Полный текст (577 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
يحفظ طَبِيعَته أعنى يَنْقَسِم دَائِما إِلَى فَرد وَالزَّوْج لَا يحفظ طَبِيعَته أَعنِي يَنْقَسِم مرّة إِلَى الْأَفْرَاد وَمرَّة إِلَى الْأزْوَاج كَمَا يعرض ذَلِك للْأُنْثَى فانها تَلد مرّة مثلهَا وَمرَّة ذكرا مُخَالفا لَهَا وَمرَّة ذكرين وَمرَّة أنثيين وَمرَّة ذكرا وَأُنْثَى وَفَسَاد هَذَا وَالْعلم بِفساد عقل صَاحبه وَنَظره مغن لذِي اللب عَن تطلب دَلِيل فَسَاده قَالَ الْمُنْتَصر وانما جعلُوا للبرج الْأُنْثَى بل برج الذّكر فلَان الطبيعة هَكَذَا ألف الاعداد وَاحِدًا فَردا وَآخر زوجا هَكَذَا بَالغا مَا بلغ هَذِه الْقِسْمَة عِنْدهم هِيَ قسْمَة ذاتية للبروج وَلها قسْمَة ثَانِيَة بِالْعرضِ وَهِي أَنهم يبدؤن من الطالع إِلَى الثَّانِي عشر فَيَأْخُذُونَ وَاحِدًا ذكرا وَهُوَ الأول وَآخر أُنْثَى وَهُوَ مَا يَلِيهِ وَهَذِه تخْتَلف بِحَسب اخْتِلَاف الطالع وَالْقِسْمَة الأولى إِنَّمَا كَانَت ذاتية لِأَن الِابْتِدَاء لَهَا بِرَأْس الْحمل وَهُوَ مَوضِع تقاطع الدائرتين اللَّتَيْنِ هما فلك البروج ومعدل النَّهَار وَأما اللَّيْل للْقِسْمَة فانه لَا يبْقى على حَال وَاحِدَة لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْجُزْء المماس لأفق الْبَلَد وَهُوَ دَائِما يتَغَيَّر بحركته مَعَ الْكل وَحُصُول الْأَجْزَاء كلهَا وَاحِدًا بعد آخر على الْأُفق دوره وَاحِدَة وَأما قسْمَة الْفلك أَربَاعًا فانهم قَالُوا إِذا خرج خطّ من أفق الْمشرق إِلَى أفق الْمغرب وَخط من وتد الأَرْض إِلَى وسط السَّمَاء انقسمت البروج أَرْبَعَة أَقسَام كل قسم ثَلَاثَة بروج على طبيعة وَاحِدَة ابْتِدَاء كل قسم من طرف قطر إِلَى طرف الْقطر الَّذِي يَلِيهِ وأطراف هذَيْن القطرين تسمى أوتاد الْعَالم وَالْقسم الأول من وتد الْمشرق إِلَى وتد الْعَاشِر ذكر شَرْقي مخفف سريع وَمن وتد الْعَاشِر إِلَى وتد الغارب مؤنث جنوبي محرق وسط وَمن ذيل الغارب إِلَى وتد الرَّابِع ذكر مقبل رطب غربي بطيء وَمن وتد الرَّابِع إِلَى وتد الطالع مؤنث دَلِيل مبرد شمَالي وسط وَهَذِه الْقِسْمَة مُخَالفَة لتِلْك القسمتين لَان هَذِه قسْمَة البروج بأَرْبعَة أَقسَام مُتَسَاوِيَة كل ثَلَاثَة بروج مِنْهَا تسعين دَرَجَة لَهَا طبيعة تخصها مَعَ أَن الْفلك شَيْء وَاحِد وطبيعة وَاحِدَة وقسمته إِلَى الدرج والبروج قسْمَة وهمية بِحَسب الْوَضع فَكيف اخْتلفت طبائعها وأحكامها وتأثيراتها وَاخْتلفت بالذكروية والأنوثية ثمَّ أَن بعض الْأَوَائِل مِنْهُم لم يقْتَصر على ذَلِك بل ابْتَدَأَ بالدرجة الأولى من الْحمل فنسبها إِلَى الذكورية وَالثَّانيَِة إِلَى الأنوثية هَكَذَا إِلَى آخر الْحُوت وَلَا ريب أَن الهذيان لَازم لمن قَالَ بقسمة البروج إِلَى ذكر وَأُنْثَى وَقَالَ الذّكر طبيعة الْفَرد وَالْأُنْثَى طبيعة الزَّوْج فان هَذَا بِعَيْنِه لَازم لَهُم فِي دَرَجَات البرج الْوَاحِد وَكَأن هَذَا الْقَائِل تصور لُزُومه لأولئك فَالْتَزمهُ وَأما بطليموس فَلهُ هذيان آخر فانه ابْتَدَأَ بِأول دَرَجَة كل برج ذكر فنسب مِنْهَا إِلَى تَمام أثنى عشر دَرَجَة وبضعا إِلَى الذكورية وَمِنْه إِلَى تَمام خمس وَعشْرين دَرَجَة إِلَى الأنوثية ثمَّ قسم بَاقِي البرج بالنصفين فنسب النّصْف الأول إِلَى الذّكر وَالنّصف الآخر إِلَى الْأُنْثَى وعَلى هَذِه الْقِسْمَة ابْتَدَأَ بالبروج الْأُنْثَى فنسب الثُّلُث وَنصف السُّدس إِلَى الأنوثية وَمثلهَا بعده إِلَى الذكروية وبقى
стр. 457
سدس قسمه بنصفين فنسب النّصْف الأول إِلَى الْأُنْثَى وَالْآخر إِلَى الذّكر كَمَا عمل بالبرج الذّكر حَتَّى أَتَى على البروج كلهَا وَأما دوروسوس فَلهُ هذيان آخر فانه يقسم البروج كلهَا كل برج ثَمَانِيَة وَخمسين دقيقة وَمِائَة وَخمسين ثَانِيَة ثمَّ ينظر فان كَانَ البرج ذكرا أعْطى الْقِسْمَة الأولى للذّكر ثمَّ الثَّانِيَة للْأُنْثَى إِلَى أَن يَأْتِي على الْأَقْسَام كلهَا وان البرج أُنْثَى أعْطى الْقِسْمَة الأولى للذّكر إِلَى أَن يَأْتِي على الْأَقْسَام كلهَا وَلَو قدر أَن جَاهِلا آخر تفنن فِي هَذِه الأوضاع وقلبها وَتكلم عَلَيْهَا لَكَانَ من جنس كَلَامهم وَلم يكن عِنْدهم من الْبُرْهَان مَا يردون بِهِ قَوْله بل أَن رَأَوْهُ قد أصَاب فِي بعض أَحْكَامه لَا فِي أَكْثَرهَا أَحْسنُوا بِهِ الظَّن وتقلد واقوله وجعلوه قدوة لَهُم وَهَذَا شَأْن الْبَاطِل عدنا إِلَى كَلَام عِيسَى فِي رسَالَته قَالَ وَاخْتلفُوا فِي الْحُدُود فَزعم أهل مصر أَنَّهَا تُؤْخَذ من أَرْبَاب الْبيُوت وَزعم الكلدانيون أَنَّهَا تُؤْخَذ من مُدبر الْمِثْلِيَّات وَإِذا كَانَ اخْتِلَاف الَّذين يعتدون بهم فِي أصولهم هَذَا الِاخْتِلَاف وَلَيْسَ هم مِمَّن يُطَالب بالبرهان وَلَا يعْتَقد الشَّيْء حَتَّى يَصح على الْبَحْث وَالْقِيَاس فيعرفون مَعَ من الْحق من رُؤَسَائِهِمْ وَفِي أَي قَول هُوَ من أَقْوَالهم فيعملون بِهِ وانما طريقتهم التَّسْلِيم لما وجدوه فِي الْكتب المنقولة من لِسَان إِلَى لِسَان فَكيف يجوز لَهُم أَن يتفردوا باعتقاد قَول من هَذِه الْأَقْوَال وينصرفوا عَمَّا سواهُ إِلَّا على طَرِيق الشَّهْوَة والتخمين وَالله الْمُسْتَعَان ذكر بعض مَا يستبشع من أَقْوَالهم ويستدل بِهِ على مناقضتهم
من ذَلِك زعمهم أَن الْفلك جسم وَاحِد وطبيعة وَاحِدَة وَأَنه شَيْء وَاحِد وَلَيْسَ باشياء مُخْتَلفَة ثمَّ زَعَمُوا بعد ذَلِك أَن بعضه ذكر وَبَعضه أُنْثَى وَلَا دلَالَة لَهُم على ذَلِك وَلَا برهَان وَلَا وجدنَا جسما وَاحِدًا فِي الشَّاهِد بعضه ذكر وَبَعضه أُنْثَى قلت قد رام بعض المبلسين من فضلائهم تَصْحِيح هَذَا الهذيان فَقَالَ لَيْسَ يَسْتَحِيل أَن يكون جسم وَاحِد بعضه أُنْثَى وَبَعضه ذكر كَالرّجلِ مثلا فان الْعين وَالْأُذن وَالْيَد وَالرجل مِنْهُ مُؤَنّثَة وَالرَّأْس والصلب والصدر وَالظّهْر مِنْهُ ذكر وَأَيْضًا فان الْجِسْم مركب من الهيولى وَالصُّورَة والهيولي مذكرة وَالصُّورَة مُؤَنّثَة وَأَيْضًا لما وجد المنجمون الشَّمْس تدل على الْآبَاء وَالْأَب ذكر وَالْقَمَر يدل على الآم وَهِي أُنْثَى قَالُوا أَن الشَّمْس ذكر وَالْقَمَر أُنْثَى قَالُوا وَقد قَالَ أرسطو فِي كتاب الْحَيَوَان طمث الْمَرْأَة يقل فِي نُقْصَان الشَّهْر وَكَذَلِكَ قَالَ بعض النَّاس أَن الْقَمَر أُنْثَى قَالُوا وَأَيْضًا فالشمس إِذا كَانَت قَرِيبا من سمت الرؤس كَانَ الْحر واليبس وهما من طبيعة الذكورية وَالْقَمَر إِذا كَانَ يقرب من سمت الرؤس بِاللَّيْلِ كَانَ الْبرد والرطوبة وهما من طبيعة الْأُنْثَى فليعجب الْعَاقِل اللبيب من هَذِه الخرافات فَأَما أَعْضَاء الْإِنْسَان الذُّكُور وَالْأُنْثَى فَذَلِك أَمر رَاجع إِلَى مُجَرّد اللَّفْظ والحاق عَلامَة التَّأْنِيث فِي تصغيره وَوَصفه وَخَبره وعود الضَّمِير عَلَيْهِ بِلَفْظ التَّأْنِيث وَجمعه جمع الْمُؤَنَّث وَلَيْسَ ذَلِك عَائِد إِلَى طبيعة الْعُضْو ومزاجه فنظير هَذَا قَول النُّحَاة الشَّمْس مُؤَنّثَة للحاق الْعَلامَة لَهَا فِي تصغيرها فَنَقُول شميسة وَفِي الْخَبَر عَنْهَا نَحْو الشَّمْس طالعة وَالْقَمَر مُذَكّر لعدم
стр. 458
لحاق الْعَلامَة لَهُ فِي شَيْء من ذَلِك فعلى هَذَا الْوَجْه وَقع التَّذْكِير والتأنيث فِي أَعْضَاء الْحَيَوَان وَأما قسمتكم البروج وأجزاء الْفلك إِلَى مُذَكّر ومؤنث فَلَيْسَتْ بِهَذَا الِاعْتِبَار بل بِاعْتِبَار الْفِعْل والانفعال والحرارة والرطوبة فتشبيه أحد الْبَابَيْنِ بِالْآخرِ تلبيس وَجَهل وَأما تركب الْجِسْم من الهيولى وَالصُّورَة فَأكْثر الْعُقَلَاء نفوه وَقَالُوا هُوَ شَيْء وَاحِد مُتَّصِل متوارد عَلَيْهِ الِاتِّصَال والانفصال كَمَا يتوارد عَلَيْهِ غَيرهمَا من الْأَغْرَاض فيقبلها وَلَا يلْزم من قبُول الِاتِّصَال والانفصال أَن يكون هُنَاكَ شَيْء آخر غير الجسمية يقبل بِهِ ذَلِك وَالَّذين قَالُوا بتركيبه مِنْهُمَا لم يقل أحد مِنْهُم أصلا أَنه مركب من ذكر وَأُنْثَى وَالصُّورَة مُؤَنّثَة فِي اللَّفْظ لَا فِي الطبيعة واضحكاه على عُقُولهمْ السخيفة وَأما دلَالَة الشَّمْس على الْأَب وَهُوَ مُذَكّر وَدلَالَة الْقَمَر على الْأُم وَهِي أُنْثَى فَلَو سلمت لكم هَذِه الدّلَالَة كَيفَ يلْزم مِنْهَا تذكير مادل على الذّكر وتأنيث مَا يدل على الْأُنْثَى وَأَيْنَ الارتباط الْعقلِيّ بَين الدَّلِيل والمدلول فِي ذَلِك كَيفَ وَدلَالَة الشَّمْس على الْأَب وَالْقَمَر على الْأُم مبْنى على تِلْكَ الدعاوي الْبَاطِلَة الَّتِي لَيْسَ لَهَا مُسْتَند إِلَيْهِ إِلَّا خيالات وأوهام لَا يرضاها الْعُقَلَاء
وَأما مَا حكوه عَن ارسطو فَنقل محرف وَنحن نذْكر نَصه فِي الْكتاب الْمَذْكُور فان لنا بِهِ نُسْخَة مصححه قد اعتنى بهَا قَالَ فِي الْمقَالة الثَّامِنَة عشر بعد أَن تكلم فِي عِلّة الاذكار والايناث وَذكر قَول من قَالَ أَن سَبَب الاذكار حرارة الرَّحِم وَسبب الايناث برودته وأبطل هَذَا بِأَن الرَّحِم مُشْتَمل على الذّكر وَالْأُنْثَى مَعًا فِي الْإِنْسَان وَفِي كل حَيَوَان يلد قَالَ فقد كَانَ يَنْبَغِي على قَول هَذَا الْقَائِل أَن يكون التوأمان إِمَّا ذكرين واما أنثيين وأبطله بِوُجُوه أخر وَهَذَا رَأْي أَنْبِذ فَلَيْسَ وَذكر قَول ديمقراطيس أَن ذَلِك لَيْسَ لأجل حرارة الرَّحِم وبرودته بل بِحَسب المَاء الَّذِي يخرج من الذّكر وطبيعته فِي الْحَرَارَة والبرودة وَجعل قُوَّة الاذكار والايناث تَابِعَة لماء الذّكر وَذكر قَول طَائِفَة أُخْرَى أَن خُرُوج المَاء من النَّاحِيَة الْيُمْنَى من الْبدن هِيَ عِلّة الاذكار وَخُرُوجه من النَّاحِيَة الْيُسْرَى هِيَ عِلّة الايناث قَالَ أَن النَّاحِيَة الْيُمْنَى من الْجَسَد أسخن من النَّاحِيَة الْيُسْرَى وأنضج وأدفأ من غَيرهَا وَرجع قَول ديمقراطيس بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الآراء ثمَّ قَالَ فقد بَينا الْعلَّة الَّتِي من أجلهَا يخلق فِي الرَّحِم ذكر وَأُنْثَى والأغراض الَّتِي تعرض تشهد لما بَينا أَن الْأَحْدَاث يلدون الْإِنَاث أَكثر من الشَّبَاب والمتشيبون يلدون إِنَاثًا أَيْضا أَكثر من الشَّبَاب لِأَن الْحَرَارَة الَّتِي فِي الْأَحْدَاث لَيست بتامة بعد الْحَرَارَة الَّتِي فِي الشُّيُوخ نَاقِصَة والأجسام الرّطبَة الَّتِي خلقتها شَبيهَة بخلقة بعض النِّسَاء تَلد إِنَاثًا أَكثر ثمَّ قَالَ فَإِذا كَانَت الرّيح شمالا كَانَ الْوَلَد ذكرا وَإِذا كَانَت جنوبا كَانَ الْمَوْلُود أُنْثَى لِأَن الأجساد إِذا هبت الْجنُوب كَانَت رطبَة وَكَذَلِكَ يكون الزَّرْع أَكثر وَكلما كثر الزَّرْع يكون الطَّبْخ غير نضج ولحال هَذِه الْعلَّة يكون زرع الذكرية وَيكون دم طمث النِّسَاء من قبل الطباع عِنْد خُرُوجه أرطب أَيْضا قلت وَمرَاده بالزرع المَاء الَّذِي يكون من
стр. 459
الرِّجَال قَالَ ولحال هَذِه الْعلَّة يكون طمث النِّسَاء من قبل الطباع فِي نقص الْأَهِلّة أَكثر لِأَن تِلْكَ الْأَيَّام أبرد من سَائِر ايام الشَّهْر وَهِي أرطب أَيْضا لنَقص الْأَهِلّة وَقلة الْحَرَارَة وَالشَّمْس تصير الصَّيف والشتاء فِي كل سنة فَأَما الْقَمَر فيفعل ذَلِك فِي كل شهر فَتَأمل كَلَام الرجل فَأَنَّهُ لم يتَعَرَّض لكَون الْقَمَر ذكر وَلَا أُنْثَى وَلَا أحَال على ذَلِك وانما أحَال على الْأُمُور الطبيعية فِي الكائنات الفاسدات وَبَين تَأْثِير النيرين فِي الرُّطُوبَة واليبوسة والحرارة والبرودة وَجعل لذَلِك تَأْثِيرا فِي الاذكار والايناث لَا للنجوم والطوالع وَمَعَ أَن كَلَامه أقرب إِلَى الْعُقُول من كَلَام المنجمين فَهُوَ بَاطِل من وُجُوه كَثِيرَة مَعْلُومَة بالحس وَالْعقل وأخبار الْأَنْبِيَاء فان الاذكار والايناث لَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل وَلَا يسْتَند إِلَى أَمر طبيعي وانما هُوَ مُجَرّد مَشِيئَة الْخَالِق البارئ المصور الَّذِي يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور ويزوجهم ذكرانا وإناثا وَيجْعَل من يَشَاء عقيما انه عليم قدير الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى وَكَذَا هُوَ قرين الْأَجَل والرزق والسعادة والشقاوة حَيْثُ يسْتَأْذن الْملك الْمُوكل بالمولود ربه وخالقه فَيَقُول يَا رب أذكر أم أُنْثَى سعيد أم شقي فَمَا الرزق فَمَا الْأَجَل فَيقْضى الله مَا يَشَاء وَيكْتب الْملك
ولاستقصاء الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَوضِع هُوَ أليق بهَا من هَذَا وَقد أشبعنا الْكَلَام فِيهَا فِي كتاب الرّوح وَالنَّفس وَأَحْوَالهَا وشقاوتها وسعادتها ومقرها بعد الْمَوْت وَالْمَقْصُود الْكَلَام على أَقْوَال الأحكاميين من أَصْحَاب النُّجُوم وَبَيَان تهافتها وَأَنَّهَا إِلَى المحالات والتخيلات أقرب مِنْهَا إِلَى الْعُلُوم والحقائق وَأما قَول الْمُنْتَصر لكم أَن الشَّمْس إِذا كَانَت مسامتة الرؤوس كَانَ الْحر واليبس وهما من طبيعة الذُّكُور وَإِذا كَانَ الْقَمَر مسامة للرؤس كَانَ الْبرد والرطوبة وهما من طبيعة الْإِنَاث فَيُقَال هَذَا لَا يدل على تَأْنِيث الْقَمَر وتذكير الشَّمْس بِوَجْه من الْوُجُوه فان الْبرد والرطوبة يكونَانِ أَيْضا بِسَبَب بعد الشَّمْس من المسامتة وميلها عَن الرُّءُوس وحصولها فِي البروج الشمالية سَوَاء كَانَ الْقَمَر مسامتا أَو غير مسامت فَيَنْبَغِي على قَوْلكُم أَن يكون سَبَب هَذَا الْبرد أُنْثَى وَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل بل الْأَسْبَاب طبيعية من برد الْهَوَاء وتكاثفه وتأثير الشَّمْس فِي تَحْلِيل الأبخرة الَّتِي تكون مِنْهَا الْحَرَارَة بِسَبَب بعْدهَا عَن الرؤس وَلَيْسَ سَبَب ذَلِك أُنْثَى اقتضته وفعلته فقد جمعتم إِلَى جهلكم بالطبيعة وَالْكذب على الْخلقَة القَوْل الْبَاطِل على الله وعَلى خلقه وَلَيْسَ الْعجب إِلَّا مِمَّن يدعى شَيْئا من الْعقل والمعرفة كَيفَ ينقاد لَهُ عقله بالإصغاء إِلَى محالاتكم وهذاياناتكم وَلَكِن كل مَجْهُول مهيب وَلما تكايس من تكايس مِنْكُم فِي أَمر الهيولي وَزعم أَنَّهَا أُنْثَى وان الصُّورَة ذكر وان الْجِسْم الْوَاحِد مُشْتَمل على الذّكر وَالْأُنْثَى أضْحك عقلاء الفلاسفة عَلَيْهِ فان زعيمهم ومعلمهم الأول قد نَص فِي كتاب الْحَيَوَان لَهُ على أَن الهيولى فِي الْجِسْم كالذكر وان قُلْتُمْ فَهَذَا يشْهد لقولنا أَيْضا لِأَنَّهَا أَن كَانَت عِنْده كالذكر فالصورة أُنْثَى فَصَارَ الْجِسْم الْوَاحِد بعضه ذكر وَبَعضه أُنْثَى قُلْنَا الْقَائِلُونَ
стр. 460
بتركب الْأَجْسَام من الهيولى وَالصُّورَة لم يَقُولُوا أَن أَحدهمَا متميز عَن الآخر كَمَا زعمتم ذَلِك فِي أَجزَاء الْفلك بل عِنْدهم الهيولي وَالصُّورَة قد اتحدا وصارا شَيْئا وَاحِدًا فالإشارة الحسية إِلَى أَحدهمَا هِيَ بِعَينهَا إِشَارَة إِلَى الآخر وَأَنْتُم جعلتم الْجُزْء الْمُذكر من الْقلب مباينا للجزء الْأُنْثَى مِنْهُ بِالْوَضْعِ والحقيقة وَالْإِشَارَة إِلَى أَحدهمَا غير الْإِشَارَة إِلَى آخر وللكلام مَعَ أَصْحَاب الهيولي مقَام آخر لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه فان دَعْوَى تركب الْجِسْم مِنْهُمَا دَعْوَى فَاسِدَة من وُجُوه كَثِيرَة وَلَيْسَ يَصح شَيْء مِنْهُ غير الهيولي الصناعية كالخشب للسرير والطبيعية كالمني للمولود وَهِي الْمَادَّة الصناعية والطبيعية وَمَا سوى ذَلِك فخيال ومحال وَالله الْمُسْتَعَان عدنا إِلَى كَلَام صَاحب الرسَالَة قَالَ وَمن ذَلِك زعمهم انه أَن اتّفق مَوْلُود ابْن ملك وان حجام فِي الْبَلَد وَالْوَقْت والطالع والدرجة وَكَانَت سَائِر دلالات السَّعَادَة مَوْجُودَة فِي مولديهما وَجب أَن يكون من ابْن الْملك ملك جليل سائس مُدبر وَمن ابْن الْحجام حجام حاذق وَهَذَا يخرج النُّجُوم عَن أَن تكون تدل على مَا يتحدد من حَال الْإِنْسَان ويجعلها تدل على حذقه وصناعة أَبِيه وتقصيره فِيهَا قلت وَمِمَّا يُوضح فَسَاد قَوْلهم فِي ذَلِك أَن بطليموس جعل الْكَوَاكِب الدَّالَّة على الصناعات ثَلَاثَة المريخ والزهرة وَعُطَارِد وَقَالَ لِأَن الصناعات العملية تحْتَاج إِلَى ثَلَاثَة أَشْيَاء ضَرُورِيَّة أَحدهَا الْمعرفَة وَالثَّانِي الْآلَة وَالثَّالِث الطَّاقَة فِي الْكَفّ ليخرج الْمَعْلُول الْمَصْنُوع حسنا والآلة للمريخ الَّتِي يُشِير إِلَيْهَا يكون على الْأَكْثَر إِمَّا حَدِيد واما مصاحبة للحديد وَلذَلِك يَقُولُونَ صورته صُورَة شَاب بيمناه سيف مسلول وبيسراه رَأس سِنَان وَهُوَ رَاكب أسدا وثيابه حمر تلهب وَآخَرُونَ مِنْهُم يَقُولُونَ على رَأسه بَيْضَة وبيسراه طبرزين وَعَلِيهِ خرقَة حَمْرَاء وَهُوَ رَاكب فرسا أَشهب والمعرفة لعطارد وَلذَلِك يَقُولُونَ صورته صُورَة شَاب بيمناه حَبَّة وبيسراه لوح يقرأه وعَلى رَأسه تَاج وثبابه ملوثة بالتزاويق والنقوش وَمَا شاكل ذَلِك للزهرة وَلذَلِك يَقُولُونَ صورتهَا صُورَة امْرَأَة حَسَنَة بَين يَديهَا مدق تضرب بِهِ وَهِي راكبة على جمل وَمِنْهُم من يَقُول امْرَأَة جالسة مرخاة الشّعْر ذوائبها بيسراها وباليمنى مرْآة تنظر فِيهَا نظيفة الثَّوْب وَعَلَيْهَا طوق واسورة وخلاخل وَأما الشَّمْس وَالْقَمَر فهما الدالان على الْملك فالشمس صورتهَا صُورَة رجل بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَصا يتَوَكَّأ عَلَيْهَا وباليسرى جزر رَاكب عجلة تجرها أَرْبَعَة نمور وَمِنْهُم من يَقُول صورتهَا صُورَة رجل جَالس قَابض على أَرْبَعَة أَعِنَّة أَفْرَاس وَوَجهه كالطبق يلتهب نَارا قَالُوا وَدَلَائِل الْملك لَيست بِأَعْيَانِهَا هِيَ دَلَائِل الصناعات وَدَلَائِل الصناعات هِيَ دلالات الْملك بل قد يجوز أَن يدل على رياسة مَا إِلَّا أَن الْملك أخص من الرياسة وَلكُل وَاحِد من الْكَوَاكِب على الْإِطْلَاق دلَالَة على رياسة مَا فِي معنى من الْمعَانِي فَيُقَال أَرَأَيْتُم أَن حصلت أَدِلَّة الْملك فِي طالع مَوْلُود لَيْسَ من الْملك فِي شَيْء بل أَكثر المولودين لَا ينالون الْملك الْبَتَّةَ
