Полный текст (577 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أَنه نهى عِنْد قَضَاء الْحَاجة عَن اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر واستدرهما وَمِنْهَا أَنه لما مَاتَ وَلَده إِبْرَاهِيم انكسفت الشَّمْس ثمَّ إِن النَّاس قَالُوا إِنَّمَا انكسفت لمَوْت إِبْرَاهِيم فَقَالَ إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله لَا ينكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فافزعوا إِلَى الصَّلَاة وَمِنْهَا مَا روى ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا ذكر الْقدر فأمسكوا وَإِذا ذكر أَصْحَابِي فامسكوا وَإِذا ذكر النُّجُوم فامسكوا وَمن النَّاس من يرْوى إِنَّه قَالَ لَا تسافروا وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب وَمِنْهُم من يرْوى ذَلِك عَن على رضى الله عَنهُ وَأَن كَانَ المحدثون لَا يقبلونه
وَأما الْآثَار فكثيرة مِنْهَا أَن رجلا أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنِّي أُرِيد الْخُرُوج فِي تِجَارَة وَكَانَ ذَلِك فِي محاق الشَّهْر فَقَالَ تُرِيدُ أَن يمحق الله تجارتك اسْتقْبل هِلَال الشَّهْر بِالْخرُوجِ وَعَن عِكْرِمَة أَن يَهُودِيّا منجما قَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس وَيحك تخبر النَّاس بِمَا لَا تدرى فَقَالَ الْيَهُودِيّ أَن لَك ابْنا وَهُوَ فِي الْمكتب وَيَجِيء غَدا محموما وَيَمُوت فِي الْيَوْم الْعَاشِر مِنْهُ قَالَ ابْن الْعَبَّاس وَمَتى تَمُوت أَنْت قَالَ فِي رَأس السّنة ثمَّ قَالَ لِابْنِ عَبَّاس قَالَ لَا تَمُوت أَنْت حَتَّى تعمى ثمَّ جَاءَ ابْن عَبَّاس وَهُوَ مَحْمُوم وَمَات فِي الْعَاشِر وَمَات الْيَهُودِيّ فِي رَأس السّنة وَلم يمت ابْن عَبَّاس رضى الله عَنهُ حَتَّى ذهب بَصَره وَعَن الشّعبِيّ رضى الله عَنهُ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء وَالله لقد فارقنا رَسُول الله وَتَركنَا وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا وَنحن ندعى فِيهِ علما وَلَيْسَت الْكَوَاكِب موكلة بِالْفَسَادِ وَالصَّلَاح وَلَكِن فِيهَا دَلِيل بعض الْحَوَادِث عرف ذَلِك بالتجربة وَجَاء فِي الْآثَار أَن أول من أعْطى هَذَا الْعلم آدم وَذَلِكَ إِنَّه عَاشَ حَتَّى أدْرك من ذُريَّته أَرْبَعِينَ ألف أهل الْبَيْت وَتَفَرَّقُوا عَنهُ فِي الأَرْض وَكَانَ يغتم لخفاء خبرهم عَلَيْهِ فَأكْرمه الله تَعَالَى بِهَذَا الْعلم وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يعرف حَال أحدهم حسب لَهُ بِهَذَا الْحساب فيقف على حَالَته وَعَن مَيْمُون بن مهْرَان أَنه قَالَ إيَّاكُمْ والتكذيب بالنجوم فَإِنَّهُ علم من علم النُّبُوَّة وَعنهُ أَيْضا انه قَالَ ثَلَاث ارفضوهن لَا تنازعوا أهل الْقدر وَلَا تَذكرُوا أَصْحَاب نَبِيكُم أَلا بِخَير وَإِيَّاكُم والتكذيب بالنجوم فَإِنَّهُ من علم النُّبُوَّة وروى أَن الشَّافِعِي كَانَ عَالما بالنجوم وَجَاء لبَعض جِيرَانه ولد فَحكم لَهُ الشَّافِعِي أَن هَذَا الْوَلَد يَنْبَغِي أَن يكون على الْعُضْو الفلان مِنْهُ خَال صفته كَذَا وَكَذَا فَوجدَ الْأَمر كَمَا قَالَ وَأَيْضًا انه تَعَالَى حكى عَن فِرْعَوْن أَنه كَانَ يذبح أبناه بني إِسْرَائِيل ويستحي نِسَاءَهُمْ والمفسرون قَالُوا إِن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ لِأَن المنجمين أَخْبرُوهُ بِأَنَّهُ سَيَجِيءُ ولد من بني إِسْرَائِيل وَيكون هَلَاكه على يَده وَهَذِه الرِّوَايَة ذكرهَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَغَيره وَهَذَا يدل على اعْتِرَاف النَّاس قَدِيما وحديثا بِعلم النُّجُوم وَأما الْمَعْقُول فَهُوَ أَن هَذَا علم مَا خلت عَنهُ مِلَّة من الْملَل وَلَا أمة من الْأُمَم وَلَا يعرف تَارِيخ من التواريخ الْقَدِيمَة والحديثة إِلَّا وَكَانَ أهل ذَلِك الزَّمَان مشتغلين بِهَذَا الْعلم ومعولين عَلَيْهِ
стр. 492
فِي معرفَة الْمصَالح وَلَو كَانَ هَذَا الْعلم فَاسِدا بِالْكُلِّيَّةِ لاستحال إطباق أهل الْمشرق وَالْمغْرب من أول بِنَاء الْعَالم إِلَى آخِره عَلَيْهِ
وَقَالَ بطليموس فِي بعض كتبه بعض النَّاس يعيبون هَذَا الْعلم وَذَلِكَ الْعَيْب إِنَّمَا حصل من وُجُوه الأول عجزهم عَن معرفَة حَقِيقَة مَوضِع الْكَوَاكِب بدقائقها ومراتبها وَذَلِكَ إِن الْآلَات الرصدية لَا تنفك عَن مسامحات لَا يَفِي بضبطها الْحس لأجل قلتهَا فِي الْآلَات الرصدية لَكِنَّهَا وَإِن قلت هَذِه الْآلَات إِلَّا أَنَّهَا فِي الأجرام الفلكية كَثِيرَة فَإِذا تَبَاعَدت الأرصاد حصل بِسَبَب تِلْكَ المسامحات تفَاوت عَظِيم فِي مَوَاضِع الْكَوَاكِب
الثَّانِي أَن هَذَا الْعلم علم مَبْنِيّ على معرفَة الدَّلَائِل الفلكية وَتلك الدَّلَائِل لَا تحصل إِلَّا بتمزيجات أَحْوَال الْكَوَاكِب وَهِي كَثِيرَة جدا ثمَّ أَنَّهَا مَعَ كثرتها قد تكون متعارضة وَلَا بُد فِيهَا من التَّرْجِيح وَحِينَئِذٍ يصعب على أَكثر الإفهام الْإِحَاطَة بِتِلْكَ التمزيجات الْكَثِيرَة وَبعد الْإِحَاطَة بهَا فَإِنَّهُ يصعب الترجيحات الجيدة فَلهَذَا السَّبَب لَا يتَّفق من يُحِيط بِهَذَا الْعلم كَمَا يَنْبَغِي إِلَّا الْفَرد بعد الْفَرد ثمَّ أَن الْجُهَّال يظهرون من أنفسهم كَونهم عارفين بِهَذَا الْعلم فَإِذا حكمُوا وأخطؤا ظن النَّاس أَن ذَلِك بِسَبَب أَن هَذَا الْعلم ضَعِيف الثَّالِث أَن هَذَا الْعلم لَا يَفِي بِإِدْرَاك الجزئيات على وَجه الفصيل الباهر فَمن حكم على هَذَا الْوَجْه فقد يَقع فِي الْخَطَأ فلهذه الْأَسْبَاب الثَّلَاثَة تَوَجَّهت المطاعن إِلَى هَذَا الْعلم وَحكى أَن الأكاسرة كَانَ إِذا أَرَادَ أحدهم طلب الْوَلَد أَمر بإحضار المنجم ثمَّ كَانَ ذَلِك الْملك يَخْلُو بامرأته فساعة مَا يَقع المَاء فِي الرَّحِم يَأْمر خَادِمًا على الْبَاب بِضَرْب طستا يكون فِي يَده فَإِذا سمع المنجم طنين الطست أَخذ الطالع وَحكم عَلَيْهِ حَتَّى يخبر بِعَدَد السَّاعَات الَّتِي يمْكث فِي بطن أمه ثمَّ أَنه كَانَ يَأْخُذ الطالع أَيْضا عِنْد الْولادَة مرّة أُخْرَى وَيحكم فَلَا جرم كَانَت أحكامهم كَامِلَة قَوِيَّة لِأَن الطالع الْحَقِيقِيّ هُوَ طالع مسْقط النُّطْفَة فَإِن حُدُوث الْوَلَد إِنَّمَا يكون فِي ذَلِك الْوَقْت فَأَما طالع الْولادَة فَهُوَ وطالع مستعار لِأَن الْوَلَد لَا يحدث فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِنَّمَا ينْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان آخر وروى أَن فِي عهد أردشير بن بابك أَنه قَالَ فِي الْعَهْد الَّذِي كتبه لوَلَده لَوْلَا الْيَقِين بالبوار الَّذِي على رَأس ألف سنة لَكُنْت أكتب لكم كتابا أَن تمسكتم بِهِ لن تضلوا أبدا وعنى بالبوار مَا أخبرهُ المنجمون من أَنه يَزُول ملكهم عِنْد رَأس ألف سنة من ملك كستاست وَالْمرَاد مِنْهُ زَوَال دولتهم وَظُهُور دولة الْإِسْلَام وروى أَنه دخل الْمفضل ابْن سهل على الْمَأْمُون فِي الْيَوْم الَّذِي قتل فِيهِ وَأخْبرهُ أَنه يقتل فِي هَذَا الْيَوْم بَين المَاء وَالنَّار وَأنكر الْمَأْمُون ذَلِك عَلَيْهِ وقوى قلبه ثمَّ اتّفق أَنه دخل الْحمام فَقتل فِي الْحمام وَكَانَ الْأَمر كَمَا أخبر ثمَّ قَالَ وَاعْلَم إِن التجارب فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة
قلت فَهَذَا أقْصَى ماقرر بِهِ الرازى كَلَام هَؤُلَاءِ ومذهبهم وَلَقَد نثر الكنانة ونفض الجعبة واستفرغ الوسع وبذل الْجهد وروح وبهرج وقعقع وفرقع وجعجع وَلَا ترى طحنا وَجمع بَين مَا يعلم بالاضطرار أَنه كذب على
стр. 493
رَسُول الله وعَلى أَصْحَابه وَبَين مَا يعلم بالاضطرار أَنه خطأ فِي تَأْوِيل كَلَام الله وَمَعْرِفَة مُرَاده وَلَا يروج مَا ذكره أَلا على مفرط فِي الْجَهْل بدين الرُّسُل وَمَا جاؤا بِهِ أَو مقلد لأهل الْبَاطِل والمحال من المنجمين وأقاويلهم فَإِن جمع بَين الْأَمريْنِ شرب كَلَامه شربا وَنحن بِحَمْد الله ومعونته وتأييده نبين بطلَان استدلاله واحتجاجه فَنَقُول أما الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى ﴿فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس﴾ فَإِن أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد هُوَ الْكَوَاكِب الَّتِي تسير رَاجِعَة تَارَة ومستقيمة أُخْرَى وَهَذَا القَوْل قد قَالَه جمَاعَة من الْمُفَسّرين وَأَنَّهَا الْكَوَاكِب الْخَمْسَة زحل وَعُطَارِد والمشترى والمريخ والزهرة وروى عَن على وَاخْتَارَهُ ابْن مقَاتل وَابْن قُتَيْبَة قَالُوا وسماها خنسا لِأَنَّهَا فِي سَيرهَا تتقدم إِلَى جِهَة الْمشرق ثمَّ تخنس أَي تتأخر وكنوسها إستتارها فِي معربها كَمَا تكنس الظباء وتفر من الوحوش إِلَى أَن تأوي إِلَى كناسها وَهِي أكنتها وَتسَمى هَذِه الْكَوَاكِب الْمُتَحَيِّرَة لِأَنَّهَا تسير مُسْتَقِيمَة وتسير رَاجِعَة وَقيل كنوسها بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّاظر وَهُوَ استتارها تَحت شُعَاع الشَّمْس وَقيل هِيَ النُّجُوم كلهَا وَهُوَ اخْتِيَار أبي عُبَيْدَة وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة وعَلى هَذَا القَوْل فَيكون بِاعْتِبَار أحوالها الثَّلَاثَة من طُلُوعهَا وغروبها وَمَا بَينهمَا فَهِيَ خنس عِنْد أول الطُّلُوع لِأَن النَّجْم مِنْهَا يرى كَأَنَّهُ يَبْدُو ويخنس وتكنس عِنْد غُرُوبهَا تشبها بالظباء الَّتِي تأوي إِلَى كناسها وَهِي جوَار مَا بَين طُلُوعهَا وغروبها خنس عِنْد الطُّلُوع جوَار بعده كنس عِنْد الْغُرُوب وَهَذَا كُله بِالنِّسْبَةِ إِلَى أفق كل بلد تكون لَهَا فِيهِ الْأَحْوَال الثَّلَاثَة وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود هِيَ بقر الْوَحْش وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس وَاخْتَارَهُ سعيد بن جُبَير وَقيل وَهُوَ أَضْعَف الْأَقْوَال الْمَلَائِكَة حَكَاهُ الْمروزِي فِي تَفْسِيره فَإِن كَانَ المُرَاد بعض هَذِه الْأَقْوَال غير مَا حَكَاهُ الرَّازِيّ فَلَا حجَّة لَهُ وَإِن كَانَ المُرَاد مَا حَكَاهُ فغايته إِن يكون الله قد أقسم بهَا كَمَا أقسم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَالضُّحَى وَالْوَالِد وَالْفَجْر وليال عشر وَالشَّفْع وَالْوتر وَالسَّمَاء وَالْأَرْض وَالْيَوْم الْمَوْعُود وَشَاهد ومشهود وَالنَّفس والمرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات والنازعات والناشطات والسابحات والسابقات وَمَا نبصره ومالا نبصره من كل غَائِب عَنَّا وحاضر مِمَّا فِيهِ التَّنْبِيه على كَمَال ربو بَيته وعزته وحكمته وَقدرته وتدبيره وتنوع مخلوقاته الدَّالَّة عَلَيْهِ المرشدة إِلَيْهِ بِمَا تضمنته من عجائب الصَّنْعَة وبديع الْخلقَة وَتشهد لفاطرها وبارئها بِأَنَّهُ الْوَاحِد الْأَحَد الَّذِي لَا شريك لَهُ وَأَنه الْكَامِل فِي علمه وَقدرته ومشيئته وحكمته وربو بَيته وَملكه وَأَنَّهَا مسخرة مذللة منقادة لأَمره مطيعة لمراده مِنْهَا فَفِي الْأَقْسَام بهَا تَعْظِيم لخالقها ﵎ وتنزيه لَهُ عَمَّا نسبه إِلَيْهِ أعداؤه الجاحدون المعطلون لربو بَيته وَقدرته ومشيئتة ووحدانيته وَأَن من هَذِه عبيده ومماليكه وخلقه وصنعه وإبداعه فَكيف تجحد ربو بَيته وألهيته وَكَيف تنكر صِفَات كَمَاله ونعوت جَلَاله وَكَيف يسوغ لذِي حس سليم وفطرة
стр. 494
مُسْتَقِيمَة تعطيلها عَن صانعها أَو تَعْطِيل صانعها عَن نعوت جَلَاله وأوصاف كَمَاله وَعَن أَفعاله فأقسامة بهَا أكبر دَلِيل على فَسَاد قَول نَوْعي المعطلة وَالْمُشْرِكين الَّذين جعلوها آلِهَة تعبد مَعَ دَلَائِل الْحُدُوث والعبودية والتسخير والافتقار عَلَيْهَا وَإِنَّهَا أَدِلَّة على بارئها وفاطرها وعَلى وحدانيته وَأَنه لَا تنبغي الربوبية والإلهية لَهَا بِوَجْه مَا بل لَا تنبغي أَلا لمن فطرها وبرأها كَمَا قَالَ الْقَائِل:
تَأمل سطور الكائنات فَإِنَّهَا إِلَى الْملك الْأَعْلَى إِلَيْك رسائل ... وَقد خطّ فِيهَا لَو تَأَمَّلت خطها أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل
وَقَالَ آخر:
فوا عجبا كَيفَ يَعْصِي الألهه ... أم كَيفَ يجحده جَاحد
لله فِي كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شَاهد
وَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ... تدل على أَنه وَاحِد
فَلم يكن إقسامه بهَا سُبْحَانَهُ مقررا بذلك علم الْأَحْكَام النجومية كَمَا يَقُوله الْكَاذِبُونَ المفترون بل مقررا لكَمَال ربوبيته ووحدانيته وتفرده بالخلق والابداع وَكَمَال حكمته وَعلمه وعظمته وَهَذَا نَظِير إخْبَاره سُبْحَانَهُ عَن خلقهَا وَعَن حِكْمَة خَالِقهَا بقوله الله الَّذِي خلق سبع سموات وَمن الارض مِثْلهنَّ يتنزل الْأَمر بَينهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَن الله على كل شَيْء قدير وَأَن الله قد أحَاط بِكُل شَيْء علما وَقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كل فِي فلك يسبحون﴾ وَقَوله ﴿وَمن آيَاته اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ وَقَوله إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يغشى اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حثيثا وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين وَقَوله ﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ وَهَؤُلَاء الْمُشْركُونَ يعظمون الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب تَعْظِيمًا يَسْجُدُونَ لَهَا ويتذللون لَهَا ويسبحونها تسابيح مَعْرُوفَة فِي كتبهمْ ودعوات لَا يَنْبَغِي أَن يدعى بهَا إِلَّا خَالِقهَا وفاطرها وَحده وَيَقُول بَعضهم فِي كتاب مصحف الشَّمْس مصحف الْقَمَر مصحف زحل مصحف عُطَارِد بَعضهم يَقُول تَسْبِيحَة الشَّمْس تَسْبِيحَة الْقَمَر تَسْبِيحَة عُطَارِد تَسْبِيحَة زحل وَلَا يتحاشى من ذَلِك وَبَعْضهمْ يَقُول دَعْوَة الشَّمْس دَعْوَة الْقَمَر دَعْوَة عُطَارِد دَعْوَة زحل وَبَعْضهمْ يَقُول هيكل الشَّمْس وَالْقَمَر وَعُطَارِد وَأَصله أَن الهيكل هُوَ الْبَيْت الْمَبْنِيّ لِلْعِبَادَةِ وَكَانَ الصابئون يبنون لكل كَوْكَب من هَذِه الْكَوَاكِب هيكلا ويصورون فِيهِ ذَلِك الْكَوْكَب ويتخذونه لعبادته وتعظيمه ودعائه ويزعمون أَن روحانية ذَلِك الْكَوْكَب تتنزل عَلَيْهِم فتخاطبهم وتقضي حوائجهم وشاهدوا
стр. 495
ذَلِك مِنْهَا وعاينوه وَتلك الروحانية هِيَ الشَّيَاطِين تنزلت عَلَيْهِم وخاطبتهم وقضت حوائجهم ثمَّ لما رام هَذَا الْفِعْل من تستر مِنْهُم بِالْإِسْلَامِ وَلم يُمكنهُ أَن يَبْنِي لَهَا بُيُوتًا يَعْبُدهَا فِيهِ كتب لَهَا دعوات وتسبيحات وأذكارا سَمَّاهَا هيا كل ثمَّ من اشْتَدَّ تستره وخوفه أخرجهَا فِي قالب حُرُوف وكلمات لَا تفهم لِئَلَّا يُبَادر انكارها وردهَا وَمن لم يخف مِنْهُم صرح بِتِلْكَ الدَّعْوَات والتسبيحات والاذكار بِلِسَان من يخاطبه بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية وَغَيرهَا فَلَمَّا أنكر عَلَيْهِ أهل الْإِيمَان قَالَ إِنَّمَا ذكرت هَذَا معرفَة لهَذَا الْعلم وإحاطة بِهِ لَا اعتقادا لَهُ وَلَا ترغيبا فِيهِ وَقد وصف ذَلِك الْعلم وَقَررهُ أتم تَقْرِير وَحمله هَدِيَّة إِلَى ملكه فأثابه عَلَيْهِ جملَة من الذَّهَب يُقَال أَنه ألف دِينَار وَصَارَ ذَلِك الْكتاب إِمَامًا لأهل هَذَا الْفَنّ اليه يلجئون وَعَلِيهِ يعولون وَبِه يحتجون وَيَقُولُونَ شهرة مصنفة وجلالته وَعلمه وفضله لَا تنكر وَلَا تجحد وَفِي هَذَا الْكتاب من مُخَاطبَة الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب بِالْخِطَابِ الَّذِي لَا يَلِيق إِلَّا بِاللَّه وَلَا يَنْبَغِي لَاحَدَّ سواهُ وَمن الخضوع والذل وَالْعِبَادَة الَّتِي لم يكن عباد الْأَصْنَام يبلغونها من آلِهَتهم فبالله أَتجْعَلُ قَوْله تَعَالَى فَلَا أقسم بالخنس الجوارى الكنس دَلِيلا على هَذَا ومقدمة لَهُ فِي أول الْكتاب فان كَانَ الإقسام بهَا دَلِيلا على تأثيراتها فِي الْعَالم كَمَا يَقُولُونَ فَيَنْبَغِي أَن يكون سَائِر مَا أقسم بِهِ كَذَلِك وان لم يكن الْقسم دَلِيلا بَطل الِاسْتِدْلَال بِهِ وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم﴾ فَفِيهَا قَولَانِ
أَحدهمَا أَنَّهَا النُّجُوم الْمَعْرُوفَة وعَلى هَذَا فَفِي مواقعها أَقْوَال أَحدهَا انه انكدارها وانتشارها يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا قَول الْحسن والمنجمون يكذبُون بِهَذَا وَلَا يقرونَ بِهِ وَالثَّانِي مواقعها منازلها قَالَه عَطاء وَقَتَادَة وَالثَّالِث انه مغاربها وَالرَّابِع انه مواقها عِنْد طُلُوعهَا وغروبها حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة عَن مُجَاهِد وَأبي عُبَيْدَة
وَالْخَامِس أَن مواقعها موَاضعهَا من السَّمَاء وَهَذَا الذى حَكَاهُ ابْن الجوزى عَن قَتَادَة حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة عَنهُ فَيحْتَمل أَن يَكُونَا وَاحِدًا وان يَكُونَا قَوْلَيْنِ
السَّادِس أَن مواقعها انقضاضها أثر العفريت وَقت الرجوم حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة ايضا وَلم يذكر أَبُو الْفرج ابْن الجوزى سوى الثَّلَاثَة الأول وَالْقَوْل الثَّانِي أَن مواقع النُّجُوم هى منَازِل الْقُرْآن ونجومه الَّتِى نزلت على النَّبِي فى مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة قَالَ ابْن عَطِيَّة وَيُؤَيّد هَذَا القَوْل عود الضَّمِير على الْقُرْآن فِي قَوْله ﴿إِنَّه لقرآن كريم فِي كتاب مَكْنُون﴾ وَذَلِكَ ان ذكره لم يتَقَدَّم الا على هَذَا التَّأْوِيل وَمن لَا يتَأَوَّل هَذَا التَّأْوِيل يَقُول ان الضَّمِير يعود على الْقُرْآن وان لم يتَقَدَّم ذكره لشهرة الْأَمر ووضوح الْمَعْنى كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ وكل من عَلَيْهَا فان وَغير ذَلِك قلت وَيُؤَيّد القَوْل الأول انه أعَاد الضَّمِير بِلَفْظ الْإِفْرَاد والتذكير ومواقع النُّجُوم جَمِيع فَلَو كَانَ الضَّمِير عَائِدًا عَلَيْهَا لقَالَ انها لقرآن كريم الا لِأَن يُقَال مواقع النُّجُوم دلّ على الْقُرْآن فَأَعَادَ الضَّمِير
стр. 496
عَلَيْهِ لِأَن مُفَسّر الضَّمِير يكْتَفى فِيهِ بذلك وَهُوَ من أَنْوَاع البلاغة والايجاز فَأن كَانَ المُرَاد من الْقسم نُجُوم الْقُرْآن بَطل استدلاله بِالْآيَةِ وان كَانَ المُرَاد الْكَوَاكِب وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين فَلَمَّا فِيهَا من الْآيَات الدَّالَّة على ربوبية الله تَعَالَى وانفراده بالخلق والابداع فانه لَا ينبغى ان تكون الإلهية أَلا لَهُ وَحده كَمَا انه وَحده المتفرد بخلقها وابداعها وَمَا تضمنته من الْآيَات والعجائب فالإقسام بهَا أوضح دَلِيل على تَكْذِيب الْمُشْركين والمنجمين والدهرية ونوعى المعطلة كَمَا تقدم وَكَذَلِكَ قَوْله والنجم الثاقب على ان فِيهِ قَوْلَيْنِ آخَرين غير القَوْل الذى ذكره
أَحدهمَا أَنه الثريا وَهَذَا قَول ابْن زيد حَكَاهُ عَنهُ أَبُو الْفرج بن الجوزى وَعنهُ رِوَايَة ثَانِيَة انه زحل حَكَاهَا عَنهُ ابْن عَطِيَّة
