← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6840

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط العلمية

ابن القيم

Полный текст (577 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أَيْن لَهُ معرفَة الله تَعَالَى بأسمائه وَصِفَاته وَالْآيَة الَّتِي تعرف بهَا الله إِلَيّ عباده على السّنة رسله وَمن أَيْن لَهُ معرفَة تفاصيل شَرعه وَدينه الَّذِي شَرعه لِعِبَادِهِ وَمن أَيْن لَهُ تفاصيل مواقع محبته وَرضَاهُ وَسخطه وكراهته وَمن أَيْن لَهُ معرفَة تفاصيل ثَوَابه وعقابه وَمَا أعد لأوليائه وَمَا اعد لأعدائه ومقادير الثَّوَاب وَالْعِقَاب وكيفيتهما ودرجاتهما وَمن أَيْن لَهُ معرفَة الْغَيْب الَّذِي لم يظْهر الله عَلَيْهِ أحدا من خلقه إِلَّا من ارْتَضَاهُ من رسله إِلَيّ غير ذَلِك مِمَّا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وبلغته عَن الله وَلَيْسَ فِي الْعقل طَرِيق إِلَيّ مَعْرفَته فَكيف يكون معرفَة حسن بعض الْأَفْعَال وقبحها بِالْعقلِ مغنيا عَمَّا جَاءَت بِهِ الرُّسُل فَظهر أَن مَا ذكرتموه مُجَرّد تهويل مشحون بالأباطيل وَالْحَمْد لله وَقد ظهر بِهَذَا الْقُصُور الفلاسفة فِي معرفَة النبوات وَأَنَّهُمْ لَا علم عِنْدهم بهَا إِلَّا كعلم عوام النَّاس بِمَا عِنْدهم من ألعقليات بل علمهمْ بالنبوات وحقيقتها وَعظم قدرهَا وَمَا جَاءَت بِهِ اقل بِكَثِير من علم الْعَامَّة بعقلياتهم فهم عوام بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا كَمَا أَن من لم يعرف علومهم عوام بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم فلولا النبوات لم يكن فِي الْعَالم علم نَافِع الْبَتَّةَ وَلَا عمل صَالح وَلَا صَلَاح فِي معيشته وَلَا قوام لمملكة ولكان النَّاس بِمَنْزِلَة الْبَهَائِم وَالسِّبَاع العادية وَالْكلاب الضارية الَّتِي يعدو بَعْضهَا على بعض وكل دين فِي الْعَالم فَمن آثَار النُّبُوَّة وكل شَيْء وَقع فِي الْعَالم أَو سيقع فبسبب خَفَاء آثَار النُّبُوَّة ودروسها فالعالم حِينَئِذٍ روحه النُّبُوَّة وَلَا قيام للجسد بِدُونِ روحه وَلِهَذَا إِذا تمّ انكساف شمس النُّبُوَّة من الْعَالم وَلم يبْق فِي الأَرْض شَيْء من أثارها الْبَتَّةَ انشقت سماؤه وانتثرت كواكبه وكورت شمسه وخسفت قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وَأهْلك من عَلَيْهَا فَلَا قيام للْعَالم إِلَّا بأثار النُّبُوَّة وَلِهَذَا كَانَ كل مَوضِع ظَهرت فِيهِ آثَار النُّبُوَّة فأهله أحسن حَالا وَأصْلح بَالا من الْموضع الَّذِي يخفى فِيهِ آثارها وَبِالْجُمْلَةِ فحاجة الْعَالم إِلَيّ النُّبُوَّة أعظم من حَاجتهم إِلَيّ نور الشَّمْس وَأعظم من حَاجتهم إِلَيّ المَاء والهواء الَّذِي لَا حَيَاة لَهُم بِدُونِهِ فصل وَأما مَا ذكره الفلاسفة من مَقْصُود الشَّرَائِع وان ذَلِك لاستكمال النَّفس قوى الْعلم وَالْعَمَل والشرائع ترد بتمهيد مَا تقرر فِي الْعقل بتعبيره إِلَيّ آخِره فَهَذَا مقَام يجب الاعتناء بِشَأْنِهِ وَأَن لَا نضرب عَنهُ صفحا فَنَقُول للنَّاس فِي الْمَقْصُود بالشرائع والأوامر والنواهي أَرْبَعَة طرق: أَحدهَا طَرِيق من يَقُول أَن الفلاسفة وأتباعهم من المنتسبين إِلَيّ الْملَل أَن الْمَقْصُود بهَا تَهْذِيب أَخْلَاق النُّفُوس وتعديلها لتستعد بذلك لقبُول الْحِكْمَة العلمية والعملية وَمِنْهُم من يَقُول لتستعد بذلك لِأَن تكون محلا لانتقاش صور المعقولات فِيهَا ففائدة ذَلِك عِنْدهم كالفائدة

стр. 422

الْحَاصِلَة من صقل الْمرْآة لتستعد لظُهُور الصُّور فِيهَا وَهَؤُلَاء يجْعَلُونَ الشَّرَائِع من جنس الْأَخْلَاق الفاضلة والسياسات العادلة وَلِهَذَا رام فلاسفة الْإِسْلَام الْجمع بَين الشَّرِيعَة والفلسفة كَمَا فعل ابْن سينا والفارابي واضرابهما وَآل بهم أَن تكلمُوا فِي خوارق الْعَادَات والمعجزات على طَرِيق الفلاسفة الْمَشَّائِينَ وَجعلُوا لَهَا أسبابا ثَلَاثَة أَحدهَا القوى الفلكية وَالثَّانِي القوى النفسية وَالثَّالِث القوى الطبيعية وَجعلُوا جنس الخوارق جِنْسا وَاحِدًا وأدخلوا مَا للسحرة وأرباب الرياضة والكهنة وَغَيرهم مَعَ مَا للأنبياء وَالرسل فِي ذَلِك وَجعلُوا سَبَب ذَلِك كُله وَاحِدًا وان اخْتلفت بالغايات وَالنَّبِيّ قَصده الْخَيْر والساحر قَصده الشَّرّ وَهَذَا الْمَذْهَب من افسد مَذَاهِب الْعَالم وأخبثها وَهُوَ مَبْنِيّ على إِنْكَار الْفَاعِل الْمُخْتَار وانه تَعَالَى لَا يعلم ألجزئيات وَلَا يقدر على تَغْيِير الْعَالم وَلَا يخلق شَيْئا بمشيئته وَقدرته وعَلى إِنْكَار الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة ومعاد الْأَجْسَام وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مَبْنِيّ على الْكفْر بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وَلَيْسَ هَذَا مَوْضُوع الرَّد هُنَا على هَؤُلَاءِ وكشف باطلهم وفضائحهم إِذْ الْمَقْصُود ذكر طرق النَّاس فِي الْمَقْصُود بالشرائع والعبادات وَهَذِه الْفرْقَة غَايَة مَا عِنْدهَا فِي الْعِبَادَات والأخلاق وَالْحكمَة العلمية أَنهم رَأَوْا النَّفس لَهَا شَهْوَة وَغَضب بقوتها العملية وَلها تصور وَعلم بقوتها العلمية فَقَالُوا كَمَال الشَّهْوَة فِي الْعِفَّة وَكَمَال الْغَضَب فِي الحكم والشجاعة وَكَمَال الْقُوَّة النظرية بِالْعلمِ والتوسط فِي جَمِيع ذَلِك بَين طرفِي الإفراط والتفريط هُوَ الْعدْل هَذَا غَايَة مَا عِنْد الْقَوْم من الْمَقْصُود بالعبادات والشرائع وَهُوَ عِنْدهم غَايَة كَمَال النَّفس وَهُوَ استكمال قويتها العلمية والعملية فاستكمال قوتها العلمية عِنْدهم بانطباع صور المعلومات فِي النَّفس واستكمال قوتها العلمية بِالْعَدْلِ وَهَذَا مَعَ انه غَايَة مَا عِنْدهم من الْعلم وَالْعَمَل وَلَيْسَ فِيهِ بَيَان خاصية النَّفس الَّتِي لَا كَمَال لَهَا بِدُونِهِ الْبَتَّةَ وَهُوَ الَّذِي خلقت لَهُ وَأُرِيد مِنْهَا بل مَا عرفه الْقَوْم لِأَنَّهُ لم يكن عِنْدهم من معرفَة مُتَعَلقَة إِلَّا نزر يسير غير مجد وَلَا مُحَصل للمقصود وَذَلِكَ معرفَة الله بأسمائه وَصِفَاته وَمَعْرِفَة مَا يَنْبَغِي لجلاله وَمَا يتعالى ويتقدس عَنهُ وَمَعْرِفَة أمره وَدينه والتمييز بَين مواقع رِضَاهُ وَسخطه واستفراغ الوسع فِي التَّقْرِيب إِلَيْهِ وامتلاء الْقلب بمحبته بِحَيْثُ يكون سُلْطَان حبه قاهرا لكل محبَّة وَلَا سَعَادَة للْعَبد فِي دُنْيَاهُ وَلَا أخراه إِلَّا بذلك وَلَا كَمَال للروح بِدُونِ ذَلِك الْبَتَّةَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي خلق لَهُ بل وَأُرِيد مِنْهُ بل ولأجله خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض واتخذت الْجنَّة وَالنَّار كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره من أَكثر من مائَة وَجه أَن شَاءَ الله وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ عِنْد الْقَوْم من هَذَا خبر بل هم فِي وَاد وَأهل الشَّأْن فِي وَاد وَهَذَا هُوَ الدّين الَّذِي الَّذِي أَجمعت الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِ من أَوَّلهمْ إِلَيّ خاتمتهم كلهم جَاءَ بِهِ وَأخْبر عَن الله أَنه دينه الَّذِي رضيه لِعِبَادِهِ وشرعه لَهُم وَأمرهمْ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَمَا أرسلنَا من قبلك رَسُولا إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا اله إِلَّا أَنا فاعبدون

стр. 423

وَقَالَ تَعَالَى وَمن يبتع غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَقَالَ تَعَالَى واسأل من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ وَقَالَ يأيها الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا أَنى بِمَا تَعْمَلُونَ عليم وَأَن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون وَقَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ كبر على الْمُشْركين﴾ وَقَالَ تَعَالَى فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ منيبين إِلَيْهِ وَاتَّقوا وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فالغاية الحميدة الَّتِي يحصل بهَا كَمَال بني آدم وسعادتهم ونجاحهم هِيَ معرفَة الله ومحبته وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وَهِي حَقِيقَة قَول العَبْد لَا اله إِلَّا الله وَبهَا بعث الرُّسُل وَنزلت جَمِيع الْكتب وَلَا تصلح النَّفس وَلَا تزكو وَلَا تكمل إِلَّا بذلك قَالَ تَعَالَى فويل للْمُشْرِكين الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة أَي لَا يُؤْتونَ مَا تزكّى بِهِ أنفسهم من التَّوْحِيد والأيمان وَلِهَذَا فَسرهَا غير وَاحِد من السّلف بِأَن قَالُوا لَا يأْتونَ الزَّكَاة لَا يَقُولُونَ لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن يكون الله أحب إِلَى العَبْد من كل مَا سواهُ هُوَ اعظم وَصِيَّة جَاءَت بهَا الرُّسُل ودعوا إِلَيْهَا الْأُمَم وسنبين أَن شَاءَ الله عَن قريب بالبراهين الشافية أَن النَّفس لَيْسَ لَهَا نجاة وَلَا سَعَادَة وَلَا كَمَال إِلَّا بِأَن يكون الله وَحده محبوبها ومعبودها لَا أحب إِلَيْهَا مِنْهُ وَلَا آثر عِنْدهَا من مرضاته والتقرب إِلَيْهِ وَأَن النَّفس محتاجة بل مضطرة إِلَيْهِ حَيْثُ هُوَ معبودها ومحبوبها وَغَايَة مرادها أعظم من اضطرارها إِلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ رَبهَا وخالقها وفاطرها وَلِهَذَا كَانَ من آمن بِاللَّه خالقه ورازقه وربه ومليكه وَلم يُؤمن بِأَنَّهُ لَا اله يعبد وَيُحب ويخشى وَيخَاف غَيره بل أشرك مَعَه فِي عِبَادَته غَيره فَهُوَ كَافِر بِهِ مُشْرك شركا لَا يغفره الله لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ فَأخْبر أَن من أحب شَيْئا سوى الله مثل مَا يحب الله فقد اتخذ من دون الله أندادا وَلِهَذَا يَقُول أهل النَّار لمعبوداتهم وهم مَعَهم فِيهَا ﴿تالله إِن كُنَّا لفي ضلال مُبين إِذْ نسويكم بِرَبّ الْعَالمين﴾ وَهَذِه التَّسْوِيَة إِنَّمَا كَانَت فِي الْحبّ والتأله لَا فِي الْخلق وَالْقُدْرَة والربوبية وَهِي الْعدْل الَّذِي أخبر بِهِ عَن الْكفَّار بقوله وَالْحَمْد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ أَن الْمَعْنى ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ فيجعلون لَهُ عدلا يحبونه ويعبدونه ويعبدونه كَمَا يحبونَ الله ويعبدونه فَمَا ذكر الفلاسفة من الْحِكْمَة العملية والعلمية لَيْسَ فِيهَا من الْعُلُوم والأعمال مَا تستعد بِهِ النُّفُوس وتنجو بِهِ من الْعَذَاب فَلَيْسَ فِي

стр. 424

حكمتهم العلمية إِيمَان بِاللَّه وَلَا مَلَائكَته وَلَا كتبه وَلَا لِقَائِه رسله وَلَيْسَ فِي حكمتهم العلمية عِبَادَته وَحده وَلَا شريك لَهُ وَاتِّبَاع مرضاته وَاجْتنَاب مساخطه وَمَعْلُوم أَن النَّفس لَا سَعَادَة لَهَا وَلَا فلاح إِلَّا بذلك فَلَيْسَ من حكمتهم العلمية والعملية مَا تسعد بِهِ النُّفُوس وتفوز وَلِهَذَا لم يَكُونُوا داخلين فِي الْأُمَم السُّعَدَاء فِي الْآخِرَة وهم الْأُمَم الْأَرْبَعَة المذكورون فِي قَوْله تَعَالَى أَن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم ولاهم يَحْزَنُونَ فصل وَهَذِه الكمالات الْأَرْبَعَة الَّتِي ذكرهَا الفلاسفة للنَّفس لَا بُد مِنْهَا فِي كَمَا لَهَا وصلاحها وَلَكِن قصروا غَايَة التَّقْصِير فِي أَنهم لم يبينوا متعلقها وَلم يحدوا لَهَا حدا فاصلا بَين مَا تحصل بِهِ السَّعَادَة وَمَا لَا تحصل بِهِ فانهم لم يذكرُوا مُتَعَلق الْعِفَّة وَلَا عماذا تكون وَلَا مقدارها الَّذِي إِذا تجاوزه العَبْد وَقع فِي الْفُجُور وَكَذَلِكَ الْحلم لم يذكرُوا مواقعه ومقداره وَأَيْنَ يحسن وَأَيْنَ يقبح وَكَذَلِكَ الشجَاعَة وَكَذَلِكَ الْعلم لم يميزوا الْعلم الَّذِي تزكو بِهِ النُّفُوس وتسعد من غَيره بل لم يعرفوا أصلا وَأما الرُّسُل صَلَاة الله وَسَلَامه عَلَيْهِم فبينوا ذَلِك غَايَة الْبَيَان وفصلوه أحسن تَفْصِيل وَقد جمع الله ذَلِك فِي كِتَابه فِي آيَة وَاحِدَة فَقَالَ ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ فَهَذِهِ الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة الَّتِي حرمهَا تَحْرِيمًا مُطلقًا لم يبح مِنْهَا شَيْئا لأحد من الْخلق وَلَا فِي حَال من الْأَحْوَال بِخِلَاف الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير فَأَنَّهَا تحرم فِي حَال وتباح فِي حَال وَأما هَذِه الْأَرْبَعَة فَهِيَ مُحرمَة فالفواحش مُتَعَلقَة بالشهوة وتعديل قُوَّة الشَّهْوَة باجتنابها وَالْبَغي بِغَيْر الْحق مُتَعَلق بِالْغَضَبِ وتعديل الْقُوَّة الغضبية باجتنابه والشرك بِاللَّه ظلم عَظِيم بل هُوَ الظُّلم على الْإِطْلَاق وَهُوَ منَاف للعدل وَالْعلم وَقَوله وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا مُتَضَمّن تَحْرِيم أصل الظُّلم فِي حق الله وَذَلِكَ يسْتَلْزم إِيجَاب الْعدْل فِي حَقه وَهُوَ عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ فان النَّفس لَهَا القوتان العلمية والعملية وَعمل الْإِنْسَان عمل اخْتِيَاري تَابع لارادة العَبْد وكل إِرَادَة فلهَا مُرَاد وَكَمَال هُوَ أما مُرَاد لنَفسِهِ واما مُرَاد لغيره يَنْتَهِي إِلَيّ المُرَاد لنَفسِهِ وَلَا بُد فالقوة العملية تَسْتَلْزِم أَن يكون للنَّفس مُرَاد تستكمل بإرادته فان كَانَ ذَلِك المُرَاد مضمحلا فانيا زَالَت الْإِرَادَة بزواله وَلم يكن للنَّفس مُرَاد غَيره قفاتها أعظم سعادتها وفلاحها فَيجب إِذا أَن يكون مرادها الَّذِي تستكمل بإرادته وحبه وإيثاره بَاقِيا لَا يفنى وَلَا يَزُول وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله وَحده وَسَنذكر أَن شَاءَ الله عَن قريب معنى تعلق الْإِرَادَة بِهِ تَعَالَى وَكَونه مرَادا وَالْعَبْد مُرِيد لَهُ فان هَذَا مِمَّا أشكل على بعض

стр. 425

الْمُتَكَلِّمين حَيْثُ قَالُوا أَن الْإِرَادَة لَا تتَعَلَّق إِلَّا بحادث وَأما الْقَدِيم فَكيف يكون مرَادا وخفى عَلَيْهِم الْفرق بَين الْإِرَادَة الغائبة والإرادة الفاعلية وَجعلُوا الارادتين وَاحِدَة وَالْمَقْصُود أَن هَؤُلَاءِ الفلاسفة لم يذكرُوا هَذَا فِي كَمَال النَّفس وانما جعلُوا كمالها فِي تَعْدِيل الشَّهْوَة وَالْغَضَب والشهوة هِيَ جلب مَا ينفع الْبدن وَيبقى النوغ وَالْغَضَب دفع مَا يضر الْبدن وَمَا تعرضوا لمراد الرّوح المحبوب لذاته وَجعلُوا كمالها العلمي فِي مُجَرّد الْعلم وغلطوا فِي ذَلِك من وُجُوه كَثِيرَة مِنْهَا أَن مَا ذَكرُوهُ لَا يُعْطي كَمَال النَّفس الَّذِي خلقت لَهُ كَمَا بَيناهُ وَمِنْهَا أَن مَا ذَكرُوهُ فِي كَمَال الْقُوَّة العملية إِنَّمَا غَايَته إصْلَاح الْبدن الَّذِي هُوَ آلَة النَّفس وَلم يذكرُوا كَمَال النَّفس الإرادي وَالْعَمَل بالمحبة وَالْخَوْف والرجاء وَمِنْهَا أَن كَمَال النَّفس فِي الْعلم والإرادة لَا فِي مُجَرّد الْعلم فان مُجَرّد الْعلم لَيْسَ بِكَمَال للنَّفس مَا لم تكن مريدة محبَّة لمن لَا سَعَادَة لَهَا إِلَّا بإرادته ومحبته فالعلم الْمُجَرّد لَا يُعْطي النَّفس كَمَا لَا مَا لم تقترن بِهِ الْإِرَادَة والمحبة وَمِنْهَا أَن الْعلم لَو كَانَ كمالا بِمُجَرَّدِهِ لم يكن مَا عِنْدهم من الْعلم كَمَا لَا للنَّفس فان غَايَة مَا عِنْدهم عُلُوم رياضية صَحِيحَة مصلحتها من جنس مصَالح الصناعات وَرُبمَا كَانَت الصناعات أصلح وأنفع من كثير مِنْهَا واما علم طبيعي صَحِيح غَايَته معرفَة العناصر وَبَعض خواصها وطبائعها وَمَعْرِفَة بعض مَا يتركب مِنْهَا وَمَا يَسْتَحِيل من الموجبات إِلَيْهَا وَبَعض مَا يَقع فِي الْعَالم من الْآثَار بامتزاجها واختلاطها وَأي كَمَال للنَّفس فِي هَذَا وَأي سَعَادَة لَهَا فِيهِ واما علم الهي كُله بَاطِل لم يوفقوا فِي الْإِصَابَة الْحق فِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة وَمِنْهَا أَن كَمَال النَّفس وسعادتها الْمُسْتَفَاد عَن الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم لَيْسَ عِنْدهم الْيَوْم مِنْهُ حس وَلَا خبر وَلَا عين وَلَا أثر فهم أبعد النَّاس من كمالات النُّفُوس وسعاداتها وَإِذا عرف ذَلِك وَأَنه لَا بُد للنَّفس من مُرَاد مَحْبُوب لذاته لَا يصلح إِلَّا بِهِ وَلَا يكمل إِلَّا بحبه وإيثاره وَقطع العلائق عَن غَيره وان ذَلِك هُوَ النِّهَايَة وَغَايَة مطلوبها ومرادها الَّذِي إِلَيْهِ يَنْتَهِي الطّلب فَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله الَّذِي لَا اله إِلَّا هُوَ قَالَ تَعَالَى أم اتَّخذُوا آلِهَة من الأَرْض هم ينشرون وَلَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا وَلَيْسَ صَلَاح الْإِنْسَان وَحده وسعادته إِلَّا بذلك بل وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وكل حَيّ شَاعِر لاصلاح لَهُ إِلَّا بِأَن يكون الله وَحده ألهه ومعبوده وَغَايَة مُرَاده وسيمر بك أَن شَاءَ الله بسط القَوْل فِي ذَلِك واقامة الْبَرَاهِين على هَذَا الْمَطْلُوب الْأَعْظَم الَّذِي هُوَ غَايَة سَعَادَة النُّفُوس وأشرف مطالبها فلنرجع إِلَيّ مَا كُنَّا فِيهِ من بَيَان طرق النَّاس فِي مَقَاصِد الْعِبَادَات الطَّرِيق الثَّانِي طَرِيق من يَقُول من الْمُعْتَزلَة وَمن تَابعهمْ أَن الله سُبْحَانَهُ عرضهمْ بهَا للثَّواب واستأجرهم بِتِلْكَ الْأَعْمَال للخير فعاوضهم عَلَيْهَا مُعَاوضَة قَالُوا والأنعام مِنْهُ فِي الْآخِرَة غير حسن لما فِيهِ من تَكْرِير مِنْهُ الْعَطاء ابْتِدَاء وَلما فِيهِ من الْإِخْلَال بالمدح وَالثنَاء والتعظيم الَّذِي لَا يسْتَحق إِلَّا بالتكليف وَمِنْهُم من يَقُول أَن الْوَاجِبَات الشَّرْعِيَّة لطف فِي الْوَاجِبَات