стр. 461
وانما يَنَالهُ وَاحِد من النَّاس وَلَا يلْزم أَن يكون فِي آبَائِهِ ملك وَلَا يكون ابْن ملك فَمَا بَال طالع الْملك الْمُشْتَرك بَين عدَّة أَوْلَاد خص هَذَا وَحده حَتَّى أَن أَكْثَرَكُم ينظر بِنَصّ بطليموس إِلَى جنس الْمَوْلُود وَمَا يصلح لَهُ فَيحكم على ابْن الْملك بِالْملكِ وعَلى ابْن الْحجام بالحجامة فان كَانَ طالعهما وَاحِدًا حكم بتقدم ابْن الْحجام فِي رياسة صناعته وَكَونه كملكهم وَمَعْلُوم أَن الْحس والوجود أكبر المكذبين لكم فِي هَذِه الْحُكَّام فَمَا كثر من نَالَ الْملك وَلَيْسَ هُوَ من أَبنَاء الْمُلُوك الْبَتَّةَ وَلَا كَانَ طالعه يَقْتَضِي ذَلِك وَحرمه من يَقْتَضِيهِ طالعه بزعمكم مِمَّن أَبوهُ ملك وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي غير الْملك من الطالع الَّذِي يَقْتَضِي كَون الْمَوْلُود حكيما عَالما أَو حاذقا فِي صناعته كم قد أخلف وَحصل الْعلم وَالْحكمَة والتقدم فِي الصِّنَاعَة لغير أَرْبَاب ذَلِك الطالع وَفِي ذَلِك أبين تَكْذِيب لكم وابطال لقولكم وَالله الْمُسْتَعَان قَالَ صَاحب الرسَالَة وَأبْعد من ذَلِك قَوْلهم أَن الْكَوَاكِب الْمُتَحَيِّرَة أجل من الثوابت وَأبين تَأْثِيرا فِي الْعَالم وان كل وَاحِد من الْكَوَاكِب الثَّابِتَة يفعل فعلا وَاحِدًا لَا يَزُول عَنهُ من غير أَن ينحس أَو يسْعد وان عُطَارِد هُوَ من الْكَوَاكِب الْمُتَحَيِّرَة لَيْسَ لَهُ طبع يعرف وَأَنه نحس إِذا قَارن النحوس وَسعد إِذا قَارن السُّعُود وَمن ذَلِك قَوْلهم أَن قُوَّة الْقَمَر الترطيب وان الْعلَّة فِي ذَلِك قرب فلكه من الأَرْض وقبوله البخارات الرّطبَة الَّتِي ترْتَفع إِلَيْهِ مِنْهَا وان قُوَّة زحل أَن يبرد ويجفف تجفيفا يَسِيرا وان عِلّة ذَلِك بعده عَن حرارة الشَّمْس وَعَن البخارات الرّطبَة الَّتِي ترْتَفع من الأَرْض وان قُوَّة المريخ مجففة محرقة لمشاكلة لَونه للون النَّار ولقربه من الشَّمْس لِأَن الكرة الَّتِي فِيهَا الشَّمْس مَوْضُوعَة تَحْتَهُ قلت فَلْيتَأَمَّل الْعَاقِل مَا فِي هَذَا الْكَلَام من ضروب الْمحَال وَمَا للفلك ووصول البخارات الأرضية إِلَيْهِ وَهل فِي قُوَّة البخارات تصاعدها إِلَى سطح الْفلك مَعَ الْبعد المفرط والبخار إِذا ارْتَفع فغاية ارتفاعه كارتفاع السَّحَاب لَا يتعداه وَهل تتأثر العلويات بطبائع السفليات وتتكيف بكيفياتها وتنفعل عَنْهَا
وَمِمَّا يدل على فَسَاد ذَلِك أَيْضا أَن الْقَمَر لَو كَانَ مترطبا من البخارات وَجب أَن تزداد رطوبته فِي كل يَوْم لِأَنَّهُ دَائِم الْقبُول للبخارات وَلَا يَقُولُونَ ذَلِك وان الْتِزَامه مِنْهُم مكابر وَقَالَ كل يَوْم يزْدَاد رُطُوبَة
قلت لَهُ فَمَا تنكر أَن تكون دلَالَة زحل والمريخ على النحوس تتزايد وَتَكون دلَالَته على النحوس فِي الْيَوْم أَكثر من دلَالَته فِي الأمس وَلَو فتح عَلَيْكُم هَذَا الْبَاب فَلَعَلَّ السعد يَنْقَلِب نحسا وَبِالْعَكْسِ وَهَذَا يرفع الْأمان عَن أصُول هَذَا الْعلم
وَأَيْضًا فَإِذا جوزتم انفعال الفلكيات عَن أَجزَاء هَذَا الْعَالم السفلي لزمكم تَجْوِيز فَسَاد هَذِه الْكَوَاكِب من هَذِه الأجرام العنصرية ولزمكم تَجْوِيز أَن ترْتَفع إِلَى الْقَمَر من الأدخنة مَا يُوجب جفافه وبلوغه فِي اليبس الْغَايَة وَأَيْضًا فاذا جوزتم ذَلِك فَلم لَا تجوزون نُفُوذ تِلْكَ البخارات إِلَى مَا ورا
стр. 462
فلك الْقَمَر حَتَّى يترطب فلك الأفلاك فان قُلْتُمْ فلك الْقَمَر عائق عَن ذَلِك
قُلْنَا وكرة الْأَثر حائلة بَين عالمنا هَذَا وَبَين فلك الْقَمَر فَكيف جوزتم وُصُول البخارات الأرضية إِلَى فلك الْقَمَر وَفِي مشابهة لون المريخ للون النَّار مِمَّا يَقْتَضِي تَأْثِيره الإحراق والتجفيف وَهل فِي الهذيان أعجب من هَذَا فان أَرَادوا النَّار البسيطة فَإِنَّهَا لَا لون لَهَا وان أَرَادوا النَّار الْحَادِثَة فَهِيَ بِحَسب مادتها الَّتِي توجب حمرتها وصفرتها وبياضها وَأما كَون الشَّمْس تَحْتَهُ فَهَذَا لَا يَقْتَضِي تأثيرها فِيهِ واعطاؤه قُوَّة التجفيف والاحراق فَإِن الشَّمْس لَو أثرت فِيهِ ذَلِك واعطه إِيَّاه لكَانَتْ الشَّمْس بِهَذَا التَّأْثِير والإعطاء للزهرة أولى لِأَن كرتها فَوق كرة الزهرة ونسبتها إِلَى كرة الزهرة كنسبتها إِلَى كرة المريخ فَهَلا كَانَت قُوَّة الزهرة التجفيف والإحراق بل تَأْثِير الشَّمْس فِيمَا تحتهَا أولى من تأثيرها فِيمَا فَوْقهَا قَالَ صَاحب الرسَالَة وان الْكَوَاكِب الثَّابِتَة الَّتِي فِي الدب الْأَكْبَر قوتها كقوة المريخ وَهَذَا غلط عَظِيم لِأَن لون هَذِه الْكَوَاكِب غير مشبه للون النَّار وَلَيْسَت الكرة الَّتِي فِيهَا الشَّمْس مَوْضُوعَة تحتهَا بل الكرة الَّتِي فِيهَا زحل مَوْضُوعَة تحتهَا فَهِيَ بِأَن يكون حَالهَا مشبها لحَال زحل أولى لِأَنَّهَا فَوْقه وَبعدهَا عَن الشَّمْس وَعَن حرارات الأَرْض أَكثر من بعده قلت وَالْعجب من هَؤُلَاءِ يعلمُونَ قَول مقدمهم بطليموس أَن طبائع الأجرام السماوية وَاحِدَة ثمَّ يحكمون على بَعْضهَا بالحرارة وعَلى بَعْضهَا بالبرودة وَكَذَلِكَ بالرطوبة واليبوسة قَالَ وَزَعَمُوا أَن عُطَارِد معتدل فِي التجفيف والترطيب لِأَنَّهُ لَا يبعد فِي وَقت من الْأَوْقَات عَن حر الشَّمْس بعدا كثيرا وَلَا وَضعه فَوق كرة الْقَمَر وان الْكَوَاكِب الثَّابِتَة الَّتِي فِي الْجَانِي حَالهَا شَبيهَة بِحَالهِ وَلَيْسَ يُوجد لَهَا من السببين اللَّذين دلا على طبيعة عُطَارِد شَيْئا بل الدّور يُوجد لَهَا ضد ذَلِك وَهُوَ أَنَّهَا بعيدَة من الشَّمْس فِي أَكثر الْأَوْقَات وان فلكها أبعد أفلاك الْكَوَاكِب من كرة الْقَمَر وَقَالُوا أَن الْكَوَاكِب الَّتِي من النعاد ١ تشبه حَال عُطَارِد وزحل فِي بعض الْأَوْقَات وتشبه حَال المُشْتَرِي والمريخ فِي بَعْضهَا
قلت وَقد اسْتدلَّ فضلاؤكم على اخْتِلَاف طبائع الْكَوَاكِب باخْتلَاف ألوانها فَقَالُوا زحل لَونه الغبرة والكمودة فحكمنا بِأَنَّهُ على طبع السَّوْدَاء وَهُوَ الْبرد واليبس فان السَّوْدَاء لَهَا من الألوان الغبرة وَأما المريخ فانه يشبه لَونه لون النَّار فَلَا جرم قُلْنَا طبعه حَار يَابِس وَأما الشَّمْس فَهِيَ حارة يابسة لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا أَن لَوْنهَا يشبه لون الْحمرَة الثَّانِي أَنا نعلم بِالتَّدْبِيرِ أَنَّهَا مسخة للأجسام منشفة للرطوبات وَأما الزهرة فانا نرى لَوْنهَا كالمركب من الْبيَاض والصفرة ثمَّ أَن الْبيَاض يدل على طبيعة البلغم الَّذِي هُوَ الْبرد والرطوبة والصفرة تدل على الْحَرَارَة وَلما كَانَ بَيَاض الزهرة أَكثر من صفرتها حكمنَا عَلَيْهَا بِأَن بردهَا ورطوبتها أَكثر وَأما المُشْتَرِي فَلَمَّا
стр. 463
كَانَت صفرته أَكثر مِمَّا فِي الزهرة كَانَت سخونته أَكثر من سخونته الزهرة وَكَانَ فِي غَايَة الِاعْتِدَال وَأما الْقَمَر فَهُوَ أَبيض وَفِيه كمودة فبياضه يدل على الْبرد وَأما عُطَارِد فانا نرى عَلَيْهِ اللوان مُخْتَلفَة فَرُبمَا رَأَيْنَاهُ أَخْضَر وَرُبمَا رَأَيْنَاهُ أغبر وَرُبمَا رَأَيْنَاهُ على خلاف هذَيْن اللونين وَذَلِكَ فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة مَعَ كَونه من الْأُفق على ارْتِفَاع وَاحِد فَلَا جرم قُلْنَا انه لكَونه قَابلا للألوان الْمُخْتَلفَة يجب أَن يكون لَهُ طبائع مُخْتَلفَة إِلَّا أَنا لما وجدنَا فِي الْغَالِب عَلَيْهِ الغبرة الأرضية قُلْنَا طَبِيعَته أميل إِلَى الأَرْض واليبس وَهَذَا التَّقْرِير بَاطِل من وُجُوه عديدة
أَحدهَا أَن الْمُشَاركَة فِي بعض الصِّفَات لَا تَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِي الْمَاهِيّة والطبيعة وَلَا فِي صفة أُخْرَى
الْوَجْه الثَّانِي أَن الدّلَالَة بِمُجَرَّد اللَّوْن على الطبيعة ضَعِيفَة جدا فان النورة والنوشادر والزرنيخ والزئبق المصعد والكبريت فِي غَايَة الْبيَاض مَعَ أَن طبائعها فِي غَايَة الْحَرَارَة الثَّالِث أَن ألوان الْكَوَاكِب لَيست كَمَا ذكرْتُمْ فزحل رصاصي اللَّوْن وَهَذَا مُخَالف للغبرة والسواد الْخَالِص وَأما المُشْتَرِي فَلَا بُد أَن بياضه أَكثر من صفرته فَيلْزم على قَوْلكُم أَن برده أَكثر من حره وهم يُنكرُونَ ذَلِك وَأما الزهرة فَلَا صفرَة فِيهَا الْبَتَّةَ بل الزرقة ظَاهِرَة فِي أمرهَا فَيلْزم أَن تكون خَالِصَة الْبرد وَأما المريخ فان كَانَ حره لشبهه بالنَّار فِي لَونه فَهَذِهِ المشابهة فِي الشَّمْس وَالنَّار أتم فَيلْزم أَن تكون حرارة الشَّمْس وسخونتها أقوى من حرارة المريخ وهم لَا يَقُولُونَ ذَلِك وَأما عُطَارِد فانا وان رَأَيْنَاهُ مُخْتَلف اللَّوْن فِي الْأَوْقَات الْمُخْتَلفَة إِلَّا أَن السَّبَب فِيهِ أَنا لَا نرَاهُ إِلَّا إِذا كَانَ قَرِيبا من الْأُفق وَحِينَئِذٍ يكون بَيْننَا وَبَينه بخارات مُخْتَلفَة فَلَا جرم أَن اخْتلف لَونه لهَذَا السَّبَب وَأما الْقَمَر فقد قَالَ زعيمكم الْمُؤخر أَبُو معشر أَنه لَا ينْسب لَونه إِلَى الْبيَاض إِلَّا من عدم الْحس الْبَصْرِيّ فَتبين بطلَان قَوْلكُم فِي طبائع الْكَوَاكِب وتناقضه واختلافه وَلما علم بعض فضلائكم فَسَاد قَوْلكُم فِي طبائع الْكَوَاكِب وان الْعقل يشْهد بتكذيبه صدف عَنهُ وَأنْكرهُ وَقَالَ إِنَّمَا نشِير بِهَذِهِ القوى والطبائع إِلَى مَا يحدث عَن كل وَاحِد من الأجرام السماوية وينفعل بهَا من الكائنات الفاسدات لَا أَنَّهَا بطبائعها تفعل ذَلِك بل يحدث عَنْهَا مَا يكون حارا أَو بَارِدًا أَو رطبا أَو يَابسا كَمَا يُقَال أَن الْحَرَكَة تسخن وَالصَّوْم يجفف لَا على أَنَّهَا تفعل ذَلِك بطبائعها بل بِمَا يحدث عَنْهَا فبطليموس قَالَ أَن الْقَمَر مرطب وَالشَّمْس تسخن بِحَسب مَا يحدث عَنْهُمَا وتنفعل المنفعلات بِتِلْكَ القوى لَا بِأَن طبائعها مكيفات فَقَالَ نَحن لم ننازعكم فِي تَأْثِير الشَّمْس وَالْقَمَر فِي هَذَا الْعَالم بالرطوبة والبرودة واليبوسة وتوابعها وتأثيرها فِي أبدان الْحَيَوَان والنبات وَلَكِن هما جُزْء من السَّبَب الْمُؤثر وليسا بمؤثر تَامّ فان تَأْثِير الشَّمْس مثلا إِنَّمَا كَانَ بِوَاسِطَة الْهَوَاء وقبوله للسخونة والحرارة بانعكاس شُعَاع الشَّمْس عَلَيْهِ عِنْد مقابلتها لجرم الأَرْض وَيخْتَلف هَذَا الْقبُول عِنْد قرب الشَّمْس من الأَرْض وَبعدهَا
стр. 464
فيختلف حَال الْهَوَاء وأحول الأبخرة فِي تكاثفها وبرودتها وتلطفها وحرارتها فتختلف التأثيرات باخْتلَاف هَذِه الْأَسْبَاب وَالسَّبَب جُزْء الشَّمْس فِي ذَلِك وَالْأَرْض جُزْء والمقابلة الْمُوجبَة لانعكاس الأشعة جُزْء وَالْمحل الْقَابِل للتأثير والانفعال جُزْء وَنحن لَا ننكر أَن قُوَّة الْبرد بِسَبَب بعد الشَّمْس عَن سمت رؤسنا وَقُوَّة الْحر بِسَبَب قرب الشَّمْس من سمت رؤسنا وَلَا ننكر أَن الشَّمْس إِذا طلت فَإِن الْحَيَوَان ناطقة وبهيمة يخرج من مكامنه وأكنته وَتظهر الْقُوَّة وَالْحَرَكَة فيهم ثمَّ مادامت الشَّمْس صاعدة فِي الرّبع الشَّرْقِي فحركات الْحَيَوَان فِي الازدياد وَالْقُوَّة والاستكمال قإذا مَالَتْ الشَّمْس عَن وسط السَّمَاء أخذت حركات الْحَيَوَان وقواهم فِي الضعْف وتستمر هَذِه الْحَال إِلَى غرُوب الشَّمْس ثمَّ كلما ازْدَادَ نور الشَّمْس عَن هَذَا الْعَالم بعدا ازْدَادَ الضعْف والفتور فِي حَرَكَة الْحَيَوَان وهدأت الأجساد وَرجعت الْحَيَوَانَات إِلَى مكامنها فَإِذا طلعت الشَّمْس رجعُوا إِلَى الْحَالة الأولى وَلَا ننكر أَيْضا ارتباط فُصُول الْعَالم الْأَرْبَعَة بحركات الشَّمْس وحلولها فِي أبراجها وَلَا ننكر أَن السودَان لما كَانَ مسكنهم خطّ الاسْتوَاء إِلَى محاذاة ممر رَأس السرطان وَكَانَت الشَّمْس تمر على رُؤْسهمْ فِي السّنة إِمَّا مرّة وَإِمَّا مرَّتَيْنِ تسودت أبدانهم وجعدت شُعُورهمْ وَقلت رطوبانهم فَسَاءَتْ أَخْلَاقهم وضعفت عُقُولهمْ وَأما الَّذين مساكنهم أقرب إِلَى محاذاة ممر السرطان فالسواد فيهم أقل وطبائعهم أعدل وأخلاقهم أحسن وأجسامهم الطف كَأَهل الْهِنْد واليمن وَبَعض أهل الغرب وَعكس هَؤُلَاءِ الَّذين مساكنهم على ممر رَأس السرطان إِلَى محاذاة بَنَات نعش الْكُبْرَى فَهَؤُلَاءِ لأجل أَن الشَّمْس لَا تسامت رُؤْسهمْ وَلَا تبعد عَنْهُم أَيْضا بعدا كثيرا لم يعرض لَهُم حر شَدِيد وَلَا برد شَدِيد قَالُوا إِنَّهُم متوسطة وأجسامهم معتدلة وأخلاقهم فاضلة كَأَهل الشَّام وَالْعراق وخراسان وَفَارِس والصين ثمَّ من كَانَ من هَؤُلَاءِ أميل إِلَى نَاحيَة الْجنُوب كَانَ أتم فِي الذكاء والفهم وَمن كَانَ مِنْهُم يمِيل إِلَى نَاحيَة الشرق فهم أقوى نفوسا وَأَشد ذكورة وَمن كَانَ يمِيل إِلَى نَاحيَة الغرب غلب عَلَيْهِ اللين والرزانة وَمن تَأمل هَذَا حق التَّأَمُّل وسافر بفكره فِي أقطار الْعَالم علم حِكْمَة الله فِي نشره مَذْهَب أهل الْعرَاق وَمَا فِيهِ من اللين وَمَا شاكله كُله فِي أهل الْمشرق وَمذهب أهل المدنية وَمَا فِيهِ من الشدَّة وَالْقُوَّة فِي أهل الْمغرب وَأما من كَانَت مساكنهم محاذية لبنات نعش وهم الصقالبة وَالروم فَإِنَّهُم لِكَثْرَة بعدهمْ عَن مسامتة الشَّمْس صَار الْبرد غَالِبا عَلَيْهِم والرطوبة الفضلية فيهم لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْحَرَارَة هُنَاكَ مَا ينشفها وينضجها فَلذَلِك صَارَت ألوانهم بَيْضَاء وشعورهم سبطة شقراء وأبدانهم رخصَة وطبائعهم مائلة إِلَى الْبُرُودَة وأذهانهم جامدة وكل وَاحِد من هذَيْن الطَّرفَيْنِ وهما الأقليم الأول وَالسَّابِع يقل فِيهِ الْعمرَان وَيَنْقَطِع بعضه عَن بعض لأجل غَلَبَة اليبس ثمَّ لاتزال الْعِمَارَة تزداد فِي الإقليم
стр. 465
الثَّانِي وَالسَّادِس وَالْخَامِس ويقل الخراب فِيهَا وَأما الإقليم الرَّابِع فَإِنَّهُ أَكثر الأقاليم عمَارَة وأقلها خرابا بِالْفَصْلِ الْوسط على الْأَطْرَاف بِسَبَب اعْتِدَال المزاج وَهُوَ الَّذِي انتشرت فِيهِ دَعْوَة الْإِسْلَام وَضرب الدّين بجرانة فِيهِ وَظهر فِيهِ أعظم من ظُهُوره فِي سَائِر الأقاليم وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي زويت لي الأَرْض فَرَأَيْت مشارقها وَمَغَارِبهَا وسيبلغ ملك أمتِي مازوى لي مِنْهَا فَكَانَ انتشار دَعوته فِي أعدل الأَرْض وَلذَلِك انتشرت شرقا وغربا أَكثر من انتشارها جنوبا وَشمَالًا وَلِهَذَا زويت لَهُ فَأرى مشارقها وَمَغَارِبهَا وَبشر أمته بانتشار مملكتها فِي هذَيْن الربعين فَإِنَّهُمَا أعدل الأَرْض وَأَهْلهَا أكمل النَّاس خلقا وخلقا فَظهر الْكَمَال لَهُ فِي الْكتاب وَالدّين وَالْأَصْحَاب والشريعة والبلاد والممالك صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ فَإِن قيل فقد فضلْتُمْ الإقليم الرَّابِع على سَائِر الأقاليم مَعَ أَن شَيْئا من الْأَدْوِيَة لَا تتولد فِيهِ الأدواء ضَعِيفا وَإِنَّمَا تتكون الْأَدْوِيَة فِي سَائِر الأقاليم قيل هَذَا من أدل الدَّلَائِل على فَضله عَلَيْهَا لِأَن طبيعة الدَّوَاء لَا تكون معتدلة إِذْ لَو حصل فِيهَا الِاعْتِدَال لَكَانَ غذَاء لَا دَوَاء والطبيعة الْخَارِجَة عَن الِاعْتِدَال لَا تحدث إِلَّا فِي المساكن الْخَارِجَة عَن الِاعْتِدَال وَكَذَلِكَ حَال الشَّمْس فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تسامتها فموضع حضيضها وغابة قربهَا من الأَرْض فِي البراري الجنوبية تكون تِلْكَ الْأَمَاكِن محترقة نارية لَا يتكون فِيهَا حَيَوَان الْبَتَّةَ وَلذَلِك وَالله أعلم كَانَ أَكثر البخار من الْجَانِب الجنوبي دون الشمالي لِأَن الشَّمْس إِذا كَانَت فِي حضيضها كَانَت أقرب إِلَى الأَرْض وَإِذا كَانَت فِي أوجها كَانَت أبعد وَعند قربهَا من الأَرْض يعظم تسخينها والسخونة جاذبة للرطوبات وَإِذا انجذبت الرطوبات إِلَى الْجَانِب الجنوبي انْكَشَفَ الْجَانِب الشمالي ضَرُورَة وَصَارَ مُسْتَقرًّا للحيوان الأرضي والجنوبي أعظم الْجَانِبَيْنِ رُطُوبَة وأكثرها مياها ومقرا للحيوان المائي وَأما الْمَوَاضِع المسامتة لأوج الشَّمْس فِي الشمَال فَهِيَ غير محترقة بل معتدلة لبعد الشَّمْس من الأَرْض وَسبب التَّفَاوُت الْقَلِيل الْحَاصِل بَين أقرب قرب الشَّمْس من الأَرْض وَأبْعد بعْدهَا مِنْهَا صَار الجنوبي محترقا والجانب الشمالي معتدلا فَلَو كَانَت الشَّمْس حَاصِلَة فِي فلك الْكَوَاكِب لفسد هَذَا الْعَالم من شدَّة الْبرد وَلَو فَرضنَا أَنَّهَا انحدرت إِلَى فلك الْقَمَر لأحرقت هَذَا الْعَالم فاقتضت حِكْمَة الْعَزِيز الْعَلِيم الْحَكِيم أَن وضع الشَّمْس وسط الْكَوَاكِب السَّبْعَة وَجعل حركتها المعتدلة وقربها المعتدل سَببا لاعتدال هَذَا الْعَالم وَجعل قربهَا وَبعدهَا وارتفاعها وانخفاضها سَببا لفصوله الَّتِي هِيَ نظام مصالحة فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين وَأحسن الْخَالِقِينَ وَأهل الإقليم الأول لأجل قربهم من الْموضع المحازى لحضيض الشَّمْس كَانَت سخونة هوائهم شَدِيدَة وَلَا جرم كَانُوا أَشد سواءا من مَكَان خطّ الاسْتوَاء وَأهل الإقليم الثَّانِي سخونة هوائهم ألطف فَكَانُوا سمر الألوان والإقليم الثَّالِث وَالرَّابِع أعدل الأقاليم مزاجا بِسَبَب اعْتِدَال الْهَوَاء بِسَبَب تَعْدِيل ارْتِفَاع الشَّمْس لَا تكون فِي
стр. 466