والثانى انه الجدى حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة عَن ابْن عَبَّاس وَقَول آخر حَكَاهُ أَبُو الْفرج بن الجوزى عَن على بن أَحْمد النَّيْسَابُورِي أَنه جنس النُّجُوم وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فالمدبرات أمرا﴾ فَلم يقل اُحْدُ من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا الْعلمَاء بالتفسير انها النُّجُوم وَهَذِه الرِّوَايَات عَنْهُم فَقَالَ ابْن عَبَّاس هى الْمَلَائِكَة قَالَ عَطاء وكلت بِأُمُور عرفهم الله الْعَمَل بهَا وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن ساباط يدبر أُمُور الدِّينَا أَرْبَعَة جِبْرِيل وَهُوَ مُوكل بِالْوَحْي والجنود وَمِيكَائِيل وَهُوَ مُوكل بالقطر والنبات وَملك الْمَوْت وَهُوَ مُوكل بِقَبض الْأَنْفس واسرافيل وَهُوَ ينزل بِالْأَمر عَلَيْهِم وَقيل جِبْرِيل للوحي واسرافيل للصور وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فالمدبرات أمرا الْمَلَائِكَة تنزل بالحلال وَالْحرَام وَلم يذكر المتوسعون فِي نقل أَقْوَال الْمُفَسّرين كَانَ الجوزى والماوردى وَابْن عَطِيَّة غير الْمَلَائِكَة حَتَّى قَالَ ابْن عَطِيَّة وَلَا أحفظ فلَانا انها الْمَلَائِكَة هَذَا مَعَ توسعه فِي النَّقْل وزيادته فِيهِ على ابي الْفرج وَغَيره حَتَّى انه لينفرد بأقوال لَا يحكيها غَيره فتفسير المدبرات بالنجوم كذب على الله وعَلى الْمُفَسّرين وَكَذَلِكَ المقسمات امرا لم يقل أحد من أهل التَّفْسِير الْعَالمين بِهِ أَنَّهَا النُّجُوم بل قَالُوا هى الْمَلَائِكَة الَّتِى تقسم أَمر الملكوت باذن رَبهَا من الأرزاق والآجال والخلق فِي الْأَرْحَام وَأمر الرِّيَاح وَالْجِبَال قَالَ ابْن عَطِيَّة لِأَن كل هَذَا إِنَّمَا هُوَ بملائكة تخدمه فالآية تَتَضَمَّن جَمِيع الْمَلَائِكَة لأَنهم كلهم فِي أُمُور مُخْتَلفَة قَالَ أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وائلة كَانَ على بن أبي طَالب علم الْمِنْبَر فَقَالَ لَا تسْأَلُون عَن آيَة من كتاب الله وَسنة مَاضِيَة أَلا قلت لكم فَقَامَ إِلَيْهِ ابْن الْكواء فَسَأَلَهُ عَن الذاريات ذَروا فالحملات وَقَرَأَ فَالْجَارِيَات يسرا فَالْمُقَسِّمَات أمرا فَقَالَ الذاريات الرِّيَاح والحاملات السَّحَاب والجاريات السفن والمقسمات الْمَلَائِكَة ثمَّ قَالَ سل سُؤال تعلم وَلَا تسْأَل سُؤال تعنت وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْفرج وَلم يذكر فِيهِ خلافًا فِي المقسمات امرا يعْنى الْمَلَائِكَة تقسم الْأُمُور على مَا امْر الله بِهِ قَالَ ابْن السَّائِب المقسمات أَرْبَعَة جِبْرِيل وَهُوَ صَاحب الْوَحْي والغلظة يعْنى الْعقُوبَة على أَعدَاء الرُّسُل وَمِيكَائِيل وَهُوَ صَاحب الرزق وَالرَّحْمَة وإسرافيل وَهُوَ صَاحب الصُّور واللوح وعزرائيل وَهُوَ قَابض الْأَرْوَاح فتفسير الْآيَة
стр. 497
بِأَنَّهَا النُّجُوم تَفْسِير المنجمين وَمن سلك سبيلهم وَأما وَصفه تَعَالَى بعض الْأَيَّام بِأَنَّهَا أَيَّام نحس كَقَوْلِه ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّام نحسات﴾ فَلَا ريب أَن الْأَيَّام الَّتِي أوقع الله سُبْحَانَهُ فِيهَا الْعقُوبَة بأعدائه وأعداء رسله كَانَت أَيَّامًا نحسات عَلَيْهِم لِأَن النحس أَصَابَهُم فِيهَا وَإِن كَانَت أَيَّام خير لأوليائه الْمُؤمنِينَ فَهِيَ نحس على المكذبين سعد الْمُؤمنِينَ وَهَذَا كَيَوْم الْقِيَامَة فَإِنَّهُ عسير على الْكَافرين يَوْم نحس لَهُم يسير على الْمُؤمنِينَ يَوْم سعد لَهُم قَالَ مُجَاهِد أَيَّام نحسات مشائيم وَقَالَ الضَّحَّاك مَعْنَاهُ شَدِيد أَي الْبرد حَتَّى كَانَ الْبرد عذَابا لَهُم قَالَ أَبُو عَليّ وَأنْشد الاصمعي فِي النحس بِمَعْنى الْبرد:
كَانَ سلافة عرضت بنحس ... يحِيل شفيفها المَاء الزلالا
وَقَالَ ابْن عَبَّاس نحسات مُتَتَابِعَات وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم ريحًا صَرْصَرًا فِي يَوْم نحس مُسْتَمر﴾ وَكَانَ الْيَوْم نحسا عَلَيْهِم لإرسال الْعَذَاب عَلَيْهِم أَي لَا يقْلع عَنْهُم كَمَا تقلع مصائب الدُّنْيَا عَن أَهلهَا بل هَذَا النحس دَائِم على هَؤُلَاءِ المكذبين للرسل ومستمر صفة للنحس لَا لليوم وَمن ظن أَنه صفة لليوم وانه كَانَ يَوْم أربعاء آخر الشَّهْر وَأَن هَذَا الْيَوْم نحس أبدا فقد غلط واخطأ فهم الْقُرْآن فان الْيَوْم الْمَذْكُور بِحَسب مَا يَقع فِيهِ وَكم لله من نعْمَة على أوليائه فِي هَذَا الْيَوْم وان كَانَ لَهُ فِيهِ بلايا ونقم على أعدائه كَمَا يَقع ذَلِك فِي غَيره من الْأَيَّام فسعود الْأَيَّام ونحوسها إِنَّمَا هُوَ بسعود الْأَعْمَال وموافقتها لمرضاة الرب ونحوس الْأَعْمَال مخالفتها لما جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَالْيَوْم الْوَاحِد يكون يَوْم سعد لطائفة ونحس لطائفه كَمَا كَانَ يَوْم بدر يَوْم سعد للْمُؤْمِنين وَيَوْم نحس على الْكَافرين فَمَا للكوكب والطالع والقرانات وَهَذَا السعد والنحس وَكَيف يستنبط علم أَحْكَام النُّجُوم من ذَلِك وَلَو كَانَ الْمُؤثر فِي هَذَا النحس هُوَ نفس الْكَوْكَب والطالع لَكَانَ نحسا على الْعَالم فَأَما أَن يَقْتَضِي الْكَوْكَب كَونه نحسا لطائفة سَعْدا لطائفة فَهَذَا هوالمحال
فصل وَأما الِاسْتِدْلَال بِالْآيَاتِ الدَّالَّة على أَن الله سُبْحَانَهُ وضع حركات
هَذِه الأجرام على وَجه ينْتَفع بهَا فِي مصَالح هَذَا الْعَالم بقوله هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب مَا خلق ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ وَقَوله تَعَالَى ﴿تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجا وَجعل فِيهَا سِرَاجًا وقمرا منيرا﴾ الْآيَة فَمن أطرف الِاسْتِدْلَال فَأَيْنَ فِي هَذِه الْآيَات مَا يدل على مَا يَدعِيهِ المنجمون من كذبهمْ وبهتانهم وافترائهم وَلَو كَانَ الْأَمر كَمَا يَدعِيهِ هَؤُلَاءِ الكذابون لكَانَتْ الدّلَالَة وَالْعبْرَة فِيهِ أعظم من مُجَرّد الضياء والنور والحساب ولكان الْأَلْيَق ذكر مَا تَقْتَضِيه من السعد والنحس وتعطيه من السَّعَادَة والشقاوة وتهبه من
стр. 498
الْأَعْمَار والأرزاق والآجال والصنائع والعلوم والمعارف والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية وَسَائِر مَا فِي هَذَا الْعَالم من الْخَيْر وَالشَّر وَأما قَوْله تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجا وَجعل فِيهَا سرجا وقمرا منيرا فَهُوَ تَعْظِيم وثناء مِنْهُ تَعَالَى على نَفسه بِجعْل هَذِه البروج وَالشَّمْس وَالْقَمَر فِي السَّمَاء وَقد اخْتلف فِي البروج الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الْآيَة فَأكْثر السّلف على أَنَّهَا الْقُصُور أَو الْكَوَاكِب الْعِظَام
قَالَ ابْن الْمُنْذر فِي تَفْسِيره حَدثنَا مُوسَى حَدثنَا شُجَاع حَدثنَا ابْن إِدْرِيس عَن ابيه عَن عَطِيَّة جعل فِي السَّمَاء بروجا قَالَ قصورا فِيهَا حرس
حَدثنَا مُوسَى حَدثنَا أَبُو بكر حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة ووكيع عَن اسماعيل عَن يحيى بن رَافع قَالَ قصورا فِي السَّمَاء حَدثنَا مُوسَى حَدثنَا أَبُو بكر حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن ابْن ابي نجيح عَن مُجَاهِد قَالَ النُّجُوم يَعْنِي بروجا وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَة حَدثنَا أَبُو أَحْمد حَدثنَا يعلي حَدثنَا إِسْمَاعِيل عَن أبي صَالح تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء بروجا قَالَ النُّجُوم الْكِبَار وَهَذَا مُوَافق لِمَعْنى اللَّفْظَة فِي اللُّغَة فَإِن الْعَرَب تسمي الْبناء الْمُرْتَفع برجا قَالَ تَعَالَى اينما تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت لَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة وَقَالَ الأخطل:
كَأَنَّهَا برج رومي يشيده ... بِأَن بحض وآجر وأحجار
قَالَ الْأَعْمَش كَانَ أَصْحَاب عبد الله يقرؤنها تبَارك الَّذِي جعل فِي السَّمَاء قصورا وَأما الْمُتَأَخّرُونَ من الْمُفَسّرين فكثير مِنْهُم يذهب إِلَى أَنَّهَا البروج الإثني عشر الَّتِي تَنْقَسِم عَلَيْهَا الْمنَازل كل برج منزلتان وَثلث وَهَذِه الْمنَازل الثَّمَانِية وَالْعشْرُونَ يَبْدُو مِنْهَا للنَّاظِر أَرْبَعَة عشر منزلا ابدا وَيخْفى مِنْهَا أَرْبَعَة عشر منزلا كَمَا أَن البروج يظْهر مِنْهَا أبدا سِتَّة وَيخْفى سِتَّة وَالْعرب تسمى أَرْبَعَة عشر منزلا مِنْهَا شامية وَأَرْبَعَة عشر يَمَانِية فَأول الشامية السرطان وَآخِرهَا السماك الأعزل وَأول اليمانية الغفر وَآخِرهَا الرشا إِذا طلع مِنْهَا منزل من الْمشرق غَابَ رقيبه من الْمغرب وَهُوَ الْخَامِس عشر وَبهَا تَنْقَسِم فُصُول السّنة الْأَرْبَع فللربيع مِنْهَا الْحمل والثور والجوزاء ومنازلها الشَّرْطَيْنِ والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع وللصيف مِنْهَا السرطان والأسد والسنبلة ومنازلها النثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك وللخريف مِنْهَا الْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس ومنازلها الغفر والزبان والأكليل وَالْقلب والشولة والنعائم والبلدة وللشتاء مِنْهَا الجدي والدلو والحوت ومنازلها سعد الذَّابِح وَسعد بلع وَسعد السُّعُود وَسعد الأخبية وَالْفرع الْمُقدم وَيُسمى الأول وَالْفرع الْمُؤخر وَيُسمى الثَّانِي والرشا وَلما كَانَ نزُول الْقَمَر فِي هَذِه الْمنَازل مَعْلُوما بالعيان والمشاهدة ونزول الشَّمْس فِيهَا إِنَّمَا هُوَ بِالْحِسَابِ لَا بِالرُّؤْيَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقر لَهَا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وَالْقَمَر قدرناه﴾
стр. 499
﴿منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم﴾ فَخص الْقَمَر بِذكر تَقْدِير الْمنَازل دون الشَّمْس وَأَن كَانَت مقدرَة الْمنَازل لظُهُور ذَلِك للحس فِي الْقَمَر وَظُهُور تفَاوت نوره بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان فِي كل منزل وَلذَلِك كَانَ الْحساب القمرى أشهر وَأعرف عَن والأمم وَأبْعد من الْغَلَط وَأَصَح للضبط من الْحساب الشمسى ويشترك فِيهِ النَّاس دون الْحساب الشمسى وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الْقَمَر ﴿وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾ وَلم يقل ذَلِك فِي الشَّمْس وَلِهَذَا كَانَت اشهر الْحَج وَالصَّوْم والأعياد ومواسم الْإِسْلَام انما هِيَ على حِسَاب الْقَمَر وسيره ونزوله فِي مَنَازِله لَا على حِسَاب الشَّمْس وسيرها حِكْمَة من الله وَرَحْمَة وحفظا لدينِهِ لاشتراك النَّاس فِي هَذَا الْحساب وَتعذر الْغَلَط وَالْخَطَأ فِيهِ فَلَا يدْخل فِي الدّين من الِاخْتِلَاف والتخليط مَا دخل فِي دين أهل الْكتاب فَهَذَا الَّذِي اُخْبُرْنَا تَعَالَى بِهِ من شَأْن الْمنَازل وسير الْقَمَر فِيهَا وَجعل الشَّمْس سِرَاجًا وضياء يبصر بِهِ الْحَيَوَان وَلَوْلَا ذَلِك لم يبصر ألحيوان فَأَيْنَ هَذَا مِمَّا يَدعِيهِ الكذابون من علم الْأَحْكَام الَّتِى كذبهَا اضعاف صدقهَا ٠
فصل وَأما ماذكره عَن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن أَنه تمسك بِعلم النُّجُوم حِين
قَالَ إِنِّي سقيم فَمن الْكَذِب والافتراء على خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَة اكثر من أَنه نظر نظرة فِي النُّجُوم ثمَّ قَالَ لَهُم إِنِّي سقيم فَمن ظن من هَذَا أَن كلم أَحْكَام النُّجُوم من علم الْأَنْبِيَاء وَأَنَّهُمْ كَانُوا يراعونه ويعانونه فقد كذب على الْأَنْبِيَاء ونسبهم إِلَى مَالا يَلِيق وَهُوَ من جنس من نسبهم إِلَى الكهانة وَالسحر وَزعم أَن تلقيهم الْغَيْب من جنس تلقى غَيرهم وَأَن كَانُوا فَوْقهم فِي ذَلِك لكَمَال نُفُوسهم وَقُوَّة استعدادها وقبولها لفيض العلويات عَلَيْهَا وَهَؤُلَاء لم يعرفوا الْأَنْبِيَاء وَلَا آمنُوا بهم وَإِنَّمَا هم عِنْدهم بِمَنْزِلَة أَصْحَاب الرياضات الَّذين خصوا بِقُوَّة الْإِدْرَاك وَزَكَاة النُّفُوس وَزَكَاة الْأَخْلَاق ونصبوا أنفسهم لإِصْلَاح النَّاس وَضبط امورهم وَلَا ريب أَن هَؤُلَاءِ أبعد الْخلق عَن الْأَنْبِيَاء واتباعهم ومعرفتهم وَمَعْرِفَة مرسلهم وَمَا ارسلهم بِهِ هَؤُلَاءِ فِي شَأْن وَالرسل فِي شَأْن آخر بل هم ضدهم فِي علومهم واعمالهم وهديهم وإرادتهم وطرائقهم ومعادهم وَفِي شَأْنهمْ كُله وَلِهَذَا نجد أَتبَاع هَؤُلَاءِ ضد أَتبَاع الرُّسُل فِي الْعُلُوم والأعمال وَالْهدى والإرادات وَمَتى بعث الله رَسُولا يعانى التنجيم والنرجات والطلسمات والأوفاق والتداخين والبخورات وَمَعْرِفَة القرانات وَالْحكم على الْكَوَاكِب بالسعود والنحوس والحرارة والبرودة والذكورة وَالْأُنُوثَة وَهل هَذِه إِلَّا صنائع الْمُشْركين وعلومهم وَهل بعثت الرُّسُل أَلا بالإنكار على هَؤُلَاءِ ومحقهم ومحق علومهم وَأَعْمَاهُمْ من الأَرْض وَهل للرسل أَعدَاء بِالذَّاتِ إِلَّا هَؤُلَاءِ وَمن سلك سبيلهم وَهَذَا مَعْلُوم بالاضطرار لكل من آمن بالرسل صلوَات
стр. 500
الله وَسَلَامه عَلَيْهِم وَصدقهمْ فِيمَا جاؤا بِهِ وَعرف مُسَمّى رَسُول الله وَعرف مرسله وَهل كَانَ لإِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵊ عَدو مثل هَؤُلَاءِ المنجمين الصابئين وحر إِن كَانَت دَار مملكتهم والخليل أعدى عَدو لَهُم وهم الْمُشْركُونَ حَقًا والأصنام الَّتِى كَانُوا يعبدونها كَانَت صورا وتماثيل للكواكب وَكَانُوا يتخذون لَهَا هياكل وَهِي بيُوت الْعِبَادَات لكل كَوْكَب مِنْهَا هيكل فِيهِ أصنام تناسبه فَكَانَت عِبَادَتهم للأصنام وتعظيمهم لَهَا تَعْظِيمًا مِنْهُم للكواكب الَّتِى وضعُوا الْأَصْنَام عَلَيْهَا وَعبادَة لَهَا وَهَذَا أقوى السببين فِي الشّرك الْوَاقِع فِي الْعَالم وَهُوَ الشّرك بالنجوم وتعظيمها واعتقاد أَنَّهَا أَحيَاء ناطقة وَلها روحانيات تتنزل على عابديها ومخاطبيها فصوروا لَهَا الصُّور الأرضية ثمَّ جعلُوا عبادتها وتعظيمها ذَرِيعَة إِلَى عبَادَة تِلْكَ الْكَوَاكِب واستنزال روحانياتها وَكَانَت الشَّيَاطِين تتنزل عَلَيْهِم وتخاطبهم وتكلمهم وتريهم من الْعَجَائِب مَا يَدعُوهُم إِلَى بذل نُفُوسهم وَأَوْلَادهمْ وَأَمْوَالهمْ لتِلْك الْأَصْنَام والتقرب إِلَيْهَا وَكَانَ مبدأ هَذَا الشّرك تَعْظِيم الْكَوَاكِب وَظن السُّعُود والنحوس وَحُصُول الْخَيْر وَالشَّر فِي الْعَالم مِنْهَا وَهَذَا شرك خَواص الْمُشْركين وأرباب النّظر مِنْهُم وَهُوَ شرك قوم إِبْرَاهِيم ﵊
وَالسَّبَب الثَّانِي عبَادَة الْقُبُور والإشراك بالأموات وَهُوَ شرك قوم نوح ﵊ وَهُوَ أول شرك طرق الْعَالم وفتنته أَعم واهل الإبتلاء بِهِ أَكثر وهم جُمْهُور أهل الْإِشْرَاك وَكَثِيرًا مَا يجْتَمع الْبَيَان فِي حق الْمُشرك يكون مقابريا نجوميا قَالَ تَعَالَى عَن قوم نوح ﴿وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودا وَلَا سواعا وَلَا يَغُوث ويعوق ونسرا﴾
قَالَ البخارى فِي صَحِيحه قَالَ ابْن عَبَّاس كَانَ هَؤُلَاءِ رجَالًا صالحين من قوم نوح فَلَمَّا هَلَكُوا أُوحِي الشَّيَاطِين إِلَى قَومهمْ أَن انصبوا على مجَالِسهمْ الَّتِى كَانُوا يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا أنصابا وسموها بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلم تعبد حَتَّى إِذا هلك أُولَئِكَ وَنسخ الْعلم عبدت وَلِهَذَا لعن النَّبِي الَّذين اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد وَنهى عَن الصَّلَاة إِلَى الْقُبُور وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تجْعَل قبرى وثنا يعبد وَقَالَ اشْتَدَّ غضب الله على قوم اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد وَقَالَ إِن من كَانَ قبلكُمْ كَانُوا يتخذون قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد إِلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد فَإِنِّي انها كم عَن ذَلِك وَأخْبر أَن هَؤُلَاءِ شرار الْخلق عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة وَهَؤُلَاء هم أَعدَاء نوح كَمَا ان الْمُشْركين بالنجوم أَعدَاء إِبْرَاهِيم فنوح عَادَاهُ الْمُشْركُونَ بالقبور وَإِبْرَاهِيم عَادَاهُ الْمُشْركُونَ بالنجوم والطائفتان صوروا الْأَصْنَام على صور معبوديهم ثمَّ عبدوها وَإِنَّمَا بعثت الرُّسُل بمحق الشّرك من الأَرْض ومحق أَهله وَقطع اسبابه وَهدم بيوته ومحاربة أَهله فَكيف يظنّ بِإِمَام الحنفاء وَشَيخ الْأَنْبِيَاء وخليل رب الأَرْض وَالسَّمَاء أَنه كَانَ يتعاطى علم النُّجُوم وَيَأْخُذ مِنْهُ أَحْكَام الْحَوَادِث سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم وَإِنَّمَا كَانَت النظرة الَّتِى نظرها
стр. 501
فِي علم النُّجُوم من معاريض الْأَفْعَال كَمَا كَانَ قَوْله فعله كَبِيرهمْ هَذَا وَقَوله إِنِّي سقيم وَقَوله عَن امْرَأَته سارة هَذِه أُخْتِي من معاريض الْمقَال ليتوصل بهَا إِلَى غَرَضه من كسر الْأَصْنَام كَمَا توصل بتعريضه بقوله هَذِه أُخْتِي إِلَى خلاصها من يَد الْفَاجِر وَلما غلظ فهم عَن كثير من النَّاس وكشفت طباعهم عَن إِدْرَاكه ظنُّوا أَن نظره فِي النُّجُوم ليستنبط مِنْهَا علم الْأَحْكَام وَعلم أَن نجمة وطالعه يقْضى عَلَيْهِ بِالسقمِ وحاشا لله أَن يظنّ ذَلِك بخليله أَو بِأحد من أَتْبَاعه وَهَذَا من جنس معاريض يُوسُف الصّديق صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم حِين تفتيش أوعية أَخِيه عَن الصَّاع فَإِن المفتش بَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ مَعَ علمه أَنه لَيْسَ فِيهَا وَأخر وعَاء أَخِيه مَعَ علمه أَنه فِيهَا تعريضا بِأَنَّهُ لَا يعرف فِي أى وعَاء هِيَ ونفيا للتُّهمَةِ عَنهُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ عَالما فِي أى الأوعية هِيَ لبادر إِلَيْهَا وَلم يُكَلف نَفسه تَعب التفتيش لغَيْرهَا فَلهَذَا نظر الْخَلِيل فِي النُّجُوم نظر تورية وتعريض مَحْض يَنْفِي بِهِ عَنهُ تُهْمَة قومه ويتوصل بِهِ إِلَى كيد أصنامهم ٠
فصل وَأما الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى لخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض أكبر من خلق
النَّاس وَإِن المُرَاد بِهِ كبر الْقدر والشرف لَا كبر الجثة فَفِي غَايَة الْفساد فَإِن المُرَاد من الْخلق هَهُنَا الْفِعْل لانفس الْمَفْعُول وَهَذَا من أبلغ الْأَدِلَّة على الْمعَاد أى أَن الذى خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وخلقها أكبر من خَلقكُم كَيفَ يعجزه خَلقكُم بَعْدَمَا تموتون خلقا جَدِيدا وَنَظِير هَذَا فِي قَوْله فِي سُورَة يس أوليس الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم أى مثل هَؤُلَاءِ المنكرين فَهَذَا اسْتِدْلَال بشمول الْقدر للنوعين وَأَنَّهَا صَالِحَة لَهما فَلَا يجوز أَن يثبت تعلقهَا بِأحد المقدورين دون الآخر فَكَذَلِك قَوْله لخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض أكبر من خلق النَّاس أى من لم تعجز قدرته عَن خلق الْعَالم الْعلوِي والسفلي كَيفَ يعجز عَن خلق النَّاس خلقا جَدِيدا بعد مَا أماتهم وَلَا تعرض فِي هَذَا لأحكام النُّجُوم بِوَجْه قطّ وَلَا لتأثير الْكَوَاكِب واما قَوْله تَعَالَى ويتفكرون فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا فَلَا ريب أَن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض من أعظم الْأَدِلَّة على وجود فاطرهما وَكَمَال قدرته وَعلمه وحكمته وانفراده بالربوبية والوحدانية وَمن سوى بَين ذَلِك وَبَين البقة وَجعل الْعبْرَة وَالدّلَالَة وَالْعلم بِوُجُود الرب الْخَالِق البارىء المصور مِنْهُمَا سَوَاء فقد كَابر وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يَدْعُو عباده على النّظر والفكر فِي مخلوقاته الْعِظَام لظُهُور أثر الدّلَالَة فِيهَا وبديع عجائب الصَّنْعَة وَالْحكمَة فِيهَا واتساع مجَال الْفِكر وَالنَّظَر فِي أرجائها وَألا
فَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ... تدل على أَنه وَاحِد ...