стр. 426

الْعَقْلِيَّة وَمِنْهُم من يَقُول أَن الْغَايَة الْمَقْصُودَة الَّتِي يحصل بهَا الثَّوَاب هِيَ الْعَمَل وَالْعلم وَسِيلَة إِلَيْهِ حَتَّى رُبمَا قَالُوا ذَلِك فِي معرفَة الله تَعَالَى وَأَنَّهَا إِنَّمَا وَجَبت لِأَنَّهَا لطف فِي أَدَاء الْوَاجِبَات العملية وَهَذِه الْأَقْوَال تصور الْعَاقِل اللبيب لَهَا حق التَّصَوُّر كَاف فِي جزمه ببطلانها رَافع عَنهُ مُؤنَة الرَّد عَلَيْهَا وَالْوُجُوه الدَّالَّة على بُطْلَانهَا أَكثر من أَن تذكر هَاهُنَا الطَّرِيق الثَّالِث طَرِيق الجبرية وَمن وافقهم أَن الله سُبْحَانَهُ امتحن عباده بذلك وكلفهم لَا لحكمة وَلَا لغاية مَطْلُوبَة لَهُ وَلَا بِسَبَب من الْأَسْبَاب فَلَا لَام تَعْلِيل وَلَا بَاء سَبَب أَن هُوَ إِلَّا مَحْض الْمَشِيئَة وَصرف الْإِرَادَة كَمَا قَالُوا فِي الْخلق سَوَاء وَهَؤُلَاء قابلوا من قبلهم من الْقَدَرِيَّة والمعتزلة أعظم مُقَابلَة فهما طرفا نقيض لَا يَلْتَقِيَانِ وَالطَّرِيق الرَّابِع طَرِيق أهل الْعلم والأيمان الَّذين عقلوا عَن الله أمره وَدينه وَعرفُوا مُرَاده بِمَا أَمرهم ونهاهم عَنهُ وَهِي أَن نفس معرفَة الله ومحبته وطاعته والتقرب إِلَيْهِ وابتغاء الْوَسِيلَة إِلَيْهِ أَمر مَقْصُود لذاته وَأَن الله سُبْحَانَهُ يسْتَحقّهُ لذاته وَهُوَ سُبْحَانَهُ المحبوب لذاته الَّذِي لَا تصلح الْعِبَادَة والمحبة والذل والخضوع والتأله إِلَّا لَهُ فَهُوَ يسْتَحق ذَلِك لِأَنَّهُ أهل أَن يعبد وَلَو لم يخلق جنَّة وَلَا نَارا وَلَو لم يضع ثَوابًا وَلَا عقَابا كَمَا جَاءَ فِي بعض الْآثَار لَو لم أخلق جنَّة وَلَا نَارا أما كنت أَهلا أَن أعبد فَهُوَ سُبْحَانَهُ يسْتَحق غَايَة الْحبّ وَالطَّاعَة وَالثنَاء وَالْمجد والتعظيم لذاته وَلما لَهُ من أَوْصَاف الْكَمَال ونعوت الْجلَال وحبه والرضى بِهِ وَعنهُ والذل لَهُ والخضوع والتعبد هُوَ غَايَة سَعَادَة النَّفس وكمالها وَالنَّفس إِذا فقدت ذَلِك كَانَت بِمَنْزِلَة الْجَسَد الَّذِي فقد روحه وحياته وَالْعين الَّتِي فقدت ضوءها ونورها بل أَسْوَأ حَالا من ذَلِك من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن غَايَة الْجَسَد إِذا فقد روحه أَن يصير معطلا مَيتا وَكَذَلِكَ الْعين تصير معطلة وَأما النَّفس إِذا فقدت كمالها الْمَذْكُور فَأَنَّهَا تبقى معذبة متألمة وَكلما اشْتَدَّ حجابها اشْتَدَّ عَذَابهَا وألمها وَشَاهد هَذَا مَا يجده الْمُحب الصَّادِق الْمحبَّة من الْعَذَاب والألم عِنْد احتجاب محبوبه عَنهُ وَلَا سِيمَا إِذا يئس من قربه وحظى غَيره بحبه وَوَصله هَذَا مَعَ إِمْكَان التعوض عَنهُ بمحبوب آخر نَظِيره أَو خير مِنْهُ فَكيف بِروح فقدت محبوبها الْحق الَّذِي لم تخلق إِلَّا لمحبته وَلَا كَمَال لَهَا وَلَا صَلَاح أصلا إِلَّا بِأَن يكون أحب إِلَيْهَا من كل مَا سواهُ وَهُوَ محبوبها الَّذِي لَا تعوض مِنْهُ سواهُ بِوَجْه مَا كَمَا قَالَ الْقَائِل: من كل شَيْء إِذا ضيعته عوض ... وَمَا من الله أَن ضيعته عوض وَلَو لم يكن احتجابه سُبْحَانَهُ عَن عَبده أَشد أَنْوَاع الْعَذَاب عَلَيْهِ لم يتوعد بِهِ أعداءه كَمَا قَالَ تَعَالَى كلا انهم عَن رَبهم يؤمئذ لمحجوبون ثمَّ انهم لصالو الْجَحِيم فَأخْبر أَن لَهُم عذابين أَحدهمَا عَذَاب الْحجاب عَنهُ وَالثَّانِي صلى الْجَحِيم وَأحد العذابين أَشد من الآخر وَهَذَا كَمَا أَنه سُبْحَانَهُ ينعم على أوليائه بنعيمين نعيم كشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ونعيم الْجنَّة وَمَا فِيهَا

стр. 427

وَأحد النعيمين أحب إِلَيْهِم من الآخر وآثر عِنْدهم وَأقر لعيونهم كَمَا فِي الصَّحِيح عَنهُ أَنه قَالَ إِذا دخل أهل الْجنَّة نَادَى مناديا أهل الْجنَّة أَن لكم عِنْد الله موعدا يُرِيد أَن ينجزكموه فَيَقُولُونَ مَا هُوَ ألم يبيض وُجُوهنَا ويثقل موازيننا ويدخلنا الْجنَّة ويجرنا من النَّار قَالَ فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَمَا أَعْطَاهُم شَيْئا أحب إِلَيْهِم من النّظر إِلَيْهِ وَفِي حَدِيث غير هَذَا أَنهم إِذا نظرُوا إِلَيّ رَبهم ﵎ أنساهم لَذَّة النّظر إِلَيْهِ مَا هم فِيهِ من النَّعيم وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْبدن والأعضاء آلَات للنَّفس ورعية للقلب وخدم لَهُ فَإِذا فقد بَعضهم كَمَاله الَّذِي خلق لَهُ كَانَ بِمَنْزِلَة هَلَاك بعض جند الْملك ورعيته وتعطل بعض آلاته وَقد لَا يلْحق الْملك من ذَلِك ضَرَر أصلا وَأما إِذا فقد الْقلب كَمَاله الَّذِي خلق لَهُ وحياته ونعيمه كَانَ بِمَنْزِلَة هَلَاك الْملك وأسره وَذَهَاب ملكه من يَدَيْهِ وصيرورته أَسِيرًا فِي أَيدي أعاديه فَهَكَذَا الرّوح إِذا عدمت كمالها وصلاحها فِي معرفَة فاطرها وبارئها وَكَونه أحب شَيْء إِلَيْهَا رِضَاهُ وابتغاء الْوَسِيلَة إِلَيْهِ آثر شَيْء عِنْدهَا حَتَّى يكون اهتمامها بمحبته ومرضاته اهتمام الْمُحب التَّام الْمحبَّة بمرضاة محبوبه الَّذِي لَا يجد مِنْهُ عوضا كَانَت بِمَنْزِلَة الْملك الَّذِي ذهب مِنْهُ ملكه وَأصْبح أَسِيرًا فِي يَدي أعاديه يسومونه سوء الْعَذَاب وَهَذَا الْأَلَم كامن فِي النَّفس لَكِن يستره ستر الشَّهَوَات ويواريه حجاب الْغَفْلَة حَتَّى إِذا كشف الغطاء وحيل بَين العَبْد وَبَين مَا يشتهى وجد حَقِيقَة ذَلِك الْأَلَم وذاق طعمه وتجرد ألمه عَمَّا يَحْجُبهُ ويواريه وَهَذَا أَمر يدْرك بالعيان والتجربة فِي هَذِه الدَّار تكون الْأَسْبَاب المؤلمة للروح وَالْبدن مَوْجُودَة مقتضية لآثارها وَلَكِن يقوم للقلب من فرحه بحظ ناله من مَال أَو جاه أَو وصال حبيب مَا يوارى عَنهُ شُهُود الْأَلَم وَرُبمَا لَا يشْعر بِهِ أصلا فَإِذا زَالَ الْمعَارض ذاق طعم الْأَلَم وَوجد مَسّه وَمن اعْتبر أَحْوَال نَفسه وَغَيره علم ذَلِك فَإِذا كَانَ هَذَا فِي هَذِه الدَّار فَمَا الظَّن عِنْد الْمُفَارقَة والفطام عَن الدُّنْيَا والانتقال إِلَيّ الله والمصير إِلَيْهِ فَلْيتَأَمَّل الْعَاقِل الفطن الناصح لنَفسِهِ هَذَا الْموضع حق التَّأَمُّل وليشغل بِهِ كل أفكاره فان فهمه وعقله وَاسْتمرّ إعراضه فَمَا تبلغ الْأَعْدَاء من جَاهِل ... مَا يبلغ الْجَاهِل من نَفسه وان لم يفهمهُ لغلظ حجابه وكثافة طبعه فيكفيه الْأَيْمَان بِمَا أعد الله تَعَالَى فِي الْجنَّة لأَهْلهَا من نعم الْأكل وَالشرب وَالنِّكَاح والمناظر المبهجة وَمَا أعد فِي النَّار لأَهْلهَا من السلَاسِل والأغلال وَالْحَمِيم ومقطعات الثِّيَاب من النَّار وَنَحْو ذَلِك وَالْمَقْصُود بَيَان أَن الْحَاجة إِلَيّ الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم ضَرُورِيَّة بل هِيَ فِي أَعلَى مَرَاتِب الضَّرُورَة وَلَيْسَت نظرا لحاجتهم إِلَيّ الْحَاجة وأسبابها بل هِيَ أعظم من ذَلِك وَأما مَا ذكر عَن الصابئة من الِاسْتِغْنَاء عَن النُّبُوَّة فَهَذَا لَيْسَ مذهبا لجميعهم بل فيهم سعيد وشقي كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين﴾

стр. 428

﴿آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَأدْخل الْمُؤمنِينَ من الصابئين فِي أهل السَّعَادَة وَلم ينالوا ذَلِك إِلَّا بِالْإِيمَان بالرسل وَلَكِن مِنْهُم من أنكر النبوات وَعبد الْكَوَاكِب وهم فرق كَثِيرَة لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهم فَأَما قَوْلهم أَن الموجودات فِي الْعَالم السُّفْلى مركبة فِي تَأْثِير الْكَوَاكِب والروحانيات وَفِي اتصالها سعود ونحوس يُوجب أَن يكون فِي آثارها حسن وقبح فِي الْأَخْلَاق والأعمال يُدْرِكهُ كل ذِي عقل سليم فَلَا حَاجَة لنا إِلَيّ من يعرفنا حسنها وقبحها إِلَيّ آخر كَلَامهم فَكَلَام من هُوَ أَجْهَل النَّاس وأضلهم وأبعدهم عَن الإنسانية وَقَائِل هَذِه الْمقَالة مُنَاد على نَفسه أَنه لم يعرف فاطره فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَا صِفَاته وَلَا أَفعاله بل وَلَا عرف نَفسه الَّتِي بَين جَنْبَيْهِ وَلَا مَا يسعدها ويشقيها وَلَا غايتها وَلَا لماذا خلقت وَلَا بِمَاذَا تكمل وَتصْلح وبماذا تفْسد وتهلك بل هُوَ أَجْهَل النَّاس بِنَفسِهِ وبفاطرها وبارئها وَهل يتَمَكَّن الْعقل بعد معرفَة النَّفس وَمَعْرِفَة فاطرها ومبدعها أَن يجْحَد النُّبُوَّة أَو يجوز على الله وعَلى حكمته أَن يتْرك النَّوْع البشري الَّذِي هُوَ خُلَاصَة الْمَخْلُوقَات سدى ويدعهم عملا معطلا ويخلقهم عَبَثا بَاطِلا وَمن جوز ذَلِك على الله سُبْحَانَهُ فَمَا قدره حق قدره بل وَلَا عرفه وَلَا آمن بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره إِذْ قَالُوا مَا أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَن من جحد رسالاته فَمَا قدره حق قدره وَلَا عرفه وَلَا عظمه وَلَا نزهه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا ثمَّ يُقَال لهَذِهِ الطَّائِفَة بِمَاذَا عَرَفْتُمْ أَن الموجودات بالعالم السفلي كلهَا مركبة على تَأْثِير الْكَوَاكِب والروحانيات وَهل هَذَا إِلَّا كذب بحت وبهت فَهَب أَن بعض الْآثَار الْمُشَاهدَة مسبب عَن تَأْثِير بعض الْكَوَاكِب والعلويات كَمَا يُشَاهد من تَأْثِير الشَّمْس وَالْقَمَر فِي الْحَيَوَان والنبات وَغَيرهمَا فَمن أَيْن لكم أَن جَمِيع أَجزَاء الْعَالم السفلي صادر عَن تَأْثِير الْكَوَاكِب والروحانيات وَهل هَذَا إِلَّا كذب وَجَهل فَهَذَا الْعَالم فِيهِ من التَّغَيُّر والاستحالة والكون وَالْفساد مَالا يُمكن إِضَافَته إِلَيّ كَوْكَب وَلَا يتَصَوَّر وُقُوعه إِلَّا بِمَشِيئَة فَاعل مُخْتَار قَادر مُؤثر فِي الْكَوَاكِب والروحانيات مسخر لَهَا بقدرته مُدبر لَهَا بِمَشِيئَة كَمَا تشهد عَلَيْهَا أحوالها وهيآتها وتسخيرها وانقيادها أَنَّهَا مُدبرَة مربوبة مسخرة بِأَمْر قَادر قاهر يصرفهَا كَيفَ يَشَاء ويدبرها كَمَا يُرِيد لَيْسَ لَهَا من الْأَمر شَيْء وَلَا يُمكن أَن تتصرف فِي أَنْفسهَا بذرة فضلا أَن تُعْطى العلام وجوده فَلَو أَرَادَت حَرَكَة غير حركتها أَو مَكَانا غير مَكَانهَا أَو هَيْئَة أَو حَالا غير مَا هِيَ عَلَيْهِ لم تَجِد إِلَيّ ذَلِك سَبِيلا فَكيف تكون رَبًّا لكل مَا تحتهَا مَعَ كَونهَا عاجزة مصرفة مقهورة مسخرة آثَار الْفقر مسطورة فِي صفحاتها وآيات الْعُبُودِيَّة والتسخير

стр. 429

بادية عَلَيْهَا فَبِأَي اعْتِبَار نظر إِلَيْهَا الْعَاقِل رأى آثَار الْفقر وشواهد الْحُدُوث وأدلة التسخير والتصريف فِيهَا فَهِيَ خلق من لَيْسَ كمثله شَيْء وآيات من آيَاته عبيد مسخرات بأَمْره الْإِلَه الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين وَأما قَوْلهم أَن فِي اتصالات الْكَوَاكِب نظر سعود ونحوس مِمَّا أضحكوا بِهِ الْعُقَلَاء عَلَيْهِم من جَمِيع الْأُمَم وَنَادَوْا بِهِ على جهلهم وصاروا بِهِ مركزا لكل كَذَّاب وكل أفاك وكل زنديق وكل مفرط فِي الْجَهْل بالنبوات وَمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل بالحقائق الْعَقْلِيَّة والبراهين اليقينية وسنريك طرفا من جهالاتهم وكذبهم وتناقضهم وَبطلَان مقالتهم ليعرف اللبيب نعْمَة الله عَلَيْهِ فِي عقله وَدينه فَيُقَال لَهُم الْمُؤثر فِي هَذِه السُّعُود والنحوس هَل هُوَ الْكَوْكَب وَحده والبرج وَحده أَو الْكَوْكَب بِشَرْط حُصُوله فِي البرج وَالْكل محَال أما الأول وَالثَّانِي فانهما يوجبان دوَام الْأَثر لكَون الْمُؤثر دَائِم الثُّبُوت وَالثَّالِث أَيْضا محَال لِأَنَّهُ لما اخْتلف أثر الْكَوْكَب بِسَبَب اخْتِلَاف البرجين لزم أَن تكون طبيعة كل برج مُخَالفَة بالماهية لطبيعة البرج الثَّانِي إِذْ لَو لم يكن كَذَلِك كَانَت طبائع جَمِيع البروج مُتَسَاوِيَة فِي تَمام الْمَاهِيّة فَوَجَبَ أَن يكون أثر الْكَوْكَب فِي جَمِيع البروج أثرا وَاحِدًا لِأَن الْأَشْيَاء المتساوية فِي تَمام الْمَاهِيّة يمْتَنع أَن تلزمها لَوَازِم مُخْتَلفَة وَلما كَانَت آثَار كل كَوْكَب وَاجِبَة الِاخْتِلَاف بِسَبَب اخْتِلَاف البروج لزم الْقطع بِكَوْن البروج مُخْتَلفَة فِي الطبيعة والماهية وَهَذَا يَقْتَضِي كَون الْفلك مركبا لَا بسيطا وَقد قُلْتُمْ أَنْتُم وَجَمِيع الفلاسفة أَن الْفلك بسيط لَا تركيب فِيهِ وَمن الْعجب جَوَاب بعض الأحكاميين عَن هَذَا بَان الْكَوَاكِب حيوانات ناطقة فاعلة بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَار فَلذَلِك تصدر عَنْهَا الْأَفْعَال الْمُخْتَلفَة وَهَذَا مُكَابَرَة من هَؤُلَاءِ ظَاهِرَة فان دَلَائِل التسخير والاضطرار عَلَيْهَا من لُزُومهَا حَرَكَة لَا سَبِيل لَهَا إِلَيّ الْخُرُوج عَنْهَا ولزومها موضعا من الْفلك لَا تتمكن من الِانْتِقَال عَنهُ واطراد سَيرهَا على وَجه مَخْصُوص لَا تُفَارِقهُ الْبَتَّةَ أبين دَلِيل على أَنَّهَا مسخرة مقهورة على حركاتها محركة بتحريك قاهر لَا متحركة بإرادتها واختيارها كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ ثمَّ يُقَال لَا ينفعكم هَذَا الْجَواب شَيْئا فان طبائع البروج أَن كَانَت مُتَسَاوِيَة فِي تَمام الْمَاهِيّة كَانَ اخْتِصَاص كل برج بأثره الْخَاص تَرْجِيحا لأحد طرفِي الْمُمكن على الآخر بِلَا مُرَجّح وان لم تكن مُتَسَاوِيَة لزم تركيب الْفلك وَمِمَّا أضحكتم بِهِ الْعُقَلَاء مِنْكُم أَنكُمْ جعلتموها أجساما ناطقة فاعلة بِالِاخْتِيَارِ ونفيتم أَن يكون فاطرها ومبدعها حَيا قيوما فَاعِلا بِالِاخْتِيَارِ وَهَذِه الْحَوَادِث مستندة إِلَيّ مَشِيئَته واختياره جَارِيَة على وفْق حكمته وَعلمه مَعَ كَون هَذِه الْكَوَاكِب عبيده وَخلق مسخر بأَمْره وَلَا تملك لأنفسها وَلَا لما تحتهَا ضرا وَلَا نفعا وَلَا سَعْدا وَلَا نحسا كَمَا قَالَه الْعُقَلَاء من بني آدم واتفقت عَلَيْهِ الرُّسُل وأتباعهم فان قيل لَا نسلم أَن الْفلك بسيط بل هُوَ مركب من هَذِه

стр. 430

البروج وطبيعة كل برج مُخَالفَة لطبيعة البرج الآخر بل طبيعة كل دقيقة وثانية مُخَالفَة لطبيعة الدقيقة الْأُخْرَى وَالثَّانيَِة الْأُخْرَى وَلَا يتم علم الْأَحْكَام إِلَّا بِهَذَا قيل قَوْلكُم بِأَنَّهُ قديم أبدى غير قَابل للكون وَالْفساد وَلَا يقبل الانحلال وَلَا الْخرق وَلَا الالتئام مَعَ كَون طبيعة كل جُزْء مِنْهُ صَغِيرا أَو كَبِيرا مُخَالفَة لطبيعة الْجُزْء الآخر كَمَا صرح بِهِ أَبُو معشر جمع بَين النقيضين فانه إِذا كَانَ مركبا من أَجزَاء مُخْتَلفَة الْمَاهِيّة لم يمْتَنع انحلاله وانفطاره وانشقاقه فَكيف جمعتم بَين تَكْذِيب الرُّسُل فِي الْأَخْبَار عَن انْقِطَاعه وانشقاقه وانحلاله وَبَين دعواكم تركبه من ماهيات مُخْتَلفَة فِي نَفسهَا غير مُمْتَنع على الْمركب مِنْهَا الانحلال لَهُ والانفطار فَلَا للرسل صَدقْتُمْ وَلَا مَعَ وجوب الْعقل وقفتم بل أَنْتُم من أهل هَذِه الْآيَة ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ فان قيل لم لَا يجوز أَن يُقَال أَن كل برج من البروج الاثنى عشر قد ارتسمت فِيهِ كواكب صَغِيرَة بلغت فِي الصغر إِلَيّ حَيْثُ لَا يمكننا أَن نحس بهَا ثمَّ أَن الْكَوَاكِب إِذا وَقع فِي مسامتة برج خَاص امتزج نور ذَلِك الْكَوْكَب بأنوار تِلْكَ الْكَوَاكِب الصغار المرتسمة فِي تِلْكَ الْقطعَة فِي الْفلك فَيحصل بِهَذَا السَّبَب آثَار مَخْصُوصَة وَإِذا كَانَ هَذَا مُحْتملا وَلم يبطل بِالدَّلِيلِ ثُبُوته تعين الْمصير إِلَيْهِ قيل طبائع تِلْكَ الْكَوَاكِب أَن كَانَت مُخْتَلفَة بالماهية عَاد الْمَحْذُور الْمَذْكُور وان كَانَت وَاحِدَة لم يكن ذَلِك الامتزاج متشابها فَلَا يتَصَوَّر صور الْآثَار المتضادة الْمُخْتَلفَة عَنهُ الْوَجْه الثَّانِي فِي الْكَلَام على بطلَان علم الْأَحْكَام أَن معرفَة جَمِيع المؤثرات الفلكية ممتنعة وَإِذا كَانَ كَذَلِك امْتنع الِاسْتِدْلَال بالأحوال الفلكية على حُدُوث الْحَوَادِث السفلية وانما قُلْنَا أَن معرفَة جَمِيع المؤثرات الفلكية ممتنعة لوجوه أَحدهَا أَنه لَا سَبِيل إِلَيّ معرفَة الْكَوَاكِب إِلَّا بِوَاسِطَة القوى الباصرة والمرئي إِذا كَانَ صَغِيرا أَو فِي غَايَة الْبعد من الرَّائِي فانه يتَعَذَّر رُؤْيَته لذَلِك فان أَصْغَر الْكَوَاكِب الَّتِي فِي فلك الثوابت وَهُوَ الَّذِي تمتحن بِهِ قُوَّة الْبَصَر مثل كرة الأَرْض بضعَة عشر مرّة وكرة الأَرْض اعظم من كرة عُطَارِد كَذَا مرّة فَلَو قَدرنَا أَنه حصل فِي الْفلك الْأَعْظَم كواكب كَثِيرَة يكون حجم كل وَاحِد مِنْهَا مُسَاوِيا لحجم عُطَارِد فانه لَا شكّ أَن الْبَصَر لَا يقوى على إِدْرَاكه فَيثبت أَنه لَا يلْزم من عدم إبصارنا شَيْئا من الْكَوَاكِب فِي الْفلك الْأَعْظَم عدم تِلْكَ الْكَوَاكِب وَإِذا كَانَ كَذَلِك فاحتمال أَن فِي الْفلك الْأَعْظَم وَفِي فلك الثوابت وَفِي سَائِر الأفلاك كواكب صَغِيرَة وان كُنَّا لَا نحس بهَا وَلَا نرَاهَا يُوجب امْتنَاع معرفَة جَمِيع المؤثرات الفلكية فان قُلْتُمْ أَنَّهَا لما كَانَت صَغِيرَة وآثارها ضَعِيفَة لم تصل آثارها وقواها إِلَيّ هَذَا الْعَالم قيل لكم صغر الْجنَّة لَا يُوجب ضعف الْأَثر فان عُطَارِد أَصْغَر الأجرام الفلكية جرما عنْدكُمْ مَعَ أَن آثاره قَوِيَّة وَأَيْضًا فالرأس والذنب نقطتان وهميتان واما أَنْتُم فقد أثبتم لَهما آثارا وَأَيْضًا السِّهَام مثل سهم السَّعَادَة وَسَهْم الْغَيْب نقط