بعْدهَا عَن الأَرْض فههنا وَإِن حصلت مسامتة مفيدة لمزيد السخونة لَكِن حصل أَيْضا الْبعد المقلل للسخونة فَحصل الِاعْتِدَال من بعض الْوُجُوه وَفِي الْجَانِب الجنوبي وَإِن حصل مزِيد الْقرب من الأَرْض لَكِن لم يحصل هُنَاكَ مسامتة للمساكن المعمورة لخط الِاعْتِدَال فِي الْجَانِبَيْنِ بِهَذِهِ الطَّرِيق وَصَارَ أهل الإقليم الثَّالِث وَالرَّابِع أفضل النَّاس صورا وأخلاقا وَأما الإقليم الْخَامِس فَإِن سخونة الْهَوَاء هُنَاكَ اقل من الِاعْتِدَال بِمِقْدَار يسير فَلَا جرم صَار فِي جُزْء الْبرد وَصَارَت طبائع أَهله أقل نضجا من طبائع أهل الإقليم الرَّابِع إِلَّا أَن بعدهمْ عَن الِاعْتِدَال قَلِيل وَأما أهل الإقليم السَّادِس وَالسَّابِع فَإِن أَهلهَا محرورون ولغلبة الْبرد والرطوبة عَلَيْهِم يشْتَد بَيَاض ألوانهم وزرقة عيونهم وَأما الْمَوَاضِع الَّتِي تقرب من أَن يكون الْخط فِيهَا فَوق الرَّأْس فهناك لَا يصل تسخين الشَّمْس إِلَيْهَا فَلَا جرم عظم الْبرد فِيهَا وَلم يكن هُنَاكَ حَيَوَان الْبَتَّةَ وَهَذَا كُله يدل على أَن الشَّمْس جُزْء السَّبَب وَأَن الْهَوَاء جُزْء السَّبَب وَالْأَرْض جُزْء وانعكاس الشعاع جُزْء وَقبُول المنفعلات جُزْء مَجْمُوع ذَلِك سَبَب وَاحِد قدرَة الْعَلِيم الْقَدِير وأجرى عَلَيْهِ نظام الْعَالم وَقدر سُبْحَانَهُ أَشْيَاء أخر لَا يعرفهَا هَؤُلَاءِ الْجُهَّال وَلَا عِنْدهم مِنْهَا خبر من تَدْبِير الْمَلَائِكَة وحركاتهم وَطَاعَة استقصات الْعَالم ومواده لَهُم وتصريفهم تِلْكَ الْموَاد بِحَسب مَا رسم لَهُم من التَّقْدِير الإلهي وَالْأَمر الرباني ثمَّ قدر تَعَالَى أَشْيَاء آخر تمانع هَذِه الْأَسْبَاب عِنْد التصادم وتدافعها وتقهر مُوجبهَا ومقتضاها ليظْهر عَلَيْهَا اثر الْقَهْر والتسخير والعبودية وَأَنَّهَا مصرفة مُدبرَة بتصريف قاهر قَادر كَيفَ يَشَاء ليدل عباده على أَنه هُوَ وَحده الفعال لما يُرِيد لخلقه كَيفَ يَشَاء وَأَن كل مَا فِي المملكة الإلهية طوع قدرته وَتَحْت مَشِيئَته وَأَنه لَيْسَ شَيْء يسْتَقلّ وَحده بِالْفِعْلِ إِلَّا الله وكل مَا سواهُ لَا يفعل شَيْئا إِلَّا بمشارك ومعاون وَله مَا يعاوقه ويمانعه ويسلبه تَأْثِيره فَتَارَة يسلب سُبْحَانَهُ النَّار إحراقها ويجعلها بردا كَمَا جعلهَا على خَلِيله بردا وَسلَامًا وَتارَة يمسك بَين أَجزَاء المَاء فَلَا يتلاقى كَمَا فعل بالبحر لمُوسَى وَقَومه وَتارَة يشق الأجرام السماوية كَمَا شقّ الْقَمَر لخاتم أنبيائه وَرُسُله وَفتح السَّمَاء لمصعده وعروجه وَتارَة يقلب الجماد حَيَوَانا كَمَا قلب عَصا مُوسَى ثعبانا وَتارَة يُغير هَذَا النظام ويطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا كَمَا أخبر بِهِ أصدق خلقه عَنهُ فَإِذا أَتَى الْوَقْت الْمَعْلُوم فشق السَّمَوَات وفطرها ونثر الْكَوَاكِب على وَجه الأَرْض ونسف جبال الْعَالم ودكها مَعَ الأَرْض وكور شمس الْعَالم وقمره وَرَأى ذَلِك الْخَلَائق عيَانًا ظهر لِلْخَلَائِقِ كلهم صدقه وَصدق رسله وَعُمُوم قدرته وكمالها وَأَن الْعَالم بأسره منقاد لمشيئته طوع قدرته لَا يستعصي عَلَيْهِ انفعاله لما يشاؤه ويريده مِنْهُ وَعلم الَّذين كفرُوا وكذبوا رسله من الفلاسفة والمنجمين وَالْمُشْرِكين والسفهاء الَّذين سموا أنفسهم الْحُكَمَاء أَنهم كَانُوا كاذبين
وَاجْتمعَ جمَاعَة من الكبراء والفضلاء يَوْمًا فَقَرَأَ قارىء ﴿إِذا الشَّمْس كورت وَإِذا النُّجُوم انكدرت وَإِذا الْجبَال﴾
стр. 467
سيرت حَتَّى بلغ علمت نفس مَا أحضرت وَفِي الْجَمَاعَة أَبُو الْوَفَاء ين عقيل فَقَالَ لَهُ قَائِل يَا سَيِّدي هَب أَنه أنشر الْمَوْتَى للبعث والحساب وَزوج النُّفُوس بقرنائها للثَّواب وَالْعِقَاب فَمَا الْحِكْمَة فِي هدم الْأَبْنِيَة وتسيير الْجبَال ودك الأَرْض وَفطر السَّمَاء ونثر النُّجُوم وتخريب هَذَا الْعَالم وتكوير شمسه وَخسف قمره فَقَالَ ابْن عقيل على البديهة إِنَّمَا بني لَهُم هَذِه الدَّار للسُّكْنَى والتمتع وَجعلهَا وَمَا فِيهَا للاعتبار والتفكر وَالِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِحسن التَّأَمُّل والتذكر فَلَمَّا انْقَضتْ مُدَّة السُّكْنَى وأجلاهم عَن الدَّار وخربها لانتقال السَّاكِن مِنْهَا فَأَرَادَ أَن يعلمهُمْ بِأَن فِي أحالة الْأَحْوَال وَإِظْهَار تِلْكَ الْأَهْوَال وإبداء ذَلِك الصنع الْعَظِيم بَيَانا لكَمَال قدرته وَنِهَايَة حكمته وعظمة ربو بَيته وعرا جَلَاله وَعظم شَأْنه وتكذيبا لأهل الْإِلْحَاد وزنادقة المنجمين وَعباد الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر والأوثان ليعلم الَّذين كفرُوا أَنهم كَانُوا كاذبين فَإِذا رَأَوْا أَن منار آلِهَتهم قد انْهَدم وَأَن معبوداتهم قد انتثرت والأفلاك الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا وَمَا حوته هِيَ الأرباب المستولية على هَذَا الْعَالم قد تشققت وانفطرت ظَهرت حِينَئِذٍ فضائحهم وَتبين كذبهمْ وَظهر أَن الْعَالم مربوب مُحدث مُدبر لَهُ رب يصرفهُ كَيفَ يَشَاء تَكْذِيبًا لملاحده الفلاسفة الْقَائِلين بقدمه فكم لله من حِكْمَة فِي هدم هَذِه الدَّار وَدلَالَة على عَظِيم قدرته وعزته وسلطانه وانفراده بالربوبية وانقياد الْمَخْلُوقَات بأسرها لقهره وإذعانها لمشيئته فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين وَنحن لَا ننكر وَلَا ندفع أَن الزَّرْع والنبات لَا يَنْمُو وَلَا ينشأ إِلَّا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تطلع عَلَيْهَا الشَّمْس وَنحن نعلم أَيْضا أَن وجود بعض النَّبَات فِي بعض الْبِلَاد لَا سَبَب لَهُ الإختلاف الْبلدَانِ فِي الْحر وَالْبرد الَّذِي سَببه حَرَكَة الشَّمْس وتقاربها فِي قربهَا وَبعدهَا من ذَلِك الْبَلَد وَأَيْضًا فَأن النّخل ينْبت فِي الْبِلَاد الحارة وَلَا ينْبت فِي الْبِلَاد الْبَارِدَة وَشَجر الموز لَا ينْبت فِي الْبِلَاد الْبَارِدَة وَكَذَلِكَ ينْبت فِي الْبِلَاد الجنوبية أَشجَار وفواكه وحشائش لَا يعرف شَيْء مِنْهَا فِي جَانب الشمَال وَبِالْعَكْسِ وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانَات يخْتَلف تكونها بِحَسب اخْتِلَاف حرارة الْبِلَاد وبرودتها فَإِن النسْر والفيل يكونَانِ بِأَرْض الْهِنْد وَلَا يكونَانِ فِي سَائِر الأقاليم الَّتِي هِيَ دونهَا فِي الْحَرَارَة وَكَذَلِكَ غزال الْمسك والكركند وَغير ذَلِك وَكَذَلِكَ لَا ندفع تَأْثِير الْقَمَر فِي وَقت امتلائه فِي الرطوبات حَتَّى فِي جزر الْبحار ومدها فَإِن مِنْهَا مَا يَأْخُذ فِي الازدياد من حِين يُفَارق الْقَمَر الشَّمْس إِلَى وَقت الامتلاء ثمَّ إِنَّه يَأْخُذ فِي الانتقاص وَلَا يزَال نقصانه يسْتَمر بِحَسب نُقْصَان الْقَمَر حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى غَايَة نقصانه عِنْد حُصُول المحاق وَمن الْبحار مَا يحصل فِيهِ الْمَدّ والجزر فِي كل يَوْم وَلَيْلَة مَعَ طُلُوع الْقَمَر وغروبه وَذَلِكَ مَوْجُود فِي بَحر فَارس وبحر الْهِنْد وَكَذَلِكَ بَحر الصين وكيفيته أَنه إِذا بلغ الْقَمَر مشرقا من مَشَارِق الْبَحْر ابْتَدَأَ الْبَحْر بِالْمدِّ وَلَا يزَال كَذَلِك إِلَى أَن يصير الْقَمَر إِلَى وسط سَمَاء ذَلِك
стр. 468
الْمَوَاضِع فَعِنْدَ ذَلِك يَنْتَهِي منتهاه فَإِذا زَالَ الْقَمَر من مغرب ذَلِك الْموضع ابْتَدَأَ الْمَدّ من تَحت الأَرْض وَلَا يزَال زَائِدا إِلَى أَن يصل الْقَمَر إِلَى وتد الأَرْض فَحِينَئِذٍ يَنْتَهِي الْمَدّ منتهاهمنتهاه ثمَّ يبتديء الجزر ثَانِيًا وَيرجع المَاء كَمَا كَانَ وسكان الْبَحْر كلما رَأَوْا فِي الْبَحْر انتفاخا وهيجان ريَاح عَاصِفَة وأمواج شَدِيدَة علمُوا أَنه ابْتَدَأَ الْمَدّ فَإِذا ذهب الانتفاخ وَقلت الأمواج والرياح علمُوا أَنه وَقت الجزر وَأما أَصْحَاب الشطوط والسواحل فانهم يَجدونَ عِنْدهم فِي وَقت الْمَدّ للْمَاء حَرَكَة من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ فَإِذا رَجَعَ المَاء وَنزل فَذَلِك وَقت الجزر وَكَذَلِكَ أَيَّام بحرانات الْأَمْرَاض بِحَسب زِيَادَة الْقَمَر ونقصانه منطبقة عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الأخلاط الَّتِي فِي بدن الْإِنْسَان مادام الْقَمَر آخِذا فِي الزِّيَادَة فَإِنَّهَا تكون أَزِيد وَيكون ظَاهر الْبدن أَكثر رُطُوبَة وحسنا فَإِذا نقص ضوء الْقَمَر صَارَت الأخلاط فِي غور الْبدن وَالْعُرُوق وأزداد ظَاهر الْبدن يبسا وَكَذَلِكَ ألبان الْحَيَوَانَات تتزايد من أول الشَّهْر إِلَى نصفه فَإِذا أَخذ الْقَمَر فِي النُّقْصَان نقصت غزارتها وَكَذَلِكَ أدمغة الْحَيَوَانَات فِي أول الشَّهْر أَزِيد مِنْهَا فِي نصفه الْأَخير وَإِن حدث فِي أَجْوَاف الطُّيُور بيض فِي النّصْف الأول من الشَّهْر كَانَ بياضه أَكثر من بَيَاض الْحَادِث فِي نصفه الثَّانِي وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان إِذا نَام أَو قعد فِي ضوء الْقَمَر حدث فِي بدنه الاسترخاء والكسل وهاج عَلَيْهِ الزُّكَام والصداع وَإِذا وضعت لُحُوم الْحَيَوَانَات مكشوفة تَحت ضوء الْقَمَر تَغَيَّرت طعومها وتعفنت وَكَذَلِكَ السّمك فِي الْبحار وَالْآجَام الْجَارِيَة تُوجد من أول الشَّهْر إِلَى وَقت الامتلاء أَكثر وخروجها من قعور الْبحار وَالْآجَام أظهر وَمن بعد الامتلاء إِلَى الِاجْتِمَاع فَإِنَّهَا تدخل قعور الْبحار وَالْآجَام الَّذِي يظْهر من سمين السّمك فالنصف الأول أَكثر من الَّذِي يظْهر فِي الثَّانِي مِنْهُ وَكَذَلِكَ حرشة الأَرْض يكون خُرُوجهَا من إجحرتها فِي النّصْف الأول من الشَّهْر أَكثر من خُرُوجهَا فِي النّصْف الثَّانِي وَأَصْحَاب الْغِرَاس يَزْعمُونَ أَن الْأَشْجَار والغروس إِذا غرست وَالْقَمَر زَائِد الضَّوْء كَانَ نشؤها وكمالها وإسراعها فِي النَّبَات أَحْمد من الَّتِي تغرس فِي محاقة وَذَهَاب نوره وَكَذَلِكَ تكون الرياحين والبقول والأعشاب من الِاجْتِمَاع إِلَى الامتلاء أَزِيد نشوا وَأكْثر نموا وَفِي النّصْف الثَّانِي بالضد من ذَلِك وَكَذَلِكَ القثاء والقرع وَالْخيَار والبطيخ يَنْمُو نموا بَالغا عِنْد ازدياد الضَّوْء وَأما فِي وسط الشَّهْر عِنْد حُصُول الإمتلاء فهناك يعظم النمو حَتَّى يظْهر التَّفَاوُت للحس فِي اللَّيْلَة الْوَاحِدَة وَكَذَلِكَ الْيَنَابِيع تزداد فِي النّصْف الأول من الشَّهْر وتنقص فِي النّصْف الثَّانِي إِلَى غير ذَلِك من الْوُجُوه الَّتِي تُؤثر فِيهَا الشَّمْس وَالْقَمَر فِي هَذَا الْعَالم فَنحْن لم ندفعكم عَن هَذِه التأثيرات وإضعافها إِنَّمَا الَّذِي أنكرهُ عَلَيْكُم الْعُقَلَاء من أهل الْملَل وَغَيرهم أَن جملَة الْحَوَادِث فِي هَذَا الْعَالم خَيرهَا وشرها وصلاحها وفسادها وَجَمِيع أشخاصه وأنواعه وصوره وَقواهُ ومدد بَقَاء أشخاصه وَجَمِيع أحوالها الْعَارِضَة لَهَا وَتَكون الْجَنِين وَمُدَّة لبثه فِي بطن أمه وَخُرُوجه إِلَى الدُّنْيَا
стр. 469
وعمره ورزقه وشقاوته وسعادته وَحسنه وقبحه وأخلاقه وحذقه وبلادته وجهله وَعلمه بل ونزول الأمطار وَاخْتِلَاف أَنْوَاع الشّجر والنبات فِي الشكل واللون والطعوم والروائح والمقادير بل انقسام الْحَيَوَان إِلَى الطير وأصنافه والبحري وأنواعه والبرى وأقسامه وأشكال هَذِه الْحَيَوَانَات وَاخْتِلَاف صورها وأنواعها وأفعالها وأخلاقها ومنافعها بل وَتَكون الْمَعَادِن المنطبعة كالحديد والرصاص والنحاس وَالذَّهَب وَالْفِضَّة بل وَغير المنطبعة كالملح والقارو والزرنيخ والنفط والزئبق بل الْعَدَاوَة الْوَاقِعَة بَين الذئاب وَالْغنم والحيات وَالسِّبَاع وَبني آدم والصداقة والعداوة بَين أَفْرَاد النَّوْع الْوَاحِد سِيمَا بَين ذكوره وإناثه وَبِالْجُمْلَةِ فالأرزاق والآجال والعز والذل والرفعة والخفض والغناء والفقر والغناء والفقر والإحياء والإماتة وَالْمَنْع والإعطاء والضر النَّفْع وَالْهدى والضلال والتوفيق والخذلان وَجَمِيع مَا فِي الْعَالم والأشخاص وأفعالها وقواها وصفاتها وهيأتها والمعطى لَهُ هَذِه واتصالاتها وانفصالاتها واتصالاتها بنقط وانفصالاتها عَن نقط ومقارنتها ومفارقتها ومساقتها ومباينتها فَهِيَ المعطية لهَذَا كُله الْمُدبرَة الفاعلة فَهِيَ الْآلهَة والأرباب على الْحَقِيقَة وَمَا تحتهَا عبيد خاضعون لَهَا ناظرون إِلَيْهَا فَهَذَا كَمَا أَنه الْكفْر الَّذِي خَرجُوا بِهِ عَن جَمِيع الْملَل وَعَن جملَة شرائع الْأَنْبِيَاء وَلم يُمكنهُم أَن يقيموا بَين أَرْبَاب الْملَل أَلا بالتستر بهم ومنافقتهم والتزي بزيهم ظَاهرا وَإِلَّا فَقتل هَؤُلَاءِ من الْأَمر الضَّرُورِيّ فِي كل مِلَّة لأَنهم سوسها وأعداؤها فَهُوَ من الهذيان الَّذِي أضحكوا بِهِ الْعُقَلَاء على عُقُولهمْ حَتَّى رد عَلَيْهِم من لَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من الفلاسفة كالفارابي وَابْن سينا وَغَيرهمَا من عقلاء الفلاسفة وَسَخِرُوا مِنْهُم واستضعفوا عُقُولهمْ ونسبوهم إِلَى الزرق والزينجة والتلبيس وَقد رد عَلَيْهِم أفضل الْمُتَأَخِّرين من فلاسفة الْإِسْلَام أَبُو البركات الْبَغْدَادِيّ فِي كتاب التَّعْبِير لَهُ فَقَالَ وَأما أَحْكَام النُّجُوم فَإِنَّهُ لَا يتَعَلَّق بِهِ مِنْهُ أَكثر من قَوْلهم بِغَيْر دَلِيل الْحر الْكَوَاكِب وبردها ورطوبتها ويبوستها واعتدالها كَمَا يَقُولُونَ بِأَن زجل مِنْهَا بَارِد يَابِس والمريخ حَار يَابِس وَالْمُشْتَرِي معتدل والاعتدال خير والافراط شَرّ وينتجون من ذَلِك أَن الْخَيْر يُوجب سَعَادَة وَالشَّر يُوجب منحسة وَمَا جانس ذَلِك مِمَّا لم يقل بِهِ عُلَمَاء الطبيعيين وَلم تنتجه مقدماتهم فِي أنظارهم وَإِنَّمَا الَّذِي أنتجته هُوَ أَن السَّمَاء والسماويات فعالة فِيمَا تحويه وتشتمل عَلَيْهِ وتتحرك حوله فعلا على الاطلاق لم يحصل لَهُ من الْعلم الطبيعي حد وَلَا تَقْدِير والقائلون بِهِ ادعوا حُصُوله من التَّوْقِيف والتجربة وَالْقِيَاس مِنْهُمَا كَمَا ادّعى أهل الكيمياء وَإِلَّا فَمَتَى يَقُول صَاحب الْعلم الطبيعي بِحَسب أنظاره الَّتِي سبقت أَن المُشْتَرِي سعيد والمريخ نحسن والمريخ حَار يَابِس وزحل بَارِد يَابِس والحار والبارد من الملموسات وَمَا دله على هَذَا الْمس كَمَا يسْتَدلّ بلمس الملموسات فَإِن ذَلِك مَا ظهر للحس كَمَا ظهر فِي الشَّمْس حَيْثُ تسخن الارض بشعاعها وَإِن كَانَ فِي السَّمَاء بَيَان شَيْء من طبائع الاضداد فَالْأولى أَن تكون كلهَا حارة لِأَن كواكبها كلهَا منيرة وَمَتى
стр. 470
يَقُول الطبيعي بتقطع الْفلك وقسمته كَمَا قسمه المنجمون قسْمَة وهمية إِلَى بروج ودرج ودقائق وَذَلِكَ جَائِز للمتوهم كجواز غَيره غير وَاجِب فِي الْوُجُود وَلَا حَاصِل ونقلوا ذَلِك التَّوَهُّم الْجَائِز إِلَى الْوُجُود الْوَاجِب فِي أحكامهم وَكَانَ الأَصْل فِيهِ على زعمهم حَرَكَة الشَّمْس فِي الْأَيَّام والشهور فَجعلُوا مِنْهَا قسْمَة وهمية وجعلوها حَيْثُ حكمُوا كالحاصلة الوجودية المتميزة بحدود وخطوط كَأَن الشَّمْس بحركتها من وَقت إِلَى وَقت مثله خطت فِي السَّمَاء خُطُوطًا وأقامت فِيهَا جدرانا وحدودا وغرست فِي أَجْزَائِهَا طباعا مُعْتَبرا بِنَفْي فَتبقى بِهِ الْقِسْمَة إِلَى تِلْكَ البروج والدرج مَعَ جَوَاز الشَّمْس عَنْهَا وَلَيْسَ فِي جَوْهَر الْفلك اخْتِلَاف يتَمَيَّز مَوضِع مِنْهُ عَن مَوضِع سوى الْكَوَاكِب وَالْكَوَاكِب تتحرك عَن أمكنتها فَتبقى الْأَمْكِنَة على التشابه فَمَا يتَمَيَّز دَرَجَة عَن دَرَجَة وَيبقى اختلافها بعد حَرَكَة المتحرك فِي سمتها فَكيف يقيس الطبيعي على هَذِه الاصول وينتج مِنْهَا نتائج وَيحكم بحسنها أحكاما فَكيف أَن يَقُول بالحدود الَّتِي تجْعَل خمس دَرَجَات من برج الْكَوْكَب وَسِتَّة لآخر وَأَرْبَعَة لآخر وَيخْتَلف فِيهَا المصريون والبابليون وَيصدق الحكم مَعَ الِاخْتِلَاف وأرباب اليبوسات كَأَنَّهَا أَمْلَاك بنيت بصكوك وحكام الْأسد للشمس والسرطان للقمر وَإِذا نظر النَّاظر وجد الْأسد اسدا من جِهَة كواكب شكلوها بشكل الْأسد ثمَّ انْتَقَلت عَن موَاضعهَا الَّتِي كَانَ بهَا أسدا كَأَن الْملك بنيت للشمس مَعَ انْتِقَال السَّاكِن وَكَذَلِكَ السرطان للقمر هَذَا من ظواهر الصِّنَاعَة وَمَا لَا يمارى فِيهِ وَمن طالعه الْأسد فالشمس كوكبه وربه بَيته وَمن الدقائق فِي الْحَقَائِق النجومية المذكرة والمؤنثة والمظلمة والنيرة والزائدة فِي السَّعَادَة ودرج الْآثَار من جِهَة أَنَّهَا أَجزَاء الْفلك الَّتِي قطعوها وَمَا انْقَطَعت مَعَ انْتِقَال أَن الْكَوْكَب ينظر إِلَى الْكَوْكَب من سِتِّينَ دَرَجَة نظر تسديس لانه سدس الْفلك وَلَا ينظر إِلَيْهِ من خمسين وَلَا سبعين وَقد كَانَ قبل السِّتين بِخمْس درج وَهُوَ اقْربْ من سِتِّينَ وَبعدهَا بِخمْس درج وَهُوَ ابعد من السِّتين لَا ينظر فليت شعري مَا هُوَ هَذَا النّظر أَتَرَى الْكَوْكَب يظْهر للكوكب ثمَّ يحتجب عَنهُ أَو شعاعه يخْتَلط بشعاعه عِنْد حد لَا يخْتَلط بِهِ قبله وَلَا بعده وَكَذَلِكَ التربيع من الرّبع الَّذِي هُوَ تسعون دَرَجَة والتثليث من الثُّلُث الَّذِي هُوَ مائَة وَعِشْرُونَ فَلم لَا يكون التخميس من الْخمس والتسبيع من السَّبع والتعشير من الْعشْر وَالْحمل حَار يَابِس من البروج النارية والثور بَارِد يَابِس من الأرضية والجوزاء حارة رطبَة من الهوائية والسرطان بَارِد رطب من المائية مَا قَالَ الطبيعي قطّ هَذَا وَلَا يَقُول بِهِ وَإِذا احْتَجُّوا وقاسوا كَانَت مبادىء قياساتهم أَن الْحمل مُنْقَلب لِأَن الشَّمْس إِذا نزلت فِيهِ يَنْقَلِب الزَّمَان من الشتَاء إِلَى الرّبيع والثور ثَابت لِأَنَّهُ إِذا نزلت الشَّمْس فِيهِ يثبت الرّبيع على ربيعيته وَالْحق أَنه لَا انقلاب فِي الْحمل وَلَا ثبات فِي الثور بل هُوَ فِي كل يَوْم غير
