بِهِ
стр. 390
الْمقَال وَيشْهدُونَ لَهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِك بالحكم الباهرة والأسرار الْعَظِيمَة أَكثر مِمَّا يشهدونه فِي مخلوقاته وَمَا تضمنته وَمن الْأَسْرَار وَالْحكم ويعلمون مَعَ ذَلِك أَنه لَا نِسْبَة لما أطلعهم سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ من ذَلِك إِلَى مَا طوى علمه عَنْهُم واستأثر بِهِ دونهم وَأَن حكمته فِي أمره وَنَهْيه وتكليفهم أجل وَأعظم مِمَّا تُطِيقهُ عقول الْبشر فهم يعبدونه سُبْحَانَهُ بأَمْره وَنَهْيه لِأَنَّهُ تَعَالَى أهل أَن يعبد وَأهل أَن يكون الْحبّ كُله لَهُ وَالْعِبَادَة كلهَا لَهُ حَتَّى لَو لم يخلق جنَّة وَلَا نَارا وَلَا وضع ثَوابًا وَلَا عقَابا لَكَانَ أَهلا أَن يعبد أقْصَى مَا تناله قدرَة خلقه من الْعِبَادَة وَفِي بعض الْآثَار الإلهية لَو لم أخلق جنَّة وَلَا نَارا ألم أكن أَهلا أَن أعبد حَتَّى أَنه لَو قدر أَنه لم يُرْسل رسله وَلم ينزل كتبه لَكَانَ فِي الْفطْرَة وَالْعقل مَا يَقْتَضِي شكره وأفراده بِالْعبَادَة كَمَا أَن فيهمَا مَا يَقْتَضِي الْمَنَافِع وَاجْتنَاب المضار وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْفطْرَة وَالْعقل فان الله فطر خليقته على محبته والأقبالعليه وابتغاء الْوَسِيلَة إِلَيْهِ وَأَنه لَا شَيْء على الْإِطْلَاق أحب إِلَيْهِمَا مِنْهُ وان فَسدتْ فطر أَكثر الْخلق بِمَا طَرَأَ عَلَيْهَا مِمَّا اقتطعها واجتالها عَمَّا خلق فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ فَبين سُبْحَانَهُ أَن إِقَامَة الْوَجْه وَهُوَ إخلاص الْقَصْد وبذل الوسع لدينِهِ المتضمن محبته وعبادته حَنِيفا مُقبلا عَلَيْهِ معرضًا عَمَّا سواهُ هُوَ فطرته الَّتِي فطر عَلَيْهَا عباده فَلَو خلوا ودواعي فطرهم لما رَغِبُوا عَن ذَلِك وَلَا اخْتَارُوا سواهُ وَلَكِن غيرت الْفطر وأفسدت كَمَا قَالَ النَّبِي مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء هَل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُم تجدعونها ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة اقرأوا أَن شِئْتُم ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ منيبين إِلَيْهِ واتقوه﴾ ومنيبين نصب على الْحَال من الْمَفْعُول أَي فطرهم منيبين إِلَيْهِ والإنابة إِلَيْهِ تَتَضَمَّن الإقبال عَلَيْهِ بمحبته وَحده والأعراض عَمَّا سواهُ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عِيَاض بن حَمَّاد عَن النَّبِي قَالَ أَن الله أَمرنِي أَن أعلمكُم مَا جهلتم مِمَّا عَلمنِي فِي مقَامي هَذَا أَنه قَالَ كل مَال نحلته عبدا فَهُوَ لَهُ حَلَال واني خلقت عبَادي حنفَاء فأتتهم الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَن دينهم وأمرتهم أَن يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه إِنَّمَا فطر عباده على الحنيفة المتضمنة لكَمَال حبه والخضوع لَهُ والذل لَهُ وَكَمَال طَاعَته وَحده دون غَيره وَهَذَا من الْحق الَّذِي خلقت لَهُ وَبِه قَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَعَلِيهِ قَامَ الْعَالم ولأجله خلقت الْجنَّة وَالنَّار ولأجله أرسل رسله وَأنزل كتبه ولأجله هلك الْقُرُون الَّتِي خرجت عَنهُ وآثرت غَيره فكونه سُبْحَانَهُ أَهلا أَن يعبد وَيُحب ويحمد ويثني عَلَيْهِ أَمر ثَابت لَهُ لذاته فَلَا يكون إِلَّا كَذَلِك كَمَا أَن الْغنى الْقَادِر الْحَيّ القيوم السَّمِيع الْبَصِير فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْإِلَه الْحق الْمُبين والإله هُوَ الَّذِي يسْتَحق أَن يوله محبَّة
стр. 391
وتعظيما وخشية وخضوعا وتذللا وَعبادَة فَهُوَ الْإِلَه الْحق وَلَو لم يخلق خلقه وَهُوَ الْإِلَه الْحق وَلَو لم يعبدوه فَهُوَ المعبود حَقًا إِلَّا لَهُ حَقًا الْمَحْمُود حَقًا وَلَو قدر أَن خلقه لم يعبدوه وَلم يحمدوه وَلم يألهوه فَهُوَ الله الَّذِي لَا اله إِلَّا هُوَ قبل أَن يخلقهم وَبعد أَن خلقهمْ وَبعد أَن يغنيهم لم يستحدث بخلقه لَهُم وَلَا بأَمْره إيَّاهُم اسْتِحْقَاق الإلهية وَالْحَمْد بل الإلهية وحمده ومجده وغناه أَوْصَاف ذاتية لَهُ يَسْتَحِيل مفارقتها لَهُ لِحَيَاتِهِ ووجوده وَقدرته وَعلمه وَسَائِر صِفَات كَمَاله فأولياؤه وخاصته وَحزبه لما شهِدت عُقُولهمْ وفطرهم أَنه أهل أَن يعبد وان لم يُرْسل إِلَيْهِم رَسُولا وَلم ينزل عَلَيْهِ كتابا وَلَو لم يخلق جنَّة وَلَا نَارا علمُوا أَنه لَا شَيْء فِي الْعُقُول وَالْفطر أحسن من عِبَادَته وَلَا أقبح من الْأَعْرَاض عَنهُ وَجَاءَت الرُّسُل وأنزلت الْكتب لتقرير مَا استودع سُبْحَانَهُ فِي الْفطر والعقول من ذَلِك وتكميله وتفضيله وزيادته حسنا إِلَى حسنه فاتفقت شَرِيعَته وفطرته وتطابقا وتوافقا وَظهر أَنَّهُمَا من مشكاة وَاحِدَة فعبدوه وأحبوه ومجدوه وحمدوه بداعي الْفطْرَة وداعي الشَّرْع وداعي الْعقل فاجتمعت لَهُم الدَّوَاعِي ونادتهم من كل جِهَة ودعتهم إِلَى وليهم والههم وفاطرهم فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ بقلوب سليمَة لم يُعَارض خَبره عِنْدهَا شُبْهَة توجب ريبا وشكا ولأمره شَهْوَة توجب رغبتها عَنهُ وإيثارها سواهُ فَأَجَابُوا دواعي الْمحبَّة وَالطَّاعَة إِذْ نادت بهم حَيّ على الْفَلاح وبذلوا أنفسهم فِي مرضاة مَوْلَاهُم الْحق بذل أخي السماح وحمدوا عِنْد الْوُصُول إِلَيْهِ مسراهم وانما يحمد الْقَوْم السرى عِنْد الصَّباح فدينهم دين الْحبّ وَهُوَ الدّين الَّذِي لَا إِكْرَاه فِيهِ وسيرهم سير المحبين وَهُوَ الَّذِي لَا وَقْفَة تعتريه
أَنى أدين بدين الْحبّ وَيحكم ... فَذَاك ديني وَلَا إِكْرَاه فِي الدّين
وَمن يكن دينه كرها فَلَيْسَ لَهُ ... إِلَّا العناء وَألا السّير فِي الطين
وَمَا اسْتَوَى سير عبد فِي محبته ... وسير خَال من الأشواق فِي دين
فَقل لغير أخي الأشواق وَيحك قد ... غبنت حظك لَا تغتر بالدون
نَجَائِب الْحبّ تعلوا بالمحب إِلَى ... أَعلَى الْمَرَاتِب من فَوق السلاطين
وَأطيب الْعَيْش فِي الدَّاريْنِ قد رغبت ... عَنهُ التُّجَّار فباعت بيع مغبون
فان ترد علمه فاقرأه وَيحك فِي ... آيَات طه وَفِي آيَات ياسين
وَلَا ريب أَن كَمَال الْعُبُودِيَّة تَابع لكَمَال الْمحبَّة وَكَمَال الْمحبَّة تَابع لكَمَال المحبوب فِي نَفسه وَالله سُبْحَانَهُ لَهُ الْكَمَال الْمُطلق التَّام فِي كل وَجه الَّذِي لَا يَعْتَرِيه توهم نقص أصلا وَمن هَذَا شَأْنه فان الْقُلُوب لَا يكون شَيْء أحب إِلَيْهَا مِنْهُ مَا دَامَت فطرها وعقولها سليمَة وَإِذا كَانَت أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهَا فَلَا محَالة أَن محبته توجب عبوديته وطاعته وتتبع مرضاته واستفراغ الْجهد فِي التَّعَبُّد لَهُ والإنابة إِلَيْهِ وَهَذَا الْبَاعِث اكمل بواعث الْعُبُودِيَّة وأقواها حَتَّى لَو فرض تجرده عَن الْأَمر
стр. 392
وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب استفرغ الوسع واستخلص الْقلب للمعبود الْحق وَمن هَذَا قَول بعض السّلف أَنه ليستخرج حبه من قلبِي مَا لَا يَسْتَخْرِجهُ قَوْله وَمِنْه قَول عمر فِي صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ وَقد كَانَ هَذَا هُوَ الْوَاجِب على كل عَاقل كَمَا قَالَ بَعضهم
هَب الْبَعْث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النَّار لم تضرم
أَلَيْسَ من الْوَاجِب الْمُسْتَحق ... طَاعَة رب الورى الأكرم
وَقد قَامَ رَسُول الله حَتَّى تفطرت قدماه فَقيل لَهُ تفعل هَذَا وَقد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا وَاقْتصر من جوابهم على مَا تُدْرِكهُ عُقُولهمْ وتناله إفهامهم وَألا فَمن الْمَعْلُوم أَن باعثه على ذَلِك الشُّكْر أَمر يجل عَن الْوَصْف وَلَا تناله الْعِبَادَة وَلَا الأذهان فَأَيْنَ هَذَا الشُّهُود من شُهُود طَائِفَة الْقَدَرِيَّة والجبرية فليعرض الْعَاقِل اللبيب ذَيْنك المشهدين على هَذَا المشهد ولينظر مَا بَين الْأَمريْنِ من التَّفَاوُت فَالله سُبْحَانَهُ يعبد ويحمد وَيُحب لِأَنَّهُ أهل لذَلِك ومستحقه بل مَا يسْتَحقّهُ سُبْحَانَهُ من عباده أَمر لَا تناله قدرتهم وَلَا إرادتهم وَلَا تتصوره عُقُولهمْ وَلَا يُمكن أحد من خلقه قطّ أَن يعبده حق عِبَادَته وَلَا يُوفيه حَقه من الْمحبَّة وَالْحَمْد وَلِهَذَا قَالَ أفضل خلقه وأكملهم وأعرفهم بِهِ وأحبهم إِلَيْهِ وأطوعهم لَهُ لَا أحصى ثَنَاء عَلَيْك وَأخْبر أَن عمله لَا يسْتَقلّ بالنجاة فَقَالَ لن يُنجى أحدا مِنْكُم عمله قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل عَلَيْهِ صلوَات الله وَسَلَامه عدد مَا خلق فِي السَّمَاء وَعدد مَا خلق فِي الأَرْض وَعدد مَا بَينهمَا وَعدد مَا هُوَ خَالق وَفِي الحَدِيث الْمَرْفُوع الْمَشْهُور أَن من الْمَلَائِكَة من هُوَ ساجد لله لَا يرفع رَأسه مُنْذُ خلق وَمِنْهُم رَاكِع لَا يرفع رَأسه من الرُّكُوع مُنْذُ خلق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَوْم الْقِيَامَة سُبْحَانَكَ مَا عبدناك حق عبادتك وَلما كَانَت عِبَادَته تَعَالَى تَابِعَة لمحبته واجلاله وَكَانَت الْمحبَّة نَوْعَيْنِ محبَّة تنشأ عَن الْأَنْعَام وَالْإِحْسَان فتوجب شكرا وعبودية بِحَسب كَمَا لَهَا ونقصانها ومحبة تنشأ عَن جمال المحبوب وكماله فتوجب عبودية وَطَاعَة أكمل من الأولى كَانَ الْبَاعِث على الطَّاعَة والعبودية لَا يخرج عَن هذَيْن النَّوْعَيْنِ واما أَن تقع الطَّاعَة صادرة عَن خوف مَحْض غير مقرون بمحبته فَهَذَا قد ظَنّه كثير من الْمُتَكَلِّمين وَهِي عِنْدهم غَايَة المعارف بِنَاء على أصلهم الْبَاطِل أَن الله لَا تتَعَلَّق الْمحبَّة بِذَاتِهِ وانما تتَعَلَّق بمخلوقاته مِمَّا فِي الْجنَّة من النَّعيم فهم لَا يحبونه لذاته وَلَا لإحسانه وَيُنْكِرُونَ محبته لذَلِك وانما المحبوب عِنْدهم فِي الْحَقِيقَة غَيره وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل
وستذكر فِي الْقسم الثَّانِي أَن شَاءَ الله فِي هَذَا الْكتاب بطلَان هَذَا الْمَذْهَب من أَكثر من مائَة وَجه
стр. 393
وَلَو عرف الْقَوْم صِفَات الْأَرْوَاح وأحكامها لعلموا أَن طَاعَة من لَا تجب عِبَادَته محَال وَأَن من أَتَى بِصُورَة الطَّاعَة خوفًا مُجَردا عَن الْحبّ فَلَيْسَ بمطيع وَلَا عَابِد وانما هُوَ كالمكره أَو كأجير السوء الَّذِي أَن أعْطى عمل وان لم يُعْط كفر وأبق وَسَيَرِدُ عَلَيْك بسط الْكَلَام فِي هَذَا قريب عَن أَن شَاءَ الله وَالْمَقْصُود أَن الطَّاعَة وَالْعِبَادَة الناشئة عَن محبَّة الْكَمَال وَالْجمال أعظم من الطَّاعَة الناشئة عَن رُؤْيَة الْأَنْعَام وَالْإِحْسَان وَفرق عَظِيم بَين مَا تعلق بالحي الَّذِي لَا يَمُوت وَبَين مَا تعلق بالمخلوق وان شَمل النَّوْعَيْنِ اسْم الْمحبَّة وَلَكِن كم بَين من يحبك لذاتك وأوصافك وجمالك وَبَين من يحبك لخيرك ودراهمك
فصل والأسماء الْحسنى وَالصِّفَات الْعلَا مقتضية لآثارها من الْعُبُودِيَّة
وَالْأَمر اقتضاءها لآثارها من الْخلق والتكوين فَلِكُل صفة عبودية خَاصَّة هِيَ من موجباتها ومقتضياتها أعنى من مُوجبَات الْعلم بهَا والتحقق بمعرفتها وَهَذَا مطرد فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعُبُودِيَّة الَّتِي على الْقلب والجوارح فَعلم العَبْد بتفرد الرب تَعَالَى بالضر والنفع وَالعطَاء وَالْمَنْع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يُثمر لَهُ عبودية التَّوَكُّل عَلَيْهِ بَاطِنا ولوازم التَّوَكُّل وثمراته ظَاهرا وَعلمه بسمعه تَعَالَى وبصره وَعلمه وَأَنه لَا يخفى عَلَيْهِ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض وَأَنه يعلم السِّرّ وأخفى وَيعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفى الصُّدُور يُثمر لَهُ حفظ لِسَانه وجوارحه وخطرات قلبه عَن كل مَالا يرضى الله وَأَن يَجْعَل تعلق هَذِه الْأَعْضَاء بِمَا يُحِبهُ الله ويرضاه فيثمر لَهُ ذَلِك الْحيَاء بَاطِنا ويثمر لَهُ الْحيَاء اجْتِنَاب الْمُحرمَات والقبائح ومعرفته بغناه وجوده وَكَرمه وبره وإحسانه وَرَحمته توجب لَهُ سَعَة الرَّجَاء وتثمر لَهُ ذَلِك من أَنْوَاع الْعُبُودِيَّة الظَّاهِرَة والباطنة بِحَسب مَعْرفَته وَعلمه وَكَذَلِكَ مَعْرفَته بِجلَال الله وعظمته وعزه تثمر لَهُ الخضوع والاستكانة والمحبة وتثمر لَهُ تِلْكَ الْأَحْوَال الْبَاطِنَة أنواعا من الْعُبُودِيَّة الظَّاهِرَة هِيَ موجباتها وَكَذَلِكَ علمه بِكَمَالِهِ وجماله وَصِفَاته العلى يُوجب لَهُ محبَّة خَاصَّة بِمَنْزِلَة أَنْوَاع الْعُبُودِيَّة فَرَجَعت الْعُبُودِيَّة كلهَا إِلَى مُقْتَضى الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وارتبطت بهَا ارتباط الْخلق بهَا فخلقه سُبْحَانَهُ وَأمره هُوَ مُوجب أَسْمَائِهِ وَصِفَاته فِي الْعَالم وآثارها ومقتضاها لِأَنَّهُ لَا يتزين من عباده بطاعتهم وَلَا تشينه معصيتهم وَتَأمل قَوْله فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي يرويهِ عَن ربه ﵎ يَا عبَادي أَنكُمْ لن تبلغوا ضرى فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعي فتنفعوني ذكر هَذَا عقب قَوْله يَا عبَادي إِنَّكُم تخطئون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَنا أَغفر الذُّنُوب جَمِيعًا فاستغفروني أَغفر لكم فتضمن ذَلِك أَن مَا يَفْعَله تَعَالَى بهم فِي غفران زلاتهم وَإجَابَة دعواتهم وتفريج كرباتهم لَيْسَ لجلب مَنْفَعَة مِنْهُم
стр. 394
وَلَا لدفع مضرَّة يتوقعها مِنْهُم كَمَا هُوَ عَادَة الْمَخْلُوق الَّذِي ينفع غَيره ليكافئه بنفع مثله أَو ليدفع عَنهُ ضَرَرا فالرب تَعَالَى لم يحسن إِلَى عباده ليكافئوه وَلَا ليدفعوا عَنهُ ضَرَرا فَقَالَ لن تبلغوا نفعي فتنفعوني وَلنْ تبلغوا ضري فتضروني أَنِّي لست إِذا هديت مستهديكم وأطعمت مستطعمكم وكسوت مستكسيكم وأرويت مستسقيكم وكفيت مستكفيكم وغفرت لمستغفركم بِالَّذِي أطلب مِنْكُم أَن تنفعوني أَو تدفعوا عني ضَرَرا فأنكم لن تبلغوا ذَلِك وَأَنا الْغَنِيّ الحميد كَيفَ والخلق عاجزون عَمَّا يقدرُونَ عَلَيْهِ من الْأَفْعَال إِلَّا بأقداره وتيسيره وخلقه فَكيف بِمَا لَا يقدرُونَ عَلَيْهِ فَكيف يبغلون نفع الْغَنِيّ الصَّمد الَّذِي يمْتَنع فِي حَقه أَن يستجلب من غَيره نفعا أَو يستدفع مِنْهُ ضَرَرا بل ذَلِك مُسْتَحِيل فِي حَقه ثمَّ ذكر بعد هَذَا قَوْله يَا عبَادي لَو أَن أَو لكم وأخركم وانسكم وجنكم كَانُوا على أتقى قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا وَلَو أَن أولكم وأخركم وانسكم وجنكم كَانُوا على أفجر قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من ملكي شَيْئا فَبين سُبْحَانَهُ أَن مَا أَمرهم بِهِ من الطَّاعَات وَمَا نَهَاهُم عَنهُ من السَّيِّئَات لَا يتَضَمَّن استجلاب نفعهم وَلَا استدفاع ضررهم كأمر السَّيِّد عَبده وَالْوَالِد وَلَده والأمام رَعيته بِمَا ينفع الْآمِر والمأمور ونهيهم عَمَّا يضر الناهي والمنهي فَبين تَعَالَى أَنه المنزه عَن لُحُوق نفعهم وضرهم بِهِ فِي إحسانه إِلَيْهِم بِمَا يَفْعَله بهم وَبِمَا يَأْمُرهُم بِهِ وَلِهَذَا لما ذكر الْأَصْلَيْنِ بعد هَذَا وَأَن تقواهم وفجورهم الَّذِي هُوَ طاعتهم ومعصيتهم لَا يزِيد فِي ملكه شَيْئا وَلَا ينقصهُ وَأَن نِسْبَة مَا يسألونه كلهم إِيَّاه فيعطيهم إِلَى مَا عِنْده كلا نِسْبَة فتضمن ذَلِك أَنه لم يَأْمُرهُم وَلم يحسن إِلَيْهِم بإجابة الدَّعْوَات وغفران الزلات وتفريج الكربات لاستجلاب مَنْفَعَة وَلَا لاستدفاع مضرَّة وَأَنَّهُمْ لَو أطاعوه كلهم لم يزِيدُوا فِي ملكه شَيْئا وَلَو عصوه كلهم لم ينقصوا من ملكه شَيْئا وَأَنه الْغَنِيّ الحميد وَمن كَانَ هَكَذَا فانه لَا يتزين بِطَاعَة عباده وَلَا تشينه معاصيهم وَلَكِن لَهُ من الحكم البوالغ فِي تَكْلِيف عباده وَأمرهمْ ونهيهم مَا يَقْتَضِيهِ ملكه التَّام وحمده وحكمته وَلَو لم يكن فِي ذَلِك إِلَّا أَنه يسْتَوْجب من عباده شكر نعمه الَّتِي لَا تحصى بِحَسب قواهم وطاقتهم لَا بِحَسب مَا يَنْبَغِي لَهُ فانه أعظم وَأجل من أَن يقدر خلقه عَلَيْهِ وَلكنه سُبْحَانَهُ يرضى من عباده بِمَا تسمح بِهِ طبائعهم وقواهم فَلَا شَيْء أحسن فِي الْعُقُول وَالْفطر من شكر الْمُنعم وَلَا أَنْفَع للْعَبد مِنْهُ فهذان مسلكان آخرَانِ فِي حسن التَّكْلِيف وَالْأَمر وَالنَّهْي