стр. 431

وهمية وَلها عنْدكُمْ آثَار قَوِيَّة الْوَجْه الثَّانِي مِمَّا يدل على أَن معرفَة جَمِيع المؤثرات الفلكية غير مَعْلُوم أَن الْكَوَاكِب المرئية غير مرصودة بأسرها فأنكم أَنْتُم وغيركم قد قُلْتُمْ أَن المجرة عبارَة عَن أجرام كوكبية صَغِيرَة جدا مرتكزة فِي فلك الثوابت على هَذَا السمت الْمَخْصُوص وَلَا ريب أَن الْوُقُوف على طبائعها متعذرة وَثَالِثهَا أَن جَمِيع الْكَوَاكِب الثَّابِتَة المحسوسة لم يحصل الْوُقُوف التَّام على طبائعها لِأَن كَلَام الأحكاميين قيل الْحَاصِل لَا سِيمَا فِي طبائع الثوابت نعم غَايَة مَا عِنْدهم أَنهم ادعوا أَنهم كشفوا بعض الثوابت الَّتِي فِي الْفلك الأول وَالثَّانِي فَأَما الْبَقِيَّة فقلما تكلمُوا فِي معرفَة طبائعها وَرَابِعهَا أَن بِتَقْدِير أَنهم عرفُوا طبائع هَذِه الْكَوَاكِب حَال بساطتها لَكِن لَا شُبْهَة أَنه لَا يُمكن الْوُقُوف على طبائعها حَال امتزاج بَعْضهَا بِالْبَعْضِ لِأَن الامتزاجات الْحَاصِلَة من طبائع ألف كَوْكَب أَو أَكثر بِحَسب الْأَجْزَاء الفلكية يبلغ فِي الْكَثْرَة إِلَيّ حَيْثُ لَا يقدر الْعقل على ضَبطهَا وخامسها آلَات الرصد لَا تفي بضبط الثواني والثوالث وَلَا شكّ أَن الثَّانِيَة الْوَاحِدَة مثل الأَرْض كَذَا كَذَا ألف مرّة أَو أقل أَو أَكثر وَمَعَ هَذَا التَّفَاوُت الْعَظِيم كَيفَ يُمكن الْوُصُول إِلَيّ الْغَرَض حَيْثُ قيل أَن الْإِنْسَان الشَّديد الجري بَين رَفعه رجله وَوَضعه الْأُخْرَى يَتَحَرَّك جرم الْفلك الْأَقْصَى ثَلَاثَة آلَاف ميل وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَكيف ضبط هَذِه المؤثرات وسادسها هَب أَنا عرفنَا تِلْكَ الامتزاجات الْحَاصِلَة فِي ذَلِك الْوَقْت فَلَا ريب أَنه لَا يمكننا معرفَة الامتزاجات الَّتِي كَانَت حَاصِلَة قبله مَعَ أَنا نعلم قطعا أَن الأشكال السالفة رُبمَا كَانَت عائقة ومانعة عَن مقتضيات الأشكال الْحَاصِلَة فِي الْحَال وَلَا ريب أَنا نشاهد أشخاصا كَثِيرَة من النَّبَات وَالْحَيَوَان وَالْإِنْسَان مُقَارنَة لطالع وَاحِد مَعَ أَن كل وَاحِد مِنْهَا مُخَالف للْآخر فِي أَكثر الْأُمُور وَذَلِكَ أَن الْأَحْوَال السالفة فِي حق كل تكون مُخَالفَة للأحوال السالفة فِي حق الآخر وَذَلِكَ يدل أَنه لَا اعْتِمَاد على مُقْتَضى الْوَقْت بل لَا بُد من الْإِحَاطَة بالطوالع السالفة وَذَلِكَ مِمَّا لَا وقُوف عَلَيْهِ أصلا فانه رُبمَا كَانَت الطوالع السالفة دافعة مقتضيات هَذَا الطالع الْحَاضِر وعَلى هَذَا الْوَجْه عول ابْن سينا فِي كِتَابيه اللَّذين سماهما الشفا والنجاه فِي إبِْطَال هَذَا الْعلم فَثَبت بِهَذَا أَن الْوُقُوف التَّام على المؤثرات جَمِيعهَا مُمْتَنع مُسْتَحِيل وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك كَانَ الِاسْتِدْلَال بالأشخاص الفلكية على الْأَحْوَال السفلية بَاطِلا قطعا الْوَجْه الثَّالِث أَن تَأْثِير الْكَوَاكِب فِيمَا ذكرْتُمْ من السعد والنحس أما بِالنّظرِ فِي مفرده واما بِالنّظرِ إِلَيّ انضمامه إِلَى غَيره فَمَتَى لم يحط المنجم بِهَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ لم يَصح مِنْهُ أَن يحكم لَهُ بتأثير وَلم يحصل إِلَّا على تعَارض التَّقْدِير وَمن الْمَعْلُوم أَن فِي فلك البروج كواكب شذت عَن الرصد معرفَة أقدراها وأعدادها وَلم يعرف الأحكاميون مَا يُوجِبهُ خَواص مجموعاتها وأفرادها فَخرج الْفَرِيقَانِ

стр. 432

أَصْحَاب الرصد وَالْأَحْكَام عَن الْإِحَاطَة بِمَا فِي طباعها وَمَا عَسى أَن تؤثره مَعَ السيارة عِنْد انفرادها واجتماعها فَمَا الَّذِي يؤمنكم كلكُمْ عِنْد وُقُوع نجم من تِلْكَ النُّجُوم المجهولة على دَرَجَة الطالع أَن يكون مُوجبا من الحكم مَا لَا يُوجِبهُ النّظر بِدُونِهِ الْوَجْه الرَّابِع أَن تَأْثِير الْكَوَاكِب يخْتَلف باخْتلَاف أقدارها فَمَا كَانَ من الْقدر الأول أثر بِوُقُوعِهِ على الدرجَة وان لم تضبط الدقيقة وَمَا كَانَ من الْقدر الْأَخير لم يُؤثر إِلَّا بضبط الدقيقة وَلَا ريب أَن الْجَهَالَة بِتِلْكَ الْكَوَاكِب ومقاديرها يُوجب كذب الْأَحْكَام النجومية وبطلانها الْوَجْه الْخَامِس أَنَّهَا لَو كَانَ لَهَا تَأْثِير كَمَا يَزْعمُونَ لم يخل أما أَن تكون فِيهِ مختارة مريدة أَو غير مختارة وَلَا مريدة وَكِلَاهُمَا محَال أما الأول فُلَانُهُ يُوجب جرى الْأَحْكَام على وفْق اخْتِيَارهَا وارادتها وَلم يتَوَقَّف على اتصالاتها وانفصالاتها ومفارقتها ومقارنتها وهبوطها بهَا فِي حضيضها وارتفاعها فِي أوجها كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف من الْفَاعِل بِالِاخْتِيَارِ وَلَا سِيمَا الأجرام العلوية المؤثرة فِي سَائِر السفليات ولاختلفت آثارها أَيْضا عِنْد هَذِه الْأُمُور بِحَسب الدَّوَاعِي والارادات ولامكنها أَن تسعد من أَرَادَ أَنه ينحسه وتنحس من أَرَادَ أَنه يسعده كَمَا هُوَ شَأْن الْفَاعِل الْمُخْتَار وان لم تكن مختارة ومريده فتأثيرها بِحَسب الذَّات والطبع وَمَا كَانَ هَكَذَا لم يخْتَلف أَثَره إِلَّا باخْتلَاف القوابل والمعدات وعندكم أَن فِي اخْتِلَاف تِلْكَ القوابل والمعدات مُسْتَند إِلَى تأثيرها فَأَي محَال أبلغ من هَذَا وَهل هَذَا إِلَّا دور مُمْتَنع فِي بداية الْعُقُول الْوَجْه السَّادِس أَن هَذَا الْعلم مُشْتَمل على أصُول يشْهد صَرِيح الْعقل بفسادها وَهِي وان كَانَت فِي الْكَثْرَة إِلَيّ حَيْثُ لَا يُمكن ذكرهَا فَنحْن نعد بَعْضهَا فَالْأول من الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنه لَيْسَ فِي السَّمَاء حمل وَلَا ثَوْر وَلَا حَيَّة وَلَا عقرب وَلَا كلب وَلَا ثَعْلَب إِلَّا أَن الْمُتَقَدِّمين لما قسموا الفك إِلَيّ أثني عشر قسما أَرَادوا أَن يميزوا كل قسم مِنْهَا بعلامة مَخْصُوصَة شبهوا الْكَوَاكِب الْمَذْكُورَة فِي تِلْكَ الْقطعَة الْمعينَة بِصُورَة حَيَوَان مَخْصُوص تَشْبِيها بَعيدا جدا ثمَّ أَن هَؤُلَاءِ الاحكاميين فرعوا على هَذِه الْأَسْمَاء تفريعات طَوِيلَة فرعوا أَن الصُّور السفلية مطيعة للصور العلوية فالعقارب مطيعة لصور الْعَقْرَب والأفاعي مطيعة لصور التنين وَكَذَا القَوْل فِي الْأسد والسنبلة وَمن عرف كَيفَ وضعت هَذِه الْأَسْمَاء ثمَّ سمع قَول هَؤُلَاءِ الأحكاميين ضحك مِنْهُم وَتبين لَهُ فرط جهلهم وكذبهم الثَّانِي أَن هَؤُلَاءِ لما عجزوا عَن معرفَة طالع الْقُرْآن أَقَامُوا طالع السّنة مقَام الْقُرْآن وَمَعْلُوم أَن هَذَا فِي غَايَة الْفساد الثَّالِث أَنهم اخْتلفُوا اخْتِلَافا شَدِيدا فِي الْوَاحِدَة من مسَائِل هَذَا الْعلم فان أَقْوَالهم فِي حُدُود الْكَوَاكِب كَثِيرَة مُخْتَلفَة وَلَيْسَ مَعَ أحد مِنْهُم شُبْهَة وَلَا خيال فضلا عَن حجَّة واستدلال ثمَّ أَن كثيرا مِنْهُم من غير حجَّة وَلَا دَلِيل رُبمَا أخذُوا وَاحِدًا من تِلْكَ الْأَقْوَال من غير بَصِيرَة بل بِمُجَرَّد التشهي مثل

стр. 433

أَخذهم فِي ذَلِك بحدود الضربين وَذَلِكَ من أدل الدَّلَائِل على فَسَاد هَذَا الْعلم الرَّابِع أَن أَقْوَالهم متناقضة فان مِنْهُم من يَقُول كَون زحل فِي بَيت المَال دَلِيل الْفقر وَمِنْهُم من يَقُول يدل على وجدان كنز الْخَامِس أَن هَذَا الْعلم مَعَ أَنه تَقْلِيد مَحْض فَلَيْسَ أَيْضا تقليدا منتظما لِأَن لكل قوم فِيهِ مذهبا وَلكُل طَائِفَة فِيهِ مقَالَة فللبابليين فِيهِ مَذْهَب وللفرس مَذْهَب آخر وللهند مَذْهَب وللصين مَذْهَب رَابِع والأقوال إِذا تَعَارَضَت وَتعذر التَّرْجِيح كَانَ دَلِيلا على فَسَادهَا وبطلانها وَسَيَأْتِي أَن شَاءَ الله بسط هَذِه الْوُجُوه أَكثر من هَذَا الْوَجْه السَّابِع مِمَّا يدل على بطلَان القَوْل بِالْأَحْكَامِ أَن الطالع عِنْدهم هُوَ الشكل الْخُصُوص الْحَاصِل للفلك عِنْد انْفِصَال الْوَلَد من رحم أمه وَإِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول الِاسْتِدْلَال بِحُصُول ذَلِك الشكل على جَمِيع الْأَحْوَال الْكُلية الَّتِي تحصل لهَذَا الْوَلَد إِلَيّ آخر عمره اسْتِدْلَال بَاطِل قطعا وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه: أَحدهَا أَن ذَلِك الشكل كَمَا حدث فِي تِلْكَ اللحظة فانه يفنى وَيَزُول وَيحدث شكل آخر فَذَلِك الشكل الْمعِين معد فِي جَمِيع أَجزَاء عمر هَذَا الْإِنْسَان والمعدوم لَا يكون عِلّة للموجود وَلَا جُزْء من أَجزَاء الْعلَّة وَإِذا كَانَ كَذَلِك امْتنع الِاسْتِدْلَال بذلك الشكل مِنْهُمَا على الْأَحْوَال الَّتِي تحدث فِي جَمِيع أَجزَاء الْعُمر الثَّانِي أَنه لَا مشابهة بَين ذَلِك الشكل الْمَخْصُوص وَبَين هَذَا الْإِنْسَان الَّذِي انْفَصل من بطن الْأُم إِلَّا فِي أَمر وَاحِد وَهُوَ أَن كل وَاحِد ظهر بعد الخفاء وَهُوَ بِمُجَرَّد ذَلِك لَا يُوجب ارتباط ذَلِك الشكل الْمَخْصُوص للفلك بِسَائِر أَحْوَال هَذَا الْإِنْسَان الْبَتَّةَ فمدعى ذَلِك فَاسد الْعقل وَالنَّظَر الثَّالِث أَنه عِنْد حُدُوث ذَلِك الطالع حدثت أَنْوَاع من الْحَيَوَانَات وأنواع من النَّبَات وأنواع من الجمادات فَلَو كَانَ ذَلِك يُوجب آثارا مَخْصُوصَة لوَجَبَ اشْتِرَاك كل الْأَشْيَاء الَّتِي حدثت فِي عالمنا هَذَا فِي ذَلِك الْوَقْت فِي تِلْكَ الْآثَار وَحَيْثُ لم يكن الْأَمر كَذَلِك علمنَا أَن القَوْل بتأثير الطالع بَاطِل الرَّابِع هَب أَن الطالع لَهُ أثر إِلَّا أَن الْوَاجِب أَن يُقَال الطالع الْمُعْتَبر هُوَ طالع مسْقط النُّطْفَة لَا طالع الْولادَة وَذَلِكَ لِأَن عِنْد مسْقط النُّطْفَة يَأْخُذ ذَلِك الشَّخْص فِي التكون والتولد فَأَما عِنْد الْولادَة فالشخص قد تمّ تكونه وحدوثه وَلَا حَادث فِي هَذَا الْوَقْت إِلَّا انْتِقَاله من مَكَان إِلَيّ مَكَان آخر فَثَبت أَنه لَو كَانَ للطالع اعْتِبَار لوَجَبَ أَن يكون الْمُعْتَبر هُوَ طالع مسْقط النُّطْفَة لَا طالع الْولادَة الْوَجْه الثَّامِن أَن الأرصاد لَا تنفك عَن نوع الْخلَل والزلل وَقد صنف أَبُو عَليّ ابْن الْهَيْثَم رِسَالَة بليغة فِي أَقسَام الْخلَل الْوَاقِع فِي آلَات الرصد وَبَين أَن ذَلِك الْخلَل لَيْسَ فِي وسع الْإِنْسَان دَفعه وازالته وَإِذا عرف هَذَا فَنَقُول إِذا بعد الْعَهْد بتجديد الرصد اجْتمعت تِلْكَ المسامحات القليلة وَيحصل بِسَبَبِهَا تفَاوت عَظِيم فِي مَوَاضِع الْكَوَاكِب وَكَذَلِكَ إِذا وجد مَوضِع الْكَوَاكِب

стр. 434

بِحَسب بعض الزيجات دَرَجَة مُعينَة حِين وجد بِحَسب زيج آخر غير تِلْكَ الدرجَة رُبمَا حصل التَّفَاوُت بالبرج وَلما كَانَ علم الْأَحْكَام مُبينًا على مَوَاضِع الْكَوَاكِب ومناسبتها ثمَّ قد تبين أَن التَّفَاوُت الْكَبِير وَقع فِي قطع الْكَوَاكِب علم بطلَان هَذَا الْعلم وفساده الْوَجْه التَّاسِع أَن الْمَعْقُول من تَأْثِير هَذِه الْكَوَاكِب فِي الْعَالم السفلي هُوَ أَنَّهَا بِحَسب مساقط شعاعاتها تسخن هَذَا الْعَالم أنواعا من السخونة فَأَما تأثيراتها فِي حُصُول الْأَحْوَال النفسانية من الذكاء والبلادة والسعادة والشقاوة وَحسن الْخلق وقبحه والغنى والفقر والهم وَالسُّرُور واللذة والألم فَلَو كَانَ مَعْلُوما لَكَانَ طَرِيق علمه أما بالْخبر الَّذِي لَا يجوز عَلَيْهِ الْكَذِب أَو الْحس الَّذِي يشْتَرك فِيهِ النَّاس أَو ضَرُورَة الْعقل أَو نظره وَشَيْء من هَذَا كُله غير مَوْجُود الْبَتَّةَ فَالْقَوْل بِهِ بَاطِل وَلَا يُمكن للآحكاميين أَن يدعوا وَاحِدًا من الثَّلَاثَة الأول وغايتهم أَن يدعوا أَن النّظر والتجربة قادهم إِلَيّ ذَلِك وأوقعهم عَلَيْهِ وَنحن نبين فَسَاد هَذَا النّظر والتجربة بِمَا لَا يُمكن دَفعه من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا وَنَذْكُر غَيرهَا مِمَّا هُوَ مثلهَا وَأقوى مِنْهَا وكل علم صَحِيح فَلهُ براهين يسْتَند إِلَيْهَا تنتهى إِلَيّ الْحس أَو ضَرُورَة الْعقل وَأما هَذَا الْعلم فَلَا ينتهى إِلَّا إِلَى جحد وتخمين وظنون لَا تغنى من الْحق شَيْئا وَغَايَة أَهله تَقْلِيد من لم يقم دَلِيل على صدقه الْوَجْه الْعَاشِر أَنا إِذا فَرضنَا أَن رجلَيْنِ سَأَلَا منجمين فِي وَقت وَاحِد فِي بلد وَاحِد عَن خصمين أَيهمَا الظافر بِصَاحِبِهِ فههنا يكون الطالع مُشْتَركا بَين كل وَاحِد من ذَيْنك الْخَصْمَيْنِ فان دلّ ذَلِك الطالع على حَال الْغَالِب والمغلوب مَعَ كَونه مُشْتَركا بَين الْخَصْمَيْنِ لزم كَون كل مِنْهُمَا غَالِبا لخصمه ومغلوبا من جَانِبه وَذَلِكَ محَال فان قَالُوا بَين حَال كل وَاحِد مِنْهُمَا اخْتِلَاف بِسَبَب طالع الأَصْل أَو طالع التَّحْوِيل أَو برج الِانْتِهَاء قُلْنَا هَذَا تَسْلِيم لقَوْل من يَقُول أَن طالع الْوَقْت لَا يدل على شَيْء أصلا بل لَا بُد من رِعَايَة الْأَحْوَال الْمَاضِيَة لَكِن الْأَحْوَال الْمَاضِيَة كَثِيرَة غير مضبوطة فتوقف دلَالَة طالع الْوَقْت على تِلْكَ الْأَحْوَال الْمَاضِيَة يَقْتَضِي التَّوَقُّف على شَرَائِط لَا يُمكن اعْتِبَارهَا الْبَتَّةَ وَقد ساعد أَصْحَاب الْأَحْكَام على الِاعْتِرَاف بِأَن الِاعْتِمَاد على طالع الْوَقْت غير مُفِيد بل لَا يتم الْأَمر إِلَّا عِنْد معرفَة طالع الأَصْل فطالع التَّحْوِيل وبرج الِانْتِهَاء وَمَعْرِفَة التيسيرات فَعِنْدَ اعْتِبَار جملَة هَذِه الْأُمُور يتم الِاسْتِدْلَال وَمَعَ اعْتِبَار جُمْلَتهَا وتحريرها بِحَيْثُ يُؤمن الْغَلَط فِيهَا يكون الِاسْتِدْلَال على سَبِيل الظَّن لَا على سَبِيل الْقطع الْوَجْه الْحَادِي عشر أَنا لَو فَرضنَا جادة مسلوكة وطريقا يمشي فِيهِ النَّاس لَيْلًا وَنَهَارًا ثمَّ حصل فِي تِلْكَ الجادة آثَار مُتَقَارِبَة بِحَيْثُ لَا يقدر سالك ذَلِك الطَّرِيق على سلوكه إِلَّا بتأمل كثير وتفكر شَدِيد حَتَّى يتَخَلَّص من الْوُقُوع فِي تِلْكَ الْآثَار فان من الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن سَلامَة من يمشي فِي هَذِه الطَّرِيق من العميان لَا يكون كسلامة من يمشي من البصراء بل وَلَا بُد أَن يكون عطب العميان فِي

стр. 435

ذَلِك الطَّرِيق كثيرا جدا وَأَن يكون سَلامَة البصراء غالبة جدا إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول مِثَال العميان عِنْد الأحكاميين الَّذِي لَا يعْرفُونَ أَحْكَام النُّجُوم وهم الْأَكْثَرُونَ من الْخَلَائق وَمِثَال البصراء عِنْدهم هم أهل هَذَا الْعَمَل وهم الأقلون وَمِثَال الطَّرِيق الَّذِي حصلت فِيهِ الْآثَار العميقة الْمهْلكَة الزَّمَان الَّذِي يمضى على الْخلق أَجْمَعِينَ وَمِثَال تِلْكَ الْآثَار المصائب الزمانية والمحن والبلايا فَلَو كَانَ هَذَا الْعلم صَحِيحا لوَجَبَ أَن يكون فوز المنجمين بالغني والسلامة وَالنعَم أتم فوز وسلامتهم فَوق كل سَلامَة وَمَعْلُوم أَن الْأَمر بِالْعَكْسِ وَالْغَالِب كَون المنجمين بالغنى والسلامة وَالنعَم أتم فوز وسلامتهم فَوق كل سَلامَة وَمَعْلُوم أَن الامر بِالْعَكْسِ وَالْغَالِب كَون المنجمين وَمن سمع مِنْهُم وَعمل بقَوْلهمْ فِي الأدبار والنحس والحرمان وَالْوَاقِع أبين شَاهد بذلك وَلَو ذَهَبْنَا نذْكر الوقائع الَّتِي شوهدت من ذَلِك واشتملت عَلَيْهَا التواريخ لزادت على أُلُوف عديدة فَلَا نجد أحدا راعي هَذَا الْعلم وتقيد بِهِ فِي حركاته واختياراته إِلَّا وَكَانَت عاقبته قَرِيبا إِلَيّ ادبار ونكاية وبلايا لَا يصاب بهَا سواهُ وَمن كثر خبْرَة بأحوال النَّاس فانه يعرف من ذَلِك مَالا يعرف غَيره الْوَجْه الثَّانِي عشر انا نشاهد عَالما كثيرا يقتلُون فِي سَاعَة وَاحِدَة فِي حَرْب وخلقا يغرقون فِي سَاعَة وَاحِدَة مَعَ الْقطع باخْتلَاف طوالعهم واقتضائها عنْدكُمْ احوالا مُخْتَلفَة وَلَو كَانَ للطوالع تَأْثِير فِي هَذَا لامتنع عِنْد اختلافها الِاشْتِرَاك فِي ذَلِك وَلَا ينفعكم جَوَاب من انتصر لكم بَان الطوالع قد يكون بَعْضهَا أقوى من بعض وَلَعَلَّ طالع الْوَقْت أقوى من طالع الأَصْل وَكَانَ الحكم لَهُ فان طالع الْوَقْت لَعَلَّه اقْتضى هَلَاكًا أَو غرقا عَاما وَهُوَ أقوى من طالع الأَصْل فَكَانَ التَّأْثِير لَهُ لانا نقُول هَذَا بِعَيْنِه يبطل عَلَيْكُم طالع الْمَوْلُود وَالْأَصْل ويحيل القَوْل بتأثيره واعتباره جملَة فان الطوالع بعده مُخْتَلفَة كَثِيرَة وَاصل بَعْضهَا أَو اكثرها أقوى مِنْهُ فَيكون الحكم بِمُوجبِه بَاطِلا أذلا أَمَان لكم من اقْتِضَاء الطوالع بعده ضد مَا اقْتَضَاهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُفِيد اعْتِبَاره شَيْئا الْوَجْه الثَّالِث عشر انا نرى الجيشين العظيمين والحزبين المتقابلين يقتتلان ويختصمان وَقد اخذ طالع الْوَقْت لكل مِنْهُمَا وَمَعَ هَذَا فالمنصور وَالْغَالِب أَحدهمَا مَعَ أَن الطالع وَاحِد وَلَا ينفعكم فِي هَذَا جَوَاب من انتصر لكم بِأَنَّهُ لَا مَانع من القَوْل بخطأ الْأَخْذ للطالع فِي الْحساب وَالْحكم فانه لَو اخذ لَهما أَي طالع كَانَ لم يكن الْغَالِب إِلَّا أَحدهمَا حَتَّى لَو كَانَ الطالع قطعا لَا يتَصَوَّر فِيهِ الْغَلَط لم يكن بُد من كَون أَحدهمَا غَالِبا والأخر مَغْلُوبًا وَهَذَا يبطل مَذْهَب الْأَحْكَام بِلَا ريب الْوَجْه الرَّابِع عشر أَن الْأَجْزَاء المفترضة فِي الْفلك أما أَن تكون متشابهة فِي الطبيعة والماهية أَو مُخْتَلفَة فِيهَا فان كَانَت مُتَسَاوِيَة كَانَ الْجُزْء الَّذِي هُوَ الطالع مُسَاوِيا لسَائِر الْأَجْزَاء وَحكم سَائِر الْأَجْزَاء وَاحِد وَأَن كَانَت الْأَجْزَاء مُخْتَلفَة فِي الْمَاهِيّة والطبيعة فَلَا ريب أَن الْفلك جرمه فِي غَايَة الْعظم حَتَّى قَالُوا أَن الرجل الشَّديد الْعَدو إِذا رفع رجله ووضعها يكن الفولمك قد تحرّك ثَلَاثَة آلَاف ميل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن الْوَقْت

