Полный текст (461 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
كَانَ عَلَيْهِم حسرة يَوْم الْقِيَامَة وَإِن دخلُوا الْجنَّة للثَّواب (د. ت. حب)) // الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ وَأخرجه أَيْضا أَحْمد من حَدِيثه قَالَ الْمُنْذِرِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَأخرجه الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا جلس قوم مَجْلِسا لم يذكرُوا الله فِيهِ وَلم يصلوا على نَبِيّهم إِلَّا كَانَ عَلَيْهِم ترة يَوْم الْقِيَامَة فَإِن شَاءَ عذبهم وَإِن شَاءَ غفر لَهُم وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد ﵁ وَقَالَ حَدِيث حسن وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الْمجْلس الَّذِي لم يذكر الله تَعَالَى فِيهِ وَلم يصل على رَسُوله فِيهِ يكون حسرة يَوْم الْقِيَامَة على أَهله لما فاتهم من الْأجر وَالثَّوَاب وَإِن دخلُوا الْجنَّة للثَّواب على أَعْمَالهم مَعَ تفضل الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِم بِدُخُولِهَا فَإِنَّهُ قد فاتهم مَا فِيهِ زِيَادَة فِي الدَّرَجَات وَكَثْرَة فِي المثوبات وَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِم حسرة يَوْم الْقِيَامَة أَي بِفَوَات الثَّوَاب بترك الذّكر وَالصَّلَاة وَقد قدمنَا طرفا من هَذِه الْأَحَادِيث فِي الْبَاب السَّابِق فِي فضل الذّكر //
(أولى النَّاس بِي يَوْم الْقِيَامَة أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة (د. ت. حب)) // الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد إِخْرَاجه حَدِيث حسن غَرِيب وَقَالَ ابْن حبَان صَحِيح وَلَا يُنَافِي هَذَا التَّصْحِيح كَون فِي إِسْنَاده مُوسَى بن يَعْقُوب الزمعِي فَإِنَّهُ قد وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو دَاوُد وَلَا
стр. 37
يضرّهُ قَول النَّسَائِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ (قَوْله أولى النَّاس بِي يَوْم الْقِيَامَة) أَي أولاهم بشفاعتي وأحقهم بِالْقربِ مني أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة فِي الدُّنْيَا لِأَن هَذَا الَّذِي استكثر من الصَّلَاة على النَّبِي قد توسل إِلَى شَفَاعَته بوسيلة مرعية وتقرب بقربة مرضية وَلَو لم يكن فِي ذَلِك إِلَّا مَا سَيَأْتِي من أَنه من صلى عَلَيْهِ مرّة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا فَإِن هَذِه الْمُكَافَأَة من رب الْعِزَّة سُبْحَانَهُ مستلزمة للثَّواب الْأَكْثَر //
(الْبَخِيل من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ (ت. حب)) // الحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث الْحُسَيْن بن عَليّ ابْن أبي طَالب ﵄ قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد إِخْرَاجه حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَصَححهُ ابْن حبَان وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه أَحْمد فِي الْمسند وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ صَحِيح وَأقرهُ الذَّهَبِيّ وَهُوَ من رِوَايَة عبد الله بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ عَن أَبِيه عَن الْحُسَيْن وَقد روى من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب ﵁ كَمَا فِي سنَن التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب (قَوْله الْبَخِيل من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ) تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ يَقْتَضِي الْحصْر فَيَنْبَغِي حمله على أَنه الْكَامِل فِي الْبُخْل لِأَنَّهُ نحل بِمَا لَا نقص عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا مُؤنَة مَعَ كَون الْأجر عَظِيما وَالْجَزَاء موفرا قَالَ الْفَاكِهَانِيّ وَهَذَا أقبح بخل وشح لم يبْق بعده إِلَّا الشُّح بِكَلِمَة الشَّهَادَة
وَفِي الحَدِيث دَلِيل على وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ عِنْد ذكره //
(رغم أنف رجل ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ (ت. حب)) // الحَدِيث أخرحه التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد إِخْرَاجه حسن غَرِيب
стр. 38
وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح وَقَالَ ابْن حجر لَهُ شَوَاهِد وَهَذَا الَّذِي ذكره المُصَنّف هُوَ بعض من الحَدِيث وَبعده وَرَغمَ أنف رجل أدْرك عِنْده أَبَوَاهُ الْكبر فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة وَرَغمَ أنف رجل دخل عَلَيْهِ رَمَضَان ثمَّ انْسَلَخَ قبل أَن يغْفر لَهُ وَقد أوردهُ فِي مجمع الزَّوَائِد من حَدِيث ابْن مَسْعُود وعمار بن يَاسر وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن الْحَارِث وَجَابِر بن سَمُرَة وَأنس وَكَعب بن عجْرَة وَمَالك بن الْحُوَيْرِث وَأبي هُرَيْرَة ﵃ (قَوْله رغم) بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وتفتح أَي لصق أَنفه بِالتُّرَابِ والرغام هُوَ التُّرَاب وَفِيه كِنَايَة عَن حُصُول الذل والهوان وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي هُوَ بِفَتْح الْغَيْن وَمَعْنَاهُ ذل وَذكر الرجل وصف طردي فَإِن الْمَرْأَة مثل الرجل فِي ذَلِك وَفِي الحَدِيث دَلِيل على وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ عِنْد ذكره لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو بالذل والهوان على من ترك ذَلِك إِلَّا وَهُوَ وَاجِب عَلَيْهِ (قَوْله فَلم يصل عَليّ) قَالَ الطَّيِّبِيّ الْفَاء إستبعادية وَالْمعْنَى بعيد على الْعَاقِل أَن يتَمَكَّن من إِجْرَاء كَلِمَات مَعْدُودَة على لِسَانه فيفوز بهَا فَلم يغتنمه فحقيق أَن يذله الله وَقيل أَنَّهَا للتعقيب فتفيد بِهِ ذمّ التَّرَاخِي عَن الصَّلَاة عَلَيْهِ عِنْد ذكره ﷺ //