стр. 471
مَا هُوَ فِي الآخر ثمَّ إِن الزَّمَان انْقَلب بحلول الشَّمْس فِيهِ وَهُوَ يبْقى دهره منقلبا مَعَ خُرُوج الشَّمْس مِنْهُ وحلولها فِيهِ أتراها تخْتَلف فِيهِ أثرا وتحيل مِنْهُ طباعا وتبقي تِلْكَ الاستحالة إِلَى أَن تعود فتجددها وَلم لَا يَقُول قَائِل أَن السرطان حَار يَابِس لِأَن الشَّمْس إِذا نزلت اشْتَدَّ حر الزَّمَان وَمَا يجانس هَذَا مِمَّا لَا يلْزم لَا هُوَ وَلَا ضِدّه مَا فِي الْفلك اخْتِلَاف معرفَة الطبيعي إِلَّا بِمَا فِيهِ من الْكَوَاكِب ومواضعها وَهُوَ وَاحِد متشابه الْجَوْهَر والطبع وَهَذِه أَقْوَال قَالَهَا قَائِلا فقبلها قَابل ونقلها ناقل فَحسن بهَا ظن السَّامع واغتر بهَا من لَا خبْرَة لَهُ وَلَا قدرَة لَهُ على النّظر ثمَّ حكم بحسبها الحاكمون بجيد وردىء وسلب وَإِيجَاب سعد ونحوس فصادف بعضه مُوَافقَة الْوُجُود فَصدق فاغتر بِهِ المغترون وَلم يلتفتوا إِلَى مَا كذب مِنْهُ فيكذبون بل عذروا وَقَالُوا هُوَ منجم مَا هُوَ نَبِي حَتَّى يصدق فِي كل مَا يَقُول وَاعْتَذَرُوا لَهُ بِأَن الْعلم أوسع من أَن يُحِيط بِهِ وَلَو أحَاط بِهِ لصدق فِي كل شَيْء ولعمر الله أَنه لَو أحَاط بِهِ علما صَادِقا لصدق والشأن أَن يُحِيط بِهِ على الْحَقِيقَة لَا على أَن يفْرض فرضا ويتوهم وهما فينقله إِلَى الْوُجُود ويثبته فِي الْمَوْجُود وينسب إِلَيْهِ ويقيس عَلَيْهِ وَالَّذِي يَصح مِنْهُ ويلتفت إِلَيْهِ الْعُقَلَاء هِيَ أَشْيَاء غير هَذِه الخرفات الَّتِي لَا أصل لَهَا مِمَّا حصل بتوقيف أَو تجربة حَقِيقِيَّة كالقرانات والانتقالات والمقابلة من جملَة الاتصالات فانها الْمُقَارنَة من جِهَة أَن تِلْكَ غَايَة الْقرب وَهَذِه غَايَة الْبعد وممر كَوْكَب من الْمُتَحَيِّرَة تَحت كَوْكَب من الثَّابِتَة وَمَا يفْرض للمتحيرة من رُجُوع واستقامة وَرُجُوع فِي شمال وانخفاض فِي جنوب وَغير ذَلِك وَكَأَنِّي أُرِيد أَن اختصر الْكَلَام هَهُنَا وأوفق إشارتك واعمل بِحَسب اختيارك رِسَالَة فِي ذَلِك أذكر مَا قيل فِيهَا من علم إحكام النُّجُوم من أصُول حَقِيقِيَّة أَو مجازية أَو وهمية أَو غلطية وفروع نتائج أنتجت عَن تِلْكَ الْأُصُول وأذكر الْجَائِز من ذَلِك والممتع والقريب والبعيد فَلَا أرد علم الْأَحْكَام من كل وَجه كَمَا رده من جَهله وَلَا أقبل فِيهِ كل قَول كَمَا قبله من لم يعقله بل أوضح مَوضِع الْقبُول وَالرَّدّ فِي المقبول وَمَوْضِع التَّوَقُّف والتجويز وَالَّذِي من المنجم وَالَّذِي من التنجيم وَالَّذِي مِنْهُمَا وأوضح لَك أَنه لَو أمكن الْإِنْسَان أَن يُحِيط بشكل كل مَا فِي الْفلك علما لأحاط علما بِكُل مَا يحويه الْفلك لِأَن مِنْهُ مبادى الْأَسْبَاب لكنه لَا يُمكن وَيبعد عَن الْإِمْكَان بعدا عَظِيما وَالْبَعْض الْمُمكن مِنْهُ لَا يهدى إِلَى بعض الحكم لِأَن الْبَعْض الآخر الْمَجْهُول قد يُنَاقض الْمَعْلُوم فِي حكمه وَيبْطل مَا يُوجِبهُ فنسبه الْمَعْلُوم إِلَى الْمَجْهُول من الإحكام كنسبة الْمَعْلُوم إِلَى الْمَجْهُول من الاسباب وَكفى بذلك بعدا انْتهى كَلَامه وَلَو ذَهَبْنَا نذْكر من رد عَلَيْهِم من عقلاء الفلاسفة والطبائعين والرياضيين لطال ذَلِك جدا هَذَا غير رد الْمُتَكَلِّمين عَلَيْهِم فَإنَّا لَا نقنع بِهِ وَلَا نرضى أَكْثَره فَإِن فِيهِ من المكابرات والمنوع الْفَاسِدَة والسؤالات الْبَارِدَة والتطويل الَّذِي لَيْسَ تَحْتَهُ تَحْصِيل مَا يضيع الزَّمَان فِي غير شَيْء
стр. 472
وَكَانَ تَركهم لهَذِهِ الْمُقَاتلَة خيرا لَهُم مِنْهَا فانهم لَا للتوحيد وَالْإِسْلَام نصروا وَلَا لأعدائه كسروا وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان
فصل فلنرجع إِلَى كَلَام صَاحب الرسَالَة قَالَ زَعَمُوا أَن الْقَمَر والزهرة
مؤنثان وان الشَّمْس وزحل والمشترى والمريخ مذكرة وان عُطَارِد ذكر أُنْثَى مشارك للجنسين جَمِيعًا وان سَائِر الْكَوَاكِب تذكر وتؤنث بِسَبَب الأشكال الَّتِي تكون لَهَا بِالْقِيَاسِ إِلَى الشَّمْس وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذا كَانَت مشرقة مُتَقَدّمَة للشمس فَهِيَ مذكرة وان كَانَت مغربة تَابِعَة كَانَت مُؤَنّثَة وان ذَلِك أَيْضا يكون بِالْقِيَاسِ إِلَى اشكالها إِلَى الْأُفق وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذا كَانَت فِي الأشكال الَّتِي من الْمشرق الى وسط السَّمَاء مِمَّا تَحت الارض فَهِيَ مذكرة لِأَنَّهَا إِذا كَانَت شرقية فَهِيَ من نَاحيَة مهب الصِّبَا وَإِذا كَانَت فِي الربعين الباقيين فَهِيَ مُؤَنّثَة لانها فِي نَاحيَة مهب الدبور وَإِذا كَانَ هَذَا هَكَذَا صَارَت الْكَوَاكِب الَّتِي يُقَال إِنَّهَا مُؤَنّثَة مذكرة وَالَّتِي يُقَال أَنَّهَا مذكرة مُؤَنّثَة وَصَارَت طباعها مستحيلة بل تصير أعيانها تنْقَلب وَأَن الْقَمَر والزهرة مؤنثتان وَالْكَوَاكِب الْخَمْسَة الْبَاقِيَة مذكرة على الْوَضع الاول فَإِن تقدم الْقَمَر والزهرة الشَّمْس وَكَانَا شرقيين صَارا مذكرين وَإِن تَأَخَّرت الْكَوَاكِب الْخَمْسَة وَكَانَت مغربة تَابِعَة كَانَت مُؤَنّثَة على الْمَوْضُوع الثَّانِي وَيصير عُطَارِد ذكرا إِذا شَرق أُنْثَى إِذا غرب وذكرا أُنْثَى إِذا لم يكن بِأحد هَاتين الصفتين
قلت وَقد أجَاب بعض فضلائهم عَن هَذَا الْإِلْزَام فَقَالَ لَيْسَ ذَلِك بممكن لأَنا قد نقُول إِن الأدكن أَبيض إِذا قسناه إِلَى الْأسود ونقول إِنَّه أسود إِذا قسناه إِلَى الابيض وَهُوَ شَيْء وَاحِد بِعَيْنِه مرّة يكون اسود وَمرَّة يكون أَبيض وَهُوَ فِي نَفسه لَا اسود وَلَا أَبيض وَكَذَلِكَ الْكَوَاكِب يُقَال أَنَّهَا ذكران وإناث بِالْقِيَاسِ إِلَى الأشكال أَعنِي الْجِهَات والجهات إِلَى الرِّيَاح والرياح إِلَى الكيفيات لِأَنَّهَا ذكران وإناث وَهَذَا تلبيس مِنْهُ فان الأدكن فِيهِ شَائِبَة الْبيَاض والسواد فَلذَلِك صدق عَلَيْهِ اسمهما لِأَن الكيفيتين محسوستان فِيهِ فتكيفه بهما أوجب أَن يُقَال عَلَيْهِ الاسمان وَأما تَقْسِيم الْكَوَاكِب إِلَى الذُّكُور وَالْإِنَاث فَهِيَ قسْمَة وضعتم فِيهَا تَمْيِيز كل نوع عَن الآخر بحقيقته وطبيعته وقلتم البروج تَنْقَسِم إِلَى ذُكُور وإناث قسْمَة تميز فِيهَا قسم عَن قسم لَا أَن حَقِيقَتهَا متركبة من طبيعتين ذكورية وأنوثية بِحَيْثُ يصدقان على كل برج برج فنظير مَا ذكرْتُمْ من الأدكن أَن يكون كل برج ذكرا وَأُنْثَى فَأَيْنَ أحد الْبَابَيْنِ من الآخر لَوْلَا التلبيس والمحال وَأَيْضًا فانقسامها إِلَى الذُّكُور وَالْإِنَاث انقسام بِحَسب الطبيعة والتأثير والتأثر الَّذِي هُوَ الْفِعْل والانفعال وَمَا كَانَ كَذَلِك لم تنْقَلب حَقِيقَته وطبيعته بِحَسب الْموضع والقرب والبعد قَالَ صَاحب الرسَالَة وَزَعَمُوا أَن الْقَمَر مُنْذُ الْوَقْت الَّذِي يهل فِيهِ إِلَى وَقت انتصافه الأول فِي الضَّوْء يكون فَاعِلا للرطوبة خَاصَّة
стр. 473
ومنذ وَقت انتصافه الأول فِي الضَّوْء إِلَى وَقت الامتلاء يكون فَاعِلا للحرارة ومنذ وَقت الامتلاء إِلَى وَقت الانتصاف الثَّانِي فِي الضَّوْء يكون فَاعِلا لليبس ومنذ وَقت الانتصاف إِلَى الْوَقْت الَّذِي يخفى فِيهِ وَيُفَارق الشَّمْس يكون فَاعِلا للبرودة وَأي شَيْء اقبح من هَذَا وَلَا سِيمَا وَقد أعْطى قَائِله أَن الْقَمَر رطب وَأَنه يفعل بطبعه لَا بِاخْتِيَارِهِ وَكَيف أَن يفعل شَيْء وَاحِد بطبعه الْأَشْيَاء المتضادة مرّة فِي الدَّهْر فضلا عَن أَن يَفْعَلهَا فِي كل شهر وَهل القَوْل بِأَن شَيْئا وَاحِدًا يفعل بطبعه فِي الْأَشْيَاء الترطيب فِي وَقت وَيفْعل بطبعه التجفيف فِي آخر وَيفْعل الاسخان فِي وَقت وَيفْعل التبريد فِي آخر إِلَّا كالقول بِأَن شَيْئا وَاحِدًا تنْقَلب عينه
وقتا بعد وَقت قلت قد قَالُوا إِن الشَّمْس لما كَانَت تفعل هَذِه الأفاعيل بِحَسب صعودها وهبوطها فِي فلكها فَإِنَّهَا إِذا كَانَت من خَمْسَة عشر دَرَجَة من الْحُوت إِلَى خَمْسَة عشر من الجوزاء فعلت الترطيب وَهُوَ زمَان الرّبيع وَكَذَلِكَ من خَمْسَة عشر دَرَجَة من الْقوس إِلَى خَمْسَة عشر من الْحُوت تفعل التبريد وَهُوَ زمَان الشتَاء وَهَذَا دورها فِي الْفلك مرّة فِي الْعَام وَالْقَمَر يَدُور فِي شهر وَاحِد صَارَت نِسْبَة دور الْقَمَر فِي الْفلك كنسبة دور الشَّمْس فِيهِ فَكَانَت نِسْبَة الشَّهْر إِلَى الْقَمَر كنسبة السّنة إِلَى الشَّمْس فالشهر يجمع الْفُصُول الْأَرْبَعَة كَمَا تجمعه السّنة وَمَا تَفْعَلهُ الشَّمْس فِي كل تسعين يَوْمًا وَكسر يَفْعَله الْقَمَر فِي سَبْعَة أَيَّام وَكسر قَالُوا فآخر الشَّهْر شَبيه بالشتاء وأوله شَبيه بِالربيعِ وَالرّبع الثَّانِي من الشَّهْر شَبيه بالصيف وَالرّبع الثَّالِث مِنْهُ شَبيه بالخريف فَهَذَا غَايَة مَا قرروا بِهِ هَذَا الحكم قَالُوا وَأما كَون الشَّيْء الْوَاحِد سَببا للضدين فقد قضا أرسطا طاليس فِي كتاب السماع الطبيعي على جَوَازه وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن الشَّمْس لَيست هِيَ السَّبَب الْفَاعِل لهَذِهِ الطبائع الْمُخْتَلفَة وَإِنَّمَا قربهَا وَبعدهَا وارتفاعها وانخفاضها أثر فِي سخونة الْهَوَاء وتبريده وَفِي تحلل البخارات وتكاثفها فَيحدث بذلك فِي الْحَيَوَان والنبات والهواء هَذِه الطبائع والكيفيات وَالشَّمْس جُزْء السَّبَب كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَأما الْقَمَر فَلَا يُؤثر قربه وَلَا بعده وامتلاؤه ونقصانه فِي الْهَوَاء كَمَا تؤثره الشَّمْس فَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ كل شهر من شهور الْعَام يجمع الْفُصُول الْأَرْبَعَة بطبائعها وتأثيراتها وأحكامها وَهَذَا شَيْء يَدْفَعهُ الْحس فضلا عَن النّظر والمعقول وَقِيَاس الْقَمَر على الشَّمْس فِي ذَلِك من أفسد الْقيَاس فان الْفَارِق بَينهمَا فِي الصّفة وَالْحَرَكَة والتأثير أَكثر من الْجَامِع فَالْحكم على الْقَمَر بِأَنَّهُ يحدث الطبائع الْأَرْبَعَة قِيَاسا على الشَّمْس وَالْجَامِع بَينهمَا قِطْعَة للفلك فِي كل شهر كَمَا تقطعه فِي سنة لَا يعْتَمد عَلَيْهِ من لَهُ خَبره بطرق الْأَدِلَّة وسنعة الْبُرْهَان وَأما قَوْلكُم أَن أرسطا طاليس نَص فِي كِتَابه على ان الْوَاحِد قد يكون سَببا للضدين فَنحْن نذْكر كَلَامه بِعَيْنِه فِي كِتَابه ونبين مَا فِيهِ وَقَالَ فِي الْمقَالة الثَّانِيَة وايضا فَإِن الْوَاحِد قد يكون سَببا للضدين فان الشَّيْء الَّذِي بِحُضُورِهِ يكون أَمر من الْأُمُور فغيبته قد تكون سَببا لضده فَيُقَال فِي ذَلِك
стр. 474
إِن غيبَة الربان سَبَب غرق السَّفِينَة وَهُوَ الَّذِي كَانَ حُضُوره سَبَب سلامتها فَتَأمل هَذَا الْكَلَام وقابل بَينه وَبَين كَلَامهم فِي فعل الْقَمَر الامور المتضادة يظْهر لَك تلبيس الْقَوْم وجهلهم فان نظر ذَلِك يُوجب بطلَان هَذِه الطبائع والكيفيات عِنْد انْقِطَاع تعلق الْقَمَر بِهَذَا الْعَالم كَمَا بَطل عمل السَّفِينَة وجريها عِنْد غيبَة الربان عَنْهَا انْقِطَاع تعلقة بهَا فَلم يكن الربان هُوَ سَبَب الْغَرق الَّذِي هُوَ ضد السَّلامَة كَمَا كَانَ الْقَمَر سَببا لليبس الَّذِي هُوَ ضد الرُّطُوبَة وللحرارة الَّتِي هِيَ ضد الْبُرُودَة وَإِنَّمَا كَانَت أَسبَاب الْغَرق غيبَة أحد الْأَسْبَاب الَّتِي كَانَ الربان يمْنَع فعلهَا فَلَمَّا غَابَ عَنْهَا عمل ذَلِك السَّبَب عمله فغرقت وَهَذَا أوضح من أَن يحْتَاج إِلَى تَقْرِير وَلَكِن الأذهان الَّتِي قد اعتادت قبُول المحالات قد يحْتَاج فِي علاجها إِلَى مَالا يحْتَاج إِلَيْهِ غَيرهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ صَاحب الرسَالَة وَقَالُوا فِي معرفَة أَحْوَال أُمَّهَات المدن أَن ذَلِك يعلم من الْمَوَاضِع الَّتِي فِيهَا الشَّمْس وَالْقَمَر فِي أول ابتنائها ومواضع الاوتاد فَهُوَ خَاصَّة وتد الطالع كَمَا يفعل فِي المواليد فَإِن لم يتَوَقَّف على الزَّمَان الَّذِي بنيت فِيهِ فَلْينْظر إِلَى مَوضِع وسط السَّمَاء فِي مواليد الْوُلَاة والملوك الَّذين كَانُوا فِي ذَلِك الزَّمَان الَّذِي بنيت فِيهِ تِلْكَ المدن قلت وَنَظِير هَذَا من هذيانهم قَوْلهم أَنا نَعْرِف أَحْوَال الْأَب من مولد الابْن إِذا لم يعرف مولد الْأَب قَالُوا أَن هَذَا الْموضع تالي الْمرتبَة للطالع وَهُوَ أخص الْمَوَاضِع بالطالع كَمَا أَن الْأَب أخص الْأَشْيَاء بالابن فَكَذَلِك أخص الْأَشْيَاء بِالْملكِ مَمْلَكَته فموضع وسط سمائه يدل على مدينته وَأَحْوَالهَا وكل عَاقل يعلم بطلَان هَذِه الدّلَالَة وفسادها وأته لَا ارتباط بَين طالع الْمَدِينَة وطالع السُّلْطَان كَمَا لَا ارتباط بَين طالع ولادَة الابْن وطالع ولادَة أَبِيه وَإِنَّمَا هَذِه تشبيهات بعيدَة ومناسبات فِي غَايَة الْبعد
قَالَ صَاحب الرسَالَة وَقَالُوا فِي معرفَة حَال الْوَالِدين إِن الشَّمْس وزحل يشاكلان الْآبَاء بالطبع وَلست أدرى كَيفَ تعقل دلَالَة شَيْء لَيْسَ مِمَّا يتوالد بطبعه على شَيْء من طَرِيق التوالد لِأَن الْأَب إِنَّمَا يكون أَبَا باضافته إِلَى ابْنه وَالِابْن إِنَّمَا يكون ابْنا باضافته إِلَى أَبِيه وانهم يستدلون على حَال الْأَوْلَاد بالقمر والزهرة والمشترى وَأَن أَحْوَال الْأَب تعرف من مواليد ابْنه بِأَن يُقَام مَوضِع الْكَوْكَب الدَّال عَلَيْهِ وَهُوَ الشَّمْس أَو زحل مقَام الطالع ويستدل على حَال الابْن من مولد أَبِيه بِأَن يُقَام مَوضِع الْكَوْكَب الدَّال عَلَيْهِ وَهُوَ أحد الْكَوَاكِب الثَّلَاثَة الْقَمَر والمشترى والزهرة مقَام الطالع وَقد يكون الْإِنْسَان فِي أَكثر الْأَوْقَات أَبَا فَيكون الشَّمْس وزحل يدل عَلَيْهِ من مولد ابْنه وَله فِي نَفسه مولد لامحالة وَيُمكن أَن يكون رب طالع مولده كوكبا غير الكوكبين الدالين على حَاله من مولد أَبِيه وَابْنه فَيكون حَاله يعرف من ثَلَاثَة كواكب وَثَلَاثَة بروج مُخْتَلفَة الأشكال والطبائع وتناقض هَذَا القَوْل بَين لمستعمله فضلا عَن متوهمة
قلت قد قَالُوا فِي الْجَواب عَن هَذَا أَنه
стр. 475
لَا تنَاقض فِيهِ بل هُوَ حق وَاجِب قَالُوا إِذا أردنَا أَن نَعْرِف حَال سقراط مثلا من حَيْثُ هُوَ إِنْسَان أَلَيْسَ ينظر إِلَى مَا يخص الْحَيَوَان وَالْإِنْسَان الْكُلِّي وَإِذا أردنَا أَن نَعْرِف حَاله من حَيْثُ هُوَ أَب أَن نَنْظُر إِلَى الْمُضَاف وَمَا يلْحقهُ وَإِذا أردنَا أَن نَعْرِف حَاله من حَيْثُ هُوَ عَالم نَنْظُر إِلَى الْكَيْفِيَّة وَمَا يَخُصهَا وَالْأول جَوْهَر وَالْبَاقِي أَعْرَاض وسقراط وَاحِد ونعرف أَحْوَاله من مَوَاضِع مُخْتَلفَة متباينة مرّة يكون جوهرا وَمرَّة عرضا فَكَذَلِك إِذا أردنَا أَن نَعْرِف حَاله من مولده نَظرنَا إِلَى الطالع وربه وَإِذا أردنَا أَن نَعْرِف حَاله من مولد أَبِيه نَظرنَا إِلَى الْعَاشِر وَالشَّمْس وَكَذَلِكَ إِذا أردنَا أَن نَعْرِف حَاله من مولد ابْنه نَظرنَا إِلَى مَوضِع آخر وَلَيْسَ ذَلِك متناقضا كَمَا أَن الأول لَيْسَ متناقضا فَيُقَال هَذَا تَنْبِيه فَاسد وَاعْتِبَار بَاطِل فَأَنا نَظرنَا فِي طالع الْأَب لنستدل بِهِ على حَال الْوَلَد ونظركم فِي الطالع لتستدلوا بِهِ على حَال الْأَب هُوَ اسْتِدْلَال على شَيْء وَاحِد وَحكم عَلَيْهِ بِسَبَب لَا يَقْتَضِيهِ وَلَا يُفَارِقهُ فَأَيْنَ هَذَا من تعرف إنسانية سقراط وأبوته وعدالته وَعلمه مثلا وطبيعته فَإِن هَذِه أَحْوَال مُخْتَلفَة لَهَا أَدِلَّة وَأَسْبَاب مُخْتَلفَة فنظيرها أَن نَعْرِف حَال الْوَلَد من جِهَة سعادته ومحبته وَصِحَّته وسقمه من طالعه وحاله من جِهَة مَا يُنَاسِبه من الأغذية والأدوية من مزاجه وحاله من جِهَة أَفعاله ورئاسته من أخلاقه كالحياء وَالصَّبْر والبذل وحاله من جِهَة اعْتِدَال مزاجه من اعْتِدَال أَعْضَائِهِ وتركيبه وَصورته فَهَذِهِ أَحْوَال بِحَسب اخْتِلَاف أَسبَابهَا فَأَيْنَ هَذَا من أَخذ حَال الْوَلَد وعمره وسعادته وشقاوته من طالع أَبِيه وَبِالْعَكْسِ فَالله يعين الْعُقَلَاء على تلبيسكم ومحالكم وَيثبت عَلَيْهِم مَا وهبهم من الْعُقُول الَّتِي رغبت بهَا وَرَغبُوا بهَا عَن مثل مَا أَنْتُم عَلَيْهِ
قَالَ وَزعم بطليموس أَن الْفلك إِذا كَانَ على شكل مَا ذكره فِي مولد مَا وَكَانَت الْكَوَاكِب فِي مَوَاضِع ذكرهَا وَجب أَن يكون الْوَلَد أَبيض اللَّوْن سبطا وَإِن وجد مَوْلُود فِي بِلَاد الْحَبَشَة والفلك متشكل على ذَلِك الشكل وَالْكَوَاكِب فِي الْمَوَاضِع الَّتِي ذكرهَا لم يمض ذَلِك الحكم عَلَيْهِ وَمضى على الْمَوْلُود إِن كَانَ من الصقالبة أَو من قرب مزاجه من مزاجهم وَزعم أَن الْفلك إِذا كَانَ على شكل مَا ذكره فِي مولد مَا وَكَانَت الْكَوَاكِب فِي مَوَاضِع ذكرهَا فَإِن صَاحب الْوَلَد يتَزَوَّج أُخْته إِن كَانَ مصريا فَإِن لم يكن مصريا لم يَتَزَوَّجهَا وَزعم أَن الْفلك إِذا كَانَ على شكل آخر ذكره فِي مولد من المواليد وَكَانَت الْكَوَاكِب فِي مَوَاضِع بَينهمَا تزوج الْوَلَد بِأُمِّهِ إِن كَانَ فارسيا وَإِن لم يكن فارسيا لم يَتَزَوَّجهَا
وَهَذِه مناقضة شنيعة لِأَنَّهُ ذكر عِلّة ومعلولا يُوجد بوجودها وترتفع بارتفاعها ثمَّ ذكر أَنَّهَا تُوجد من غير أَن يُوجد معلولها
قلت أَرْبَاب هَذَا الْفَنّ يَقُولُونَ لَا بُد من معرفَة الْأُصُول الَّتِي يحكم عَلَيْهَا لِئَلَّا يغلط الْحَاكِم وَيذْهب كَلَامه إِن لم يعرف الْأُصُول وهى الْجِنْس والشريعة والأخلاق والعادات مِمَّا يحْتَاج المنجم إِن يحصلها ثمَّ يحكم عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ قَالَ بطليموس أَنه يجب على المنجم النّظر فِي صور الْأَبدَان وخواص حالات الْأَنْفس