стр. 436

الَّذِي ينْفَصل الْوَلَد من بطن أمه إِلَيّ أَن يَأْخُذ المنجم الاسطرلاب وَيَأْخُذ الِارْتفَاع يكون الْفلك قد تحرّك مثل كل الأَرْض وَكَذَا الف مرّة وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فالجزء الَّذِي يَأْخُذهُ المنجم بالاسطرلاب لَيْسَ الْجُزْء الطالع فِي الْحَقِيقَة وَإِذا كَانَت الْأَجْزَاء الفلكية مُخْتَلفَة فِي الطبيعة والماهية علمنَا أَن اخذ الطوالع محَال وَقد اعْترف فضلاؤكم بِهَذَا وَقَالُوا أَن الْأَمر وَأَن كَانَ كَذَلِك إِلَّا أَن التجربة قد دلّت على أَن هَذَا الطالع الَّذِي تعذر على الْإِنْسَان تَحْصِيله يدل على كثير من مُقَدّمَة الْمعرفَة مَعَ مَا فِيهِ من الْخلَل الْكثير الَّذِي ذكرْتُمْ فَوَجَبَ أَن لَا يهمل وَهَذَا خطأ بَين فان التجارب الَّتِي دلّت على كذب ذَلِك وبطلانه وووقوع الْأَمر بِخِلَافِهِ أَضْعَاف أَضْعَاف التجربة الَّتِي دلّت على صدقه كَمَا سنذكر قَطْرَة من بحره عَن قريب أَن شَاءَ الله وَلِهَذَا قَالَ أَبُو نصر الفارابي وَاعْلَم انك لَو قلبت أوضاع المنجمين فَجعلت الْحَار بَارِدًا والبارد حارا والسعد نحسا والنحس سَعْدا وَالذكر أُنْثَى وَالْأُنْثَى ذكرا ثمَّ حكمت لكَانَتْ أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تَارَة وتخطىء تارات وَهل مَعَهم إِلَّا الحدس والتخمين والظنون الكذابة وَلَقَد حكى أَن امْرَأَة أَتَت منجما فَأَعْطَتْهُ درهما فاخذ طالعها وَحكم وَقَالَ الطالع يخبر بِكَذَا فَقَالَت لم يكن شَيْء من ذَلِك ثمَّ اخذ الطالع وَقَالَ يخبر وبكذا فأنكرته حَتَّى قَالَ انه ليدل على قطع فِي بَيت المَال فَقَالَت الآنصدقت وَهُوَ الدِّرْهَم الَّذِي دفعت إِلَيْك الْوَجْه الْخَامِس عشر أَن الْأَجْسَام لَا تنفعل من غَيرهَا إِلَّا بِوَاسِطَة المماسة وَهَذِه الْكَوَاكِب لامماسة لَهَا بأعضائنا وأبداننا وأرواحنا فَيمْتَنع كَونهَا فاعلة فِينَا أقْصَى مَا فِي الْبَاب أَن يُقَال أَنَّهَا وان لم تكن مماسة لأعضائنا إِلَّا أَن شعاعها يصل إِلَيّ أجسامنا فَيُقَال لَا ريب أَن تَأْثِير الشعاع إِنَّمَا يكون بالتسخين عِنْد المسامتة أَو بالتبريد عِنْد الانحراف عَن المسامته فَهَذَا بعد تَصْحِيحه يَقْتَضِي أَن لَا يكون لهَذِهِ الْكَوَاكِب تَأْثِير فِي هَذَا الْعَالم إِلَّا على سَبِيل التسخين والتبريد فَأَما أَن تُعْطى الْعُلُوم الْأَخْلَاق والمحبة والبغضاء والموالاة والمعاداة والعفة وَالْحريَّة والنذالة والخبث وَالْمَكْر والخديعة فَذَلِك خَارج عَن مَعْقُول الْعُقَلَاء وَهُوَ من حمقات الاحكاميين وجهالاتهم فان قيل التَّأْثِير بالتسخين والتبريد يُوجب اخْتِلَاف أمزجة الْأَبدَان وَاخْتِلَاف امزجة الْأَبدَان وَيُوجب اخْتِلَاف أَفعَال النَّفس قيل فَنحْن نرى التسخين يَقْتَضِي حرارة وحدة فِي المزاج يفعل بهَا هَذَا غَايَة الْخَيْر وَالْأَفْعَال الحميدة وَهَذَا غَايَة الشَّرّ وَالْأَفْعَال الخبيثة والشعاع قد سخن مركبها فَمَا الْمُوجب لانفعال نفسيهما عَن هَذَا التسخين هَذَا الانفعال المتباعد المتناقض وَأَيْضًا فَمَا الْمُوجب لاخْتِلَاف القوابل وتأثير الْكَوَاكِب فِيهَا بطبعه وتسخينه وتبريده فَكيف اخْتلفت القوابل هَذَا الِاخْتِلَاف الْعَظِيم وَهِي مستندة إِلَيّ تَأْثِير وَاحِد الْوَجْه السَّادِس عشر أَن رجلا لَو جلس فِي دَار لَهَا بَابَانِ شَرْقي وَغَرْبِيٌّ فَسَأَلَ

стр. 437

المنجم وَقَالَ من أَيهمَا يَقْتَضِي الطالع خروجي فَإِذا قَالَ لَهُ المنجم من الشَّرْقِي أمكنه تَكْذِيبه وَالْخُرُوج من الغربي وَبِالْعَكْسِ وَكَذَلِكَ السّفر فِي يَوْم وَاحِد وَابْتِدَاء الْبناء وَغَيره فِي يَوْم يُعينهُ لَهُ المنجم وَيحكم باقتضاء الطالع لَهُ من غير تقدم عَنهُ وَلَا تَأَخّر فانه يُمكنهُ تَكْذِيبه فِي ذَلِك اجْمَعْ فان قُلْتُمْ أَن المنجم إِذا اخبره بِمَا يَفْعَله ويختاره يصير ذَلِك دَاعيا لَهُ إِلَيّ أَن يُخَالِفهُ فِي قَوْله ويكذبه فالطريق إِلَيّ علم صدقه أَن يحكم ذَلِك المنجم على معِين ويكتبه فِي كتاب ويخفيه أَو يذكرهُ لإِنْسَان أخر ويخفيه عَن صَاحب الْوَاقِعَة فههنا يظْهر صدق المنجم قلت هَذَا الْعذر من أسقط الْأَعْذَار لِأَن النُّجُوم لَو كَانَت كَمَا تَزْعُمُونَ دَالَّة على جَمِيع الكائنات الْوَاقِعَة فِي هَذَا الْعَالم لعرف المنجم ذَلِك الَّذِي يسْتَقرّ عَلَيْهِ اخْتِيَاره على كل حَال شَاءَ تَكْذِيبه أَو لم يشأه فَلَمَّا لم يكن الْأَمر كَذَلِك سقط القَوْل بِصِحَّة هَذَا الْعذر فان قيل الْأَشْخَاص الفلكية مؤثرات والسفلية قوابل وَيجوز أَن تخْتَلف الْأَحْوَال الصادرة عَن الْفَاعِل بِسَبَب اخْتِلَاف القوابل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَب أَن الدَّلَائِل الفلكية دلّت على أَنه إِنَّمَا يخْتَار الْخُرُوج من الْبَاب الْفُلَانِيّ لِأَن كَون الْإِنْسَان مشغوفا بتكذيب المنجم حَالَة حَاصِلَة فِي النَّفس مَانِعَة من ظُهُور ذَلِك الْأَثر الَّذِي تَقْتَضِيه الموجبات الفلكية فَلهَذَا الْأَمر لم يحصل الْأَمر على وفْق حكم المنجم قيل إِذا اقْتَضَت الموجبات الفلكية أثرا امْتنع أَن يحصل فِي النَّفس مَا يضاده لِأَن تِلْكَ الْإِرَادَة والميول والعزوم الْوَاقِعَة فِي النَّفس هِيَ عنْدكُمْ من مُوجبَات الْآثَار الفلكية فَيمْتَنع أَن تكون مضادة لموجبها لَا سِيمَا والمنجم يحكم بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَقْتَضِي النُّجُوم أَن يُرِيد الْإِنْسَان كَذَا وَكَذَا وَلَيْسَ حكمه أَن الطالع يَقْتَضِي كَذَا وَكَذَا إِلَّا أَن يُرِيد الْإِنْسَان خِلَافه هَذَا مَا لَا يَقُوله أحد مِنْكُم فَعلم بطلَان هَذَا الِاعْتِذَار الْوَجْه السَّابِع عشر أَنه لَا سَبِيل إِلَيّ معرفَة طبائع البروج وطبائع الْكَوَاكِب وامتزاجاتها إِلَّا بالتجربة وَأَقل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي التجربة أَن يحصل ذَلِك الشَّيْء على حَالَة وَاحِدَة مرَّتَيْنِ إِلَّا أَن الْكَوَاكِب لَا يُمكن تَحْصِيل ذَلِك فِيهَا لِأَنَّهُ إِذا حصل كَوْكَب معِين فِي مَوضِع معِين فِي الْفلك وَكَانَت سَائِر الْكَوَاكِب مُتَّصِلَة بِهِ على وضع مَخْصُوص وشكل مَخْصُوص فان ذَلِك الْوَضع الْمعِين بِحَسب الدرجَة والدقيقة لَا يعود إِلَّا بعد أُلُوف من السنين وَعمر الْإِنْسَان الْوَاحِد لَا يَفِي بذلك بل عمل الْبشر لَا يَفِي بِهِ والتواريخ الَّتِي تضبط هَذِه الْمدَّة مِمَّا لَا يُمكن وصولها إِلَى الْإِنْسَان فَثَبت أَنه لَا سَبِيل إِلَيّ الْوُصُول إِلَيّ هَذِه الْأَحْوَال من جِهَة التجربة الْبَتَّةَ وَلَا ينفعكم اعتذار من اعتذر عَنْكُم بِأَنَّهُ لَا حَاجَة فِي التجربة إِلَيّ مَا ذكرْتُمْ لأَنا إِذا شاهدنا حَادِثا معينا فِي وَقت مَخْصُوص فَلَا شكّ أَنه قد تحصل فِي الْفلك اتصالات الْكَوَاكِب الْمُخْتَلفَة فِي ذَلِك الْوَقْت فَلَو قَدرنَا عود ذَلِك الْوَضع الفلكي بِتَمَامِهِ على تِلْكَ الْحَال ألف مرّة يعلم أَن الْمُؤثر فِي ذَلِك الْحَادِث هَل مَجْمُوع الاتصالات أَو اتِّصَال معِين مِنْهَا فَإِذا علمنَا

стр. 438

أَن ذَلِك الْوَضع بحملته فَاتَ وَمَا عَاد وَلكنه عَاد اتِّصَال وَاحِد من تِلْكَ الاتصالات وكما عَاد ذَلِك الِاتِّصَال الْمعِين فانه يعود ذَلِك الْأَثر بِعَيْنِه لَا لأجل سَائِر الاتصالات فَثَبت أَن الرُّجُوع فِي هَذَا الْبَاب إِلَيّ التجربة غير مُتَعَذر وَهَذَا الِاعْتِذَار فِي غَايَة الْفساد والمكابرة لِأَن تخلف ذَلِك الْأَثر عَن ذَلِك الِاتِّصَال الْعَائِد أَكثر من اقترانه بِهِ والتجربة شاهدة بذلك كَمَا قد اشْتهر بَين الْعُقَلَاء أَن المنجمين إِذا أَجمعُوا على شَيْء من الْأَحْكَام لم يكد يَقع وَنحن نذْكر طرفا من ذَلِك فَنَقُول فِي الْوَجْه الثَّامِن عشر لما نظر حذاقكم وفضلاؤكم سنة سبع وَثَلَاثِينَ عَام صفّين من مخرج على ﵁ من الْكُوفَة إِلَيّ محاربة أهل الشَّام اتَّفقُوا على أَنه يقتل ويقهر جَيْشه فَظهر كذبهمْ وانتصر جَيْشه على أهل الشَّام وَلم يقدروا على التَّخَلُّص مِنْهُم إِلَّا بالحيلة الَّتِي وضعوها من نشر الْمَصَاحِف على الرماح وَالدُّعَاء إِلَى مَا فِيهَا وَقد قيل أَن الِاتِّفَاق مِنْهُم إِنَّمَا كَانَ فِي حَرْب الْمُؤمنِينَ للخوارج فانهم اتَّفقُوا على أَنه من خرج فِي ذَلِك الطالع قتل وَهزمَ جَيْشه فان الْقَمَر كَانَ إِذا ذَاك فِي الْعَقْرَب فخالفهم عَليّ وَقَالَ بل نخرج ثِقَة بِاللَّه وتوكلا عَلَيْهِ وتكذيبا لقَوْل المنجم فَمَا غزا غزَاة بعد رَسُول الله أتم مِنْهَا قتل عدوه وأيده الله عَلَيْهِم بالنصر وَالظفر بهم وَرجع مؤيدا منصورا مأجورا والقصة مَعْرُوفَة فِي السّير والتواريخ وَكَذَلِكَ اتِّفَاق ملأكم فِي سنة سبع وَسِتِّينَ على غَلَبَة عبيد الله بن زِيَاد للمختار بن أبي عبيد وَأَنه لَا بُد أَن يقْتله أَو يأسره فَسَار إِلَيْهِ فِي نَحْو من ثَمَانِينَ ألف مقَاتل فَلَقِيَهُ إِبْرَاهِيم بن الأشتر صَاحب الْمُخْتَار بِأَرْض نَصِيبين وَهُوَ فِيمَا دون سَبْعَة آلَاف مقَاتل فَانْهَزَمَ أَصْحَاب ابْن زِيَاد بعد أَن قتل مِنْهُم خلق لَا يحصيهم أَلا الله حَتَّى أَنه قيل انهم قتل مِنْهُم ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ ألفا وَلم يقتل من أَصْحَاب ابْن الأشتر سوى عدد لَا يبلغون مائَة وَفِيهِمْ يَقُول الشَّاعِر: برزوا نحوهم بسبعة آلا ... ف أَن يهم عجائبا فَتَعَشَّوْا مِنْهُم بسبعين ألفا ... أَو يزِيدُونَ قبل وَقت الْعشَاء فجزاك ابْن مَالك وَأَبا اسح ... ق عَنَّا الْإِلَه خير جَزَاء يُرِيد بِابْن مَالك إِبْرَاهِيم بن مَالك بن الأشتر وَأَبُو إِسْحَاق كنية الْمُخْتَار وَقتل ابْن الأشتر عبيد الله ابْن زِيَاد فِي المعركة وَلم يعلم بِهِ حَتَّى إِذا هَل اللَّيْل قَالَ لأَصْحَابه لقد ضربت على شاطئ هَذَا النَّهر رجلا فَرجع إِلَى سَيفي وَفِيه رَائِحَة الْمسك وَرَأَيْت إقداما وجرأة فصرعته فَذَهَبت رِجْلَاهُ قبل الْمشرق ويداه قبل الْمغرب فانظروه فَأتوهُ بالنيران فَإِذا هُوَ عبيد الله بن زِيَاد ذكر ذَلِك الْمبرد فِي الْكَامِل فَانْظُر حِكْمَة الله من انعكاس مَا قَالَ الْكَاذِبُونَ المنجمون وَقيل لما علم عبيد الله ابْن زِيَاد أَن أَمر الْقِتَال قد تيَسّر وَسَأَلَ منجمه عَن قُوَّة نجمه وَنجم ابْن الأشتر وَقَالَ وَالله أَنى لأعْلم أَنه لَيْسَ بِشَيْء إِلَّا أَنِّي كنت أَنا وَهُوَ صغيران أَن وَقعت بيني وَبَينه خُصُومَة بِسَبَب حمام

стр. 439

كُنَّا نلعب بِهِ فضربني إِلَى الأَرْض وَقعد على صَدْرِي وَقَالَ وَالله أَنِّي قَاتلك وَلَا يقتلك أحد غَيْرِي أَن شَاءَ الله وَأَنا من استثنائه بِالْمَشِيئَةِ خَائِف فَذهب بِهِ منجمه إِلَى مَا قدره المنجمون لَهُ من قُوَّة نجمه وَأَن هَذَا وهم مِنْهُ وَحكم النُّجُوم يقْضِي على وهمه فحقق الله سُبْحَانَهُ ذَلِك الْوَهم وأبطل حكم الطالع والنجم وَمن ذَلِك اتِّفَاقهم عِنْد مَا تمّ بِنَاء بَغْدَاد سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة أَن طالعها يقْضِي بِأَنَّهُ لَا يَمُوت فِيهَا خَليفَة وشاع ذَلِك حَتَّى هَنأ الشُّعَرَاء بِهِ الْمَنْصُور حَتَّى قَالَ بعض شعرائه: يهنيك مِنْهَا بَلْدَة تقضي لنا ... أَن الْمَمَات بهَا عَلَيْك حرَام لما قَضَت أَحْكَام طالع وَقتهَا ... أَن لَا يرى فِيهَا يَمُوت أَمَام وأكد هَذَا الهذيان فِي نفوس الْعَوام موت الْمَنْصُور بطرِيق مَكَّة ثمَّ الْمهْدي بِمَا سبذان ثمَّ الْهَادِي بعسا باذ ثمَّ الرشيد بطوس فَلَمَّا قتل بهَا الْمَأْمُون الْأمين بشارع بَاب الأنبار انخرم الأَصْل الْبَاطِل الَّذِي أصلوه وَظهر الزُّور الَّذِي لفقوه حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْحق الأول فَقَالَ: كذب المنجم فِي مقَالَته الَّتِي ... نطقت بِهِ كذبا على بغدان قتل الْأمين بهَا لعمري يَقْتَضِي ... تكذيبهم فِي سَائِر الحسبان ثمَّ مَاتَ بِبَغْدَاد جمَاعَة من الْخُلَفَاء مثل الواثق والمتوكل والمعتضد والمكتفي والناصر وَغير هَؤُلَاءِ وَمن ذَلِك اتِّفَاقهم فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين فِي قصَّة عمورية أَن المعتصم أَن خرج لفتحها كَانَت عَلَيْهِ الدائرة وَأَن النَّصْر لعَدوه فرزقه الله التَّوْفِيق فِي مخالفتهم فَفتح الله على يَدَيْهِ مَا كَانَ مغلقا وَأصْبح كذبهمْ وخرصهم بعد أَن كَانَ موهوما عِنْد الْعَامَّة محققا فَفتح عمورية وَمَا والاها من كل حصن وقلعة وَكَانَ ذَلِك من أعظم الفتوحات المعدودة وَفِي ذَلِك الْفَتْح قَامَ أَبُو تَمام الطَّائِي منشدا لَهُ على رُؤْس الأشهاد السَّيْف أصدق أنباء من الْكتب ... فِي حَده الْحَد بَين الْجد واللعب وَالْعلم فِي شهب الأرماح لامعة ... بَين الخميسين لَا فِي السَّبْعَة الشهب أَيْن الرِّوَايَة أم أَيْن النُّجُوم وَمَا ... صاغوه من زخرف مِنْهَا وَمن كذب تخرصا وأحاديثا ملفقة ... لَيست بنبع إِذا عدت وَلَا غرب عجائبا زَعَمُوا الْأَيَّام تَجْعَلهُ ... عَنْهُن فِي صفر الأصفار أَو رَجَب وخوفوا النَّاس من دهياء مظْلمَة ... إِذا بدا الْكَوْكَب الغربي ذُو الذَّنب وصيروا الأبرج الْعليا مرتبَة مَا ... كَانَ منقلبا أَو غير مُنْقَلب يقضون بِالْأَمر عَنْهَا وَهِي غافلة ... مَا دَار فِي فلك مِنْهَا وَفِي قطب لَو ثبتَتْ قطّ أمرا قبل موقعه ... لم يخف مَا حل بالأوثان والصلب

стр. 440

وَهِي نَحْو من سبعين بَيْتا أُجِيز على كل بَيت مِنْهَا بِأَلف دِرْهَم وَمن ذَلِك اتِّفَاقهم سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فِي قصَّة القرامطة على أَن المكتفى بِاللَّه أَن خرج لمقاتلتهم كَانَ هُوَ المغلوب الْمَلْزُوم وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد لقوا مِنْهُم على توالي الْأَيَّام شرا عَظِيما وخطبا جسيما فأنهم قتلوا النِّسَاء والأطفال واستباحوا الْحَرِيم وَالْأَمْوَال وهدموا الْمَسَاجِد وربطوا فِيهَا خيولهم ودوابهم وقصدوا وَفد الله وزوار بَيته فأوقعوا فيهم الْقَتْل الذريع وَالْفِعْل الشنيع واباحوا محارم الله وعطلوا شرائعه فعزم المكتفي على الْخُرُوج اليهم بِنَفسِهِ فَجمع وزيره الْقَاسِم بن عبيد الله من قدر عَلَيْهِ من المنجمين وَفِيهِمْ زعيمهم أَبُو الْحسن العاصمي وَكلهمْ أوجب عَلَيْهِ بِأَن يُشِير على الْخَلِيفَة أَن لَا يخرج فانه أَن خرج لم يرجع وبخروجه تَزُول دولته وبهذه تشهد النُّجُوم الَّتِي يقْضى بهَا طالع مولده وأخافوا الْوَزير من الْهَلَاك أَن خرج مَعَه وَقد كَانَ المكتفي أَمر الْوَزير بِالْخرُوجِ مَعَه فَلم يجد بدا من مُتَابَعَته فَخرج وَفِي قلبه مَا فِيهِ وَأقَام المكتفي بالرقة حَتَّى أَخذ أَعدَاء الله جَمِيعًا وسيقت جموعهم بكأس السَّيْف نجيعا ثمَّ جَاءَ الْخَبَر من مصر بِمَوْت خمارويه بن أَحْمد بن طولون وَكَانُوا بِهِ يستطيلون فَأرْسل المكتفي من تسلمها واستحضر القواد المصرية إِلَى حَضرته ثمَّ لما عَاد أَمر الْقَاسِم بن عبيد الله الْوَزير بإحضار رَئِيس المنجمين وصفعه الصفع الْكثير بعد أَن وَقفه ووبخه على عَظِيم كذبه وافترائه وتبرأ مِنْهُ وَمن كل من يَقُول بِرَأْيهِ قَالَ أَبُو حَيَّان التوحيدي فِي كتاب الإتباع والمؤانسة وَقد ذكر هَذِه الْقِصَّة فَهَذَا وَمَا أشبهه من الافتراء وَالْكذب لَو ظهر وَنشر وعير أَهله بِهِ ووقفوا عَلَيْهِ وزجروا عَن الدَّعْوَى المشرفة على الْغَيْب لَكَانَ مقمعَة لمن يُطلق لِسَانه بالإطلاع على مَالا يَكُونُوا فِي غدو قطعا لألسنتهم وكفا لدعواهم وتأديبا لصغيرهم وَكَبِيرهمْ وَمن ذَلِك اتِّفَاقهم سنة ثَلَاث وَخمسين وثلاثمائة عِنْدَمَا أَرَادَ الْقَائِد جَوْهَر الْعَزِيز بِنَاء مَدِينَة الْقَاهِرَة وَقد كَانَ سبق مَوْلَاهُ الملقب بالمعز إِلَى الدُّخُول إِلَى الديار المصرية لما أمره الْمعز بِدُخُولِهَا بالدعوة وَأمره إِذا دَخلهَا أَن يَبْنِي بهَا مَدِينَة عَظِيمَة تكون نُجُوم طالعها فِي غَايَة الاسْتقَامَة وَيكون بطالع الْكَوْكَب القاهر وَهُوَ زحل أَو المريخ على اخْتِلَاف حَاله فَجمع الْقَائِد جَوْهَر المنجمين بهَا وَأمر كل وَاحِد مِنْهُم أَن يُحَقّق الرصد ويحكمه وَأمر البنائين أَن لَا يضعوا الأساس حَتَّى يُقَال لَهُم ضعوه وَأَن يَكُونُوا على هَيْئَة من التيقظ والإسراع حَتَّى يوافقوا تِلْكَ السَّاعَة الَّتِي اتّفقت عَلَيْهَا أرصاد أُولَئِكَ الْجَمَاعَة فَوضعت الأساسات على ذَلِك فِي الْوَقْت الْحَاضِر وسموها بِالْقَاهِرَةِ إِشَارَة بزعمهم الْكَاذِب إِلَى الْكَوْكَب القاهر وَاتَّفَقُوا كلهم بِأَن الْوَقْت الَّذِي بنبت فِيهِ يقْضِي بدوام جدهم وسعادتهم ودولتهم وَأَن الدعْوَة لَا تخرج فِيهَا عَن الفاطمية وان تداولتها الألسن