(من ذكرت عِنْده فَليصل عَليّ (س. طس)) // الحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أنس ﵁ وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن السّني وَتَمَامه فَإِنَّهُ من صلى عَليّ مرّة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار إِسْنَاده جيد وَقَالَ الهيثمي رِجَاله ثِقَات وَفِي الحَدِيث دَلِيل على وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ عِنْد ذكره وَمِمَّا يدل على ذَلِك الحديثان الْمَذْكُورَان قبل هَذَا وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَيْضا مَا أخرجه ابْن السّني فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة من حَدِيث جَابر ﵁ بِلَفْظ من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ فقد شقي وَقد ضعف النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار
стр. 39
إِسْنَاده وَمَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من ذكرت عِنْده فخطى الصَّلَاة عَليّ خطى طَرِيق الْجنَّة قَالَ الهيثمي وَفِيه بشر بن مُحَمَّد الْكِنْدِيّ أَو بشير فَإِن كَانَ بشرا فقد ضعفه ابْن الْمُبَارك وَابْن معِين وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهم وَإِن كَانَ بشيرا فَلم أر من ذكره وَقَالَ الْقُسْطَلَانِيّ حَدِيث مَعْلُول واخرج ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من نسي الصَّلَاة عَليّ خطى طَرِيق الْجنَّة وَفِي إِسْنَاده جبارَة بن الْمُفلس وَهُوَ مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ //
(من صلى عَليّ وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشرا (م)) // الحَدِيث أخرجه مُسلم كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَفِي بعض أَلْفَاظه من صلى عَليّ مرّة وَاحِدَة كتب الله لَهُ بهَا عشر حَسَنَات كَذَا فِي سنَن التِّرْمِذِيّ وَفِي لفظ لِأَحْمَد وَالنَّسَائِيّ من صلى عَليّ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشر صلوَات وَحط عَنهُ بهَا عشر سيئات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات وَأخرجه أَيْضا ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَأقرهُ الذَّهَبِيّ وَهُوَ عِنْد هَؤُلَاءِ من حَدِيث أنس ﵁ وَأخرج أَحْمد وَالْحَاكِم من حَدِيث عبد الرَّحْمَن
стр. 40
بن عَوْف أَن جِبْرِيل قَالَ للنَّبِي ﷺ أَلا أُبَشِّرك أَن الله يَقُول من صلى عَلَيْك صليت عَلَيْهِ وَمن سلم عَلَيْك سلمت عَلَيْهِ قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد وَأخرجه ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى بِلَفْظ من صلى عَليّ صَلَاة من أمتِي كتب الله لَهُ بهَا عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَأخرج النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي بردة بن نيار قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى عَليّ من أمتِي صَلَاة مخلصا قلبه صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشر صلوَات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات وَكتب لَهُ بهَا عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَأخرج نَحوه ابْن أبي عَاصِم من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب ﵁ وَزَاد وَكن لَهُ عدل عشر رِقَاب وَأخرج مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ﵄ بِلَفْظ فَإِن من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا وَأخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ عَن أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ أصبح رَسُول الله ﷺ يَوْمًا طيب النَّفس يرى فِي وَجهه الْبشر فَقَالُوا يَا رسو ل الله إِنَّك أَصبَحت الْيَوْم طيب النَّفس يرى فِي وَجهك الْبشر قَالَ أجل أَتَانِي آتٍ أَي جِبْرِيل من رَبِّي فَقَالَ من صلى عَلَيْك من أمتك صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشر صلوَات ومحا عَنهُ بهَا عشر سيئات وَرفع لَهُ بهَا عشر دَرَجَات وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ آتَانِي جِبْرِيل آنِفا عَن ربه فَقَالَ مَا على الأَرْض من مُسلم يُصَلِّي عَلَيْك مرّة وَاحِدَة إِلَّا صليت عَلَيْهِ أَنا وملائكتي عشرا وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي أُمَامَة ﵁ نَحوه وَفِي الْبَاب أَحَادِيث وَسَيذكر المُصَنّف ﵀ بَعْضهَا قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى //
(أَتَانِي ملك فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله يَقُول أما يرضيك أَنه لَا يُصَلِّي عَلَيْك أحد من أمتك إِلَّا صليت عَلَيْهِ عشرا وَلَا يسلم عَلَيْك أحد من أمتك إِلَّا سلمت عَلَيْهِ عشرا عشرا (س. حب))
стр. 41
// الحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن حبَان كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ ﵁ وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه أَحْمد فِي الْمسند بِهَذَا اللَّفْظ وَزَاد قَالَ يَعْنِي النَّبِي ﷺ بلَى وَأخرجه أَيْضا الطَّبَرَانِيّ وَقد صَححهُ ابْن حبَان وَفِيه دَلِيل على أَن السَّلَام كَالصَّلَاةِ وَأَن الله سُبْحَانَهُ يسلم على من سلم على رَسُول الله ﷺ كَمَا يُصَلِّي على من صلى على رَسُوله عشرا //
(إِن لله مَلَائِكَة سياحين يبلغوني عَن أمتِي السَّلَام (س. حب)) // الحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن حبَان كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَأقرهُ الذَّهَبِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَقَالَ الهيثمي رِجَاله رجال الصَّحِيح وَأخرجه أَيْضا أَحْمد فِي الْمسند وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ حَيْثُمَا كُنْتُم فصلوا عَليّ فَإِن صَلَاتكُمْ تبلغني وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صلى على بلغتني صلَاته وَصليت عَلَيْهِ وَكتب لَهُ سوى ذَلِك عشر حَسَنَات والاقتصار فِي الحَدِيث على السَّلَام لَا يُنَافِي إبلاغ الصَّلَاة إِلَيْهِ ﷺ فحكمهما وَاحِد كَمَا يدل عَلَيْهِ الحديثان الْمَذْكُورَان هُنَا (قَوْله سياحين) بِالسِّين الْمُهْملَة من السياحة وَهُوَ السّير يُقَال ساح فِي الأَرْض يسيح سياحة إِذا ذهب فِيهَا وَأَصله من السيح وَهُوَ المَاء الْجَارِي المنبسط وَفِي الحَدِيث التَّرْغِيب الْعَظِيم للاستكثار من الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ فَإِن إِذا كَانَت صَلَاة وَاحِدَة من صَلَاة من صلى عَلَيْهِ تبلغه كَانَ ذَلِك منشطا لَهُ أعظم تنشيط //
(مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله عَليّ روحي حَتَّى أرد ﵇ (د)) // الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار إِسْنَاده صَحِيح وَكَذَا قَالَ فِي الرياض وَكَذَا قَالَ ابْن حجر رُوَاته ثِقَات وَأخرجه أَحْمد فِي الْمسند من
стр. 42
حَدِيثه وَأخرج الْبَزَّار وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن حبَان من حَدِيث عمار بن يَاسر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله وكل بقبري ملكا فَأعْطَاهُ إسماع الْخلق فَلَا يُصَلِّي عَليّ أحد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا بَلغنِي باسمه وَاسم أَبِيه هَذَا فلَان ابْن فلَان قد صلى عَلَيْك زَاد أَبُو الشَّيْخ فَيصَلي الرب تَعَالَى على ذَلِك الرجل بِكُل وَاحِدَة عشرا وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِنَحْوِهِ قَالَ ابْن حجر رَوَوْهُ كلهم عَن نعيم بن هضيم وَفِيه خلاف عَن عمرَان الْحِمْيَرِي وَلَا يعرف (قَوْله أَلا رد الله عَليّ روحي) لفظ أَحْمد أَلا رد الله إِلَيّ روحي قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ وَهُوَ ألطف وأنسب وَبَين التعديتين فرق لطيف فَإِن رد يتَعَدَّى كَمَا قَالَ الرَّاغِب بعلي فِي الإهانة وبالى فِي الْإِكْرَام وَقيل وَالْمرَاد برد الرّوح النُّطْق لِأَنَّهُ ﷺ حَيّ فِي قَبره وروحه لَا تُفَارِقهُ لما صَحَّ أَن الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم كَذَا قَالَ ابْن الملقن وَغَيره وَقَالَ ابْن حجر الْأَحْسَن أَن يؤول رد الرّوح بِحُصُول الْفِكر كَمَا قَالُوهُ فِي خبر يغان على قلبِي وَقَالَ الطَّيِّبِيّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تكون روحه القدسية فِي الحضرة الإلهية فَإِن بلغه السَّلَام من اُحْدُ من الْأمة رد الله روحه فِي تِلْكَ الْحَالة إِلَى رد سَلام من يسلم عَلَيْهِ وَفِي الْمقَام أجوبة كَثِيرَة وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا أحْسنهَا والاقتصار فِي الحَدِيث على السَّلَام لَا يدل على أَن الصَّلَاة لَيست كَذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم قبل هَذَا وكما يُفِيد ذَلِك حَدِيث عمار الَّذِي ذَكرْنَاهُ //
(إِنِّي لقِيت جِبْرِيل فبشرني وَقَالَ رَبك يَقُول من صلى عَلَيْك صليت عَلَيْهِ وَمن سلم عَلَيْك سلمت عَلَيْهِ فسجدت لله شكرا (ا. مس)) // الحَدِيث أخرجه أَحْمد وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَلَفظ الحَدِيث خرج رَسُول الله ﷺ فاتبعته حَتَّى دخل نخلا فَسجدَ فَأطَال السُّجُود
стр. 43
حَتَّى خفت أَو خشيت أَن الله قد توفاه أَو قَبضه قَالَ فَجئْت أنظر فَرفع رَأسه فَقَالَ مَالك يَا عبد الرَّحْمَن فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ إِن جِبْرِيل قَالَ لي أَلا أُبَشِّرك أَن الله يَقُول من صلى عَلَيْك صليت عَلَيْهِ وَمن سلم عَلَيْك سلمت عَلَيْهِ فسجدت لله شكرا وَقَالَ الهيثمي فِي إِسْنَاده من لم أعرفهُ وَقد قدمنَا ذكر الْأَحَادِيث المصرحة بِأَن الله تَعَالَى يُصَلِّي على من صلى على رَسُوله ﷺ مرّة وَاحِدَة عشر صلوَات //
(من صلى عَليّ وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشر صلوَات وحطت عَنهُ عشر خطيئآت وَرفعت لَهُ عشر دَرَجَات (س. حب. ط) وكتبت لَهُ عشر حَسَنَات (س. ط)) // الحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أنس ﵁ وَأخرجه أَيْضا أَحْمد فِي الْمسند وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ صَحِيح وَأقرهُ الذَّهَبِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَقَالَ ابْن حجر رُوَاته ثِقَات وَقد قدمنَا ذكر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِهَذَا الْمَعْنى وَالْمرَاد بِالصَّلَاةِ من الله الرَّحْمَة لِعِبَادِهِ وَأَنه يرحمهم رَحْمَة بعد رَحْمَة حَتَّى تبلغ رَحمته ذَلِك الْعدَد وَقيل المُرَاد بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِم إقباله عَلَيْهِم بعطفه وإخراجهم من حَال ظلمَة إِلَى رفْعَة وَنور كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته ليخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ //
(من صلى عَليّ النَّبِي ﷺ وَاحِدَة صلى الله وَمَلَائِكَته عَلَيْهِم سبعين صَلَاة) // الحَدِيث أخرجه أَحْمد بن حَنْبَل فِي الْمسند كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث عبد الله ابْن عَمْرو ﵄ كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي التَّرْغِيب والترهيب أخرجه أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَكَذَلِكَ حسنه الهيثمي وَتَمَامه فَلْيقل عَبده من ذَلِك أَو ليكْثر وَالْجمع بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين مَا تقدم بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ
стр. 44
يعلم بِهَذَا الثَّوَاب شَيْئا فَشَيْئًا وَكلما علم بِشَيْء قَالَه فَعلم ﷺ بِأَن ثَوَاب من صلى عَلَيْهِ هُوَ مَا فِي الحَدِيث الأول وَمَا ورد فِي مَعْنَاهُ فَأخْبر بِهِ ثمَّ علم بِأَن ثَوَابه هُوَ مَا جَاءَ فِي الحَدِيث الثَّانِي فَأخْبر بِهِ //
(من سره أَن يكتال بالمكيال الأوفى إِذا صلى علينا أهل الْبَيْت فَلْيقل اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وازواجه أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَذريته وَأهل بَيته كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم (ي. ت. ز. ط) وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد (م. د)) // الحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه الْبَيْهَقِيّ وَفِيه التَّرْغِيب الْعَظِيم إِلَى أَن تكون الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ على تِلْكَ الصّفة وأصل الحَدِيث ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من الْأُمَّهَات السِّت من دون قَوْله من سره أَن يكتال بالمكيال الأوفى فَإِنَّهُ تفرد بذلك مُسلم وَأَبُو دَاوُد //