أَحدهمَا يتَعَلَّق بِذَاتِهِ وَصِفَاته وَأَنه أهل لذَلِك وان جماله تَعَالَى وكماله وأسماءه وَصِفَاته تَقْتَضِي من عباده غَايَة الْحبّ والذل وَالطَّاعَة لَهُ وَالثَّانِي مُتَعَلق بإحسانه وانعامه وَلَا سِيمَا مَعَ غناهُ عَن عباده وانه إِنَّمَا يحسن إِلَيْهِم رَحْمَة مِنْهُ وجودا وكرما لَا لمعاوضة وَلَا لاستجلاب مَنْفَعَة وَلَا لدفع مضرَّة وَأي المسلكين سلكه العَبْد أوقفهُ على محبته وبذل الْجهد
стр. 395
فِي مرضاته فَأَيْنَ هَذَانِ المسلكان من ذَيْنك المسلكين وانما أَتَى الْقَوْم من إنكارهم الْمحبَّة وَذَلِكَ الَّذِي حرمهم من الْعلم والأيمان مَا حرمهم وَأوجب لَهُم سلوك تِلْكَ الطّرق المسدودة وَالله الفتاح الْعَلِيم
الْوَجْه التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلكُم فَلَا تكون نعمه تَعَالَى ثَوابًا بل ابْتِدَاء كَلَام يحْتَمل حَقًا وباطلا فان أردتم بِهِ أَنه لَا يثيبهم على أَعْمَالهم بِالْجنَّةِ وَنَعِيمهَا ويجزيهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ فَهُوَ بَاطِل وَالْقُرْآن أعظم شَاهد بِبُطْلَانِهِ قَالَ تَعَالَى فَالَّذِينَ هَاجرُوا وأخرجوا من دِيَارهمْ وأوذوا فِي سبيلي وقاتلوا وَقتلُوا لأكفرن عَنْهُم سيئاتهم ولأدخلنهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار ثَوابًا من عِنْد الله وَالله عِنْده حسن الثَّوَاب وَقَالَ تَعَالَى ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وَقَالَ تَعَالَى أَن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة خَالِدين فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر العاملين وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنبوئنهم من الْجنَّة غرفا تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا نعم أجر العاملين وَهَذَا فِي الْقُرْآن كثير يبين أَن الْجنَّة ثوابهم وجزاؤهم فَكيف يُقَال لَا تكون نعمه ثَوابًا على الْإِطْلَاق بل لَا تكون نعمه تَعَالَى فِي مُقَابلَة الْأَعْمَال والأعمال ثمنا لَهَا فانه لن يدْخل أحدا الْجنَّة عمله وَلَا يدخلهَا أحد إِلَّا بِمُجَرَّد فضل الله وَرَحمته وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا تقدم من النُّصُوص فَأَنَّهَا إِنَّمَا تدل على أَن الْأَعْمَال أَسبَاب لَا أعواض وأثمان وَالَّذِي نَفَاهُ النَّبِي فِي الدُّخُول بِالْعَمَلِ هُوَ نفي اسْتِحْقَاق الْعِوَض ببذل عوضه فالمثبت بَاء السَّبَبِيَّة والمنفي بَاء الْمُعَاوضَة والمقابلة وَهَذَا فصل الْخطاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة والقدرية الجبرية تنفى بَاء السَّبَبِيَّة جملَة وتنكر أَن تكون الْأَعْمَال سَببا فِي النجَاة وَدخُول الْجنَّة وَتلك النُّصُوص وأضعافها تبطل قَوْلهم والقدرية النفاة تثبت بَاء الْمُعَاوضَة والمقابلة وتزعم أَن الْجنَّة عوض الْأَعْمَال وَأَنَّهَا ثمن لَهَا وَأَن دُخُولهَا إِنَّمَا هُوَ بمحض الْأَعْمَال والنصوص النافية لذَلِك تبطل قَوْلهم وَالْعقل وَالْفطر تبطل قَول الطَّائِفَتَيْنِ وَلَا يَصح فِي النُّصُوص والعقول إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ من التَّفْصِيل وَبِه يتَبَيَّن أَن الْحق مَعَ الْوسط بَين الْفرق فِي جَمِيع الْمسَائِل لَا يسْتَثْنى من ذَلِك شَيْء فَمَا اخْتلفت الْفرق إِلَّا كَانَ الْحق مَعَ الْوسط وكل من الطَّائِفَتَيْنِ مَعَه حق وباطل فَأصَاب الجبرية فِي نفي الْمُعَاوضَة وأخطؤا فِي نفي السَّبَبِيَّة وَأصَاب المقدرية فِي إِثْبَات السَّبَبِيَّة وأخطؤا فِي إِثْبَات الْمُعَاوضَة فَإِذا ضممت أحد نفي الجبرية إِلَى أحد إثباتي الْقَدَرِيَّة ونفيت باطلهما كنت أسعد بِالْحَقِّ مِنْهُمَا فان أردتم بِأَن نعمه لَا تكون ثَوابًا هَذَا الْقدر وَأَنَّهَا لَا تكون عوضا بل هُوَ الْمُنعم بِالْأَعْمَالِ وَالثَّوَاب وَله الْمِنَّة
стр. 396
فِي هَذَا وَهَذَا ونعمه بالثواب من غير اسْتِحْقَاق وَلَا ثمن يعاوض عَلَيْهِ بل فضل مِنْهُ وإحسان فَهَذَا هُوَ الْحق فَهُوَ المان بهدايته للأيمان وتيسيره للأعمال وإحسانه بالجزاء كل ذَلِك مُجَرّد منته وفضله قَالَ تَعَالَى يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للأيمان أَن كُنْتُم صَادِقين
الْوَجْه الْخَمْسُونَ قَوْلكُم وَإِذا تعَارض فِي الْعُقُول هَذَانِ الْأَمْرَانِ فَكيف يَهْتَدِي الْعقل إِلَى اخْتِيَار أَحدهمَا قُلْنَا قد تبين بِحَمْد الله أَنه لَا تعَارض فِي الْعُقُول بَين الْأَمريْنِ أصلا وانما يقدر التَّعَارُض بَين الْعقل والهوى وَأما أَن يتعارض فِي الْعُقُول إرشاد الْعباد إِلَى سعادتهم فِي المعاش والمعاد وتركهم هملا كالأنعام السَّائِمَة لَا يعْرفُونَ مَعْرُوفا وَلَا يُنكرُونَ مُنْكرا فَلم يتعارض هَذَانِ فِي عقل صَحِيح أبدا
الْوَجْه الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم فَكيف يعرفنا الْعقل وجوبا على نَفسه بالمعرفة وعَلى الْجَوَارِح بِالطَّاعَةِ وعَلى الرب بالثواب وَالْعِقَاب فَيُقَال وَأي استبعاد فِي ذَلِك وَمَا الَّذِي يحيله فقد عرفنَا الْعقل من الْوَاجِبَات عَلَيْهِ مَا يقبح من العَبْد تَركهَا كَمَا عرفنَا وَعرف أهل الْعُقُول وَذَوي الْفطر الَّتِي لم تتواطأ على الْأَقْوَال الْفَاسِدَة وجوب الْإِقْرَار بِاللَّه وربوبته وشكر نعْمَته ومحبته وعرفنا قبح الْإِشْرَاك بِهِ والأعراض عَنهُ ونسبته إِلَى مَا لَا يَلِيق بِهِ وعرفنا قبح الْفَوَاحِش وَالظُّلم والإساءة والفجور وَالْكذب والبهت والاثم وَالْبَغي والعدوان فَكيف نستبعد مِنْهُ أَن يعرفنا وجوبا على نَفسه بالمعرفة وعَلى الْجَوَارِح بالشكر الْمَقْدُور المستحسن فِي الْعُقُول الَّتِي جَاءَت الشَّرَائِع بتفصيل مَا أدْركهُ الْعقل مِنْهُ جملَة وبتقرير مَا أدْركهُ تَفْصِيلًا وَأما الْوُجُوب على الله بالثواب وَالْعِقَاب فَهَذَا مِمَّا تتباين فِيهِ الطائفتان أعظم تبَاين فأثبتت الْقَدَرِيَّة من الْمُعْتَزلَة عَلَيْهِ تَعَالَى وجوبا عقليا وضعوه شَرِيعَة لَهُ بعقولهم وحرموا عَلَيْهِ الْخُرُوج عَنهُ وشهوة فِي ذَلِك كُله بخلقه وبدعهم فِي ذَلِك سَائِر الطوائف وسفهوا رَأْيهمْ فِيهِ وبينوا مناقضتهم وألزموهم بِمَا لَا محيد لَهُم عَنهُ ونفت الجبرية أَن يجب عَلَيْهِ مَا أوجبه على نَفسه وَيحرم عَلَيْهِ مَا حرمه على نَفسه وجوزوا عَلَيْهِ مَا يتعالى ويتنزه عَنهُ ومالا يَلِيق بجلاله مِمَّا حرمه على نَفسه وجوزوا عَلَيْهِ ترك مَا أوجبه على نَفسه مِمَّا يتعالى ويتنزه عَن تَركه وَفعل ضِدّه فتباين الطائفتان أعظم تبَاين وَهدى الله الَّذين آمنُوا أهل السّنة الْوسط للطريقة المثلى الَّتِي جَاءَ بهَا رَسُوله وَنزل بهَا كِتَابه وَهِي أَن الْعُقُول البشرية بل وَسَائِر الْمَخْلُوقَات لَا توجب على رَبهَا شَيْئا وَلَا تحرمه وَأَنه يتعالى ويتنزه عَن ذَلِك وَأما مَا كتبه على نَفسه وَحرمه على نَفسه فانه لَا يخل بِهِ وَلَا يَقع مِنْهُ خِلَافه فَهُوَ أيجاب مِنْهُ على نَفسه بِنَفسِهِ وَتَحْرِيم مِنْهُ على نَفسه بِنَفسِهِ فَلَيْسَ فَوْقه تَعَالَى مُوجب وَلَا محرم
وَسَيَأْتِي أَن شَاءَ الله بسط ذَلِك وَتَقْرِيره
الْوَجْه الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم أَنه على أصُول الْمُعْتَزلَة يَسْتَحِيل الْأَمر وَالنَّهْي والتكليف وتقديركم ذَلِك فَكَلَام لَا مطْعن فِيهِ وَالْأَمر فِيهِ كَمَا ذكرْتُمْ وان حَقِيقَة قَول الْقَوْم أَنه لَا أَمر
стр. 397
وَلَا نهي وَلَا شرع أصلا إِذْ ذَلِك إِنَّمَا يَصح إِذا ثَبت قيام الْكَلَام بالمرسل الْآمِر الناهي وَقيام الِاقْتِضَاء والطلب وَالْحب لما أَمر بِهِ والبغض لما نهى عَنهُ فَأَما إِذا لم يثبت لَهُ كَلَام وَلَا إِرَادَة وَلَا اقْتِضَاء وَلَا طلب وَلَا حب وَلَا بغض قَائِم بِهِ فانه لَا يعقل أصلا كَونه آمُر وَلَا ناهيا وَلَا باعثا للرسل وَلَا محبا للطاعة باغضا للمعصية فأصول هَذِه الطَّائِفَة تعطل الصِّفَات عَن صِفَات كَمَاله فَأَنَّهَا تَسْتَلْزِم أبطال الرسَالَة والنبوة جملَة وَلَكِن رب لَازم لَا يلتزمه صَاحب الْمقَالة ويتناقض فِي القَوْل بملزومه دون القَوْل بِهِ وَلَا ريب أَن فَسَاد اللَّازِم مُسْتَلْزم لفساد الْمَلْزُوم وَلَكِن يُقَال لكم معاشر الجبرية لَا تَكُونُوا مِمَّن يرى القذاة فِي عين أَخِيه وَلَا يرى الْجذع الْمُعْتَرض فِي عينه فقد الزمتكم الْقَدَرِيَّة مَا لَا محيد لكم عَنهُ وَقَالُوا من نفى فعل العَبْد جملَة فقد عطل الشَّرَائِع وَالْأَمر وَالنَّهْي فان الْأَمر وَالنَّهْي لَا يتَعَلَّق إِلَّا بِالْفِعْلِ الْمَأْمُور بِهِ فَهُوَ الَّذِي يُؤمر بِهِ وَينْهى عَنهُ ويثاب عَلَيْهِ ويعاقب فَإِذا نفيتم فعل العَبْد فقد رفعتم مُتَعَلق الْأَمر وَالنَّهْي وَفِي ذَلِك أبطال الْأَمر وَالنَّهْي فَلَا فرق بَين رفع الْمَأْمُور بِهِ الْمنْهِي عَنهُ وَرفع الْمَأْمُور والمنهي نَفسه فان الْأَمر يسْتَلْزم آمُر أَو مَأْمُورا بِهِ وَلَا يَصح لَهُ حَقِيقَة إِلَّا بِهَذِهِ الثَّلَاث وَمَعْلُوم أَن أَمر الْآمِر بِفعل نَفسه وَنَهْيه عَن نَفسه يبطل التَّكْلِيف جملَة فان التَّكْلِيف لَا يعقل مَعْنَاهُ إِلَّا إِذا كَانَ الْمُكَلف قد كلف بِفِعْلِهِ الَّذِي هُوَ الْمَقْدُور لَهُ التَّابِع لارادته ومشيئته وَأما إِذا رفعتم ذَلِك من الْبَين وقلتم بل هُوَ مُكَلّف بِفعل الله حَقِيقَة لَا يدْخل تَحت قدرَة العَبْد لَا هُوَ مُتَمَكن فِي الآتيان بِهِ وَلَا هُوَ وَاقع بإرادته ومشيئته فقد نفيتم التَّكْلِيف جملَة من حَيْثُ أثبتوه وَفِي ذَلِك أبطال للشرائع والرسالة جملَة قَالُوا فَلْيتَأَمَّل الْمنصف الفطن لَا البليد المتعصب صِحَة هَذَا الْإِلْزَام فَلَنْ تَجِد عَنهُ محيدا قَالُوا فَأنْتم معاشر الجبرية قدرية من حَيْثُ نفيكم الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ فان كَانَ خصومكم قدرية من حَيْثُ نفوا تعلق الْقُدْرَة الْقَدِيمَة فَأنْتم أولى أَن تَكُونُوا قدرية من حَيْثُ نفيتم فعل العَبْد لَهُ وتأثيره فِيهِ وتعلقه بمشيئته فَأنْتم أثبتم قدرا على الله وَقدرا على العَبْد أما الْقدر على الله فَحَيْثُ زعمتم أَنه تَعَالَى يَأْمر بِفعل نَفسه وَينْهى عَن فعل نَفسه وَمَعْلُوم أَن ذَلِك لَا يَصح أَن يكون مَأْمُورا بِهِ مَنْهِيّا عَنهُ فأثبتم أمرا وَلَا مَأْمُور بِهِ ونهيا وَلَا مَنْهِيّ عَنهُ وَهَذِه قدرية مَحْضَة فِي حق الرب وَأما فِي حق العَبْد فأنكم جعلتموه مَأْمُورا مَنْهِيّا من غير أَن يكون لَهُ فعل يَأْمر بِهِ وَينْهى عَنهُ فَأَي قدرية أبلغ من هَذِه فَمن الَّذِي تضمن قَوْله أبطال الشَّرَائِع وتعطيل الْأَوَامِر فليتنبه اللبيب لمواقعه هَذِه المساجلة وسهام هَذِه المناضلة ثمَّ ليختر مِنْهُمَا إِحْدَى خطتين وَلَا وَالله مَا فيهمَا حَظّ لمختار وَلَا ينجوا من هَذِه الورطات إِلَّا من أثبت كَلَام الله الْقَائِم بِهِ المتضمن لأَمره وَنَهْيه ووعده ووعيده وَأثبت لَهُ مَا أثبت لنَفسِهِ من صِفَات كَمَاله وَمن الْأُمُور الثبوتية الْقَائِمَة ثمَّ أثبت مَعَ ذَلِك فعل العَبْد واختياره ومشيئته
стр. 398
وارادته الَّتِي هِيَ منَاط الشَّرَائِع ومتعلق الْأَمر وَالنَّهْي فَلَا جبري وَلَا جهمي وَلَا قدري وَكَيف يخْتَار الْعَاقِل آراء ومذاهب هَذِه بعض لوازمها وَلَو صابرها إِلَى آخرهَا لاستبان لَهُ من فَسَادهَا وبطلانها مَا يتعجب مَعَه من قَائِلهَا ومنتحلها وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
الْوَجْه الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم أَنه مَا من معنى يستنبط من قَول أَو فعل ليربط بِهِ معنى مُنَاسِب لَهُ إِلَّا وَمن حَيْثُ الْعقل يُعَارضهُ معنى آخر يُسَاوِيه فِي الدرجَة أَو يفضل عَلَيْهِ فِي الْمرتبَة فيتحير الْعقل فِي الِاخْتِيَار إِلَى أَن يرد شرع يخْتَار أَحدهمَا أَو يرجحه من تلقائه فَيجب على الْعَاقِل اعْتِبَاره واختياره لترجيح الشَّرْع لَهُ لَا لرجحانه فِي نَفسه فَيُقَال أَن أردتم بِهَذِهِ الْمُعَارضَة أَنَّهَا ثَابِتَة فِي جَمِيع الْأَفْعَال والأقوال الْمُشْتَملَة على الْأَوْصَاف الْمُنَاسبَة الَّتِي ربطت بهَا الْأَحْكَام كَمَا يدل عَلَيْهِ كلامكم فدعوى بَاطِلَة بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ كذب مَحْض وَكَذَلِكَ أَن أردتم أَنَّهَا ثَابِتَة فِي أَكْثَرهَا فَأَي مُعَارضَة فِي الْعقل للوصف الْقَبِيح فِي الْكَذِب والفجور وَالظُّلم واهلاك الْحَرْث والنسل والإساءة إِلَى الْمُحْسِنِينَ وَضرب الْوَالِدين واحتقارهما وَالْمُبَالغَة فِي اهانتهما بِلَا جرم وَأي مُعَارضَة فِي الْعقل للأوصاف القبيحة فِي الشّرك بِاللَّه ومشيئته وكفران نعمه وَأي مُعَارضَة فِي الْعقل للوصف الْقَبِيح فِي نِكَاح الْأُمَّهَات واستفراشهن كاستفراش الْإِمَاء والزوجات إِلَى أَضْعَاف أَضْعَاف مَا ذكرنَا مِمَّا تشهد الْعُقُول بقبحه من غير معَارض فِيهَا بل نَحن لَا ننكر أَن يكون دَاعِي الشَّهْوَة والهوى وداعي الْعقل يتعارضا فان أردتم هَذَا التَّعَارُض فَمُسلم وَلَكِن لَا يجدي عَلَيْكُم إِلَّا عكس مطلوبكم وَكَذَلِكَ أَي مُعَارضَة فِي الْعُقُول للأوصاف الْمُقْتَضِيَة حسن عبَادَة الله وشكره وتعظيمه وتمجيده وَالثنَاء عَلَيْهِ بآلائه وانعامه وصفات جَلَاله ونعوت كَمَاله وأفراده بالمحبة وَالْعِبَادَة والتعظيم وَأي مُعَارضَة فِي الْعُقُول للأوصاف الْمُقْتَضِيَة حسن الصدْق وَالْبر وَالْإِحْسَان وَالْعدْل والإيثار وكشف الكربات وَقَضَاء الْحَاجَات وإغاثة اللهفات وَالْأَخْذ على أَيدي الظَّالِمين وقمع المفسدين وَمنع الْبُغَاة والمعتدين وَحفظ عقول الْعَالمين وَأَمْوَالهمْ وَدِمَائِهِمْ وأعراضهم بِحَسب الْإِمْكَان وَالْأَمر بِمَا يصلحها ويكملها وَالنَّهْي عَمَّا يُفْسِدهَا وينقصها وَهَذِه حَال جملَة الشَّرَائِع وجمهورها إِذا تأملها الْعقل جزم أَنه يَسْتَحِيل على أحكم الْحَاكِمين أَن يشرع خلَافهَا لِعِبَادِهِ وَأما أَن أردتم أَن فِي بعض مَا يدق مِنْهَا مسَائِل تتعارض فِيهَا الْأَوْصَاف المستنبطة فِي الْعُقُول فيتحير الْعقل بَين الْمُنَاسب مِنْهَا وَغير الْمُنَاسب فَهَذَا وان كَانَ وَاقعا فَأَنَّهَا لَا تنفى حسنها الذاتي وقبح منهيها الذاتي وَكَون الْوَصْف خفى الْمُنَاسبَة والتأثير فِي بعض الْمَوَاضِع مِمَّا لَا يَدْفَعهُ وَهَذِه حَال كثير من الْأُمُور الْعَقْلِيَّة الْمَحْضَة بل الحسية وَهَذَا الطّلب مَعَ أَنه حسي تجريبي يدْرك مَنَافِع الأغذية والأدوية وقواها وحرارتها وبرودتها ورطوبتها ويبوستها فِيهِ بالحس وَمَعَ هَذَا فَأنْتم ترَوْنَ اخْتِلَاف أَهله فِي كثير من مسائلهم فِي الشَّيْء الْوَاحِد
стр. 399
هَل هُوَ نَافِع كَذَا ملائم لَهُ أَو منافر مؤذ وَهل هُوَ حَار أَو بَارِد وَهل هُوَ رطب أَو يَابِس وَهل فِيهِ قُوَّة تصلح لأمر من الْأُمُور أَولا قُوَّة فِيهِ وَمَعَ هَذَا فالاختلاف الْمَذْكُور لَا ينفى عِنْد الْعُقَلَاء مَا جعل فِي الأغذية والأدوية من القوى وَالْمَنَافِع والمضار والكيفيات لِأَن سَبَب الِاخْتِلَاف خَفَاء تِلْكَ الْأَوْصَاف على بعض الْعُقَلَاء ودفنها وَعجز الْحس وَالْعقل عَن تمييزها وَمَعْرِفَة مقاديرها وَالنّسب الْوَاقِعَة بَين كيفياتها وطبائعها وَلم يكن هَذَا الِاخْتِلَاف بِمُوجب عِنْد أحد من الْعُقَلَاء إِنْكَار جملَة الْعلم وَجُمْهُور قَوَاعِده ومسائله دَعْوَى أَنه مَا من وصف يستنبط من دَوَاء مُفْرد أَو مركب أَو من غذَاء إِلَّا وَفِي الْعقل مَا يُعَارضهُ فيتحير الْعقل وَلَو ادّعى هَذَا مُدع لضحك مِنْهُ الْعُقَلَاء مِمَّا علموه بِالضَّرُورَةِ والحس من ملاءمة الْأَوْصَاف ومنافرتها واقتضاء تِلْكَ الذوات للمنافع والمضار فِي الْغَالِب وَلَا يكون اخْتِلَاف بعض الْعُقَلَاء يُوجب إِنْكَار مَا علم بِالضَّرُورَةِ والحس فَهَكَذَا الشَّرَائِع