стр. 441

الْعَرَبيَّة والعجمية فَلَمَّا ملكهَا أَسد الدّين شيركوه بن شادي ثمَّ ابْن أَخِيه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَمَعَ ذَلِك المصريون قائمون بدعوة العاضد عبد الله بن يُوسُف توهم الْجُهَّال أَن مَا قَالَ المنجمون من قبل حَقًا لتبدل اللِّسَان وَحَال الدعْوَة مستبقي فَلَمَّا رد صَلَاح الدّين الدعْوَة إِلَى بني الْعَبَّاس انْكَشَفَ الْأَمر وَزَالَ الالتباس وَظهر كذب المنجمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَكَانَت الْمدَّة بَين وضع الأساس وانقراض دولة الْمَلَاحِدَة مِنْهَا نَحْو مائَة وَثَلَاثَة وَتِسْعين عَاما فنقض انْقِطَاع دولتهم على المنجمين أحكامهم وَخرب دِيَارهمْ وأهتك أستارهم وكشف أسرارهم وأجرى الله سُبْحَانَهُ تكذيبهم والطعن عَلَيْهِم على لِسَان الْخَاص وَالْعَام حَتَّى اعتذر من اعتذر مِنْهُم بِأَن البنائين كَانُوا قد سبقوا الرصادين إِلَى وضع الأساس وَلَيْسَ هَذَا من بهت الْقَوْم ووقاحتهم بِبَعِيد فانه لَو كَانَ كَذَلِك لرَأى الْحَاضِرُونَ تَبْدِيل الْبناء وتغييره فانه لَو دخلهم شكّ فِي تَقْدِيم أَو تَأْخِير أَو سبق بِمَا دون الدقيقة فِي التَّعَذُّر لما سامحوا بذلك مَعَ الْمُقْتَضى التَّام وَالطَّاعَة الظَّاهِرَة وَالِاحْتِيَاط الَّذِي لَا مزِيد فَوْقه وَلَيْسَ فِي تبديله حجر أَو تحويله بِرَفْعِهِ وَوَضعه كَبِير أَمر على البنائين وَلَا مشقه وقرائن الْأَحْوَال فِي إِقَامَة دولة بتقريرها وإنشاء قَاعِدَة بتحريرها شاهدة بِأَن الْغَفْلَة عَن مثل هَذَا الْخطب الجسيم مِمَّا لَا يسامح بهَا الْبَتَّةَ ويالله الْعجب كَيفَ لم يظْهر سبق البنائين للراصدين إِلَّا بعد انْقِرَاض دولة الْمَلَاحِدَة وَأما مُدَّة بَقَاء دولتهم فَكَانَ الْبناء مُقَارنًا للطالع المرصود فَهَل فِي البهت فَوق هَذَا وَمن ذَلِك اتِّفَاقهم سنة خمس وَتِسْعين وثلاثمائة فِي أَيَّام الْحَاكِم على أَنَّهَا السّنة الَّتِي يَنْقَضِي فِيهَا بِمصْر دولة العبيديين هَذَا مَعَ اتِّفَاق أُولَئِكَ على أَن دعوتهم لَا تَنْقَطِع من الْقَاهِرَة وَذَلِكَ عِنْد خُرُوج الْوَلِيد بن هِشَام الْمَعْرُوف بِأبي ركوة الْأمَوِي وَحكم الطالع لَهُ بِأَنَّهُ هُوَ الْقَاطِع لدَعْوَة العبيديين وَأَنه لَا بُد أَن يستولي على الديار المصرية وَيَأْخُذ الْحَاكِم أَسِيرًا وَلم يبْق بِمصْر منجم إِلَّا حكم بذلك وأكبرهم الْمَعْرُوف الفكري منجم الْحَاكِم وَكَانَ أَبُو ركوة قد ملك برقة وأعمالها وَكَثُرت جموعه وقويت شوكته وَخرجت إِلَيْهِ جيوش الْحَاكِم من مصر فَعَادَت مغلوبة فَلم يشك النَّاس فِي حذق المنجمين وَكَانَ من تَدْبِير الْحَاكِم أَن دَعَا خَواص رِجَاله وَأمرهمْ أَن يعملوا بِمَا رَآهُ من احتياله وَهُوَ أَن يكاتبوا أَبَا ركوة بِأَنَّهُم على مذْهبه وَأَنَّهُمْ مائلون عَن الدعْوَة الحاكمية وراغبون فِي الدعْوَة الوليدية الأموية وأطمعوه بِكُل مَا أوهموه بِهِ أَنهم صَادِقُونَ وَله مناصحون فَلَمَّا وثق بِمَا قَالُوهُ وخفى عَلَيْهِ مَا احتالوه زحف بعساكره حَتَّى نزل موسيم على ثَلَاثَة فراسخ من مصر فَخرجت إِلَيْهِ الْعَسْكَر الحاكمية فهزمته فتحقق أَنَّهَا كَانَت خديعة فهرب وَقتل خلق كثير من عسكره وَطلب فَأخذ أَسِيرًا وَدخل بِهِ الْقَاهِرَة على جمل مَشْهُور ثمَّ أَمر الْحَاكِم بقتْله بعد مَا أحضر بَين يَدَيْهِ مغلولا بغل من حَدِيد وَذَلِكَ

стр. 442

فِي رَجَب سنة سبع وَتِسْعين وثلاثمائة وَكَانَ مبدأ خُرُوجه فِي رَجَب سنة خمس وَتِسْعين فَظهر كذب المنجمين وَكَانَ هَذَا الفكري قد استولى على الْحَاكِم فانه اتّفقت لَهُ مَعَه قضيتان أمالتاه إِلَيْهِ إِحْدَاهمَا أَن الْحَاكِم عزم على إرْسَال أسطول إِلَى مَدِينَة صور لمحاربتهم فَسَأَلَهُ الفكري أَن يكون تَدْبيره إِلَيْهِ ليخرجه فِي طالع يختاره وَتَكون الْعهْدَة أَن لم يظفر عَلَيْهِ وَاتفقَ ظُهُور الأسطول الثَّانِيَة أَنه ذكر أَن بساحل بركَة رميس مَسْجِدا قَدِيما وان تَحْتَهُ كنزا عَظِيما وَسَأَلَهُ أَن يتَوَلَّى هُوَ هَدمه فان ظهر الْكَنْز والا بناه هُوَ من مَاله وأودعه السجْن فاتفق إِصَابَة الْكَنْز فطاش الْمَغْرُور بذلك فَلَمَّا حكم عَلَيْهِ الفكري بتغيير دولته وَقضى المنجمون بِمثل قَضَائِهِ فَوَقع للْحَاكِم أَن يُغير أوضاع المملكة والدولة ليَكُون ذَلِك هُوَ مُقْتَضى الحكم النجومي فَصَارَ يَأْمر فِي يَوْمه بِخِلَاف كل مَا يَأْمر بِهِ فِي أمسه فَأمر بسب الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم على رُؤْس المنابر والمساجد ثمَّ أَمر بِقطع سبهم وعقوبة من سبهم وَأمر بِقطع شَجَرَة الزرجون من الأَرْض وَأوجب الْقَتْل على من شرب الْخمر وَأمر بغرس هَذِه الشَّجَرَة وأباح شرب الْخمر وأهمل النَّاس نهب الْجَانِب الغربي من الْقَاهِرَة وَقتلت فِيهِ جمَاعَة ثمَّ ضبط الْأَمر حَتَّى أَمر أَن لَا تغلق الحوانيت لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَأمر مناديه يُنَادي من عدم لَهُ مَا يُسَاوِي درهما أَخذ من بَيت المَال عَنهُ دِرْهَمَيْنِ بعد أَن يحلف على مَا عَدمه أَو يعضده شَهَادَة رجلَيْنِ حَتَّى تحيل النَّاس فِي ستر حوانيتهم بِالْجَرِيدِ لِئَلَّا تدْخلهَا الْكلاب ثمَّ عمد إِلَى كل متول فِي دولته ولَايَة فَعَزله وَقتل وزيره الْحسن بن عماد كل ذَلِك ليَكُون قَول أهل النَّجْم أَن دولته تَتَغَيَّر وَاقعا على هَذَا الضَّرْب من التَّغْيِير فَلَمَّا كَانَ من أَمر أبي ركوة مَا تقدم ذكره سَاءَ ظَنّه بِعلم النجامة فَأمر بقتل منجمه الفكري وَأطلق فِي المنجمين الْعَيْب والذم وَكَانَ قد جمع بَين المنجمين بالديار المصرية واستدعا غَيرهم وَأمرهمْ أَن يرصدوا لَهُ رصدا يعْتَمد عَلَيْهِ فَصَارَت الطوائف النجومية إِلَى هَذَا الرصد يتحاكمون وان تضمن بعض خلاف الرصد المأموني وَوَضَعُوا لَهُ الذّبْح الْمُسَمّى بالحاكمي وَكَانَ هَذَا الفكري قد أَخذ علم النجامة عَمَّن أَخذه عَن العاصمي فسير أَوْقَات الْحَاكِم وساعاته وَوَافَقَهُ على ذَلِك المنجمون فَلَمَّا قَتله لم يزل أثر التنجيم عَن نَفسه لشرف النَّفس على التطلع إِلَى الْحَوَادِث قبل وُقُوعهَا وَكَانَ بعد يتولع بِهَذَا الْعلم وَيجمع أَصْحَابه فحكموا لَهُ فِي جملَة أحكامهم بركوب الْحمار على كل حَال وألزموه أَن يتَعَاهَد الْجَبَل المقطم فِي أَكثر الْأَيَّام وينفرد وَحده بخطاب زحل بِمَا علموه إِيَّاه من الْكَلَام ويتعاهد فعل مَا وضعوه لَهُ من البخورات والأعزام وحكموا بِأَنَّهُ مَا دَامَ على ذَلِك وَهُوَ يركب الْحمار فَهُوَ سَالم النَّفس عَن كل إِيذَاء فَلَزِمَ مَا أشاروا بِهِ عَلَيْهِ وَأذن الله الْعَزِيز الْعَلِيم رب الْكَوَاكِب ومسخرها ومدبرها أَن هَلَاكه كَانَ فِي ذَلِك الْجَبَل على ذَلِك الْحمار فانه خرج بحماره إِلَى ذَلِك

стр. 443

الْجَبَل على عَادَته وَانْفَرَدَ بِنَفسِهِ مُنْقَطِعًا عَن موكبه وَقد استعد لَهُ قوم بسكاكين تقطر مِنْهَا المنايا فقطعوه هُنَالك للْوَقْت والحين ثمَّ أعدموا جثته فَلم يعلم لَهَا خبر فَمن هَذَا يَقُول أَتْبَاعه الْمَلَاحِدَة انه غَائِب منتظر وأظهرت قدرَة الرب القاهر تبَارك اسْمه وَتَعَالَى جده تَكْذِيب قَول تِلْكَ الطَّائِفَة المفترين وَوُقُوع الْأَمر بضد مَا حكمُوا بِهِ ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة وان الله لسميع عليم فَظهر من كذبهمْ وجهلهم بتغيير دولته فِي خُرُوج أبي ركوة وَفِي هَذَا الْحِين فَهَذَا فِي مبدئها وَهَذَا فِي ختامها فَهَل بعد ذَلِك وثوق للعاقل بالنجوم وأحكامها كلا لعمر الله لَيْسَ بهَا وثوق وانما غَايَة أَهلهَا الِاعْتِمَاد على رَازِق ومرزوق فَأَما اصابة الفكري بظفر الأسطول فَإِنَّمَا كَانَ بتحيل دبره على أهل صور لَا بالطالع فَكَانَت الْغَلَبَة لَهُ عَلَيْهِم بالتحيل الَّذِي دبره سَاعَة الْقِتَال لَا بِمَا ذكره من حكم الطالع قبل تِلْكَ الْحَال وَأما اصابة الْكَنْز فَلَيْسَ من النُّجُوم فِي شَيْء وَمَعْرِفَة مَوَاضِع الْكُنُوز علم متداول بَين النَّاس وَفِيه كتب مصنفة مَعْرُوفَة بأيدي أَرْبَاب هَذَا الْفَنّ وفيهَا خطأ كثير وصواب قد دلّ الْوَاقِع عَلَيْهِ وَمن ذَلِك اتِّفَاقهم سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة على خُرُوج ريح سَوْدَاء تكون فِي سَائِر أقطار الأَرْض عَامَّة فتهلك كل من على ظهرهَا إِلَّا من اتخذ لنَفسِهِ مغارة فِي الْجبَال بِسَبَب أَن الْكَوَاكِب كَانَت بزعمهم أَن اجْتمعت فِي برج الْمِيزَان وَهُوَ برج هوائي لَا يخْتَلف فِيهِ مِنْهُم اثْنَان كَمَا اجْتمعت فِي برج الْحُوت زمن نوح وَهُوَ عِنْدهم برج مائي فَحصل الطوفان المائي قَالُوا وَكَذَا اجتماعها فِي البرج الميزاني يُوجب طوفانا هوائيا وَدخل ذَلِك فِي قُلُوب الرعاع من النَّاس فاتخذوا المغارات استدفاعا لما أَنْذرهُمْ بِهِ الكذابون من الله رب الْعَالمين مسخر الرِّيَاح ومدبر الْكَوَاكِب ثمَّ لما كَانَ ذَلِك الْوَقْت الَّذِي حدوه وَالْأَجَل الَّذِي عدوه قل هبوب الرِّيَاح عَن عَادَتهَا حَتَّى أهم النَّاس ذَلِك وَرَأَوا من الكرب بقلة هبوب الرِّيَاح مَا هُوَ خلاف الْمُعْتَاد فَظهر كذبهمْ للخاص وَالْعَام وَكَانُوا قد دبروا فِي قصَّة هَذِه الرّيح الَّتِي ذكروها بِأَن عزوها إِلَى على ﵁ وضمنوها جُزْء بمضمون هَذِه الرّيح وَذكروا قصَّة طَوِيلَة فِي آخرهَا أَن الرَّاوِي عَن عَليّ ﵁ قَالَ لَهُ لقد صدقني المنجمون فِيمَا حكيت عَنْك وَقَالُوا انه تَجْتَمِع الْكَوَاكِب فِي برج الْمِيزَان كَمَا اجْتمعت فِي برج الْحُوت على عهد نوح وأحدثت الْغَرق فَقلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كم تقيم هَذِه الرّيح على وَجه الأَرْض قَالَ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها وَتَكون قوتها من نصف اللَّيْل إِلَى نصف النَّهَار عَن الْيَوْم الثَّانِي وَانْظُر إِلَى اتِّفَاقهم على أَن الْكَوَاكِب إِذا اجْتمعت فِي برج الْمِيزَان حصل هَذَا الطوفان الهوائي واتفاقهم على اجتماعها فِيهِ فِي ذَلِك الْوَقْت وَلم يَقع ذَلِك الطوفان وَمن ذَلِك اتِّفَاقهم فِي الدولة الصلاحية بِحكم زحل والدالي أَن مَدِينَة الاسكندرية لَا يَمُوت فِيهَا من الغز وَال فَلَمَّا مَاتَ بهَا الْملك الْمُعظم شمس الدولة

стр. 444

توران شاه ابْن أَيُّوب بن شاذي سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة ثمَّ واليها فَخر الدّين قراجا ابْن عبد الله سنة تسع وَثَمَانِينَ ثمَّ واليها سعد الدّين سودكين بن عبد الله سنة خمس وسِتمِائَة انخرمت هَذِه الْقَاعِدَة أصلا وَبَطل قَوْلهم فرعا وأصلا حَتَّى قَالَ بعض شعراء ذَلِك الْعَصْر عِنْد موت الْأَمِير فَخر الدّين: وَقضى طُلُوع الثغر عِنْد مماته ... أَن المنجم كَاذِب لَا يصدق لَو كَانَ فِيهِ لَا يَمُوت مؤمر ... أودى وفخر الدّين حَيّ يرْزق وَمن ذَلِك اجْتِمَاعهم فِي سنة خمس وَعشرَة وسِتمِائَة لما نزل الفرنج على دمياط على انهم لَا بُد أَن يغلبوا على الْبِلَاد فيتملكوا مَا بِأَرْض مصر من رِقَاب الْعباد وانهم لَا تَدور عَلَيْهِم الدائرة إِلَّا إِذا قَامَ قَائِم الزَّمَان وَظهر براياته الخافقة ذَلِك الأوان فكذب الله ظنونهم وأتى من لطفه الْخَفي مَا لم يكن فِي حِسَاب ورد الفرنج بعد الْقَتْل الذريع فيهم والأسر على الْعقَاب وَكَانَ المنجمون قد أَجمعُوا فِي أَمر هَذِه الْوَاقِعَة على نَحْو مَا أجمع عَلَيْهِ من قبلهم فِي شَأْن عمورية وَاتفقَ أَن كَانَ مبدأ هَذَا الْفَتْح فِي سَابِع رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة ومبدأ ذَلِك الْفَتْح فِي سَابِع رَجَب أَيْضا سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ قَالَ الْفَاضِل الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الله بن مَحْمُود الْحُسَيْنِي وَلما كذب الله هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِيمَا ادعوهُ نسجت على منوال أبي تَمام فِي قصيدته البائية الْمَكْسُورَة فَعمِلت بائية مَفْتُوحَة وَهِي: الْحَمد لله حمدا يبلغ الأربا ... نقضي بِهِ من حُقُوق الله مَا وجبا حمدا يزِيد إِذا النعمي تزيد بِهِ ... أخراه أولاه تُعْطى ضعف مَا وهبا لَا ييأس الْمَرْء من روح الْإِلَه فكم ... من رَاح فِي مستهل كَانَ قد صعبا فكم مَشى بك مَكْرُوه ركضت بِهِ ... من غير علم إِلَى مَا تشْتَهي خببا وَكم تقطع دون المشتهى سَبَب ... وَكَانَ مِنْك لأعلى الْمُنْتَهى سَببا لَا يَنْبَغِي لَك فِي مَكْرُوه حَادِثَة ... أَن تبتغى لَك فِي غير الرِّضَا طلبا لله فِي الْخلق تَدْبِير يفوت مدى ... أسرار حكمته أَحْكَام من حسبا اابغ النَّجَاء إِذا ماذو النجامة فِي ... زور من القَوْل يقْضِي كل مَا قربا وَذُو الأراجين مِمَّا قد يَقُول فدع ... فَمَا أراجيز شَيْء كَانَ قد كتبا مَا كَانَ لله فِي ديوَان قدرته ... من كَاتب بحدوس الظَّن إِذْ كتبا لَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله خالقنا ... لَا عَالم غَيره عجبا وَلَا عربا لَا شَيْء أَجْهَل مِمَّن يَدعِي ثِقَة ... بحدسه وَترى فِيمَا يرى ريبا قد يجهل الْمَرْء مَا فِي بَيته نظرا ... فَكيف عَنهُ بِمَا فِي غيبه احتجبا قد كذب الله قَول الْقَائِلين غَدا ... إِذا أَتَى رَجَب لم تحمدوا رجبا

стр. 445

قَالُوا يرى عجب فِيهِ فَقلت لَهُم ... بالنصر بعد اياس تبصروا عجبا فِي منقضى السَّبْعَة الْأَيَّام مِنْهُ أَتَى ... مَا يَأْتِ فِي مُقْتَضَاهُ السَّبْعَة الشهبا وأعتمت فِيهِ عواء النُّجُوم على ... عواء ذِئْب من الْكفَّار قد حَربًا والشعريان فَكل مِنْهُمَا شَعرت ... بِأَن للحق فيهم سيف من غلبا وَصَحَّ عَن قمر الأفلاك أَنهم ... مَا فيهم غير مقهور وَقد نشبا غطاؤهم رد فِي وَجْهي عطاردهم ... إِلَى الَّذِي مِنْهُم مَا شَاءَ قد سلبا وَقد بَدَت زهرَة الْإِسْلَام زاهرة ... قد أظلمت فَوْقهم من دونهَا سحبا وأجملت حمرَة المريخ حكمهم ... ففسرت بِدَم فيهم لمن خضبا وَلم يَك الْمُشْتَرى تقضي سعادته ... إِلَّا إِلَى المُشْتَرِي نفسا بِمَا طلبا وَقبل مُنْقَلب الأبراج ذُو قدر ... فَعَاد مِنْهُ مبان النَّفْع منقلبا كم حَامِل ثَائِر فِي الثور أَو حمل ... أجَاز فيهم على جوزائهم حَربًا وَلم يدر فلك إِلَّا لذِي ملك ... يُدِير جَيْشًا عَلَيْهِم عسكرا نجيا حَتَّى غَدا ثغر دمياط وَقد حكمُوا ... أَن لَا يرى باسما مستجمعا شنبا يفتر عَن صبح إِيمَان بِهِ جذلا ... وَكَانَ فِي ليل كفر بَات مكتئبا وَمد كفاله التَّوْحِيد فانقبضت ... رجل من الشّرك فِي تَأْخِيره هربا وَتلك حَرْب صَلِيب عودهَا فقضت ... أَن لَا يعود صَلِيب بعد منتصبا وَأطلق القَوْل بِالتَّأْذِينِ إِذْ خرست ... لَهُ نواقيس جرجيس فَمَا احتسبا وَمِمَّا اتّفق عَلَيْهِ المنجمون أَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ أَن يستجيب الله دعاءه جعل الرَّأْس فِي وسط الْمسَاء مَعَ المُشْتَرِي أَو شطر مِنْهُ مقبل وَالْقَمَر مُتَّصِلا بِهِ أَو منصرفا عَنهُ مُتَّصِل بِصَاحِب الطالع أَو صَاحب الطالع مُتَّصِل بالمشتري نَاظر إِلَى الرَّأْس نظرة مَوَدَّة فهنالك لَا يَشكونَ أَن الْإِجَابَة حَاصِلَة قَالُوا وَكَانَت مُلُوك اليونان يلزمون ذَلِك فيحمدون عقباه والعاقل إِذا تَأمل هَذَا الهذيان لم يحْتَج فِي علمه بِبُطْلَانِهِ ومحاله إِلَى فكر وَنظر فان رب السَّمَوَات وَالْأَرْض سُبْحَانَهُ لَا يتأثر بحركات النُّجُوم بل يتقدس ويتعالى عَن ذَلِك فيا للعقول الَّتِي أضحكت عَلَيْهَا الْعُقَلَاء من الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار مَا هَذِه الاتصالات حَتَّى تكون على وجوب إِجَابَة الله من أقوى الدلالات وَمِمَّا عَلَيْهِ المنجمون متفقون أَو كالمتفقين أَن الْخَبَر إِذا ورد فِي وَقت أَو بادنا مِنْهُ ١ الْوُجُوه وَالْقَمَر وَعُطَارِد فِي بروج ثوابت وَالْقَمَر منصرف عَن السُّعُود فَالْخَبَر لَيْسَ بباطل وَالْبَاطِل مثل هَذَا فانه يلْزمهُم

стр. 446

أَن من وضع خَبرا بَاطِلا فِي ذَلِك الْوَقْت أَن الطالع الْمَذْكُور يُصَحِّحهُ أَو يَقُولُوا لَا يُمكن أحدا أَو يكذب فِي ذَلِك الْوَقْت وَقد أورد أَبُو معشر المنجم هَذَا السُّؤَال فِي كتاب الْأَسْرَار لَهُ وَأجَاب عَنهُ أَن الْأَخْبَار تخْتَلف فان ورد خبر مَكْرُوه من أَسبَاب الشَّرّ والجور وَالْأَفْعَال المنسوبة إِلَى طبائع النحوس والطالع فِي الْقَمَر منصرف عَن سعد فَالْخَبَر بَاطِل وان ورد خبر مَحْبُوب وَمن أَسبَاب الْخَيْر وَالْعدْل وَالْأَفْعَال المنسوبة إِلَى طبائع السُّعُود وَفِي الطالع سعد وَالْقَمَر منصرف عَن سعد فَالْخَبَر حق قَالَ وزحل لَا يدل فِي كل حَال على الْكَذِب بل يدل على وجود الْعَوَائِق عَمَّا يُوقع ذَلِك الْخَبَر لَكِن الْبلَاء المريخ أَو الذَّنب إِذا استوليا على الْأَوْتَاد وعَلى الْقَمَر أَو عُطَارِد فانهما يدلان على الْكَذِب والبطلان ثمَّ قَالَ وعَلى كل حَال فالقمر فِي الْعَقْرَب والبروج الكاذبة تنذر بكذب فِي نفس الْخَبَر أَو زِيَادَة أَو نُقْصَان وَفِي الْحمل والبروج الصادقة تدل على صدق فِيهِ واستواء وَفِي السرطان والبروج المنقلبة لَا تدل على انقلاب الْخَبَر إِلَى بَاطِل وَلكنه قد يَنْقَلِب فَيصير أقوى مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ الْآن إِلَّا أَن ينظر إِلَيْهِ نحس فيفسده ويبطله ثمَّ قَالَ واعرف صدق الْخَبَر من سهم الْغَيْب إِذا شَككت فِيهِ فان كَانَ سليما من المريخ والذنب وَينظر إِلَيْهِ صَاحبه أَو الْقَمَر أَو الشَّمْس نظر صَلَاح فَهُوَ حق هَذَا مُنْتَهى كَلَامه فِي الْجَواب وَهُوَ كَمَا ترَاهُ مُتَضَمّن أَن عِنْد هَذِه الاتصالات الَّتِي ذكرهَا يكون الْخَبَر صَحِيحا صدقا وَعند تِلْكَ الاتصالات الْأُخَر تكون منذرة بِالْكَذِبِ فَيُقَال لهَؤُلَاء الْكَذَّابين المفترين المبلسين أيستحيل عنْدكُمْ معاشر المنجمين أَن يضع أحدكُم خَبرا كَاذِبًا عِنْد تِلْكَ الاتصالات أم ذَلِك وَاقع فِي دَائِرَة الْإِمْكَان بل هُوَ مَوْجُود فِي الْخَارِج وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيل أَن يصدق مخبر عِنْد الاتصالات الْأُخَر أَو يبعد صدق الْعَالم عِنْدهَا وَيكون كذبهمْ إِذا ذَاك أَكثر مِنْهُ فِي غير ذَلِك الْوَقْت وَهل فِي الهوس أبلغ من هَذَا وَلَو تتبعنا أحكامهم وقضاياهم الكاذبة الَّتِي وَقع الْأَمر بِخِلَافِهَا لقام مِنْهَا عدَّة أسفار وَأما نكبات من تقيد بِعلم أَحْكَام النُّجُوم فِي أَفعاله وسفره ودخوله الْبَلَد وَخُرُوجه مِنْهُ واختياره الطالع لعمارة الدَّار وَالْبناء بالأهل وَغير ذَلِك فَعِنْدَ الْخَاصَّة والعامة مِنْهُم عبر يَكْفِي الْعَاقِل بَعْضهَا فِي تَكْذِيب هَؤُلَاءِ الْقَوْم ومعرفته لافترائهم على الله وأقضيته وأقداره بل لَا يكَاد يعرف أحد تقيد بالنجوم فِي مَا يَأْتِيهِ ويذره إِلَّا نكب أقبح نكبة وأشنعها مُقَابلَة لَهُ بنقيض قَصده وموافات النحوس لَهُ من حَيْثُ ظن أَنه يفوز بسعده فَهَذِهِ سنة الله فِي عباده الَّتِي لَا تبدل وعادته الَّتِي لَا تحول أَن من اطْمَأَن إِلَى غَيره أَو وثق بسواه أَو ركن إِلَى مَخْلُوق يدبره أجْرى الله لَهُ بِسَبَبِهِ أَو من جِهَته خلاف مَا علق بِهِ آماله وَانْظُر مَا كَانَ أقوى تعلق بني برمك بالنجوم حَتَّى فِي سَاعَات أكلهم وركوبهم وَعَامة أفعالهم وَكَيف كَانَت نكبتهم الشنيعة وَانْظُر حَال أبي عَليّ ابْن مقلة الْوَزير وتعظيمه لأحكام النُّجُوم ومراعاته لَهَا أَشد المراعات ودخوله دَارا بناها بطالع زعم الكذابون