стр. 476
وَاخْتِلَاف الْعَادَات وَالسّنَن
قَالَ وَيجب على من نظر فِي هَذِه الْأَشْيَاء على الْمَذْهَب الطبيعي إِن يتشبث أبدا بالأسباب الأول الصَّحِيحَة لِئَلَّا يغلط بِسَبَب اشْتِبَاه المواليد فَيَقُول مثلا أَن الْمَوْلُود فِي بِلَاد الْحَبَش يكون أَبيض اللَّوْن سبط الشّعْر وَأَن الْمَوْلُود فِي بِلَاد الرّوم أسود اللَّوْن جعد الشّعْر أَو يغلط أَيْضا فِي السّنَن والعادات الَّتِي يخص بهَا بعض الْأُمَم فِي الباه فَيَقُول مثلا أَن الرجل من أهل انطاكية يتَزَوَّج بأخته وَكَانَ الْوَاجِب أَن ينْسب ذَلِك الْفَارِسِي وَفِي الْجُمْلَة يَنْبَغِي أَن يعلم أَولا حالات الْقَضَاء الكلى ثمَّ يَأْخُذ حالات الْقَضَاء الجزئي ليعلم مِنْهَا الْأَمر فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَكَذَلِكَ يجب ضَرُورَة أَن يقدم فِي قسْمَة الْأَزْمَان أَصْنَاف الْأَسْنَان الزمانية وموافقتها لكل وَاحِد من الْأَحْدَاث وَأَن يتفقد أمرهَا لِئَلَّا يغلط فِي وَقت من الْأَوْقَات فِي الْأَعْرَاض الْعَامَّة البسيطة الَّتِي ينظر فِيهَا فِي المواليد فَيَقُول أَن الطِّفْل يُبَاشر الْأَعْمَال أَو يتَزَوَّج أَو يفعل شَيْئا من الْأَشْيَاء الَّتِي يَفْعَلهَا من هُوَ أتم سنا مِنْهُ وَأَن الشَّيْخ الفاني يُولد لَهُ أَو يفعل شَيْئا من أَفعَال الْأَحْدَاث وَهَذَا وَنَحْوه يدل على أَن الْأُمُور وَغَيرهَا إِنَّمَا هِيَ بِحَسب اخْتِلَاف العوائد والبلاد وخواص الْأَنْفس وَاخْتِلَاف الْأَسْنَان والأغذية وقواها أَيْضا مِمَّا فِيهَا تَأْثِير قوى وَكَذَا الْهَوَاء والتربة واللباس وَغَيرهَا كل هَذِه لَهَا تَأْثِير فِي الْأَخْلَاق والأعمال وأكبرها العوائد والمربا والمنشأ فإحالة هَذِه الْأُمُور على الْكَوَاكِب والطالع والمقارنة والمفارقة والمناظر من أبين الْجَهْل وَلِهَذَا اضْطر إِمَام المنجمين ومعلمهم إِلَى مراعات هَذِه الْأُمُور وَأخْبر أَن الْحَاكِم بِدُونِ مَعْرفَتهَا والتشبث بهَا يكون مخطئا وَحِينَئِذٍ فالطالع الْمُعْتَبر الْمُؤثر إِنَّمَا هُوَ طالع العوائد وَالسّنَن والبلاد وخواص هيأت النُّفُوس الإنسانية وقوى أغذية أبدانها وهوائها وتربتها وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مشَاهد بالعيان تَأْثِيره فِي ذَلِك أفليس من أبين الْجَهْل الْإِعْرَاض عَن هَذِه الْأَسْبَاب وَالْحوالَة على حركات النُّجُوم واجتماعها وافتراقها ومقابلتها فِي تربيع أَو تثليث أَو تسديس مِمَّا لوصح لَكَانَ غَايَته ان يكون جُزْء سَبَب من الْأَسْبَاب الَّتِي تَقْتَضِي هَذِه الْآثَار ثمَّ إِن لَهَا من المقارنات والمفارقات والصوارف والعوارض مَالا يُحْصى المنجم الْقَلِيل من عشر معشاره أفليس الحكم بِمُجَرَّد معرفَة جُزْء من أَجزَاء السَّبَب بِالظَّنِّ والحدس والتقليد لمن حسن ظَنّه بِهِ حكم كَاذِب وَلِهَذَا كذب المنجم أَضْعَاف أَضْعَاف صدقه بِكَثِير حَتَّى صدَاق أَن بعض الزراقين وَأَصْحَاب الْكَشْف وأرباب الفراسة والجزائين أَكثر من صدق هَؤُلَاءِ بِكَثِير وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَن الْمَجْهُول من جمل الْأَسْبَاب وَمَا يعارضها وَيمْنَع تأثيرها أَكثر من الْمَعْلُوم مِنْهَا فَكيف لَا يَقع الْكَذِب وَالْخَطَأ بل لَا يكَاد يَقع الصدْق وَالصَّوَاب إِلَّا على سَبِيل التصادف وَنحن لَا ننكر ارتباط المسببات بأسبابها كَمَا ارْتَكَبهُ كثير من الْمُتَكَلِّمين وكابروا العيان وجحدوا الْحَقَائِق كَمَا أَنا لَا نرضى بهذيانات الأحكاميين ومحالاتهم بل نثبت
стр. 477
الْأَسْبَاب والمسببات والعلل والمعلولات ونبين مَعَ ذَلِك بطلَان مَا يَدعُونَهُ من علم أَحْكَام النُّجُوم وَأَنَّهَا هِيَ الْمُدبرَة لهَذَا الْعَالم المسعدة المشقية المحيية المميتة المعطية للعلوم والأعمال والأرزاق والآجال وَأَن نظركم فِي هَذَا الْعَالم مُوجب لكم من علم الْغَيْب مَا انفردتم بِهِ عَن سَائِر النَّاس وَلَيْسَ فِي طوائف النَّاس أقل علما بِالْغَيْبِ مِنْكُم بل انتم أَجْهَل النَّاس بِالْغَيْبِ على الْإِطْلَاق وَمن اعْتبر حَال حذقائكم وعلمائكم واعتمادهم على ملاحم مركبة من إخبارات بعض الْكُهَّان ومنامات وفراسات وقصص متوارثة عَن أهل الْكتاب وَغَيرهم ومزج ذَلِك بتجارب حصلت مَعَ اقترانات نجومية واتصالات كوكبية يعلم بِالْحِسَابِ حُصُولهَا فِي وَقت معِين فقضيتم بِحُصُول تِلْكَ الْآثَار أَو نظيرها عِنْدهَا إِلَى أَمْثَال ذَلِك من أَسبَاب علم تقدمه الْمعرفَة الَّتِي قد جرب النَّاس مِنْهَا مثل ماجربتم فصدقت تَارَة وكذبت تَارَة فغاية الحركات النجومية والاتصالات الكوكبية أَن تكون كالعلل والأسباب الْمُشَاهدَة الَّتِي تأثيراتها مَوْقُوفَة على انضمام أُمُور أُخْرَى إِلَيْهَا وارتفاع مَوَانِع تمنعها تأثيرها فَهِيَ أَجزَاء أَسبَاب غير مُسْتَقلَّة وَلَا مُوجبَة هَذَا لَو أقمتم على تأثيرها دَلِيلا فَكيف وَلَيْسَ مَعكُمْ إِلَّا الدَّعَاوَى وتقليد بَعْضكُم بَعْضًا واعتراف حذاقكم بِأَن الَّذِي يجهل من بَقِيَّة الْأَسْبَاب المؤثرة وَمن الْمَوَانِع الصارفة أعظم من الْمَعْلُوم مِنْهَا بأضعاف مضاعفة لَا يدْخل تَحت الْوَهم فَكيف يَسْتَقِيم لعاقل الحكم بعد هَذَا وَهل يكون فِي الْعَالم أكذب مِنْهُ قَالَ صَاحب الرسَالَة وَإِذا كَانَ الْفلك مَتى تشكل شكلا مَا دلّ إِن كَانَ فِي مولد مصري على أَنه يتَزَوَّج أُخْته فَذَلِك سنة كَانَت لَهُم وَعَادَة وَإِن كَانَ فِي مولد غَيره لم يدل على ذَلِك وَنحن نجد أهل مصر فِي وقتنا هَذَا قد زَالُوا عَن تِلْكَ الْعَادة وَتركُوا تِلْكَ السّنة بدخولهم فِي الْإِسْلَام والنصرانية واستعمالهم أحكامهما فَيجب أَن تسْقط هَذِه الدّلَالَة من مواليدهم لزوالهم عَن تِلْكَ الْعَادة أَو تكون الدّلَالَة توجب ذَلِك فِي مولد كل أحد مِنْهُم وَمن غَيرهم أَو تسْقط الدّلَالَة وَتبطل بِزَوَال أهل مصر عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ جُمْهُور أهل فَارس وَأي ذَلِك كَانَ فَهُوَ دَال على قَبِيح المناقضة وَشدَّة المغالطة وَقد رَأَيْت وجههم بطليموس يَقُول فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالأربعة فَيحدث كَذَا وَكَذَا توهمنا أَنه يكون كَذَا وَكَذَا قلت الَّذِي صرح بِهِ بطليموس إِن علم أَحْكَام النُّجُوم بعد استقصاء معرفَة مَا يَنْبَغِي مَعْرفَته إِنَّمَا هُوَ على جِهَة الحدس لَا الْعلم وَالْيَقِين فَمن ذَلِك قَوْله هَذَا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن جَمِيع علم حَال هَذَا العنصر إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن يلْحق على جِهَة الظَّن والحدس لَا على جِهَة الْيَقِين وخاصة مِنْهُ مَا كَانَ مركبا من أَشْيَاء كَثِيرَة غير متشابهة قَالَ شَارِح كَلَامه وَإِنَّمَا ذهب إِلَى ذَلِك لِأَن الْأَفْعَال الَّتِي تصدر عَن الْكَوَاكِب إِنَّمَا هِيَ بطرِيق الْعرض وَإِنَّهَا لَا تفعل بذواتها شَيْئا وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله فِي الْبَاب الثَّانِي من كتاب الْأَرْبَعَة وَإِذا كَانَ الْإِنْسَان قد استقصى معرفَة حَرَكَة جَمِيع الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر حَتَّى أَنه لَا يذهب عَلَيْهِ شَيْء من الْمَوَاضِع والأوقات الَّتِي تحدث لَهَا فِيهَا الأشكال وَكَانَت عِنْده
стр. 478
معرفَة بطبائعها قد أَخذهَا عَن الْأَخْبَار المتواترة الَّتِي تقدمته وَأَن لم يعلم طبائعها فِي نفس جواهرها لَكِن يعلم قواها الَّتِي تفعل بهَا كَالْعلمِ بِقُوَّة الشَّمْس أَنَّهَا تسخن وكالعلم بِقُوَّة الْقَمَر أَنَّهَا ترطب وَكَذَلِكَ يعلم أَمر قوى سَائِر الْكَوَاكِب وَكَانَ قَوِيا على معرفَة أَمْثَال سَائِر هَذِه الْأَشْيَاء لَا على الْمَذْهَب الطبيعي فَقَط لَكِن يُمكنهُ أَيْضا أَن يعلم بجودة الحدس خَواص الْحَال الَّتِي تكون من امتزاج جَمِيع ذَلِك
قَالَ الشَّارِح وبطليموس يرى أَن علم الْأَحْكَام إِنَّمَا يلْحق على جِهَة الحدس لَا على جِهَة الْيَقِين قلت وَكَذَلِكَ صرح أرسطاطا لَيْسَ فِي أول كِتَابه السماع الطبيعي أَنه لَا سَبِيل إِلَى الْيَقِين بِمَعْرِِفَة تَأْثِير الْكَوَاكِب فَقَالَ لما كَانَت حَال الْعلم وَالْيَقِين فِي جَمِيع السبل الَّتِي لَهَا مباديء أَو أَسبَاب أَو استقصا آتٍ إِنَّمَا يلْزم من قبل الْمعرفَة بِهَذِهِ فَإِذا لم تعرف الْكَوَاكِب على أَي وَجه تفعل هَذِه الأفاعيل أَعنِي بذاتها أَو بطرِيق الْعرض وَلم تعرف مَا هيتها وذواتها لم تكن معرفتنا بالشَّيْء أَنه يفعل على جِهَة الْيَقِين
وَهَذَا ثَابت بن قُرَّة وَهُوَ هُوَ عِنْدهم يَقُول فِي كتاب تَرْتِيب الْعلم وَأما علم الْقَضَاء من النُّجُوم فقد اخْتلف فِيهِ أَهله اخْتِلَافا شَدِيدا وَخرج فِيهِ قوم إِلَى ادِّعَاء مَالا يَصح وَلَا يصدق بِمَا لَا اتِّصَال لَهُ بالأمور الطبيعية حَتَّى أدعوا فِي ذَلِك مَا هُوَ من علم الْغَيْب وَمَعَ هَذَا فَلم يُوجد مِنْهُ إِلَى زَمَاننَا هَذَا قريب من التَّمام كَمَا وجد غَيره هَذَا لَفظه مَعَ حسن ظَنّه بِهِ وعدله فِي الْعُلُوم وَهَذَا أَبُو نصر الفارابي يَقُول وَاعْلَم أَنَّك لَو قلبت أوضاع المنجمين فَجعلت السعد نحسا والنحس سَعْدا والحار بَارِدًا والبارد حارا وَالذكر أُنْثَى وَالْأُنْثَى ذكرا ثمَّ حكمت لكَانَتْ أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تَارَة وتخطيء تَارَة
وَهَذَا أَبُو على بن سينا قد أَتَى فِي آخر كِتَابه الشِّفَاء فِي رد هَذَا الْعلم وإبطاله بِمَا هُوَ مَوْجُود فِيهِ وقرأت بِخَط رزق الله المنجم وَكَانَ من زعمائهم فِي كتاب المقايسات لأبي حَيَّان التوحيدي مناظرة دارت بَين جمَاعَة من فضلائهم جمع جمعهم بعض الْمجَالِس فَذَكرتهَا مخلصة ممالا يتَعَلَّق بهَا بل ذكرت مقاصدها قَالَ أَبُو حَيَّان هَذِه مقايسة دارت فِي مجْلِس أبي سُلَيْمَان مُحَمَّد بن ظَاهر بن بهْرَام السجسْتانِي وَعِنْده أَبُو زَكَرِيَّا الصَّيْمَرِيّ والبوشنجاني أَبُو الْفَتْح وَأَبُو مُحَمَّد الْعَرُوضِي وَأَبُو مُحَمَّد المقدسى والقوطسي وَغُلَام زحل وكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ إِمَام فِي شَأْنه فَرد فِي صناعته فَقيل فِي الْمجْلس لم خلا علم النُّجُوم من الْفَائِدَة وَالثَّمَرَة وَلَيْسَ علم من الْعُلُوم كَذَلِك فَإِن الطِّبّ لَيْسَ على هَذِه الْحَال ثمَّ ذكرت فَائِدَته وَالْمَنْفَعَة بِهِ وَكَذَلِكَ الْحساب والنحو والهندسة والصنائع ذكرت وَذكرت مَنَافِعهَا وثمراتها ثمَّ قَالَ السَّائِل وَلَيْسَ علم النُّجُوم كَذَلِك فَإِن صَاحبه إِذا استقضى وَبلغ الْحَد الْأَقْصَى فِي معرفَة الْكَوَاكِب وَتَحْصِيل سَيرهَا واقترانها ورجوعها ومقابلتها وتربيعها وتثليثها وتسديسها وضروب مزاجها فِي موَاضعهَا من بروجها وأشكالها ومطالعها ومعاطفها وَمَغَارِبهَا ومشارقها ومذاهبها حَتَّى إِذا
стр. 479
حكم أصَاب وَإِذا أصَاب حقق وَإِذا حقق جزم وَإِذا جزم حتم فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع الْبَتَّةَ قلب شَيْء عَن شَيْء وَلَا صرف شَيْء عَن شَيْء وَلَا تبعيد حَال قد دنت وَلَا نفي خلة قد كتبت وَلَا رفع سَعَادَة قد حمت وأظلت أعنى أَن أمرءا مَا لَا يقدر على أَن يَجْعَل الْإِقَامَة سفرا وَلَا الْهَزِيمَة ظفرا وَلَا العقد حلا وَلَا الإبرام نقضا وَلَا الْيَأْس رَجَاء وَلَا الإخفاق دركا وَلَا الْعَدو صديقا وَلَا الْوَلِيّ عدوا وَلَا الْبعيد قَرِيبا وَلَا الْقَرِيب بَعيدا فَكَانَ الْعَالم بِهِ الحاذق المتناهي فِي خفياته بعد هَذَا التَّعَب وَالنّصب وَبعد هَذَا الكد والدأب وَبعد هَذِه الكلفة الشَّدِيدَة والمعرفة الغليظة هُوَ مُلْتَزم للمقدار مستجد لما يَأْتِي بِهِ اللَّيْل وَالنَّهَار وعادت حَاله مَعَ علمه الْكثير إِلَى حَال الْجَاهِل بِهَذَا الْعلم الَّذِي انقياده كانقياده واعتباره كاعتباره وَلَعَلَّ توكل الْجَاهِل أحسن من توكل الْعَالم بِهِ وَرضَاهُ فِي الْخَيْر المشتهي ونجاته من الشَّرّ المتقي أقوى وَأَصَح من رَجَاء هَذَا المدل بزيجه وحسابه وتقويمه واسطر لَا بِهِ وَلِهَذَا لما لَقِي أَبُو الْحُسَيْن النوري مَا نيا المنجم قَالَ لَهُ أَنْت تخَاف زحل وَأَنا أَخَاف رب زحل وَأَنت ترجو الْمُشْتَرى وَأَنا أعبد رب الْمُشْتَرى وَأَنت تعدو بِالْإِشَارَةِ وَأَنا أعدو بالاستخارة فكم بَيْننَا وَهَذَا أَبُو شرْوَان وَكَانَ من الْمُلُوك الأفاضل كَانَ لَا يرفع بالنجوم رَأْسا فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ صَوَابه يشبه الحدس وَخَطأَهُ شَدِيد على النَّفس فَمَتَى أفْضى هَذَا الْفَاضِل النحرير والحاذق الْبَصِير إِلَى هَذَا الْحَد والغاية كَانَ علمه عَارِيا من الثَّمَرَة خَالِيا من الْفَائِدَة حَائِلا عَن النتيجة بِلَا عَائِدَة وَلَا مرجوع وَإِن أمراأوله على مَا قَرَّرْنَاهُ وَآخره على مَا ذَكرْنَاهُ لحري أَن لايشغل الزَّمَان بِهِ وَلَا يُوهب الْعُمر لَهُ وَلَا يعار الْهم والكد وَلَا يعاج عَلَيْهِ بِوَجْه وَلَا سَبَب هَذَا إِن كَانَت الْأَحْكَام صَحِيحَة مدركه مُحَققَة ومصابة مُلْحقَة مَعْرُوفَة محصلة وَلم يكن الْمَذْهَب على مَا زعم أَرْبَاب الْكَلَام وَالَّذين يأبون تَأْثِير هَذِه الأجرام الْعَالِيَة فِي الْأَجْسَام السافلة وينفون الوسائط بَينهمَا والوصائل ويدفعون الفواعل والقوابل ثمَّ السُّؤَال
فَأجَاب كل من هَؤُلَاءِ بِمَا سنح لَهُ فَقَالَ قَائِل مِنْهُم عَن هَذَا السُّؤَال المهول جوابان
أَحدهمَا هُوَ زجر عَن النّظر فِيهِ لِئَلَّا يكون هَذَا الْإِنْسَان مَعَ ضعف تجربته واضطراب غريزته وَضعف بنيته علا على ربه شَرِيكا لَهُ فِي غيبه متكبرا على عباده ظَانّا بِأَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي من شَأْنه قَائِم بجده وَقدرته وَحَوله وقوته وتشميره وتقليصه وتهجيره وتقريبه فَأن هَذَا النمط محجز الْإِنْسَان عَن الْخُشُوع لخالقه والإذعان لرَبه ويبعده عَن التَّسْلِيم لمدبره ويحول بَينه وَبَين طرح الْكَاهِل بَين يَدي من هُوَ أملك لَهُ وَأولى بِهِ
وَأما الْجَواب الآخر فَهُوَ بشرى عَظِيمَة على نعْمَة جسيمة لمن حصل لَهُ هَذَا الْعلم وَذَلِكَ سر لَو اطلع عَلَيْهِ وغيب لَو وصل إِلَيْهِ لَكَانَ مَا يجده الْإِنْسَان فِيهِ من الرّوح والراحة وَالْخَيْر فِي العاجلة والآجلة تكفيه مؤنه هَذَا الْخطب الفادح وتغنيه عَن تجشم هَذَا الكد الكادح فَاجْعَلْ أَيهَا الْمُنكر لشرف هَذَا الْعلم
стр. 480
قبل عَيْنك مَا تخفي عَلَيْك خفيه ومكنونه تذللا لله تقدس اسْمه فِيمَا استبان لَك معلومه ووضح عنْدك مظنونه ثمَّ قَالَ أعلم أَن الْعلم بِهِ حق وَلَكِن الْإِصَابَة بعيدَة وَلَيْسَ كل بعيد محالا وَلَا كل قريب صَوَابا وَلَا كل صَوَاب مَعْرُوفا وَلَا كل محَال مَوْصُوفا وَإِنَّمَا كَانَ الْعلم حَقًا وَالِاجْتِهَاد فِيهِ مبلغا وَالْقِيَاس فِيهِ صَوَابا وبذل السَّعْي دونه مَحْمُودًا لاشتبال هَذَا الْعَالم السفلي بذلك الْعَالم الْعلوِي واتصال هَذِه الْأَجْسَام الْقَابِلَة بِتِلْكَ الْأَجْسَام الفاعلة واستحالة هَذِه الصُّور بحركات تِلْكَ المحركات المشاكلة بالوحدة وَإِذا صَحَّ هَذَا الِاتِّصَال والتشابك وَهَذِه الحبال والروابط صَحَّ التَّأْثِير من الْعلوِي وَقبُول التَّأْثِير من السفلي بالمواضع الشعاعية وبالمناسبات الشكلية وَالْأَحْوَال الْخفية والجلية وَإِذا صَحَّ التَّأْثِير من الْمُؤثر وقبوله من الْقَابِل صَحَّ الِاعْتِبَار واستتب الْقيَاس وَصدق الرصد وَثَبت الإلف واستحكمت الْعَادة وانكشفت الْحُدُود وانشالت الْعِلَل وتعاضدت الشواهد وَصَارَ الصَّوَاب غامرا وَالْخَطَأ مغمورا وَالْعلم جوهرا راسخا وَالظَّن عرضا زائلا فَقيل هَل تصح الْأَحْكَام أم لَا فَقَالَ الْأَحْكَام لَا تصح بأسرها وَلَا تبطل من أَصْلهَا وَذَلِكَ سَبَب يتَبَيَّن إِذا أنعم النّظر وَبسط الإصغاء وصمد نَحْو الْفَائِدَة بِغَيْر مُتَابعَة الْهوى وايثار التعصب ثمَّ قَالَ الْأُمُور الْمَوْجُودَة على ضَرْبَيْنِ ضرب لَهُ الْوُجُود الْحق وَضرب لَهُ الْوُجُود وَلَكِن لَيْسَ الْوُجُود الْحق فَأَما الْأُمُور الْمَوْجُودَة بِالْحَقِّ فقد أَعْطَتْ الْأُخْرَى نِسْبَة من جِهَة الْوُجُود الْحق وَأما الْأُمُور الْمَوْجُودَة لَا بِالْحَقِّ فقد أَعْطَتْ الْأُخْرَى نِسْبَة من جِهَة الْوُجُود وارتجعت مِنْهَا حَقِيقِيَّة ذَلِك فَالْحكم بِالِاعْتِبَارِ الفاحص عَن هَذِه الْأَسْرَار إِن أصَاب فبسبب الْوُجُود الَّذِي هُوَ هَذَا الْعَالم السفلي من ذَلِك الْعَالم الْعلوِي وَإِن أَخطَأ فبآفات هَذَا الْعَالم السفلي من ذَلِك الْعَالم الْعلوِي والإصابة فِي هَذِه الْأُمُور السيالة المتبدلة عرض والإصابة فِي أُمُور الْفلك جَوْهَر وَقد يكون هُنَاكَ مَا هُوَ كالخطأ وَلَكِن بِالْعرضِ لَا بِالذَّاتِ كَمَا يكون هَهُنَا لَا هُوَ بِالصَّوَابِ وَالْحق لَكِن بِالْعرضِ لَا بِالذَّاتِ فَلهَذَا صَحَّ بعض الْأَحْكَام وَبَطل بَعْضهَا وَمِمَّا يكون شَاهدا لهَذَا أَن هَذَا الْعَالم السفلي مَعَ تبدله فِي كل حَالَة واستحالته فِي كل طرف ولمح متقبل لذَلِك الْعَالم الْعلوِي يَتَحَرَّك شرقا إِلَى كَمَاله وعشقا لجماله وطلبا للتشبه بِهِ وتحققا بِكُل مَا أمكن من شكله فَهُوَ بِحَق التقبل معط هَذَا الْعَالم السفلي مَا يكون بِهِ مشابها للْعَالم الْعلوِي وَبِهَذَا التقبل يقبل الْإِنْسَان النَّاقِص الْكَامِل وَيقبل الْكَامِل من الْبشر الْملك وَيقبل الْملك الْبَارِي جلّ وَعز