وَلَكِن أَيْن الْآيَة وَالدّلَالَة فِي خلق الْعَالم الْعلوِي والسفلي إِلَى خلق القملة والبرغوث
стр. 502
والبقة فَكيف يسمح لعاقل عقله أَن يُسَوِّي بَينهمَا وَيجْعَل الدّلَالَة من هَذَا كالدلالة من الآخر وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يذكر من مخلوقاته للدلالة عَلَيْهِ أشرفها وأظهرها للحس وَالْعقل وأبينها دلَالَة وأعجبها صَنْعَة كالسماء وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَاللَّيْل وَالنَّهَار والنجوم وَالْجِبَال والسحاب والمطر وَغير ذَلِك من آياتة وَلَا يَدْعُو عباده إِلَى التفكر فِي الْقمل والبراغيث والبعوض والبق وَالْكلاب والحشرات وَنَحْوهَا إِنَّمَا يذكر مَا يذكر من ذَلِك فِي سِيَاق ضرب الْأَمْثَال مُبَالغَة فِي الاحتقار والضعف كَقَوْلِه تَعَالَى أَن الَّذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا وَلَو اجْتَمعُوا لَهُ وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا لَا يستنفذوه مِنْهُ فَهُنَا لم يذكر الذُّبَاب فِي سِيَاق الدّلَالَة على إِثْبَات الصَّانِع تَعَالَى وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿مثل الَّذين اتَّخذُوا من دون الله أَوْلِيَاء كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت﴾ فَتَأمل ذكر هَذِه الْمَخْلُوقَات الحقيرة فِي أى سِيَاق وَذكر الْمَخْلُوقَات الْعَظِيمَة فِي أى سِيَاق
وَأما قَول من قَالَ من الْمُتَكَلِّمين المتكلفين أَن دلَالَة حُصُول الْحَيَاة فِي الْأَبدَان الحيوانية أقوى من دلَالَة السَّمَوَات وَالْأَرْض على وجود الصَّانِع تَعَالَى فبناء هَذَا الْقَائِل على الأَصْل الْفَاسِد وَهُوَ إِثْبَات الْجَوْهَر الْفَرد وَإِن تَأْثِير الصَّانِع تَعَالَى فِي خلق الْعَالم الْعلوِي والسفلي هُوَ تركيب تِلْكَ الْجَوَاهِر وتأليفها هَذَا التَّأْلِيف الْخَاص والتركيب جنسه مَقْدُور للبشر وَغَيرهم وَأما الْأَحْدَاث والاختراع فَلَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا الله وَالْقَوْل بالجوهر الْفَرد وَبِنَاء المبدأ والمعاد عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ من اصول الْمُتَكَلِّمين الْفَاسِدَة الَّتِى نازعهم فِيهَا جُمْهُور الْعُقَلَاء قَالُوا وَخلق الله تَعَالَى وإحداثه لما يحدثه من أجسام الْعَالم هُوَ إِحْدَاث لأجزائها وذواتها لَا مُجَرّد تركيب الْجَوَاهِر مُنْفَرِدَة ثمَّ قد فرغ من خلقهَا وصنعه وإبداعه الْآن إِنَّمَا هُوَ فِي تأليفها وتركيبها وَهَذَا من اقوال اهل الْبدع الَّتِى ابتدعوها فِي الْإِسْلَام وبنوا عَلَيْهَا الْمعَاد وحدوث الْعَالم فسلطوا عَلَيْهِم أَعدَاء الْإِسْلَام وَلم يُمكنهُم كسرهم لما بنوا المبدأ والمعاد على أَمر وهمى خيالى وظنوا انه لَا يتم لَهُم القَوْل بحدوث الْعَالم وإعادة الْأَجْسَام إِلَّا بِهِ وَأقَام منازعوهم حجَجًا كَثِيرَة جدا على بطلَان القَوْل بالجوهر واعترافهم بِقُوَّة كثير مِنْهَا وَصِحَّته فأوقع ذَلِك شكا لكثير مِنْهُم فِي أَمر المبدأ والمعاد لبنائه على شفا جرف هار وَأما ائمة الْإِسْلَام وفحول النظار فَلم يعتمدوا على هَذِه الطَّرِيقَة وَهِي عِنْدهم أَضْعَف وأوهي من أَن يبنوا عَلَيْهَا شَيْئا من الدّين فضلا عَن حُدُوث الْعَالم وإعادة الْأَجْسَام وَإِنَّمَا اعتمدوا على الطّرق الَّتِى أرشد الله سُبْحَانَهُ إِلَيْهَا فِي كِتَابه وَهِي حُدُوث ذَات الْحَيَوَان والنبات وَخلق نفس الْعَالم الْعلوِي والسفلي وحدوث السَّحَاب والمطر والرياح وَغَيرهَا من الْأَجْسَام الَّتِى يُشَاهد حدوثها بذواتها لامجرد حُدُوث تأليفها وتركيبها فَعِنْدَ الْقَائِلين بالجوهر لَا يشْهد ان الله أحدث فِي هَذَا الْعَالم شَيْئا من
стр. 503
الْجَوَاهِر وَإِنَّمَا أحدث تأليفها وتركيبها فَقَط وَإِن كَانَ أحداثه بجواهره سَابِقًا مُتَقَدما قبل ذَلِك وَأما الْآن فَإِنَّمَا تحدث الْأَعْرَاض من الِاجْتِمَاع والافتراق وَالْحَرَكَة والسكون فَقَط وَهِي الأكوان عِنْدهم وَكَذَلِكَ الْمعَاد فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يفرق أَجزَاء الْعَالم وَهُوَ اعدامه ثمَّ يؤلفها ويجمعها وَهُوَ الْمعَاد وَهَؤُلَاء احتاجوا إِلَى أَن يستدلوا على كَون عين الْإِنْسَان وجواهره مخلوقة إِذْ الْمشَاهد عِنْدهم بالحس دَائِما هُوَ حُدُوث أَعْرَاض فِي تِلْكَ الْجَوَاهِر من التَّأْلِيف الْخَالِص وَزَعَمُوا أَن كل مَا يحدثه الله من السَّحَاب والمطر والزروع وَالثِّمَار وَالْحَيَوَان فَإِنَّمَا يحدث فِيهِ أعراضا وَهِي جمع الْجَوَاهِر الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة وتفريقها وَزَعَمُوا أَن أحدا لَا يعلم حُدُوث عين من الْأَعْيَان بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بضرورة الْعقل وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك بالاستدلال وَجُمْهُور الْعُقَلَاء من الطوائف يخالفون هَؤُلَاءِ وَيَقُولُونَ الرب لَا يزَال يحدث الْأَعْيَان كَمَا دلّ على ذَلِك الْحس وَالْعقل وَالْقُرْآن فَإِن الْأَجْسَام الْحَادِثَة بِالْمُشَاهَدَةِ ذواتها وأجزاؤها حَادِثَة بعد إِن لم تكن جَوَاهِر مفرقة فاجتمعت وَمن قَالَ غير ذَلِك فقد كَابر الْحس وَالْعقل فَإِن كَون الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان مخلوقا مُحدثا كَائِنا بعد إِن لم يكن أَمر مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لجَمِيع النَّاس وكل أحد يعلم أَنه حدث فِي بطن أمه بعد إِن لم يكن وَإِن عينه حدثت كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا﴾ وَلَيْسَ هَذَا عِنْدهم مِمَّا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بل يسْتَدلّ بِهِ كَمَا هِيَ طَريقَة الْقُرْآن فَإِنَّهُ جعل حُدُوث الْإِنْسَان وخلقه دَلِيلا لَا مدلولا عَلَيْهِ
وَقَوْلهمْ إِن الْحَادِث أَعْرَاض فَقَط وَأَنه مركب من الْجَوَاهِر المفردة قَولَانِ باطلان بل يعلم حُدُوث عين الْإِنْسَان وذاته وَبطلَان الْجَوْهَر الْفَرد وَلَو كَانَ القَوْل بالجوهر صَحِيحا لم يكن مَعْلُوما إِلَّا بأدلة خُفْيَة دقيقة فَلَا يكون من أصُول الدّين بل وَلَا مُقَدّمَة فِيهَا فطريقتهم تَتَضَمَّن جحد الْمَعْلُوم وَهُوَ حُدُوث الْأَعْيَان الْحَادِثَة وذواتها وَإِثْبَات مَا لَيْسَ بِمَعْلُوم بل هُوَ بَاطِل وَهُوَ إِثْبَات الْجَوْهَر الْفَرد وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع استقصاء هَذِه المسئلة وَالْمَقْصُود الْكَلَام على قَوْله إِن الِاسْتِدْلَال بِحُصُول الْحَيَاة فِي بنية الْحَيَوَان على وجود الصَّانِع أقوى من دلَالَة تركيب الاجرام الفلكية وَهُوَ مبْنى على هَذَا الأَصْل الْفَاسِد
فصل وَأما استدلاله بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا﴾ فَعجب من الْعجب فَإِن هَذَا من اقوى الْأَدِلَّة وأبينها على بطلَان قَول المنجمين والدهرية الَّذين يسندون جَمِيع مَا فِي الْعَالم من الْخَيْر وَالشَّر إِلَى النُّجُوم وحركاتها واتصالاتها ويزعمون أَن مَا تَأتي بِهِ من الْخَيْر وَالشَّر فَعَن تَعْرِيف الرُّسُل والأنبياء وَكَذَلِكَ مَا تعطيه من السُّعُود والنحوس وَهَذَا هُوَ السَّبَب الَّذِي سقنا الْكَلَام لأَجله مَعَهم لما حكينا قَوْلهم أَنه لما كَانَت الموجودات فِي الْعَالم
стр. 504
السفلي مترتبة على تَأْثِير الْكَوَاكِب والروحانيات الَّتِي هِيَ مدبرات الْكَوَاكِب وَإِن كَانَ فِي اتصالاتها نظر سعد ونحس وَجب أَن يكون فِي آثارها حسن وقبح فِي الْخلق والأخلاق والعقول الإنسانية مُتَسَاوِيَة فِي النَّوْع فَوَجَبَ أَن يُدْرِكهَا كل عقل سليم وَلَا يتَوَقَّف إِدْرَاكهَا على من هُوَ مثل ذَلِك الْعَاقِل فِي النَّوْع مَا هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ يُرِيد أَن يتفضل عَلَيْكُم إِلَى آخر كلامكم المتضمن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِغَيْر أَمر وَلَا نهي وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَهَذَا هُوَ الْبَاطِل الَّذِي نَفَاهُ الله سُبْحَانَهُ عَن نَفسه وَأخْبر أَنه ظن أعدائه الْكَافرين وَلِهَذَا اتّفق الْمُفَسِّرُونَ على أَن الْحق الَّذِي خلقت بِهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا من الثَّوَاب وَالْعِقَاب فَمن جحد ذَلِك وَجحد رِسَالَة الرُّسُل وَكفر بالمعاد وأحال حوادث الْعَالم على حركات الْكَوَاكِب فقد زعم أَن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ابطل الْبَاطِل وَأَن الْعَالم خلق عَبَثا وَترك سدى وخلى هملا وَغَايَة مَا خلق لَهُ أَن يكون مُتَمَتِّعا باللذات الحسية كَالْبَهَائِمِ فِي هَذِه الْمدَّة القصيرة جدا ثمَّ يُفَارق الْوُجُود وتحدث حركات الْكَوَاكِب أشخاصا مثله هَكَذَا أبدا فَأَي بَاطِل أبطل من هَذَا وَأي عَبث فَوق هَذَا ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم﴾ وَالْحق الَّذِي خلقت بِهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا هُوَ إلهية الرب المتضمنة لكَمَال حكمته وَملكه وامره وَنَهْيه المتضمن لشرعة وثوابه وعقابه المتضمن لعدله وفضله ولقائه فَالْحق الَّذِي وجد بِهِ الْعَالم كَون الله سُبْحَانَهُ هُوَ الْإِلَه الْحق المعبود والآمر الناهي الْمُتَصَرف فِي الممالك بِالْأَمر وَالنَّهْي وَذَلِكَ يسْتَلْزم إرْسَال الرُّسُل وإكرام من اسْتَجَابَ لَهُم وَتَمام الإنعام عَلَيْهِ وإهانة من كفر بهم وكذبهم واختصاصه بالشقاء والهلاك وَذَلِكَ مَعْقُود بِكَمَال حِكْمَة الرب تَعَالَى وَقدرته وَعلمه وعدله وَتَمام ربوبيته وتصرفه وانفراده بالإلهية وجريان الْمَخْلُوقَات على مُوجب حكمته وإلهيته وَملكه التَّام وَأَنه أهل أَن يعبد ويطاع وَأَنه أولى من أكْرم أحبابه وأولياءه بالإكرام الَّذِي يَلِيق بعظمته وغناه وجوده وأهان أعداءه المعرضين عَنهُ الجاحدين لَهُ الْمُشْركين بِهِ المسوين بَينه وَبَين الْكَوَاكِب والأوثان والأصنام فِي الْعِبَادَة بالإهانة الَّتِي تلِيق بعظمته وجلاله وَشدَّة بأسه فَهُوَ الله الْعَزِيز الْعَلِيم غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد الْعقَاب ذُو الطول لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمصير وَهُوَ ذُو الرَّحْمَة الواسعة الَّذِي لَا يرد باسه عَن الْقَوْم الْمُجْرمين أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين وَهُوَ سُبْحَانَهُ خلق الْعَالم الْعلوِي والسفلي بِسَبَب الْحق وَلأَجل الْحق وَضَمنَهُ الْحق فبالحق كَانَ وللحق كَانَ وعَلى الْحق اشْتَمَل وَالْحق هُوَ توحيده وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وَمُوجب ذَلِك وَمُقْتَضَاهُ وَقَامَ بعدله الَّذِي هُوَ الْحق وعَلى الْحق اشْتَمَل فَمَا خلق الله شَيْئا إِلَّا بِالْحَقِّ وللحق وَنَفس خلقه لَهُ حق وَهُوَ شَاهد من شَوَاهِد الْحق فَإِن أَحَق الْحق هُوَ التَّوْحِيد كَمَا
стр. 505
أَن أظلم الظُّلم هُوَ الشّرك ومخلوقات الرب تَعَالَى كلهَا شاهدة لَهُ بِأَنَّهُ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَإِن كل معبود بَاطِل سواهُ وكل مَخْلُوق شَاهد بِهَذَا الْحق إِمَّا شَهَادَة نطق وَإِمَّا شَهَادَة حَال وَإِن ظهر بِفِعْلِهِ وَقَوله خلَافهَا كالمشرك الَّذِي يشْهد حَال خلقه وإبداعه وصنعه لخالقه وفاطره أَنه الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَإِن عبد غَيره وَزعم أَن لَهُ شَرِيكا فشاهد حَاله مكذب لَهُ مُبْطل لشهادة فعله وَقَالَهُ
وَأما قَوْله أَنه لَا يُمكن أَن يُقَال المُرَاد أَنه خلقهَا على وَجه يُمكن الِاسْتِدْلَال بهَا على الصَّانِع الْحَكِيم إِلَى آخر كَلَامه
فَيُقَال لَهُ إِذا كَانَت دلالتها على صانعها أمرا ثَابتا لَهَا لذواتها وذواتها إِنَّمَا وجدت بإيجاده وتكوينه كَانَت دلالتها بِسَبَب فعل الْفَاعِل الْمُخْتَار لَهَا وَلَكِن هَذَا بِنَاء مِنْهُ على أصل فَاسد يكرره فِي كتبه وَهُوَ ان الذوات لَيست بمجعولة وَلَا تتَعَلَّق بِفعل الْفَاعِل وَهَذَا مِمَّا أنكرهُ عَلَيْهِ أهل الْعلم وَالْإِيمَان وَقَالُوا أَن كَونهَا ذواتا وَإِن وجودهَا وأوصافها وكل مَا ينْسب إِلَيْهَا هُوَ بِفعل الْفَاعِل فكونها ذواتا وَمَا يتبع ذَلِك من دلالتها على الصَّانِع كُله بِجعْل الْجَاعِل فَإِنَّهُ لما جعلهَا على هَذِه الصّفة مستلزمة لدلالتها عَلَيْهِ كَانَت دلالتها عَلَيْهِ بجعله فَإِن قيل لَو قدر عدم الْجَاعِل لَهَا لم يرْتَفع كَونهَا ذواتا وَلَو كَانَت ذواتا بجعله لارتفع كَونهَا ذواتا بِتَقْدِير ارتفاعه
قيل مَا تعنى بِكَوْنِهَا ذواتا وَمَا هيات اتعنى بِهِ تحقق ذَلِك فِي الْخَارِج أَو فِي الذِّهْن أَو أَعم مِنْهَا فَإِن عنيت الأول فَلَا ريب فِي بطلَان كَونهَا ذَوَات وَمَا هيات على تَقْدِير ارْتِفَاع الْجَاعِل وَإِن عنيت الثانى فالصور الذهنية مجعولة لَهُ أَيْضا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي علم فإوجد الْخَلَائق الذهنية فِي الْعلم كَمَا أَنه الَّذِي خلق فأوجد الْحَقَائِق الذهنية فِي الْعين فَهُوَ الأكرم الَّذِي خلق وَعلم فَمَا فِي الذِّهْن بتعليمه وَمَا فِي الْخَارِج بخلقه وَإِن عنيت الْقدر الْمُشْتَرك بَين الْخَارِج والذهن وَهُوَ مُسَمّى كَونهَا ذَوَات وَمَا هيات بِقطع النّظر عَن تَقْيِيده بالذهن أَو الْخَارِج قيل لَك هَذِه لَيست بِشَيْء الْبَتَّةَ فَإِن الشَّيْء إِنَّمَا يكون شَيْئا فِي الْخَارِج أَو فِي الذِّهْن وَالْعلم وَمَا لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة خارجية وَلَا ذهنية فَلَيْسَ بِشَيْء بل هُوَ عدم صرف وَلَا ريب ان الْعَدَم لَيْسَ بِفعل فَاعل وَلَا جعل جَاعل
فَإِن قيل هِيَ لَا تنفك عَن أحد الوجودين أما الذهْنِي واما الْخَارِجِي وَلَكِن نَحن أخذناها مُجَرّدَة عَن الوجودين ونظرنا إِلَيْهَا من هَذِه الْحَيْثِيَّة وَهَذَا الِاعْتِبَار ثمَّ حكمنَا عَلَيْهَا بِقطع النّظر عَن تقيدها بذهن أَو خَارج قيل الحكم عَلَيْهَا بِشَيْء مَا يسْتَلْزم تصورها ليمكن الحكم عَلَيْهَا وتصورها مَعَ أَخذهَا مُجَرّدَة عَن الْوُجُود والذهن محَال فَإِن قيل مُسلم أَن ذَلِك محَال وَلَكِن إِذا أخذناه مَعَ وجودهَا الذهْنِي أَو الْخَارِجِي فَهُنَا أَمْرَانِ حَقِيقَتهَا وماهيتها وَالثَّانِي وجودهَا الذهْنِي أَو الْخَارِجِي فَنحْن أخذناها مَوْجُودَة وحكمنا عَلَيْهَا مُجَرّدَة فَالْحكم على جُزْء هَذَا الْمَأْخُوذ الْمَنْصُور
قيل هَذَا الْقدر الْمَأْخُوذ عدم مَحْض كَمَا تقدم والعدم لَا يكون بِجعْل جَاعل ونكتة الْمَسْأَلَة أَن
стр. 506
الذوات من حَيْثُ هِيَ ذَوَات أما أَن تكون وجودا اَوْ عدما فَإِن كَانَت وجودا فَهِيَ بِجعْل الْجَاعِل وَإِن كَانَت عدما فالعدم كاسمه لَا يتَعَلَّق بِجعْل الْجَاعِل ٠
فصل وَأما قَوْله إِن إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه كَانَ اعْتِمَاده فِي
إِثْبَات الصَّانِع على الدَّلَائِل الفلكية كَمَا قَرَّرَهُ فَيُقَال من الْعجب ذكركُمْ لخليل الرَّحْمَن فِي هَذَا الْمقَام وَهُوَ أعظم عَدو لعباد الْكَوَاكِب والأصنام الَّتِى اتَّخذت على صورها وهم أعداؤه الَّذين ألقوه فِي النَّار حَتَّى جعلهَا الله عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا وَهُوَ ﵇ أعظم الْخلق بَرَاءَة مِنْهُم وَأما ذَلِك التَّقْرِير الَّذِي قَرَّرَهُ الرَّازِيّ فِي المناظرة بَينه وَبَين الْملك الْمُعَطل فمما لم يخْطر بقلب إِبْرَاهِيم وَلَا بقلب الْمُشرك وَلَا يدل اللَّفْظ عَلَيْهَا الْبَتَّةَ وَتلك المناظرة الَّتِى ذكرهَا الرَّازِيّ تشبه أَن تكون مناظرة بَين فيلسوف ومتكلم فَكيف يسوغ أَن يُقَال أَنَّهَا هِيَ المرادة من كَلَام الله تَعَالَى فيكذب على الله وعَلى خَلِيله وعَلى الْمُشرك الْمُعَطل وَإِبْرَاهِيم أعلم بِاللَّه ووحدانيته وَصِفَاته من أَن يوحي إِلَيْهِ بِهَذِهِ المناظرة وَنحن نذْكر كَلَام أَئِمَّة التَّفْسِير فِي ذَلِك ليفهم معنى المناظرة ومادل عَلَيْهِ الْقُرْآن من تقريرها قَالَ ابْن جرير معنى الْآيَة ألم تَرَ يَا مُحَمَّد إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه حِين قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحي وَيُمِيت يعْنى بذلك رَبِّي الَّذِي بِيَدِهِ الحياه وَالْمَوْت يحي من يَشَاء وَيُمِيت من أَرَادَ بعد الْإِحْيَاء قَالَ أَنا أفعل ذَلِك فإحيي وأميت أستحي من أردْت قَتله فَلَا أَقتلهُ فَيكون ذَلِك منى إحْيَاء لَهُ وَذَلِكَ عِنْد الْعَرَب يُسمى إحْيَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا﴾ واقتل آخر فَيكون ذَلِك منى إماتة لَهُ قَالَ إِبْرَاهِيم لَهُ فَإِن الله هُوَ الَّذِي يَأْتِي بالشمس من مشرقها فَإِن كنت صَادِقا إِنَّك آله فأت بهَا من مغْرِبهَا قَالَ الله ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾ يعْنى انْقَطع وَبَطلَت حجَّته ثمَّ ذكر من قَالَ ذَلِك من السّلف فروى عَن قَتَادَة ذكر لنا أَنه دَعَا برجلَيْن فَقتل أَحدهمَا واستحيا الآخر وَقَالَ أَنا أَحَي هَذَا وأميت هَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم عِنْد ذَلِك فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فَاتَ بهَا من الْمغرب وَعَن مُجَاهِد أَنا أحيي وأميت أقتل من شِئْت وأستحيي من شِئْت أَدَعهُ حَيا فَلَا أَقتلهُ وَقَالَ ابْن وهب حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم أَن الْجَبَّار قَالَ لإِبْرَاهِيم أَنا أحيي وأميت إِن شِئْت قتلتك وَأَن استحييتك فَقَالَ إِبْرَاهِيم إِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فَاتَ بهَا من الْمغرب فبهت الَّذِي كفر وَقَالَ الرّبيع لما قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت قَالَ هُوَ يعْنى نمْرُود فَأَنا أحيي وأميت فَدَعَا برجلَيْن فاستحيا أَحدهمَا وَقتل الآخر وَقَالَ أَنا أحيي وأميت أى أستحي من شِئْت فَقَالَ إِبْرَاهِيم فَأن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق قَالَ السدى لما خرج إِبْرَاهِيم من النَّار أدخلوه على الْملك وَلم يكن قبل ذَلِك دخل عَلَيْهِ فَكَلمهُ وَقَالَ لَهُ من رَبك قَالَ رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت قَالَ نمْرُود أَنا احيي وأميت أَنا آخذ