الْوَجْه الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ أَن قَوْلكُم إِذا قتل إِنْسَان انسانا عرض لِلْعَقْلِ هَاهُنَا آراء متعارضة مُخْتَلفَة إِلَى آخِره فَيُقَال أَن أردتم أَن الْعقل يُسَوِّي بَين مَا شَرعه الله من الْقصاص وَبَين تَركه لمصْلحَة الْجَانِي فبهت لِلْعَقْلِ وَكذب عَلَيْهِ فانه لَا يَسْتَوِي عِنْد عَاقل قطّ حسن الِاخْتِصَاص من الْجَانِي بِمثل مَا فعل وَحسن تَركه والأعراض عَنهُ وَلَا يعلم عقل صَحِيح يسوى بَين الْأَمريْنِ وَكَيف يَسْتَوِي أَمْرَانِ أَحدهمَا يسْتَلْزم فَسَاد النَّوْع وخراب الْعَالم وَترك الِانْتِصَار للمظلوم وتمكين الجناة من الْبَغي والعدوان
وَالثَّانِي يسْتَلْزم صَلَاح النَّوْع وَعمارَة الْعَالم والانتصار للمظلوم وردع الجناة والبغاة والمعتدين فَكَانَ فِي الْقصاص حَيَاة الْعَالم وَصَلَاح الْوُجُود وَقد نبه تَعَالَى على ذَلِك بقوله وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولى الْأَلْبَاب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون وَفِي ضمن هَذَا الْخطاب مَا هُوَ كالجواب لسؤال مُقَدّر أَن إعدام هَذِه البنية الشَّرِيفَة وإيلام هَذِه النَّفس وإعدامها فِي مُقَابلَة إعدام الْمَقْتُول تَكْثِير لمفسدة الْقَتْل فلأية حِكْمَة صدر هَذَا مِمَّن وسعت رَحمته كل شَيْء وبهرت حكمته الْعُقُول فتضمن الْخطاب جَوَاب ذَلِك بقوله تَعَالَى وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة وَذَلِكَ لِأَن الْقَاتِل إِذا توهم أَنه يقتل قصاصا بِمن قَتله كف عَن الْقَتْل وارتدع وآثر حب حَيَاته وَنَفسه فَكَانَ فِيهِ حَيَاة لَهُ وَلمن أَرَادَ قَتله وَمن وَجه آخر وَهُوَ أَنهم كَانُوا إِذا قتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم قتلوا بِهِ كل من وجدوه من عشيرة الْقَاتِل وحيه وقبيلته وَكَانَ فِي ذَلِك من الْفساد والهلاك مَا يعم ضَرَره وتشتد مُؤْنَته فشرع الله تَعَالَى الْقصاص وَأَن لَا يقتل بالمقتول غير قَاتله فَفِي ذَلِك حَيَاة عشيرته وحيه وأقاربه وَلم تكن الْحَيَاة فِي الْقصاص من حَيْثُ أَنه قتل بل من حَيْثُ كَونه قصاصا يُؤْخَذ الْقَاتِل وَحده بالمقتول لَا غَيره فتضمن الْقصاص الْحَيَاة فِي الْوَجْهَيْنِ وَتَأمل مَا تَحت هَذِه الْأَلْفَاظ الشَّرِيفَة من الْجَلالَة والإيجاز والبلاغة والفصاحة وَالْمعْنَى
стр. 400
الْعَظِيم فصدر الْآيَة بقوله لكم الْمُؤَذّن بِأَن مَنْفَعَة الْقصاص مُخْتَصَّة بكم عَائِدَة إِلَيْكُم فشرعه إِنَّمَا كَانَ رَحْمَة بكم وإحسانا إِلَيْكُم فمنفعته ومصلحته لكم لَا لمن لَا يبلغ الْعباد ضره ونفعه ثمَّ عقبه بقوله فِي الْقصاص إِيذَانًا بِأَن الْحَيَاة الْحَاصِلَة إِنَّمَا هِيَ فِي الْعدْل وَهُوَ أَن يفعل بِهِ كَمَا فعل وَالْقصاص فِي اللُّغَة الْمُمَاثلَة وَحَقِيقَته رَاجِعَة إِلَى الِاتِّبَاع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى وَقَالَت لأخته قصيه أَي اتبعي أَثَره وَمِنْه قَوْله فارتدا على آثارهما قصصا أَي يقصان الْأَثر ويتبعانه وَمِنْه قصّ الحَدِيث واقتصاصه لِأَنَّهُ يتبع بعضه بَعْضًا فِي الذّكر فَسمى جَزَاء الْجَانِي قصاصا لِأَنَّهُ يتبع أَثَره فيفعل بِهِ كَمَا فعل وَهَذَا أحد مَا يسْتَدلّ بِهِ على أَن يفعل بالجاني كَمَا فعل فَيقْتل بِمثل مَا قتل بِهِ لتحقيق معنى الْقصاص وَقد ذكرنَا أَدِلَّة الْمَسْأَلَة من الطَّرفَيْنِ وترجيح القَوْل الرَّاجِح بِالنَّصِّ والأثر والمعقول فِي كتاب تَهْذِيب السّنَن ونكر سُبْحَانَهُ الْحَيَاة تَعْظِيمًا وتفخيما لشأنها وَلَيْسَ المُرَاد حَيَاة مَا بل الْمَعْنى أَن فِي الْقصاص حُصُول هَذِه الْحَقِيقَة المحبوبة للنفوس المؤثرة عِنْدهَا المستحسنة فِي كل عقل والتنكير كثيرا مَا يَجِيء للتعظيم والتفخيم كَقَوْلِه وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة وَقَوله ورضوان من الله أكبر وَقَوله أَن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى ثمَّ خص أولى الْأَلْبَاب وهم أولو الْعُقُول الَّتِي عقلت عَن الله أمره وَنَهْيه وحكمته إِذْ هم المنتفعون بِالْخِطَابِ ووازن بَين هَذِه الْكَلِمَات وَبَين قَوْلهم الْقَتْل أنفى للْقَتْل ليتبين مِقْدَار التَّفَاوُت وعظمة الْقُرْآن وجلالته
الْوَجْه الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم أَن الْقصاص اتلاف بأزاء اتلاف وعدوان فِي مُقَابلَة عدوان وَلَا يحيا الأول بقتل الثَّانِي فَفِيهِ تَكْثِير الْمفْسدَة بإعدام النفسين وَأما مصلحَة الردع والزجر واستبقاء النَّوْع فَأمر متوهم وَفِي الْقصاص اسْتِهْلَاك مُحَقّق فَيُقَال هَذَا الْكَلَام من أفسد الْكَلَام وأبينه بطلانا فانه يتَضَمَّن التَّسْوِيَة بَين الْقَبِيح وَالْحسن وَنفى حسن الْقصاص الَّذِي اتّفقت الْعُقُول والديانات على حسنه وَصَلَاح الْوُجُود بِهِ وَهل يَسْتَوِي فِي عقل أَو دين أَو فطْرَة الْقَتْل ظلما وعدوانا بِغَيْر حق وَالْقَتْل قصاصا وَجَزَاء بِحَق وَنَظِير هَذِه التَّسْوِيَة تَسْوِيَة الْمُشْركين بَين الرِّبَا وَالْبيع لِاسْتِوَائِهِمَا فِي صُورَة العقد وَمَعْلُوم أَن اسْتِوَاء الْفِعْلَيْنِ فِي الصُّورَة لَا يُوجب استواءهما فِي الْحَقِيقَة ومدعى ذَلِك فِي غَايَة المكابرة وَهل يدل اسْتِوَاء السُّجُود لله وَالسُّجُود للصنم فِي الصُّورَة الظَّاهِرَة وَهُوَ وضع الْجَبْهَة على الارض على أَنَّهُمَا سَوَاء فِي الْحَقِيقَة حق يتحير الْعقل بَينهمَا ويتعارضان فِيهِ ويكفى فِي فَسَاد هَذَا أطباق الْعُقَلَاء قاطبة على قبح الْقَتْل الَّذِي هُوَ ظلم وبغى وعدوان وَحسن الْقَتْل الَّذِي هُوَ جَزَاء وقصاص وردع وزجر وَالْفرق بَين هذَيْن مثل الْفرق بَين الزِّنَا وَالنِّكَاح بل أعظم وَأظْهر بل الْفرق بَينهمَا من جنس الْفرق بَين الْإِصْلَاح فِي الأَرْض والإفساد فِيهَا فَمَا تعَارض فِي عقل صَحِيح قطّ هَذَانِ الْأَمْرَانِ حَتَّى يتحير بَينهمَا أَيهمَا يؤثره ويختاره وقولكم أَنه
стр. 401
إِتْلَاف بأزاء إِتْلَاف وعدوان فِي مُقَابلَة عدوان فَكَذَلِك هُوَ لَكِن إِتْلَاف حسن هُوَ مصلحَة وَحِكْمَة وَصَلَاح للْعَالم فِي مُقَابلَة إِتْلَاف هُوَ فَسَاد وسفه وخراب للْعَالم فَأنى يستويان أم كَيفَ يعتدلان حَتَّى يتحير الْعقل بَين الْإِتْلَاف الْحسن وَتَركه وقولكم لَا يحيا الاول بقتل الثَّانِي قُلْنَا يحيا بِهِ عدد كثير من النَّاس إِذْ لَو ترك وَلم يُؤْخَذ على يَدَيْهِ لأهْلك النَّاس بَعضهم بَعْضًا فَإِن لم يكن فِي قتل الثَّانِي حَيَاة للْأولِ فَفِيهِ حَيَاة الْعَالم كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الالباب لَكِن هَذَا الْمَعْنى لَا يُدْرِكهُ حق الأدراك إِلَّا الوا الالباب فَأَيْنَ هَذِه الشَّرِيعَة وَهَذِه الْحِكْمَة وَهَذِه الْمصلحَة من هَذَا الهذيان الْفَاسِد وَأَن يُقَال قتل الْجَانِي إِتْلَاف بِإِزَاءِ اتلاف وعدوان فِي مُقَابلَة عدوان فَيكون قبيحا لَوْلَا الشَّرْع فوازن بَين هَذَا وَبَين مَا شَرعه الله وَجعل مصَالح عبَادَة منوطة بِهِ وقولكم فِيهِ تَكْثِير الْمفْسدَة بإعدام النفسين فَيُقَال لَو اعطيتم رتب الْمصَالح والمفاسد حَقّهَا لم ترضوا بِهَذَا الْكَلَام الْفَاسِد فَإِن الشَّرَائِع وَالْفطر والعقول متفقة على تَقْدِيم الْمصلحَة الراحجة وعَلى ذَلِك قَامَ الْعَالم وَمَا نَحن فِيهِ كَذَلِك فَإِنَّهُ احْتِمَال لمفسده إِتْلَاف الْجَانِي إِلَى هَذِه الْمفْسدَة الْعَامَّة فَمن تحير عقله بَين هذَيْن المفسدتين فلفساد فِيهِ والعقلاء قاطبة متفقون على أَنه يحسن إِتْلَاف جُزْء لِسَلَامَةِ كل كَقطع الاصبع أَو الْيَد المتأكلة لِسَلَامَةِ سَائِر الْبدن وَلذَلِك يحسن الايلام لدفع إيلام أعظم مِنْهُ كَقطع الْعُرُوق وبط الْخراج وَنَحْوه فَلَو طرد الْعُقَلَاء قياسكم هَذَا الْفساد وَقَالُوا هَذَا إيلام مُحَقّق لدفع إيلام متوهم لفسد الْجَسَد جملَة وَلَا فرق عِنْد الْعُقُول بَين هَذَا وَبَين قياسكم فِي الْفساد
الْوَجْه السَّادِس وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم أَن مصلحَة الردع والزجر وإحياء النَّوْع أَمر متوهم كَلَام بَين فَسَاده بل هُوَ أَمر مُتَحَقق وُقُوعه عَادَة وَيدل عَلَيْهِ مَا نشاهده من الْفساد الْعَام عِنْد ترك الجناة والمفسدين وإهمالهم وَعدم الاخذ على ايديهم والمتوهم من زعم أَن ذَلِك موهوم وَهُوَ بِمَثَابَة من دهمه الْعَدو فَقَالَ لَا نعرض أَنْفُسنَا لمَشَقَّة قِتَالهمْ فَإِنَّهُ مفْسدَة متحققة وَأما استيلاؤهم على بِلَادنَا وَسَبْيهمْ ذرارينا وَقتل مقاتلنا فموهوم
فيا لَيْت شعري من الواهم المخطيء فِي وهمه وَنَظِيره أَيْضا أَن الرجل إِذا تبيغ بِهِ الدَّم وتضرر إِلَى اخراجه لَا يتَعَرَّض لشق جلده وَقطع عروقه لِأَنَّهُ ألم مُحَقّق لَا موهوم وَلَو اطرد هَذَا الْقيَاس الْفَاسِد لخرب الْعَالم وتعطلت الشَّرَائِع والاعتماد فِي طلب مصَالح الدَّاريْنِ وَدفع مفاسدهما مَبْنِيّ على هَذَا الَّذِي سميتموه أَنْتُم موهوما فالعمال فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا يتصرفون بِنَاء على الْغَالِب الْمُعْتَاد الَّذِي اطردت بِهِ الْعَادة وَإِن لم يجزموا بِهِ فَإِن الْغَالِب صدق الْعَادة واطرادها عِنْد قيام أَسبَابهَا فالتاجر يحمل مشقة السّفر فِي الْبر وَالْبَحْر بِنَاء على أَنه يسلم ويغنم فَلَو طرد هَذَا الْقيَاس الْفَاسِد وَقَالَ السّفر مشقة متحققة وَالْكَسْب مر موهوم لتعطلت أسفار النَّاس بِالْكُلِّيَّةِ وَكَذَلِكَ عُمَّال الْآخِرَة لَو قَالُوا تَعب الْعَمَل ومشقة
стр. 402
أَمر مُحَقّق وَحسن الخاتمة أَمر موهوم لعطلوا الْأَعْمَال جملَة وَكَذَلِكَ الاجراء والصناع والملوك والجند وكل طَالب امْر من الامور الدُّنْيَوِيَّة والأخروية لَوْلَا بِنَاؤُه على الْغَالِب وَمَا جرت بِهِ الْعَادة لما احْتمل الْمَشَقَّة المتيقنة لأمر منتظر وَمن هَاهُنَا قيل أَن إِنْكَار هَذِه المسئلة يسلتزم تَعْطِيل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة من وُجُوه مُتعَدِّدَة
الْوَجْه السَّابِع وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم ويعارضه معنى ثَالِث وراءهما فيفكر الْعقل فِي انواعه وشروط أُخْرَى وَرَاء مُجَرّد الانسانية من الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْعلم وَالْجهل والكمال وَالنَّقْص والقرابة والاجنبية فيتحير الْعقل كل التحير فَلَا بُد إِذا من شَارِع يفصل هَذِه الخطة ويعين قانونا يطرد عَلَيْهِ امْر الامة ويستقيم عَلَيْهِ مصالحهم
فَيُقَال لَا ريب أَن الشَّرَائِع تَأتي بِمَا لَا تستقل الْعُقُول بإدراكه فَإِذا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة اهْتَدَى الْعقل حِينَئِذٍ إِلَى وَجه حسن مأموره وقبح منهيه فسرته الشَّرِيعَة على وَجه الْحِكْمَة والمصلحة الباعثين اشرعه فَهَذَا مِمَّا لَا يُنكر وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا فِيهِ ان الشَّرَائِع تَأتي بمجازات الْعُقُول لَا بمحالات الْعُقُول وَنحن لم نَدع وَلَا عَاقل قطّ أَن الْعقل يسْتَقلّ بِجَمِيعِ تفاصيل مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة بِحَيْثُ لَو ترك وَحده لاهتدى إِلَى كل مَا جَاءَت بِهِ إِذا عرف هَذَا فغاية مَا ذكرْتُمْ أَن الشَّرِيعَة الْكَامِلَة اشْترطت فِي وجوب الْقصاص شُرُوطًا لَا يَهْتَدِي الْعقل إِلَيْهَا وَأي شَيْء يلْزم من هَذَا وماذا يقبح لكم ومنازعكم يسلمونه لكم وقولكم ان هَذَا معَارض للوصف الْمُقْتَضى لثُبُوت الْقصاص من قيام مصلحَة الْعَالم إِمَّا غَفلَة عَن الشُّرُوط الْمُعَارضَة وَإِمَّا إصْلَاح طَار سيم فِيهِ مَالا يَهْتَدِي الْعقل إِلَيْهِ من شُرُوط اقْتِضَاء الْوَصْف لموجبه مُعَارضَة فيالله الْعجب أَي مُعَارضَة هَا هُنَا إِذا كَانَ الْعقل والفطرة قد شَهدا بِحسن الْقَتْل قصاصا وانتظامه للْعَالم وتوقفا فِي اقْتِضَاء هَذَا الْوَصْف هَل يضم إِلَيْهِ شُرُوط آخر غَيره أم يَكْفِي بِمُجَرَّد وَفِي تعْيين تِلْكَ الشُّرُوط فَأدْرك الْعقل مَا اسْتَقل بإدراكه وَتوقف عَمَّا لَا يسْتَقلّ بإدراكه حَتَّى اهْتَدَى إِلَيْهِ بِنور الشَّرِيعَة يُوضح هَذَا
الْوَجْه الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ أَن مَا وَردت بِهِ الشَّرِيعَة فِي اصل الْقصاص وشروطه منقسم إِلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا مَا حسنه مَعْلُوم بِصَرِيح الْعقل الَّذِي لَا يستريب فِيهِ عَاقل وَهُوَ اصل الْقصاص وانتظام مصَالح الْعَالم بِهِ وَالثَّانِي مَا حسنه مَعْلُوم بِنَظَر الْعقل وفكره وتأمله فَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ إِلَّا الْخَواص وَهُوَ مَا اشْترط اقْتِضَاء هَذَا الْوَصْف أَو جعل تَابعا لَهُ فَاشْترط لَهُ الْمُكَافَأَة فِي الدّين وَهَذَا فِي غَايَة المراعاة للحكمة والمصلحة فَإِن الدّين هُوَ الَّذِي فرق بَين النَّاس فِي الْعِصْمَة وَلَيْسَ فِي حِكْمَة الله وَحسن شَرعه أَن يَجْعَل دم وليه وَعَبده وَأحب خلقه إِلَيْهِ وَخير بريته وَمن خلقه لنَفسِهِ واختصه بكرامته واهله لجواره فِي جنته والنطر إِلَى وَجهه وَسَمَاع كَلَامه فِي دَار كرامته كَدم عدوه وامقت خلقه عَلَيْهِ وَشر بريته والعادل بِهِ عَن عِبَادَته إِلَى عبَادَة الشَّيْطَان الَّذِي خلقه للنار وللطرود عَن بَابه والإبعاد عَن رَحمته وَبِالْجُمْلَةِ فحاشا حكمته أَن يسوى بَين دِمَاء خير الْبَريَّة وَدِمَاء شَرّ
стр. 403
الْبَريَّة فِي أَخذ هَذِه بِهَذِهِ سِيمَا وَقد أَبَاحَ لأوليائه دِمَاء أعدائه وجعلهم قرابين لَهُم وانما اقْتَضَت حكمته أَن يكفوا عَنْهُم إِذا صَارُوا تَحت قهرهم وإذلالهم كالعبيد لَهُم يؤدون إِلَيْهِم الْجِزْيَة الَّتِي هِيَ خراج رُؤْسهمْ مَعَ بَقَاء السَّبَب الْمُوجب لاباحة دِمَائِهِمْ وَهَذَا التّرْك والكف لَا يَقْتَضِي اسْتِوَاء الدمين عقلا وَلَا شرعا وَلَا مصلحَة وَلَا ريب أَن الدمين قبل الْقَهْر والإذلال لم يَكُونَا بمستويين لأجل الْكفْر فَأَي مُوجب لِاسْتِوَائِهِمَا بعد الاستذلال والقهر وَالْكفْر قَائِم بِعَيْنِه فَهَل فِي الْحِكْمَة وقواعد الشَّرِيعَة وموجبات الْعُقُول أَن يكون الإذلال والقهر للْكَافِرِ مُوجبا لمساواة دَمه لدم الْمُسلم هَذَا مِمَّا تأباه الْحِكْمَة والمصلحة والعقول وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى وكشف الغطاء وأوضح الْمُشكل بقوله الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ أَو قَالَ الْمُؤْمِنُونَ فعلق الْمُكَافَأَة بِوَصْف لَا يجوز إلغاؤه وإهداره وتعليقها بِغَيْرِهِ إِذْ يكون أبطالا لما اعْتَبرهُ الشَّارِع واعتبارا لما أبْطلهُ فَإِذا علق الْمُكَافَأَة بِوَصْف الْأَيْمَان كَانَ كتعليقه سَائِر الْأَحْكَام بالأوصاف كتعليق الْقطع بِوَصْف السّرقَة وَالرَّجم بِوَصْف الزِّنَا وَالْجَلد بِوَصْف الْقَذْف وَالشرب وَلَا فرق بَينهمَا أصلا فَكل من علق الْأَحْكَام بِغَيْر الْأَوْصَاف الَّتِي علقها بِهِ الشَّارِع كَانَ تَعْلِيقه مُنْقَطِعًا منصرما وَهَذَا مِمَّا اتّفق أَئِمَّة الْفُقَهَاء على صِحَّته فقد أدّى نظر الْعقل إِلَى أَن دم عَدو الله الْكَافِر لَا يُسَاوِي دم وليه وَلَا يكافيه أبدا وَجَاء الشَّرْع بِمُوجبِه فَأَي مُعَارضَة هَاهُنَا وَأي حيرة أَن هُوَ إِلَّا بَصِيرَة على بَصِيرَة وَنور على نور وَلَيْسَ هَذَا مَكَان اسْتِيعَاب الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة وانما الْغَرَض التَّنْبِيه على أَن فِي صَرِيح الْعقل الشَّهَادَة لما جَاءَ بِهِ الشَّرْع فِيهَا
فصل وَعكس هَذَا أَنه لم تشْتَرط الْمُكَافَأَة فِي علم وَجَهل وَلَا فِي كَمَال