стр. 447

المفترون أَنه طالع سعد لَا يرى بِهِ فِي الدَّار مَكْرُوها فَقطعت يَده ونكب فِي آثاره أقبح نكبة نكبها وَزِير قبله وقتلى المنجمين أَكثر من أَن يحصيهم إِلَّا الله الْوَجْه التَّاسِع عشر أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم قد أقرُّوا على أنفسهم وَشَهَادَة بَعضهم على بعض بِفساد أصُول هَذَا الْعلم وأساسه فقد كَانَ أوائلهم من الأقدمين وكبار رصادهم من عهد بطليموس وطيموحارسي حارس ومانالاوس قد حكمُوا فِي الْكَوَاكِب الثَّابِتَة بِمِقْدَار وَاتَّفَقُوا أَنه صَحِيح الِاعْتِبَار وَأقَام الْأَمر على ذَلِك فَوق سَبْعمِائة عَام وَالنَّاس لَيْسَ بِأَيْدِيهِم سوى تقليدهم حَتَّى كَانَ فِي عهد الْمَأْمُون فاتفق من رصادهم وحكامهم عُلَمَاء الْفَرِيقَيْنِ مثل خَالِد بن عبد الْملك الْمروزِي وَحسن صَاحب الزبج المأموني وَمُحَمّد بن الجهم وَيحيى بن أبي مَنْصُور على أَنهم امتحنوا رصد الْأَوَائِل فوجدوهم غالطين فِيمَا رصدوه فرصدوهم رصدا لأَنْفُسِهِمْ وحرروه وسموه الرصد الممتحن وجعلوه مبدأ ثَانِيًا بعد ذَلِك الزَّمن كَانَ لأوائلهم إِجْمَاع على صِحَة رصدهم ولهؤلاء إِجْمَاع على خطأهم فِيهِ فتضمن ذَلِك إِجْمَاع الْأَوَاخِر على الْأَوَائِل أَنهم كَانُوا غالطين واقرار الْأَوَاخِر على أنفسهم أَنهم كَانُوا بِالْعَمَلِ بِهِ مخطئين ثمَّ حدثت طَائِفَة أُخْرَى مِنْهُم كَبِيرهمْ وزعيمهم أَبُو معشر مُحَمَّد ابْن جَعْفَر وَكَانَ بعد الرصد الممتحن بِنَحْوِ من سِتِّينَ عَاما فَرد عَلَيْهِم وَبَين خطأهم كَمَا ذكر أَبُو سعيد ابْن شَاذان بن بَحر المنجم فِي كتاب أسرار النُّجُوم قَالَ قَالَ أَبُو معشر أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مُوسَى المنجم الْحُلَيْس وَلَيْسَ الْخَوَارِزْمِيّ قَالَ حَدثنِي يحيى بن آبي مَنْصُور أَو قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْحُلَيْس قَالَ دخلت على الْمَأْمُون وَعِنْده جمَاعَة المنجمين وَعِنْده رجل قد تنبأ وَقد دَعَا الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء وَلم يحضروا بعد وَنحن لَا نعلم فَقَالَ لي وَلمن حضر من المنجمين اذْهَبُوا فَخُذُوا الطالع لدعوى رجل فِي شَيْء يَدعِيهِ وعرفوني بِمَا يدله عَلَيْهِ الْفلك من صدقه وَكذبه وَلم يعلمنَا الْمَأْمُون أَنه متنبيء فَجِئْنَا إِلَى نَاحيَة من الْقصر وأحكمنا أَمر الطالع وصورناه فَوَقع الشَّمْس وَالْقَمَر فِي دقيقة الطالع والطالع الجدي وَالْمُشْتَرِي فِي السنبلة ينظر إِلَيْهِ والزهرة وَعُطَارِد فِي الْعَقْرَب ينظر إِلَيْهِ فَقَالَ كل من حضر من المنجمين هَذَا الرجل صَحِيح لَا كذب فِيهِ قَالَ يحيى وَأَنا سَاكِت فَقَالَ لي الْمَأْمُون قل فَقلت هُوَ فِي طلب تَصْحِيحه وَله حجَّة زهرية وعطاردية وَتَصْحِيح مَا يَدعِيهِ لَا يتم لَهُ فَقَالَ من أَيْن قلت فَقلت لِأَن صِحَة الدَّعَاوَى من المُشْتَرِي وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ زحل مُوَافقَة إِلَّا أَنه كَارِه لهَذَا البرج وَلَا يتم لَهُ التَّصْدِيق وَلَا التَّصْحِيح وَالَّذِي قَالُوهُ إِنَّمَا هُوَ من حجَّة عطاردية وزهرية وَذَلِكَ يكون من جنس التحسين والتزويق وَالْخداع عَن غير حَقِيقَة فَقَالَ لله دَرك ثمَّ قَالَ تَدْرُونَ مَا يدعى هَذَا الرجل قُلْنَا لَا قَالَ هَذَا يدعى النُّبُوَّة فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَعَهُ شَيْء يحْتَج بِهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ نعم معي خَاتم ذُو فصين ألبسهُ فَلَا يتَغَيَّر مني شَيْء ويلبسه غَيْرِي فَلَا يَتَمَالَك من الضحك حَتَّى يَنْزعهُ وَمَعِي قلم شَامي أكتب بِهِ وَيَأْخُذهُ غَيْرِي

стр. 448

فَلَا تَنْطَلِق أُصْبُعه بِهِ فَقلت يَا سَيِّدي هَذَا عُطَارِد والزهرة قد عملا عملهما فَأمره أَمِير الْمُؤمنِينَ فأظهر مَا أدعاه مِنْهُمَا وَكَانَ ذَلِك ضرب من الطلسمات فَمَا زَالَ بِهِ الْمَأْمُون أَيَّامًا كَثِيرَة حَتَّى أقرّ وتبرأ من دَعْوَى النُّبُوَّة وَوصف الْحِيلَة الَّتِي احتالها فِي الْخَاتم والقلم فوهب لَهُ الْمَأْمُون ألف دِينَار وَصَرفه فلقيناه بعد ذَلِك فَإِذا هُوَ أعلم النَّاس بِعلم النُّجُوم وَمن أكبر أَصْحَاب عبد الله الْقشيرِي وَهُوَ الَّذِي عمل طلسم الخنافس فِي دور بَغْدَاد قَالَ أَبُو معشر لَو كنت فِي الْقَوْم ذكرت أَشْيَاء خفيت عَلَيْهِم كنت أَقُول الدَّعْوَى بَاطِلَة من أَصْلهَا إِذْ البرج مُنْقَلب وَهُوَ الجدي وَالْمُشْتَرِي فِي الوبال وَالْقَمَر فِي المحاق والكوكبان الناظران إِلَى الطالع فِي برج كَذَّاب وَهُوَ الْعَقْرَب فَتَأمل كَيفَ اخْتلفت أحكامهم مَعَ اتِّحَاد الطالع وكل مِنْهُم يُمكنهُ تَصْحِيح حكمه بِشُبْهَة من جنس شُبْهَة الآخر فَلَو اتّفق أَن أدعى رجل صَادِق فِي ذَلِك الْوَقْت والطالع دَعْوَى ألم يكن ادعاؤه مُمكنا غير مُسْتَحِيل ودعواه صَحِيحَة فِي نَفسهَا أم تَقولُونَ انه لَا يُمكن أَن يدعى أحد فِي ذَلِك الْوَقْت والطالع دَعْوَى صَحِيحَة الْبَتَّةَ وَمن الْمَعْلُوم لجَمِيع الْعُقَلَاء أَنه يُمكن إِذْ ذَاك دعوتين من رجل محق ومبطل بذلك الطالع بِعَيْنِه فَمَا أسخف عقل من ارْتبط بِهَذَا الهذيان وَبني عَلَيْهِ جَمِيع حوادث الزَّمَان وَلَيْسَ بيد الْقَوْم إِلَّا مَا اعْترف بِهِ فاضلهم وزعيمهم أَبُو معشر وَقَالَ شَاذان فِي الْكتاب الْمَذْكُور أَيْضا قلت لأبي معشر الذَّنب بَارِد يَابِس فَلم قُلْتُمْ انه يدل على التَّأْنِيث فَقَالَ هَكَذَا قَالُوا قلت فقد قَالُوا انه لَيْسَ بصادق اليبس لكنه بَارِد فَنظر لي فَقَالَ كل الْأَعْرَاض الغائبة توهم لَا يكون شَيْء مِنْهَا يَقِينا وانما يكون توهم أقوى من توهم وَمن تَأمل أَحْوَال الْقَوْم علم أَن مَا مَعَهم إِلَّا زرق وتفرس يصيبون مَعهَا ويخطئون قَالَ شَاذان فِي كِتَابه الْمَذْكُور كَانَ الرَّازِيّ الثنوي الَّذِي بِالْهِنْدِ يُكَاتب أَبَا لعشر ويهاديه فأنفذ لأبي معشر مولدا لِابْنِ مَالك سر نديب طالعه الجوزاء وَالشَّمْس وَالْقَمَر فِي الجدي وَالْقَمَر خَارج عَن الشعاع وَعُطَارِد فِي الدَّلْو وَالْمُشْتَرِي فِي الْحمل وزحل فِي السرطان رَاجع فِي بحران الرُّجُوع فَحكم لَهُ أَبُو معشر بِأَنَّهُ يعِيش دور زحل الْأَوْسَط فَقلت سُبْحَانَ الله جَاءَهُ رَاجع فِي بحران الرُّجُوع فِي بَيت سَاقِط عَن الْأَوْتَاد لَا يُعْطِيهِ إِلَّا دور الْأَصْغَر وَيحْتَاج أَن يسْقط مِنْهُ الْخمسين وَجعلت أنكر عَلَيْهِ ذَلِك وأخوفه أَن تسْقط مَنْزِلَته عِنْد أهل تِلْكَ الْبِلَاد إِلَى أَن ذكر محاورة طَوِيلَة انْتَهَت بهما إِلَى أَن أَبَا معشر أَخذ ذَلِك من عادات أهل الْهِنْد فِي طول الْأَعْمَار وَقَالَ شَاذان فِي مَسْأَلَة سُئِلَ عَنْهَا مَا أَنْتُم الازراقين ثمَّ حدثت بعد هَؤُلَاءِ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن عبد الرحمن بن عمر بن عبد الْمَعْرُوف بالصوفي وَكَانَ بعد أبي معشر بِنَحْوِ من سبعين عَاما فَذكر أَنه قد عثر من غلط الْأَوَاخِر بعد الْأَوَائِل على أَشْيَاء كَثِيرَة وصنف كتابا فِي معرفَة الثوابت وَحمله إِلَى عضد الدولة بن بويه فَاسْتَحْسَنَهُ

стр. 449

وأجزل ثَوَابه وَبَين فِي هَذَا الْكتاب من أغاليط أَتبَاع الرصد الثَّانِي أمورا كَثِيرَة لعطارد المنجم وَمُحَمّد بن جَابر التباني وَعلي بن عِيسَى الْحَرَّانِي فَقَالَ فِي مُقَدّمَة كِتَابه وَلما رَأَيْت هَؤُلَاءِ الْقَوْم مَعَ ذكرهم فِي الْآفَاق وتقدمهم فِي الصِّنَاعَة وإقتداء النَّاس بهم واشتغالهم بمؤلفاتهم قد تبع كل وَاحِد مِنْهُم من تقدمه من غير تَأمل لخطئه وَصَوَابه بالعيان والنظروا أوهموا النَّاس بالرصد حَتَّى ظن كل من نظر فِي مؤلفاتهم أَن ذَلِك عَن معرفَة بالكواكب ومواضعها إِلَى أَن قَالَ ومعولهم على آلَات مصورة من عمل من لَا يعرف الْكَوَاكِب بِأَعْيَانِهَا وانما عولوا على مَا وجدوه فِي الْكتب من أطوالها وعروضها فرسموها فِي الكرة من غير معرفَة خطئها وصوابها ثمَّ قَالَ وَزَادُوا أَيْضا على أطوال الْكَوَاكِب أطوالا كَثِيرَة وعَلى عروضها دقائق يسيرَة ونقصوا مِنْهَا أوهموا بذلك أَنهم رصدوا الْكل وَأَنَّهُمْ وجدوا بَين أرصادهم وأوضاع بطليموس من الْخلاف فِي أطوالها وعروضها الْقدر الَّذِي خالفوا بِهِ سوى الزِّيَادَة الَّتِي وجدوها من حركاتها فِي الْمدَّة الَّتِي بَينهم وَبَينه من السنين من غير أَن عرفُوا الْكَوَاكِب بِأَعْيَانِهَا وَله تواليف أخر مشحونة بِبَيَان أغاليطهم وإيضاح أكاذيبه ٢ م وتخاليطهم وَشهد عَلَيْهِم بِأَنَّهُم تَارَة قلدوا فِي الْأَقْوَال النجومية وَتارَة قلدوا فِيمَا وجدوه من الصُّور الكوكبية فهم مقلدون فِي القَوْل وَالْعَمَل لَيْسَ مَعَ الْقَوْم بَصِيرَة وَشهد عَلَيْهِم بِأَنَّهُم مموهون مدلسون بل كاذبون مفترون من جِهَة أَنهم زادوا دقائق مَا بَين زمانهم وزمان بطليموس وأوهموا بهَا أَنهم رصدوا مَا رصده من قبلهم فعثروا على مَا لم يعثروا عَلَيْهِ ثمَّ حدثت جمَاعَة أُخْرَى مِنْهُم الكوشيار بن يَاسر بن الديلمي وَمن تآليفه الزيجات وَالْجَامِع والمجمل فِي الْأَحْكَام وَهُوَ عِنْدهم نِهَايَة فِي الْفَنّ وَكَانَ بعد الصُّوفِي بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ عَاما وَذكر فِي مُقَدّمَة كِتَابه الْمُجْمل أَنِّي جمعت فِي هَذَا الْكتاب من أصُول صناعَة النُّجُوم وَالطَّرِيق إِلَى التَّصَرُّف فِيهَا مَا ظننته كَافِيا فِي مَعْنَاهُ مغنيا عَمَّا سواهُ وَأكْثر الْأَمر فِيمَا أخذت بِهِ أقرب طَرِيق عزوته إِلَى الْقيَاس وأوضح سَبِيل سلكته إِلَى الصَّوَاب إِذْ هِيَ صناعَة غير مبرهنة وللخواطر والظنون مجَال بِلَا نِهَايَة صَوَاب ومجال إِلَى أَن ذكر علم الْأَحْكَام فَقَالَ فِيهِ وَلَا سَبِيل للبرهان عَلَيْهِ وَلَا هُوَ مدرك بكليته نعم وَلَا بأكثره لن الشَّيْء الَّذِي يسْتَعْمل فِيهِ هَذَا الْعلم أشخاص النَّاس وَجَمِيع مَا دون الْفلك الْقمرِي مطبوع على الِانْتِقَال والتغيير وَلَا يثبت على حَال وَاحِدَة فِي أَكثر الْأَمر وَلَا للْإنْسَان بكامل الْقُوَّة من الحدس بخواص الْأَحْوَال الَّتِي تكون من امتزاجات الْكَوَاكِب فَبلغ من الصعوبة وتعسر الْوُقُوف عَلَيْهِ إِلَى أَن دَفعه بعض النَّاس وظنوا أَنه شَيْء لَا يُدْرِكهُ أحد الْبَتَّةَ وَأكْثر المنفردين بِالْعلمِ الأول يعْنى علم الْهَيْئَة يُنكرُونَ هَذَا الْعلم ويجحدون منفعَته وَيَقُولُونَ هُوَ شَيْء يَقع بالانفاق وَلَيْسَ عَلَيْهِ برهَان إِلَى أَن قَالَ وَمن المنفردين بِالْعلمِ الثَّانِي يعْنى علم الْأَحْكَام من يَأْتِي على

стр. 450

جزئياته بحجج على سَبِيل النّظر والجدل فَظن أَنَّهَا برهَان لجهله بطرِيق الْبُرْهَان وطبيعته فَحصل من كَلَام هَذَا تجهيل أَصْحَاب الْأَحْكَام كَمَا حصل فِي كَلَام الصُّوفِي تَكْذِيب أَصْحَاب الأرصاد وَهَذَانِ رجلَانِ من عظمائهم وزعمائهم ثمَّ حدثت جمَاعَة أُخْرَى مِنْهُم المنجم الْمَعْرُوف بالفكري منجم الْحَاكِم بالديار المصرية وَكَانَ قد انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة هَذَا الْعلم وَكَانَ قد قَرَأَ على من قَرَأَ على العاصمي فَوضع هُوَ وَأَصْحَابه رصدا آخر وَهُوَ الرصد الحاكمي وَخَالف فِيهِ أَصْحَاب الرصد الممتحن فِي أَشْيَاء وعَلى ذَلِك التَّفَاوُت بنوا الذريح الحاكمي وَكَانَ الْحَاكِم قد أَمرهم أَن يحذوا على فعل الْمَأْمُون فَأمر أَن يجتمعوا عِنْده فَاجْتمع المنجمون وَرَئِيسهمْ الفكري فوضعوا الذّبْح الحاكمي وخالفوا أَصْحَاب الرصد المأموني ومالوا أتباعهم إِلَى الرصد الحاكمي وَلَو اتّفق بعد ذَلِك رصد آخر لسلك أَصْحَابه فِي خلاف من تقدمهم مَسْلَك أوائلهم هَذَا ومستند لَهُم ومعولهم الْحس والحساب وهما هما لَا يقبلان التغليط فَمَا الظَّن بِمَا يَدعُونَهُ من علم الْأَحْكَام الَّذِي مبناه على هواجس الظنون وخيالات الأوهام ثمَّ حدثت جمَاعَة أُخْرَى مِنْهُم أَبُو الريحان الْبَيْرُوتِي مؤلف كتاب التفهيم إِلَى صناعَة التنجيم جمع فِيهِ بَين الهندسة والحساب والهيئة وَالْأَحْكَام وَكَانَ بعد كوشيار بِنَحْوِ من أَرْبَعِينَ سنة فَخَالف من تقدمه وأتى من مناقضتهم وَالرَّدّ عَلَيْهِم بِمَا هُوَ دَال على فَسَاد الصِّنَاعَة فِي نَفسهَا وَختم كِتَابه بقوله فِي الخبى وَالضَّمِير مَا أَكثر افتضاح المنجمين فِيهِ وَمَا أَكثر اصابة الراصدين فِيهِ بِمَا يستعملون من كَلَامه وَقت السُّؤَال ويرونه باديا من آثَار وأفعال على السَّائِل وَقَالَ وَعند الْبلُوغ إِلَى هَذَا الْموضع من صناعَة التنجيم كَافِيَة وَمن تعداه فقد عرض نَفسه وصناعته لما بلغت إِلَيْهِ الْآن من السخرية والاستهزاء فقد جهلها المتفقهون فِيهَا فضلا عَن المنتسبين إِلَيْهَا انْتهى كَلَامه ثمَّ حدثت جمَاعَة أُخْرَى مِنْهُم أَبُو الصَّلْت أُميَّة بن عبد العزيز بن أُميَّة الأندلسي الشَّاعِر المنجم الطَّبِيب الأديب وَكَانَ بعد الْبَيْرُوتِي بِنَحْوِ من ثَمَانِينَ عَاما وَدخل مصر وَأقَام بهَا نَحْو عَاميْنِ وَلما كَانَ بالغرب توفيت وَالِدَة الْأمين على بن يميم صَاحب المهدية وَكَانَ قد وَافق مَوتهَا أَخْبَار المنجمين بذلك قبل وُقُوعه فَعمل أُميَّة قصيدة يرثيها وَهِي من مستحسن شعره فَقَالَ فِيهَا وراعك قَول للمنجم موهم ... وَمن يعْتَقد زرق المنجم يُوهم فواعجبا يهذي المنجم دهره ... ويكذب إِلَّا فِيك قَول المنجم وَكَانَ الْمَذْكُور رَأْسا فِي الصِّنَاعَة وَقد اعْترف بِأَن المنجم كَذَّاب صَاحب زرق وهذيان ثمَّ حدثت طَائِفَة أُخْرَى بالغرب مِنْهُم أَبُو اسحق الزر قَالَ واصحابه وَهُوَ بعد أبي الصَّلْت بِنَحْوِ من مائَة عَام وَقد خَالف الْأَوَائِل والأواخر فِي الصناعتين والرصدية والأحكامية فأسقط من

стр. 451

الرصد الممتحن المأموني فِي البروج دَرَجَات وَمن الرصد الحاكمي دقائق وسلك فِي الْأَحْكَام طرقا غير الطّرق الْمَعْهُودَة مِنْهُ الْيَوْم وَزعم أَن عَلَيْهَا الْمعول وَأَن طرق من تقدمه لَيست بِشَيْء وَلَو حدث فِي هَذَا الْعَصْر من يشبه من تقدمه لرأينا اخْتِلَافا آخر وَلَكِن هَذِه الصِّنَاعَة قد مَاتَت وَلم يبْق بأيدي المنتسبين إِلَيْهَا إِلَّا تَقْلِيد هَؤُلَاءِ الضلال فِيمَا فهموه من كَلَامهم الْبَاطِل وَمَا لم يفهموه مِنْهُ فقد يظنون أَنه صَحِيح وَلَكِن إفهامهم نبت عَنهُ وَهَذَا شَأْن جَمِيع أهل الضلال مَعَ رُؤَسَائِهِمْ ومتبوعيهم فجهال النَّصَارَى إِذا ناظرهم الموحد فِي تثليثهم وتناقضه وتكاذبه قَالُوا الْجَواب على القسيس والقسيس يَقُول الْجَواب على المطران والمطران يحِيل الْجَواب على البترك والبترك على الأسقف والأسقف على الْبَاب وَالْبَاب على الثلاثمائة وَالثَّمَانِيَة عشر أَصْحَاب الْمجمع الَّذِي اجْتَمعُوا فِي عهد قسطنطين وَوَضَعُوا لِلنَّصَارَى هَذَا التَّثْلِيث والشرك المناقض للعقول والأديان ولعلهم عِنْد الله أحسن حَالا من أَكثر الْقَائِلين بِأَحْكَام النُّجُوم الْكَافرين بِرَبّ الْعَالمين وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فصل وَرَأَيْت لبَعض فضلائهم وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن عَليّ بن عِيسَى رِسَالَة بليغة فِي الرَّد عَلَيْهِم وإبداء تناقضهم كتبهَا لما بَصَره الله رشده واراه بطلَان مَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الضلال الْجُهَّال كتبهَا نصيحة لبَعض إخوانه فَأَحْبَبْت أَن أوردهَا بلفظها وان تَضَمَّنت بعض الطول والتكرار وأتعقب بعض كَلَامه بتقرير مَا يحْتَاج إِلَى تَقْرِير وسؤال يُورد عَلَيْهِ ويطعن بِهِ على كَلَامه ثمَّ بِالْجَوَابِ عَنهُ ليَكُون قُوَّة للمسترشد وبيانا للمتحير وتبصرة للمهتدي ونصيحة لأخواني الْمُسلمين وَهَذَا أَولهَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم عصمك الله من قبُول المحالات واعتقاد مَا لم تقم عَلَيْهِ الدلالات وضاعف لَك الْحَسَنَات وَكَفاك الْمُهِمَّات بمنه وَرَحمته كنت أدام الله توفيقك وتسديدك ذكرت لي اهتمامك بِمَا قد لهج بِهِ وُجُوه أهل زَمَاننَا من النّظر فِي الْأَحْكَام النُّجُوم وتصديق كل مَا يَأْتِي من أدعى أَنه عَارِف بهَا من علم الْغَيْب الَّذِي تفرد الله بِهِ وَلم يَجعله لأحد من الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَلَا مَلَائكَته المقربين وَلَا عباده الصَّالِحين من معرفَة طَوِيل الْأَعْمَار وقصيرها وَحميد العواقب وذميمها وَسَائِر مَا يَتَجَدَّد وَيحدث ويتخوف ويتمنى وسألنى أَن اعْمَلْ كتابا أذكر فِيهِ بعض مَا وَقع من اخْتلَافهمْ فِي أصُول الْأَحْكَام الدَّالَّة على وهمهم قبح اعْتِقَادهم وَمَا يسْتَدلّ بِهِ من طَرِيق النّظر وَالْقِيَاس على ضعف مَذْهَبهم وألخص ذَلِك وَاخْتَصَرَهُ واقربه بِحَسب الوسع والطاقة فوعدتك بذلك وَقد ضمنته كتابي هَذَا وَالله أسأَل