стр. 507
أَرْبَعَة نَفرا فأدخلهم بَيْتا فَلَا يطْعمُون وَلَا يسقون حَتَّى إِذا هَلَكُوا من الْجُوع أطعمت اثْنَيْنِ وسقيتهما فعاشا وَتركت الْإِثْنَيْنِ فماتا فَعرف إِبْرَاهِيم ان لَهُ قدرَة بسلطانه وَملكه على أَن يفعل ذَلِك قَالَ إِبْرَاهِيم فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب فبهت الَّذِي كفر وَقَالَ إِن هَذَا إِنْسَان مَجْنُون فأخرجوه أَلا ترَوْنَ أَنه من جُنُونه اجترأ على آلِهَتكُم فَكَسرهَا وَأَن النَّار لم تَأْكُله وخشى أَن يفتضح فِي قومة وَكَانَ يزْعم أَنه رب فَأمر بإبراهيم فَأخْرج وَقَالَ مُجَاهِد أحيي فَلَا أقتل وأميت من قتلت وَقَالَ ابْن جريج أُتِي برجلَيْن فَقتل أَحدهمَا وَترك الآخر فَقَالَ أَنا أحيي وأميت فأميت من قتلت وأحيي فَلَا أقتل وَقَالَ ابْن إِسْحَاق ذكر لنا وَالله أعلم أَن نمْرُود قَالَ لإِبْرَاهِيم أَرَأَيْت إلهك هَذَا الَّذِي تعبد وَتَدْعُو إِلَى عِبَادَته وتذكر من قدرته الَّتِى تعظمه بهَا على غَيرهَا مَا هِيَ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت قَالَ نمْرُود أَنا أحيي وأميت فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم كَيفَ تحيي وتميت قَالَ آخذ الرجلَيْن قد استوجيا الْقَتْل فِي حكمى فَاقْتُلْ أَحدهمَا فَأَكُون قد أمته وأعفو عَن عَن الآخر فَاتْرُكْهُ فَأَكُون قد أحييته فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم عِنْد ذَلِك فَأن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فَاتَ بهَا من الْمغرب أعرف أَنه كَمَا تَقول فبهت عِنْد ذَلِك نمْرُود وَلم يرجع إِلَيْهِ شَيْئا وَعرف أَنه لَا يُطيق ذَلِك فَهَذَا كَلَام السّلف فِي هَذِه المناظرة وَكَذَلِكَ سَائِر الْمُفَسّرين بعدهمْ لم يقل أحد مِنْهُم قطّ أَن معنى الْآيَة أَن هَذَا الْإِحْيَاء والإماتة حَاصِل منى وَمن كل أحد فَأن الرجل قد يكون مِنْهُ الْحُدُوث بِوَاسِطَة تمزيج الطبائع وتحريك الأجرام الفلكية بل نقطع بِأَن هَذَا لم يخْطر بقلب الْمُشرك المناظر الْبَتَّةَ وَلَا كَانَ هَذَا مُرَاده فَلَا يحل تَفْسِير كَلَام الله بِمثل هَذِه الأباطيل ونسأل الله أَن يعيذنا من القَوْل عَلَيْهِ بِمَا لم نعلم فَإِنَّهُ أعظم الْمُحرمَات على الْإِطْلَاق وأشدها إِثْمًا وَقد ظن جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ وأرباب الجدل أَن إِبْرَاهِيم أنتقل مَعَ الْمُشرك من حجَّة إِلَى حجَّة وَلم يجبهُ عَن قَوْله أَنا أحيي وأميت قَالُوا وَكَانَ يُمكنهُ أَن يتم مَعَه الْحجَّة الأولى بِأَن يَقُول مرادى بالأحياء إحْيَاء الْمَيِّت وإيجاد الْحَيَاة فِيهِ لَا استبقاؤه على حَيَاته وَكَانَ يُمكنهُ تتميمها بمعارضته فِي نَفسهَا بِأَن يَقُول فأحيي من أمت وَقلت ان كنت صَادِقا وَلَكِن انْتقل إِلَى حجَّة أوضح من الأولى فَقَالَ إِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فَاتَ بهَا من الْمغرب فَانْقَطع الْمُشرك الْمُعَطل وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ذَكرُوهُ وَلَا هَذَا انْتِقَال بل هَذَا مُطَالبَة لَهُ بِمُوجب دَعْوَاهُ الإلهية وَالدَّلِيل الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ إِبْرَاهِيم قد تموثبت مُوجبه فَلَمَّا ادّعى الْكَافِر أَنه يفعل كَمَا يفعل الله فَيكون إِلَهًا مَعَ الله طَالبه إِبْرَاهِيم بِمُوجب دَعْوَاهُ مُطَالبَة تَتَضَمَّن بُطْلَانهَا فَقَالَ إِن كنت أَنْت رَبًّا كَمَا تزْعم فتحيي وتميت كَمَا يحيي رَبِّي وَيُمِيت فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فتنصاع لقدرته وتسخيره ومشيئته فَإِن كنت أَنْت رَبًّا فَاتَ بهَا من الْمغرب وَتَأمل قَول الْكَافِر أَنا أحيي وأميت وَلم يقل أَنا الَّذِي أحيي
стр. 508
وأميت يعْنى أَنا أفعل كَمَا يفعل الله فَأَكُون رَبًّا مثله فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم فَأن كنت صَادِقا فافعل مثل فعله فِي طُلُوع الشَّمْس فَإِذا أطلعها من جِهَة فأطلعها انت من جِهَة أخري ثمَّ تَأمل مَا فِي ضمن هَذِه المناظرة من حسن الِاسْتِدْلَال بافعال الرب المشهودة المحسوسة الَّتِى تَسْتَلْزِم وجوده وَكَمَال قدرته ومشيئته وَعلمه ووحدانيته من الْإِحْيَاء والإماتة المشهودين الَّذين لَا يقدر عَلَيْهِمَا إِلَّا الله وَحده وإتيانه تَعَالَى بالشمس من الْمشرق لَا يقدر أحد سواهُ على ذَلِك وَهَذَا برهَان لَا يقبل الْمُعَارضَة بِوَجْه وَإِنَّمَا لَيْسَ عَدو الله وأوهم الْحَاضِرين أَنه قَادر من الْإِحْيَاء والإماتة على مَا هُوَ مماثل لمقدور الرب تَعَالَى فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم فَأن كَانَ الْأَمر كَمَا زعمت فأرني قدرتك على الْإِتْيَان بالشمس من الْمغرب لتَكون مماثله لقدرة الله على الْإِتْيَان بهَا من الْمشرق فَأَيْنَ الِانْتِقَال فِي هَذَا الِاسْتِدْلَال والمناظرة بل هَذَا من أحسن مَا يكون من المناظرة وَالدَّلِيل الثَّانِي مكمل لِمَعْنى الدَّلِيل الأول ومبين لَهُ ومقرر لتضمن الدَّلِيلَيْنِ افعال الرب الدَّالَّة عَلَيْهِ وعَلى وحدانيته وانفراده بالربوبية والإلهية كَمَا لَا تقدر انت وَلَا غير الله على مثلهَا وَلما علم عَدو الله صِحَة ذَلِك وان من هَذَا شَأْنه على كل شَيْء قدير لَا يعجزه شَيْء وَلَا يستصعب عَلَيْهِ مُرَاد خَافَ أَن يَقُول لإِبْرَاهِيم فسل رَبك أَن يَأْتِي بهَا من مغْرِبهَا فيفعل ذَلِك فَيظْهر لأتباعه بطلَان دَعْوَاهُ وَكذبه وانه لَا يصلح للربوبية فبهت وامسك وَفِي هَذِه المناظرة نُكْتَة لَطِيفَة جدا وَهِي أَن شرك الْعَالم إِنَّمَا هُوَ مُسْند إِلَى عبَادَة الْكَوَاكِب والقبور ثمَّ صورت الْأَصْنَام على صورها كَمَا تقدم فتضمن الدليلان اللَّذَان اسْتدلَّ بهما إِبْرَاهِيم إبِْطَال إلهية تِلْكَ جملَة بِأَن الله وَحده هُوَ الَّذِي يحيي وَيُمِيت وَلَا يصلح الْحَيّ الَّذِي يَمُوت للإلهية لَا فِي حَال حَيَاته وَلَا بعد مَوته فَإِن لَهُ رَبًّا قَادِرًا قاهرا متصرفا فِيهِ إحْيَاء وإماتة وَمن كَانَ كَذَلِك فَكيف يكون إِلَهًا حَتَّى يتَّخذ الصَّنَم على صورته ويعبد من دونه وَكَذَلِكَ الْكَوَاكِب أظهرها وأكبرها للحس ٠
هَذِه الشَّمْس وَهِي مربوبة مُدبرَة مسخرة لَا تصرف لَهَا فِي نَفسهَا بِوَجْه مَا بل رَبهَا وخالقها سُبْحَانَهُ يَأْتِي بهَا من مشرقها فتنقاد لأَمره ومشيئته فَهِيَ مربوبة مسخرة مُدبرَة لَا أَله يعبد من دون الله ٠
فصل وَأما استدلاله بِأَن النَّبِي نهى عِنْد قَضَاء الْحَاجة عَن اسْتِقْبَال
الشَّمْس وَالْقَمَر واستدبارهما فَكَأَنَّهُ وَالله أعلم لما رأى بعض الْفُقَهَاء قد قَالُوا ذَلِك فِي كتبهمْ فِي آدَاب التخلى وَلَا تسْتَقْبل الشَّمْس وَالْقَمَر ظن أَنهم إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك لنهى النَّبِي عَنهُ فاحتج بِالْحَدِيثِ وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل فَإِن النَّبِي لم ينْقل عَنهُ ذَلِك فِي كلمة وَاحِدَة لَا بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَا ضَعِيف وَلَا مُرْسل وَلَا مُتَّصِل وَلَيْسَ لهَذِهِ الْمَسْأَلَة أصل فِي الشَّرْع وَالَّذين ذكروها من الْفُقَهَاء مِنْهُم من قَالَ الْعلَّة
стр. 509
أَن اسْم الله مَكْتُوب عَلَيْهِمَا وَمِنْهُم من قَالَ لِأَن نورهما من نور الله وَمِنْهُم من قَالَ إِن التنكب عَن استقبالهما واستدبارهما أبلغ فِي التستر وَعدم ظُهُور الفرجين وَبِكُل حَال فَمَا لهَذَا وَلَا أَحْكَام النُّجُوم فان كَانَ هَذَا دَالا على دعواكم فدلالة النَّهْي عَن اسْتِقْبَال الْكَعْبَة بذلك أقوى وَأولى وَأما استدلاله بِأَن النَّبِي قَالَ يَوْم موت وَلَده ابراهيم إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله لَا ينكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فاذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فافزعوا إِلَى الصَّلَاة وَهَذَا الحَدِيث صَحِيح وَهُوَ من أعظم الْحجَج على بطلَان قَوْلكُم فانه ﷺ أخبر أَنَّهُمَا آيتان من آيَات الله وآيات الله لَا يحصيها إِلَّا الله فالمطر والنبات وَالْحَيَوَان وَاللَّيْل وَالنَّهَار وَالْبر وَالْبَحْر وَالْجِبَال وَالشَّجر وَسَائِر الْمَخْلُوقَات آيَاته تَعَالَى الدّلَالَة عَلَيْهِ وَهِي فِي الْقُرْآن أَكثر من أَن نذكرها هَهُنَا فهما آيتان لَا ربان وَلَا إلهان وَلَا ينفعان وَلَا يضران وَلَا لَهما تصرف فِي أَنفسهمَا وذواتهما الْبَتَّةَ فضلا عَن إعطائهما كل مَا فِي الْعَالم من خير وَشر وَصَلَاح وَفَسَاد بل كل مَا فِيهِ من ذراته وأجزائه وكلياته وجزئياته لَهُ تَعَالَى الله عَن قَول المفترين الْمُشْركين علوا كَبِيرا وَفِي وَقَوله لَا ينكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَن موت الْمَيِّت وحياته لَا يكون سَببا فِي انكسافهما كَمَا كَانَ يَقُوله كثير من جهال الْعَرَب وَغَيرهم عِنْد الانكساف إِن ذَلِك لمَوْت عَظِيم أَو لولادة عَظِيم فَأبْطل النَّبِي ذَلِك وَأخْبر أَن موت الْمَيِّت وحياته لَا يُؤثر فِي كسوفهما الْبَتَّةَ
وَالثَّانِي أَنه لَا يحصل عَن انكسافهما موت وَلَا حَيَاة فَلَا يكون انكسافهما سَببا لمَوْت ميت وَلَا لحياة حَيّ وَإِنَّمَا ذَلِك تخويف من الله لِعِبَادِهِ أجْرى الْعَادة بحصوله فِي اوقات مَعْلُومَة بِالْحِسَابِ كطلوع الْهلَال وإبداره وسراره فَأَما سَبَب كسوف الشَّمْس فَهُوَ توَسط الْقَمَر بَين جرم الشَّمْس وَبَين أبصارنا فان الْقَمَر عِنْدهم جسم كثيف مظلم وفلكه دون فلك الشَّمْس فاذا كَانَ على مسامته إِحْدَى نقطتي الرَّأْس أَو الذَّنب أَو قَرِيبا مِنْهُمَا حَالَة الإجتماع من تَحت الشَّمْس حَال بَيْننَا وَبَين نور الشَّمْس كسحابة تمر تحتهَا إِلَى أَن يتجاوزها من الْجَانِب الآخر فَإِن لم يكن للقمر عرض ستر عَنَّا نور كل الشَّمْس وَإِن كَانَ لَهُ عرض فبقدر مَا يُوجِبهُ عرضه وَذَلِكَ أَن الخطوط الشعاعية تخرج من بصر النَّاظر إِلَى المرئي على شكل مخروط راسه عِنْد نقطة الْبَصَر وقاعدته عِنْد جرم المرئي فَإِن وجهنا أبصارنا إِلَى جرم الشَّمْس حَالَة كسوفها فَإِنَّهُ يَنْتَهِي إِلَى الْقَمَر أَو لَا مخروط الشعاع فاذا توهمنا نُفُوذه مِنْهُ إِلَى الشَّمْس وَقع جرم الشَّمْس فِي وسط المخروط وَإِن لم يكن للقمر عرض انكسف كل الشَّمْس وَإِن كَانَ للقمر عرض فبقدر مَا يُوجِبهُ عرضه ينحرف جرم الشَّمْس عَن مخروط الشعاع وَلَا يَقع كُله فِيهِ فينكسف بعضه وَيبقى الْبَاقِي على ضيائه وَذَلِكَ إِذا كَانَ الْعرض المرئي اقل من نصف مَجْمُوع قطر الشَّمْس وَالْقَمَر حَتَّى إِذا سَاوَى الْعرض المرئي نصف مَجْمُوع القطرين كَانَ صفحة الْقَمَر تماس مخروط الشعاع فَلَا ينكسف
стр. 510
وَلَا يكون لكسوف الشَّمْس لبث لِأَن قَاعِدَة المخروط الْمُتَّصِل بالشمس مسَاوٍ لقطريها فَكَمَا ابْتَدَأَ الْقَمَر بالحركة بعد تَمام الموازاة بَينه وَبَين الشَّمْس تحرّك المخروط وابتدأت الشَّمْس بالإسفار إِلَّا أَن كسوف الشَّمْس يخْتَلف باخْتلَاف أوضاع المساكن حَتَّى أَنه يرى فِي بَعْضهَا وَلَا يرى فِي بَعْضهَا وَيرى فِي بَعْضهَا أقل وَفِي بَعْضهَا أَكثر بِسَبَب اخْتِلَاف المنظر إِذْ الكاسف لَيْسَ عارضا فِي جرم الشَّمْس يستوى فِيهِ النظار من جَمِيع الْأَمَاكِن بل الكاسف شَيْء متوسط بَينهَا وَبَين الْأَبْصَار وَهُوَ قريب مِنْهَا والمحجوب عَنَّا بعيد فيختلف التَّوَسُّط باخْتلَاف مَوَاضِع الناظرين وَكَذَلِكَ يخْتَلف كسوف الشَّمْس فِي مباديها وَعند انجلائها فِي كمية مَا ينكسف مِنْهَا وَفِي زمَان كسوفها الَّذِي هُوَ من أول البدو إِلَى وسط الْكُسُوف وَمن وسط الْكُسُوف إِلَى آخر الانجلاء
فَإِن قيل فجرم الْقَمَر أَصْغَر من جرم الشَّمْس بِكَثِير فَكيف يحجب عَنَّا كل الشَّمْس قيل إِنَّمَا يحجب عَنَّا جرم الشَّمْس لقُرْبه منا وَبعدهَا عَنَّا لِأَن الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفين فِي الصغر وَالْكبر إِذا قرب الصَّغِير من الْكَبِير يرى من أَطْرَاف الْكَبِير أَكثر مَا يرى مِنْهَا مَعَ بعد الْأَصْغَر عَنهُ وَكلما بعد الْأَصْغَر عَنهُ وازداد قربه من النَّاظر تناقص مَا يرى من أَطْرَاف الْأَكْبَر إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى حد لَا يرى من الْأَكْبَر شَيْء والحس شَاهد بذلك
وَأما سَبَب خُسُوف الْقَمَر فَهُوَ توَسط الأَرْض بَينه وَبَين الشَّمْس حَتَّى يصير الْقَمَر مَمْنُوعًا من اكْتِسَاب النُّور من الشَّمْس وَيبقى ظلام ظلّ الأَرْض فِي مَمَره لِأَن الْقَمَر لَا ضوء لَهُ أبدا وَأَنه يكْتَسب الضَّوْء من الشَّمْس وَهل هَذَا الِاكْتِسَاب خَاص بالقمر أم يُشَارِكهُ فِيهِ سَائِر الْكَوَاكِب فَفِيهِ قَولَانِ لأرباب الْهَيْئَة: أَحدهمَا أَن الشَّمْس وَحدهَا هِيَ المضيئة بذاتها وَغَيرهَا من الْكَوَاكِب مستضيئة بضيائها على سَبِيل الْعرض كَمَا عرف ذَلِك فِي الْقَمَر وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الْقَمَر مَخْصُوص بالكمودة دون سَائِر الْكَوَاكِب وَغَيره من الْكَوَاكِب مضيئة بذاتها كَالشَّمْسِ ورد هَؤُلَاءِ على ارباب القَوْل الأول بِأَن الْكَوَاكِب لَو استفادت أضواءها من الشَّمْس لاختلف مقادير تِلْكَ الأضواء فِيمَا كَانَ تَحت فلك الشَّمْس مِنْهَا بِسَبَب الْقرب والبعد من الشَّمْس كَمَا فِي الْقَمَر فَإِنَّهُ يخْتَلف ضوؤه بِحَسب قربه وَبعده من الشَّمْس
وَالَّذِي حمل أَرْبَاب القَوْل الأول عَلَيْهِ مَا وجدوه من تعلق حركات الْكَوَاكِب بحركات الشَّمْس وظنوا أَن ضوءها من ضيائها وَلَيْسَ الْغَرَض اسْتِيفَاء الْحجَّاج من الْجَانِبَيْنِ وَمَا لكل قَول وَعَلِيهِ وَالْمَقْصُود ذكر سَبَب الخسوف القمرى وَلما كَانَت الأَرْض جسما كثيفا فَإِذا أشرقت الشَّمْس على جَانب مِنْهَا فَإِنَّهُ يَقع لَهَا ظلّ فِي الْجِهَة الْأُخْرَى لِأَن كل ذِي ظلّ يَقع فِي الْجِهَة الْمُقَابلَة للجرم المضىء فَمَتَى أشرقت عَلَيْهَا من نَاحيَة الشرق وَقعت أظلالها فِي نَاحيَة الغرب وَإِذا وَقعت عَلَيْهَا من نَاحيَة الغرب مَالَتْ أظلالها إِلَى نَاحيَة الْمشرق وَالْأَرْض
стр. 511
أَصْغَر من جرم الشَّمْس بِكَثِير فينبعث ظلها ويرتفع فِي الْهَوَاء على شكل مخروط قَاعِدَته قريبَة من تدوير الارض ثمَّ لَا يزَال ينخرط تدويره حَتَّى يدق ويتلاشى لِأَن قطر الشَّمْس لما كَانَ أعظم من قطر الأَرْض فالخطوط الشعاعية الْمَارَّة من جَوَانِب الشَّمْس إِلَى جَوَانِب الأَرْض تكون متلاقية لَا متوازية فَإِذا مرت على الاسْتقَامَة إِلَى الأَرْض انقذفت على جوانبها فتلتقي لَا محَالة إِلَى نقطة فينحصر ظلّ الأَرْض فِي سطح مخروط فَيكون مخروطا لَا محَالة قَاعِدَته حَيْثُ ينبعث من الأَرْض وَرَأسه عِنْد نقطة تلافي الخطوط وَلَو كَانَ قطر الأَرْض مُسَاوِيا لقطر الشَّمْس لكَانَتْ الخطوط الشعاعية تخرج إِلَيْهَا على التوازي فَيكون الظل متساوي الغلظ إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى مُحِيط الْعَالم وَلَو كَانَ قطر الشَّمْس أَصْغَر من قطر الأَرْض لكَانَتْ الخطوط تخرج على التلاقي فِي جِهَة الشَّمْس وأوسعها عِنْد قطر الأَرْض ولكان الظل يزْدَاد غلظا كلما بعد عَن الأَرْض إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى مُحِيط الْعَالم وَيلْزم من ذَلِك أَن ينخسف الْقَمَر فِي كل اسْتِقْبَال والوجود بِخِلَافِهِ وَلما ثَبت أَن ظلّ الأَرْض مخروطي الشكل وَقد وَقع فِي الْجِهَة الْمُقَابلَة لجِهَة الشَّمْس فَيكون نقطة رَأسه فِي سطح فلك البروج لَا محَالة ويدور بدوران الشَّمْس مسامتا للنقطة الْمُقَابلَة لموْضِع الشَّمْس وَهَذَا الظل الَّذِي يكون فَوق الأَرْض هُوَ اللَّيْل فَإِن كَانَت الشَّمْس فَوق الأَرْض كَانَ الظل تَحت الرض بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا وَنحن فِي ضِيَاء الشَّمْس وَذَلِكَ النَّهَار وَالزَّمَان الَّذِي يوازي دوَام الظل فَوق الأَرْض هُوَ زمَان اللَّيْل فَإِذا اتّفق مُرُور الْقَمَر على محاذاة نقطتى الرَّأْس والذنب حَالَة الِاسْتِقْبَال يَقع فِي مخروط الظل لَا محَالة لِأَن الْخط الْخَارِج من مَرْكَز الْعَالم الْمَار بمركز الشَّمْس ثمَّ بمركز الْقَمَر من الْجَانِب الآخر ينطبق على سهم مخروط الظل فَيَقَع الْقَمَر فِي وسط المخروط فينخسف كُله ضَرُورَة لِأَن الأَرْض تَمنعهُ من قبُول ضِيَاء الشَّمْس فيبقي الْقَمَر على جَوْهَرَة الأصلى فَإِن كَانَ للقمر عرض ينحرف عَن سهم المخروط بَقِي الضَّوْء فِيهِ بِقَدرِهِ وطبعه وَقد يَقع كُله فِي المخروط وَلَكِن يمر فِي جَانب مِنْهُ وَقد يَقع بعضه فِي المخروط ويبقي بعضه خَارِجا وَرُبمَا يماس مخروط الظل وَلَا يَقع من جرمه شَيْء وَإِنَّمَا يخْتَلف هَذَا باخْتلَاف بعده من الْخط الْخَارِج من مَرْكَز الْعَالم الْمَار بمركز الشَّمْس المطابق لسهم المخروط حَتَّى إِذا عظم عرضه بِأَن لَا يبْقى بَينه وَبَين إِحْدَى نقطتي الرَّأْس والذنب أَكثر من ثَلَاثَة عشر دقيقة لَا يماس المخروط أصلا وَإِذا وَقع فِي جَانب مِنْهُ قل مكثه وَرُبمَا لم يكن لَهُ مكث أصلا وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك بِتَقْدِيم معرفَة قطر الظل وقطر يخْتَلف باخْتلَاف أبعاده عَن الأَرْض وَكَذَلِكَ قطر الظل أَيْضا يخْتَلف باخْتلَاف أبعاد الشَّمْس عَن الأَرْض فَإِن الشَّمْس مَتى قربت من الأَرْض كَانَ ظلّ الأَرْض دَقِيقًا قَصِيرا وَإِذا بَعدت عَنْهَا كَانَ ظلّ الأَرْض طَويلا غليظا لِأَنَّهَا مَتى بَعدت عَن الأَرْض يرى قطرها أَصْغَر وَأقرب تلاقيا مِنْهَا وَكلما كَانَ أعظم مِقْدَارًا فِي رأى