وقبح وَلَا فِي شرف وضعة وَلَا فِي عقل وجنون وَلَا فِي أَجْنَبِيَّة وقرابة خلا الْوَالِد وَالْولد وَهَذَا من كَمَال الْحِكْمَة وَتَمام النِّعْمَة وَهُوَ فِي غَايَة الْمصلحَة إِذْ لَو روعيت هَذِه الْأُمُور لتعطلت مصلحَة الْقصاص إِلَّا فِي النَّادِر الْبعيد إِذْ قل أَن يَسْتَوِي شخصان من كل وَجه بل لَا بُد من التَّفَاوُت بَينهمَا فِي هَذِه الْأَوْصَاف أَو فِي بَعْضهَا فَلَو أَن الشَّرِيعَة جَاءَت بِأَن لَا يقْتَصّ إِلَّا من مكافئ من كل وَجه لفسد الْعَالم وَعظم الْهَرج وانتشر الْفساد وَلَا يجوز على عَاقل وضع هَذِه السياسة الجائرة وواضعها إِلَى السَّفه أقرب مِنْهُ إِلَى الْحِكْمَة فَلَا جرم أهدتك الشَّرَائِع إِلَى اعْتِبَار ذَلِك وَأما الْوَلَد وَالْوَالِد فَمنع من جَرَيَان الْقصاص بَينهمَا حَقِيقَة البعضية والجزئية الَّتِي بَينهمَا فان الْوَلَد جُزْء من الْوَالِد وَلَا يقْتَصّ لبَعض أَجزَاء الْإِنْسَان من بعض وَقد أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِك بقوله ﴿وَجعلُوا لَهُ من عباده جُزْءا﴾ وَهُوَ قَوْلهم الْمَلَائِكَة بَنَات الله فَدلَّ على أَن الْوَلَد جُزْء من الْوَالِد وعَلى هَذَا الأَصْل امْتنعت شَهَادَته لَهُ وقطعه بِالسَّرقَةِ من مَاله وَحده أَبَاهُ على قذفه وَعَن هَذَا الأَصْل ذهب كثير من السّلف وَمِنْهُم الْأَمَام أَحْمد وَغَيره إِلَى أَن لَهُ أَن يتَمَلَّك
стр. 404
مَا شَاءَ من مَال وَلَده وَهُوَ كالمباح فِي حَقه وَقد ذكرنَا هَذِه الْمَسْأَلَة مستقصاة بأدلتها وَبينا دلَالَة الْقُرْآن عَلَيْهَا من وُجُوه مُتعَدِّدَة فِي غير هَذَا الْموضع وَهَذَا المأخذ أحسن من قَوْلهم أَن الْأَب لما كَانَ هُوَ السَّبَب فِي أيجاد الْوَلَد فَلَا يكون الْوَلَد سَببا فِي إعدامه وَفِي الْمَسْأَلَة مَسْلَك آخر وَهُوَ مَسْلَك قوي جدا وَهُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ جعل فِي قلب الْوَالِد من الشَّفَقَة على وَلَده والحرص على حَيَاته مَا يوازي شفقته على نَفسه وحرصه على حَيَاة نَفسه وَرُبمَا يزِيد على ذَلِك فقد يُؤثر الرجل حَيَاة وَلَده على حَيَاته وَكَثِيرًا مَا يحرم الرجل نَفسه حظوظها ويؤثر بهَا وَلَده وَهَذَا الْقدر مَانع من كَونه يُرِيد إعدامه واهلاكه بل لَا يقْصد فِي الغلب إِلَّا تأديبه وعقوبته على إساءته فَلَا يَقع قَتله فِي الْأَغْلَب عَن قصد وتعمد بل عَن خطأ وَسبق يَد وَإِذا وَقع ذَلِك غَلطا الْحق بِالْقَتْلِ الَّذِي لم يقْصد بِهِ إزهاق النَّفس فأسباب التُّهْمَة والعداوة الحاملة على الْقَتْل لَا تكَاد تُوجد فِي الْآبَاء وان وجدت نَادرا فَالْعِبْرَة بِمَا اطردت عَلَيْهِ عَادَة الخليقة وَهنا للنَّاس طَرِيقَانِ
أَحدهمَا أَنا إِذا تحققنا التُّهْمَة وَقصد الْقَتْل والإزهاق بِأَن يضجعه ويذبحه مثلا أجرينا الْقصاص بَينهمَا لتحَقّق قصد الْجِنَايَة وَانْتِفَاء الْمَانِع من الْقصاص وَهَذَا قَول أهل الْمَدِينَة وَالثَّانِي أَنه لَا يجرى الْقصاص بِحَال وَأَن تحقق قصد الْقَتْل لمَكَان الْجُزْئِيَّة والبعضية الْمَانِعَة من الاقتصاص من بعض الْأَجْزَاء لبَعض وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين وَلَا يرد عَلَيْهِم قتل الْوَلَد لوالده وان كَانَ بعضه لِأَن الْأَب لم يخلق من نُطْفَة الابْن فَلَيْسَ الْأَب بِجُزْء لَهُ حَقِيقَة وَلَا حكما بِخِلَاف الْوَلَد فانه جُزْء حَقِيقَة وَلَيْسَ هَذَا مَوْضُوع استقصاء الْكَلَام على هَذِه الْمسَائِل إِذْ الْمَقْصُود بَيَان اشتمالها على الحكم والمصالح الَّتِي يُدْرِكهَا الْعقل وان لم يسْتَقلّ بهَا فَجَاءَت الشَّرِيعَة بهَا مقررة لما اسْتَقر فِي الْعقل إِدْرَاكه وَلَو من بعض الْوُجُوه وَبعد النُّزُول عَن هَذَا الْمقَام فأقصى مَا فِيهِ أَن يُقَال أَن الشَّرِيعَة جَاءَت بِمَا يعجز الْعقل عَن إِدْرَاكه لَا بِمَا يحيله الْعقل وَنحن لَا ننكر ذَلِك وَلَكِن لَا يلْزم مِنْهُ نفى الحكم والمصالح الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا الْأَفْعَال فِي ذواته وَالله أعلم
الْوَجْه الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم وَظهر بِهَذَا أَن الْمعَانِي المستنبطة رَاجِعَة إِلَى مُجَرّد استنباط الْعقل وَوضع الذِّهْن من غير أَن يكون الْفِعْل مُشْتَمِلًا عَلَيْهَا كَلَام فِي غَايَة الْفساد والبطلان لَا يرتضيه أهل الْعلم والأنصاف وتصوره حق التَّصَوُّر كَاف فِي الْجَزْم بِبُطْلَانِهِ من وُجُوه عديدة أَحدهَا أَن الْعقل والفطرة يَشْهَدَانِ بِبُطْلَانِهِ والوجود يكذبهُ فان أَكثر الْمعَانِي المستنبطة من الْأَحْكَام لَيست من أوضاع الأذهان الْمُجَرَّدَة عَن اشْتِمَال الْأَفْعَال عَلَيْهَا ومدعي ذَلِك فِي غَايَة المكابرة الَّتِي لَا تجدي عَلَيْهِ إِلَّا توهين الْمقَالة وَهَذِه الْمعَانِي المستنبطة من الْأَحْكَام مَوْجُودَة مَشْهُودَة يعلم الْعُقَلَاء أَنَّهَا لَيست من أوضاع الذِّهْن بل الذِّهْن أدْركهَا وَعلمهَا وَكَانَ نِسْبَة الذِّهْن إِلَى إِدْرَاكهَا كنسبة الْبَصَر إِلَى إِدْرَاك الألوان وَغَيرهَا وكنسبة
стр. 405
السّمع إِلَى إِدْرَاك الْأَصْوَات وكنسبة الذَّوْق إِلَى إِدْرَاك الطعوم والشم إِلَى إِدْرَاك الروائح فَهَل يسوغ لعاقل أَنا يدعى أَن هَذِه المدركات من أوضاع الْحَواس وَكَذَلِكَ الْعقل إِذا أدْرك مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْكَذِب والفجور وخراب الْعَالم وَالظُّلم واهلاك الْحَرْث والنسل وَالزِّنَا بالأمهات وَغير ذَلِك من القبائح وَأدْركَ مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الصدْق وَالْبر وَالْإِحْسَان وَالْعدْل وشكران الْمُنعم والعفة وَفعل كل جميل من الْحسن لم تكن تِلْكَ الْمعَانِي الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا هَذِه الْأَفْعَال مُجَرّد وضع الذِّهْن واستنباط الْعقل ومدعي ذَلِك مصاب فِي عقله فان الْمعَانِي الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا المنهيات الْمُوجبَة لتحريمها أُمُور ناشئة من الْأَفْعَال لَيست أوضاعا ذهنية والمعاني الَّتِي اشْتَمَلت عَلَيْهَا المأمورات الْمُوجبَة لحسنها لَيست مُجَرّد أوضاع ذهنية بل أُمُور حَقِيقِيَّة ناشئة من ذَوَات الْأَفْعَال ترَتّب آثارها عَلَيْهَا كترتب آثَار الْأَدْوِيَة والأغذية عَلَيْهَا وَمَا نَظِير هَذِه الْمقَالة إِلَّا مقَالَة من يزْعم أَن القوى والْآثَار المستنبطة من الأغذية والأدوية لَا حَقِيقَة لَهَا إِنَّمَا هِيَ أوضاع ذهنية وَمَعْلُوم أَن هَذَا بَاب من السفسطة فاعرض مَعَاني الشَّرِيعَة الْكُلية على عقلك وَانْظُر ارتباطها بأفعالها وتعلقها بهَا ثمَّ تَأمل هَل تجدها أمورا حَقِيقِيَّة تنشأ من الْأَفْعَال فَإِذا فعل الْفِعْل نَشأ مِنْهُ أَثَره أَو تجدها أوضاعا ذهنية لَا حَقِيقَة لَهَا وَإِذا أردْت معرفَة بطلَان الْمقَالة فكرر النّظر فِي أدلتها فأدلتها من أكبر الشواهد على بُطْلَانهَا بل الْعَاقِل يَسْتَغْنِي بأدلة الْبَاطِل عَن إِقَامَة الدَّلِيل على بُطْلَانه بل نفس دَلِيله هُوَ دَلِيل بُطْلَانه
الْوَجْه الثَّانِي أَن استنباط الْعُقُول وَوضع الأذهان لما لَا حَقِيقَة لَهُ من بَاب الخيالات والتقديرات الَّتِي لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا علم وَلَا مَعْلُوم وَلَا صَلَاح وَلَا فَسَاد إِذْ هِيَ خيالات مُجَرّدَة وأوهام مقدرَة كوضع الذِّهْن سَائِر مَا يَضَعهُ من المقدرات الذهنية وَمَعْلُوم أَن الْمعَانِي المستنبطة من الْأَحْكَام هِيَ من أجل الْمَعْلُوم ومعلومها من أشرف المعلومات وأنفعها للعباد وَهِي منشأ مصالحهم فِي معاشهم ومعادهم وترتب آثارها عَلَيْهَا مشهود فِي الْخَارِج مَعْقُول فِي الْفطر قَائِم فِي الْعُقُول فَكيف يدعى أَنه مُجَرّد وضع ذهني لَا حَقِيقَة لَهُ
الْوَجْه الثَّالِث أَن استنباط الذِّهْن لما يستنبطه من الْمعَانِي واعتقاده أَن الْأَفْعَال مُشْتَمِلَة عَلَيْهَا مَعَ كَون الْأَمر لَيْسَ كَذَلِك جهل مركب واعتقاد بَاطِل فانه إِذا اعْتقد أَن الْأَفْعَال مُشْتَمِلَة على تِلْكَ الْمعَانِي وَإِنَّهَا منشأها وَلَيْسَ كَذَلِك كَانَ اعتقادا للشَّيْء بِخِلَاف مَا هُوَ بِهِ وَهَذَا غَايَة الْجَهْل فَكيف يَدعِي هَذَا فِي اشرف الْعُلُوم وأزكاها وأنفعها وَأَعْظَمهَا متضمنا لمصَالح الْعباد فِي المعاش والمعاد وَهل هُوَ الا لب الشَّرِيعَة ومضمونها فَكيف يسوغ أَن يدعى فِيهَا هَذَا الْبَاطِل ويرمى بِهَذَا الْبُهْتَان
وَبِالْجُمْلَةِ فبطلان هَذَا القَوْل أظهر من أَن يتَكَلَّف رده وَلم يقل هَذَا القَوْل من شم للفقه رَائِحَة أصلا الْوَجْه التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ قَوْلكُم لَو كَانَت صِفَات نفسية للْفِعْل لزم من ذَلِك أَن تكون
стр. 406
الْحَرَكَة الْوَاحِدَة مُشْتَمِلَة على صِفَات متناقضة وأحوال متنافرة فَيُقَال وَمَا الَّذِي يحِيل أَن يكون الْفِعْل مُشْتَمِلًا على صفتين مختلفتين تَقْتَضِي كل مِنْهُمَا أثرا غير الْأَثر الآخر وَتَكون إِحْدَى الصفتين والأثرين أولى بِهِ وَتَكون مصْلحَته أرجح فَإِذا رتب على صفته الْأُخْرَى أَثَرهَا فَاتَت الْمصلحَة الراجحة الْمَطْلُوبَة شرعا وعقلا بل هَذَا هُوَ الْوَاقِع وَنحن نجد هَذَا حسا فِي قوى الأغذية والأدوية وَنَحْوهَا من صِفَات الْأَجْسَام الحسية المدركة بالحس فَكيف بِصِفَات الْأَفْعَال المدركة بِالْعقلِ وأمثلة ذَلِك فِي الشَّرِيعَة تزيد على الْألف فَهَذِهِ الصَّلَاة فِي وَقت النَّهْي فِيهَا مصلحَة تَكْثِير الْعِبَادَة وَتَحْصِيل الأرباح ومزيد الثَّوَاب والتقرب إِلَى رب الأرباب وفيهَا مفْسدَة المشابهة بالكفار فِي عبَادَة الشَّمْس وَفِي تَركهَا مصلحَة سد ذَرِيعَة الشّرك وفطم النُّفُوس عَن المشابهة للْكفَّار حَتَّى فِي وَقت الْعِبَادَة وَكَانَت هَذِه الْمفْسدَة أولى بِالصَّلَاةِ فِي أَوْقَات النَّهْي من مصلحتها فَلَو شرعت لما فِيهَا من الْمصلحَة لفاتت مصلحَة التّرْك وحصلت مفْسدَة المشابهة الَّتِي هِيَ أقوى من مصلحَة الصَّلَاة حِينَئِذٍ وَلِهَذَا كَانَت مصلحَة أَدَاء الْفَرَائِض فِي هَذِه الْأَوْقَات أرجح من مفْسدَة المشابهة بِحَيْثُ لما انغمرت هَذِه الْمفْسدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَرِيضَة لم يمْنَع مِنْهَا بِخِلَاف النَّافِلَة فان فِي فعلهَا فِي غير هَذِه الْأَوْقَات غنية عَن فعلهَا فِيهَا فَلَا تفوت مصلحتها فَيَقَع فعلهَا فِي وَقت النَّهْي مفْسدَة راجحة وَمن هَاهُنَا جوز كثير من الْفُقَهَاء ذَوَات الْأَسْبَاب فِي وَقت النَّهْي لترجح مصلحتها فَأَنَّهَا لَا تقضى وَلَا يُمكن تداركها وَكَانَت مفْسدَة تفويتها أرجح من مفْسدَة المشابهة الْمَذْكُورَة وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع استقصاء هَذِه الْمَسْأَلَة فَمَا الَّذِي يحِيل اشْتِمَال الْحَرَكَة الْوَاحِدَة على صِفَات مُخْتَلفَة بِهَذِهِ المثابة وَيكون بَعْضهَا أرجح من بعض فَيقْضى للراجح عقلا وَشرعا وعَلى هَذَا الْمِثَال مسَائِل عَامَّة للشريعة وَلَوْلَا إلاطالة لكتبنا مِنْهَا مَا يبلغ ألف مِثَال والعالم ينتبه بالجزئيات للقاعدة الْكُلية
الْوَجْه السِّتُّونَ قَوْلكُم وَلَيْسَ معنى قَوْلنَا أَن الْعقل استنبط مِنْهَا أَنَّهَا كَانَت مَوْجُودَة فِي الشَّيْء فاستخرجها الْعقل بل الْعقل تردد بَين إضافات الْأَحْوَال بَعْضهَا إِلَى بعض وَنسب الحركات والأشخاص نوعا إِلَى نوع وشخصا إِلَى شخص فطرأ عَلَيْهِ من تِلْكَ الْمعَانِي مَا حكيناه وَرُبمَا يبلغ مبلغا يشذ عَن الإحصاء فَعرف أَن الْمعَانِي لم ترجع إِلَى الذَّات بل إِلَى مُجَرّد الخواطر وَهِي متعارضة فَيُقَال يَا عجبا لعقل يروج عَلَيْهِ مثل هَذَا الْكَلَام ويبنى عَلَيْهِ هَذِه الْقَاعِدَة الْعَظِيمَة وَذَلِكَ بِنَاء على شفا جرف هار وَقد تقدم مَا يكفى فِي بطلَان هَذَا الْكَلَام ونزيدها هُنَا أَنه كَلَام فَاسد لفظا وَمعنى فان الاستنباط هُوَ اسْتِخْرَاج الشَّيْء الثَّابِت الْخَفي الَّذِي لَا يعثر عَلَيْهِ كل أحد وَمِنْه استنباط المَاء وَهُوَ استخراجه من مَوْضِعه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول والى أولى المر مِنْهُم لعلمه الَّذِي يستنبطونه مِنْهُم أَي يستخرجون حَقِيقَته وتدبيره بفطنهم وذكائهم وَإِيمَانهمْ ومعرفتهم بمواطن الْأَمْن وَالْخَوْف
стр. 407
وَلَا يَصح معنى إِلَّا فِي شَيْء ثَابت لَهُ حَقِيقَة خُفْيَة يستنبطها الذِّهْن ويستخرجها فَأَما مَا لَا حَقِيقَة لَهُ فانه مُجَرّد ذهنه فَلَا استنباط فِيهِ بِوَجْه وَأي شَيْء يستنبط مِنْهُ وانما هُوَ تَقْدِير وَفرض وَهَذَا لَا يُسمى استنباطا فِي عقل وَلَا لُغَة وَحِينَئِذٍ فيقلب الْكَلَام عَلَيْكُم وَيكون من يقلبه أسعد بِالْحَقِّ مِنْكُم فَنَقُول وَلَيْسَ معنى قَوْلنَا أَن الْعقل استنبط من تِلْكَ الْأَفْعَال أَن ذَلِك مُجَرّد خواطر طارئة وانما مَعْنَاهُ أَنَّهَا كَانَت مَوْجُودَة فِي الْأَفْعَال فاستخرجها الْعقل باستنباطه كَمَا يسْتَخْرج المَاء الْمَوْجُود من الأَرْض باستنباطه وَمَعْلُوم أَن هَذَا هُوَ الْمَعْقُول المطابق لِلْعَقْلِ واللغه وَمَا ذكرتموه فخارج عَن الْعقل واللغة جَمِيعًا فَعرف أَنه لَا يَصح معنى الاستنباط إِلَّا لشَيْء مَوْجُود يَسْتَخْرِجهُ الْعقل ثمَّ ينْسب إِلَيْهِ أَنْوَاع تِلْكَ الْأَفْعَال وأشخاصها فان كَانَ أولى بِهِ حكم لَهُ بالاقتضاء والتأثير وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُول وَهُوَ الَّذِي يعرضه الْفُقَهَاء والمتكلمون على مناسبات الشَّرِيعَة وأوصافها وعللها الَّتِي ترْبط بهَا الْأَحْكَام فَلَو ذهب هَذَا من أَيْديهم لَا نسد عَلَيْهِم بَاب الْكَلَام فِي الْقيَاس والمناسبات وَالْحكم واستخراج مَا تضمنته الشَّرِيعَة من ذَلِك وَتَعْلِيق الْأَحْكَام بأوصافها الْمُقْتَضِيَة لَهَا إِذا كَانَ مرد الْأَمر بزعمكم إِلَى مُجَرّد خواطر طارئة على الْعقل وَمُجَرَّد وضع الذِّهْن وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل وَأبين الْمحَال وَلَقَد أنصفكم خصومكم فِي ادعائهم عَلَيْكُم لَازم هَذَا الْمَذْهَب وَقَالُوا لَو رفع الْحسن والقبح من الْأَفْعَال الإنسانية إِلَى مُجَرّد تعلق الْخطاب بهَا لبطلت الْمعَانِي الْعَقْلِيَّة الَّتِي تستنبط من الْأُصُول الشَّرْعِيَّة فَلَا يُمكن أَن يُقَاس فعل على فعل وَلَا قَول على قَول وَلَا يُمكن أَن يُقَال لم كَانَ كَذَا أذلا تَعْلِيل للذوات وَلَا صِفَات للأفعال هِيَ عَلَيْهَا فِي نفس الْأَمر حَتَّى ترتبط بهَا الْأَحْكَام وَذَلِكَ رفع للشرائع بِالْكُلِّيَّةِ من حَيْثُ إِثْبَاتهَا لَا سِيمَا والتعلق أَمر عدمي وَلَا معتنى لحسن الْفِعْل أَو قبحه إِلَّا التَّعَلُّق العدمي بَينه وَبَين الْخطاب فَلَا حسن فِي الْحَقِيقَة وَلَا قبح لَا شرعا وَلَا عقلا لَا سِيمَا إِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك نفى فعل العَبْد واختياره بِالْكُلِّيَّةِ وَأَنه مجبوب مَحْض فَهَذَا فعله وَذَلِكَ صفة فعله فَلَا فعل لَهُ وَلَا وصف لقَوْله الْبَتَّةَ فَأَي تَعْطِيل وَرفع للشرائع أَكثر من هَذَا فَهَذَا إلزامهم لكم كَمَا أَنكُمْ الزمتموهم نَظِير ذَلِك فِي نفي صفة الْكَلَام وأنصفتموهم فِي الْإِلْزَام الْوَجْه الْحَادِي وَالسِّتُّونَ قَوْلكُم لَو ثَبت الْحسن والقبح العقليين لتَعلق بهما الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم شَاهدا وغائبا وَاللَّازِم محَال فالملزوم كَذَلِك إِلَى آخِره فَنَقُول الْكَلَام هَاهُنَا فِي مقامين أَحدهمَا فِي التلازم الْمَذْكُور بَين الْحسن والقبح العقليين وَبَين الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم غَائِبا وَالثَّانِي فِي انْتِفَاء اللَّازِم وثبوته فَأَما الْمقَام الأول فلمثبتي الْحسن والقبح طَرِيقَانِ أَحدهمَا ثُبُوت التلازم وَالْقَوْل باللازم وَهَذَا القَوْل هُوَ الْمَعْرُوف عَن الْمُعْتَزلَة وَعَلِيهِ يناظرون وَهُوَ القَوْل الَّذِي نصب خصومهم الْخلاف مَعَهم فِيهِ وَالْقَوْل الثَّانِي إِثْبَات الْحسن والقبح فانهم يَقُولُونَ بإثباته ويصرحون بِنَفْي الْإِيجَاب قبل الشَّرْع على العَبْد وبنفي
стр. 408
أيجاب الْعقل على الله شَيْئا الْبَتَّةَ كَمَا صرح بِهِ كثير من الْحَنَفِيَّة والحنابلة كَأبي الْخطاب وَغَيره وَالشَّافِعِيَّة كسعد بن عَليّ الزنجاني الْأَمَام الْمَشْهُور وَغَيره ولهؤلاء فِي نفي الْإِيجَاب الْعقلِيّ من الْمعرفَة بِاللَّه وثبوته خلاف فالأقوال إِذا أَرْبَعَة لَا مزِيد عَلَيْهَا