стр. 452

عونا على مَا قرب مِنْهُ وتوفيقا لما أزلف لَدَيْهِ انه قريب مُجيب فعال لما يُرِيد لست مُسْتَعْملا للتحامل على من أثبت تَأْثِير الْكَوَاكِب فِي هَذَا الْعَالم وَترك إنصافهم كَمَا فعل قوم ردوا عَلَيْهِم فانهم دفعوهم عَن أَن يكون لَهَا تَأْثِير الْبَتَّةَ غير وجود الضياء فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تطلع فِيهَا الشَّمْس وَالْقَمَر وَعَدَمه فِيمَا غابا عَنهُ وَمَا جرى هَذَا المجرى بل أسلم لَهُم أَنَّهَا تُؤثر تَأْثِيرا مَا يجْرِي على الْأَمر الطبيعي مثل أَن يكون الْبَلَد الْقَلِيل الْعرض مزاجه يمِيل عَن الِاعْتِدَال إِلَى الْحر واليبس وَكَذَلِكَ مزاج أَهله ضَعِيف وألوانهم سود وصفر كالنوبة والحبشة وَأَن يكون الْبَلَد الْكثير الْعرض مزاجه يمِيل عَن الِاعْتِدَال إِلَى الْبرد والرطوبة وَكَذَلِكَ مزاج أَهله وأجسامهم عبلة والوانهم بيض وشعورهم شقر مثل التّرْك والصقالبة وَمثل أَن يكون النَّبَات يَنْمُو ويقوى ويتكامل وينضج ثمره بالشمس وَالْقَمَر فان أهل الصَّحرَاء وَمن يعانيها مجمعون على أَن القثاء تطول وتغلظ بالقمر وَقد شاهدت غير شَجَرَة كَبِيرَة حاملة من التِّين والتوت وَغَيرهمَا فَمَا قَابل الشَّمْس مِنْهُ أسْرع نضج الثَّمر الْكَائِن فِيهِ وَمَا خفى مِنْهَا عَنْهَا بَقِي ثمره فجا وَتَأَخر إِدْرَاكه وَمِثَال ذَلِك مَا شَاهد من حَال الريحان الَّذِي يُقَال لَهُ اللينوفر وَحَال الْخَبَّازِي وورق الخطمى والأدريون وَأَشْيَاء كَثِيرَة من النَّبَات فانا نرَاهُ يَتَحَرَّك وينفتح مَعَ طُلُوع الشَّمْس ويضعف إِذا غَابَتْ لِأَن هَذِه أُمُور محسوسة وَلَيْسَ الْكَلَام فِي هَذَا التَّأْثِير كَيفَ هُوَ وعَلى أَي سَبِيل يَقع فَمَا يَلِيق بغرضنا هَهُنَا فَلذَلِك أَدَعهُ فَأَما مَا يزعمونه فِيمَا عدا هَذَا من أَن النُّجُوم توجب أَن يعِيش فلَان كَذَا كَذَا سنة وَكَذَا كَذَا شهرا وينتهون فِي التَّحْدِيد إِلَى جُزْء من سَاعَة وَأَن يدل على تَقْلِيد رجل بِعَيْنِه الْملك وتقليد آخر بِعَيْنِه الوزارة وَطول مُدَّة كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْولَايَة وقصرها وَمَا فعله الْإِنْسَان وَمَا يَفْعَله فِي منزله وَمَا يضمره فِي قلبه وَمَا هُوَ مُتَوَجّه فِيهِ من حاجاته وَمَا هُوَ فِي بطن الْحَامِل وَالسَّارِق وَمن هُوَ والمسروق وَمَا هُوَ وَأَيْنَ هُوَ وكميته وكيفيته وَمَا يجب بالكسوف وَمَا يحدث مَعَه وَالْمُخْتَار من الْأَعْمَال فِي كل يَوْم بِحَسب اتِّصَال الْقَمَر بالكواكب من أَن يكون هَذَا الْيَوْم صَالحا للقاء الْمُلُوك والرؤساء وَأَصْحَاب السيوف وَهَذَا يَوْم مَحْمُود للقاء الْكتاب والوزراء وَهَذَا الْيَوْم مَحْمُود للقاء الْقُضَاة وَهَذَا الْيَوْم مَحْمُود لأمور النِّسَاء وَهَذَا الْيَوْم مَحْمُود لشرب الدَّوَاء والفصد والحجامة وَهَذَا الْيَوْم مَحْمُود للعب الشطرنج والنرد وَغير ذَلِك فمحال أَن يكون مَعْلُوما من طَرِيق الْحس وَلَيْسَ نَص من كتاب الله بل قد نَص الله فِيهِ على بُطْلَانه بقوله ﵎ قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله وَلَا من سنة رَسُول الله بل قد جَاءَ عَنهُ أَنه قَالَ من أَتَى عرافا أَو كَاهِنًا أَو منجما فَصدقهُ بِمَا يَقُول فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد وَلَا هَاهُنَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى القَوْل بِهِ وَلَا هُوَ أول فِي الْمَعْقُول وَلَا يأْتونَ عَلَيْهِ ببرهان وَلَا دَلِيل

стр. 453

مقنع وَهَذِه هِيَ الطّرق الَّتِي تثبت بهَا الموجودات وَتعلم بهَا حقائق الْأَشْيَاء لَا طَرِيق هَاهُنَا غَيرهَا وَلَا شَيْء لأحكام النُّجُوم مِنْهَا وانا ابتدئ الْآن بِوَصْف جملَة من اخْتلَافهمْ فِي الْأُصُول الَّتِي يبنون عَلَيْهَا أَمرهم ويفرعون عَنْهَا أحكامهم وأذكر المستبشع من أقاويلهم وقضاياهم وَظَاهر مناقضاتهم ثمَّ آتى بِطرف من احتجاجهم والاحتجاج عَلَيْهِم وَالله والموفق للصَّوَاب بفضله ذكر اخْتلَافهمْ فِي الْأُصُول زَعَمُوا جَمِيعًا أَن الْخَيْر وَالشَّر والاعطاء وَالْمَنْع وَمَا أشبه ذَلِك يكون فِي الْعَالم بالكواكب وبحسب السُّعُود مِنْهَا والنحوس وعَلى حسب كَونهَا من البروج الْمُوَافقَة والمنافرة لَهَا وعَلى حسب نظر بَعْضهَا إِلَى بعض من التسديس والتربيع والتثليث والمقابلة وعَلى حسب محاسدة بَعْضهَا بَعْضًا وعَلى حسب كَونهَا فِي شرفها وهبوطها ووبالها ثمَّ اخْتلفُوا على أَي وَجه يكون ذَلِك فَزعم قوم مِنْهُم أَن فعلهَا بطبائعها وَزعم آخَرُونَ أَن ذَلِك لَيْسَ فعلا لَهَا لَكِنَّهَا تدل عَلَيْهِ بطبائعها قلت وَزعم آخَرُونَ أَنَّهَا تفعل فِي الْبَعْض بِالْعرضِ وَفِي الْبَعْض بِالذَّاتِ قَالَ وَزعم آخَرُونَ أَنَّهَا تفعل بِالِاخْتِيَارِ لَا بالطبع أَلا أَن السعد مِنْهَا لَا يخْتَار إِلَّا الْخَيْر والنحس مِنْهَا لَا يخْتَار إِلَّا الشَّرّ وَهَذَا بِعَيْنِه نفى للاختيار فان حَقِيقَة الْقَادِر الْمُخْتَار الْقُدْرَة على فعل أَي الضدين شَاءَ وَترك أَيهمَا شَاءَ قلت لَيْسَ هَذَا بِشَيْء فانه لَا يلْزم من كَون الْمُخْتَار مَقْصُود الِاخْتِيَار على نوع وَاحِد سلب اخْتِيَاره وَلَكِن الَّذِي يبطل هَذَا أَنهم يَقُولُونَ أَن الْكَوْكَب النحس سعد فِي برج كَذَا وَفِي بَيت كَذَا وَإِذا كَانَ النَّاظر إِلَيْهِ من النُّجُوم كَذَا وَكَذَا وَكَذَلِكَ الْكَوْكَب السعد وَيَقُولُونَ أَنَّهَا تفعل بِالذَّاتِ خيرا وبالعرض شرا وَبِالْعَكْسِ وَقد يَقُولُونَ أَنَّهَا تخْتَار فِي زمَان خلاف مَا تخْتَار فِي زمَان آخر وَقد تتفق كلهَا أَو أَكْثَرهَا على إِيثَار الْخَيْر فَيكون فِي الْعَالم فِي ذَلِك الْوَقْت على الْأَكْثَر الْخَيْر والنفع وَالْحسن قَالُوا كَمَا كَانَ فِي زمن بهمن وَفِي أَيَّام أنوشروان وبضد ذَلِك أَيْضا فَيُقَال إِذا كَانَت مختارة وَقد تتفق على إِرَادَة الْخَيْر وعَلى إِرَادَة الْخَيْر وَالشَّر بَطل دلَالَة حُصُولهَا فِي البروج الْمعينَة وَدلَالَة نظر بَعْضهَا إِلَى بعض بتسديد أَو تربيع أَو تثليث أَو مُقَابلَة لِأَن هَذَا شَأْن من يَقع فعله إِلَّا عَن وَجه وَاحِد فِي وَقت معِين على شُرُوط مُعينَة وَلَا ريب أَن هَذَا يَنْفِي الِاخْتِيَار فَكيف يَصح قَوْلكُم بذلك وجمعكم بَين هَاتين القضيتين أَعنِي جَوَاز اخْتِيَارهَا فِي زمَان خلاف مَا تختاره فِي زمَان آخر وَجَوَاز اتفاقها على الْخَيْر واتفاقها على الشَّرّ من غير ضَابِط وَلَا دَلِيل يدلكم عَلَيْهِ ثمَّ تحكمون بِتِلْكَ الْأَحْكَام مستندين فِيهَا إِلَى حركاتها الْمَخْصُوصَة وأوضاعها وَنسبَة بَعْضهَا إِلَى بعض وَهل هَذَا الاضحكة للعقلاء قَالَ وَزعم آخَرُونَ أَنَّهَا لَا تفعل بِاخْتِيَار بل تدل بِاخْتِيَار وَهَذَا كَلَام لَا يعقل مَعْنَاهُ إِلَّا أَنى ذكرته لما كَانَ مقولا وَاخْتلفُوا فَقَالَت فرقة من الْكَوَاكِب مَا هُوَ سعد وَمِنْهَا مَا هُوَ نحس وَهِي تسعد غَيرهَا وتنحسه وَقَالَت فرقة هِيَ فِي أَنْفسهَا طبيعة وَاحِدَة

стр. 454

وانما تخْتَلف دلالتها على السُّعُود والنحوس وان لم تكن فِي أَنْفسهَا مُخْتَلفَة وَاخْتلفُوا فَقَالَ قوم أَنَّهَا تُؤثر فِي الْأَبدَان والأنفس جَمِيعًا وَقَالَ الْبَاقُونَ بل فِي الْأَبدَان دون الْأَنْفس قلت أَكثر المنجمين على القَوْل بِأَنَّهَا تسعد وتنحس غَيرهَا وَأما الْفرْقَة الَّتِي قَالَت هِيَ دَالَّة على السعد والنحس فَقَوْلهم وان كَانَ أقرب إِلَى التَّوْحِيد من قَول الْأَكْثَرين مِنْهُم فَهُوَ أَيْضا قَول مُضْطَرب متناقض فان الدّلَالَة الحسية لَا تخْتَلف وَلَا تتناقض وَهَذَا قَول من يَقُول مِنْهُم أَن الْفلك طبيعة مُخَالفَة لطبيعة الاستقصاب الكائنة الْفَاسِدَة وَأَنَّهَا لَا حارة وَلَا بَارِدَة وَلَا يابسة وَلَا رطبَة وَلَا سعد وَلَا نحس فِيهَا وانما يدل بعض أجرامها وَبَعض أَجْزَائِهَا على الْخَيْر وَبَعضهَا على الشَّرّ وارتباط الْخَيْر وَالشَّر والسعد والنحس بهَا ارتباط المدلولات بأدلتها لَا ارتباط المعلومات بعللها وَلَا ريب أَن قَائِل هَذَا أَعقل وَأقرب من أَصْحَاب القَوْل بالاقتضاء الطبيعي والعلية وَأما القَوْل بتأثيرها فِي الْأَبدَان والأنفس فَهُوَ قَول بطليموس وشيعته وَأكْثر الْأَوَائِل من المنجمين وَهَؤُلَاء لَهُم قَولَانِ أَحدهمَا أَنَّهَا تفعل فِي الْأَنْفس بِالذَّاتِ وَفِي الْأَبدَان بِالْعرضِ لِأَن الْأَبدَان تنفعل عَن الْأَنْفس وَالثَّانِي أَنَّهَا هِيَ سَبَب جَمِيع مَا فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد وفعلها فِي ذَلِك كُله بِالذَّاتِ وَكَأَنَّهُ لاخلاف بَين الطَّائِفَتَيْنِ فان الَّذين قَالُوا فعلهَا فِي النُّفُوس لَا يضيفون انفعال الْأَبدَان إِلَى غَيرهَا بذاتها بل بوسائط قَالَ وَاخْتلف رؤساؤهم بطليموس ودورسوس وانطيقوس وريمسس وَغَيرهم من عُلَمَاء الرّوم والهند وبابل فِي الْحُدُود وَغَيرهَا وتضادوا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يَأْخُذُونَ مِنْهَا دليلهم فبعضهم يغلب رب بَيت الطالع وَبَعْضهمْ يَقُول بِالدَّلِيلِ المستولى على الحظوظ وَاخْتلفُوا فَزعم بطليموس أَنهم يعلم مِنْهُم السَّعَادَة بِأَن يَأْخُذ أبدا الْعدَد الَّذِي يحصل من مَوضِع الشَّمْس إِلَى مَوضِع الْقَمَر ويبتدئ من الطالع فيرصد مِنْهُ مثل ذَلِك الْعدَد وَيَأْخُذ إِلَى الْجِهَة الَّتِي تتلو من البروج فَيكون قد عرف مَوضِع السهْم وَزعم غَيره أَنه يعد من الشَّمْس ثمَّ يَبْتَدِئ من الطالع فيعد مثل ذَلِك إِلَى الْجِهَة الْمُتَقَدّمَة من البروج قلت وَزعم آخَرُونَ أَن بطليموس يرى أَن جَمِيع مَا يكون وَيفْسد إِنَّمَا يعرف دَلِيله من مَوضِع التقاء النيرين إِمَّا الِاجْتِمَاع واما الامتلاء لِأَن هذَيْن الكوكبين عِنْده مثل الرئيسين العظيمين أَحدهمَا يأتمر لصَاحبه وَهُوَ الْقَمَر وهما سَببا جَمِيع مَا يحدث فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد وَأَن الْكَوَاكِب الْجَارِيَة والثابتة مِنْهُمَا بِمَنْزِلَة الْجند والعسكر من السُّلْطَان فَإِذا اراد النّظر فِي أَمر من الْأُمُور فان كَانَ بعد الِاجْتِمَاع أَو عِنْده فانه يَأْخُذ الدَّلِيل عَلَيْهِ من الْكَوْكَب المستولى على جُزْء الِاجْتِمَاع وجزئي الشَّمْس وَالْقَمَر فِي الْحَال وشاركه مَعَ الشَّمْس بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطالع وَإِذا كَانَ بعد الامتلاء أَو عِنْده فانه ينظر أَي النيرين كَانَ فَوق الأَرْض عِنْد الامتلاء وَينظر إِلَى الْكَوْكَب المستولى على ذَلِك الْجُزْء وجزء النير الَّذِي كَانَ بعد الشَّمْس من الطالع كبعد الْقَمَر من سهم السَّعَادَة

стр. 455

فَلذَلِك يجب عِنْده أَن يُؤْخَذ الْعدَد أبدا من الشَّمْس إِلَى الْقَمَر لتبقى تِلْكَ النِّسْبَة وَهِي الْبعد بَين كل وَاحِد من النيرين طالعه مَحْفُوظ فَهَذَا قَول آخر غير قَول أُولَئِكَ وللفرس مَذْهَب آخر وَهُوَ أَنهم قَالُوا لما كَانَت الشَّمْس لَهَا نوبَة النَّهَار وَالْقَمَر لَهُ نوبَة اللَّيْل وَكَانَ سهم السَّعَادَة بِالنَّهَارِ يُؤْخَذ من الشَّمْس إِلَى الْقَمَر وَجب أَن يعكس ذَلِك بِاللَّيْلِ لِأَن نِسْبَة النَّهَار إِلَى الشَّمْس مثل نِسْبَة اللَّيْل إِلَى الْقَمَر وكل وَاحِد من النيرين يَنُوب وَاحِدًا من الزمانين فَيَأْخُذُونَ مِنْهُم السَّعَادَة بِاللَّيْلِ من الْقَمَر إِلَى الشَّمْس وبالنهار بِالْعَكْسِ وَزَعَمُوا أَن كَلَام بطليموس إِنَّمَا يدل على هَذَا لِأَنَّهُ قَالَ وان أَخذنَا من الشَّمْس إِلَى الْقَمَر إِلَى خلاف تأليف البروج وألقيناه بِالْعَكْسِ كَانَ مُوَافقا للْأولِ فَقَالُوا يجب أَن يعكس الْأَمر بِاللَّيْلِ فَهَذَا اخْتِلَاف المنجمين على بطليموس ينْقض بعضه بَعْضًا وَلَيْسَ بأيدي الطَّائِفَة برهَان يرجحون بِهِ قولا على قَول أَن يتبعُون إِلَّا الظَّن وان الظَّن لَا يغنى من الْحق شَيْئا فَأَعْرض عَن من تولى عَن ذكرنَا وَلم يرد إِلَى الْحَيَاة الدُّنْيَا ذَلِك مبلغهم من الْعلم أَن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بِمن اهْتَدَى قَالَ وَاخْتلفُوا فرتبت طَائِفَة مِنْهُم البروج الْمَذْكُورَة والمؤنثة من البرج الطالع فعدوا وَاحِدًا مذكرا وَآخر مؤنثا وصيروا الِابْتِدَاء بالمذكر وَقسمت طَائِفَة أُخْرَى البروج أَرْبَعَة أَجزَاء وَجعلُوا البروج المذكرة هِيَ الَّتِي من الطالع إِلَى وسط السَّمَاء وَالَّتِي يقابلها من الغرب إِلَى وتد الأَرْض وَجعلُوا الربعين الباقيين مؤنثين قلت وَمن هذيانهم فِي هَذَا الَّذِي أضحكوا بِهِ عَلَيْهِم الْعُقَلَاء أَنهم جعلُوا البروج قسمَيْنِ حَار المزاج وبارد المزاج وَجعلُوا الْحَار مِنْهَا ذكرا والبارد أُنْثَى وابتدؤا بِالْحملِ وصيروه ذكرا حارا ثمَّ الَّذِي بعده مؤنثا بَارِدًا ثمَّ هَكَذَا إِلَى آخرهَا فَصَارَت سِتَّة ذُكُورا وَسِتَّة أناثا وَلَيْسَت على الْأَوَائِل وَاحِد ذكر وَثَلَاثَة أخر أُنْثَى مُخَالف لَهُ فِي الطبيعة والذكورية والأنوثية مَعَ أَن قسْمَة الْفلك إِلَى البروج قسْمَة فَرضِيَّة وضعية فَهَل فِي أَنْوَاع هذيان الهاذين أعجب من هَذَا وَلما رأى من بِهِ رَمق من عقل مِنْهُم تهافت هَذَا الْكَلَام وسخرية الْعُقَلَاء مِنْهُ رام تقريبه بغاية جهده وحذقه فَقَالَ إِنَّمَا ابْتَدَأَ بِالذكر دون الْأُنْثَى لِأَن الذّكر أشرف من الْأُنْثَى لِأَنَّهُ فَاعل وَالْأُنْثَى منفعلة فاعجبوا يَا معشر الْعُقَلَاء واسألوا الله أَن لَا يخسف بعقولكم كَمَا خسف بعقول هَؤُلَاءِ لهَذَا الهذيان افترى فِي البروج ناكحا ومنكوحا يكون المنكوح مِنْهَا منفعلا لناكحه بالذكورية والأنوثية تَابِعَة لهَذَا الْفِعْل والانفعال فِيهَا قَالَ وَأَيْضًا فالذكورية بِسَبَب الِانْفِرَاد وازواج فِيهَا فان الْأَفْرَاد ذُكُور والأزواج إناث وَهَذَا أعجب من الأول أَن الذّكر يَنْضَم إِلَى الذّكر فَيصير المضموم إِلَيْهِ أُنْثَى فتبا للمصغي إِلَيْكُم والمجوز عقله صدقكُم واصابتكم وَأما أَنْتُم فقد أشهد الله سُبْحَانَهُ عقلاء عباده وأنبأهم مِقْدَار عقولكم وسخافتها فَللَّه الْحَمد والْمنَّة قَالَ هَذَا الْمُنْتَصر لَهُم وانما جعلُوا الْأَفْرَاد لذكور والأزواج للْأُنْثَى لِأَن الْفَرد