стр. 512
الْعين فالخطوط الشعاعية أقصر وَأقرب تلاقيا فَلذَلِك يخْتَلف قطع الْقَمَر غلظ الظل فِي أَوْقَات الكسوفات والموضع الَّذِي يقطعة الْقَمَر من الظل يسمونه فلك الجوزهر وَإِذا عرف عرف قطر الظل وَعرف مِقْدَار قطر نصف الْقَمَر وَجمع بَينهمَا وَنصف ذَلِك وَعرف عرض الْقَمَر إِن كَانَ لَهُ عرض فَإِن كَانَ الْعرض مُسَاوِيا لنصف مَجْمُوع القطرين فَإِن الْقَمَر يماس دَائِرَة الظل وَلَا ينكسف وَإِن كَانَ الْعرض أقل من نصف مجموعهما فَإِنَّهُ ينكسف فَينْظر إِن كَانَ مُسَاوِيا لنصف قطر الظل انكسف من الْقَمَر مثل نصف صفحته وَإِن كَانَ الْعرض أقل من نصف قطر الظل فينتقص الْعرض من نصف قطر الظل فَإِن كَانَ الْبَاقِي مثل قطر الْقَمَر انكسف كُله وَلَا يكون لَهُ مكث وَإِذا لم يكن لَهُ عرض انكسف كُله وَيمْكث زَمَانا أَكثر وأطول مَا يَمْتَد زمَان الْكُسُوف الْقمرِي أَربع سَاعَات وَأما زمَان لكسوف الشمسى فَلَا يزِيد على ساعتين وكسوف الْقَمَر يخْتَلف باخْتلَاف أوضاع المساكن إِذْ الْكُسُوف عَارض فِي جِهَة وَهُوَ عبوره فِي ظلام ظلّ الأَرْض بِخِلَاف كسوف الشَّمْس وَإِنَّمَا يخْتَلف الْوَقْت فَقَط بِأَن يكون فِي بعض المساكن على مضى سَاعَة من اللَّيْل وَفِي بَعْضهَا على مضى نصف سَاعَة وَقد يطلع منكسفا فِي بعض المساكن وينكسف بعد الطُّلُوع فِي بَعْضهَا وَقد لَا يرى منكسفا أصلا إِذا كَانَت الشَّمْس فَوق الأَرْض حَالَة الِاسْتِقْبَال وَيرى الخسوف فِي الْقَمَر أبدا يكون من طرفه الشَّرْقِي إِذْ هُوَ الذَّاهِب إِلَى الِاسْتِقْبَال نَحْو للشرق وَالدُّخُول فِي الظل بحركته ثمَّ ينحرف قَلِيلا قَلِيلا إِلَى الشمَال أَو الْجنُوب فِي بَدْء انجلائه أَيْضا من طرفه الشَّرْقِي وَأما فِي الشَّمْس فبدء الْكُسُوف من طرفها الغربي إِذْ الكاسف لَهَا يَأْتِي إِلَيْهَا من نَاحيَة الغرب وَكَذَلِكَ الانجلاء أَيْضا من الطّرف الغربي لَكِن بانحراف مِنْهُ إِلَى الشمَال والجنوب وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا الْفَصْل وَلم يكن من غرضنا لِأَن كثيرا من هَؤُلَاءِ الأحكاميين يموهون على الْجُهَّال بِأَمْر الْكُسُوف ويؤهمونهم إِن قضاياهم وأحكامهم النجومية من السعد والنحس وَالظفر وَالْغَلَبَة وَغَيرهَا هِيَ من جنس الحكم بالكسوف فَيصدق بذلك الأغمار والرعاع وَلَا يعلمُونَ أَن الْكُسُوف يعلم بِحِسَاب سير النيرين فِي منازلهما وَذَلِكَ أَمر قد أجْرى الله تَعَالَى الْعَادة المطردة بِهِ كَمَا أجراها فِي الأبدار والسرار والهلال فَمن علم مَا ذَكرْنَاهُ فِي هَذَا الْفَصْل علم وَقت الْكُسُوف ودوامه ومقداره وَسَببه
وَأما انه يَقْتَضِي من التأثيرات فِي الْخَيْر وَالشَّر والسعد والنحس والإماتة والإحياء وَكَذَا وَكَذَا مِمَّا يحكم بِهِ المنجمون فَقَوْل على الله وعَلى خلقه بِمَا لَا يعلمُونَ نعم لَا ننكر أَن الله سُبْحَانَهُ يحدث عِنْد الكسوفين من أفضيته وأقداره مَا يكون بلَاء لقوم ومصيبة لَهُم وَيجْعَل الْكُسُوف سَببا لذَلِك وَلِهَذَا أَمر النَّبِي ﷺ عِنْد الْكُسُوف بالفزع إِلَى مَا ذكر الله وَالصَّلَاة والعتاقة وَالصَّدَََقَة وَالصِّيَام لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء تدفع مُوجب الكسف الَّذِي جعله الله سَببا لما جعله فلولا انْعِقَاد سَبَب التخويف لما أَمر بِدفع مُوجبه بِهَذِهِ
стр. 513
الْعِبَادَات وَللَّه تَعَالَى فِي أَيَّام دهره أَوْقَات يحدث فِيهَا مَا يَشَاء من الْبلَاء والنعماء وَيَقْضِي من الْأَسْبَاب بِمَا يدْفع مُوجب تِلْكَ الْأَسْبَاب لمن قَامَ بِهِ أَو يقلله أَو يخففه فَمن فزع إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب أَو بَعْضهَا انْدفع عَنهُ الشَّرّ الذى جعل الله الْكُسُوف سَببا لَهُ أَو بعضه وَلِهَذَا قل مَا يسلم أَطْرَاف الأَرْض حَيْثُ يخفي الْإِيمَان وَمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل فِيهَا من شَرّ عَظِيم يحصل بِسَبَب الْكُسُوف وتسلم مِنْهُ الْأَمَاكِن الَّتِى يظْهر فِيهَا نور النُّبُوَّة وَالْقِيَام بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل أَو يقل فِيهَا جدا وَلما كسفت الشَّمْس على عهد النبى قَامَ فَزعًا مسرعا يجز رِدَاءَهُ ونادى فِي النَّاس الصَّلَاة جَامِعَة وخطبهم بِتِلْكَ الْخطْبَة البليغة وَأخْبر أَنه لم ير كيومه ذَلِك فِي الْخَيْر وَالشَّر وَأمرهمْ عِنْد حُصُول مثل تِلْكَ الْحَالة بالعتاقة وَالصَّدَََقَة وَالصَّلَاة وَالتَّوْبَة فصلوات الله وَسَلَامه على أعلم الْخلق بِاللَّه وبأمره وشأنه وتعريفه أُمُور مخلوقاته وتدبيره وأنصحهم للْأمة وَمن دعاهم إِلَى مَا فِيهِ سعادتهم فِي معاشهم ومعادهم ونهاهم عَمَّا فِيهِ هلاكهم فِي معاشهم ومعادهم وَلَقَد خفى مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل على طائفتين هلك بسببهما من شَاءَ الله وَنَجَا من شركهما من سبقت لَهُ الْعِنَايَة من الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وقفت مَعَ مَا شاهدته وعلمته من أُمُور هَذِه الْأَسْبَاب والمسببات وإحالة الْأَمر عَلَيْهَا وظنت أَنه لَيْسَ لَهَا شىء فكفرت بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وجحدت المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوات وَغَيرهَا مَا انْتهى إِلَيْهِ علومها ووقفت عِنْده أَقْدَامهَا من الْعلم بِظَاهِر من الْمَخْلُوقَات وَأَحْوَالهَا وَجَاء نَاس جهال رَأَوْهُمْ قد أَصَابُوا فِي بَعْضهَا أَو كثير مِنْهَا فَقَالُوا كل مَا قَالَه هَؤُلَاءِ فَهُوَ صَوَاب لما ظهر لنا من صوابهم وانضاف إِلَى ذَلِك أَن أُولَئِكَ لما وقفُوا على الصَّوَاب فِيمَا أدتهم إِلَيْهِ أفكارهم من الرياضيات وَبَعض الطبيعيات وثقوا بعقولهم وفرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم وظنوا أَن سَائِر مَا خدمته أفكارهم من الْعلم بِاللَّه وشأنه وعظمته هُوَ كَمَا أوقعهم عَلَيْهِ فكرهم وَحكمه حكم مَا شهد بِهِ الْحس من الطبيعيات والرياضيات فتفاقم الشَّرّ وعظمت الْمُصِيبَة وَجحد الله وَصِفَاته وخلقه للْعَالم وإعادته لَهُ وَجحد كَلَامه وَرُسُله وَدينه وَرَأى كثير من هَؤُلَاءِ انهم هم خَواص النَّوْع الإنساني وَأهل الْأَلْبَاب وَأَن ماعداهم هم القشور وَأَن الرُّسُل إِنَّمَا قَامُوا بسياستهم لِئَلَّا يَكُونُوا كَالْبَهَائِمِ فهم بِمَنْزِلَة قُم المارستان وَأما أهل الْعُقُول والرياضيات والأفكار فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الرُّسُل بل هم يعلمُونَ الرُّسُل مَا يصنعونه للدعوة الإنسانية كَمَا تَجِد فِي كتبهمْ وينبغى للرسول أَن يفعل كَذَا كَذَا وَالْمَقْصُود أَن هَؤُلَاءِ لما أوقفتهم أفكارهم على الْعلم بِمَا خفى على كثير من اسرار الْمَخْلُوقَات وطبائعها وأسبابها ذَهَبُوا بأفكارهم وعقولهم وتجاوزوا مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وظنوا أَن إصابتهم فِي الْجَمِيع سَوَاء وَصَارَ الْمُقَلّد لَهُم فِي كفرهم إِذا خطر لَهُ إِشْكَال على مَذْهَبهم أودهمه مَا لَا حِيلَة لَهُ فِي دَفعه من تناقضهم وَفَسَاد أصولهم يحسن الظَّن بهم وَيَقُول لاشك أَن علومهم مُشْتَمِلَة على حِكْمَة
стр. 514
وَالْجَوَاب عَنهُ إِنَّمَا يعسر على إِدْرَاكه لِأَن من لم يحصل الرياضيات وَلم يحكم المنطقيات وتمده عُلُوم قد صقلتها أذهان الْأَوَّلين وأحكمتها أفكار الْمُتَقَدِّمين فالفاضل كل الْفَاضِل من يفهم كَلَامهم
وَأما الِاعْتِرَاض عَلَيْهِم وَإِبْطَال فَاسد أصولهم فعندهم من الْمحَال الَّذِي لَا يصدق بِهِ وَهَذَا من خداع الشَّيْطَان وتلبيسه بغروره لهَؤُلَاء الْجُهَّال مقلدى أهل الضلال كَمَا لَيْسَ على أئمتهم وسلفهم بِأَن أوهمهم ان كل مَا نالوه بأفكارهم فَهُوَ صَوَاب كَمَا ظَهرت إصابتهم فِي الرياضيات وَبَعض الطبيعيات فَركب من ضلال هَؤُلَاءِ وَجَهل أتباعهم مَا اشتدت بِهِ البلية وعظمت لأَجله الرزية وَضرب لآجله الْعَالم وَجحد مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَكفر بِاللَّه وَصِفَاته وأفعاله وَلم يعلم هَؤُلَاءِ أَن الرجل يكون أماما فِي الْحساب وَهُوَ أَجْهَل خلق الله بالطب والهيئة والمنطق وَيكون راسا فِي الطِّبّ وَيكون من اجهل الْخلق بِالْحِسَابِ والهيئة وَيكون مقدما فِي الهندسة وَلَيْسَ لَهُ علم بِشَيْء من قضايا الطِّبّ وَهَذِه عُلُوم مُتَقَارِبَة وَالْعَبْد بَينهَا وَبَين عُلُوم الرُّسُل الَّتِى جَاءَت بهَا عَن الله أعظم من العَبْد بَين بَعْضهَا وَبَعض فَإِذا كَانَ الرجل إِمَامًا فِي هَذِه الْعُلُوم وَلم يعلم بِأَيّ شَيْء جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَلَا تحلى بعلوم الْإِسْلَام فَهُوَ كالعامى بِالنِّسْبَةِ إِلَى علومهم بل أبعد مِنْهُ وَهل يلْزم من معرفَة الرجل هَيْئَة الأفلاك والطب والهندسة والحساب أَن يكون عَارِفًا بالآلهيات واحوال النُّفُوس البشرية وصفاتها ومعادها وسعادتها وشقاوتها وَهل هَذَا إِلَّا بِمَنْزِلَة من يظنّ أَن الرجل إِذا كَانَ عَالما بأحوال الْأَبْنِيَة وأوضاعها وَوزن الْأَنْهَار والقنى والقنطرة كَانَ عَالما بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَمَا ينبغى لَهُ وَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ فعلوم هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَة هَذِه الْعُلُوم الَّتِى هِيَ نتائج الأفكار والتجارب فَمَا لَهَا ولعلوم الْأَنْبِيَاء الَّتِى يتلقونها عَن الله بوسائط الْمَلَائِكَة هَذَا وَإِن تعلق الرياضيات الَّتِى هِيَ نظر فِي نوعى الْكمّ الْمُتَّصِل والمنفصل والمنطقيات الَّتِى هى نظر فِي المعقولات الثَّانِيَة وَنسبَة بَعْضهَا إِلَى بعض بِالْكُلِّيَّةِ والجزئية وَالسَّلب والإيجاب وَغير ذَلِك بِمَعْرِِفَة رب الْعَالمين وأسمائه وَصِفَاته وأفعاله وَأمره وَنَهْيه وَمَا جَاءَت بِهِ رسله وثوابه وعقابه وَمن الخدع الإبليسية قَول الْجُهَّال أَن فهم هَذِه الْأُمُور مَوْقُوف على فهم هَذِه القضايا الْعَقْلِيَّة وَهَذَا هُوَ عين الْجَهْل والحمق وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَول الْقَائِل لَا يعرف حُدُوث الرمانة من لم يعرف عدد حباتها وَكَيْفِيَّة تركيبها وطبعها وَلَا يعرف حُدُوث الْعين من لم يعرف عدد طبقاتها وتشريحها وَمَا فِيهَا من التَّرْكِيب وَلَا يعرف حُدُوث هَذَا الْبَيْت من لم يعرف عدد لبنَاته وأخشابه وطبائعها ومقاديرها وَغير ذَلِك من الْكَلَام الَّذِي يضْحك مِنْهُ كل عَاقل وينادي على جهل قَائِله وحمته بل الْعلم بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وأفعاله وَدينه لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء من ذَلِك وَلَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ وآيات الله الَّتِى دَعَا عباده إِلَى النّظر فِيهَا دَالَّة عَلَيْهِ بِأول النّظر دلَالَة يشْتَرك فِيهَا كل سليم الْعقل والحاسة واما أَدِلَّة هَؤُلَاءِ فخيالات وهمية وَشبه عسرة الْمدْرك بعيدَة التَّحْصِيل متناقضة الْأُصُول غير
стр. 515
مؤدية إِلَى معرفَة الله وَرُسُله والتصديق بهَا مستلزمة للكفر بِاللَّه وَجحد مَا جَاءَت بِهِ رسله وَهَذَا لَا يصدق بِهِ إِلَّا من عرف مَا عِنْد هَؤُلَاءِ وَعرف مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل ووازن بَين الْأَمريْنِ فَحِينَئِذٍ يظْهر لَهُ التَّفَاوُت وَأما من قلدهم وَأحسن ظَنّه بهم وَلم يعرف حَقِيقَة مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل فَلَيْسَ هَذَا عشه بل هُوَ فِي أَوديَة هائم حيران ينقاد لكل حيران ٠
يَغْدُو من الْعلم فِي ثَوْبَيْنِ من طمع ... معلمين بحرمان وخذلان
والطائفة الثَّانِيَة رَأَتْ مُقَابلَة هَؤُلَاءِ برد كل مَا قَالُوهُ من حق وباطل وظنوا ان من ضَرُورَة تَصْدِيق الرُّسُل رد مَا علمه هَؤُلَاءِ بِالْعقلِ الضرورى وَعَلمُوا مقدماته بالحس فنازعوهم فِيهِ وتعرضوا لإبطاله بمقدمات جدلية لَا تغنى من الْحق شَيْئا وليتهم مَعَ هَذِه الْجِنَايَة الْعَظِيمَة لم يضيفوا ذَلِك إِلَى الرُّسُل بل زَعَمُوا إِن الرُّسُل جاؤا وَبِمَا يَقُولُونَهُ فسَاء ظن أُولَئِكَ الْمَلَاحِدَة بالرسل وظنوا أَنهم هم أعلم وَأعرف مِنْهُم وَمن حسن ظَنّه بالرسل قَالَ أَنهم لم يخف عَلَيْهِم مَا نقُوله وَلَكِن خاطبوهم بِمَا تحتمله عقولم من الْخطاب الجمهورى النافع لِلْجُمْهُورِ وَأما الْحَقَائِق فكتموها عَنْهُم وَالَّذِي سلطهم على ذَلِك جحد هَؤُلَاءِ لحقهم ومكابرتهم إيَّاهُم على مَا لايمكن المكابرة عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ مَعْلُوم لَهُم بِالضَّرُورَةِ كمكابرتهم إيَّاهُم فِي كَون الأفلاك كروية الشكل وَالْأَرْض كَذَلِك وَأَن نور الْقَمَر مُسْتَفَاد من نور الشَّمْس وَأَن الْكُسُوف القمرى عبارَة عَن انمحاء ضوء الْقَمَر بتوسط الأَرْض بَينه وَبَين الشَّمْس من حَيْثُ انه يقتبس نوره مِنْهَا وَالْأَرْض كرة وَالسَّمَاء مُحِيطَة بهَا من الجوانب فَإِذا وَقع الْقَمَر فِي ظلّ الأَرْض انْقَطع عَنهُ نور الشَّمْس كَمَا قدمْنَاهُ وكقولهم أَن الْكُسُوف الشمسى مَعْنَاهُ وُقُوع جرم الْقَمَر بَين النَّاظر وَبَين الشَّمْس عِنْد اجْتِمَاعهمَا فِي العقدتين على دقيقة وَاحِدَة وكقولهم بتأثير الْأَسْبَاب المحسوسة فِي مسبباتها وَإِثْبَات القوى والطبائع وَالْأَفْعَال وانفعالات مِمَّا تقوم عَلَيْهِ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة والبراهين اليقينية فيخوض هَؤُلَاءِ مَعَهم فِي إِبْطَاله فيغريهم ذَلِك بكفرهم وإلحادهم وَالْوَصِيَّة لأصحابهم بالتمسك بِمَا هم عَلَيْهِ فَإِذا قَالَ لَهُم هَؤُلَاءِ هَذَا الذى تذكرونه على خلاف الشَّرْع والمصير إِلَيْهِ كفر وَتَكْذيب الرُّسُل لم يستريبوا فِي ذَلِك وَلم يلحقهم فِيهِ شكّ وَلَكنهُمْ يستريبون بِالشَّرْعِ وتنقص مرتبَة الرُّسُل من قُلُوبهم وضرر الدّين وَمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل بهؤلاء من أعظم الضَّرَر وَهُوَ كضرره بأولئك الْمَلَاحِدَة فهما ضرران على الدّين ضَرَر من يطعن فِيهِ وضرر من بنضره بِغَيْر طَريقَة وَقد قيل إِن الْعَدو الْعَاقِل أقل ضَرَرا من الصّديق الْجَاهِل فَإِن الصّديق الْجَاهِل يَضرك من حَيْثُ يقدر أَنه بنقعك والشأن كل الشَّأْن أَن تجْعَل الْعَاقِل صديقك وَلَا تَجْعَلهُ عَدوك وتغريه بمحاربة الدّين وَأَهله ٠ فَإِن قلت فقد أطلت فِي شَأْن الْكُسُوف وأسبابه وَجئْت بِمَا شِئْت بِهِ من الْبَيَان الذى لم يشْهد لَهُ الشَّرْع بِالصِّحَّةِ وَلم يشْهد لَهُ بِالْبُطْلَانِ بل جَاءَ الشَّرْع بِمَا هُوَ أهم مِنْهُ وَأجل فَائِدَة من الْأَمر عِنْد الكسوفين
стр. 516
بِمَا يكون سَببا لصلاح الْأمة فِي معاشها ومعادها وَأما أَسبَاب الْكُسُوف وحسابه وَالنَّظَر فِي ذَلِك فَإِنَّهُ من الْعلم الَّذِي لايضر الْجَهْل بِهِ وَلَا ينفع نفع الْعلم بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَبَين عُلُوم هَؤُلَاءِ فَكيف نصْنَع بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح عَن النبى أَن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله لَا ينخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فافزعوا إِلَى ذكر الله وَالصَّلَاة فَكيف يلائم هَذَا مَا قَالَه هَؤُلَاءِ فِي الْكُسُوف قيل وأى مناقضة بَينهمَا وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا نفي تَأْثِير الْكُسُوف فِي الْمَوْت والحياة على أحد الْقَوْلَيْنِ أَو نفي تَأْثِير النيرين بِمَوْت أحد أَو حَيَاته على القَوْل الآخر وَلَيْسَ فِيهِ تعرض لإبطال حِسَاب الْكُسُوف وَإِلَّا الْأَخْبَار بِأَنَّهُ من الْغَيْب الذى لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وَأمر النَّبِي عِنْده بِمَا أَمر بِهِ من الْعتَاقَة وَالصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالصَّدَََقَة كأمره بالصلوات عِنْد الْفجْر والغروب والزوال مَعَ تضمن ذَلِك دفع مُوجب الْكُسُوف الَّذِي جعله الله سُبْحَانَهُ سَببا لَهُ فشرع النَّبِي للْأمة عِنْد انْعِقَاد هَذَا السَّبَب مَا هُوَ أَنْفَع لَهُم وأجدى عَلَيْهِم فِي دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بِعلم الْهَيْئَة وشأن الْكُسُوف وأسبابه فَإِن قيل فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه وَالْإِمَام أَحْمد والنسائى من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير قَالَ انكسفت الشَّمْس على عهد النبى فَخرج فَزعًا يجر ثَوْبه حَتَّى أُتِي الْمَسْجِد فَلم يزل يصلى حَتَّى انجلت ثمَّ قَالَ أَن نَاسا يَزْعمُونَ أَن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان إِلَّا لمَوْت عَظِيم من العظماء وَلَيْسَ كَذَلِك أَن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا ينكسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا تجلى الله لشىء من خلقه خشع لَهُ