أَحدهَا نفي الْحسن والقبح وَنفي الْإِيجَاب الْعقلِيّ فِي العمليات دون العلميات كالمعرفة وَهَذَا اخْتِيَار أبي الْخطاب وَغَيره فَعرف أَنه لَا تلازم بَين الْحسن والقبح وَبَين الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم العقليين فَهَذَا أحد المقامين
وَأما الْمقَام الثَّانِي وَهُوَ انْتِفَاء اللَّازِم وثبوته فللناس فِيهِ هَهُنَا ثَلَاثَة طرق
أَحدهمَا الْتِزَام ذَلِك وَالْقَوْل بِالْوُجُوب وَالتَّحْرِيم العقليين شَاهدا وغائبا وَهَذَا قَول الْمُعْتَزلَة وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ بترتب الْوُجُوب شَاهدا وبترتب الْمَدْح والذم عَلَيْهِ وَأما الْعقَاب فَلهم فِيهِ اخْتِلَاف وتفصيل وَمن أثْبته مِنْهُم لم يُثبتهُ على الْوُجُوب الثَّابِت بعد الْبعْثَة وَلَكنهُمْ يَقُولُونَ أَن الْعَذَاب الثَّابِت بعد الْإِيجَاب الشَّرْعِيّ نوع آخر غير الْعَذَاب الثَّابِت على الْإِيجَاب الْعقلِيّ وَبِذَلِك يجيبون عَن النُّصُوص النافية للعذاب قبل الْبعْثَة وَأما الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم العقليان غَائِبا فهم مصرحون بهما ويفسرون ذَلِك باللزوم الَّذِي أوجبته حكمته وحرمته وَأَنه يَسْتَحِيل عَلَيْهِ خِلَافه كَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْحَاجة وَالنَّوْم والتعب واللغوب فَهَذَا معنى الْوُجُوب والامتناع فِي حق الله عِنْدهم فَهُوَ وجوب اقتضته ذَاته وحكمته وغناه وَامْتِنَاع يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الاتصاف بِهِ لمنافاته كَمَاله لَهُ وغناه قَالُوا وَهَذَا فِي الْأَفْعَال نَظِير مَا يَقُولُونَهُ فِي الصِّفَات أَنه يجب لَهُ كَذَا وَيمْتَنع عَلَيْهِ كَذَا فقولنا نَحن فِي الْأَفْعَال نَظِير قَوْلكُم فِي الصافت مَا يجب لَهُ مِنْهَا وَمَا يمْتَنع كليه فَكَمَا أَن ذَلِك وجوب وَامْتِنَاع ذاتي يَسْتَحِيل عَلَيْهِ خِلَافه فَهَكَذَا مَا تَقْتَضِيه حكمته وتأباه وجوب وَامْتِنَاع يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْإِخْلَال بِهِ وان كَانَ مَقْدُورًا لَهُ لكنه لَا يخل بِهِ لكَمَال حكمته وَعلمه وغناه والفرقة الثَّانِيَة منعت ذَلِك جملَة وأحالت القَوْل بِهِ وجوزت على الرب تَعَالَى كل شَيْء مُمكن وَردت الإحالة والامتناع فِي أَفعاله إِلَى غير الْمُمكن من المحالات كالجمع بَين النقيضين وبابه فقابلوا الْمُعْتَزلَة أَشد مُقَابلَة واقتسما طرفِي الإفراط والتفريط ورد هَؤُلَاءِ الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم الَّذِي جَاءَت بِهِ النُّصُوص إِلَى مُجَرّد صدق الْمُخَير فَمَا أخبر بِأَنَّهُ يكون فَهُوَ وَاجِب لتصديق الْعلم لمعلومه والمخبر لخبره وَقد يفسرون التَّحْرِيم بالامتناع عقلا كتحريم الظُّلم على نَفسه فانهم يفسرون الظُّلم بالمستحيل لذاته كالجمع بَين النقيضين وَلَيْسَ عِنْدهم فِي الْمَقْدُور شَيْء هُوَ ظلم يتنزه الله عَنهُ مَعَ قدرته عَلَيْهِ لغناه وحكمته وعدله فَهَذَا قَول هَؤُلَاءِ والفرقة الثَّالِثَة هم الْوسط بَين هَاتين الْفرْقَتَيْنِ فان الْفرْقَة الأولى أوجبت على الله شَرِيعَة بعقولها وَحرمت عَلَيْهِ وأوجبت مَا لم يحرمه على نَفسه وَلم يُوجِبهُ على نَفسه والفرقة الثَّانِيَة جوزت عَلَيْهِ مَا يتعالى ويتنزه عَنهُ لمنافاته حكمته وحمده وكماله والفرقة الْوسط أَثْبَتَت لَهُ مَا أثْبته لنَفسِهِ من الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم الَّذِي هُوَ مُقْتَضى
стр. 409
أَسْمَائِهِ وَصِفَاته الَّذِي لَا يَلِيق بِهِ نسبته إِلَى ضِدّه لِأَنَّهُ مُوجب كَمَاله وحكمته وعدله وَلم تدخله تَحت شَرِيعَة وَضَعتهَا بعقولها كَمَا فعلت الْفرْقَة الأولى وَلم يجوز عَلَيْهِ مَا نزه نَفسه عَنهُ كَمَا فعلته الْفرْقَة الثَّانِيَة قَالَت الْفرْقَة الْوسط قد أخبر تَعَالَى أَنه حرم الظُّلم على نَفسه كَمَا قَالَ على لِسَان رَسُوله يَا عبَادي أَنى حرمت الظُّلم على نَفسِي وَقَالَ ﴿وَلَا يظلم رَبك أحدا﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا يظْلمُونَ فتيلا﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾ فَأخْبر عَن تَحْرِيمه على نَفسه وَنفى عَن نَفسه فعله وارادته وَلِلنَّاسِ فِي تَفْسِير هَذَا الظُّلم ثَلَاثَة أَقْوَال بِحَسب أصولهم وقواعدهم أَحدهَا أَن الظُّلم الَّذِي حرمه وتنزه عَن فعله وارادته هُوَ نَظِير الظُّلم من الْآدَمِيّين بَعضهم لبَعض وشبهوه فِي الْأَفْعَال مَا يحسن مِنْهُمَا وَمَا لَا يحسن بعباده فضر بواله من قبل أنفسهم الْأَمْثَال وصاروا بذلك مشبهة ممثلة فِي الْأَفْعَال فامتنعوا من إِثْبَات الْمثل الْأَعْلَى الَّذِي أثْبته لنَفسِهِ ثمَّ ضربوا لَهُ الْأَمْثَال ومثلوه فِي أَفعاله بخلقه كَمَا أَن الْجَهْمِية المعطلة امْتنعت من إِثْبَات الْمثل الْأَعْلَى الَّذِي أثْبته لنَفسِهِ ثمَّ ضربوا لَهُ الْأَمْثَال ومثلوه فِي صِفَاته بالجمادات النَّاقِصَة بل بالمعدومات وَأهل السّنة نزهوه عَن هَذَا وَهَذَا وأثبتوا لَهُ مَا أثْبته لنَفسِهِ من صِفَات الْكَمَال ونزهوه فِيهَا عَن الشّبَه والمثال فأثبتوا لَهُ الْمثل الْأَعْلَى وَلم يضْربُوا لَهُ الْأَمْثَال فَكَانُوا أسعد الطوائف بمعرفته وأحقهم بِالْإِيمَان بِهِ وبولايته ومحبته وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء ثمَّ الْتزم أَصْحَاب هَذَا التَّفْسِير عَنهُ من اللوازم الْبَاطِلَة مَا لَا قبل لَهُم بِهِ
قَالُوا عَن هَذَا التَّفْسِير الْبَاطِل أَنه تَعَالَى إِذا أَمر العَبْد وَلم يعنه بِجَمِيعِ مقدوره تَعَالَى من وُجُوه الْإِعَانَة كَانَ ظَالِما لَهُ والتزموا لذَلِك أَنه لَا يقدر أَن يهدي ضَالًّا كَمَا قَالُوا أَنه لَا يقدر أَن يضل مهتديا وَقَالُوا عَنهُ أَيْضا أَنه إِذا أَمر اثْنَيْنِ بِأَمْر وَاحِد وَخص أَحدهمَا بإعانته على فعل الْمَأْمُور بِهِ كَانَ ظَالِما وَقَالُوا عَنهُ أَيْضا أَنه إِذا اشْترك اثْنَان فِي ذَنْب يُوجب الْعقَاب فعاقب بِهِ أَحدهمَا وَعفى عَن الآخر كَانَ ظَالِما إِلَى غير ذَلِك من اللوازم الْبَاطِلَة الَّتِي جعلُوا لأَجلهَا ترك تسويته بَين عباده فِي فَضله وإحسانه ظلما فعارضهم أَصْحَاب التَّفْسِير الثَّانِي وَقَالُوا الظُّلم المنزه عَنهُ فِي الْأُمُور الممتنعة لذاتها فَلَا يجوز أَن يكون مَقْدُورًا وَلَا أَنه تَعَالَى تَركه بمشيئته واختياره وانما هُوَ من بَاب الْجمع بَين الضدين وَجعل الْجِسْم الْوَاحِد فِي مكانين وقلب الْقَدِيم مُحدثا والمحدث قَدِيما وَنَحْو ذَلِك وَألا فَكل مَا يقدره الذِّهْن وَكَانَ وجوده مُمكنا والرب قَادر عَلَيْهِ فَلَيْسَ بظُلْم سَوَاء فعله أَو لم يَفْعَله وتلقى هَذَا القَوْل عَنْهُم طوائف من أهل الْعلم وفسروا الحَدِيث بِهِ وأسندوا ذَلِك وقووه بآيَات وآثار زَعَمُوا أَنَّهَا تدل عَلَيْهِ كَقَوْلِه ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك﴾ يَعْنِي لم تتصرف فِي غير ملكك بل أَن عذبت عذبت من تملك وعَلى هَذَا فجوزوا تَعْذِيب كل عبد لَهُ وَلَو كَانَ محسنا وَلم
стр. 410
يرَوا ذَلِك ظلما بقوله تَعَالَى ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَبقول النَّبِي أَن الله لَو عذب أهل سماواته وَأهل أرضه لعذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَبِقَوْلِهِ فِي دُعَاء الْهم والحزن اللَّهُمَّ أَنى عَبدك وَابْن عَبدك مَاض فِي حكمك عدل فِي قضاؤك وَبِمَا روى عَن اياس بن مُعَاوِيَة قَالَ مَا ناظرت بعقلي كُله أحدا إِلَّا الْقَدَرِيَّة قلت لَهُم مَا الظُّلم قَالُوا أَن تَأْخُذ مَا لَيْسَ لَك أَو أَن تتصرف فِيمَا لَيْسَ لَك قلت فَللَّه كل شَيْء وَالْتزم هَؤُلَاءِ عَن هَذَا القَوْل لَوَازِم بَاطِلَة كَقَوْلِهِم أَن الله تَعَالَى يجوز عَلَيْهِ أَن يعذب أنبياءه وَرُسُله وَمَلَائِكَته وأولياءه وَأهل طَاعَته ويخلدهم فِي الْعَذَاب اليم وَيكرم أعداءه من الْكفَّار وَالْمُشْرِكين وَالشَّيَاطِين ويخصهم بجنته وكرامته وَكِلَاهُمَا عدل وَجَائِز عَلَيْهِ وَأَنه يعلم أَنه لَا يفعل ذَلِك بِمُجَرَّد خَبره فَصَارَ مُمْتَنعا لإخباره أَنه لَا يَفْعَله لَا لمنافاته حكمته وَلَا فرق بَين المرين بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَلَكِن أَرَادَ هَذَا وَأخْبر بِهِ وَأَرَادَ الآخر وَأخْبر بِهِ فَوَجَبَ هَذَا لارادته وَخَبره وَامْتنع ضِدّه لعدم إِرَادَته واختياره بِأَن لَا يكون والتزموا لَهُ أَيْضا أَنه يجوز أَن يعذب الْأَطْفَال الَّذين لَا ذَنْب لَهُم أصلا ويخلدهم فِي الْجَحِيم وَرُبمَا قَالُوا بِوُقُوع ذَلِك فَأنْكر على الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا أَصْحَاب التَّفْسِير الثَّالِث وَقَالُوا الصَّوَاب الَّذِي دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص أَن الظُّلم الَّذِي حرمه الله على نَفسه وتنزه عَنهُ فعلا وارادة هُوَ مَا فسره بِهِ سلف الْأمة وأئمتها أَنه لَا يحمل الْمَرْء سيئات غَيره وَلَا يعذب بِمَا لم تكسب يَدَاهُ وَلم يكن سعى فِيهِ وَلَا ينقص من حَسَنَاته فَلَا يجازي بهَا أَو بِبَعْضِهَا إِذا قارنها أَو طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يَقْتَضِي إِبْطَالهَا أَو اقتصاص المظلومين مِنْهَا وَهَذَا الظُّلم الَّذِي نفى الله تَعَالَى خَوفه عَن العَبْد بقوله ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات وَهُوَ مُؤمن فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما﴾ قَالَ السّلف والمفسرون لَا يخَاف أَن يحمل عَلَيْهِ من سيئات غَيره وَلَا ينقص من حَسَنَاته مَا يتَحَمَّل فَهَذَا هُوَ الْعُقُول من الظُّلم وَمن عدم خَوفه وَأما الْجمع بَين النقيضين وقلب الْقَدِيم مُحدثا والمحدث قَدِيما فمما يتنزه كَلَام آحَاد الْعُقَلَاء عَن تَسْمِيَته ظلما وَعَن نفي خَوفه عَن العَبْد فَكيف بِكَلَام رب الْعَالمين وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا هم الظَّالِمين﴾ فنفى أَن يكون تعذيبه لَهُم ظلما ثمَّ أخبر أَنهم هم الظَّالِمُونَ بكفرهم وَلَو كَانَ الظُّلم الْمَنْفِيّ هُوَ الْمحَال لم يحسن مُقَابلَة قَوْله وَمَا ظلمناهم بقوله وَلَكِن كَانُوا هم الظَّالِمين بل يَقْتَضِي الْكَلَام أَن يُقَال مَا ظلمناهم وَلَكِن تصرفنا فِي ملكنا وعبيدنا فَلَمَّا نفى الظُّلم عَن نَفسه وأثبته لَهُم دلّ على أَن الظُّلم الْمَنْفِيّ أَن يعذبهم بِغَيْر جرم وَأَنه إِنَّمَا عذبهم بجرمهم وظلمهم وَلَا تحْتَمل الْآيَة غير هَذَا وَلَا يجوز تَحْرِيف كَلَام الله لنصر المقالات وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا يظْلمُونَ نقيرا﴾ وَلَا ريب أَن هَذَا مَذْكُور فِي سِيَاق التحريض على الْأَعْمَال الصَّالِحَة والاستكثار مِنْهَا فان صَاحبهَا يَجْزِي بهَا
стр. 411
وَلَا ينقص مِنْهَا بذرة وَلِهَذَا يُسمى تَعَالَى موفيه كَقَوْلِه ﴿وَإِنَّمَا توفون أجوركم يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَقَوله ﴿ووفيت كل نفس مَا عملت وَهُوَ أعلم بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ فَترك الظُّلم هُوَ الْعدْل لافعل كل مُمكن وعَلى هَذَا قَامَ الْحساب وَوضع الموازين الْقسْط ووزنت الْحَسَنَات والسيئات وتفاوتت الدَّرَجَات العلى بِأَهْلِهَا والدركات السُّفْلى بِأَهْلِهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ أَي لَا يضيع جَزَاء من أحسن وَلَو بمثقال ذرة فَدلَّ على أَن اضاعتها وَترك المجازاة بهَا مَعَ عدم مَا يُبْطِلهَا ظلم يتعالى الله عَنهُ وَمَعْلُوم أَن ترك المجازاة عَلَيْهَا مَقْدُور يتنزه الله عَنهُ لكَمَال عدله وحكمته وَلَا تحْتَمل الْآيَة قطّ غير مَعْنَاهَا الْمَفْهُوم مِنْهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ أَي لَا يُعَاقب العَبْد بِغَيْر إساءة وَلَا يحرمه ثَوَاب إحسانه وَمَعْلُوم أَن ذَلِك مَقْدُور لَهُ تَعَالَى وَهُوَ نَظِير قَوْله ﴿أم لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وفى أَلا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ فَأخْبر انه لَيْسَ على أحد فِي وزر غَيره شَيْء
وَأَنه لَا يسْتَحق إِلَّا مَا سعاه وَأَن هَذَا هُوَ الْعدْل الَّذِي نزه نَفسه عَن خِلَافه ﴿وَقَالَ الَّذِي آمن يَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم مثل يَوْم الْأَحْزَاب مثل دأب قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾ بَين أَن هَذَا الْعقَاب لم يكن ظلما من الله للعباد بل لذنوبهم واستحقاقهم وَمَعْلُوم أَن الْمحَال الَّذِي لَا يُمكن وَلَا يكون مَقْدُورًا أصلا لَا يصلح أَن يمدح الممدوح بِعَدَمِ إِرَادَته وَلَا فعله وَلَا يحمد على ذَلِك وانما يكون الْمَدْح بترك الْأَفْعَال لمن هُوَ قَادر عَلَيْهَا وَأَن يتنزه عَنْهَا لكماله وغناه وحمده وعَلى هَذَا يتم قَوْله أَنى حرمت الظُّلم على نَفسِي وَمَا شاكله من النُّصُوص فاما أَن يكون الْمَعْنى أَنى حرمت على نَفسِي مَا لَا حَقِيقَة لَهُ وَمَا لَيْسَ بممكن مثل خلق مثلى وَمثل جعل الْقَدِيم مُحدثا والمحدث قَدِيما وَنَحْو ذَلِك من المحالات وَيكون الْمَعْنى أَنى أخْبرت عَن نَفسِي بِأَن مَا لَا يكون مَقْدُورًا لَا يكون منى فَهَذَا مِمَّا يتَيَقَّن الْمنصف أَنه لَيْسَ مرَادا فِي اللَّفْظ قطعا وَأَنه يجب تَنْزِيه كَلَام الله وَرَسُوله عَن حَملَة على مثل ذَلِك قَالُوا وَأما استدلالكم بِتِلْكَ النُّصُوص الدَّالَّة على أَنه سُبْحَانَهُ أَن عذبهم فانهم عباده وَأَنه غير ظَالِم لَهُم وَأَنه لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وَأَن قَضَاءَهُ فيهم عدل بمناظرة اياس للقدرية فَهَذِهِ النُّصُوص وأمثالها كلهَا حق يجب القَوْل بموجبها وَلَا تحرف مَعَانِيهَا وَالْكل من عِنْد الله وَلَكِن أَي دَلِيل فِيهَا يدل على أَنه تَعَالَى يجوز عَلَيْهِ أَن يعذب أهل طَاعَته وينعم أهل مَعْصِيَته وَأَنه يعذب بِغَيْر جرم وَيحرم المحسن جَزَاء عمله وَنَحْو ذَلِك بل كلهَا متفقة مُتَطَابِقَة دَالَّة على كَمَال الْقُدْرَة وَكَمَال الْعدْل وَالْحكمَة فالنصوص الَّتِي ذَكرنَاهَا تَقْتَضِي كَمَال عدله وحكمته وغناه وَوَضعه الْعقُوبَة وَالثَّوَاب مواضعهما وَأَنه لَا يعدل بهما عَن سُنَنهمَا والنصوص الَّتِي ذكرتموها تَقْتَضِي كَمَال قدرته وانفراده بالربوبية وَالْحكم وَأَنه لَيْسَ فَوْقه آمُر وَلَا ناه يتعقب أَفعاله بسؤال وَأَنه
стр. 412
لَو عذب أهل سماواته وأرضه لَكَانَ ذَلِك تعذيبا لحقه عَلَيْهِم وَكَانُوا إِذْ ذَاك مستحقين للعذاب لِأَن أَعْمَالهم لَا تفي بنجاتهم كَمَا قَالَ النَّبِي لن يُنجى أحدا مِنْكُم عمله قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل فرحمته لَهُم لَيست فِي مُقَابلَة أَعْمَالهم وَلَا هِيَ ثمنا لَهَا فَإِنَّهَا خير مِنْهَا كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث نَفسه وَلَو رَحِمهم لكَانَتْ رَحمته لَهُم خيرا لَهُم من أَعْمَالهم أَي فَجمع بَين الْأَمريْنِ فِي الحَدِيث أَنه لَو عذبهم لعذبهم باستحقاقهم وَلم يكن ظَالِما لَهُم وَأَنه لَو رَحِمهم لَكَانَ ذَلِك مُجَرّد فَضله وَكَرمه لَا بأعمالهم إِذْ رَحمته خير من أَعْمَالهم فصلوات الله وَسَلَامه على من خرج هَذَا الْكَلَام أَولا من شَفَتَيْه فانه أعرف الْخلق بِاللَّه وبحقه وأعلمهم بِهِ وبعدله وفضله وحكمته وَمَا يسْتَحقّهُ على عباده وطاعات العَبْد كلهَا لَا تكون مُقَابلَة لنعم الله عَلَيْهِم وَلَا مُسَاوِيَة لَهَا بل وَلَا للقليل مِنْهَا فَكيف يسْتَحقُّونَ بهَا على الله النجَاة وَطَاعَة الْمُطِيع لَا نِسْبَة لَهَا إِلَى نعْمَة من نعم الله عَلَيْهِ فَتبقى سَائِر النعم تتقاضاه شكرا وَالْعَبْد لَا يقوم بمقدوره الَّذِي يجب لله عَلَيْهِ فَجَمِيع عباده تَحت عَفوه وَرَحمته وفضله فَمَا نجا مِنْهُم أحدا إِلَّا بعفوه ومغفرته وَلَا فَازَ بِالْجنَّةِ إِلَّا بفضله وَرَحمته وَإِذا كَانَت هَذِه حَال الْعباد فَلَو عذبهم لعذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم لَا لكَونه قَادِرًا عَلَيْهِم وهم ملكه بل لاستحقاقهم وَلَو رَحِمهم لَكَانَ ذَلِك بفضله لَا بأعمالهم