(من صلى على مُحَمَّد وَقَالَ اللَّهُمَّ أنزلهُ المقعد المقرب عنْدك يَوْم الْقِيَامَة وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي (ز. ط)) // الحَدِيث أخرجه الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث رويفع ابْن ثَابت الْأنْصَارِيّ وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي التَّرْغِيب والترهيب وَبَعض أسانيدهم حسن وَفِي الحَدِيث الْجمع بَين الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ وسؤاله أَن ينزله المقعد المقرب عِنْده يَوْم الْقِيَامَة فَمن وَقع مِنْهُ ذَلِك اسْتحق الشَّفَاعَة المحمدية وَكَانَت وَاجِبَة لَهُ //
стр. 45
(قيل يَا رَسُول الله جعلت لَك صَلَاتي كلهَا قَالَ إِذا تكفى همك وَيغْفر ذَنْبك (ت. مس. حب)) // الحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَفِي نُسْخَة التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَهُوَ من حَدِيث أبي بن كَعْب ﵁ قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَأخرجه أَحْمد فِي الْمسند وَلَفظ الحَدِيث قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا ذهب ربع اللَّيْل قَامَ فَقَالَ أَيهَا النَّاس اذْكروا الله اذْكروا الله جَاءَت الراجفة تتبعها الرادفة جَاءَ الْمَوْت بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْت بِمَا فِيهِ قَالَ أبي بن كَعْب فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي أَكثر الصَّلَاة فكم أجعَل لَك من صَلَاتي فَقَالَ مَا شِئْت قلت الرّبع قَالَ مَا شِئْت وان زِدْت فَهُوَ خير لَك قلت النّصْف قَالَ مَا شِئْت وان زِدْت فَهُوَ خير لَك قَالَ أجعَل لَك صَلَاتي كلهَا قَالَ إِذن تكفى همك وَيغْفر ذَنْبك وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد عَنهُ قَالَ جَاءَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت أَن جعلت صَلَاتي كلهَا عَلَيْك قَالَ إِذا يَكْفِيك الله تَعَالَى مَا أهمك من أَمر دنياك وآخرتك قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَإسْنَاد هَذِه الزِّيَادَة جيد وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن أَبِيه عَن جده أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله أجعَل ثلث صَلَاتي عَلَيْك قَالَ نعم إِن شِئْت قَالَ الثُّلثَيْنِ قَالَ نعم أَن شِئْت قَالَ صَلَاتي كلهَا قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذن يَكْفِيك الله مَا أهمك من أَمر دنياك وآخرتك (قَوْله جعلت لَك صَلَاتي كلهَا) المُرَاد بِالصَّلَاةِ هُنَا الدُّعَاء وَمن جملَته الصَّلَاة على رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَ المُرَاد الصَّلَاة ذَات الْأَذْكَار والأركان (قَوْله إِذن تكفى همك وَيغْفر ذَنْبك) فِي هذَيْن الخصلتين جماع خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِن من كَفاهُ الله همه سلم من محن الدُّنْيَا وعوارضها لِأَن كل محنة لَا بُد لَهَا من تَأْثِير الْهم وَإِن كَانَت يسيرَة وَمن غفر الله ذَنبه سلم من محن الْآخِرَة لِأَنَّهُ لَا يوبق العَبْد فِيهَا إِلَّا ذنُوبه //
стр. 46
أَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ يَوْم الْجُمُعَة فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَليّ (د. حب)) // الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أَوْس ابْن أَوْس ﵁ وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه أَحْمد وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ هُوَ وَابْن حبَان وَلَفظ الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خلق آدم وَفِيه قبض وَفِيه النفخة الثَّانِيَة وَفِيه الصعقة فَأَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ فِيهِ فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَليّ قَالُوا يَا رَسُول الله وَكَيف تعرض عَلَيْك صَلَاتنَا وَقد أرمت يَعْنِي بليت قَالَ إِن الله سُبْحَانَهُ حرم على الأَرْض ان تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء وَأخرج الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ فِي كل يَوْم جُمُعَة فَإِن صَلَاة أمتِي تعرض عَليّ فِي كل جُمُعَة فَمن كَانَ أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة كَانَ أقربهم مني منزلَة وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن صَلَاة الْعباد يَوْم الْجُمُعَة تعرض عَلَيْهِ وَقد تقدم أَيْضا حَدِيث مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله عَليّ ورحي حَتَّى أرد ﵇ وَقد تقدم حَدِيث أَن لله مَلَائِكَة سياحين يبلغوني السَّلَام وَظَاهر الْجَمِيع أَن كل صَلَاة وَسَلام تبلغه ﷺ وَسَوَاء كَانَ ذَلِك فِي يَوْم الْجُمُعَة أَو فِي غَيره من الْأَيَّام أَو اللَّيَالِي فَلَعَلَّ فِي الْعرض عَلَيْهِ زِيَادَة على مُجَرّد الإبلاغ إِلَيْهِ وَيكون ذَلِك من خَصَائِص الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ فِي يَوْم الْجُمُعَة //
стр. 47
(لَيْسَ أحد يُصَلِّي عَليّ يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا عرضت عَليّ صلَاته (مس)) // الحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء ﵁ وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه ابْن ماجة بِإِسْنَاد جيد بِلَفْظ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ يَوْم مشهود تشهده الْمَلَائِكَة وَأَن أحد صلى عَليّ إِلَّا عرضت عَليّ صلَاته حَتَّى يفرغ مِنْهَا قَالَ وَقلت وَبعد الْمَوْت قَالَ إِن الله حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء وَقد تقدم الْجمع بَين الْأَحَادِيث الدَّالَّة على أَن الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم وَالْأَحَادِيث المصرحة بِأَن الله يرد عَلَيْهِ روحه عِنْد سَلام من سلم عَلَيْهِ وَعند صَلَاة من صلى عَلَيْهِ حَتَّى يرد عَلَيْهِ رَسُول الله //