قَالَ آخر إِنَّمَا وَجب هَذَا التقبل والتشبه لِأَن وجود هَذَا الْعَالم وجود متهافت مُسْتَحِيل لَا صُورَة لَهُ ثَابِتَة وَلَا شكل دَائِم وَلَا هَيْئَة مَعْرُوفَة وَكَانَ من هَذَا الْوَجْه فَقِيرا إِلَى مَا يمده ويشده فَأَما مَسحه فَهُوَ مَوْجُود وثابت مُقَابل لذَلِك الْعَالم الْمَوْجُود الثَّابِت وَإِنَّمَا عرض مَا عرض لِأَن أَحدهمَا مُؤثرَة وَالْآخر قَابل فَبِحَق هَذِه الْمرتبَة مَا وجد التواصل وَقَالَ
стр. 481
آخر قد يغْفل مَعَ هَذَا كُله المنجم اعْتِبَار حركات كَثِيرَة من أجرام مُخْتَلفَة لِأَنَّهُ يعجز عَن نظمها وتقويمها ومزجها وتسييرها وتفصيل أحوالها وَتَحْصِيل خواصها مَعَ بعد حَرَكَة بَعْضهَا وَقرب حَرَكَة بَعْضهَا وبطئها وسرعتها وتوسطها والتفاف صورها وَالْتِبَاس تقاطعها وتداخل أشكالها وَمن الْحِكْمَة فِي هَذَا الإغفال أَن الله تقدس اسْمه يتم بذلك الْقدر المقفل والقليل الَّذِي لَا يؤبه وَالْكثير الَّذِي لَا يحاول الْبَحْث عَنهُ أمرؤ لم يكن فِي حسبان الْخلق وَلَا فِيمَا أعملوا فِيهِ الْقيَاس وَالتَّقْدِير والتوهم وَلِهَذَا يحكم هَذَا الحاذق فِي صناعته لهَذَا الْملك وَهَذَا الماهر فِي عمله لهَذَا الْملك ثمَّ يَلْتَقِيَانِ فَتكون الدائرة على أَحدهمَا مَعَ شدَّة الوقاع وَصدق المصاع هَذَا وَقد حكم لَهُ بالظفر والغلب
وَقَالَ آخر وَهُوَ البوشنجاني إِنَّمَا يُؤْتِي أحد الْحَاكِمين لأحد السَّائِلين لَا من جِهَة غلط يكون فِي الْحساب وَلَا من قلَّة مهارة فِي الْعَمَل وَلَكِن يكون فِي طالعه إِن لَا يُصِيب فِي ذَلِك الحكم وَيكون فِي طالع الْملك إِن لَا يُصِيب منجمه فِي تِلْكَ الْحَرْب فَمُقْتَضى حَاله وَحَال صَاحبه يحول بَينه وَبَين الصَّوَاب وَيكون الآخر مَعَ صِحَة حسابه وَحسن إِدْرَاكه قد وَجب فِي طالع نَفسه وطالع صَاحبه ضد ذَلِك فَيَقَع الْأَمر الْوَاجِب وَيبْطل الآخر الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِب وَقد كَانَ المنجمان من جِهَة الْعلم والحساب أعطيا للصناعة حَقّهَا ووفيا مَا عَلَيْهِمَا ووقفا موقفا وَاحِدًا على غير مزية بَيِّنَة وَلَا عِلّة قَائِمَة
قَالَ آخر وَلَوْلَا هَذِه الْبَقِيَّة المندفنة والغاية المستترة الَّتِي اسْتَأْثر الله بهَا لَكَانَ لَا يعرض هَذَا الْخَطَأ مَعَ صِحَة الْحساب ودقة النّظر وَشدَّة الغوص وَتُوفِّي الْمَطْلُوب وَمَعَ غَلَبَة الْهوى والميل إِلَى الْمَحْكُوم لَهُ وَهَذِه الْبَقِيَّة دَائِرَة فِي أُمُور هَذَا الْخلق فاضلهم وناقصهم ومتوسطهم فِي دقيقها وجليلها وصعبها وَمن كَانَ لَهُ فِي نَفسه باعث على التصفح وَالنَّظَر والبحث وَالِاعْتِبَار وقف على مَا أَوْمَأت إِلَيْهِ وَسلم وبحكمة جليلة ضرب الله دون هَذَا الْعلم بالاسداد وطوي حقائقه عَن أَكثر الْعباد وَذَلِكَ أَن الْعلم بِمَا سَيكون وَيحدث وَيسْتَقْبل علم حُلْو عِنْد النَّفس وَله موقع عِنْد الْعقل فَلَا أحد إِلَّا وَهُوَ يتَمَنَّى إِن يعلم الْغَيْب ويطلع عَلَيْهِ وَيدْرك مَا سَوف يكون فِي غَد وبجد سَبِيلا إِلَيْهِ وَلَو ذلل السَّبِيل إِلَى هَذَا الْفَنّ لرأيت النَّاس يهرعون إِلَيْهِ وَلَا يؤثرون شَيْئا آخر عَلَيْهِ لحلاوة هَذَا الْعلم عِنْد الرّوح ولصوقه بِالنَّفسِ وغرام كل أحد بِهِ وفتنة كل إِنْسَان فِيهِ فبنعمة من الله لم يفتح هَذَا الْبَاب وَلم يكْشف دونه الغطاء حَتَّى يرتقي كل أحد رَوْضَة وَيلْزم حَده ويرغب فِيمَا هُوَ أجدى عَلَيْهِ وأنفع لَهُ أما عَاجلا وَأما آجلا فطوى الله عَن الْخلق حقائق الْغَيْب وَنشر لَهُم نبذا مِنْهُ وشيئا يَسِيرا يتعللون بِهِ ليَكُون هَذَا الْعلم محروصا عَلَيْهِ كَسَائِر الْعُلُوم وَلَا يكون مَانِعا من غَيره قَالَ فلولا هَذِه الْبَقِيَّة الَّتِي فضحت الكاملين وأعجزت القادرين لَكَانَ تعجب الْخلق من غرائب الْأَحْدَاث وعجائب الصروف وطرائف الْأَحْوَال عَبَثا وسفها
стр. 482
وتوكلهم على الله لهوا وَلَعِبًا
فَقَالَ آخر وَهَذَا يَتَّضِح بمثال وَليكن الْمِثَال أَن ملكا فِي زَمَانك وبلادك وَاسع الْملك عَظِيم الشَّأْن بعيد الصيت سابغ الهيبة مَعْرُوفا بالحكمة مَشْهُورا بالحزم يضع الْخَيْر فِي موَاضعه ويوقع الشَّرّ فِي مواقعه عِنْده جَزَاء كل سَيِّئَة وثواب كل حَسَنَة قد رتب لبريده أصلح الْأَوْلِيَاء لَهُ وَكَذَلِكَ نصب لجباية أَمْوَاله أقوم النَّاس بهَا وَكَذَلِكَ ولى عمَارَة أرضه أنهض النَّاس بهَا وَشرف آخر بكتابته وَآخر بوزارته وَآخر بنيابته فَإِذا نظرت إِلَى ملكه وجدته مؤزرا بسداد الرَّأْي ومحمود التَّدْبِير وأولياؤه حواليه وحاشيته بَين يَدَيْهِ وكل يحف إِلَى مَا هُوَ مَنُوط بِهِ ويستقصي طاقته ويبذل فِيهِ وَالْملك يَأْمر وَينْهى ويصدر ويورد ويثيب ويعاقب وَقد علم صَغِير أوليائه وَكَبِيرهمْ ووضيع رعاياه وشريفهم وَنبيه النَّاس وخاملهم أَن الْأَمر الَّذِي تعلق بِكَذَا وَكَذَا صدر من الْملك إِلَى كَاتبه لِأَنَّهُ من جنس الْكِتَابَة وعلائقها وَمَا يدْخل فِي شرائطها ووثائقها وَالْأَمر الآخر صدر إِلَى صَاحب بريده لِأَنَّهُ من أَحْكَام الْبَرِيد وفنونه وَالْأَمر الآخر ألْقى إِلَى صَاحب المعونة لِأَنَّهُ من جنس مَا هُوَ مُرَتّب لَهُ مَنْصُوب من أَجله والْحَدِيث الآخر صدر إِلَى القَاضِي لِأَنَّهُ من بَاب الدّين وَالْحكم والفصل وكل هَذَا مُسلم إِلَى الْملك لَا يفتات عَلَيْهِ فِي شَيْء مِنْهُ وَلَا يستبد بِشَيْء دونه فالأحوال على هَذَا كلهَا جَارِيَة على أُصُولهَا وقواعدها فِي مجاريها لَا يرد شَيْء مِنْهَا إِلَى غير شكله وَلَا يرتقي إِلَى غير طبقته فَلَو وقف رجل لَهُ من الحزم نصيب وَمن الْيَقَظَة قسط على هَذَا الْملك الجسيم وتصفح أبوابه بَابا بَابا وَحَالا حَالا وتخلل بَيْتا بَيْتا وَرفع سجفا سجفا لَا يُمكنهُ أَن يعلم بِمَا يثمره لَهُ هَذَا النّظر وميزه لَهُ هَذَا الْقيَاس وأوقعه عَلَيْهِ هَذَا الحدس مَا سيفعله هَذَا الْملك غَدا وَمَا يتَقَدَّم بِهِ إِلَى شهر وَمَا يكَاد يكون مِنْهُ إِلَى سنة وسنتين لِأَنَّهُ يعاني الْأَحْوَال ويقايس بَينهَا ويلتقط أَلْفَاظ الْملك ولحظاته وإشاراته وحركاته وَيَقُول فِي بَعْضهَا رَأَيْت الْملك يفعل كَذَا وَكَذَا وبفعل كَذَا وَكَذَا وَهَذَا يدل على كَذَا وَكَذَا وَإِنَّمَا جرأه هَذِه الجرأة على هَذَا الحكم والبت أَنه قد ملك لحظ الْملك وَلَفظه وحركته وسكونه وتعريضه وتصريحه وجده وهزله وشكله وسجيته وتجعده واسترساله ووجومه ونشاطه وانقباضه وانبساطه وغضبه وَرضَاهُ ثمَّ هجس فِي نفس هَذَا الْملك هاجس وخطر بِبَالِهِ خاطر فَقَالَ أُرِيد أَن أعمل عملا وأوثر أثرا وأحدث حَالا لَا يقف عَلَيْهَا أوليائي وَلَا المطيعون لي وَلَا المختصون بِقَوْلِي وَلَا المتعلقون بحبالي وَلَا أحد من أعدائي المتتبعين لأمري والمحصين لأنفاسي وَلَا أدرى كَيفَ افتتحه وَلَا اقترحه لِأَنِّي مَتى تقدّمت فِي ذَلِك إِلَى كل من يلوذ بِي وَيَطوف بناحيتي كَانَ الْأَمر فِي ذَلِك نَظِير جَمِيع أموري وَهَذَا هُوَ الْفساد الَّذِي يلْزَمنِي تجنبه وَيجب على التيقظ فِيهِ فيقدح لَهُ الْفِكر الثاقب انه يَنْبَغِي أَن يتأهب للصَّيْد ذَات يَوْم فيتقدم بذلك ويذيعه فَيَأْخُذ أَصْحَابه
стр. 483
وخاصته فِي أهبة ذَلِك واعداد الْآلَة فَإِذا تَكَامل ذَلِك لَهُ أصحر للصَّيْد وتقلب فِي الْبَيْدَاء وصمم على مَا يلوح لَهُ وأمعن وَرَاءه وركض خَلفه جَوَاده وَنهى من مَعَه أَن يتبعهُ حَتَّى إِذا وغل فِي تِلْكَ الفجاج الخاوية والمدارج المتنائية وتباعد عَن متن الجادة ووضح المحجة صَادف أنسانا فَوقف وحاوره وفاوضه فَوَجَدَهُ حصينا محصلا يتقدفهما فَقَالَ لَهُ أفيك خير فَقَالَ نعم وَهل الْخَيْر إلافي وَعِنْدِي وَإِلَّا معي الق إِلَى مَا بدا لَك وخلني وَذَلِكَ فَقَالَ لَهُ إِن الْوَاقِف عَلَيْك المكلم لَك ملك هَذَا الإقليم فَلَا ترع وأهدأ فَقَالَ السَّعَادَة فيضتني لَك وَالْجد أطلعك على فَيَقُول لَهُ الْملك أَنِّي أُرِيد أَن أطلعك لأرب فِي نَفسِي وأبلغ بك إِن بلغت لي ذَلِك أُرِيد أَن تكون عينا لي وصاحبا لي نصُوحًا وأطوي سري عَن سلخ فُؤَادك فضلا عَن غَيره فَإِذا بلغ مِنْهُ التوثقة والتوكيد ألقِي إِلَيْهِ مَا يَأْمُرهُ بِهِ ويحثه على السَّعْي فِيهِ وأزاح علته فِي جَمِيع مَا يتَعَلَّق المُرَاد بِهِ ثمَّ ثني عنان دَابَّته إِلَى وَجه عسكره وأوليائه وَالْحق بهم فَقضى وطره ثمَّ عَاد إِلَى سَرِيره وَلَيْسَ عِنْد أحد من رهطه وبطانته وغاشيته وخاصته وعامته علم بِمَا قد أسره إِلَى ذَلِك الْإِنْسَان فَبَيْنَمَا النَّاس على مكانهم وغفلاتهم إِذْ أَصْبحُوا ذَات يَوْم فِي حَادث عَظِيم وخطب جسيم وشأن هائل فَكل يَقُول ذَلِك عِنْد ذَلِك مَا أعجب هَذَا من فعل هَذَا مَتى تهَيَّأ هَذَا هَذَا صَاحب الْبَرِيد لَيْسَ عِنْده مِنْهُ أثر هَذَا صَاحب المعونة وَهُوَ عَن الْخَبَر بمعزل وَهَذَا الْوَزير الْأَكْبَر وَهُوَ متحير وَهَذَا القَاضِي وَهُوَ متفكر وَهَذَا حَاجِبه وَهُوَ ذاهل وَكلهمْ عَن الْأَمر الَّذِي دهم غافل وَقد قضى الْملك مأربته وَأدْركَ حَاجته وَطلب بغيته ونال غَرَضه فَلذَلِك ينظر المنجم إِلَى زحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَعُطَارِد والزهرة وَإِلَى البروج وطبائعها وَالرَّأْس والذنب وتقاطهما والهيلاج والكامداه وَإِلَى جَمِيع ماداني هَذَا وقاربه وَكَانَ لَهُ فِيهِ نتيجة وَثَمَرَة فيحسب ويمزج ويرسم فينقلب عَلَيْهِ أَشْيَاء كَثِيرَة من سَائِر الْكَوَاكِب الَّتِي لَهَا حركات بطيئة وآثار مطوية فينبعث فِيمَا أهمله وأغفله وأضرب عَنهُ لم يَتَّسِع لَهُ مَا يملك عَلَيْهِ حسه وعقله وفكره ورويته حَتَّى لَا يدْرِي من أَيْن أَتَى وَمن أَيْن دهى وَكَيف انفرج عَلَيْهِ الْأَمر وأنسد دونه الْمطلب وَفَاتَ الْمَطْلُوب وعزب عَنهُ الرَّأْي هَذَا وَلَا خطأ لَهُ فِي الْحساب وَلَا نقص فِي قصد الْحق وَهَذَا كي يلاذ بِاللَّه وَحده فِي الْأُمُور كلهَا وَيعلم أَنه مَالك الدهور ومدبر الْخَلَائق وَصَاحب الدَّوَاعِي والعلائق والقائم على كل نفس والحاضر عِنْد كل نفس وَأَنه إِذا شَاءَ نفع وَإِذا شَاءَ ضرّ وَإِذا شَاءَ عافا وَإِذا شَاءَ أسقم وَإِذا شَاءَ أغْنى وَإِذا شَاءَ أفقر وَإِذا شَاءَ أَحْيَا وَإِذا شَاءَ أمات وَأَنه كاشف الكربات مغيث ذَوي اللهفات قَاضِي الْحَاجَات مُجيب الدَّعْوَات لَيْسَ فَوق يَده يَد وَهُوَ الْأَحَد الصَّمد على الْأَبَد والسرمد وَقَالَ آخر هَذِه الْأُمُور وَإِن كَانَت منوطة بِهَذِهِ العلويات
стр. 484
مربوطة بالفلكيات عَنْهَا تحدث وَمن جِهَتهَا تنبعث فَإِن فِي عرضهَا مَالا يسْتَحق أَن ينْسب إِلَى شَيْء مِنْهَا إِلَّا على وَجه التَّقْرِيب وَمِثَال ذَلِك ملك لَهُ سُلْطَان وَاسع ونعمة جمة فَهُوَ يفرد كل أحد بِمَا هُوَ لَائِق بِهِ وَبِمَا هُوَ ناهض فِيهِ فيولي بَيت المَال مثلا خَازِنًا أَمينا كَافِيا شهما يفرق على يَده وَيخرج على يَده ثمَّ أَن هَذَا الْملك قد يضع فِي هَذِه الخزانة شَيْئا لَا علم للخازن بِهِ وَقد يخرج مِنْهَا شَيْئا لَا يقف الخازن عَلَيْهِ وَيكون هَذَا مِنْهُ دَلِيلا على ملكه واستبداده وتصرفه وَقدرته
وَقَالَ آخر لما كَانَ صَاحب علم النُّجُوم يُرِيد أَن يقف على أَحْدَاث الزَّمَان ومستقبل الْوَقْت من خير وَشر وخصب وجدب وسعادة ونحس وَولَايَة وعزل ومقام وسفر وغم وَفَرح وفقر ويسار ومحبة وبغض وَجدّة وَعدم ووجدان وعافية وسقم وإلفة وشتات وكساد ونفاق وإصابة وإخفاق وحياة وممات وَهُوَ إِنْسَان نَاقص فِي الأَصْل لِأَن نقصانه بالطبع وكماله بِالْعرضِ وَمَعَ هَذِه الْحَال المحوطة بالنسخ الْمَعْرُوفَة بِالظَّنِّ قد بارى بارئه وَنَازع ربه وتتبع غيبه وتحلل حكمه وعارض مَالِكه فحرمه الله فَائِدَة هَذَا الْعلم وَصَرفه عَن الِانْتِفَاع بِهِ والاستثمار من شجرته وَإِضَافَة إِلَى من لَا يُحِيط بِشَيْء مِنْهُ وَلَا يخل بِشَيْء فِيهِ ونظمه فِي بَاب القسر والقهر وَجعل غَايَة سَعْيه فِيهِ الخيبة وَنِهَايَة علمه بِهِ الْحيرَة وسلط عَلَيْهِ فِي صناعته الظَّن والحدس وَالْحِيلَة والزرق وَالْكذب والختل وَلَو شِئْت لذكرت لَك من ذَلِك صَدرا وَهُوَ مثبوت فِي الْكتب ومنثور فِي الْمجَالِس ومتداول بَين النَّاس فَلذَلِك وأشباهه حط رتبته ورده على عَقِيبه ليعلم أَنه لَا يعلم إِلَّا مَا علم وَأَنه لَيْسَ لَهُ أَن يتخطى بِمَا علم على مَا جهل فَإِن الله سُبْحَانَهُ لَا شريك لَهُ فِي غيبه وَلَا وَزِير لَهُ فِي ربو بَيته وَأَنه يؤنس بِالْعلمِ ليطاع ويعبد ويوحش بِالْجَهْلِ ليفزع إِلَيْهِ ويقصد عز رَبنَا وَجل إِلَهًا وتقدس مشارا إِلَيْهِ وَتَعَالَى مُعْتَمدًا عَلَيْهِ
وَقَالَ آخر وَهُوَ الْعَرُوضِي قد يقوى هَذَا الْعلم فِي بعض الدَّهْر حَتَّى يشغف بِهِ ويدان بتعلمه بِقُوَّة سَمَاوِيَّة وشكل فلكي فيكثر الاستنباط والبحث وتشتد الْعِنَايَة والفكر فتغلب الْإِصَابَة حَتَّى يَزُول الْخَطَأ وَقد يضعف هَذَا الْعلم فِي بعض الدَّهْر فيكثر الْخَطَأ فِيهِ بشكل آخر يَقْتَضِي ذَلِك حَتَّى يسْقط النّظر فِيهِ وَيحرم الْبَحْث عَنهُ وَيكون الدّين حَاضر الطّلب وَالْحكم بِهِ وَقد يعتدل الْأَمر فِي دهر آخر حَتَّى يكون الْخَطَأ فِي قدر ذَلِك الصَّوَاب وَالصَّوَاب فِي قدر الْخَطَأ وَتَكون الدَّوَاعِي والصوارف متكافئة وَيكون الدّين لَا يحث عَلَيْهِ كل الْحَث وَلَا يحظر على طَالبه كل الْحَظْر قَالَ وَهَذَا إِذا صَحَّ تعلق الْأَمر كُله بِمَا يتَّصل بِهَذَا الْعَالم السفلي من ذَلِك الْعَالم الْعلوِي فَإِذا الصَّوَاب وَالْخَطَأ محمولان على القوى المثبتة والأنوار الشائعة والْآثَار الذائعة والعلل الْمُوجبَة والأسباب المتوافية وَقَالَ آخر وَهُوَ البوشنجاني أَيهَا الْقَوْم اختصروا الْكَلَام وقربوا الْبَقِيَّة فَإِن الإطالة مصدة عَن الْفَائِدَة مضلة للفهم والفطنة هَل تصح الْأَحْكَام فَقَالَ غُلَام زحل لَيْسَ عَن هَذَا جَوَاب
стр. 485
يثبت على كل وَجه فصل وَلم يبن ذَلِك قَالَ لِأَن صِحَّتهَا وبطلانها يتعلقان بآثار الْفلك وَقد يقتصى شكل الْفلك فِي زمَان أَن لَا يَصح مِنْهَا شَيْء وَأَن غيص على دقائقها وَبلغ إِلَى أعماقها وَقد يَزُول ذَلِك الشكل فِي وَقت آخر إِلَى أَن يكثر الصَّوَاب فِيهَا وَالْخَطَأ ويتقاربان وَمَتى وقف الْأَمر على هَذَا الْحَد لم يثبت على قَضَاء وَلم يوثق بِجَوَاب
وَقَالَ آخر أَن الله تَعَالَى وتقدس اخترع هَذَا الْعَالم وزينه ورتبه وَحسنه ووشحه ونظمه وهذبه وَقَومه وَأظْهر عَلَيْهِ الْبَهْجَة وأبطن فِي أَثْنَائِهِ الْحِكْمَة وَحقه بِمَ اضْطر الْعُقُول إِلَى تصفحه ومعرفته وحشاه بِكُل مَا حاش النُّفُوس إِلَى علمه وتعليمه والتعجب من أعاجيبه وأمتع الْأَرْوَاح بمحاسنه وأودعه أمورا واستحزنه أسرارا ثمَّ حرك الْأَلْبَاب عَلَيْهَا حَتَّى استثارتها ولقطتها وأحبتها وعشقتها ودارت عَلَيْهَا لِأَنَّهَا عرفت بهَا رَبهَا وخالقها وإلهها وواضعها وصانعها وحافظها وكافلها ثمَّ أَنه تَعَالَى مزج بعض مَا فِيهِ بِبَعْض وَركب بعضه على بعض ونسج بعضه فِي بعض وأمد بعضه من بعض وأحال بعضه إِلَى بعض بوسائط من أشخاص وأجناس وطبائع وأنفس وعلوم وعقول وَتصرف فِي ملكه بقدرته وجوده وحكمته لَا معيب الْفضل وَلَا مَعْدُوم الِاخْتِيَار وَلَا مَرْدُود الْحِكْمَة وَلَا مجحود الذَّات وَلَا مَحْدُود الصِّفَات سُبْحَانَهُ وَهُوَ مَعَ هَذَا كُله لم يستفد شَيْئا وَلم ينْتَفع بِشَيْء بل اسْتَفَادَ مِنْهُ كل شَيْء وانتفع بِهِ كل شَيْء وَبلغ غَايَته كل شَيْء بِحَسب مادته المنقادة وَصورته الْمُعْتَادَة وَلم يثبت بِشَيْء وَثَبت بِهِ كل شَيْء فَهُوَ الْفَاعِل الْقَادِر الْجواد الْوَاهِب والمنيل الْمفضل وَالْأول السَّابِق فَلَمَّا كَانَ الباحث عَن الْعَالم الْعلوِي يتصفح سكانه وَمَعْرِفَة آثاره ومواقعه وأسراره متعرضا لِأَن يكون مثبتا بهَا لبارئه مناسبا لرَبه بِهَذَا الْوَجْه الْمَعْرُوف اسْتَحَالَ أَن يَسْتَفِيد بِعِلْمِهِ كَمَا اسْتَحَالَ أَن يَسْتَفِيد خالقه بِفِعْلِهِ لمن بِقصد لصوبه وَحكمه لزمَه كليته بَدَت مِنْهُ وَصفته عَادَتْ عَلَيْهِ وَهَذِه حَال إِذا فطن لَهَا وأشرف ببصيرة ثاقبة عَلَيْهَا وَتحقّق بحقيقتها وترقي للخبرة بسني مَا فِيهَا علم اضطرارا عقليا أَنَّهَا أجل وَأَعْلَى وأنفس وأسمى وأدوم وأبقي من جَمِيع فَوَائِد سَابق الْعُلُوم الَّتِي حازها أُولَئِكَ الْعَامِلُونَ لِأَن علم أُولَئِكَ فَوَائِد علومهم فِيمَا حفظ عَلَيْهِم حد الْإِنْسَان وخلقه وعادته وخلقه وشهوته وراحته فِي اجتلاب نفع وَدفع ضَرَر ونقصت رتبتهم عَن ومشابهته والتشبه بخاصته والتحلي بحليته وَلذَلِك جبر الله نقصهم فِي علمهمْ بفوائد نالوها وَمَنَافع خبروها فَأَما من أَرَادَ معرفَة هَذِه الخفايا والأسرار من هَذِه الأجرام والأنوار على مَا هيأت لَهُ ونظمت عَلَيْهِ فَهُوَ حري جدير أَن يعري من جَمِيع مَا وجده صَاحب كل علم فِي علمه من الْمرَافِق وَالْمَنَافِع ويفرد بالحكم من رتبها على مَا هِيَ عَلَيْهِ غير مستفيد بذلك فَائِدَة وَلَا جدوى وَهَذِه لَطِيفَة شريفة مَتى وقف عَلَيْهَا حق الْوُقُوف وتقبلت حَتَّى التقبل كَانَ الْمدْرك لَهَا أجل من كل فَائت وَإِن عز
стр. 486
لِأَنَّهَا بشرية صَارَت إلهيه وجسمية استحالت روحانية وطينية انقلبت نوريه ومركب عَاد بسيطا وجزء اسْتَحَالَ كلا وَهَذَا أَمر قَلما يَهْتَدِي إِلَيْهِ ويتنبه عَلَيْهِ