وَأما قَوْله فانهم عِبَادك فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ أَنَّك قَادر عَلَيْهِم مَالك لَهُم وَأي مدح فِي هَذَا وَلَو قلت لشخص أَن عذبت فلَانا فانك قَادر على ذَلِك أَي مدح يكون فِي ذَلِك بل فِي ضمن ذَلِك الْأَخْبَار بغاية الْعدْل وَأَنه تَعَالَى أَن عذبهم فانهم عباده الَّذين أنعم عَلَيْهِم بإيجادهم وخلقهم ورزقهم وإحسانه إِلَيْهِم لَا بوسيلة مِنْهُم وَلَا فِي مُقَابلَة بذل بذلوه بل ابتدأهم بنعمه وفضله فَإِذا عذبهم بعد ذَلِك وهم عبيده لم يعذبهم إِلَّا بجرمهم واستحقاقهم وظلمهم فان من أنعم عَلَيْهِم ابْتِدَاء بجلائل النعم كَيفَ يعذبهم بِغَيْر اسْتِحْقَاق أعظم النقم
وَفِيه أَيْضا أَمر آخر ألطف من هَذَا وَهُوَ أَن كَونهم عباده يَقْتَضِي عِبَادَته وَحده وتعظيمه واجلاله كَمَا يجل العَبْد سَيّده ومالكه الَّذِي لَا يصل إِلَيْهِ نفع إِلَّا على يَده وَلَا يدْفع عَنهُ ضرا إِلَّا هُوَ فَإِذا كفرُوا بِهِ أقبح الْكفْر وأشركوا بِهِ أعظم الشّرك ونسبوه إِلَى كل نقيصة مِمَّا تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا كَانُوا أَحَق عباده وأولاهم بِالْعَذَابِ وَالْمعْنَى هم عِبَادك الَّذين أشركوا بك وَعدلُوا بك وجحدوا حَقك فهم عباد مستحقون للعذاب وَفِيه أَمر آخر أَيْضا لَعَلَّه ألطف مِمَّا قبله وَهُوَ أَن تُعَذبهُمْ فانهم عِبَادك وشأن السَّيِّد المحسن الْمُنعم أَن يتعطف على عَبده ويرحمه ويحنو عَلَيْهِ فَإِن عذبت هَؤُلَاءِ وهم عبيدك لَا تُعَذبهُمْ إِلَّا باستحقاقهم وإجرامهم وَألا فَكيف يشقى العَبْد بسيده وَهُوَ مُطِيع لَهُ مُتبع لمرضاته فَتَأمل هَذِه الْمعَانِي ووازن بَينهَا وَبَين قَوْله من يَقُول أَن تُعَذبهُمْ فَأَنت الْملك الْقَادِر وهم
стр. 413
المملوكون المربوبون وانما تصرفت فِي ملكك من غير أَن يكون قَامَ بهم سَبَب الْعَذَاب فان الْقَوْم نفاة الْأَسْبَاب وَعِنْدهم أَن كفر الْكَافرين وشركهم لَيْسَ سَببا للعذاب بل الْعَذَاب بِمُجَرَّد الْمَشِيئَة ومحض الْإِرَادَة وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي مناظرة اياس للقدرية إِنَّمَا أَرَادَ بِأَن التَّصَرُّفَات الْوَاقِعَة مِنْهُ تَعَالَى فِي ملكه لَا تكون ظلما قطّ وَهَذَا حق فان كل مَا فعله الرب ويفعله لَا يخرج عَن الْعدْل وَالْحكمَة والمصلحة وَالرَّحْمَة فَلَيْسَ فِي أَفعاله ظلم وَلَا جور وَلَا سفه وَهَذَا حق لَا ريب فِيهِ فاياس بَين أَنه سُبْحَانَهُ فِي تصرفه فِي ملكه غير ظَالِم فَهَذِهِ مجامع طرق الْعَالم فِي هَذَا الْمقَام ألقيت إِلَيْك محتضرة بِذكر قواعدها وأداتها وترجيح الصَّوَاب مِنْهَا وابطال الْبَاطِل ولعلك لَا تَجِد هَذَا التَّفْصِيل وَالْكَلَام على هَذِه الْمذَاهب وأصولها فِي كتاب من كتب الْقَوْم وَالله تَعَالَى الْمَسْئُول لتَمام نعْمَته ومزيد الْعلم وَالْهدى انه المان بفضله
فصل وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي الْإِيجَاب فِي حق الله سَوَاء الْأَقْوَال فِيهِ كالأقوال
فِي التَّحْرِيم وَقد أخبر سُبْحَانَهُ عَن نَفسه أَنه كتب على نَفسه وأحق على نَفسه قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا جَاءَك الَّذين يُؤمنُونَ بِآيَاتِنَا فَقل سَلام عَلَيْكُم كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن﴾ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن النَّبِي قَالَ لِمعَاذ أَتَدْرِي مَا حق الله على عباده قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ حَقه عَلَيْهِم أَن يعبدوه لَا يشركوا بِهِ شَيْئا أَتَدْرِي مَا حق الْعباد على الله إِذا فعلوا ذَلِك قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ حَقهم عَلَيْهِ أَن لَا يعذبهم وَمِنْه قَوْله فِي غير حَدِيث من فعل كَذَا كَانَ على الله أَن يفعل بِهِ كَذَا وَكَذَا فِي الْوَعْد والوعيد وَنَظِير هَذَا مَا أخبر سُبْحَانَهُ من قسمه ليفعلن مَا أقسم عَلَيْهِ كَقَوْلِه فوربك لنسئلنهم أَجْمَعِينَ فوربك لنحشرنهم وَالشَّيَاطِين ثمَّ لنحضرنهم حول جَهَنَّم جثيا وَقَوله ﴿لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين﴾ وَقَوله ﴿لأملأن جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تبعك مِنْهُم أَجْمَعِينَ﴾ وَقَوله ﴿فَالَّذِينَ هَاجرُوا وأخرجوا من دِيَارهمْ وأوذوا فِي سبيلي وقاتلوا وَقتلُوا لأكفرن عَنْهُم سيئاتهم ولأدخلنهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ وَقَوله فلنسألن الَّذِي أرسل إِلَيْهِم ولنسألن الْمُرْسلين وَقَوله فِيمَا يرويهِ عَنهُ رَسُول الله وَجَلَالِي لأقتصن للمظلوم من الظَّالِم وَلَو لطمة وَلَو ضَرْبَة بيد إِلَيّ أَمْثَال ذَلِك من صِيغ الْقسم المتضمن معنى إِيجَاب الْمقسم على نَفسه أَو مَنعه نَفسه وَهُوَ الْقسم الطلبي المتضمن للحظر وَالْمَنْع بِخِلَاف الْقسم الخبري المتضمن للتصديق
стр. 414
والتكذيب وَلِهَذَا قسم الْفُقَهَاء وَغَيرهم الْيَمين إِلَيّ مُوجب للحظر وَالْمَنْع أَو التَّصْدِيق والتكذيب قَالُوا وَإِذا كَانَ معقولا من العَبْد أَن يكون طَالبا من نَفسه فَتكون نَفسه طالبة مِنْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ وَقَوله ﴿وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى﴾ مَعَ كَون العَبْد لَهُ آمُر وناه فَوْقه فالرب تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقه آمُر وَلَا ناه كَيفَ يمْتَنع مِنْهُ أَن يكون طَالبا من نَفسه فَيكْتب على نَفسه ويحق على نَفسه وَيحرم على نَفسه بل ذَلِك أولى وَأَحْرَى فِي حَقه من تصَوره فِي حق العَبْد وَقد أخبر بِهِ عَن نَفسه وَأخْبر بِهِ رَسُوله
قَالُوا وَكتابه مَا كتبه على نَفسه وإحقاقه مَا حَقه عَلَيْهَا مُتَضَمّن لإرادته ذَلِك ومحبته لَهُ وَرضَاهُ بِهِ وَأَنه لَا بُد أَن يَفْعَله وتحريمه مَا حرمه على نَفسه مُتَضَمّن لبغضه لذَلِك وكراهته لَهُ وَأَنه لَا يَفْعَله وَلَا ريب أَن محبته لما يُرِيد أَن يَفْعَله وَرضَاهُ بِهِ يُوجب وُقُوعه بمشيئته واختياره وكراهته للْفِعْل وبغضه لَهُ يمْنَع وُقُوعه مِنْهُ مَعَ قدرته عَلَيْهِ لَو شَاءَ وَهَذَا غير مَا يُحِبهُ من فعل عَبده ويكرهه مِنْهُ فَذَاك نوع وَهَذَا نوع وَلما لم يُمَيّز كثير من النَّاس بَين النَّوْعَيْنِ وأدخلوهما تَحت حكم وَاحِد اضْطَرَبَتْ عَلَيْهِم مسَائِل الْقَضَاء وَالْقدر وَالْحكم وَالتَّعْلِيل وَبِهَذَا التَّفْصِيل سفر لَك وَجه المسئلة وتبلج صبحها فَفرق بَين فعله سُبْحَانَهُ الَّذِي هُوَ فعله وَبَين فعل عباده الَّذِي هُوَ مَفْعُوله فمحبته تَعَالَى وكراهته للْأولِ توجب وُقُوعه وامتناعه وَأما محبته وكراهته للثَّانِي فَلَا توجب وُقُوعه وَلَا امْتِنَاعه فانه يحب الطَّاعَة والأيمان من عباده كلهم وان لم تكن محبته مُوجبَة لطاعتهم وَأَيْمَانهمْ جَمِيعًا إِذا لم يحب فعله الَّذِي هُوَ إعانتهم وتوفيقهم وَخلق ذَلِك لَهُم وَلَو أحب ذَلِك لاستلزم طاعتهم وَأَيْمَانهمْ وَيبغض معاصيهم وكفرهم وفسوقهم وَلم تكن هَذِه الْكَرَاهَة والبغض مَانِعَة من وُقُوع ذَلِك مِنْهُم إِذْ لم يكره سُبْحَانَهُ خذلانهم واضلالهم لما لَهُ فِي ذَلِك من الغايات المحبوبة الَّتِي فَوَاتهَا يسْتَلْزم فَوَات مَا هُوَ أحب إِلَيْهِ من إِيمَانهم وطاعتهم وتعقل ذَلِك مِمَّا يقصر عَنهُ عقول أَكثر النَّاس وَقد أَشَرنَا إِلَيْهِ فِيمَا تقدم من الْكتاب فالرب تَعَالَى يحب من عباده الطَّاعَة والأيمان وَيُحب مَعَ ذَلِك من تضرعهم وتذللهم وتوبتهم واستغفارهم وَمن تَوْبَته ومغفرته وعفوه وصفحه وتجاوزه مَا هُوَ ملزوم لمعاصيهم وذنوبهم وَوُجُود الْمَلْزُوم بِدُونِ لَازمه مُمْتَنع وَإِذا عقل هَذَا فِي حق المذنبين فيعقل مثله فِي حق الْكفَّار وان خلقهمْ واضلالهم لَازم لأمور محبوبة للرب تَعَالَى لم تكن تحصل إِلَّا بِوُجُود لازمها إِذْ وجود الْمَلْزُوم بِدُونِ لَازمه مُمْتَنع فَكَانَت تِلْكَ الْأُمُور المحبوبة والغايات المحمودة متوقفة على خلقهمْ واضلالهم توقف الْمَلْزُوم على لَازِمَة وَهَذَا فصل معترض لم يكن من غرضنا وان كَانَ أهم مِمَّا سقنا الْكَلَام لأَجله ونكتة الْمَسْأَلَة الْفرق بَين مَا هُوَ فعل لَهُ تَسْتَلْزِم محبته وُقُوعه مِنْهُ وَبَين مَا هُوَ مفعول لَهُ لَا تَسْتَلْزِم محبته لَهُ وُقُوعه
стр. 415
من عَبده وَإِذا عرف هَذَا فالظلم وَالْكفْر والفسوق والعصيان وأنواع الشرور وَاقعَة فِي مفعولاته الْمُنْفَصِلَة الَّتِي لَا يَتَّصِف بهَا دون أَفعاله الْقَائِمَة بِهِ وَمن انْكَشَفَ لَهُ لهَذَا الْمقَام فهم معنى قَوْله وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك فَهَذَا الْفرق الْعَظِيم يزِيل أَكثر الشّبَه الَّتِي حارت لَهَا عقول كثير من النَّاس فِي هَذَا الْبَاب وَهدى الله الَّذين آمنُوا لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بأذنه وَالله يهدي من يَشَاء إِلَيّ صِرَاط مُسْتَقِيم فَمَا فِي مخلوقاته ومفعولاته تَعَالَى من الظُّلم وَالشَّر فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيّ فَاعله الْمُكَلف الَّذِي قَامَ بِهِ الْفِعْل كَمَا أَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ يكون زنا وسرقة وعدوانا وأكلا وشربا ونكاحا فَهُوَ الزَّانِي السَّارِق الْآكِل الناكح وَالله خَالق كل فَاعل وَفعله وَلَيْسَت نِسْبَة هَذِه الْأَفْعَال إِلَيّ خَالِقهَا كنسبتها إِلَيّ فاعلها الَّذِي قَامَت بِهِ كَمَا أَن نِسْبَة صِفَات المخلوقين إِلَيْهِ كَطُولِهِ وقصره وَحسنه وقبحه وشكله ولونه لَيست كنسبتها إِلَيّ خَالِقهَا فِيهِ فَتَأمل هَذَا الْموضع واعط الْفرق حَقه وَفرق بَين النسبتين فَكَمَا أَن صِفَات الْمَخْلُوق لَيست صِفَات لله بِوَجْه وان كَانَ هُوَ خَالِقهَا فَكَذَلِك أَفعاله لَيست أفعالا لله تَعَالَى وَلَا إِلَيْهِ وان كَانَ هُوَ خَالِقهَا فلنرجع الْآن إِلَيّ مَا نَحن بصدده فَنَقُول الْأَمر الَّذِي كتبه على نَفسه مُسْتَحقّ عَلَيْهِ الْحَمد وَالثنَاء ويتعالى ويتقدس عَن تَركه إِذْ تَركه منَاف للثناء وَالْحَمْد الَّذِي يسْتَحقّهُ عَلَيْهِ متضمنا لما يسْتَحق لذاته وَهَذَا بِحَمْد الله بَين عِنْد من أُوتى الْعلم والأيمان وَهُوَ مُسْتَقر فِي فطرهم لَا ينسخه مِنْهَا شُبُهَات المبطلين وَهَذَا الْموضع مِمَّا خفى على طائفتي الْقَدَرِيَّة والجبرية فخبطوا فِي عشواء وخبطوا فِي لَيْلَة ظلماء وَالله الْمُوفق الْهَادِي للصَّوَاب
فصل وَقد ظهر بِهَذَا بطلَان قَول طائفتين مَعًا الَّذين وضعُوا لله شَرِيعَة
بعقولهم أوجبوا عَلَيْهِ وحرموا مِنْهَا مَا لم يُوجِبهُ على نَفسه وَلم يحرمه على نَفسه وسووا بَينه وَبَين عباده فِيمَا يحسن مِنْهُم ويقبح وَبِذَلِك استطال عَلَيْهِم خصومهم وأبدوا مناقضتهم وكشفوا عَوْرَاتهمْ وبينوا فضائحهم وَكَذَلِكَ بطلَان قَول الطَّائِفَة الَّتِي جوزت عَلَيْهِ كل شَيْء وَأنْكرت حكمته وجحدت فِي الْحَقِيقَة مَا يسْتَحقّهُ من الْحَمد وَالثنَاء على مَا يَفْعَله مِمَّا يمدح بِفِعْلِهِ وعَلى ترك مَا يتْركهُ مَعَ قدرته عَلَيْهِ مِمَّا يمدح بِتَرْكِهِ وَجعلت النَّوْعَيْنِ وَاحِدًا وَلَا فرق عِنْدهم بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى بَين فعل مَا يمدح بِفِعْلِهِ وَبَين تَركه وَلَا بَين ترك مَا يمدح بِتَرْكِهِ وَبَين فعله وَبِهَذَا تسلط عَلَيْهِم خصومهم وأبدوا مناقضتهم وبينوا فضائحهم قَالَ المتوسطون وَأما نَحن فَلَا يلْزمنَا شَيْء من هَذِه الفضائح والأباطيل فانا لم نوافق طَائِفَة من الطَّائِفَتَيْنِ على كل مَا قالته بل وَافَقنَا كل طَائِفَة فِيمَا أَصَابَت فِيهِ الْحق وخالفناها فِيمَا خَالَفت فِيهِ الْحق فَكُنَّا أسعد بِهِ من الطَّائِفَتَيْنِ وَللَّه الْمِنَّة وَالْفضل هَذَا قَوْلنَا قد أوضحناه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة غَايَة الْإِيضَاح وأفصحنا عَنهُ بِمَا أمكننا من الافصاح فَمن وجد سَبِيلا إِلَى
стр. 416
الْمُعَارضَة أَو رام طَرِيقا إِلَيّ المناقضة فليبدها فانا من وَرَاء الرِّدَّة عَلَيْهِ وإهداء عُيُوب مقَالَته إِلَيْهِ وَنحن نعلم أَنه لَا يرد علينا مقالتنا إِلَّا بِإِحْدَى المقالتين اللَّتَيْنِ كشفنا عَن عوارهما وَبينا فسادهما فليستر عَورَة مقَالَته وَيصْلح فَسَادهَا ويرم شعثها ثمَّ ليلق خصومه بهَا فالمحاكمة إِلَيّ النَّقْل الصَّرِيح وَالْعقل الصَّحِيح وَالله الْمُسْتَعَان
الْوَجْه الثَّانِي وَالسِّتُّونَ قَوْلكُم الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم بِدُونِ الشَّرْع مُمْتَنع لِأَنَّهُ لَو ثَبت لقامت الْحجَّة بِدُونِ الرُّسُل وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَقَامَ حجَّته برسله إِلَى آخِره فَيُقَال لَا ريب أَن الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم اللَّذين هما مُتَعَلق الثَّوَاب وَالْعِقَاب بِدُونِ الشَّرْع مُمْتَنع كَمَا قررتموه وَالْحجّة إِنَّمَا قَامَت على الْعباد بالرسل وَلَكِن هَذَا الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم بِمَعْنى حُصُول الْمُقْتَضى للثَّواب وَالْعِقَاب وان تخلف عَنهُ مُقْتَضَاهُ لقِيَام مَانع أَو فَوَات شَرط كَمَا تقدم تَقْرِيره وَقد قَالَ تَعَالَى وَلَوْلَا أَن تصيبهم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم فيقولوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت الينا رَسُولا فنتبع آياتك ونكون من الْمُؤمنِينَ فَأخْبر تَعَالَى أَن مَا قدمت أَيْديهم سَبَب لاصابة الْمُصِيبَة إيَّاهُم وَأَنه سُبْحَانَهُ أرسل رَسُوله وَأنزل كِتَابه لِئَلَّا يَقُولُوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت الينا رَسُولا فنتبع آياتك فدلت الْآيَة على بطلَان قَول الطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا الَّذين يَقُولُونَ أَن أَعْمَالهم قبل الْبعْثَة لَيست قبيحة لذاتها بل إِنَّمَا قبحت بِالنَّهْي فَقَط وَالَّذين يَقُولُونَ أَنَّهَا قبيحة ويستحقون عَلَيْهَا الْعقُوبَة عقلا بِدُونِ الْبعْثَة فنظمت الْآيَة بطلَان قَول الطَّائِفَتَيْنِ ودلت على القَوْل الْوسط الَّذِي اخترناه ونصرناه أَنَّهَا قبيحة فِي نَفسهَا وَلَا يسْتَحقُّونَ الْعقَاب إِلَّا بعد إِقَامَة الْحجَّة بالرسالة فَلَا تلازم بَين ثُبُوت الْحسن والقبح العقليين وَبَين اسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَالْعِقَاب فالأدلة إِنَّمَا اقْتَضَت ارتباط الثَّوَاب وَالْعِقَاب بالرسالة وتوقفهما عَلَيْهَا وَلم تقتض توقف الْحسن والقبح بِكُل اعْتِبَار عَلَيْهَا وَفرق بَين الْأَمريْنِ
الْوَجْه الثَّالِث وَالسِّتُّونَ قَوْلكُم كَيفَ يعلم أَنه سُبْحَانَهُ يجب عَلَيْهِ أَن يمدح ويذم وَيثبت ويعاقب على الْفِعْل بِمُجَرَّد الْعقل وَهل ذَلِك إِلَّا غيب عَنَّا فِيمَا يعرف أَنه رضى عَن فَاعل وَسخط على فَاعل وَأَنه يثيب هَذَا ويعاقب هَذَا وَلم يخبر عَنهُ بذلك مخبر صَادِق ولادل على مواقع رِضَاهُ وَسخطه عقل وَلَا أخبر عَن معلومه ومحكومه مُخَيّر فَلم يبْق إِلَّا قِيَاس أَفعاله على أَفعَال عباده وَهُوَ من أفسد الْقيَاس فانه لَيْسَ كمثله شَيْء فَيُقَال هَذَا لَازم للمعتزلة وَمن وافقهم حَيْثُ يوجبون على الله ويحرمون بِالْقِيَاسِ على عباده وَلَا ريب أَن هَذَا من أفسد الْقيَاس وأبطله وَلَكِن من أَيْن ينفى ذَلِك إِثْبَات صِفَات أَفعَال اقْتَضَت حسنها وقبحها عقلا وَلم يعلم ترَتّب الثَّوَاب وَالْعِقَاب عَلَيْهَا إِلَّا بالرسالة كَمَا نصرناه فَأنْتم معاشر النفاة سلبتم الْأَفْعَال خواصها وصفاتها الَّتِي لَا تنفك عَنْهَا وَلَا تغفل مُجَرّدَة عَنْهَا أبدا وظننتم أَن قَول الْمُعْتَزلَة الْبَاطِل فِي ايجابها وتحريمها على الله لَا يتم إِلَّا بِهَذَا النَّفْي فأخطاتم فِي الْأَمريْنِ
стр. 417