قيل قد قَالَ أَبُو حَامِد الغزالى ان هَذِه الزِّيَادَة لم يَصح نقلهَا فَيجب تَكْذِيب قَائِلهَا وَإِنَّمَا المروى مَا ذكرنَا يعْنى الحَدِيث الَّذِي لَيست هَذِه الزِّيَادَة فِيهِ قَالَ وَلَو كَانَ صَحِيحا لَكَانَ تَأْوِيله أَهْون من مُكَابَرَة أُمُور قَطْعِيَّة فكم من ظواهر أولت بالأدلة الْعَقْلِيَّة الَّتِى لَا تتبين فِي الوضوح إِلَى هَذَا الْحَد وَأعظم فانفرج بِهِ الملحدة ان يُصَرح نَاصِر الشَّرْع بِأَن هَذَا وامثاله على خلاف الشَّرْع فيسهل عَلَيْهِ طَرِيق إبِْطَال الشَّرْع وَإِن كَانَ شَرطه أَمْثَال ذَلِك وَلَيْسَ الْأَمر فِي هَذِه الزِّيَادَة كَمَا قَالَه أَبُو حَامِد فَأن اسنادها لَا مطْعن فِيهِ قَالَ ابْن مَاجَه حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى وَأحمد بن ثَابت وَحميد بن الْحسن قَالُوا حَدثنَا عبد الْوَهَّاب قَالَ حَدثنَا خَالِد الْحذاء عَن أبي قلَابَة عَن النُّعْمَان بن بشير فَذكره وَهَؤُلَاء كلهم ثِقَات حفاظ لَكِن لَعَلَّ هَذِه اللَّفْظَة مدرجة فِي الحَدِيث من كَلَام بعض الروَاة وَلِهَذَا لَا تُوجد فِي سَائِر أَحَادِيث الْكُسُوف فقد رَوَاهَا عَن النَّبِي بضعَة عشر صحابيا عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَأَسْمَاء بنت أبي بكر وعَلى بن أبي طَالب وَأبي بن كَعْب وَأَبُو هُرَيْرَة وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَجَابِر بن عبد الله فِي حَدِيثه وَسمرَة بن جُنْدُب وَقبيصَة الهلالى وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة فَلم يذكر أحد مِنْهُم هَذِه اللَّفْظَة الَّتِى ذكرت فِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير فَمن هَهُنَا نَخَاف أَن تكون أدرجت فِي الحَدِيث إدراجا
стр. 517
وَلَيْسَت من لفظ رَسُول الله على أَن هَهُنَا مسلكا بعيد المأخذ لطيف المنزع يتقبله الْعقل السَّلِيم والفطرة السليمة وَهُوَ أَن كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر وَجب لَهما من الْخُشُوع والخضوع بانمحاء نورهما وانقطاعه عَن هَذَا الْعَالم مَا يكون فِيهِ سلطانهما وبهاؤهما وَذَلِكَ يُوجب لَا محَالة لَهما من الْخُشُوع والخضوع لرب الْعَالمين وعظمته وجلاله وَمَا يكون سَببا لتجلى الرب ﵎ لَهما وَلَا يستنكرون ان يكون تجلى الله لَهما فِي وَقت معِين كَمَا يدنو من أهل الْموقف عَشِيَّة عَرَفَة وكما ينزل كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدِّينَا عِنْد مضى نصف اللَّيْل فَيحدث لَهما ذَلِك التجلى خشوعا آخر لَيْسَ هُوَ الْكُسُوف وَلم يقل النبى أَن الله إِذا تجلى لَهما انكسفا وَلَكِن اللَّفْظَة فَإِذا تجلى الله لشَيْء من خلقه خشع لَهُ وَلَفظ الإِمَام أَحْمد فِي الحَدِيث إِذا بدا الله لشىء من خلقه خشع لَهُ فَهُنَا خشوعان خشوع أوجبه كسوفهما بذهاب ضوئهما وانمحائه فتجلى الله سُبْحَانَهُ لَهما فَحدث لَهما عِنْد تجليه تَعَالَى خشوع آخر سَبَب التجلى كَمَا حدث للجبل إِذْ تجلى ﵎ لَهُ ان صَار دكا وساخ فِي الأَرْض وَهَذَا غَايَة الْخُشُوع لَكِن الرب ﵎ ثبتهما لتجليه عناية بخلقه لانتظام مصالحهم بهما وَلَو شَاءَ سُبْحَانَهُ لثبت الْجَبَل لتجليه كَمَا ثبتهما وَلَكِن أرى كليمه مُوسَى أَن الْجَبَل الْعَظِيم لم يطق الثَّبَات لَهُ فَكيف تطِيق أَنْت الثَّبَات للرؤية الَّتِى سَأَلتهَا ٠
فصل وَأما استدلاله بِحَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي إِذا ذكر الْقدر
فأمسكوا وَإِذا ذكر أَصْحَابِي فامسكوا وَإِذا ذكر النُّجُوم فامسكوا فَهَذَا الحَدِيث لَو ثَبت لَكَانَ حجَّة عَلَيْهِ لَا لَهُ إِذْ لَو كَانَ علم الْأَحْكَام النجومية حَقًا لَا بَاطِلا لم ينْه عَنهُ النَّبِي وَلَا أَمر بالإمساك عَنهُ فَإِنَّهُ لَا ينْهَى عَن الْكَلَام فِي الْحق بل هَذَا يدل على أَن الخائض فِيهِ خائض فِيمَا لَا علم لَهُ بِهِ وانه لَا ينبغى لَهُ أَن يَخُوض فِيهِ وَيَقُول على الله مَالا يعلم فَأَيْنَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على صِحَة علم أَحْكَام النُّجُوم ٠ وَأما أَحَادِيث النَّهْي عَن السّفر وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب فَصَحِيح من كَلَام المنجمين وَأما رَسُول رب الْعَالمين فبرىء مِمَّن نسب إِلَيْهِ هَذَا الحَدِيث وامثاله وَلَكِن إِذا بعد الْإِنْسَان عَن نور النُّبُوَّة واشتدت غربته عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول جوز عقله مثل هَذَا كَمَا يجوز عقل الْمُشْركين يَقُول النَّبِي لَو حسن أحدكُم ظَنّه بِحجر نَفعه وَهَذَا وَنَحْوه من كَلَام عباد الْأَصْنَام الَّذين حسنوا ظنهم بالأحجار فساقهم حسن ظنهم إِلَى دَار الْبَوَار
وَأما الرِّوَايَة عَن عَليّ أَنه نهى عَن السّفر وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب فَمن الْكَذِب على عَليّ رضى الله عَنهُ وَالْمَشْهُور عَنهُ خلاف ذَلِك وَعَكسه وانه أَرَادَ الْخُرُوج لِحَرْب الْخَوَارِج فاعترضه منجم فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تخرج فَقَالَ لأى شىء قَالَ إِن الْقَمَر فِي الْعَقْرَب فَإِن خرجت أصبت وَهزمَ عسكرك فَقَالَ عَليّ رضى الله عَنهُ مَا كَانَ لرَسُول الله
стр. 518
وَلَا لأبي بكر وَلَا لعمر منجم بل أخرج ثِقَة بِاللَّه وتوكلا على الله وتكذيبا لِقَوْلِك فَمَا سَافر بعد رَسُول الله سفرة أبرك مِنْهَا قتل الْخَوَارِج وكفي الْمُسلمين شرهم وَرجع مؤيدا منصورا فائزا بِبِشَارَة النَّبِي لمن قَتلهمْ حَيْثُ يَقُول شَرّ قَتْلَى تَحت أَدِيم السَّمَاء خير قَتِيل من قَتَلُوهُ وَفِي لفظ طُوبَى لمن قَتلهمْ وَفِي لفظ تقتلهم أولى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَفِي لفظ لَئِن أدركتهم لأقتلنهم قتل عَاد وَقَالَ عَليّ لأَصْحَابه لَوْلَا ان تنكلوا لحدثتكم بِمَا لكم عِنْد الله فِي قَتلهمْ فَكَانَ هَذَا الظفر ببركة خلاف ذَلِك المنجم وتكذيبه والثقة بِاللَّه رب النُّجُوم والاعتماد عَلَيْهِ وَهَذِه سنة الله فِيمَن لم يلْتَفت إِلَى النُّجُوم وَلَا بني عَلَيْهَا حركاته وسكناته وأسفاره وإقامته كَمَا أَن سنته نكبة من كَانَ منقادا لأربابها عَاملا بِمَا يحكمون لَهُ بِهِ وَفِي التجارب من هَذَا مَا يكفى اللبيب الْمُؤمن وَالله الْمُوفق ٠
فصل وَالَّذِي أوجب للمنجمين كَرَاهِيَة السّفر وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب انهم قَالُوا
السّفر امْر يُرَاد لخير من الْخيرَات فَإِذا كَانَ الْوُصُول إِلَى ذَلِك الْأَمر أسْرع كَانَ أَجود فينبغى على هَذَا أَن يكون الْقَمَر فِي برج مُنْقَلب وَالْعَقْرَب برج ثَابت والثوابت عِنْدهم تدل على الْأُمُور البطيئة قَالُوا وَأَيْضًا البرج للمريخ والمريخ عِنْدهم نحس أكبر والنحس ينحس الحظوظ على أَصْحَابهَا فينبغى أَن يكون الْقَمَر فِي برج سعد لِأَن السعد ينفع والنحس يضر وايضا فَإِن هَذَا البرج هُوَ برج هبوط الْقَمَر وَإِذا كَانَ الْكَوْكَب فِي هُبُوطه لَا يلتئم لصَاحبه مَا يُريدهُ ويقصده بل يكون وبالا عَلَيْهِ لِأَن الْكَوْكَب الهابط عِنْدهم كالمنكس وَأَيْضًا فَإِن الْقَمَر عِنْدهم رب تَاسِع الْعَقْرَب وَإِذا كَانَ رب التَّاسِع منحوسا فالسفر مَكْرُوه لِأَن التَّاسِع مَنْسُوب إِلَى السّفر وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْعَقْرَب عِنْدهم شَرّ البروج وَالْقَمَر على الْإِطْلَاق قَالُوا فَلذَلِك ينبغى الحذر من السّفر وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب قَالُوا فَمن كره السّفر إِذا ذَاك فانما يكرههُ بِعِلْمِهِ وعقله وأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب رضى الله عَنهُ أَعقل أهل زَمَانه واعلمهم فَهُوَ اولى بكراهته وَلَيْسَ ذَلِك مَخْصُوصًا عِنْدهم بِالسَّفرِ وَحده بل يكْرهُونَ جَمِيع الابتدا آتٍ والاختيارات وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب وَلما كَانَ الْقَمَر اسرع الْكَوَاكِب حَرَكَة فَهُوَ أولى أَن يكون دَلِيلا على الْأُمُور المنقلبة وَالسّفر أَمر مُنْقَلب وَالْعَقْرَب برج ثَابت غير مُنْقَلب والتجربة وَالْوَاقِع من أكبر شَاهد على تكذيبهم فِي هَذَا الحكم فكم مِمَّن سَافر وَتزَوج وابتدأ وَاخْتَارَ وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب وَتمّ لَهُ مُرَاده على أكمل مَا كَانَ يؤمله وَلَا يزَال النَّاس ينشؤن الْأَسْفَار والابتدا آتٍ والاختيارات فِي كل وَقت وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب وَغَيره ويحمدون عواقب أسفارهم كَمَا أنشأأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ رضى الله عَنهُ سفر جهاده للخوارج وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب وَأَنْشَأَ المعتصم سفر فتح عمورية وَجِهَاد أَعدَاء الله وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب وَقد أجمع الكذابون
стр. 519
انه إِن خرج كسر عسكره وَقتل أَو أسر فَبين الله للْمُسلمين كذبهمْ بذلك الْفَتْح الْجَلِيل وَلَو استقصينا أَمْثَال هَذِه الوقائع لطال الْأَمر جدا وَمن أَرَادَ أَن يعلم كذبهمْ قطعا فليبتدىء سفرا أَو اخْتِيَار اَوْ بِنَاء اَوْ غَيره وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب وليتوكل على الله وليسافر فَإِنَّهُ يرى مَا يغبطه ويسره وَمن أبين الْكَذِب والبهت الْكَذِب على الْحس وَالْوَاقِع وَهَذَا الَّذِي كرهوه وحذروا مِنْهُ لَو كَانَ الْوَاقِع شَاهدا بِهِ لَكَانَ النَّاس لَا يختارون وَلَا يسافرون وَلَا يبتدئون شَيْئا الْبَتَّةَ وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب وَكَانَ عَلَيْهِم بِهَذَا وتجربتهم لَهُ مَعْلُوما بِالضَّرُورَةِ فَكيف وَالْأَمر بِالْعَكْسِ وَأَيْضًا فَيُقَال قد يكون الْقَمَر فِي الْعَقْرَب وتجامعه السُّعُود وهما المُشْتَرِي والزهرة مثلا ويكن رب بَيت السّفر وَبَيت الطالع وَبَيت السّفر أَيْضا سعودات فَهَلا قُلْتُمْ ان السّفر حِينَئِذٍ يكون صَالحا لإجتماع هَذِه السعودات فِي البرج المنقلب واجتماعها يكسبها قُوَّة بل قَالَ قضاؤكم يكون الْقَمَر فِي الْعَقْرَب مسعودا إِن جَامع السُّعُود بل قَالُوا إِن السُّعُود ايضا تنتحس فِيهِ فاذا حل السُّعُود الْعَقْرَب انتحست فِيهِ وَلذَلِك قُلْتُمْ إِن الشَّمْس إِذا حلت ضعفت فِيهِ أَيْضا جدا وَإِن كَانَ مَعَه السعدان أَعنِي المُشْتَرِي والزهرة فَلَو قلب عَلَيْكُم هَذَا الِاسْتِدْلَال وَقيل إِذا حلت السُّعُود فِي هَذَا البرج قوي فعلهَا وتضافر بَعْضهَا مَعَ بعض فقوى السعد باجتماعها وَلم يقوى البرج على انحاسها وَقُوَّة زحل والمريخ النحسين على هَذَا البرج لَا يسْتَلْزم إنحاس هَذِه السُّعُود بل إِن سعادتها تُؤثر فِي نحسها كَانَ من جنس قَوْلكُم وَمن هُنَا قَالَ أَبُو نصر الفارابي وَاعْلَم أَنَّك لَو قلبت أوضاع المنجمين فَجعلت السعد نحسا والنحس سَعْدا والحار بَارِدًا وَعَكسه لكَانَتْ أحكامك من جنس أحكامهم تصيب وتخطىء
فصل وَأما مَا احْتج بِهِ من الْأَثر عَن عَليّ أَن رجلا أَتَاهُ فَقَالَ
إِنِّي أُرِيد السّفر وَكَانَ ذَلِك فِي محاق الشَّهْر فَقَالَ أَتُرِيدُ أَن يمحق الله تجارتك اسْتقْبل هِلَال الشَّهْر بِالْخرُوجِ فَهَذَا لَا يعلم ثُبُوته عَن عَليّ والكذابون كثيرا مَا يُنْفقُونَ سلعهم الباطله بنسبتها إِلَى عَليّ وَأهل بَيته كأصحاب الْقرعَة والجفر والبطاقة والهفت والكميان والملاحم وَغَيرهَا فَلَا يدْرِي مَا كذب على أهل الْبَيْت إِلَّا الله سُبْحَانَهُ ثمَّ لَو صَحَّ هَذَا عَن عَليّ ﵁ لم يكن فِيهِ تعرض لثُبُوت إحكام النُّجُوم بِوَجْه وَلَا ريب أَن اسْتِقْبَال الْأَسْفَار وَالْأَفْعَال فِي أَوَائِل النَّهَار والشهر وَالْعَام لَهَا مزية وَالنَّبِيّ قد قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها وَكَانَ صَخْر الغامدي رَاوِي الحَدِيث إِذا بعث تِجَارَة لَهُ بعثها فِي أول النَّهَار فأثرى وَكثر مَاله وَنسبَة أول النَّهَار نِسْبَة أول الشَّهْر إِلَيْهِ وَأول الْعَام إِلَيْهِ فللأوائل مزية الْقُوَّة وَأول النَّهَار وَالشَّمْس بِمَنْزِلَة شبابه وَآخره بِمَنْزِلَة شيخوخته وَهَذَا أَمر مَعْلُوم بالتجربة وَحِكْمَة الله تَقْتَضِيه
وَأما مَا ذكره عَن الْيَهُودِيّ الَّذِي أخبر ابْن عَبَّاس بِمَا أخبرهُ من موت
стр. 520
ابْنه إِلَى تَمام ذكر الْقِصَّة فَهَذِهِ الْحِكَايَة إِن صحت فهى من جنس أَخْبَار الْكُهَّان بشىء من المغيبات وَقد أخبر ابْن صياد النَّبِي بِمَا خبأ لَهُ فِي ضَمِيره فَقَالَ لَهُ أَنْت من إخْوَان الْكُهَّان وَعلم تقدمه الْمعرفَة لَا تخْتَص يما ذكره المنجمون بل لَهُ عدَّة اسباب يُصِيب ويخطىء وَيصدق الحكم مَعهَا ويكذب مِنْهَا الكهانة وَمِنْهَا المنامات وَمِنْهَا الفأل والزجر وَمِنْهَا السانح والبارح وَمِنْهَا الْكَفّ وَمِنْهَا ضرب الْحَصَى وَمِنْهَا الْحَظ فِي الأَرْض وَمِنْهَا الكشوف المستندة إِلَى الرياضة وَمِنْهَا الفراسة وَمِنْهَا الجزاية وَمِنْهَا علم الْحُرُوف وخواصها إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِى ينَال يها جُزْء يسير من علم الْكُهَّان وَهَذَا نَظِير الْأَسْبَاب الَّتِى يسْتَدلّ بهَا الطَّبِيب والفلاح والطبائعى على أُمُور غيبية بِمَا تَقْتَضِيه تِلْكَ الْأَدِلَّة مِثَال الطَّبِيب إِذا رأى الْجرْح مستديرا حكم بِأَنَّهُ عسر الْبُرْء وَإِذا رَآهُ مستطيلا حكم بِأَنَّهُ أسْرع برءا وَكَذَلِكَ عَلَامَات البحارين وَغَيرهَا وَمن تَأمل مَا ذكره بقراط فِي علائم الْمَوْت رأى الْعَجَائِب وهى عَلَامَات صَحِيحَة مجربة وَكَذَلِكَ مَا علم بِهِ الربان فِي أُمُور تحدث فِي الْبَحْر وَالرِّيح بعلامات تدل على ذَلِك من طُلُوع كَوْكَب أَو غروبه أَو عَلَامَات أُخْرَى فَيَقُول يقطع مطر أَو يحدث ريح كَذَا وَكَذَا أَو يضطرب الْبَحْر فِي مَكَان كَذَا وَوقت كَذَا فَيَقَع مَا يحكم بِهِ وَكَذَلِكَ الْفَلاح يرى عَلَامَات فَيَقُول هَذِه الشَّجَرَة يُصِيبهَا كَذَا وتيبس فِي وَقت كَذَا وَهَذِه الشَّجَرَة لَا تحمل الْعَام وَهَذِه تحمل وَهَذَا النَّبَات يُصِيبهُ كَذَا وَكَذَا لما يرى من عَلَامَات يخْتَص هُوَ بمعرفتها بل هَذَا أَمر لَا يخْتَص بالإنسان بل كثير من الْحَيَوَان يعرف أَوْقَات الْمَطَر والصحو وَالْبرد وَغَيره كَمَا ذكره النَّاس فِي كتب الْحَيَوَان وَالْفرس الردىء الْخلق إِذا رأى اللجام من بعيد نفر وجزع وعض من يُرِيد ان يلجمه علما مِنْهُ بِمَا يكون بعد اللجام وَهَذِه النملة إِذا خزنت الْحبّ فِي بيوتها كَسرته بنصفين علما مِنْهَا بِأَنَّهُ ينْبت إِذا كَانَ صَحِيحا وَأَنه إِذا انْكَسَرَ لَا ينْبت فَإِذا خزنت الْكَفَرَة كسرتها بأَرْبعَة أَربَاع علما مِنْهَا بِأَنَّهَا تنْبت إِذا كسرت بنصفين وَهَذَا السنور يدْفن أَذَاهُ ويغطيه بِالتُّرَابِ علما مِنْهُ بِأَن الفأر تهرب من رَائِحَته فيفوته الصَّيْد ويشمه أَولا فَإِن وجد رَائِحَته شَدِيدَة غطاه بِحَيْثُ يوارى الرَّائِحَة والجرم وَإِلَّا اكْتفى بأيسر التغطية وَهَذَا الْأسد إِذا مَشى فِي لين سحب ذَنبه على آثَار رجلَيْهِ ليفطيها علما مِنْهُ بِأَن الْمَار يرى مواطىء رجلَيْهِ وَيَديه وَإِذا ألف السنور الْمنزل منع غَيره من السنانير الدُّخُول إِلَى ذَلِك الْمنزل وحاربهم أَشد محاربة وهم من جنسه علما مِنْهُ بِأَن أربابه رُبمَا استحسنوه وقدموه عَلَيْهِ أَو شاركوا بَينهمَا فِي الْمطعم وَأَن أَخذ شَيْئا مِمَّا يجْزِيه أَصْحَاب الْمنزل عَنهُ هرب علما بِمَا يكون إِلَيْهِ مِنْهُم من الضَّرْب فَإِذا ضربوه تملقهم أَشد التملق وتمسح بهم ولطع أَقْدَامهم علما مِنْهُ بِمَا يحصله لَهُ الملق من الْعَفو وَالْإِحْسَان وَهَذَا فِي الْحَيَوَان البهيم أَكثر من أَن
стр. 521