(كل دُعَاء مَحْجُوب حَتَّى يصلى على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد (طس))
وَصفَة الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ تَأتي فِي التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة إِن شَاءَ الله تَعَالَى // الحَدِيث أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث عَليّ ﵁ قَالَ الْمُنْذِرِيّ أَنه مَوْقُوف وَرُوَاته ثِقَات وَرَفعه بَعضهم وَالْمَوْقُوف أصح انْتهى وَقَالَ الهيثمي رِجَاله ثِقَات وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من حَدِيثه وَأخرجه الديلمي فِي مُسْند الفردوس من حَدِيث أنس ﵁ بِلَفْظ كل دُعَاء مَحْجُوب حَتَّى يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الدينَوَرِي قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الضُّعَفَاء مُنكر الحَدِيث وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن أبي قُرَّة الْأَسدي عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر بن الْخطاب ﵁ مَوْقُوفا قَالَ إِن الدُّعَاء مَوْقُوف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لَا يصعد مِنْهُ شَيْء حَتَّى تصلي على نبيك ﷺ وللوقف فِي مثل هَذَا حكم الرّفْع لِأَن ذَلِك مِمَّا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ وَيشْهد لما فِي الْبَاب مَا أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وصححاه من حَدِيث
стр. 48
فضَالة بن عبيد قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ قَاعد فِي الْمَسْجِد إِذْ دخل عَلَيْهِ رجل فصلى فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني فَقَالَ رَسُول الله ﷺ عجلت أَيهَا الرجل إِذا صليت فَقَعَدت فاحمد الله بِمَا هُوَ أَهله وصل عَليّ ثمَّ ادْعُه قَالَ ثمَّ صلى رجل آخر بعد ذَلِك فَحَمدَ الله وَصلى على النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ ادْع تجب //
فصل فِي آدَاب الذّكر
(يَنْبَغِي أَن يكون الْمَكَان الَّذِي يذكر الله فِيهِ نظيفا خَالِيا والذاكر على أكمل الصِّفَات الْآتِيَة وَأَن يكون فَمه نظيفا وَأَن يزِيل تغيره بِالسِّوَاكِ وَأَن يسْتَقْبل الْقبْلَة وَأَن يتدبر مَا يَقُول ويتعقل مَعْنَاهُ وَأَن جهل شَيْئا تبينه وَلَا يعْتد لَهُ بِشَيْء مِمَّا رتبه الشَّارِع على وَقَوله حَتَّى يتَلَفَّظ بِهِ وَيسمع نَفسه وَأفضل الذّكر الْقُرْآن إِلَّا فِيمَا شرع بِغَيْرِهِ والمواظب على الْأَذْكَار المأثورة صباحا وَمَسَاء وَفِي الْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة هُوَ من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَالذَّاكِرَات وَمن كَانَ لَهُ ورد مَعْرُوف ففاته فليتداركه إِذا أمكنه ليعتاد الْمُلَازمَة عَلَيْهِ)
(قَوْله يَنْبَغِي أَن يكون الْمَكَان الَّذِي يذكر الله فِيهِ نظيفا خَالِيا) أَقُول وَجه هَذَا أَن الذّكر عبَادَة للرب سُبْحَانَهُ والنظافة على الْعُمُوم قد ورد التَّرْغِيب فِيهَا وَالْأَمر بالبعد عَن النَّجَاسَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وثيابك فطهر وَالرجز فاهجر﴾ وَلَا شكّ أَن الْقعُود حَال الدُّعَاء فِي مَكَان مُتَنَجّس يُخَالف آدَاب الْعِبَادَة كَمَا فِي آدَاب الصَّلَاة من تَطْهِير مَكَانهَا وَقد صَحَّ عَنهُ ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه قَالَ فِي الَّذِي لَا يتنزه عَن بَوْله أَن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ
وَالْحَاصِل أَن التَّنَزُّه عَن مُلَابسَة النَّجَاسَة مُطلقًا مَنْدُوب إِلَيْهِ فَتدخل حَالَة الدُّعَاء تَحت ذَلِك دُخُولا أوليا وَإِن لم يرد مَا يدل على هَذَا على
стр. 49
الْخُصُوص وَأما قَوْله خَالِيا فوجهه أَن ذَلِك أقرب إِلَى حُضُور الْقلب وَأبْعد من الرِّيَاء والمباهاة وأعون على تدبر معنى مَا يَدْعُو بِهِ أَو يذكر بِهِ وَلَا شكّ أَن هَذِه الْحَالة أكمل مِمَّا يُخَالِفهَا (قَوْله والذاكر على أكمل الصِّفَات الْآتِيَة) أَقُول ستأتي هَذِه الصِّفَات فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا (قَوْله وَأَن يكون فَمه نظيفا وَأَن يزِيل تغيره بِالسِّوَاكِ) أَقُول وَجه هَذَا أَن الذّكر عبَادَة بِاللِّسَانِ فتنظيف الْفَم عِنْد ذَلِك أدب حسن وَلِهَذَا جَاءَت السّنة المتواترة بمشروعية السِّوَاك للصَّلَاة وَالْعلَّة فِي ذَلِك تنظيف الْمحل الَّذِي يكون الذّكر بِهِ فِي الصَّلَاة وَقد صَحَّ أَنه ﷺ لما سلم عَلَيْهِ بعض الصَّحَابَة تَمِيم من جِدَار الْحَائِط ثمَّ رد عَلَيْهِ وَإِذا كَانَ هَذَا فِي مُجَرّد رد السَّلَام فَكيف بِذكر الله سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ أولى بذلك وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَنهُ ﷺ كرهت أَن أذكر الله إِلَّا على طهر وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة (قَوْله وَأَن يسْتَقْبل الْقبْلَة) أَقُول وَجه ذَلِك أَنَّهَا الْجِهَة الَّتِي شرع الله سُبْحَانَهُ أَن تكون الصَّلَاة إِلَيْهَا وَهِي الْجِهَة الَّتِي يتَوَجَّه إِلَى الله مِنْهَا وَلِهَذَا ورد النَّهْي عَن أَن يبصق الرجل إِلَى جِهَة قبلته مُعَللا بِمثل هَذِه الْعلَّة كَمَا فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب الْمَذْكُور بعد هَذَا مَا ورد فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة (قَوْله ويتدبر مَا يَقُول ويتعقل مَعْنَاهُ وَإِن جهل شَيْئا تبينه) أَقُول لَا ريب أَن تدبر الذاكر لمعاني مَا يذكر بِهِ أكمل لِأَنَّهُ بذلك يكون فِي حكم الْمُخَاطب والمناجي لَكِن وَإِن كَانَ أجر هَذَا أتم وأوفى فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي ثُبُوت مَا ورد الْوَعْد بِهِ من ثَوَاب الْأَذْكَار لمن جَاءَ بهَا فَإِنَّهُ أَعم من أَن يَأْتِي بهَا متدبرا لمعانيها متعقلا لما يُرَاد مِنْهَا أَولا وَلم يرد تَقْيِيد مَا وعد بِهِ من ثَوَابهَا بالتدبر والتفهم (قَوْله وَلَا يعْتد لَهُ بِشَيْء مِمَّا رتبه الشَّارِع على قَوْله حَتَّى يتَلَفَّظ بِهِ وَيسمع نَفسه) أَقُول أما بِاعْتِبَار التَّلَفُّظ فَهُوَ مَعْلُوم من أَقْوَاله ﷺ المصرحة بِأَن من قَالَ كَذَا كَانَ لَهُ من الْأجر كَذَا فَلَا يحصل لَهُ ذَلِك الْأجر إِلَّا بِمَا يصدق عَلَيْهِ معنى القَوْل وَهُوَ لَا يكون إِلَّا بالتلفظ بِاللِّسَانِ وَأما اشْتِرَاط أَن يسمع