مَعًا فان بطلَان قَوْلهم لَا يتَوَقَّف على نفي الْحسن والقبح ونفيهما بَاطِل وخصومكم من الْمُعْتَزلَة أثبتوا لله شَرِيعَة عقلية أوجبوا عَلَيْهِ فِيهَا وحرموا بِمُقْتَضى عُقُولهمْ وظنوا أَنهم لَا يُمكنهُم إِثْبَات الْحسن والقبح إِلَّا بذلك فأخطئوا فِي الْأَمريْنِ مَعًا فان الله تَعَالَى كَمَا لَا يُقَاس بعباده فِي أَفعاله لَا يُقَاس بهم فِي ذَاته وَصِفَاته فَلَيْسَ كمثله شَيْء فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله واثبات الْحسن والقبح لَا يسْتَلْزم هَذَا الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم العقليين فَلْيتَأَمَّل اللبيب هَذِه الدقائق الَّتِي هِيَ مجامع مآخذ الْفرق فِيهَا يتَبَيَّن أَن النَّاس إِنَّمَا تكلمُوا فِي حَوَاشِي الْمَسْأَلَة وَلم يخوضوا لجتها ويقتحموا غمرتها وَالله الْمُسْتَعَان وَأما إلزامكم لخصومكم من الْمُعْتَزلَة تِلْكَ اللوازم فَلَا ريب أَنَّهَا مستلزمة لبُطْلَان قَوْلهم مَعَ أضعافها من اللوازم الَّتِي تبين فَسَاد مَذْهَبهم وَنحن مساعدوكم عَلَيْهَا كَمَا لَا محيد لَهُم عَن الزاماتكم فَمِنْهَا أَنكُمْ سددتم على أَنفسكُم طَرِيق الِاسْتِدْلَال بالمعجزة على النُّبُوَّة حَيْثُ جوزتم على الله أَن يُؤَيّد الْكذَّاب كَمَا يُؤَيّد الصَّادِق وعندكم أَن كلا الآمرين بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ تَعَالَى سَوَاء وَلم تعتذروا عَن هَذَا الْإِلْزَام الْمُقَابل لسَائِر الزاماتكم بِعُذْر صَحِيح وَهَذِه أعذاركم مسطورة فِي الصحائف وَمِنْهَا الزِّمَام الأفحام وَنفى الْمُكَلف النّظر فِي المعجزة لعدم الْوُجُوب عقلا واعتذاركم عَن هَذَا الزام بِأَن الْوُجُوب ثَابت نظر أَو لم ينظر اعتذار يبطل أصلكم فان ثُبُوت الْوُجُود بِدُونِ نظر الْمُكَلف لَو كَانَ شَرْعِيًّا لتوقف على الشَّرْع المتوقف فِي حق الْمُكَلف على النّظر فِي المعجزة فَلَمَّا ثَبت الْوُجُوب وان لم ينظر فِي المعجزة علم أَن الْوُجُوب عَقْلِي لَا يتَوَقَّف على ثُبُوت الشَّرْع فان قيل هُوَ ثَابت فِي نفس الْأَمر على تَقْدِير ثُبُوت الرسَالَة قيل فَحِينَئِذٍ يعود الْإِلْزَام وَهُوَ أَنه لَا ينظر حَتَّى يجب وَلَا يجب حَتَّى تثبت الرسَالَة وَلَا تثبت حَتَّى ينظر وَلِهَذَا عدل من عدل لي مُقَابلَة هَذَا الْإِلْزَام بِمثلِهِ وَقَالُوا هَذَا لَازم للمعتزلة لِأَن الْوُجُوب عِنْدهم نَظَرِي وَهَذَا لَا يُغني شَيْئا وَلَا يدْفع الْإِلْزَام الْمَذْكُور بل غَايَته مُقَابلَة الْفَاسِد بِمثلِهِ وَهُوَ لَا يجدي فِي دفع الْإِلْزَام شَيْئا وَهَذَا يدل على بطلَان المقالتين وَأما نَحن فلنا فِي دفع هَذَا الْإِلْزَام عشرَة مسالك وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع هَذِه الْمَسْأَلَة وانما الْمَقْصُود أَن الْمُعْتَزلَة ألزمت نَظِير مَا ألزموهم بِهِ وَمِنْهَا إِلْزَام التعطيل للشرائع جملَة وَقد تقدم بَيَانه قَرِيبا حَيْثُ بَينا أَن مُتَعَلق الْأَمر وَالنَّهْي إِنَّمَا هُوَ فعل العَبْد الِاخْتِيَارِيّ فَإِذا بَطل أَن يكون لَهُ فعل اخْتِيَاري بَطل مُتَعَلق الْأَمر وَالنَّهْي فَلَزِمَهُ بطلَان الْأَمر وَالنَّهْي لِأَن وجوده بِدُونِ مُتَعَلّقه محَال إِلَى سَائِر تِلْكَ اللوازم الَّتِي أسلفناها قبل فَلَا نطيل بإعادتها قَالُوا أما نَحن فَلَا يلْزمنَا شَيْء من هَذِه اللوازم من الطَّرفَيْنِ فانا لم نسلك وَاحِدًا من الطَّرِيقَيْنِ فَلَا سَبِيل لأحدى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَيّ إلزامنا بِلَازِم وَاحِد بَاطِل وَللَّه الْحَمد فَمن رام ذَلِك فليبده
فان قيل فَمن أصلكم إِثْبَات التَّعْلِيل وَالْحكمَة فِي الْخلق وَالْأَمر فَمَا تَصْنَعُونَ
стр. 418
بِهَذِهِ اللوازم الَّتِي ألزمناها الْمُعْتَزلَة وماذا جوابكم عَنْهَا إِذا وجهناها إِلَيْكُم قيل لَا ريب أَنا نثبت لله مَا أثْبته لنَفسِهِ وَشهِدت بِهِ الْفطر والعقول من الْحِكْمَة فِي خلقه وَأمره ونقول أَن كل مَا خلقه وَأمر بِهِ خلقه فِيهِ حِكْمَة بَالِغَة وآيات باهرة لأَجلهَا خلقه وَأمر بِهِ وَلَكِن لَا نقُول أَن لله تَعَالَى فِي خلقو وَأمره كُله حِكْمَة مماثلة لما للمخلوق من ذَلِك وَلَا مشابهة لَهُ بل الْفرق بَين الحكمتين كالفرق ين الْفِعْلَيْنِ وكالفرق بَين الوصفين والذاتين فَلَيْسَ كمثله شَيْء فِي وَصفه وَلَا فِي فعله وَلَا فِي حِكْمَة مَطْلُوبَة لَهُ من فعله بل الْفرق بَين الْخَالِق والمخلوق فِي ذَلِك كُله أعظم فرق وأبينه وأوضحه عِنْد الْعُقُول وَالْفطر وعَلى هَذَا فَجَمِيع مَا ألزمتموه لأَصْحَاب الصّلاح والأصلح بل وأضعافه وأضعاف أضعافه لله فِيهِ حِكْمَة يخْتَص بهَا لَا يُشَارِكهُ فِيهَا غَيره ولأجلها حسن مِنْهُ ذَلِك وقبح من الْمَخْلُوق لانْتِفَاء تِلْكَ الْحِكْمَة فِي حَقه وَهَذَا كَمَا يحسن مِنْهُ تَعَالَى مدح نَفسه وَالثنَاء على نَفسه وان قبح من أَكثر خلقه ذَلِك ويليق بجلاله الْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة ويقبح من خلقه تعاطيهما كَمَا روى عَنهُ رَسُول الله الْكِبْرِيَاء ازاري وَالْعَظَمَة رِدَائي فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذبته وكما يحسن مِنْهُ إماتة خلقه وابتلاؤهم وامتحانهم بأنواع المحن ويقبح ذَلِك من خلقه وَهَذَا أعظم من أَن نذْكر أمثلته فَلَيْسَ بَين الله وَبَين خلقه جَامع يُوجب أَن يحسن مِنْهُ مَا حسن مِنْهُم ويقبح مِنْهُ مَا قبح مِنْهُم وانما تتَوَجَّه تِلْكَ الالزامات إِلَى من قَاس أَفعَال الله بِأَفْعَال عباده وَأما من أثبت لَهُ حِكْمَة تخْتَص بِهِ لَا تشبه مَا للمخلوقين من الْحِكْمَة فَهُوَ عَن تِلْكَ الالزامات بمعزل ومنزله مِنْهَا أبعد منزل ونكتة الْفرق أَن بطلَان الصّلاح والأصلح لَا يسْتَلْزم بطلَان الْحِكْمَة وَالتَّعْلِيل وَالله الْمُوفق الْوَجْه الثَّالِث وَالسِّتُّونَ قَوْلكُم أَنْتُم فتحتم بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة طَرِيقا للاستغناء عَن النبوات وسلطتم عَلَيْكُم بهَا الفلاسفة والبراهمة والصابئة وكل مُنكر للنبوات فان هَذِه الْمَسْأَلَة بَاب بَيْننَا وَبينهمْ فأنكم إِذا زعمتم أَن فِي الْعقل حَاكما يحسن ويقبح وَيُوجب وَيحرم ويتقاضى الثَّوَاب وَالْعِقَاب لم تكن الْحَاجة إِلَيّ الْبعْثَة ضَرُورِيَّة لامكان الِاسْتِغْنَاء عَنْهَا فَهَذَا الْحَاكِم إِلَى آخِره قَالَ المثبتون هَذَا كَلَام هائل وَهُوَ عِنْد التَّحْقِيق بَاطِل لَو أنصف مورده لعلم انا وَهُوَ كَمَا قَالَ الأول رمتني بدائها وانسلت وَقد بَينا أَن النفاة سدوا على أنفسهم طَرِيق إِثْبَات النُّبُوَّة بإنكارهم هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالُوا انه يحسن من الله كل شَيْء حَتَّى إِظْهَار المعجزة على يَد الْكَاذِب وَلَا فرق بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ بَين إظهارها على يَد الصَّادِق وَيَد الْكَاذِب وَلَيْسَ فِي الْعقل مَا يدل على اسْتِحَالَة هَذَا وَجَوَاز هَذَا وَتوقف مَعْرفَته على السّمع لَا سِيمَا إِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك إِنْكَار كَون العَبْد فَاعِلا مُخْتَارًا الْبَتَّةَ فان ذَلِك يسد الْبَاب جملَة لِأَن مُتَعَلق الْأَمر وَالنَّهْي إِنَّمَا هُوَ أَفعَال الْعباد الاختيارية فَمن لَا فعل لَهُ وَلَا اخْتِيَار أصلا فَكيف يعقل أَن يكون مَأْمُورا مَنْهِيّا وَقد تقدم حَدِيث الافحام وعجزكم
стр. 419
عَن الْجَواب عَنهُ قَالُوا وَأما نَحن فانا سهلنا بذلك الطَّرِيق إِلَيّ إِثْبَات النبوات بل لَا يُمكن إِثْبَاتهَا إِلَّا بالاعتراف بِهَذِهِ المسالة فانه إِذا ثَبت أَن من الْأَفْعَال حسنا وَمِنْهَا قبيحا وَأَن إِظْهَار المعجزة على يَد الْكَاذِب قَبِيح وَأَن الله يتعالى ويتقدس عَن فعل القبائح علمنَا بذلك صِحَة نبوة من اظهر الله على يَدَيْهِ الْآيَات والمعجزات وَأما أَنْتُم فأنكم لَا يمكنكم الْعلم بذلك قَالُوا وَكَذَلِكَ نَحن قُلْنَا أَن العَبْد فَاعل مُخْتَار لفعله وأوامر الشَّرْع ونواهيه متوجهة إِلَيّ مُجَرّد فعله الِاخْتِيَارِيّ الْقَائِم بِهِ وَهُوَ مُتَعَلق الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَأما أَنْتُم فَلَا يمكنكم ذَلِك لِأَن تِلْكَ الْأَفْعَال عنْدكُمْ هِيَ فعل الله فِي العَبْد لاصنع للْعَبد فِيهَا أصلا فَكيف يتَوَجَّه أَمر الشَّرْع وَنَهْيه إِلَيّ غير فَاعل بل يُؤمر وَينْهى بِمَا لَا قدرَة لَهُ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ بل بِفعل غَيره قَالُوا فليتدبر الْمنصف هَذَا الْمقَام فانه يتَبَيَّن لَهُ أَنه سد على نَفسه طَرِيق النبوات وَفتح بَاب الِاسْتِغْنَاء عَنْهَا قَالُوا وَأَيْضًا فان الله سُبْحَانَهُ فطر عباده على الْفرق بَين الْحسن والقبيح وَركب فِي عُقُولهمْ إِدْرَاك ذَلِك والتمييز بَين النَّوْعَيْنِ كَمَا فطرهم على الْفرق بَين النافع والضار والملائم لَهُم والمنافر وَركب فِي حواسهم إِدْرَاك ذَلِك والتمييز بَين أَنْوَاعه والفطرة الأولى هِيَ خَاصَّة الْإِنْسَان الَّتِي تميز بهَا عَن غَيره من الْحَيَوَانَات وَأما الْفطْرَة الثَّانِيَة فمشتركة بَين أَصْنَاف الْحَيَوَان وَحجَّة الله عَلَيْهِ إِنَّمَا تقوم بِوَاسِطَة الْفطْرَة الأولى وَلِهَذَا اخْتصَّ من بَين سَائِر الْحَيَوَانَات بإرسال الرُّسُل إِلَيْهِ وبالأمر وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فَجعل سُبْحَانَهُ فِي عقله مَا يفرق بَين الْحسن والقبح وَمَا يَنْبَغِي إيثاره وَمَا يَنْبَغِي اجتنابه ثمَّ أَقَامَ عَلَيْهِ حجَّته برسالته بِوَاسِطَة هَذَا الْحَاكِم الَّذِي يتَمَكَّن بِهِ من الْعلم بالرسالة وَحسن الْإِرْسَال وَحسن مَا تضمنه من الْأُمُور وقبح مَا نهى عَنهُ فانه لَوْلَا مَا ركب فِي عقله من إِدْرَاك ذَلِك لما أمكنه معرفَة حسن الرسَالَة وَحسن الْمَأْمُور وقبح الْمَحْظُور وَلِهَذَا قُلْنَا أَن من أنكر الْحسن والقبح العقليين لزمَه إِنْكَار الْحسن والقبح للشريعة وان زعم أَنه مقربه فان أَخْبَار الشَّرْع عَن الْعقل بِأَنَّهُ حسن أَو قَبِيح مُطَابق لكَونه فِي نَفسه كَذَلِك فَإِذا كَانَ فِي نَفسه لَيْسَ بِحسن وَلَا قَبِيح فان هَذَا الْخَبَر لَا مخبر لَهُ إِلَّا مُجَرّد تعلق افْعَل أَو لَا تفعل بِهِ وَهَذَا التَّعْلِيق عنْدكُمْ جَائِز أَن يكون بِخِلَاف مَا هُوَ بِهِ وان يتَعَلَّق الطّلب بالمنهي عَنهُ وَالنَّهْي بالمأمور بِهِ والتعلق لم يَجعله حسنا وَلَا قبيحا بل غَايَته أَن جعل الْفِعْل مَأْمُورا مَنْهِيّا فَعَاد الْحسن والقبح إِلَيّ مُجَرّد كَونه مَأْمُورا مَنْهِيّا وَلَا فرق عنْدكُمْ بِالنّظرِ إِلَيّ ذَات الْفِعْل بَين النَّوْعَيْنِ بل مَا كَانَ مَأْمُورا يجوز أَن يَقع مَنْهِيّا وَبِالْعَكْسِ فَلم يكْشف الْأَمر وَالنَّهْي صفة حسن وَلَا قبح أصلا فَلَا حسن وَلَا قبح إِذا عقلا وَلَا شرعا وانما هُوَ تعلق الطّلب بِالْفِعْلِ وَالتّرْك وَهَذَا مِمَّا لاخلاص مِنْهُ إِلَّا بالْقَوْل بِأَن للأفعال خَواص وصفات عَلَيْهَا فِي أَنْفسهَا اقْتَضَت أَن يُؤمر بحسنها وَينْهى عَن سيئها ويخبر عَن حسنها بِمَا هُوَ عَلَيْهِ ويخبر غَيره بقبحها مِمَّا نَكُون عَلَيْهِ
стр. 420
فَيكون للْخَبَر مخبر ثَابت فِي نَفسه وَالْأَمر وَالنَّهْي مُتَعَلق ثَابت فِي نَفسه قَالُوا فَعلمه من الْعقل محسن الْحسن وقبح الْقَبِيح ثمَّ علمه بِأَن مَا أمرت بِهِ الرُّسُل هُوَ الْحسن وَمَا نهت عَنهُ هُوَ الْقَبِيح طَرِيق إِلَيّ تَصْدِيق الرُّسُل وَأَنَّهُمْ جاؤا بِالْحَقِّ من عِنْد الله وَلِهَذَا قَالَ بعض الْأَعْرَاب وَقد سُئِلَ بِمَاذَا عرفت أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَقَالَ مَا أَمر بِشَيْء فَقَالَ الْعقل ليته نهى عَنهُ وَلَا نهى عَن شَيْء فَقَالَ الْعقل ليته أَمر بِهِ أَفلا ترى هَذَا الْأَعرَابِي كَيفَ جعل مُطَابقَة الْحسن والقبح الَّذِي ركب الله فِي الْعقل ادراكه لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول شَاهدا على صِحَة رسَالَته وعلما عَلَيْهَا وَلم يقل أَن ذَلِك يقبح طَرِيق الِاسْتِغْنَاء عَن النُّبُوَّة بحاكم الْعقل قَالُوا أَيْضا فَهَذَا إِنَّمَا يلْزم أَن لَو قيل بِأَن مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل ثَابت فِي الْعقل إِدْرَاكه مفصلا قبل الْبعْثَة فَحِينَئِذٍ يُقَال هَذَا يفتح بَاب الِاسْتِغْنَاء عَن الرسَالَة وَمَعْلُوم أَن إِثْبَات الْحسن والقبح العقليين لَا يسْتَلْزم هَذَا وَلَا يدل عَلَيْهِ بل غَايَة الْعقل أَن يدْرك بالإجمال حسن مَا أَتَى الشَّرْع بتفضيله أَو قبحه فيدركه الْعقل جملَة وَيَأْتِي الشَّرْع بتفصيله وَهَذَا كَمَا أَن الْعقل يدْرك حسن الْعدْل وَأما كَون هَذَا الْفِعْل الْمعِين عدلا أَو ظلما فَهَذَا مِمَّا يعجز الْعقل عَن إِدْرَاكه فِي كل فعل وَعقد وَكَذَلِكَ يعجز عَن إِدْرَاك حسن كل فعل وقبح وان تَأتي الشَّرَائِع بتفصيل ذَلِك وتبينه وَمَا أدْركهُ الْعقل الصَّرِيح من ذَلِك أَتَت الشَّرَائِع بتقريره وَمَا كَانَ حسنا فِي وَقت قبيحا فِي وَقت وَلم يهتد الْعقل لوقت حسنه من وَقت قبحه أَتَت الشَّرَائِع بِالْأَمر بِهِ فِي وَقت حسنه وبالنهي عَنهُ فِي وَقت قبحه وَكَذَلِكَ الْفِعْل يكون مُشْتَمِلًا على مصلحَة ومفسدة وَلَا تعلم الْعُقُول مفسدته أرجح أم مصْلحَته فَيتَوَقَّف الْعقل فِي ذَلِك فتأتي الشَّرَائِع بِبَيَان ذَلِك وتأمر براجح الْمصلحَة وتنهى عَن رَاجِح الْمفْسدَة وَكَذَلِكَ الْفِعْل يكون مصلحَة لشخص مفْسدَة لغيره وَالْعقل لَا يدْرك ذَلِك فتأتي الشَّرَائِع ببيانه فتأمر بِهِ من هُوَ مصلحَة لَهُ وتنهى عَنهُ من حَيْثُ هُوَ مفْسدَة فِي حَقه وَكَذَلِكَ الْفِعْل يكون مفْسدَة فِي الظَّاهِر وَفِي ضمنه مصلحَة عَظِيمَة لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعقل فَلَا يعلم إِلَّا بِالشَّرْعِ كالجهاد وَالْقَتْل فِي الله وَيكون فِي الظَّاهِر مصلحَة وَفِي ضمنه مفْسدَة عَظِيمَة لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعقل فتجيء الشَّرَائِع بِبَيَان مَا فِي ضمنه من الْمصلحَة والمفسدة الراجحة هَذَا مَعَ أَن مَا يعجز الْعقل عَن إِدْرَاكه من حسن الْأَفْعَال وقبحها لَيْسَ بِدُونِ مَا تُدْرِكهُ من ذَلِك فالحاجة إِلَيّ الرُّسُل ضَرُورِيَّة بل هِيَ فَوق كل حَاجَة فَلَيْسَ الْعَالم إِلَيّ شَيْء أحْوج مِنْهُم إِلَيّ الْمُرْسلين صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَلِهَذَا يذكر سُبْحَانَهُ عباده نعمه عَلَيْهِم بِرَسُولِهِ ويعد ذَلِك عَلَيْهِم من أعظم المنن مِنْهُ لشدَّة حَاجتهم إِلَيْهِ ولتوقف مصالحهم الْجُزْئِيَّة والكلية عَلَيْهِ وَأَنه لاسعادة لَهُم وَلَا فلاح وَلَا قيام إِلَّا بالرسل فَإِذا كَانَ الْعقل قد أدْرك حسن بعض الْأَفْعَال وقبحها فَمن
стр. 421
أَيْن لَهُ معرفَة الله تَعَالَى بأسمائه وَصِفَاته وَالْآيَة الَّتِي تعرف بهَا الله إِلَيّ عباده على السّنة رسله وَمن أَيْن لَهُ معرفَة تفاصيل شَرعه وَدينه الَّذِي شَرعه لِعِبَادِهِ وَمن أَيْن لَهُ تفاصيل مواقع محبته وَرضَاهُ وَسخطه
وكراهته وَمن أَيْن لَهُ معرفَة تفاصيل ثَوَابه وعقابه وَمَا أعد لأوليائه وَمَا اعد لأعدائه ومقادير الثَّوَاب وَالْعِقَاب وكيفيتهما ودرجاتهما وَمن أَيْن لَهُ معرفَة الْغَيْب الَّذِي لم يظْهر الله عَلَيْهِ أحدا من خلقه إِلَّا من ارْتَضَاهُ من رسله إِلَيّ غير ذَلِك مِمَّا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وبلغته عَن الله وَلَيْسَ فِي الْعقل طَرِيق إِلَيّ مَعْرفَته فَكيف يكون معرفَة حسن بعض الْأَفْعَال وقبحها بِالْعقلِ مغنيا عَمَّا جَاءَت بِهِ الرُّسُل فَظهر أَن مَا ذكرتموه مُجَرّد تهويل مشحون بالأباطيل وَالْحَمْد لله
وَقد ظهر بِهَذَا الْقُصُور الفلاسفة فِي معرفَة النبوات وَأَنَّهُمْ لَا علم عِنْدهم بهَا إِلَّا كعلم عوام النَّاس بِمَا عِنْدهم من ألعقليات بل علمهمْ بالنبوات وحقيقتها وَعظم قدرهَا وَمَا جَاءَت بِهِ اقل بِكَثِير من علم الْعَامَّة بعقلياتهم فهم عوام بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا كَمَا أَن من لم يعرف علومهم عوام بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم فلولا النبوات لم يكن فِي الْعَالم علم نَافِع الْبَتَّةَ وَلَا عمل صَالح وَلَا صَلَاح فِي معيشته وَلَا قوام لمملكة ولكان النَّاس بِمَنْزِلَة الْبَهَائِم وَالسِّبَاع العادية وَالْكلاب الضارية الَّتِي يعدو بَعْضهَا على بعض وكل دين فِي الْعَالم