وَقَالَ آخر وَهُوَ أَبُو سُلَيْمَان المنطقي وَقد سَأَلَهُ أَبُو حَيَّان تِلْمِيذه عَن هَذِه الْأَجْوِبَة وَمَا فِيهَا من حق وباطل أَن هَهُنَا أنفسا خبيثة وعقولا رديه ومعارف خسيسة لَا يجوز لأربابها أَن ينشقوا ريح الْحِكْمَة أَو يتطاولوا إِلَى غرائب الفلسفة والنهى ورد من أَجلهم وَهُوَ حق فَأَما النُّفُوس الَّتِي قوتها الْحِكْمَة وبلغتها الْعلم وعدتها الْفَضَائِل وعقدتها الْحَقَائِق وَذُخْرهَا الْخيرَات وعادتها المكارم وهمتها الْمَعَالِي فَأن النهى لم يُوَجه إِلَيْهَا والعتب لم يُوقع عَلَيْهَا وَكَيف يكون ذَلِك وَقد بَان بِمَا تكَرر من القَوْل أَن فَائِدَة هَذَا الْعلم أجل فَائِدَة وثمرته أجل ثَمَرَة ونتيجته أشرف نتيجة فَلْيَكُن هَذَا كُله كافا عَن سوء الظَّن وكافيا لَك فِيمَا وَقع فِيهِ القَوْل وَطَالَ بَين هَؤُلَاءِ السَّادة الجحاجحة فِي الْعلم والفهم وَالْبَيَان والنصح انْتَهَت الْحِكَايَة فَلْيتَأَمَّل من أنعم الله عَلَيْهِ بِالْعقلِ وَالْعلم وَالْإِيمَان وصانه عَن تَقْلِيد هَؤُلَاءِ وأمثالهم من أهل الْحيرَة والضلال مَا فِي هَذِه المحاورة وَمَا انطوت عَلَيْهِ من اعترافهم بغاية علمهمْ ومستقر أَقْدَامهم فِيهِ وَمَا حكمُوا بِهِ على أنفسهم من مقتضي حِكْمَة الله فيهم أَن يسلبهم ثَمَرَات عُلُوم النَّاس وفوائدها وَأَن يكسوهم لِبَاس الخيبة وقهر النَّاس لَهُم وإذلالهم إيَّاهُم وَإِن يَجْعَل نصيب كل أحد من الْعلم والسعادة فَوق نصِيبهم وَأَن يَجْعَل رزقهم من أَبْوَاب الْكَذِب وَالظَّن والزرق وَهُوَ أَخبث مكاسب الْعَالم ومكسب البغايا وأرباب المواخير خير من مكاسب هَؤُلَاءِ لأَنهم كسبوها بذنوب وشهوات وَهَؤُلَاء اكتسبوا مَا اكتسبوه بِالْكَذِبِ على الله وادعاء مَا يعلمُونَ هم فِيهِ كذب أنفسهم
وَالْعجب من شَهَادَتهم على أنفسهم أَن حِكْمَة الله سُبْحَانَهُ اقْتَضَت ذَلِك فيهم لتعاطيهم مشاركته فِي غيبه والاطلاع على أسرار مَمْلَكَته وتعديهم طور الْعُبُودِيَّة الَّتِي هِيَ سمتهم إِلَى طور الربوبية الَّذِي لم يَجْعَل لأحد سَبِيلا إِلَيْهِ فاقتضت حِكْمَة الْعَزِيز الْحَكِيم إِن عاملهم بنقيض قصودهم وَعكس مراداتهم وَجعل كل وَاحِد فَوْقهم فِي كل مِلَّة وَرمي النَّاس بِاللِّسَانِ الْعَام وَالْخَاص لَهُم بِأَنَّهُم أكذب النَّاس فأنهم هم الزَّنَادِقَة الدهرية أَعدَاء الرُّسُل وسوس المَال وَإِن طالعهم على من حسن الظَّن بهم وتقيد بأحكامهم فِي حركاته وسكناته وتدبيره شَرّ طالع وَالْملك وَالْولَايَة المسوس بهم أذلّ ملك وَأقله وَمن لَهُ شَيْء من تجارب الْأُمَم وأخبار الدول والوزراء وَغَيرهم فَعنده من الْعلم بِهَذَا مَا لَيْسَ عِنْد غَيره وَلِهَذَا الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء والوزراء الَّذين لَهُم قبُول فِي الْعَالم وصيت ولسان صدق هم أَعدَاء هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَة كالمنصور والرشيد والمهدى وكخلفاء بني أُميَّة وكالملوك المؤيدين فِي الْإِسْلَام قَدِيما وحديثا كَانُوا أَشد النَّاس إبعاد لهَؤُلَاء عَن أَبْوَابهم وَلم تقم لَهُم سوق فِي عَهدهم إِلَّا عِنْد أشباههم ونظرائهم من كل مُنَافِق متستر بِالْإِسْلَامِ أَو جَاهِل مفرط
стр. 487
فِي الْجَهْل أَو نَاقص الْعقل وَالدّين وَهَؤُلَاء المذكورون فِي هَذِه المحاورة لما صحوا وخلا بَعضهم بِبَعْض وَلم يُمكنهُم أَن يعتمدوا من التلبيس وَالْكذب والزرق مَعَ بَعضهم بَعْضًا مَا يعتمدونه مَعَ غَيرهم تكلمُوا بِمَا عِنْدهم فِي ذَلِك من الإعتراف بِالْجَهْلِ وَأَن الْأَمر إِنَّمَا هُوَ حدس وَظن وزرق وَأَن أَحْوَال الْعَالم الْعلوِي أجل وَأعظم من أَن تدخل تَحت معارفهم وتكال بقفزان عُقُولهمْ وَأَن جهلهم بذلك يُوجب ولابد جهلهم الْأَحْكَام وَأَنَّهُمْ لَا توثق لَهُم بِشَيْء مِمَّا فِيهِ لجَوَاز تشكل الْفلك بشكل يقتضى بطلَان جَمِيع الاحكام وتشكله بشكل يكون بُطْلَانهَا وصحتها بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ على السوَاء وَلَيْسَ لَهُم علم بِانْتِفَاء هَذَا الشكل وَلَا بِوَقْت حُصُوله فَإِنَّهُ لَيْسَ جَارِيا على قانون مضبوط وَلَا على حِسَاب مَعْرُوف وَمَعَ هَذَا فَكيف يَنْبَغِي لعاقل الوثوق بِشَيْء من علم أحكامهم وَهَذِه شَهَادَة فضلائهم وأئمتهم وَلَو أَن خصومهم الَّذين لَا يشاركونهم فِي صناعتهم قَالُوا هَذَا القَوْل لم يكن مَقْبُولًا كقبوله مِنْهُم وَالْحَمْد لله الَّذِي أشهد أهل الْعلم وَالْإِيمَان جهل هَؤُلَاءِ وحيرتهم وضلالهم وكذبهم وافترئهم بِشَهَادَتِهِم على نُفُوسهم وعَلى صناعتهم وَأَن اسْتَفَادَ كل ذِي علم بِعَمَلِهِ وكل ذِي صناعَة بصناعته أعظم من استفادتهم بعلمهم وَأَن أحدا مِنْهُم لَا يُمكنهُ أَن يعِيش إِلَّا فِي كنف من لم يحط من هَذَا الْعلم بِشَيْء وَتَحْت ظلّ من هُوَ أَجْهَل النَّاس وَمن الْعجب قَوْلهم أَن طالع أحد الْملكَيْنِ المتغالبين قد يكون مقتضيا أَن لَا يُصِيب منجمه فِي تِلْكَ الْحَرْب وطالع المنجم يَقْتَضِي خطأه فِي ذَلِك الحكم وطالع خَصمه ومنجمه بالضد فليعجب ذُو اللب من هَذَا الهذيان وتهافته فَإِذا كَانَ الطالع مقتضيا أَن لَا يُصِيب المنجم فِي تِلْكَ الْحَرْب وَقد أعْطى الْحساب وَالْحكم حَقه عِنْد أَرْبَاب الْفَنّ بِحَيْثُ يشْهد كل وَاحِد مِنْهُم أَن الحكم مَا حكم بِهِ أفليس هَذَا من أبين الدَّلَائِل على بطلَان الوثوق بالطالع وَأَن الحكم بِهِ حكم بِغَيْر علم وَحكم بِمَا يجوز كذبه فَمَا فِي الْوُجُود أعجب من هَذَا الطالع الصَّادِق الْكَاذِب الْمُصِيب المخطيء وأعجب من هَذَا أَن الطالع بِعَيْنِه يكون قد حكم بِهِ لظفر عَدو هَذَا عَلَيْهِ منجمه فَوَافَقَ الْقَضَاء وَالْقدر ذَلِك الطالع وَذَلِكَ الحكم فَيكون أحد المنجمين قد أصَاب لملكه طالعا وَحكما وَالْآخر قد أَخطَأ لملكه وَقد خرجا بطالع وَاحِد وأعجب من هَذَا كُله تشكل الْفلك بشكل وَحُصُول طالع سعد فِيهِ بِاتِّفَاق ملأكم فَيحدث مَعَه من علو كلمة من لَا يعبؤن بِهِ وَلَا يعدونه وَظُهُور أَمرهم واستيلائهم على المملكة والرئاسة والعز والحياة ولهجهم بذمكم وعيبكم وإبداء جهلكم وزندقتكم وإلحادكم محتاجون أَن تنضوواإليهم وتعتصموا بحبلهم وتترسوا بهم وتقولون لَهُم بألسنتكم مَا تنطوي قُلُوبكُمْ على خلاقه مِمَّا لَو أظهر تموه لكنتم حصائد سيوفهم كَمَا صرتم حصائد ألسنتهم فَأَي سعد فِي هَذَا الطالع لعمري أم أَي خير فِيهِ وليت شعري كَيفَ لم يُوجب لكم هَذَا الطالع بارقة من سَعَادَة أَو لائحا من عز وَقبُول وَلَكِن هَذِه حِكْمَة رب
стр. 488
الطالع ومدبر الْفلك وَمَا حواه ومسخر الْكَوَاكِب ومجريها على مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ أَن جعلكُمْ كالذمة بل أذلّ مِنْهُم تَحت قهر عبيده وَجعل سِهَام سعادتهم من كل خير وَعلم ورئاسة وجاه أوفر من سهامكم وبيوت شرفهم فِي هَذَا الْعَالم اعمر من بُيُوتكُمْ بل خرب بُيُوتكُمْ بِأَيْدِيهِم فَلَا ينعمر مِنْهَا بَيت أَلا بالانضمام إِلَيْهِم والانتماء إِلَى شريعتهم وملتهم وَهَذَا شَأْن الْعَزِيز الْحَكِيم فِي الْكَذَّابين عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى أَن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل سينالهم غضب من رَبهم وذله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نجزي المفترين قَالَ أَبُو قلَابَة هِيَ لكل مفتر من هَذِه الْأمة يَوْم الْقِيَامَة وَهَذِه المحاورة الَّتِي جرت بَين أَصْحَاب هَذَا الْمجمع هِيَ غَايَة مَا يُمكن النجومي أَن يَقُوله وَلَا يصل إِلَى ذَلِك المبرزون مِنْهُم وَمَعَ هَذَا فقد رَأَيْت حاصلها ومضمونها ولعلهم لَو علمُوا أَن هَذِه الْكَلِمَات تَعْتَد من جَمَاعَتهمْ وتتصل بِأَهْل الْإِيمَان لم ينطقوا مِنْهَا ببنت شفة ويأبى الله إِلَّا أَن يفضح المفترى الْكذَّاب وينطقه بِمَا يبين بَاطِلَة ٠
فصل قَالَ صَاحب الرسَالَة ذكر جمل من احتجاجهم والاحتجاج عَلَيْهِم من إوكد
مَا يستدلون بِهِ على أَن الْكَوَاكِب تفعل فِي هَذَا الْعَالم أَولهَا دلَالَة على مَا يحدث فِيهِ انهم امتحنوا عدَّة مواليد صححوا طوالعها وَجَمَاعَة مسَائِل راعوها فوجدوا الْقَضِيَّة فِي جَمِيع ذَلِك صَادِقَة فدلهم ذَلِك على أَن الْأُصُول الَّتِي عمِلُوا عَلَيْهَا صَحِيحَة فَيُقَال لَهُم إِذا كَانَ مَا تَدعُونَهُ من هَذَا دَلِيلا على صِحَة الْأَحْكَام فَمَا الْفضل بَيْنكُم وَبَين من قَالَ الدَّلِيل على بطلَان الْأَحْكَام أَن امتحنا مواليد صححنا طوالعها ومسائل تفقدنا أحوالها فَوَجَدنَا جَمِيعهَا بَاطِلا وَلم يَصح الحكم فِي شَيْء مِنْهَا
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا يكون هَذَا لجَوَاز الْغَلَط على المنجم الَّذِي عَملهَا قيل لكم فَمَا تنكرون من أَن يكون صدق المنجم فِي حكمه بِاتِّفَاق وتخمين كإخراج الزَّوْج والفرد وَصدق الحزر فِي الْوَزْن والكيل والذرع وَالْعدَد وَإِذا كَانَت الدّلَالَة على صِحَة مَقَالَتَكُمْ صدقكُم فِي بعض أحكامكم فالدلالة على بُطْلَانهَا كذبكم فِي بَعْضهَا
فَإِن قَالُوا لَيْسَ مَا قُلْنَاهُ بتخمين لانا إِنَّمَا نحكمه على أصُول مَوْضُوعَة فِي كتب القدماء قيل لَهُم لسنا نشك فِي أَنكُمْ تتبعون مَا فِي الْكتب وتقلدون من تقدمكم وَمَا يَقع من الصدْق فَإِنَّمَا يَقع بِحَسب الأنفاق وَالَّذِي حصلتم عَلَيْهِ هُوَ الحدس والتخمين بِحَسب مَا فِي الْكتب
وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ من ينتسب إِلَى الْإِسْلَام مِنْهُم على تَصْحِيح دلَالَة النُّجُوم قَوْله تَعَالَى فَنظر نظرة فِي النُّجُوم فَقَالَ إِنِّي سقيم وَلَا حجَّة فِي هَذَا الْبَتَّةَ لِأَن إِبْرَاهِيم ﵊ إِنَّمَا قَالَ هَذَا ليدفع بِهِ قومه عَن نَفسه أَلا ترى أَنه قَالَ بعد فتولوا عَنهُ مُدبرين فرَاغ إِلَى آلِهَتهم فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَبين ﵎ أَنه إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليدفعهم بِهِ لما كَانَ عزم عَلَيْهِ من أَمر
стр. 489
الْأَصْنَام وَلَيْسَ يحْتَاج أحد إِلَى معرفَة أصحيح هُوَ أم سقيم من النُّجُوم لِأَن ذَلِك يُوجد حسا وَيعلم ضَرُورَة وَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى اسْتِدْلَال وَبحث قلت قد احْتج لَهُم بِغَيْر هَذِه الْحجَج فنذكرها ونبين بطلَان استدلالهم بهَا وَبَيَان الْبَاطِل مِنْهَا قَالَ أَبُو عبد الله الرازى اعْلَم أَن المثبتين لهَذَا الْعلم احْتَجُّوا من كتاب الله بآيَات
إِحْدَاهَا الْآيَات الدَّالَّة على تَعْظِيم هَذِه الْكَوَاكِب فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فَلَا أقسم بالخنس والجواري الكنس وَأكْثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد هُوَ الْكَوَاكِب الَّتِي تسير رَاجِعَة تَارَة ومستقيمة أُخْرَى وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم وَإنَّهُ لقسم لَو تعلمُونَ عَظِيم وَقد صرح تَعَالَى بتعظيم هَذَا الْقسم وَذَلِكَ يدل على غَايَة جلالة مواقع النُّجُوم وَنِهَايَة شرفها وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى وَالسَّمَاء والطارق وَمَا أَدْرَاك مَا الطارق النَّجْم الثاقب قَالَ ابْن عَبَّاس الثاقب هُوَ زحل لِأَنَّهُ يثقب بنوره سمك السَّمَوَات السَّبع وَمِنْهَا أَنه تَعَالَى بَين ألهيته بِكَوْن هَذِه الْكَوَاكِب تَحت تَدْبيره وتسخيره فَقَالَ وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين النَّوْع الثَّانِي الْآيَات الدلة على أَن لَهَا تَأْثِيرا فِي هَذَا الْعَالم كَقَوْلِه تَعَالَى فالمدبرات أمرا وَقَوله فَالْمُقَسِّمَات أمرا قَالَ بَعضهم المُرَاد هَذِه الْكَوَاكِب
النَّوْع الثَّالِث الْآيَات الدَّالَّة على أَنه تَعَالَى وضع حركات هَذِه الأجرام على وَجه ينْتَفع بهَا فِي مصَالح هَذَا الْعَالم فَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ ﴿تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجا وَجعل فِيهَا سِرَاجًا وقمرا منيرا﴾
النَّوْع الرَّابِع أَنه تَعَالَى حكى عَن إِبْرَاهِيم ﵇ انه تمسك بعلوم النُّجُوم فَقَالَ فنظرة نظرة فِي النُّجُوم فَقَالَ إِنِّي سقيم النَّوْع الْخَامِس أَنه قَالَ لخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض أكبر من خلق النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ وَلَا يكون المُرَاد من هَذَا كبر الجثة لِأَن كل أحد يعلم ذَلِك فَوَجَبَ أَن يكون المُرَاد كبر الْقدر والشرف وَقَالَ تَعَالَى ويتفكرون فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا وَلَا يجوز أَن يكون المُرَاد أَنه تَعَالَى خلقهَا ليستدل بتركيبها وتأليفها على وجود الصَّانِع لِأَن هَذَا الْقدر حَاصِل فِي تركيب البقة والبعوضة وَفِي حُصُول الْحَيَاة فِي بنية الْحَيَوَانَات على وجود الصَّانِع أقوى من دلَالَة تركيب الأجرام الفلكية على وجود الصَّانِع لِأَن الْحَيَاة لَا يقدر عَلَيْهَا أحد أَلا الله أما تركيب الْأَجْسَام وتأليفها فقد يقدر على جنسه غير الله فَلَمَّا كَانَ هَذَا النَّوْع من الْحِكْمَة حَاصِلا فِي غير الأفلاك ثمَّ أَنه تَعَالَى خصها بِهَذَا التشريف وَهُوَ قَوْله ﴿رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا﴾ علمنَا أَن لَهُ تَعَالَى فِي تخليقها أسرارا عالية وَحكما بَالِغَة تتقاصر عقول الْبشر عَن إِدْرَاكهَا وَيقرب من هَذِه الْآيَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا ذَلِك ظن الَّذين كفرُوا فويل للَّذين كفرُوا من النَّار﴾ وَلَا يُمكن أَن يكون المُرَاد أَنه تَعَالَى خلقهَا على وَجه يُمكن
стр. 490
الِاسْتِدْلَال بهَا على وجود الصَّانِع الْحَكِيم لِأَن كَونهَا دَالَّة على الافتقار إِلَى الصَّانِع أَمر ثَابت لَهَا لذاتها لِأَن كل متحيز فَهُوَ مُحدث وكل مُحدث فَإِنَّهُ مفتقر إِلَى الْفَاعِل فَثَبت أَن دلَالَة المتحيزات على وجود الْفَاعِل أَمر ثَابت لَهَا لذواتها وأعيانها وَمَا كَانَ كَذَلِك لم يكن سَبَب الْفِعْل والجعل فَلم يُمكن حمل قَوْله ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا﴾ على هَذَا الْوَجْه فَوَجَبَ حمله على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ
النَّوْع السَّادِس روى أَن عمر بن الْخيام كَانَ يقْرَأ كتاب المجسطي على استاذه فَدخل عَلَيْهِم وَاحِد من أجلاف المتفقهة فَقَالَ لَهُم مَاذَا تقرؤن فَقَالَ عمر بن الْخيام نَحن فِي تَفْسِير آيَة من كتاب الله افلم ينْظرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقهم كَيفَ بنيناها وزيناها وَمَالهَا من فروج فَنحْن نَنْظُر كَيفَ خلق السَّمَاء وَكَيف بناها وَكَيف صانها عَن الْفروج: النَّوْع السَّابِع أَن إِبْرَاهِيم ﵇ لما اسْتدلَّ على إِثْبَات الصَّانِع تَعَالَى بقوله ربى الَّذِي يحي وَيُمِيت قَالَ لَهُ نمْرُود أتدعى أَنه يحي وَيُمِيت بِوَاسِطَة الطبائع والعناصر أَو لَا بِوَاسِطَة هَذِه الْأَشْيَاء فان ادعيت الأول فَلذَلِك مِمَّا لَا تَجدهُ الْبَتَّةَ لِأَن كل مَا يحدث فِي هَذَا الْعَالم فَإِنَّمَا يحدث بِوَاسِطَة أَحْوَال العناصر الْأَرْبَعَة والحركات الفلكية وَإِذا ادعيت الثَّانِي فَمثل هَذَا الْإِحْيَاء والإماتة حَاصِل منى وَمن كل أحد فَإِن الرجل قد يكون سَببا لحدوث الْوَلَد لَكِن بِوَاسِطَة تمزيج الطبائع وتحريك الأجرام الفلكية وَلذَلِك قد نمت بِهَذِهِ الوسائط وَهَذَا هُوَ المُرَاد من قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْخصم أَنا أَحَي وأميت ثمَّ أَن إِبْرَاهِيم ﵊ أجَاب عَن هَذَا السُّؤَال بقوله فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب يَعْنِي هَب أَنه سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يحدث حوادث هَذَا الْعَالم بِوَاسِطَة الحركات الفلكية لكنه تَعَالَى هُوَ المبديء للحركات الفلكية لِأَن تِلْكَ الحركات لَا بُد لَهَا من سَبَب وَلَا سَبَب لَهَا سوى قدرَة الله تَعَالَى فَثَبت أَن حوادث هَذَا الْعَالم وَأَن سلمنَا إِنَّهَا إِنَّمَا حصلت بِوَاسِطَة الحركات الفلكية لكنه لما كَانَ الْمُدبر لتِلْك الحركات بِوَاسِطَة الطبائع وحركات الأفلاك إِلَّا أَن حركات الأفلاك لَيست منا بِدَلِيل أَنا لَا نقدر على تحريكها على خلاف التحريك الإلهي وَظهر الْفرق وَهَذَا هُوَ المُرَاد من قَول إِبْرَاهِيم ﵊ فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب يعْنى هَب أَن هَذِه الْحَوَادِث فِي هَذَا الْعَالم حصلت بحركة الشَّمْس من الْمشرق إِلَّا أَن هَذِه الحركات من الله لِأَن كل جسم متحرك فَلَا بُد لَهُ من محرك وَذَلِكَ المحرك لست أَنْت وَلَا أَنا فَلم لَا نحركها من الْمغرب فَثَبت أَن اعْتِمَاد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ فِي معرفَة ثُبُوت الصَّانِع على الدَّلَائِل الفلكية وَأَنه مَا نَازع الْخصم فِي كَون هَذِه الْحَوَادِث السفلية مرتبطة بالحركات الفلكية وَاعْلَم انك إِذا عرفت نهج الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب علمت أَن الْقُرْآن مَمْلُوء من تَعْظِيم الأجرام الفلكية وتشريف الكرات الكوكبية:
وَأما الْأَخْبَار فكثيرة مِنْهَا مَا روى عَن النَّبِي
стр. 491
أَنه نهى عِنْد قَضَاء الْحَاجة عَن اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر واستدرهما وَمِنْهَا أَنه لما مَاتَ وَلَده إِبْرَاهِيم انكسفت الشَّمْس ثمَّ إِن النَّاس قَالُوا إِنَّمَا انكسفت لمَوْت إِبْرَاهِيم فَقَالَ إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله لَا ينكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فافزعوا إِلَى الصَّلَاة وَمِنْهَا مَا روى ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا ذكر الْقدر فأمسكوا وَإِذا ذكر أَصْحَابِي فامسكوا وَإِذا ذكر النُّجُوم فامسكوا وَمن النَّاس من يرْوى إِنَّه قَالَ لَا تسافروا وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب وَمِنْهُم من يرْوى ذَلِك عَن على رضى الله عَنهُ وَأَن كَانَ المحدثون لَا يقبلونه