стр. 50
نَفسه فَلم يرد مَا يدل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يصدق القَوْل بِمُجَرَّد التَّلَفُّظ وَهُوَ تَحْرِيك اللِّسَان وَأَن لم يسمع نَفسه فَينْظر مَا وَجه الِاشْتِرَاط مَعَ أَنه قد تقدم الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ الْمَذْكُور فِي أول هَذَا الْكتاب بِلَفْظ فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي فَإِذا كَانَ مُجَرّد الذّكر النَّفْسِيّ مقتضيا للثَّواب فَكيف لَا يكون الذّكر اللساني الَّذِي قد صدق عَلَيْهِ أَنه قَول مقتضيا للثَّواب
وَالْحَاصِل أَنه لَا وَجه لهَذَا الِاشْتِرَاط لَا بِاعْتِبَار أصل الثَّوَاب وَلَا بِاعْتِبَار كَمَاله بل قد يكون التدبر والتفهم بِمَا لَا يسمع النَّفس من الْأَذْكَار أتم وأكمل (قَوْله وَأفضل الذّكر الْقُرْآن إِلَّا فِيمَا شرع بِغَيْرِهِ) أَقُول ثَوَاب الْأَذْكَار قد قدرهَا الشَّارِع ﷺ وَصرح بِمَا يحصل لفاعلها من الْأجر وَهَكَذَا مَا ورد فِي تِلَاوَة الْقُرْآن على الْعُمُوم وَفِي تِلَاوَة سُورَة مِنْهُ مُعينَة وآيات خَاصَّة كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي موَاضعه وَكَون هَذَا الذّكر أفضل من هَذَا الذّكر إِنَّمَا يظْهر بِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْأجر فَمَا كَانَ أجره أَكثر كَانَ أفضل وَلَا ريب أَن كَلَام الرب سُبْحَانَهُ أفضل من حَيْثُ ذَاته وأشرف الْكَلَام عل الْإِطْلَاق وَأَيْنَ يكون كَلَام الْبشر من كَلَام خَالق القوى وَالْقدر تبَارك اسْمه وَعلا جده وَلَا إِلَه غَيره
وَأما قَوْله إِلَّا فِيمَا شرع بِغَيْرِهِ فَذَلِك فِي المواطن الَّتِي قد ورد النَّهْي عَن قِرَاءَة الْقُرْآن فِيهَا كَمَا ثَبت عَنهُ ﷺ فِي الصَّحِيح إِنِّي نهيت أَن أَقرَأ الْقُرْآن رَاكِعا وساجدا وَهَكَذَا مَا وَردت بِهِ السّنة من الْأَذْكَار فِي الْأَوْقَات وعقيب الصَّلَوَات فَإِنَّهُ يَنْبَغِي الِاشْتِغَال بِمَا ورد عَنهُ ﷺ فَإِن إرشاده إِلَيْهِ يدل على أَنه أفضل من غَيره (قَوْله والمواظب على الْأَذْكَار المأثورة صباحا مسَاء وَفِي الْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة هُوَ من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَالذَّاكِرَات) أَقُول لَا شكّ أَن صدق هَذَا الْوَصْف أَعنِي كَونه من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَالذَّاكِرَات أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيرا من غير مواظبة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يذكر الله كثيرا على كل أحيانه وَورد عَنهُ
стр. 51
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أحب الْعَمَل إِلَى الله تَعَالَى أَدْوَمه (قَوْله وَمن كَانَ لَهُ ورد مَعْرُوف ففاته تَدَارُكه إِذا أمكنه ليعتاد الْمُلَازمَة عَلَيْهِ) أَقُول هَكَذَا يَنْبَغِي حَتَّى يصدق عَلَيْهِ أَنه مديم للذّكر مواظب عَلَيْهِ وَقد كَانَ الصَّحَابَة ﵃ يقضون مَا فاتهم من أذكارهم الَّتِي كَانُوا يفعلونها فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة وَثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من نَام عَن حزبه من اللَّيْل أَو شَيْء مِنْهُ فقرأه مَا بَين صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الظّهْر كتب الله لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ من اللَّيْل
فصل فِي آدَاب الدُّعَاء
(وآكدها تجنب الْحَرَام مأكلا ومشربا وملبسا وَالْإِخْلَاص لله وَتَقْدِيم عمل صَالح وَالْوُضُوء واستقبال الْقبْلَة وَالصَّلَاة والجثو على الركب وَالثنَاء على الله تَعَالَى وَالصَّلَاة على نبيه أَولا وآخرا وَبسط يَدَيْهِ ورفعهما حَذْو مَنْكِبَيْه وكشفهما مَعَ التأدب والخشوع والمسكنة والخضوع وَأَن يسْأَل الله بأسمائه الْعِظَام الْحسنى والأدعية المأثورة ويتوسل إِلَى الله بأنبيائه وَالصَّالِحِينَ
стр. 52
بخفض صَوت واعتراف بذنب وَيبدأ بِنَفسِهِ وَلَا يخص نَفسه إِن كَانَ إِمَامًا وَيسْأل بعزم ورغبة وجد واجتهاد ويحضر قلبه وَيحسن رَجَاءَهُ ويكرر الدُّعَاء ويلح فِيهِ وَلَا يَدْعُو بإثم وَلَا قطيعة رحم وَلَا بِأَمْر قد فرغ مِنْهُ وَلَا بمستحيل وَلَا يتحجر وَيسْأل حاجاته كلهَا ويؤمن الدَّاعِي والمستمع وَيمْسَح وَجهه بيدَيْهِ بعد فَرَاغه وَلَا يستعجل أَو يَقُول دَعَوْت فَلم يستجب لي)
(قَوْله آدَاب الدُّعَاء) أعلم أَن المُصَنّف ﵀ ذكر فِي كِتَابه الْحصن الْحصين هَذِه الْآدَاب كَمَا هُنَا ورمز رموزا لمن خرجها فَلم نكتف بذلك بل بحثنا كل الْبَحْث عَن أدلتها كَمَا ترَاهُ هَهُنَا وَقد نشِير إِلَى رمز نَادِر وَقد تتبعنا كثيرا مِنْهَا فَلم نجده صَحِيحا وَلَعَلَّ ذَلِك سَببه اخْتِلَاف أَقْلَام الناسخين لذَلِك الْكتاب (قَوْله وآكدها تجنب الْحَرَام مأكلا ومشربا وملبسا) أَقُول وَجه ذَلِك أَن مُلَابسَة الْمعْصِيَة مقتضية لعدم الْإِجَابَة إِلَّا إِذا تفضل الله على عَبده وَهُوَ ذُو الْفضل الْعَظِيم وَمِمَّا يدل على هَذَا قَوْله ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ وَمِمَّا يدل على ذَلِك قَوْله فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عِنْد مُسلم وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ أَنه ذكر الرجل يُطِيل السّفر أَشْعَث أغبر يمد يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء يَا رب يَا رب ومطعمه حرَام وملبسه حرَام وغذي بالحرام فَأنى يُسْتَجَاب لَهُ وَوجه تَخْصِيص الْمُسَافِر بِالذكر أَنه قد ورد أَن دَعوته مستجابة فَإِذا كَانَت ملابسته لِلْحَرَامِ مَانِعَة لقبُول دَعوته فَغَيره بفحوى الْخطاب أَولا (قَوْله وَالْإِخْلَاص لله) أَقُول هَذَا الْأَدَب هُوَ أعظم الْآدَاب فِي أجابة الدُّعَاء لِأَن الْإِخْلَاص هُوَ الَّذِي تَدور عَلَيْهِ دوائر الْإِجَابَة وَقد قَالَ ﴿فَادعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ فَمن دَعَا ربه غير مخلص فَهُوَ حقيق بِأَن لَا يُجَاب إِلَّا أَن يتفضل الله عَلَيْهِ وَهُوَ ذُو الْفضل الْعَظِيم