فَمن آثَار النُّبُوَّة وكل شَيْء وَقع فِي الْعَالم أَو سيقع فبسبب خَفَاء آثَار النُّبُوَّة ودروسها فالعالم حِينَئِذٍ روحه النُّبُوَّة وَلَا قيام للجسد بِدُونِ روحه وَلِهَذَا إِذا تمّ انكساف شمس النُّبُوَّة من الْعَالم وَلم يبْق فِي الأَرْض شَيْء من أثارها الْبَتَّةَ انشقت سماؤه وانتثرت كواكبه وكورت شمسه وخسفت قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وَأهْلك من عَلَيْهَا فَلَا قيام للْعَالم إِلَّا بأثار النُّبُوَّة وَلِهَذَا كَانَ كل مَوضِع ظَهرت فِيهِ آثَار النُّبُوَّة فأهله أحسن حَالا وَأصْلح بَالا من الْموضع الَّذِي يخفى فِيهِ آثارها وَبِالْجُمْلَةِ فحاجة الْعَالم إِلَيّ النُّبُوَّة أعظم من حَاجتهم إِلَيّ نور الشَّمْس وَأعظم من حَاجتهم إِلَيّ المَاء والهواء الَّذِي لَا حَيَاة لَهُم بِدُونِهِ
فصل وَأما مَا ذكره الفلاسفة من مَقْصُود الشَّرَائِع وان ذَلِك لاستكمال
النَّفس قوى الْعلم وَالْعَمَل والشرائع ترد بتمهيد مَا تقرر فِي الْعقل بتعبيره إِلَيّ آخِره فَهَذَا مقَام يجب الاعتناء بِشَأْنِهِ وَأَن لَا نضرب عَنهُ صفحا فَنَقُول للنَّاس فِي الْمَقْصُود بالشرائع والأوامر والنواهي أَرْبَعَة طرق: أَحدهَا طَرِيق من يَقُول أَن الفلاسفة وأتباعهم من المنتسبين إِلَيّ الْملَل أَن الْمَقْصُود بهَا تَهْذِيب أَخْلَاق النُّفُوس وتعديلها لتستعد بذلك لقبُول الْحِكْمَة العلمية والعملية وَمِنْهُم من يَقُول لتستعد بذلك لِأَن تكون محلا لانتقاش صور المعقولات فِيهَا ففائدة ذَلِك عِنْدهم كالفائدة
стр. 422
الْحَاصِلَة من صقل الْمرْآة لتستعد لظُهُور الصُّور فِيهَا وَهَؤُلَاء يجْعَلُونَ الشَّرَائِع من جنس الْأَخْلَاق الفاضلة والسياسات العادلة وَلِهَذَا رام فلاسفة الْإِسْلَام الْجمع بَين الشَّرِيعَة والفلسفة كَمَا فعل ابْن سينا والفارابي واضرابهما وَآل بهم أَن تكلمُوا فِي خوارق الْعَادَات والمعجزات على طَرِيق الفلاسفة الْمَشَّائِينَ وَجعلُوا لَهَا أسبابا ثَلَاثَة أَحدهَا القوى الفلكية وَالثَّانِي القوى النفسية وَالثَّالِث القوى الطبيعية وَجعلُوا جنس الخوارق
جِنْسا وَاحِدًا وأدخلوا مَا للسحرة وأرباب الرياضة والكهنة وَغَيرهم مَعَ مَا للأنبياء وَالرسل فِي ذَلِك وَجعلُوا سَبَب ذَلِك كُله وَاحِدًا وان اخْتلفت بالغايات وَالنَّبِيّ قَصده الْخَيْر والساحر قَصده الشَّرّ وَهَذَا الْمَذْهَب من افسد مَذَاهِب الْعَالم وأخبثها وَهُوَ مَبْنِيّ على إِنْكَار الْفَاعِل الْمُخْتَار وانه تَعَالَى لَا يعلم ألجزئيات وَلَا يقدر على تَغْيِير الْعَالم وَلَا يخلق شَيْئا بمشيئته وَقدرته وعَلى إِنْكَار الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة ومعاد الْأَجْسَام وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مَبْنِيّ على الْكفْر بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وَلَيْسَ هَذَا مَوْضُوع الرَّد هُنَا على هَؤُلَاءِ وكشف باطلهم وفضائحهم إِذْ الْمَقْصُود ذكر طرق النَّاس فِي الْمَقْصُود بالشرائع والعبادات وَهَذِه الْفرْقَة غَايَة مَا عِنْدهَا فِي الْعِبَادَات والأخلاق وَالْحكمَة العلمية أَنهم رَأَوْا النَّفس لَهَا شَهْوَة وَغَضب بقوتها العملية وَلها تصور وَعلم بقوتها العلمية فَقَالُوا كَمَال الشَّهْوَة فِي الْعِفَّة وَكَمَال الْغَضَب فِي الحكم والشجاعة وَكَمَال الْقُوَّة النظرية بِالْعلمِ والتوسط فِي جَمِيع ذَلِك بَين طرفِي الإفراط والتفريط هُوَ الْعدْل
هَذَا غَايَة مَا عِنْد الْقَوْم من الْمَقْصُود بالعبادات والشرائع وَهُوَ عِنْدهم غَايَة كَمَال النَّفس وَهُوَ استكمال قويتها العلمية والعملية فاستكمال قوتها العلمية عِنْدهم بانطباع صور المعلومات فِي النَّفس واستكمال قوتها العلمية بِالْعَدْلِ وَهَذَا مَعَ انه غَايَة مَا عِنْدهم من الْعلم وَالْعَمَل وَلَيْسَ فِيهِ بَيَان خاصية النَّفس الَّتِي لَا كَمَال لَهَا بِدُونِهِ الْبَتَّةَ وَهُوَ الَّذِي خلقت لَهُ وَأُرِيد مِنْهَا بل مَا عرفه الْقَوْم لِأَنَّهُ لم يكن عِنْدهم من معرفَة مُتَعَلقَة إِلَّا نزر يسير غير مجد وَلَا مُحَصل للمقصود وَذَلِكَ معرفَة الله بأسمائه وَصِفَاته وَمَعْرِفَة مَا يَنْبَغِي لجلاله وَمَا يتعالى ويتقدس عَنهُ وَمَعْرِفَة أمره وَدينه والتمييز بَين مواقع رِضَاهُ وَسخطه واستفراغ الوسع فِي التَّقْرِيب إِلَيْهِ وامتلاء الْقلب بمحبته بِحَيْثُ يكون سُلْطَان حبه قاهرا لكل محبَّة وَلَا سَعَادَة للْعَبد فِي دُنْيَاهُ وَلَا أخراه إِلَّا بذلك وَلَا كَمَال للروح بِدُونِ ذَلِك
الْبَتَّةَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي خلق لَهُ بل وَأُرِيد مِنْهُ بل ولأجله خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض واتخذت الْجنَّة وَالنَّار كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره من أَكثر من مائَة وَجه أَن شَاءَ الله
وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ عِنْد الْقَوْم من هَذَا خبر بل هم فِي وَاد وَأهل الشَّأْن فِي وَاد وَهَذَا هُوَ الدّين الَّذِي الَّذِي أَجمعت الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِ من أَوَّلهمْ إِلَيّ خاتمتهم كلهم جَاءَ بِهِ وَأخْبر عَن الله أَنه دينه الَّذِي رضيه لِعِبَادِهِ وشرعه لَهُم وَأمرهمْ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَمَا أرسلنَا من قبلك رَسُولا إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا اله إِلَّا أَنا فاعبدون
стр. 423
وَقَالَ تَعَالَى وَمن يبتع غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَقَالَ تَعَالَى واسأل من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ وَقَالَ يأيها الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا أَنى بِمَا تَعْمَلُونَ عليم وَأَن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون وَقَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ كبر على الْمُشْركين﴾ وَقَالَ تَعَالَى فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ منيبين إِلَيْهِ وَاتَّقوا وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فالغاية الحميدة الَّتِي يحصل بهَا كَمَال بني آدم وسعادتهم ونجاحهم هِيَ معرفَة الله
ومحبته وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وَهِي حَقِيقَة قَول العَبْد لَا اله إِلَّا الله وَبهَا بعث الرُّسُل وَنزلت جَمِيع الْكتب وَلَا تصلح النَّفس وَلَا تزكو وَلَا تكمل إِلَّا بذلك قَالَ تَعَالَى فويل للْمُشْرِكين الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة أَي لَا يُؤْتونَ مَا تزكّى بِهِ أنفسهم من التَّوْحِيد والأيمان وَلِهَذَا فَسرهَا غير وَاحِد من السّلف بِأَن قَالُوا لَا يأْتونَ الزَّكَاة لَا يَقُولُونَ لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن يكون الله أحب إِلَى العَبْد من كل مَا سواهُ هُوَ اعظم وَصِيَّة جَاءَت بهَا الرُّسُل ودعوا إِلَيْهَا الْأُمَم وسنبين أَن شَاءَ الله عَن قريب بالبراهين الشافية أَن النَّفس لَيْسَ لَهَا نجاة وَلَا سَعَادَة وَلَا كَمَال إِلَّا بِأَن يكون الله وَحده محبوبها ومعبودها لَا أحب إِلَيْهَا مِنْهُ وَلَا آثر عِنْدهَا من
مرضاته والتقرب إِلَيْهِ وَأَن النَّفس محتاجة بل مضطرة إِلَيْهِ حَيْثُ هُوَ معبودها ومحبوبها وَغَايَة مرادها أعظم من اضطرارها إِلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ رَبهَا وخالقها وفاطرها وَلِهَذَا كَانَ من آمن بِاللَّه خالقه ورازقه وربه ومليكه وَلم يُؤمن بِأَنَّهُ لَا اله يعبد وَيُحب ويخشى وَيخَاف غَيره بل أشرك مَعَه فِي عِبَادَته غَيره فَهُوَ كَافِر بِهِ مُشْرك شركا لَا يغفره الله لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ فَأخْبر أَن من أحب شَيْئا سوى الله مثل مَا يحب الله فقد اتخذ من دون الله أندادا وَلِهَذَا يَقُول أهل النَّار لمعبوداتهم وهم مَعَهم فِيهَا ﴿تالله إِن كُنَّا لفي ضلال مُبين إِذْ نسويكم بِرَبّ الْعَالمين﴾ وَهَذِه التَّسْوِيَة إِنَّمَا كَانَت فِي الْحبّ والتأله لَا فِي الْخلق وَالْقُدْرَة والربوبية وَهِي الْعدْل الَّذِي أخبر بِهِ عَن الْكفَّار بقوله وَالْحَمْد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ أَن الْمَعْنى ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ فيجعلون لَهُ عدلا يحبونه ويعبدونه ويعبدونه كَمَا يحبونَ الله ويعبدونه فَمَا ذكر الفلاسفة من الْحِكْمَة العملية والعلمية لَيْسَ فِيهَا من الْعُلُوم والأعمال مَا تستعد بِهِ النُّفُوس وتنجو بِهِ من الْعَذَاب فَلَيْسَ فِي
стр. 424
حكمتهم العلمية إِيمَان بِاللَّه وَلَا مَلَائكَته وَلَا كتبه وَلَا لِقَائِه رسله وَلَيْسَ فِي حكمتهم العلمية عِبَادَته وَحده وَلَا شريك لَهُ وَاتِّبَاع مرضاته وَاجْتنَاب مساخطه وَمَعْلُوم أَن النَّفس لَا سَعَادَة لَهَا وَلَا فلاح إِلَّا بذلك فَلَيْسَ من حكمتهم العلمية والعملية مَا تسعد بِهِ النُّفُوس وتفوز وَلِهَذَا لم يَكُونُوا داخلين فِي الْأُمَم السُّعَدَاء فِي الْآخِرَة وهم الْأُمَم الْأَرْبَعَة المذكورون فِي قَوْله تَعَالَى أَن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم ولاهم يَحْزَنُونَ
فصل وَهَذِه الكمالات الْأَرْبَعَة الَّتِي ذكرهَا الفلاسفة للنَّفس لَا بُد مِنْهَا
فِي كَمَا لَهَا وصلاحها وَلَكِن قصروا غَايَة التَّقْصِير فِي أَنهم لم يبينوا متعلقها وَلم يحدوا لَهَا حدا فاصلا بَين مَا تحصل بِهِ السَّعَادَة وَمَا لَا تحصل بِهِ فانهم لم يذكرُوا مُتَعَلق الْعِفَّة وَلَا عماذا تكون وَلَا مقدارها الَّذِي إِذا تجاوزه العَبْد وَقع فِي الْفُجُور وَكَذَلِكَ الْحلم لم يذكرُوا مواقعه ومقداره وَأَيْنَ يحسن وَأَيْنَ يقبح وَكَذَلِكَ الشجَاعَة وَكَذَلِكَ الْعلم لم يميزوا الْعلم الَّذِي تزكو بِهِ النُّفُوس وتسعد من غَيره بل لم يعرفوا أصلا وَأما الرُّسُل صَلَاة الله وَسَلَامه عَلَيْهِم فبينوا ذَلِك غَايَة الْبَيَان وفصلوه أحسن تَفْصِيل وَقد جمع الله ذَلِك فِي كِتَابه فِي آيَة وَاحِدَة فَقَالَ ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ فَهَذِهِ الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة الَّتِي حرمهَا تَحْرِيمًا مُطلقًا لم يبح مِنْهَا شَيْئا لأحد من الْخلق وَلَا فِي حَال من الْأَحْوَال بِخِلَاف الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير فَأَنَّهَا تحرم فِي حَال وتباح فِي حَال وَأما هَذِه الْأَرْبَعَة فَهِيَ مُحرمَة فالفواحش مُتَعَلقَة بالشهوة وتعديل قُوَّة الشَّهْوَة باجتنابها وَالْبَغي بِغَيْر الْحق مُتَعَلق بِالْغَضَبِ وتعديل الْقُوَّة الغضبية باجتنابه والشرك بِاللَّه ظلم عَظِيم بل هُوَ الظُّلم على الْإِطْلَاق وَهُوَ منَاف للعدل وَالْعلم وَقَوله وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا مُتَضَمّن تَحْرِيم أصل الظُّلم فِي حق الله وَذَلِكَ يسْتَلْزم إِيجَاب الْعدْل فِي حَقه وَهُوَ عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ فان النَّفس لَهَا القوتان العلمية والعملية وَعمل الْإِنْسَان عمل اخْتِيَاري تَابع لارادة العَبْد وكل إِرَادَة فلهَا مُرَاد وَكَمَال هُوَ أما مُرَاد لنَفسِهِ واما مُرَاد لغيره يَنْتَهِي إِلَيّ المُرَاد لنَفسِهِ وَلَا بُد فالقوة العملية تَسْتَلْزِم أَن يكون للنَّفس مُرَاد تستكمل بإرادته فان كَانَ ذَلِك المُرَاد مضمحلا فانيا زَالَت الْإِرَادَة بزواله وَلم يكن للنَّفس مُرَاد غَيره قفاتها أعظم سعادتها وفلاحها فَيجب إِذا أَن يكون مرادها الَّذِي تستكمل بإرادته وحبه وإيثاره بَاقِيا لَا يفنى وَلَا يَزُول وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله وَحده وَسَنذكر أَن شَاءَ الله عَن قريب معنى تعلق الْإِرَادَة بِهِ تَعَالَى وَكَونه مرَادا وَالْعَبْد مُرِيد لَهُ فان هَذَا مِمَّا أشكل على بعض
стр. 425
الْمُتَكَلِّمين حَيْثُ قَالُوا أَن الْإِرَادَة لَا تتَعَلَّق إِلَّا بحادث وَأما الْقَدِيم فَكيف يكون مرَادا وخفى عَلَيْهِم الْفرق بَين الْإِرَادَة الغائبة والإرادة الفاعلية وَجعلُوا الارادتين وَاحِدَة وَالْمَقْصُود أَن هَؤُلَاءِ الفلاسفة لم يذكرُوا هَذَا فِي كَمَال النَّفس وانما جعلُوا كمالها فِي تَعْدِيل الشَّهْوَة وَالْغَضَب والشهوة هِيَ جلب مَا ينفع الْبدن وَيبقى النوغ وَالْغَضَب دفع مَا يضر الْبدن وَمَا تعرضوا لمراد الرّوح المحبوب لذاته وَجعلُوا كمالها العلمي فِي مُجَرّد الْعلم وغلطوا فِي ذَلِك من وُجُوه كَثِيرَة مِنْهَا أَن مَا ذَكرُوهُ لَا يُعْطي كَمَال النَّفس الَّذِي خلقت لَهُ كَمَا بَيناهُ وَمِنْهَا أَن مَا ذَكرُوهُ فِي كَمَال الْقُوَّة العملية إِنَّمَا غَايَته إصْلَاح الْبدن الَّذِي هُوَ آلَة النَّفس وَلم يذكرُوا كَمَال النَّفس الإرادي وَالْعَمَل بالمحبة وَالْخَوْف والرجاء وَمِنْهَا أَن كَمَال النَّفس فِي الْعلم والإرادة لَا فِي مُجَرّد الْعلم فان مُجَرّد الْعلم لَيْسَ بِكَمَال للنَّفس مَا لم تكن مريدة محبَّة لمن لَا سَعَادَة لَهَا إِلَّا بإرادته ومحبته فالعلم الْمُجَرّد لَا يُعْطي النَّفس كَمَا لَا مَا لم تقترن بِهِ الْإِرَادَة والمحبة وَمِنْهَا أَن الْعلم لَو كَانَ كمالا بِمُجَرَّدِهِ لم يكن مَا عِنْدهم من الْعلم كَمَا لَا للنَّفس فان غَايَة مَا عِنْدهم عُلُوم رياضية صَحِيحَة مصلحتها من جنس مصَالح الصناعات وَرُبمَا كَانَت الصناعات أصلح وأنفع من كثير مِنْهَا واما علم طبيعي صَحِيح غَايَته معرفَة العناصر وَبَعض خواصها وطبائعها وَمَعْرِفَة بعض مَا يتركب مِنْهَا وَمَا يَسْتَحِيل من الموجبات إِلَيْهَا وَبَعض مَا يَقع فِي الْعَالم من الْآثَار بامتزاجها واختلاطها وَأي كَمَال للنَّفس فِي هَذَا وَأي سَعَادَة لَهَا فِيهِ واما علم الهي كُله بَاطِل لم يوفقوا فِي الْإِصَابَة الْحق فِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة
وَمِنْهَا أَن كَمَال النَّفس وسعادتها الْمُسْتَفَاد عَن الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم لَيْسَ عِنْدهم الْيَوْم مِنْهُ حس وَلَا خبر وَلَا عين وَلَا أثر فهم أبعد النَّاس من كمالات النُّفُوس وسعاداتها وَإِذا عرف ذَلِك وَأَنه لَا بُد للنَّفس من مُرَاد مَحْبُوب لذاته لَا يصلح إِلَّا بِهِ وَلَا يكمل إِلَّا بحبه وإيثاره وَقطع العلائق عَن غَيره وان ذَلِك هُوَ النِّهَايَة وَغَايَة مطلوبها ومرادها الَّذِي إِلَيْهِ يَنْتَهِي الطّلب فَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله الَّذِي لَا اله إِلَّا هُوَ قَالَ تَعَالَى أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون وَلَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا وَلَيْسَ صَلَاح الْإِنْسَان وَحده وسعادته إِلَّا بذلك بل وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وكل حَيّ شَاعِر لاصلاح لَهُ إِلَّا بِأَن يكون الله وَحده ألهه ومعبوده وَغَايَة مُرَاده وسيمر بك أَن شَاءَ الله بسط القَوْل فِي ذَلِك واقامة الْبَرَاهِين على هَذَا الْمَطْلُوب الْأَعْظَم الَّذِي هُوَ غَايَة سَعَادَة النُّفُوس وأشرف مطالبها فلنرجع إِلَيّ مَا كُنَّا فِيهِ من بَيَان طرق النَّاس فِي مَقَاصِد الْعِبَادَات
الطَّرِيق الثَّانِي طَرِيق من يَقُول من الْمُعْتَزلَة وَمن تَابعهمْ أَن الله سُبْحَانَهُ عرضهمْ بهَا للثَّواب واستأجرهم بِتِلْكَ الْأَعْمَال للخير فعاوضهم عَلَيْهَا مُعَاوضَة قَالُوا والأنعام مِنْهُ فِي الْآخِرَة غير حسن لما فِيهِ من تَكْرِير مِنْهُ الْعَطاء ابْتِدَاء وَلما فِيهِ من الْإِخْلَال بالمدح وَالثنَاء والتعظيم الَّذِي لَا يسْتَحق إِلَّا بالتكليف وَمِنْهُم من يَقُول أَن الْوَاجِبَات الشَّرْعِيَّة لطف فِي الْوَاجِبَات
следующие страницы →