وَأما الْآثَار فكثيرة مِنْهَا أَن رجلا أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنِّي أُرِيد الْخُرُوج فِي تِجَارَة وَكَانَ ذَلِك فِي محاق الشَّهْر فَقَالَ تُرِيدُ أَن يمحق الله تجارتك اسْتقْبل هِلَال الشَّهْر بِالْخرُوجِ وَعَن عِكْرِمَة أَن يَهُودِيّا منجما قَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس وَيحك تخبر النَّاس بِمَا لَا تدرى فَقَالَ الْيَهُودِيّ أَن لَك ابْنا وَهُوَ فِي الْمكتب وَيَجِيء غَدا محموما وَيَمُوت فِي الْيَوْم الْعَاشِر مِنْهُ قَالَ ابْن الْعَبَّاس وَمَتى تَمُوت أَنْت قَالَ فِي رَأس السّنة ثمَّ قَالَ لِابْنِ عَبَّاس قَالَ لَا تَمُوت أَنْت حَتَّى تعمى ثمَّ جَاءَ ابْن عَبَّاس وَهُوَ مَحْمُوم وَمَات فِي الْعَاشِر وَمَات الْيَهُودِيّ فِي رَأس السّنة وَلم يمت ابْن عَبَّاس رضى الله عَنهُ حَتَّى ذهب بَصَره وَعَن الشّعبِيّ رضى الله عَنهُ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء وَالله لقد فارقنا رَسُول الله وَتَركنَا وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا وَنحن ندعى فِيهِ علما وَلَيْسَت الْكَوَاكِب موكلة بِالْفَسَادِ وَالصَّلَاح وَلَكِن فِيهَا دَلِيل بعض الْحَوَادِث عرف ذَلِك بالتجربة وَجَاء فِي الْآثَار أَن أول من أعْطى هَذَا الْعلم آدم وَذَلِكَ إِنَّه عَاشَ حَتَّى أدْرك من ذُريَّته أَرْبَعِينَ ألف أهل الْبَيْت وَتَفَرَّقُوا عَنهُ فِي الأَرْض وَكَانَ يغتم لخفاء خبرهم عَلَيْهِ فَأكْرمه الله تَعَالَى بِهَذَا الْعلم وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يعرف حَال أحدهم حسب لَهُ بِهَذَا الْحساب فيقف على حَالَته وَعَن مَيْمُون بن مهْرَان أَنه قَالَ إيَّاكُمْ والتكذيب بالنجوم فَإِنَّهُ علم من علم النُّبُوَّة وَعنهُ أَيْضا انه قَالَ ثَلَاث ارفضوهن لَا تنازعوا أهل الْقدر وَلَا تَذكرُوا أَصْحَاب نَبِيكُم أَلا بِخَير وَإِيَّاكُم والتكذيب بالنجوم فَإِنَّهُ من علم النُّبُوَّة وروى أَن الشَّافِعِي كَانَ عَالما بالنجوم وَجَاء لبَعض جِيرَانه ولد فَحكم لَهُ الشَّافِعِي أَن هَذَا الْوَلَد يَنْبَغِي أَن يكون على الْعُضْو الفلان مِنْهُ خَال صفته كَذَا وَكَذَا فَوجدَ الْأَمر كَمَا قَالَ وَأَيْضًا انه تَعَالَى حكى عَن فِرْعَوْن أَنه كَانَ يذبح أبناه بني إِسْرَائِيل ويستحي نِسَاءَهُمْ والمفسرون قَالُوا إِن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ لِأَن المنجمين أَخْبرُوهُ بِأَنَّهُ سَيَجِيءُ ولد من بني إِسْرَائِيل وَيكون هَلَاكه على يَده وَهَذِه الرِّوَايَة ذكرهَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَغَيره وَهَذَا يدل على اعْتِرَاف النَّاس قَدِيما وحديثا بِعلم النُّجُوم وَأما الْمَعْقُول فَهُوَ أَن هَذَا علم مَا خلت عَنهُ مِلَّة من الْملَل وَلَا أمة من الْأُمَم وَلَا يعرف تَارِيخ من التواريخ الْقَدِيمَة والحديثة إِلَّا وَكَانَ أهل ذَلِك الزَّمَان مشتغلين بِهَذَا الْعلم ومعولين عَلَيْهِ
стр. 492
فِي معرفَة الْمصَالح وَلَو كَانَ هَذَا الْعلم فَاسِدا بِالْكُلِّيَّةِ لاستحال إطباق أهل الْمشرق وَالْمغْرب من أول بِنَاء الْعَالم إِلَى آخِره عَلَيْهِ
وَقَالَ بطليموس فِي بعض كتبه بعض النَّاس يعيبون هَذَا الْعلم وَذَلِكَ الْعَيْب إِنَّمَا حصل من وُجُوه الأول عجزهم عَن معرفَة حَقِيقَة مَوضِع الْكَوَاكِب بدقائقها ومراتبها وَذَلِكَ إِن الْآلَات الرصدية لَا تنفك عَن مسامحات لَا يَفِي بضبطها الْحس لأجل قلتهَا فِي الْآلَات الرصدية لَكِنَّهَا وَإِن قلت هَذِه الْآلَات إِلَّا أَنَّهَا فِي الأجرام الفلكية كَثِيرَة فَإِذا تَبَاعَدت الأرصاد حصل بِسَبَب تِلْكَ المسامحات تفَاوت عَظِيم فِي مَوَاضِع الْكَوَاكِب
الثَّانِي أَن هَذَا الْعلم علم مَبْنِيّ على معرفَة الدَّلَائِل الفلكية وَتلك الدَّلَائِل لَا تحصل إِلَّا بتمزيجات أَحْوَال الْكَوَاكِب وَهِي كَثِيرَة جدا ثمَّ أَنَّهَا مَعَ كثرتها قد تكون متعارضة وَلَا بُد فِيهَا من التَّرْجِيح وَحِينَئِذٍ يصعب على أَكثر الإفهام الْإِحَاطَة بِتِلْكَ التمزيجات الْكَثِيرَة وَبعد الْإِحَاطَة بهَا فَإِنَّهُ يصعب الترجيحات الجيدة فَلهَذَا السَّبَب لَا يتَّفق من يُحِيط بِهَذَا الْعلم كَمَا يَنْبَغِي إِلَّا الْفَرد بعد الْفَرد ثمَّ أَن الْجُهَّال يظهرون من أنفسهم كَونهم عارفين بِهَذَا الْعلم فَإِذا حكمُوا وأخطؤا ظن النَّاس أَن ذَلِك بِسَبَب أَن هَذَا الْعلم ضَعِيف الثَّالِث أَن هَذَا الْعلم لَا يَفِي بِإِدْرَاك الجزئيات على وَجه الفصيل الباهر فَمن حكم على هَذَا الْوَجْه فقد يَقع فِي الْخَطَأ فلهذه الْأَسْبَاب الثَّلَاثَة تَوَجَّهت المطاعن إِلَى هَذَا الْعلم وَحكى أَن الأكاسرة كَانَ إِذا أَرَادَ أحدهم طلب الْوَلَد أَمر بإحضار المنجم ثمَّ كَانَ ذَلِك الْملك يَخْلُو بامرأته فساعة مَا يَقع المَاء فِي الرَّحِم يَأْمر خَادِمًا على الْبَاب بِضَرْب طستا يكون فِي يَده فَإِذا سمع المنجم طنين الطست أَخذ الطالع وَحكم عَلَيْهِ حَتَّى يخبر بِعَدَد السَّاعَات الَّتِي يمْكث فِي بطن أمه ثمَّ أَنه كَانَ يَأْخُذ الطالع أَيْضا عِنْد الْولادَة مرّة أُخْرَى وَيحكم فَلَا جرم كَانَت أحكامهم كَامِلَة قَوِيَّة لِأَن الطالع الْحَقِيقِيّ هُوَ طالع مسْقط النُّطْفَة فَإِن حُدُوث الْوَلَد إِنَّمَا يكون فِي ذَلِك الْوَقْت فَأَما طالع الْولادَة فَهُوَ وطالع مستعار لِأَن الْوَلَد لَا يحدث فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِنَّمَا ينْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان آخر وروى أَن فِي عهد أردشير بن بابك أَنه قَالَ فِي الْعَهْد الَّذِي كتبه لوَلَده لَوْلَا الْيَقِين بالبوار الَّذِي على رَأس ألف سنة لَكُنْت أكتب لكم كتابا أَن تمسكتم بِهِ لن تضلوا أبدا وعنى بالبوار مَا أخبرهُ المنجمون من أَنه يَزُول ملكهم عِنْد رَأس ألف سنة من ملك كستاست وَالْمرَاد مِنْهُ زَوَال دولتهم وَظُهُور دولة الْإِسْلَام وروى أَنه دخل الْمفضل ابْن سهل على الْمَأْمُون فِي الْيَوْم الَّذِي قتل فِيهِ وَأخْبرهُ أَنه يقتل فِي هَذَا الْيَوْم بَين المَاء وَالنَّار وَأنكر الْمَأْمُون ذَلِك عَلَيْهِ وقوى قلبه ثمَّ اتّفق أَنه دخل الْحمام فَقتل فِي الْحمام وَكَانَ الْأَمر كَمَا أخبر ثمَّ قَالَ وَاعْلَم إِن التجارب فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة
قلت فَهَذَا أقْصَى ماقرر بِهِ الرازى كَلَام هَؤُلَاءِ ومذهبهم وَلَقَد نثر الكنانة ونفض الجعبة واستفرغ الوسع وبذل الْجهد وروح وبهرج وقعقع وفرقع وجعجع وَلَا ترى طحنا وَجمع بَين مَا يعلم بالاضطرار أَنه كذب على
стр. 493
رَسُول الله وعَلى أَصْحَابه وَبَين مَا يعلم بالاضطرار أَنه خطأ فِي تَأْوِيل كَلَام الله وَمَعْرِفَة مُرَاده وَلَا يروج مَا ذكره أَلا على مفرط فِي الْجَهْل بدين الرُّسُل وَمَا جاؤا بِهِ أَو مقلد لأهل الْبَاطِل والمحال من المنجمين وأقاويلهم فَإِن جمع بَين الْأَمريْنِ شرب كَلَامه شربا وَنحن بِحَمْد الله ومعونته وتأييده نبين بطلَان استدلاله واحتجاجه فَنَقُول أما الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى ﴿فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس﴾ فَإِن أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد هُوَ الْكَوَاكِب الَّتِي تسير رَاجِعَة تَارَة ومستقيمة أُخْرَى وَهَذَا القَوْل قد قَالَه جمَاعَة من الْمُفَسّرين وَأَنَّهَا الْكَوَاكِب الْخَمْسَة زحل وَعُطَارِد والمشترى والمريخ والزهرة وروى عَن على وَاخْتَارَهُ ابْن مقَاتل وَابْن قُتَيْبَة قَالُوا وسماها خنسا لِأَنَّهَا فِي سَيرهَا تتقدم إِلَى جِهَة الْمشرق ثمَّ تخنس أَي تتأخر وكنوسها إستتارها فِي معربها كَمَا تكنس الظباء وتفر من الوحوش إِلَى أَن تأوي إِلَى كناسها وَهِي أكنتها وَتسَمى هَذِه الْكَوَاكِب الْمُتَحَيِّرَة لِأَنَّهَا تسير مُسْتَقِيمَة وتسير رَاجِعَة وَقيل كنوسها بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّاظر وَهُوَ استتارها تَحت شُعَاع الشَّمْس وَقيل هِيَ النُّجُوم كلهَا وَهُوَ اخْتِيَار أبي عُبَيْدَة وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة وعَلى هَذَا القَوْل فَيكون بِاعْتِبَار أحوالها الثَّلَاثَة من طُلُوعهَا وغروبها وَمَا بَينهمَا فَهِيَ خنس عِنْد أول الطُّلُوع لِأَن النَّجْم مِنْهَا يرى كَأَنَّهُ يَبْدُو ويخنس وتكنس عِنْد غُرُوبهَا تشبها بالظباء الَّتِي تأوي إِلَى كناسها وَهِي جوَار مَا بَين طُلُوعهَا وغروبها خنس عِنْد الطُّلُوع جوَار بعده كنس عِنْد الْغُرُوب وَهَذَا كُله بِالنِّسْبَةِ إِلَى أفق كل بلد تكون لَهَا فِيهِ الْأَحْوَال الثَّلَاثَة وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود هِيَ بقر الْوَحْش وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس وَاخْتَارَهُ سعيد بن جُبَير وَقيل وَهُوَ أَضْعَف الْأَقْوَال الْمَلَائِكَة حَكَاهُ الْمروزِي فِي تَفْسِيره فَإِن كَانَ المُرَاد بعض هَذِه الْأَقْوَال غير مَا حَكَاهُ الرَّازِيّ فَلَا حجَّة لَهُ وَإِن كَانَ المُرَاد مَا حَكَاهُ فغايته إِن يكون الله قد أقسم بهَا كَمَا أقسم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَالضُّحَى وَالْوَالِد وَالْفَجْر وليال عشر وَالشَّفْع وَالْوتر وَالسَّمَاء وَالْأَرْض وَالْيَوْم الْمَوْعُود وَشَاهد ومشهود وَالنَّفس والمرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات والنازعات والناشطات والسابحات والسابقات وَمَا نبصره ومالا نبصره من كل غَائِب عَنَّا وحاضر مِمَّا فِيهِ التَّنْبِيه على كَمَال ربو بَيته وعزته وحكمته وَقدرته وتدبيره وتنوع مخلوقاته الدَّالَّة عَلَيْهِ المرشدة إِلَيْهِ بِمَا تضمنته من عجائب الصَّنْعَة وبديع الْخلقَة وَتشهد لفاطرها وبارئها بِأَنَّهُ الْوَاحِد الْأَحَد الَّذِي لَا شريك لَهُ وَأَنه الْكَامِل فِي علمه وَقدرته ومشيئته وحكمته وربو بَيته وَملكه وَأَنَّهَا مسخرة مذللة منقادة لأَمره مطيعة لمراده مِنْهَا فَفِي الْأَقْسَام بهَا تَعْظِيم لخالقها ﵎ وتنزيه لَهُ عَمَّا نسبه إِلَيْهِ أعداؤه الجاحدون المعطلون لربو بَيته وَقدرته ومشيئتة ووحدانيته وَأَن من هَذِه عبيده ومماليكه وخلقه وصنعه وإبداعه فَكيف تجحد ربو بَيته وألهيته وَكَيف تنكر صِفَات كَمَاله ونعوت جَلَاله وَكَيف يسوغ لذِي حس سليم وفطرة
стр. 494
مُسْتَقِيمَة تعطيلها عَن صانعها أَو تَعْطِيل صانعها عَن نعوت جَلَاله وأوصاف كَمَاله وَعَن أَفعاله فأقسامة بهَا أكبر دَلِيل على فَسَاد قَول نَوْعي المعطلة وَالْمُشْرِكين الَّذين جعلوها آلِهَة تعبد مَعَ دَلَائِل الْحُدُوث والعبودية والتسخير والافتقار عَلَيْهَا وَإِنَّهَا أَدِلَّة على بارئها وفاطرها وعَلى وحدانيته وَأَنه لَا تنبغي الربوبية والإلهية لَهَا بِوَجْه مَا بل لَا تنبغي أَلا لمن فطرها وبرأها كَمَا قَالَ الْقَائِل:
تَأمل سطور الكائنات فَإِنَّهَا إِلَى الْملك الْأَعْلَى إِلَيْك رسائل ... وَقد خطّ فِيهَا لَو تَأَمَّلت خطها أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل
وَقَالَ آخر:
فوا عجبا كَيفَ يَعْصِي الألهه ... أم كَيفَ يجحده جَاحد
لله فِي كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شَاهد
وَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ... تدل على أَنه وَاحِد
فَلم يكن إقسامه بهَا سُبْحَانَهُ مقررا بذلك علم الْأَحْكَام النجومية كَمَا يَقُوله الْكَاذِبُونَ المفترون بل مقررا لكَمَال ربوبيته ووحدانيته وتفرده بالخلق والابداع وَكَمَال حكمته وَعلمه وعظمته وَهَذَا نَظِير إخْبَاره سُبْحَانَهُ عَن خلقهَا وَعَن حِكْمَة خَالِقهَا بقوله الله الَّذِي خلق سبع سموات وَمن الارض مِثْلهنَّ يتنزل الْأَمر بَينهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَن الله على كل شَيْء قدير وَأَن الله قد أحَاط بِكُل شَيْء علما وَقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون﴾ وَقَوله ﴿وَمن آيَاته اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ وَقَوله إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يغشى اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حثيثا وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين وَقَوله ﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ وَهَؤُلَاء الْمُشْركُونَ يعظمون الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب تَعْظِيمًا يَسْجُدُونَ لَهَا ويتذللون لَهَا ويسبحونها تسابيح مَعْرُوفَة فِي كتبهمْ ودعوات لَا يَنْبَغِي أَن يدعى بهَا إِلَّا خَالِقهَا وفاطرها وَحده وَيَقُول بَعضهم فِي كتاب مصحف الشَّمْس مصحف الْقَمَر مصحف زحل مصحف عُطَارِد بَعضهم يَقُول تَسْبِيحَة الشَّمْس تَسْبِيحَة الْقَمَر تَسْبِيحَة عُطَارِد تَسْبِيحَة زحل وَلَا يتحاشى من ذَلِك وَبَعْضهمْ يَقُول دَعْوَة الشَّمْس دَعْوَة الْقَمَر دَعْوَة عُطَارِد دَعْوَة زحل وَبَعْضهمْ يَقُول هيكل الشَّمْس وَالْقَمَر وَعُطَارِد وَأَصله أَن الهيكل هُوَ الْبَيْت الْمَبْنِيّ لِلْعِبَادَةِ وَكَانَ الصابئون يبنون لكل كَوْكَب من هَذِه الْكَوَاكِب هيكلا ويصورون فِيهِ ذَلِك الْكَوْكَب ويتخذونه لعبادته وتعظيمه ودعائه ويزعمون أَن روحانية ذَلِك الْكَوْكَب تتنزل عَلَيْهِم فتخاطبهم وتقضي حوائجهم وشاهدوا
стр. 495
ذَلِك مِنْهَا وعاينوه وَتلك الروحانية هِيَ الشَّيَاطِين تنزلت عَلَيْهِم وخاطبتهم وقضت حوائجهم ثمَّ لما رام هَذَا الْفِعْل من تستر مِنْهُم بِالْإِسْلَامِ وَلم يُمكنهُ أَن يَبْنِي لَهَا بُيُوتًا يَعْبُدهَا فِيهِ كتب لَهَا دعوات وتسبيحات وأذكارا سَمَّاهَا هيا كل ثمَّ من اشْتَدَّ تستره وخوفه أخرجهَا فِي قالب حُرُوف وكلمات لَا تفهم لِئَلَّا يُبَادر انكارها وردهَا وَمن لم يخف مِنْهُم صرح بِتِلْكَ الدَّعْوَات والتسبيحات والاذكار بِلِسَان من يخاطبه بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية وَغَيرهَا فَلَمَّا أنكر عَلَيْهِ أهل الْإِيمَان قَالَ إِنَّمَا ذكرت هَذَا معرفَة لهَذَا الْعلم وإحاطة بِهِ لَا اعتقادا لَهُ وَلَا ترغيبا فِيهِ وَقد وصف ذَلِك الْعلم وَقَررهُ أتم تَقْرِير وَحمله هَدِيَّة إِلَى ملكه فأثابه عَلَيْهِ جملَة من الذَّهَب يُقَال أَنه ألف دِينَار وَصَارَ ذَلِك الْكتاب إِمَامًا لأهل هَذَا الْفَنّ اليه يلجئون وَعَلِيهِ يعولون وَبِه يحتجون وَيَقُولُونَ شهرة مصنفة وجلالته وَعلمه وفضله لَا تنكر وَلَا تجحد وَفِي هَذَا الْكتاب من مُخَاطبَة الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب بِالْخِطَابِ الَّذِي لَا يَلِيق إِلَّا بِاللَّه وَلَا يَنْبَغِي لَاحَدَّ سواهُ وَمن الخضوع والذل وَالْعِبَادَة الَّتِي لم يكن عباد الْأَصْنَام يبلغونها من آلِهَتهم فبالله أَتجْعَلُ قَوْله تَعَالَى فَلَا أقسم بالخنس الجوارى الكنس دَلِيلا على هَذَا ومقدمة لَهُ فِي أول الْكتاب فان كَانَ الإقسام بهَا دَلِيلا على تأثيراتها فِي الْعَالم كَمَا يَقُولُونَ فَيَنْبَغِي أَن يكون سَائِر مَا أقسم بِهِ كَذَلِك وان لم يكن الْقسم دَلِيلا بَطل الِاسْتِدْلَال بِهِ وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم﴾ فَفِيهَا قَولَانِ
أَحدهمَا أَنَّهَا النُّجُوم الْمَعْرُوفَة وعَلى هَذَا فَفِي مواقعها أَقْوَال أَحدهَا انه انكدارها وانتشارها يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا قَول الْحسن والمنجمون يكذبُون بِهَذَا وَلَا يقرونَ بِهِ وَالثَّانِي مواقعها منازلها قَالَه عَطاء وَقَتَادَة وَالثَّالِث انه مغاربها وَالرَّابِع انه مواقها عِنْد طُلُوعهَا وغروبها حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة عَن مُجَاهِد وَأبي عُبَيْدَة
وَالْخَامِس أَن مواقعها موَاضعهَا من السَّمَاء وَهَذَا الذى حَكَاهُ ابْن الجوزى عَن قَتَادَة حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة عَنهُ فَيحْتَمل أَن يَكُونَا وَاحِدًا وان يَكُونَا قَوْلَيْنِ
السَّادِس أَن مواقعها انقضاضها أثر العفريت وَقت الرجوم حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة ايضا وَلم يذكر أَبُو الْفرج ابْن الجوزى سوى الثَّلَاثَة الأول وَالْقَوْل الثَّانِي أَن مواقع النُّجُوم هى منَازِل الْقُرْآن ونجومه الَّتِى نزلت على النَّبِي فى مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة قَالَ ابْن عَطِيَّة وَيُؤَيّد هَذَا القَوْل عود الضَّمِير على الْقُرْآن فِي قَوْله ﴿إِنَّه لقرآن كريم فِي كتاب مَكْنُون﴾ وَذَلِكَ ان ذكره لم يتَقَدَّم الا على هَذَا التَّأْوِيل وَمن لَا يتَأَوَّل هَذَا التَّأْوِيل يَقُول ان الضَّمِير يعود على الْقُرْآن وان لم يتَقَدَّم ذكره لشهرة الْأَمر ووضوح الْمَعْنى كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ وكل من عَلَيْهَا فان وَغير ذَلِك قلت وَيُؤَيّد القَوْل الأول انه أعَاد الضَّمِير بِلَفْظ الْإِفْرَاد والتذكير ومواقع النُّجُوم جَمِيع فَلَو كَانَ الضَّمِير عَائِدًا عَلَيْهَا لقَالَ انها لقرآن كريم الا لِأَن يُقَال مواقع النُّجُوم دلّ على الْقُرْآن فَأَعَادَ الضَّمِير
следующие страницы →