стр. 456

يحفظ طَبِيعَته أعنى يَنْقَسِم دَائِما إِلَى فَرد وَالزَّوْج لَا يحفظ طَبِيعَته أَعنِي يَنْقَسِم مرّة إِلَى الْأَفْرَاد وَمرَّة إِلَى الْأزْوَاج كَمَا يعرض ذَلِك للْأُنْثَى فانها تَلد مرّة مثلهَا وَمرَّة ذكرا مُخَالفا لَهَا وَمرَّة ذكرين وَمرَّة أنثيين وَمرَّة ذكرا وَأُنْثَى وَفَسَاد هَذَا وَالْعلم بِفساد عقل صَاحبه وَنَظره مغن لذِي اللب عَن تطلب دَلِيل فَسَاده قَالَ الْمُنْتَصر وانما جعلُوا للبرج الْأُنْثَى بل برج الذّكر فلَان الطبيعة هَكَذَا ألف الاعداد وَاحِدًا فَردا وَآخر زوجا هَكَذَا بَالغا مَا بلغ هَذِه الْقِسْمَة عِنْدهم هِيَ قسْمَة ذاتية للبروج وَلها قسْمَة ثَانِيَة بِالْعرضِ وَهِي أَنهم يبدؤن من الطالع إِلَى الثَّانِي عشر فَيَأْخُذُونَ وَاحِدًا ذكرا وَهُوَ الأول وَآخر أُنْثَى وَهُوَ مَا يَلِيهِ وَهَذِه تخْتَلف بِحَسب اخْتِلَاف الطالع وَالْقِسْمَة الأولى إِنَّمَا كَانَت ذاتية لِأَن الِابْتِدَاء لَهَا بِرَأْس الْحمل وَهُوَ مَوضِع تقاطع الدائرتين اللَّتَيْنِ هما فلك البروج ومعدل النَّهَار وَأما اللَّيْل للْقِسْمَة فانه لَا يبْقى على حَال وَاحِدَة لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْجُزْء المماس لأفق الْبَلَد وَهُوَ دَائِما يتَغَيَّر بحركته مَعَ الْكل وَحُصُول الْأَجْزَاء كلهَا وَاحِدًا بعد آخر على الْأُفق دوره وَاحِدَة وَأما قسْمَة الْفلك أَربَاعًا فانهم قَالُوا إِذا خرج خطّ من أفق الْمشرق إِلَى أفق الْمغرب وَخط من وتد الأَرْض إِلَى وسط السَّمَاء انقسمت البروج أَرْبَعَة أَقسَام كل قسم ثَلَاثَة بروج على طبيعة وَاحِدَة ابْتِدَاء كل قسم من طرف قطر إِلَى طرف الْقطر الَّذِي يَلِيهِ وأطراف هذَيْن القطرين تسمى أوتاد الْعَالم وَالْقسم الأول من وتد الْمشرق إِلَى وتد الْعَاشِر ذكر شَرْقي مخفف سريع وَمن وتد الْعَاشِر إِلَى وتد الغارب مؤنث جنوبي محرق وسط وَمن ذيل الغارب إِلَى وتد الرَّابِع ذكر مقبل رطب غربي بطيء وَمن وتد الرَّابِع إِلَى وتد الطالع مؤنث دَلِيل مبرد شمَالي وسط وَهَذِه الْقِسْمَة مُخَالفَة لتِلْك القسمتين لَان هَذِه قسْمَة البروج بأَرْبعَة أَقسَام مُتَسَاوِيَة كل ثَلَاثَة بروج مِنْهَا تسعين دَرَجَة لَهَا طبيعة تخصها مَعَ أَن الْفلك شَيْء وَاحِد وطبيعة وَاحِدَة وقسمته إِلَى الدرج والبروج قسْمَة وهمية بِحَسب الْوَضع فَكيف اخْتلفت طبائعها وأحكامها وتأثيراتها وَاخْتلفت بالذكروية والأنوثية ثمَّ أَن بعض الْأَوَائِل مِنْهُم لم يقْتَصر على ذَلِك بل ابْتَدَأَ بالدرجة الأولى من الْحمل فنسبها إِلَى الذكورية وَالثَّانيَِة إِلَى الأنوثية هَكَذَا إِلَى آخر الْحُوت وَلَا ريب أَن الهذيان لَازم لمن قَالَ بقسمة البروج إِلَى ذكر وَأُنْثَى وَقَالَ الذّكر طبيعة الْفَرد وَالْأُنْثَى طبيعة الزَّوْج فان هَذَا بِعَيْنِه لَازم لَهُم فِي دَرَجَات البرج الْوَاحِد وَكَأن هَذَا الْقَائِل تصور لُزُومه لأولئك فَالْتَزمهُ وَأما بطليموس فَلهُ هذيان آخر فانه ابْتَدَأَ بِأول دَرَجَة كل برج ذكر فنسب مِنْهَا إِلَى تَمام أثنى عشر دَرَجَة وبضعا إِلَى الذكورية وَمِنْه إِلَى تَمام خمس وَعشْرين دَرَجَة إِلَى الأنوثية ثمَّ قسم بَاقِي البرج بالنصفين فنسب النّصْف الأول إِلَى الذّكر وَالنّصف الآخر إِلَى الْأُنْثَى وعَلى هَذِه الْقِسْمَة ابْتَدَأَ بالبروج الْأُنْثَى فنسب الثُّلُث وَنصف السُّدس إِلَى الأنوثية وَمثلهَا بعده إِلَى الذكروية وبقى

стр. 457

سدس قسمه بنصفين فنسب النّصْف الأول إِلَى الْأُنْثَى وَالْآخر إِلَى الذّكر كَمَا عمل بالبرج الذّكر حَتَّى أَتَى على البروج كلهَا وَأما دوروسوس فَلهُ هذيان آخر فانه يقسم البروج كلهَا كل برج ثَمَانِيَة وَخمسين دقيقة وَمِائَة وَخمسين ثَانِيَة ثمَّ ينظر فان كَانَ البرج ذكرا أعْطى الْقِسْمَة الأولى للذّكر ثمَّ الثَّانِيَة للْأُنْثَى إِلَى أَن يَأْتِي على الْأَقْسَام كلهَا وان البرج أُنْثَى أعْطى الْقِسْمَة الأولى للذّكر إِلَى أَن يَأْتِي على الْأَقْسَام كلهَا وَلَو قدر أَن جَاهِلا آخر تفنن فِي هَذِه الأوضاع وقلبها وَتكلم عَلَيْهَا لَكَانَ من جنس كَلَامهم وَلم يكن عِنْدهم من الْبُرْهَان مَا يردون بِهِ قَوْله بل أَن رَأَوْهُ قد أصَاب فِي بعض أَحْكَامه لَا فِي أَكْثَرهَا أَحْسنُوا بِهِ الظَّن وتقلد واقوله وجعلوه قدوة لَهُم وَهَذَا شَأْن الْبَاطِل عدنا إِلَى كَلَام عِيسَى فِي رسَالَته قَالَ وَاخْتلفُوا فِي الْحُدُود فَزعم أهل مصر أَنَّهَا تُؤْخَذ من أَرْبَاب الْبيُوت وَزعم الكلدانيون أَنَّهَا تُؤْخَذ من مُدبر الْمِثْلِيَّات وَإِذا كَانَ اخْتِلَاف الَّذين يعتدون بهم فِي أصولهم هَذَا الِاخْتِلَاف وَلَيْسَ هم مِمَّن يُطَالب بالبرهان وَلَا يعْتَقد الشَّيْء حَتَّى يَصح على الْبَحْث وَالْقِيَاس فيعرفون مَعَ من الْحق من رُؤَسَائِهِمْ وَفِي أَي قَول هُوَ من أَقْوَالهم فيعملون بِهِ وانما طريقتهم التَّسْلِيم لما وجدوه فِي الْكتب المنقولة من لِسَان إِلَى لِسَان فَكيف يجوز لَهُم أَن يتفردوا باعتقاد قَول من هَذِه الْأَقْوَال وينصرفوا عَمَّا سواهُ إِلَّا على طَرِيق الشَّهْوَة والتخمين وَالله الْمُسْتَعَان ذكر بعض مَا يستبشع من أَقْوَالهم ويستدل بِهِ على مناقضتهم من ذَلِك زعمهم أَن الْفلك جسم وَاحِد وطبيعة وَاحِدَة وَأَنه شَيْء وَاحِد وَلَيْسَ باشياء مُخْتَلفَة ثمَّ زَعَمُوا بعد ذَلِك أَن بعضه ذكر وَبَعضه أُنْثَى وَلَا دلَالَة لَهُم على ذَلِك وَلَا برهَان وَلَا وجدنَا جسما وَاحِدًا فِي الشَّاهِد بعضه ذكر وَبَعضه أُنْثَى قلت قد رام بعض المبلسين من فضلائهم تَصْحِيح هَذَا الهذيان فَقَالَ لَيْسَ يَسْتَحِيل أَن يكون جسم وَاحِد بعضه أُنْثَى وَبَعضه ذكر كَالرّجلِ مثلا فان الْعين وَالْأُذن وَالْيَد وَالرجل مِنْهُ مُؤَنّثَة وَالرَّأْس والصلب والصدر وَالظّهْر مِنْهُ ذكر وَأَيْضًا فان الْجِسْم مركب من الهيولى وَالصُّورَة والهيولي مذكرة وَالصُّورَة مُؤَنّثَة وَأَيْضًا لما وجد المنجمون الشَّمْس تدل على الْآبَاء وَالْأَب ذكر وَالْقَمَر يدل على الآم وَهِي أُنْثَى قَالُوا أَن الشَّمْس ذكر وَالْقَمَر أُنْثَى قَالُوا وَقد قَالَ أرسطو فِي كتاب الْحَيَوَان طمث الْمَرْأَة يقل فِي نُقْصَان الشَّهْر وَكَذَلِكَ قَالَ بعض النَّاس أَن الْقَمَر أُنْثَى قَالُوا وَأَيْضًا فالشمس إِذا كَانَت قَرِيبا من سمت الرؤس كَانَ الْحر واليبس وهما من طبيعة الذكورية وَالْقَمَر إِذا كَانَ يقرب من سمت الرؤس بِاللَّيْلِ كَانَ الْبرد والرطوبة وهما من طبيعة الْأُنْثَى فليعجب الْعَاقِل اللبيب من هَذِه الخرافات فَأَما أَعْضَاء الْإِنْسَان الذُّكُور وَالْأُنْثَى فَذَلِك أَمر رَاجع إِلَى مُجَرّد اللَّفْظ والحاق عَلامَة التَّأْنِيث فِي تصغيره وَوَصفه وَخَبره وعود الضَّمِير عَلَيْهِ بِلَفْظ التَّأْنِيث وَجمعه جمع الْمُؤَنَّث وَلَيْسَ ذَلِك عَائِد إِلَى طبيعة الْعُضْو ومزاجه فنظير هَذَا قَول النُّحَاة الشَّمْس مُؤَنّثَة للحاق الْعَلامَة لَهَا فِي تصغيرها فَنَقُول شميسة وَفِي الْخَبَر عَنْهَا نَحْو الشَّمْس طالعة وَالْقَمَر مُذَكّر لعدم

стр. 458

لحاق الْعَلامَة لَهُ فِي شَيْء من ذَلِك فعلى هَذَا الْوَجْه وَقع التَّذْكِير والتأنيث فِي أَعْضَاء الْحَيَوَان وَأما قسمتكم البروج وأجزاء الْفلك إِلَى مُذَكّر ومؤنث فَلَيْسَتْ بِهَذَا الِاعْتِبَار بل بِاعْتِبَار الْفِعْل والانفعال والحرارة والرطوبة فتشبيه أحد الْبَابَيْنِ بِالْآخرِ تلبيس وَجَهل وَأما تركب الْجِسْم من الهيولى وَالصُّورَة فَأكْثر الْعُقَلَاء نفوه وَقَالُوا هُوَ شَيْء وَاحِد مُتَّصِل متوارد عَلَيْهِ الِاتِّصَال والانفصال كَمَا يتوارد عَلَيْهِ غَيرهمَا من الْأَغْرَاض فيقبلها وَلَا يلْزم من قبُول الِاتِّصَال والانفصال أَن يكون هُنَاكَ شَيْء آخر غير الجسمية يقبل بِهِ ذَلِك وَالَّذين قَالُوا بتركيبه مِنْهُمَا لم يقل أحد مِنْهُم أصلا أَنه مركب من ذكر وَأُنْثَى وَالصُّورَة مُؤَنّثَة فِي اللَّفْظ لَا فِي الطبيعة واضحكاه على عُقُولهمْ السخيفة وَأما دلَالَة الشَّمْس على الْأَب وَهُوَ مُذَكّر وَدلَالَة الْقَمَر على الْأُم وَهِي أُنْثَى فَلَو سلمت لكم هَذِه الدّلَالَة كَيفَ يلْزم مِنْهَا تذكير مادل على الذّكر وتأنيث مَا يدل على الْأُنْثَى وَأَيْنَ الارتباط الْعقلِيّ بَين الدَّلِيل والمدلول فِي ذَلِك كَيفَ وَدلَالَة الشَّمْس على الْأَب وَالْقَمَر على الْأُم مبْنى على تِلْكَ الدعاوي الْبَاطِلَة الَّتِي لَيْسَ لَهَا مُسْتَند إِلَيْهِ إِلَّا خيالات وأوهام لَا يرضاها الْعُقَلَاء وَأما مَا حكوه عَن ارسطو فَنقل محرف وَنحن نذْكر نَصه فِي الْكتاب الْمَذْكُور فان لنا بِهِ نُسْخَة مصححه قد اعتنى بهَا قَالَ فِي الْمقَالة الثَّامِنَة عشر بعد أَن تكلم فِي عِلّة الاذكار والايناث وَذكر قَول من قَالَ أَن سَبَب الاذكار حرارة الرَّحِم وَسبب الايناث برودته وأبطل هَذَا بِأَن الرَّحِم مُشْتَمل على الذّكر وَالْأُنْثَى مَعًا فِي الْإِنْسَان وَفِي كل حَيَوَان يلد قَالَ فقد كَانَ يَنْبَغِي على قَول هَذَا الْقَائِل أَن يكون التوأمان إِمَّا ذكرين واما أنثيين وأبطله بِوُجُوه أخر وَهَذَا رَأْي أَنْبِذ فَلَيْسَ وَذكر قَول ديمقراطيس أَن ذَلِك لَيْسَ لأجل حرارة الرَّحِم وبرودته بل بِحَسب المَاء الَّذِي يخرج من الذّكر وطبيعته فِي الْحَرَارَة والبرودة وَجعل قُوَّة الاذكار والايناث تَابِعَة لماء الذّكر وَذكر قَول طَائِفَة أُخْرَى أَن خُرُوج المَاء من النَّاحِيَة الْيُمْنَى من الْبدن هِيَ عِلّة الاذكار وَخُرُوجه من النَّاحِيَة الْيُسْرَى هِيَ عِلّة الايناث قَالَ أَن النَّاحِيَة الْيُمْنَى من الْجَسَد أسخن من النَّاحِيَة الْيُسْرَى وأنضج وأدفأ من غَيرهَا وَرجع قَول ديمقراطيس بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الآراء ثمَّ قَالَ فقد بَينا الْعلَّة الَّتِي من أجلهَا يخلق فِي الرَّحِم ذكر وَأُنْثَى والأغراض الَّتِي تعرض تشهد لما بَينا أَن الْأَحْدَاث يلدون الْإِنَاث أَكثر من الشَّبَاب والمتشيبون يلدون إِنَاثًا أَيْضا أَكثر من الشَّبَاب لِأَن الْحَرَارَة الَّتِي فِي الْأَحْدَاث لَيست بتامة بعد الْحَرَارَة الَّتِي فِي الشُّيُوخ نَاقِصَة والأجسام الرّطبَة الَّتِي خلقتها شَبيهَة بخلقة بعض النِّسَاء تَلد إِنَاثًا أَكثر ثمَّ قَالَ فَإِذا كَانَت الرّيح شمالا كَانَ الْوَلَد ذكرا وَإِذا كَانَت جنوبا كَانَ الْمَوْلُود أُنْثَى لِأَن الأجساد إِذا هبت الْجنُوب كَانَت رطبَة وَكَذَلِكَ يكون الزَّرْع أَكثر وَكلما كثر الزَّرْع يكون الطَّبْخ غير نضج ولحال هَذِه الْعلَّة يكون زرع الذكرية وَيكون دم طمث النِّسَاء من قبل الطباع عِنْد خُرُوجه أرطب أَيْضا قلت وَمرَاده بالزرع المَاء الَّذِي يكون من

стр. 459

الرِّجَال قَالَ ولحال هَذِه الْعلَّة يكون طمث النِّسَاء من قبل الطباع فِي نقص الْأَهِلّة أَكثر لِأَن تِلْكَ الْأَيَّام أبرد من سَائِر ايام الشَّهْر وَهِي أرطب أَيْضا لنَقص الْأَهِلّة وَقلة الْحَرَارَة وَالشَّمْس تصير الصَّيف والشتاء فِي كل سنة فَأَما الْقَمَر فيفعل ذَلِك فِي كل شهر فَتَأمل كَلَام الرجل فَأَنَّهُ لم يتَعَرَّض لكَون الْقَمَر ذكر وَلَا أُنْثَى وَلَا أحَال على ذَلِك وانما أحَال على الْأُمُور الطبيعية فِي الكائنات الفاسدات وَبَين تَأْثِير النيرين فِي الرُّطُوبَة واليبوسة والحرارة والبرودة وَجعل لذَلِك تَأْثِيرا فِي الاذكار والايناث لَا للنجوم والطوالع وَمَعَ أَن كَلَامه أقرب إِلَى الْعُقُول من كَلَام المنجمين فَهُوَ بَاطِل من وُجُوه كَثِيرَة مَعْلُومَة بالحس وَالْعقل وأخبار الْأَنْبِيَاء فان الاذكار والايناث لَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل وَلَا يسْتَند إِلَى أَمر طبيعي وانما هُوَ مُجَرّد مَشِيئَة الْخَالِق البارئ المصور الَّذِي يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور ويزوجهم ذكرانا وإناثا وَيجْعَل من يَشَاء عقيما انه عليم قدير الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى وَكَذَا هُوَ قرين الْأَجَل والرزق والسعادة والشقاوة حَيْثُ يسْتَأْذن الْملك الْمُوكل بالمولود ربه وخالقه فَيَقُول يَا رب أذكر أم أُنْثَى سعيد أم شقي فَمَا الرزق فَمَا الْأَجَل فَيقْضى الله مَا يَشَاء وَيكْتب الْملك ولاستقصاء الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَوضِع هُوَ أليق بهَا من هَذَا وَقد أشبعنا الْكَلَام فِيهَا فِي كتاب الرّوح وَالنَّفس وَأَحْوَالهَا وشقاوتها وسعادتها ومقرها بعد الْمَوْت وَالْمَقْصُود الْكَلَام على أَقْوَال الأحكاميين من أَصْحَاب النُّجُوم وَبَيَان تهافتها وَأَنَّهَا إِلَى المحالات والتخيلات أقرب مِنْهَا إِلَى الْعُلُوم والحقائق وَأما قَول الْمُنْتَصر لكم أَن الشَّمْس إِذا كَانَت مسامتة الرؤوس كَانَ الْحر واليبس وهما من طبيعة الذُّكُور وَإِذا كَانَ الْقَمَر مسامة للرؤس كَانَ الْبرد والرطوبة وهما من طبيعة الْإِنَاث فَيُقَال هَذَا لَا يدل على تَأْنِيث الْقَمَر وتذكير الشَّمْس بِوَجْه من الْوُجُوه فان الْبرد والرطوبة يكونَانِ أَيْضا بِسَبَب بعد الشَّمْس من المسامتة وميلها عَن الرُّءُوس وحصولها فِي البروج الشمالية سَوَاء كَانَ الْقَمَر مسامتا أَو غير مسامت فَيَنْبَغِي على قَوْلكُم أَن يكون سَبَب هَذَا الْبرد أُنْثَى وَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل بل الْأَسْبَاب طبيعية من برد الْهَوَاء وتكاثفه وتأثير الشَّمْس فِي تَحْلِيل الأبخرة الَّتِي تكون مِنْهَا الْحَرَارَة بِسَبَب بعْدهَا عَن الرؤس وَلَيْسَ سَبَب ذَلِك أُنْثَى اقتضته وفعلته فقد جمعتم إِلَى جهلكم بالطبيعة وَالْكذب على الْخلقَة القَوْل الْبَاطِل على الله وعَلى خلقه وَلَيْسَ الْعجب إِلَّا مِمَّن يدعى شَيْئا من الْعقل والمعرفة كَيفَ ينقاد لَهُ عقله بالإصغاء إِلَى محالاتكم وهذاياناتكم وَلَكِن كل مَجْهُول مهيب وَلما تكايس من تكايس مِنْكُم فِي أَمر الهيولي وَزعم أَنَّهَا أُنْثَى وان الصُّورَة ذكر وان الْجِسْم الْوَاحِد مُشْتَمل على الذّكر وَالْأُنْثَى أضْحك عقلاء الفلاسفة عَلَيْهِ فان زعيمهم ومعلمهم الأول قد نَص فِي كتاب الْحَيَوَان لَهُ على أَن الهيولى فِي الْجِسْم كالذكر وان قُلْتُمْ فَهَذَا يشْهد لقولنا أَيْضا لِأَنَّهَا أَن كَانَت عِنْده كالذكر فالصورة أُنْثَى فَصَارَ الْجِسْم الْوَاحِد بعضه ذكر وَبَعضه أُنْثَى قُلْنَا الْقَائِلُونَ

стр. 460

بتركب الْأَجْسَام من الهيولى وَالصُّورَة لم يَقُولُوا أَن أَحدهمَا متميز عَن الآخر كَمَا زعمتم ذَلِك فِي أَجزَاء الْفلك بل عِنْدهم الهيولي وَالصُّورَة قد اتحدا وصارا شَيْئا وَاحِدًا فالإشارة الحسية إِلَى أَحدهمَا هِيَ بِعَينهَا إِشَارَة إِلَى الآخر وَأَنْتُم جعلتم الْجُزْء الْمُذكر من الْقلب مباينا للجزء الْأُنْثَى مِنْهُ بِالْوَضْعِ والحقيقة وَالْإِشَارَة إِلَى أَحدهمَا غير الْإِشَارَة إِلَى آخر وللكلام مَعَ أَصْحَاب الهيولي مقَام آخر لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه فان دَعْوَى تركب الْجِسْم مِنْهُمَا دَعْوَى فَاسِدَة من وُجُوه كَثِيرَة وَلَيْسَ يَصح شَيْء مِنْهُ غير الهيولي الصناعية كالخشب للسرير والطبيعية كالمني للمولود وَهِي الْمَادَّة الصناعية والطبيعية وَمَا سوى ذَلِك فخيال ومحال وَالله الْمُسْتَعَان عدنا إِلَى كَلَام صَاحب الرسَالَة قَالَ وَمن ذَلِك زعمهم انه أَن اتّفق مَوْلُود ابْن ملك وان حجام فِي الْبَلَد وَالْوَقْت والطالع والدرجة وَكَانَت سَائِر دلالات السَّعَادَة مَوْجُودَة فِي مولديهما وَجب أَن يكون من ابْن الْملك ملك جليل سائس مُدبر وَمن ابْن الْحجام حجام حاذق وَهَذَا يخرج النُّجُوم عَن أَن تكون تدل على مَا يتحدد من حَال الْإِنْسَان ويجعلها تدل على حذقه وصناعة أَبِيه وتقصيره فِيهَا قلت وَمِمَّا يُوضح فَسَاد قَوْلهم فِي ذَلِك أَن بطليموس جعل الْكَوَاكِب الدَّالَّة على الصناعات ثَلَاثَة المريخ والزهرة وَعُطَارِد وَقَالَ لِأَن الصناعات العملية تحْتَاج إِلَى ثَلَاثَة أَشْيَاء ضَرُورِيَّة أَحدهَا الْمعرفَة وَالثَّانِي الْآلَة وَالثَّالِث الطَّاقَة فِي الْكَفّ ليخرج الْمَعْلُول الْمَصْنُوع حسنا والآلة للمريخ الَّتِي يُشِير إِلَيْهَا يكون على الْأَكْثَر إِمَّا حَدِيد واما مصاحبة للحديد وَلذَلِك يَقُولُونَ صورته صُورَة شَاب بيمناه سيف مسلول وبيسراه رَأس سِنَان وَهُوَ رَاكب أسدا وثيابه حمر تلهب وَآخَرُونَ مِنْهُم يَقُولُونَ على رَأسه بَيْضَة وبيسراه طبرزين وَعَلِيهِ خرقَة حَمْرَاء وَهُوَ رَاكب فرسا أَشهب والمعرفة لعطارد وَلذَلِك يَقُولُونَ صورته صُورَة شَاب بيمناه حَبَّة وبيسراه لوح يقرأه وعَلى رَأسه تَاج وثبابه ملوثة بالتزاويق والنقوش وَمَا شاكل ذَلِك للزهرة وَلذَلِك يَقُولُونَ صورتهَا صُورَة امْرَأَة حَسَنَة بَين يَديهَا مدق تضرب بِهِ وَهِي راكبة على جمل وَمِنْهُم من يَقُول امْرَأَة جالسة مرخاة الشّعْر ذوائبها بيسراها وباليمنى مرْآة تنظر فِيهَا نظيفة الثَّوْب وَعَلَيْهَا طوق واسورة وخلاخل وَأما الشَّمْس وَالْقَمَر فهما الدالان على الْملك فالشمس صورتهَا صُورَة رجل بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَصا يتَوَكَّأ عَلَيْهَا وباليسرى جزر رَاكب عجلة تجرها أَرْبَعَة نمور وَمِنْهُم من يَقُول صورتهَا صُورَة رجل جَالس قَابض على أَرْبَعَة أَعِنَّة أَفْرَاس وَوَجهه كالطبق يلتهب نَارا قَالُوا وَدَلَائِل الْملك لَيست بِأَعْيَانِهَا هِيَ دَلَائِل الصناعات وَدَلَائِل الصناعات هِيَ دلالات الْملك بل قد يجوز أَن يدل على رياسة مَا إِلَّا أَن الْملك أخص من الرياسة وَلكُل وَاحِد من الْكَوَاكِب على الْإِطْلَاق دلَالَة على رياسة مَا فِي معنى من الْمعَانِي فَيُقَال أَرَأَيْتُم أَن حصلت أَدِلَّة الْملك فِي طالع مَوْلُود لَيْسَ من الْملك فِي شَيْء بل أَكثر المولودين لَا ينالون الْملك الْبَتَّةَ
следующие страницы →