نذكرهُ فَلهُ من تقدمة الْمعرفَة مَا يَلِيق بِهِ وللخيل وَالْحمام من ذَلِك عجائب وَكَذَلِكَ الثَّعْلَب وَغَيره فَعلم ان هَذَا أَمر عَام للانسان وَالْحَيَوَان أعْطى من تقدمه الْمعرفَة بِحَسبِهِ وَأَسْبَاب هَذِه التقدمة تخْتَلف والأمم الَّذين لم يتقيدوا بالشرائع لَهُم اعْتِبَار عَظِيم بِهَذَا وَكَذَلِكَ من قل التفاته واعتناؤه بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل فَإِنَّهُ يشْتَد التفاته وَيكثر نظره واعتناؤه بذلك وَأما أَتبَاع الرُّسُل فقد أغناهم الله بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل من الْعُلُوم النافعة والأعمال الصَّالِحَة عَن هَذَا كُله فَلَا يعتنون بِهِ وَلَا يجعلونه من مطالبهم المهمة لِأَن مَا يطلبونه أَعلَى وَأجل من هَذَا وَمَعَ هَذَا فَلهم مِنْهُ أوفر نصيب بِحَسب متابعتهم الرُّسُل من الفراسة الصادقة والمنامات الصَّالِحَة الصَّحِيحَة والكشوفات الْمُطَابقَة وَغَيرهَا وهممهم لَا تقف عِنْد شىء من ذَلِك بل هى طامحة نَحْو كشف مَا جَاءَ بِهِ الرُّسُل من الْهدى وَدين الْحق فِي كل مَسْأَلَة وَهَذَا اعظم الكشوف وأجله وأنفعه فِي الدَّاريْنِ مَعَ كشف عُيُوب النَّفس وآفات الْأَعْمَال واما الْكَشْف الجزئي عَمَّا أكل فلَان وَعَما أحدثه فِي دَاره وَعَما يجرى لَهُ فِي غده وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا ممالا يعبا بِهِ من علت همته وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يعده شَيْئا على أَنه مُشْتَرك بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر فلعباد الْأَصْنَام وَالْمَجُوس والصابئة والفلاسفة وَالنَّصَارَى من ذَلِك شىء كثير وَذَلِكَ لَا يَنْفَعهُمْ عِنْد الله وَلَا يخلصهم من عَذَابه وَهَؤُلَاء الْكُهَّان وَعبيد الْجِنّ والسحرة لَهُم من ذَلِك أُمُور مَعْرُوفَة وهم أكفر الْخلق فغاية هَذَا المنجم الْيَهُودِيّ الَّذِي أخبر ابْن عَبَّاس بِمَا أخبرهُ أَن يكون وَاحِدًا من هَؤُلَاءِ فَكَانَ مَاذَا وَهل يقف عِنْد هَذَا إِلَّا الهمم الدنيئة السفلية الَّتِى لَا نهضة لَهَا إِلَى الله وَالدَّار الْآخِرَة لما يرى لَهَا بذلك من التميز عَن الهمج الرعاع من بني آدم
فصل وَأما احتجاجه بِحَدِيث أبي الدَّرْدَاء لقد توفّي رَسُول الله وَتَركنَا
وَمَا طَائِر يقلب جناحيه إِلَّا وَقد ذكرلنا مِنْهُ علما فَهَذَا حق وَصدق وَهُوَ من أعظم الْأَدِلَّة على إبِْطَال قَوْلكُم وتكذيبكم فِيمَا تَدعُونَهُ من علم أَحْكَام النُّجُوم فَإِنَّهُ ذكرهم على كل شَيْء حَتَّى الخرأة ذكرهم من علم كل طَائِر وكل حَيَوَان وكل مَا فِي هَذَا الْعَالم وَلم يذكرهم من علم أَحْكَام النُّجُوم شَيْئا البته وَهُوَ أجل من هَذَا وَأعظم وَقد صانه الله سُبْحَانَهُ عَن ذَلِك وَإِنَّمَا الذى ذكركُمْ بِهَذِهِ الْأَحْكَام الْمُشْركُونَ عباد الْأَصْنَام وَالْكَوَاكِب مثل بطليموس وبنكلوسا وطمطم صَاحب الدرج وَهَؤُلَاء مشركون عباد أصنام وَكَذَلِكَ أتباعهم أَفلا يستحي رجل أَن يذكر رَسُول الله فِي هَذَا الْمقَام نعم رَسُول الله ذكر أمته من تكذيبكم وكفركم ومعاداتكم والبراءة مِنْكُم والإخبار بأنكم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ مَا يعرفهُ من عرف مَا جَاءَ بِهِ من أمته والبهت والفرية وَالْكذب على الله وَرَسُوله ٠
هَل كَانَ رَسُول الله أَو أحد من أهل بَيته مثبتا لأحكام النُّجُوم
стр. 522
عَاملا بهَا فِي حركاته وسكناته وأسفاره كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف من الْمُشْركين وأتباعهم سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم
وَأما قَوْله أَنه جَاءَ فِي الْآثَار أَن أول من أعْطى هَذَا الْعلم آدم لِأَنَّهُ عَاشَ حَتَّى أدْرك من ذُريَّته أَرْبَعِينَ ألف أهل بَيت وَتَفَرَّقُوا عَنهُ فِي الأَرْض فَكَانَ يغتم لخفاء خبرهم عَلَيْهِ فَأكْرمه الله تَعَالَى بِهَذَا الْعلم فَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يعرف حَال أحدهم حسب لَهُ بِهَذَا الْحساب فيقف على حَالَته فَلَيْسَ هَذَا ببدع من بهت المنجمين والملاحدة وإفكهم وافترائهم على آدم وَقد علمُوا بِالْمثلِ السائر هُنَا: إِذا كذبت فابعد شاهدك ٠
فصل وَأما مَا نسبه إِلَى الشافعى من حكمه بالنجوم على عمر ذَلِك الْمَوْلُود
فَلَقَد نسب الشافعى إِلَى هَذَا الْعلم وَحكمه فِيهِ بِأَحْكَام ليعجز عَن مثلهَا ائمة المنجمين وأظن الذى غره فِي ذَلِك أَبُو عبد الله الْحَاكِم فَإِنَّهُ صنف فِي مَنَاقِب الشافعى كتابا كَبِيرا وَذكر علومه فِي أَبْوَاب وَقَالَ الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي مَعْرفَته تسيير الْكَوَاكِب من علم النُّجُوم وَذكر فِيهِ حكايات عَن الشافعى تدل على تَصْحِيحه لأحكام النُّجُوم وَكَانَ هَذَا الْكتاب وَقع للرازي فتصرف فِيهِ وَزَاد وَنقص وصنف مَنَاقِب الشافعى من هَذَا الْكتاب على أَن فِي كتاب الْحَاكِم من الْفَوَائِد والْآثَار مالم يلم بِهِ الرَّازِيّ وَالَّذِي غر الْحَاكِم من هَذِه الحكايات تساهله فِي إسنادها وَنحن نبينها ونبين حَالهَا ليتبين أَن نِسْبَة ذَلِك إِلَى الشافعى كذب عَلَيْهِ وان الصَّحِيح عَنهُ من ذَلِك مَا كَانَت الْعَرَب تعرفه من علم الْمنَازل والاهتداء بالنجوم فِي الطرقات وَهَذَا هُوَ الثَّابِت الصَّحِيح عَنهُ بأصح إِسْنَاد إِلَيْهِ قَالَ الْحَاكِم حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ قَالَ الشافعى قَالَ الله هُوَ الَّذِي جعل لكم النُّجُوم لتهتدوا بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر ﴿وَقَالَ﴾ وعلامات وبالنجم هم يَهْتَدُونَ كَانَت العلامات جبالا يعْرفُونَ موَاضعهَا من الأَرْض وشمسا وقمرا ونجما مِمَّا يعْرفُونَ من الْفلك ورياحا يعْرفُونَ صفاتها فِي الْهَوَاء تدل على قصد الْبَيْت الْحَرَام وَأما الحكايات الَّتِى ذكرت عَنهُ فِي أَحْكَام النُّجُوم فَثَلَاث حكايات إِحْدَاهَا قَالَ الْحَاكِم قرىء على أبي يعلى حَمْزَة بن مُحَمَّد العلوى وَأكْثر ظنى أَنِّي حَضرته حَدثنَا أَبُو اسحاق إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الآزدى فِي آخَرين قَالُوا حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي يَعْقُوب الجوال الدينورى حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد الْبلوى حَدَّثَنى خالى عمَارَة بن زيد قَالَ كنت صديقا لمُحَمد ابْن الْحسن فَدخلت مَعَه يَوْمًا على هرون الرشيد فساءله ثمَّ أَنِّي سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن وَهُوَ يَقُول إِن مُحَمَّد بن أدريس يزْعم أَن للخلافة أَهلا قَالَ فاستشاط هرون من قَوْله غَضبا ثمَّ قَالَ على بِهِ فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ أطرق سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه اليه فَقَالَ إيها قَالَ الشافعى مَا إيها يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت الداعى وَأَنا الْمَدْعُو وَأَنت السَّائِل وَأَنا الْمُجيب فَذكر حِكَايَة طَوِيلَة
стр. 523
سَأَلَهُ فِيهَا عَن الْعُلُوم ومعرفته بهَا إِلَى أَن قَالَ كَيفَ علمك بالنجوم قَالَ أعرف الْفلك الدائر والنجم السائر والقطب الثَّابِت والمائى والناري وَمَا كَانَت الْعَرَب تسميه الأنواء ومنازل النيرَان وَالشَّمْس وَالْقَمَر والاستقامة وَالرُّجُوع والنحوس والسعود وهيآتها وطبائعها وَمَا اسْتدلَّ بِهِ من بَرى وَيجْرِي وأستدل فِي أَوْقَات صَلَاتي وَأعرف مَا مضى من الْأَوْقَات فِي كل ممسي ومصبح وظعنى فِي أسفارى قَالَ فَكيف علمك بالطب قَالَ اعرف مَا قَالَت الرّوم مثل ارسطاطا لَيْسَ ومهراريس وفرفوريس وجالينوس وبقراط واسد فَلَيْسَ بلغاتهم وَمَا نقل من أطباء الْعَرَب وفلاسفة الْهِنْد ونمقته عُلَمَاء الْفرس مثل حاماسف وشاهمرو وبهم ردويوز جمهر ثمَّ سَاق الْعُلُوم على هَذَا النَّحْو فِي حِكَايَة طَوِيلَة يعلم من لَهُ علم بالمنقولات أَنَّهَا كذب مختلق وافك مفترى على الشافعى وَالْبَلَاء فِيهَا من عِنْد مُحَمَّد بن عبد الله الْبلوى هَذَا فَإِنَّهُ كَذَّاب وَضاع وَهُوَ الَّذِي وضع رحْلَة الشافعى وَذكر فِيهَا مناظرته لأبي يُوسُف بِحَضْرَة الرشيد وَلم ير الشافعى أَبَا يرسف وَلَا اجْتمع بِهِ قطّ وَإِنَّمَا دخل بَغْدَاد بعد مَوته ثمَّ إِن فِي سِيَاق الْحِكَايَة مَا يدل من لَهُ عقل على انها كذب مفترى فَإِن الشافعى لم يعرف لغه هَؤُلَاءِ اليونان الْبَتَّةَ حَتَّى يَقُول إِنِّي أعرف مَا قَالُوهُ بلغاتهم وَأَيْضًا فَإِن هَذِه الْحِكَايَة أَن مُحَمَّد بن الْحسن وشى بالشافعى إِلَى الرشيد وَأَرَادَ قَتله وتعظيم مُحَمَّد الشافعى ومحبته لَهُ وتعظيم الشافعى لَهُ وثناؤه عَلَيْهِ هُوَ الْمَعْرُوف وَهُوَ يدْفع هَذَا الْكَذِب وَأَيْضًا فَإِن الشافعى ﵀ لم يكن يعرف علم الطِّبّ اليوناني بل كَانَ عِنْده من طب الْعَرَب طرف حفظ عَنهُ فِي منثور كَلَامه بعضه كنهيه عَن أكل الباذنجان بِاللَّيْلِ وَأكل الْبيض المصلوق بِاللَّيْلِ وَكَانَ يَقُول عجبا لمن يتعشى ببيض وينام كَيفَ يعِيش وَكَانَ يَقُول عجبا لمن يخرج من الْحمام وَلَا يَأْكُل كَيفَ يعِيش وَكَانَ يَقُول عجبا لمن يحتجم ثمَّ يَأْكُل كَيفَ يعِيش يعْنى عقب الْحجامَة وَكَانَ يَقُول احذر أَن تشرب لهَؤُلَاء الْأَطِبَّاء دَوَاء وَلَا تعرفه وَكَانَ يَقُول لَا تسكن ببلدة لَيْسَ فِيهَا عَالم ينبئك عَن دينك وَلَا طَبِيب ينبئك عَن أَمر بدنك وَكَانَ يَقُول لم أر شَيْئا انفع للوباء من البنفسج يدهن بِهِ وَيشْرب إِلَى امثال هَذِه الْكَلِمَات الَّتِى حفظت عَنهُ فَأَما أَنه كَانَ يعلم طب اليونان وَالروم والهند وَالْفرس بلغاتها فَهَذَا بهت وَكذب عَلَيْهِ قد أعاذة الله عَن دَعْوَاهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَمن لَهُ علم بالمنقولات لَا يستريب فِي كذب هَذِه الْحِكَايَة عَلَيْهِ وَلَوْلَا طولهَا لسقناها ليتبين اثر الصَّنْعَة والوضع عَلَيْهَا
وَأما الْحِكَايَة الثَّانِيَة فَقَالَ الْحَاكِم أخبرنَا أَبُو الْوَلِيد الْفَقِيه قَالَ حدثت عَن الْحسن بن سُفْيَان عَن حَرْمَلَة قَالَ كَانَ الشافعى يديم النّظر فِي كتب النُّجُوم وَكَانَ لَهُ صديق وَعِنْده وَجَارِيَة قد حبلت فَقَالَ إِنَّهَا تَلد إِلَى سَبْعَة
وَعشْرين يَوْمًا وَيكون فِي فَخذ الْوَلَد الْأَيْسَر خَال أسود ويعيش أَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ يَمُوت بِهِ على النَّعْت الذى وصف وَانْقَضَت
стр. 524
مدَّته فَمَاتَ فَأحرق الشافعى بعد ذَلِك تِلْكَ الْكتب وَمَا عاود النّظر فِي شَيْء مِنْهَا وَهَذَا الْإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات لَكِن الشَّأْن فِيمَن حدث أَبَا الْوَلِيد بِهَذِهِ الْحِكَايَة عَن الْحسن بن سُفْيَان أَو فِيمَن حدث بهَا الْحسن عَن حزملة وَهَذِه الْحِكَايَة لَو صحت لوَجَبَ أَن تثنى الخناصر على هَذَا الْعلم وتشد بِهِ الأيدى لَا أَن تحرق كتبه ويهان غَايَة الإهانة وَيجْعَل طعمة للنار وَهَذَا لَا يفعل إِلَّا بكتب الْمحَال وَالْبَاطِل
ثمَّ إِنَّه لَيْسَ فِي الْعَالم طالع للولادة يقتضى هَذَا كُله كَمَا سَنذكرُهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى والطالع عِنْد المنجمين طالعان طالع مسْقط النُّطْفَة وَهُوَ الطالع الأصلى وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَّا الْعلم بِهِ إِلَّا فِي أندر النَّادِر الَّذِي لَا يَقْتَضِيهِ الْوُجُود وَالثَّانِي طالع الْولادَة وهم معترفون أَنه لَا يدل على أَحْوَال الْوَلَد وجزئيات امْرَهْ لِأَنَّهُ انْتِقَال الْوَلَد من مَكَان إِلَى مَكَان وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ بَدَلا من الطالع الأصلى لما تعذر عَلَيْهِم اعْتِبَاره وَهَذَا الْحِكَايَة لَيْسَ فِيهَا أَخذ وَاحِد من الطالعين لِأَن فِيهَا الحكم على الْمَوْلُود قبل خُرُوجه من غير اعْتِبَار طالعه الأصلى والمنجم يقطع بِأَن الحكم على هَذَا الْوَلَد لَا سَبِيل إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِي صناعَة النُّجُوم مَا يُوجب الحكم عَلَيْهِ وَالْحَالة هَذِه وَهَذَا يدل على أَن هَذِه الْحِكَايَة كذب مختلق على الشافعى على هَذَا الْوَجْه وَكَذَلِكَ الْحِكَايَة الثَّالِثَة وَهِي مَا رَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا أنباني عبد الرَّحْمَن بن الْحسن القاضى أَن زَكَرِيَّا بن يحيى الساجى حَدثهمْ أَخْبرنِي أَحْمد بن مُحَمَّد بن بنت الشافعى قَالَ سَمِعت أبي يَقُول كَانَ الشافعى وَهُوَ حدث ينظر فِي النُّجُوم وَمَا نظر فِي شَيْء إِلَّا فاق فِيهِ فَجَلَسَ يَوْمًا وَامْرَأَة تَلد فَحسب فَقَالَ تَلد جَارِيَة عوراء على فرجهَا خَال أسود وَتَمُوت إِلَى كَذَا وَكَذَا فَولدت فَكَانَ كَمَا قَالَ فَجعل على نَفسه أَلا ينظر فِيهِ أبدا وَأمر هَذِه الْحِكَايَة كالتى قبلهَا فَأن ابْن بنت الشافعى لم يلق الشافعى وَلَا رَآهُ والشأن فِيمَن حَدثهُ بِهَذَا عَنهُ وَالَّذِي عندى فِي هَذَا أَن النَّاقِل إِن أحسن بِهِ الظَّن فَإِنَّهُ غلط على الشافعى والشافعى كَانَ من أَفرس النَّاس وَكَانَ قد قَرَأَ كتب الفراسة وَكَانَت لَهُ فِيهَا الْيَد الطُّولى فَحكم فِي هَذِه الْقَضِيَّة وأمثالها بالفراسة فَأصَاب الحكم فَظن النَّاقِل أَن الْحَاكِم كَانَ يسْتَند إِلَى قضايا النُّجُوم وأحكامها وَقد برأَ الله من هُوَ دون الشافعى من ذَلِك الهذيان فَكيف بِمثل الشافعى ﵀ فِي عقله وَعلمه ومعرفته حَتَّى يروج عَلَيْهِ هذيان المنجمين الَّذِي لَا يروج إِلَّا على جَاهِل ضَعِيف الْعقل وتنزيه الشافعى ﵀ عَن هَذَا هُوَ الذى ينبغى أَن يكون من مناقبه فَأَما أَن يذكر فِي مناقبه أَنه كَانَ منجما يرى القَوْل بِأَحْكَام النُّجُوم وتصحيحها فَهَذَا فعل من يذم بِمَا يَظُنّهُ مدحا وَإِذا كَانَ الشافعى شَدِيد الْإِنْكَار على الْمُتَكَلِّمين مزريا بهم وَكَانَ حكمه فيهم أَن يضْربُوا بالحديد وَيُطَاف بهم فِي الْقَبَائِل فَمَاذَا رَأْيه فِي المنجمين وَهُوَ أجل وَأعلم من ان يحكم بِهَذَا الحكم على أهل الْحق وَمن قضاياهم فِي الصدْق ينتهى إِلَى الْحَد الذى ذكر فِي هَذِه الْكِتَابَة فَذكر عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا عَن الحميدى قَالَ قَالَ الشافعى خرجت
стр. 525
إِلَى الْيمن فِي طلب كتب الفراسة حَتَّى كتبتها وجمعتها ثمَّ لما كَانَ انصرافي مَرَرْت فِي طريقي بِرَجُل وَهُوَ محتب بِفنَاء دَاره أَزْرَق الْعين نأتيء الْجَبْهَة سفاط فَقلت لَهُ هَل من منزل قَالَ نعم قَالَ الشافعى وَهَذَا النَّعْت أَخبث مَا يكون فِي الفراسة فأنزلنى فَرَأَيْت أكْرم رجل بعث إِلَى بعشاء وَطيب وعلف لدوابي وفراش ولحاف وَجعلت أتقلب اللَّيْل أجمع مَا أصنع بِهَذِهِ الْكتب فَلَمَّا أَصبَحت قلت للغلام أَسْرج فأسرج فركبت ومررت عَلَيْهِ وَقلت لَهُ إِذا قدمت مَكَّة ومررت بذى طوى فاسأل عَن منزل مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشافعى فَقَالَ لى الرجل أمولا لأَبِيك أَنا قلت لَا قَالَ فَهَل كَانَت لَك عندى نعْمَة قلت لَا قَالَ فَأَيْنَ مَا تكلفت لَك البارحة قلت وَمَا هُوَ قَالَ اشْتريت لَك طَعَاما بِدِرْهَمَيْنِ وأدما بِكَذَا وعطرا بِثَلَاثَة دَرَاهِم وعلفا لدوابك بِدِرْهَمَيْنِ وكرى والفراش واللحاف دِرْهَمَانِ قَالَ قلت يَا غُلَام فَهَل بقى شَيْء قَالَ كرى الْمنزل فَأَنِّي وسعت عَلَيْك وضيقت على نفسى فغبطت نَفسِي بِتِلْكَ الْكتب فَقلت لَهُ بعد ذَلِك هَل بقى شَيْء قَالَ امْضِ أخزاك الله فَمَا رَأَيْت شرا مِنْك
وَقَالَ الرّبيع اشْتريت للشافعى طيبا بِدِينَار فَقَالَ لى مِمَّن اشْتَرَيْته فَقلت من ذَلِك الْأَشْقَر الْأَزْرَق فَقَالَ أشقر أَزْرَق أذهب فَرده وَقَالَ الرّبيع مر أخي فِي صحن الْجَامِع فدعاني الشافعى فَقَالَ لى ياربيع أنظر إِلَى الذى يمشى هَذَا أَخُوك قلت نعم أصلحك الله قَالَ اذْهَبْ وَلم يكن رَآهُ قبل ذَلِك
قَالَ قُتَيْبَة بن سعيد رَأَيْت مُحَمَّد بن الْحسن والشافعى قَاعِدين بِفنَاء الْكَعْبَة فَمر الرجل فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه تعال نركز على هَذَا الْمَار أى حِرْفَة مَعَه فَقَالَ أَحدهمَا هَذَا خياط وَقَالَ الآخر هَذَا نجار فبعثا إِلَيْهِ فَسَأَلَاهُ فَقَالَ كنت خياطا وَالْيَوْم أنجر أَو كنت نجارا وَالْيَوْم أخيط
وَقَالَ الرّبيع سَمِعت الشافعى وَقدم عَلَيْهِ رجل من أهل صنعاء فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لَهُ من أهل صنعاء قَالَ نعم قَالَ فحداد أَنْت قَالَ نعم
وَقَالَ كنت عِنْد الشافعى إِذْ أَتَاهُ رجل فَقَالَ لَهُ الشافعى أنساج أَنْت قَالَ عندى أجراء وَقَالَ كُنَّا عِنْد الشافعى إِذا مر بِهِ رجل فَقَالَ الشافعى لَا يَخْلُو هَذَا أَن يكون حائكا أَو نجارا قَالَ فدعوناه فَقَالَ مَا صنعتك فَقَالَ نجار فَقُلْنَا أَو غير ذَلِك قَالَ عندى غلْمَان يعْملُونَ الثِّيَاب
وَقَالَ حَرْمَلَة سَمِعت الشافعى يَقُول احْذَرُوا من كل ذى عاهة فِي بدنه فَإِنَّهُ شَيْطَان قَالَ حَرْمَلَة قلت من أُولَئِكَ قَالَ الْأَعْرَج وَالْأَحْوَال والأشل وَغَيره
وَقَالَ اشْتهى الشافعى يَوْمًا عنبا أَبيض فَأمرنِي فاشتريت لَهُ مِنْهُ بدرهم فَلَمَّا رَآهُ استجاده فَقَالَ لى يَا أَبَا مُحَمَّد مِمَّن أشتريت هَذَا فسميت لَهُ البَائِع فنحى الطَّبَق من بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لى رده عَلَيْهِ وَاشْترى لى من غَيره فَقلت لَهُ وَمَا شَأْنه فَقَالَ ألم أَنْهَك أَن تصْحَب الْأَزْرَق والأشقر فَإِنَّهُ لَا ينجب فَكيف آكل من شَيْء اشْتَرَيْته لى مِمَّن أنهى عَن صحبته قَالَ الرّبيع فَرددت الْعِنَب على البَائِع واعتذرت إِلَيْهِ بِكَلَام واشتريت لَهُ عنبا من غَيره
وَقَالَ حَرْمَلَة سَمِعت الشافعى يَقُول احْذَرُوا
стр. 526
الْأَعْوَر والأحول والأعرج والأحدب والأشقر والكوسج وكل من بِهِ عاهة فِي بدنه وكل نَاقص الْخلق فَاحْذَرُوهُ فَإِنَّهُ صَاحب لؤم ومعاملته مره وَقَالَ مرّة أُخْرَى فَإِنَّهُم أَصْحَاب خب
وَقَالَ الرّبيع دَخَلنَا على الشافعى عِنْد وَفَاته أَنا والبويطى والمزني وَمُحَمّد بن عبد الله ابْن عبد الحكم قَالَ فَنظر إِلَيْنَا الشافعى سَاعَة فَأطَال ثمَّ الْتفت فَقَالَ أما أَنْت يَا أَبَا يَعْقُوب فستموت فِي حَدِيد يعْنى البويطى وَأما أَنْت يَا مزني فسيكون لَك بِمصْر هَنَات وهنات ولتدركن زَمَانا تكون أَقيس أهل ذَلِك الزَّمَان وَأما انت يَا مُحَمَّد فسترجع إِلَى مَذْهَب أَبِيك وَأما أَنْت يَا ربيع فَأَنت أنفعهم لى فِي نشر الْكتب قُم يَا أَبَا يَعْقُوب فتسلم الْحلقَة قَالَ الرّبيع فَكَانَ كَمَا قَالَ
وَقَالَ الرّبيع مَا رَأَيْت أفطن من الشافعى لقد سمى رجَالًا مِمَّن يَصْحَبهُ فوصف كل وَاحِد مِنْهُم بِصفة مَا أَخطَأ فِيهَا فَذكر الْمُزنِيّ والبويطى وَفُلَانًا فَقَالَ ليفعلن فلَان كَذَا وَفُلَان كَذَا وليصحبن فلَان السُّلْطَان وليقلدن الْقَضَاء وَقَالَ لَهُم يَوْمًا وَقد اجْتَمعُوا مَا فِيكُم أَنْفَع من هَذَا وأوما إِلَى لِأَنَّهُ أمثلكم بأَخيه وَذكر صفاتا غير هَذِه قَالَ فَلَمَّا مَاتَ الشافعى صَار كل مِنْهُم إِلَى مَا ذكر فِيهِ مَا أَخطَأ فِي شَيْء من ذَلِك
وَقَالَ حَرْمَلَة لما وَقع الشافعى فِي الْمَوْت خرجنَا من عِنْده فَقلت لأبي يَا أبه كل فراسة كَانَت للشافعى أخذناها يدا بيد إِلَّا قَوْله يقتلنى أشقر وَهَا هُوَ فِي السِّيَاق فوافينا عبد الله بن عبد الحكم ويوسف ابْن عَمْرو فَقُلْنَا إِلَى أَيْن قَالَا إِلَى الشافعى فَمَا بلغنَا الْمنزل حَتَّى أدركنا الصُّرَاخ عَلَيْهِ قُلْنَا مَه مالكم قَالُوا مَاتَ الشافعى فَقَالَ أبي من غمضه قَالُوا يُوسُف بن عَمْرو وَكَانَ أَزْرَق وَهَذِه الْآثَار وَغَيرهَا ذكرهَا ابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم فِي مصنفيهما فِي مَنَاقِب الشافعى وَهِي اللائقة بجلالته ومنصبه لَا مَا باعده الله مِنْهُ من أكاذيب المنجمين وهذياناتهم وَالله أعلم وَأما مَا احْتج بِهِ من أَن فِرْعَوْن كَانَ يذبح أَبنَاء بنى أسرائيل ويستحي نِسَاءَهُمْ لِأَن الْمُفَسّرين قَالُوا كَانَ ذَلِك بِأَن المنجمين أَخْبرُوهُ بِأَنَّهُ سيجىء بنى إِسْرَائِيل مَوْلُود يكون هَلَاكه على يَدَيْهِ فَأكْثر الْمُفَسّرين إِنَّمَا أحالوا ذَلِك على خبر الْكُهَّان وروى بَعضهم أَن قومه أَخْبرُوهُ بِأَن بنى أسرائيل يَزْعمُونَ أَنه يُولد مِنْهُم مَوْلُود يكون هلاكك على يَدَيْهِ وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ هما الدائران فِي كتب الْمُفَسّرين وَأما هَذِه الرِّوَايَة أَن المنجمين قَالُوا لَهُ ذَلِك فغايتها أَنَّهَا من أَخْبَار أهل الْكتاب وَقد خالفها غَيرهَا من الرِّوَايَات فَكيف يسوغ التَّمَسُّك بهَا فِي الْأَمر الْعَظِيم وَفِي أَخْبَار الْكُهَّان مَا هُوَ أعجب من ذَلِك فقد أخبروا بِظُهُور خَاتم الرُّسُل مُحَمَّد قبل ظُهُوره وَذَلِكَ مَوْجُود فِي دَلَائِل النُّبُوَّة وَنحن لَا ننكر علم تقدمة الْمعرفَة بِأَسْبَاب مفضية إِلَيْهِ تخْتَلف قوى النَّاس فِي ادراكها وتحصلها وَإِنَّمَا كلامنا مَعكُمْ فِي أصُول علم الْأَحْكَام وَبَيَان فَسَادهَا وَكذب أَكثر الْأَحْكَام الَّتِى يسندونها إِلَيْهَا وَبَيَان أَن ضَرَر هَذَا الْعلم لَو كَانَ حَقًا أعظم من نفعة فِي
стр. 527
الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأَن أَهله لَهُم أوفر نصيب من قَوْله إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل سينالهم غضب من رَبهم وذلة فِي الْحَيَاة الدِّينَا وَكَذَلِكَ نجزى المفترين وَأهل هَذَا الْعلم أذلّ أذلّ النَّاس فِي الدُّنْيَا لَا يُمكن أحدا مِنْهُم أَن يَأْكُل رزقه بِهَذَا الْعلم إِلَّا بأعظم ذل وعزيزهم لابد أَن يتعبد وينضوى إِلَى مكاس أَو ديوَان أَو وَال يكون تَحت ظله وَفِي كنفه وسائرهم على الطرقات وَفِي كسر الحوانيت مدسسين صيدهم كل نَاقص الْعقل وَالْإِيمَان وَالدّين من صبى أَو امْرَأَة أَو حمَار فِي سلَاح آدمى أَو ذُبَاب طمع لَو لَاحَ لَهُ فِي عبَادَة الْأَصْنَام وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم لَكَانَ أول العابدين وَرَأس مَالهم الْكَذِب والزرق وَأخذ أَحْوَال السَّائِل مِنْهُ وَمن فلتات لِسَانه وهيئته وإعراضه فيخبرونه بِمَا يُنَاسب ذَلِك من الْأَحْوَال فينفعل عقله لَهُم وَيَقُول لقد أعْطى هَؤُلَاءِ عَطاء لم يُعْطه غَيرهم وتراهم فِي الْغَالِب يقْصد أحدهم قَرْيَة أَو دكانا منزويا عَن الطَّرِيق وَيُصلي فِيهِ للصَّيْد وَينصب الشّرك فَإِذا لَاحَ لَهُ بدوى أَو حيشى أَو تركماني فَإِنَّهُ يتبرك بطلعته وَيَقُول اجْلِسْ حَتَّى أبين لَك مَا يَقْتَضِيهِ نجمك وطالعك وَبَيت مَالك وَبَيت فراشك وَبَيت أفراحك وهمومك وَكم بقى عَلَيْك من الْقطع نعم مَا اسْمك وَاسم أمك وَأَبِيك فَإِذا قَالَ لَهُ اسْمه وَاسم أَبَوَيْهِ أخرج لَهُ الاصطرلاب أَو الكرة النّحاس وَقَالَ كَيفَ قلت اسْمك فَإِذا أخبرهُ ثَانِيَة قَالَ وَكَيف قلت اسْم الوالدة طول الله عمرها فَإِذا قَالَ درجت إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى قَالَ مامات من خلف مثلك ثمَّ يحْسب وَيَقُول فُلَانَة تِسْعَة وتزيد عَلَيْهَا تِسْعَة تسْقط مِنْهَا خَمْسَة يبْقى مِنْهَا أَرْبَعَة أقعد واسمع يَا أخي إِنِّي أرى عَلَيْك حجَجًا مَكْتُوبَة ووثائق وَلَا بُد لَك من الْوُقُوف بَين يدى ولى أَمر إِمَّا حَاكم واما وَال وَأرى دَمًا خَارِجا عَنْك مَا أَنْت من أَهله وَأرى نَاسا قد اجْتَمعُوا حولك وَإِن كَانَ شكل ذَلِك الرجل شكل من هُوَ من أَرْبَاب التهم قَالَ وَأرى خشبا ينصب ومسامير تضرب وجنايات تُؤْخَذ نعم يَا أخي برجك بالأسد وَهُوَ نارى مُذَكّر أخذت مِنْهُ نطاح مِقْدَام بَطل نجمك الزهرة أَنْت قَلِيل البخت عِنْد النَّاس مكفور الْإِحْسَان مَقْصُود بالأذى قل أَن صاحبت أحدا فأثمرت لَك صحبته خيرا نعم يَا أخي أسعد أيامك يَوْم الْجُمُعَة وَخير كسبك كد يدك اعْلَم أَنه لابد لَك من أسفار وغربة وركوب أهوال واقتحام اخطار وَأُمُور عِظَام أبينها لَك إِن شَاءَ الله هَات لَا تبخل على نَفسك حط يدك فِي جيبك حل الْكيس وَلَا يزَال يلكزه ويجذبه ويطمعه حَتَّى يسْتَخْرج مَا تسمح بِهِ نَفسه فَإِن رأى مِنْهُ تباطيا قَالَ عجل قبل خُرُوج هَذِه السَّاعَة السعيدة فَإِنَّهَا سَاعَة مباركة أما سَمِعت قَول نبيك يسروا وَلَا تُعَسِّرُوا فَإِذا حَاز مَا أَخذه قَالَ لَهُ زِدْنِي فَإِن أمورك كَثِيرَة وَيحْتَاج إِلَى تَعب وفكر وحساب طَوِيل فَإِذا تمّ لَهُ مَا يَأْخُذهُ مِنْهُ بقى هُوَ من جوا فكال لَهُ من جراب الْكَذِب مَا أمكنه وَلَا يبالى أكذبه أم صدقه ثمَّ يَقُول لَهُ أخي
стр. 528
برجك الْأسد وَهُوَ سهم الْعَدَاوَة والحسد وَمَا عاداك أحد قطّ وأفلح بل يظفرك الله بِهِ وينصرك عَلَيْهِ نعم وَهُوَ برج نَارِي وَالنَّار من النُّور والنور فِيهِ الْبَهْجَة وَالسُّرُور اُبْشُرْ فَأَنت طَوِيل الْعُمر لَا تَمُوت فِي هَذَا الْوَقْت عمرك من السِّتين إِلَى السّبْعين إِلَى الثَّمَانِينَ إِلَى التسعين بَيت كسبك كَذَا وَكَذَا وَأرى حَاجَة مهمة قد خرجت عَن يدك نعم بِغَيْر مرادك وَأَنت فِي غَالب أحوالك الْخَارِج عَن يدك أَكثر من الدَّاخِل فِيهَا بِاللَّه صدقت أم لَا فَيَقُول وَالله صَحِيح وَالْأَمر كَمَا قلت وَلَكِن أَحْمد الله كلما بَقِي عَلَيْك من الْقطع أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام وَتخرج من نحسك وَتدْخل فِي برج سعادتك وتنجو ويخلف الله عَلَيْك بالخيرات والبركات وَلَا بُد لَك السَّاعَة من رزق يَأْتِيك الله بِهِ ويفرح بِهِ أهلك وعيلتك وَتصْلح حالك ويستقيم سعدك
الثَّالِث يَا أخي من برجك الْمِيزَان وَهُوَ بَيت الإخوان سعدك يَا أخي مِنْهُم مَنْقُوص وحظك مِنْهُم منحوس غَالب من أوليته مِنْهُم خيرا جازاك بِالشَّرِّ وغالب من قلت فِيهِ الْخَيْر مِنْهُم يَقُول فِيك الشَّرّ بِاللَّه أما الْأَمر هَكَذَا وَذَلِكَ يَا أخي أَنَّك خَفِيف الدَّم كل من رآك مَال إِلَيْك وَأنس بك وَأَنت مَحْسُود تحسد فِي مَالك وَفِي عافيتك وَفِي أهلك وأولادك وكل مَا تعمله بِيَدِك وَلَكِن الْعين لَا تُؤثر فِيك لِأَن كل من برجه الْأسد لَا بُد أَن يكون لَهُ فِي رَأسه أَو جسده عَلامَة مثل شجة أَو ضَرْبَة بَين أكتافه أَو فِي سَاقه وَمَا هُوَ بعيد أَن فِي جسدك شامة أَو فِي جسمك ثلمة وَهَذَا هُوَ الَّذِي يدْفع عَنْك الْعين وَأَنت لَا تَدْرِي
الرَّابِع من بروجك الْعَقْرَب وَهُوَ بَيت الْآبَاء أَرَاك كنت قَلِيل السعد بَين أَبَوَيْك وَمَعَ هَذَا فَكَانَ أَكثر ميلهم وإشفاقهم مَعَ غَيْرك هم عَلَيْك وَكَانَ حظك مِنْهُم نَاقِصا وَلَهُم تطلع إِلَى كدك وكسبك
الْخَامِس من بروجك الْقوس وَهُوَ بَيت الْبَنِينَ أَرَاك قَلِيلا مَا يعِيش لَك أَوْلَاد تدفنهم كلهم ثمَّ تَمُوت أَنْت بعدهمْ بل سَوف يكون لَك ولد يشد الله بِهِ عضدك وَيُقَوِّي أَمرك وتنال من جِهَته رَاحَة وَخيرا وَرُبمَا تكون سعادتك على يَدَيْهِ
السَّادِس من بروجك الجدي وَهُوَ برج أمراضك وأعلالك يَا أخي أمراضك وأسقامك كَثِيرَة وأكثرها فِي رَأسك وَرُبمَا يكون فِي أجنابك وَهِي أمراض قَوِيَّة طوال الله يعافينا وَإِيَّاك وَكنت فِي صغرك لَا ترقد فِي السرير إِلَّا بعد جهد جهيد وعهدي بك الْآن لَا ترقد فِي فراشك إِلَّا بعد شدَّة نعم وَأكْثر أمراضك فِي الصَّيف والخريف
السَّابِع من بروجك الدَّلْو وَهُوَ بَيت الْفراش وَأرى فراشك خَالِيا أَثم زَوْجَة فَإِن قَالَ نعم قَالَ لَا بُد لَك من فراقها عَن قريب إِمَّا بِمَوْت وَإِمَّا بِطَلَاق فَإِن المريخ مِنْك فِي بَيت الْفراش وَإِن قَالَ لَا قَالَ عَجِيب وَالله لقد ابصرت فِي الطبائع أَن فراشك فارغ وَأرى روحا ناظرة إِلَيْك بِعَين الألفة والمحبة خطورك وخطوره عَلَيْك وَأرى لَك من قبله مَنْفَعَة وَلَك بِهِ اتِّصَال وَفَرح أبين لَك على أَي سَبَب يكون اجتماعكما نعم فَإِن قَالَ لَهُ نعم قَالَ هَات
стр. 529
فَإِن الَّذِي أَعْطَيْتنِي قَلِيل فاذا أَخذ مِنْهُ قَالَ اعْلَم أَنه لَا بُد لَك من الِاتِّصَال بِهَذَا الشَّخْص على كل حَال إِلَّا أَنِّي ارى قد عمل لَك عمل وَعقد لَك عقد وَأَنت فِي هم وغم من ذَلِك فان شِئْت عملت لَك كتابا نَافِعًا يكون لَك حرْزا من كل مَا تخافه وتحذره وَلَا يزَال يفتل لَهُ فِي الذرْوَة والقرب حَتَّى يستكتبه الْحِرْز وَكذب هَذِه الطَّائِفَة وجهلها وزرقها يَعْنِي شهرته عِنْد الْخَاصَّة والعامة عَن تَكْلِيف إِرَادَة وَكلما كَانَ المنجم أكذب وبالزرق أعرف كَانَ على الْجُهَّال أروج
فصل وَأما قَوْله إِن هَذَا علم مَا خلت عَنهُ مِلَّة من الْملَل وَلَا
أمة من الْأُمَم وَلَا يعرف تَارِيخ من التواريخ الْقَدِيمَة والحديثة إِلَّا وَكَانَ أهل ذَلِك الزَّمَان مشتغلين بِهَذَا الْعلم ومعولين عَلَيْهِ فِي معرفَة الْمصَالح وَلَو كَانَ هَذَا الْعلم فَاسِدا بِالْكُلِّيَّةِ لاستحال إطباق أهل الْمشرق وَالْمغْرب عَلَيْهِ فَانْظُر مَا فِي هَذَا الْكَلَام من الْكَذِب والبهت والافتراء على الْعَالم من أول بنائِهِ إِلَى آخِره فَإِن آدم وَأَوْلَاده كَانُوا بُرَآء من ذَلِك وائمتكم معترفون بِأَن أول من عرف مِنْهُ الْكَلَام فِي هَذَا الْعلم وتلقيت عَنهُ أُصُوله وأوضاعه هُوَ إِدْرِيس النَّبِي ﵇ وَكَانَ بعد بِنَاء هَذَا الْعَالم بِزَمن طَوِيل هَذَا لَو ثَبت ذَلِك عَن إِدْرِيس فَكيف وَهُوَ من الْكَذِب الَّذِي لَيْسَ مَعَ صَاحبه إِلَّا مُجَرّد القَوْل بِلَا علم وَالْكذب على رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم أَو لَيْسَ من الْفِرْيَة والبهت أَن ينْسب هَذَا الْعلم إِلَى أمة مُوسَى فِي زَمَنه ويعدوه بِأَنَّهُم كَانُوا معولهم فِي مصالحهم على هَذَا الْعلم وَكَذَلِكَ أمه عِيسَى وَأمة يُونُس وَالَّذين كَانُوا مَعَ نوح ونجوا مَعَه فِي السَّفِينَة وحسبك بِهَذَا الْكَذِب والافتراء على تِلْكَ الْأمة المضبوط أمرهَا الْمَحْفُوظ فعلهَا فَهَل كَانَ النَّبِي وَأَصْحَابه يعولون على هَذَا الْعلم ويعتمدون عَلَيْهِ فِي مصالحهم أَو قرن التَّابِعين يَفْعَله اَوْ قرن تابعى التَّابِعين وَهَذِه هى خِيَار قُرُون الْعَالم على الْإِطْلَاق كَمَا أَن هَذِه الْأمة خير أمة أخرجت للنَّاس وهم اعْلَم الْأُمَم واعرفها وَأكْثر كتبا وتصانيف وأعلاها شَأْنًا وأكملها فِي كل خير ورشد وَصَلَاح كَمَا ثَبت فِي المنسد وَغَيره عَن النَّبِي أَنه قَالَ أَنْتُم توفون سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وَأَكْرمهَا على الله فَهَل رَأَيْت خِيَار قُرُون هَذِه الْأمة والموفقين من خلفائها وملوكها وساداتها وكبرائها معولين على هَذَا الْعلم أَو معتمدين عَلَيْهِ فِي مصالحهم وَهَذِه سيرهم مَا بعهدها من قدم وَلَا يتأتي الْكَذِب عَلَيْهِم هَذَا وَقد أعْطوا من التأييد والنصر وَالظفر بعدوهم والاستيلاء على ممالك الْعَالم مالم يظفر بِهِ أحد من المعولين على أَحْكَام النُّجُوم بل لَا تَجِد المنجمين الا ذمَّة لَهُم لَوْلَا اعتصامهم بِحَبل مِنْهُم لَقطعت حبال أَعْنَاقهم وَلَا تَجِد المعولين على هَذَا الْعلم إِلَّا مخصوصين بالخذلان والحرمان وَهَذَا لأَنهم حق عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل سينالهم غضب من رَبهم وذلة فِي الحيوة الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ تجزي المفترين قَالَ أَبُو قلَابَة هِيَ لكل مفتر من هَذَا لأممة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة نعم لَا ننكر أَن هَذَا الْعلم لَهُ طلبة مشغولون بِهِ
стр. 530
معتنون بأَمْره وَهَذَا لَا يدل على صِحَّته فَهَذَا السحر لم يزل فِي الْعَالم من يشْتَغل بِهِ ويتطلبه أعظم من اشْتِغَاله بالنجوم وَطَلَبه لَهَا بِكَثِير وتأثيره فِي النَّاس ممالا يُنكر أَفَكَانَ هَذَا دَلِيلا على صِحَّته وَهَذِه الْأَصْنَام لم تزل تعبد فِي الأَرْض من قبل نوح وَإِلَى الْآن وَلها الهياكل المبنية والسدنة وَلها الجيوش الَّتِى تقَاتل عَنْهَا وتحارب لَهَا وتختار الْقَتْل والسبي وعقوبة الله تَعَالَى وَلَا تنتهى عَنْهَا أفيدل هَذَا على صِحَة عباداتها وَإِن عبادها على الْحق وَمن الْعجب قَوْله لَو كَانَ هَذَا الْعلم فَاسِدا لاستحال أطباق أهل الْمشرق وَالْمغْرب من أول بِنَاء الْعَالم إِلَى آخِره عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْفِرْيَة أبلغ من هَذَا وَلَا فِي الْبُهْتَان أَتَرَى هَذَا الرجل مَا وقف على تأليف لأحد من أهل الْمشرق وَالْمغْرب فِي إبِْطَال هَذَا الْعلم وَالرَّدّ على أَهله فقد رَأينَا نَحن وغيرنا مَا يزِيد على مائَة مُصَنف فِي الرَّد على أَهله وَإِبْطَال أَقْوَالهم وَهَذِه كتبهمْ بأيدي النَّاس وَكثير مِنْهَا للفلاسفة الَّذين يعظمهم هَؤُلَاءِ ويرون أَنهم خُلَاصَة الْعَالم كالفارابي وَابْن سينا وَأبي البركات الأوحد وَغَيرهم وَقد حكينا كَلَامهم وَأما الردود فِي ضمن الْكتب حِين يرد على أهل المقالات فَأكْثر من أَن تذكر ولعلها أَن تزيد على عدَّة الْألف تَجِد فِي كل كتاب مِنْهَا الرَّد على هَؤُلَاءِ وَإِبْطَال مَذْهَبهم ونسبتهم إِلَى الْكَذِب والزرق وَلَو أَن مُقَابلا قابله وَقَالَ لَو كَانَ هَذَا الْعلم صَحِيحا لاستحال إطباق أهل الْمشرق وَالْمغْرب على رده وأبطاله لَكَانَ قَوْله من جنس قَوْله وَلَكِن أهل الْمشرق فيهم هَذَا وَهَذَا كَمَا يشْهد بِهِ الْحس والتواريخ الْقَدِيمَة والحديثة وَلَقَد رَأينَا من الردود الْقَدِيمَة قبل قيام الْإِسْلَام على هَؤُلَاءِ مَا يدل على أَن الْعُقَلَاء لم يزَالُوا يشْهدُونَ عَلَيْهِم بِالْجَهْلِ وَفَسَاد الْمَذْهَب وينسبونهم إِلَى الدَّعَاوَى الكاذبة والآراء الْبَاطِلَة الَّتِى لَيْسَ مَعَ أَصْحَابهَا إِلَّا القَوْل بِلَا علم ٠
فصل وَأما مَا ذكره فِي أَمر الطالع عَن الْفرس وَأَنَّهُمْ كَانُوا يعتنون بطالع
مسْقط النُّطْفَة وَهُوَ طالع الأَصْل ثمَّ يحكم بِمُوجبِه حَتَّى يحكم بِعَدَد السَّاعَات الَّتِى يمكثها الْوَلَد فِي بطن أمه فَهَذَا من الْكَذِب والبهت وَمن أَرَادَ أَن يختبر كذبه فليجربه فَإِن تجربة مثل هَذَا لَيست بِمَشَقَّة وَلَا عسرة ثمَّ إِن هَذَا الواطىء لَا علم لَهُ وَلَا لأحد أَن الْوَلَد إِنَّمَا يخلق من أول وَطئه الَّذِي أنزل فِيهِ دون مَا بعده وَإِن فرض أَنه أمسك عَن وَطئهَا بعد الْمرة الأولى وحبسها بِحَيْثُ يتَيَقَّن أَن غَيره لم يقربهَا وَهَذَا فِي غَايَة الندرة لم يُمكن المنجم أَن يعلم أَحْوَال ذَلِك الْمَوْلُود وَلَا تفاصيل أمره الْبَتَّةَ ومدعى ذَلِك مجاهر بِالْكَذِبِ والبهت وَقد اعْترف الْقَوْم بِأَن طالع الْولادَة مستعار لَا يُفِيد شَيْئا لِأَن الْوَلَد لَا يحدث فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِنَّمَا ينْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان وَقد اعْتَرَفُوا بِأَن ضَبطه متعسر جدا بل مُتَعَذر فَإِن فِي اللحظة الْوَاحِدَة من اللحظات تَتَغَيَّر نصبة الْفلك تغيرا لَا يضْبط وَلَا يُحْصِيه
следующие страницы →