وَقد روى مَا يدل على ذَلِك الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك (قَوْله وَتَقْدِيم عمل صَالح) أَقُول ليَكُون ذَلِك وَسِيلَة إِلَى
стр. 53
الْإِجَابَة وَيدل على ذَلِك الحَدِيث فِي أمره ﷺ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَيدل على ذَلِك حَدِيث الثَّلَاثَة الَّذين انطبقت عَلَيْهِم الصَّخْرَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا فَإِن النَّبِي ﷺ حكى عَنْهُم أَنه توسل وَاحِد مِنْهُم بأعظم أَعماله الَّتِي عَملهَا لله فَإِنَّهُ اسْتَجَابَ الله دعاءهم وَارْتَفَعت عَنْهُم الصَّخْرَة وَكَانَ ذَلِك بحكايته ﷺ سنة لأمته (قَوْله وَالْوُضُوء) أَقُول وَجهه مَا تقدم فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم على هَذَا من قَوْله ﷺ كرهت أَن أذكر الله إِلَّا على طهر وَالدُّعَاء ذكر وَيدل على ذَلِك حَدِيث أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تَوَضَّأ فَأحْسن وضوءه ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ فَدَعَا ربه إِلَّا كَانَت دَعوته مستجابة مُعجلَة أَو مؤخرة وَحَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا بِمَاء ثمَّ تَوَضَّأ ثمَّ رفع يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لِعبيد بن عَامر الحَدِيث وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي قصَّة طَوِيلَة وَيدل على ذَلِك الحَدِيث الَّذِي أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من كَانَت لَهُ حَاجَة إِلَى الله أَو إِلَى أحد من بني آدم فَليَتَوَضَّأ وليحسن الْوضُوء ثمَّ ليصل رَكْعَتَيْنِ ثمَّ ليثن على الله تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهله وَليصل على النَّبِي ﷺ
سيد الْمجَالِس قبالة الْقبْلَة
(قَوْله واستقبال الْقبْلَة) أَقُول وَجه ذَلِك أَنَّهَا الْجِهَة الَّتِي يتَوَجَّه إِلَيْهَا العابدون لله سُبْحَانَهُ والداعون لَهُ والمتقربون إِلَيْهِ وَقد ورد مَا يرغب فِي ذَلِك على الْعُمُوم كَمَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لكل شَيْء سيدا وَإِن سيد الْمجَالِس قبالة الْقبْلَة وَأخرج نَحوه فِي الْأَوْسَط من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ وَمن ذَلِك أَنه ﷺ لما أَرَادَ أَن يَدْعُو فِي الاسْتِسْقَاء اسْتقْبل الْقبْلَة كَمَا فِي البُخَارِيّ وَغَيره وَقد اسْتقْبل ﷺ الْقبْلَة فِي دُعَائِهِ فِي غير موطن كَمَا فِي يَوْم بدر
стр. 54
أخرجه مُسلم وَغَيره (قَوْله وَالصَّلَاة) أَقُول يدل على ذَلِك الَّذِي ذَكرْنَاهُ قَرِيبا ثمَّ ليصل رَكْعَتَيْنِ الخ وَنَحْوه (قَوْله والجثو على الركب) أَقُول لم يثبت فِي هَذِه الْهَيْئَة شَيْء يصلح للاحتجاج بِهِ وَقد روى مَا يدل عَلَيْهِ أَبُو عوَانَة (قَوْله وَالثنَاء على الله سُبْحَانَهُ) أَقُول يدل على هَذَا قَوْله فِي الحَدِيث الْمَذْكُور قَرِيبا ثمَّ ليثن على الله بِمَا هُوَ أَهله وصل عَليّ ثمَّ ادْعُه (قَوْله وَالصَّلَاة على نبيه) أَقُول يدل على ذَلِك مَا تقدم بِلَفْظ كل دُعَاء مَحْجُوب حَتَّى يصلى على مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَمَا تقدم أَيْضا هُنَالك فِي حَدِيث آخر بِلَفْظ وصل عَليّ وَمَا تقدم قَرِيبا بِلَفْظ وَليصل على النَّبِي ﷺ (قَوْله وَبسط يَدَيْهِ ورفعهما حَذْو مَنْكِبَيْه) أَقُول يدل على ذَلِك مَا وَقع مِنْهُ ﷺ من رفع يَدَيْهِ فِي نَحْو ثَلَاثِينَ موضعا فِي أدعية متنوعة وَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن ماجة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ من حَدِيث سلمَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله حَيّ كريم
стр. 55
يستحي إِذا رفع الرجل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا خائبتين وَأخرج الْحَاكِم نَحوه وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله رَحِيم كريم يستحي من عَبده أَن يرفع إِلَيْهِ يَدَيْهِ ثمَّ لَا يضع فيهمَا خيرا وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث مَالك بن بشار ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا سَأَلْتُم الله فَاسْأَلُوهُ ببطون أكفكم وَلَا تسألوه بظهورها
مسح الْوَجْه باليدين فِي الدُّعَاء
وَأَخْرَجَا أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ نَحوه وَزَاد فِيهِ فَإِذا فَرَغْتُمْ فامسحوا بهَا وُجُوهكُم وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء لم يحطهما حَتَّى يمسح بهما وَجهه وَأما كشفهما فقد روى ذَلِك ابْن مرْدَوَيْه (قَوْله مَعَ التأدب والخشوع والمسكنة والخضوع) أَقُول هَذَا الْمقَام هُوَ أَحَق المقامات بِهَذِهِ الْأَوْصَاف لِأَن الْمَدْعُو هُوَ رب الْعَالمين خَالق الْخلق ورازقه وَفِي ذَلِك سَبَب الْإِجَابَة لِأَن العَبْد إِذا خشع وخضع رَحمَه ربه وتفضل عَلَيْهِ بالإجابة وَقد ورد فِي التَّرْغِيب فِي هَذِه الْأَوْصَاف على الْعُمُوم مَا فِيهِ كِفَايَة وَمِنْه قَوْله ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية﴾ وَقد روى مَا يدل على التأدب مُسلم وَغَيره وروى مَا يدل على الْخُشُوع ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف وروى مَا يدل على الخضوع التِّرْمِذِيّ فَأَما مَا رَوَاهُ مُسلم فَهُوَ من حَدِيث عَليّ ﵁ وَفِيه أَنا عَبدك ظلمت نَفسِي وَاعْتَرَفت بذنبي وَأما مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فَهُوَ من قَول مُسلم بن يسَار قَالَ لَو كنت بَين يَدي ملكا تطلب حَاجَة لسرك أَن تخشع لَهُ وَأما مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فَهُوَ فِي أَحَادِيث الاسْتِسْقَاء من كِتَابه (قَوْله وَأَن يسْأَل بأسماء الله الْعِظَام الْحسنى والأدعية المأثورة) أَقُول يدل على ذَلِك قَوْله ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾ وَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد
стр. 56
وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن ماجة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ سمع رجلا يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِأَنِّي أشهد أَنَّك أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد فَقَالَ لقد سَأَلت الله بِالِاسْمِ الَّذِي إِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى وَإِذا دعِي بِهِ أجَاب وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث معَاذ ﵁ قَالَ سمع النَّبِي ﷺ رجلا وَهُوَ يَقُول يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام فَقَالَ قد اسْتُجِيبَ لَك فسل وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة سَيَأْتِي بَعْضهَا
وَجه التوسل بالأنبياء بالصالحين
(قَوْله ويتوسل إِلَى الله سُبْحَانَهُ بأنبيائه وَالصَّالِحِينَ) أَقُول وَمن التوسل بالأنبياء مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث عُثْمَان بن حنيف ﵁ أَن أعمى أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يكْشف لي عَن بَصرِي قَالَ أَو أدعك فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنِّي قد شقّ عَليّ ذهَاب بَصرِي قَالَ فَانْطَلق فَتَوَضَّأ فصل رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قل اللَّهُمَّ أَنِّي أَسأَلك وأتوجه إِلَيْك بِمُحَمد نَبِي الرَّحْمَة الحَدِيث وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْكتاب عِنْد ذكر صَلَاة الْحَاجة
وَأما التوسل بالصالحين فَمِنْهُ مَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَن الصَّحَابَة استسقوا بِالْعَبَّاسِ ﵁ عَم رَسُول الله ﷺ وَقَالَ عمر ﵁ اللَّهُمَّ إِنَّا نتوسل إِلَيْك بعم نَبينَا الخ (قَوْله بخفض صَوت) أَقُول لحَدِيث أربعوا على أَنفسكُم فَإِنَّكُم لن تدعوا أَصمّ وَلَا غَائِبا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي مُوسَى ﵁ (قَوْله واعتراف بذنب) أَقُول لقَوْله ﷺ فِي حَدِيث عَليّ ﵁ عِنْد مُسلم ظلمت نَفسِي وَاعْتَرَفت بذنبي فَاغْفِر لي ذُنُوبِي جَمِيعهَا (قَوْله وَيبدأ بِنَفسِهِ) أَقُول وَجه ذَلِك مَا روى من الْأَحَادِيث المصرحة بِأَنَّهُ يبْدَأ الْإِنْسَان
стр. 57
بِنَفسِهِ وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا ذكر أحدا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفسِهِ (قَوْله وَلَا يخص نَفسه إِن كَانَ إِمَامًا) أَقُول لحَدِيث لَا يؤم رجل قوما فيخص نَفسه بِالدُّعَاءِ دونهم فَإِن فعل فقد خَانَهُمْ أخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَأخرجه أَيْضا غَيره (قَوْله وَيسْأل بعزم ورغبة وجد واجتهاد) أَقُول وَجه هَذَا مَا أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا دَعَا أحدكُم فَلَا يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لي إِن شِئْت وارحمني إِن شِئْت وارزقني إِن شِئْت وليعزم مَسْأَلته أَنه يفعل مَا يَشَاء وَلَا مكره لَهُ وَفِي لفظ لمُسلم من هَذَا الحَدِيث وَلَكِن ليعزم وليعظم الرَّغْبَة فَإِن الله تَعَالَى لَا يتعاظم شَيْئا أعطَاهُ (قَوْله ويحضر قلبه وَيحسن رَجَاءَهُ) أَقُول وَجه ذَلِك مَا أخرجه أَحْمد بِإِسْنَاد حسن عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْقُلُوب أوعية وَبَعضهَا أوعى من بعض فَإِذا سَأَلْتُم الله تَعَالَى أَيهَا النَّاس فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُم موقنون الْإِجَابَة فَإِن الله لَا يستجيب لعبد دَعَاهُ عَن ظهر قلب غافل وَأخرجه أَيْضا التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ الْحَاكِم مُسْتَقِيم الْإِسْنَاد وَتفرد بِهِ صَالح المرى وَهُوَ أحد زهاد الْبَصْرَة قَالَ الْمُنْذِرِيّ صَالح المرى لَا شكّ فِي زهده لَكِن تَركه أَبُو دَاوُد
стр. 58
وَالنَّسَائِيّ (قَوْله ويكرر الدُّعَاء ويلح فِيهِ) أَقُول وَجه ذَلِك مَا ثَبت من حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَنه ﷺ قَالَ إِن الله يحب الملحين فِي الدُّعَاء أخرجه ابْن عدي فِي الْكَامِل وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من حَدِيث عَائِشَة ﵂ وَأخرج مُسلم فِي صَحِيحه أَنه ﷺ كَانَ إِذا دَعَا كَرَّرَه ثَلَاثًا (قَوْله وَلَا يَدْعُو بإثم وَلَا قطيعة رحم) أَقُول وَجه ذَلِك مَا أخرجه مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُسْتَجَاب للْعَبد مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى قَالَ الْمُنْذِرِيّ بأسانيد جَيِّدَة من حَدِيث أبي سعيد ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من مُسلم يَدْعُو بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ الله بهَا إِحْدَى ثَلَاث أما أَن يعجل لَهُ دَعوته وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا وَأخرجه الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (قَوْله وَلَا بِأَمْر قد فرغ مِنْهُ) أقوم وَجه ذَلِك أَن الشَّيْء إِذا قد فرغ مِنْهُ لم يتَعَلَّق بِالدُّعَاءِ فِيهِ فَائِدَة وَقد روى مُسلم وَالنَّسَائِيّ مَا يدل على ذَلِك من حَدِيث أم حَبِيبَة ﵂ لما سَمعهَا تَدْعُو للنَّبِي ﷺ ولأبيها ولأخيها بِأَن يمتعها الله بهم فَقَالَ ﷺ لن يعجل الله شَيْئا قد أَجله الحَدِيث (قَوْله وَلَا بمستحيل) أَقُول وَجه ذَلِك أَن الدُّعَاء بالمستحيل هُوَ من الاعتداء فِي الدُّعَاء وَقد ثَبت النَّهْي القرآني عَنهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ وَأخرج البُخَارِيّ تَعْلِيقا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ قَالَ فِي الدُّعَاء وَغَيره وَأخرج أَبُو دَاوُد وَابْن ماجة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن مُغفل ﵁ أَنه سمع ابْنه يَقُول اللَّهُمَّ أَنِّي أَسأَلك الْقصر الْأَبْيَض عَن يَمِين الْجنَّة إِذا دَخَلتهَا فَقَالَ أَي بني سل الله الْجنَّة وتعوذ من النَّار فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِنَّه سَيكون
стр. 59
فِي هَذِه الْأمة قوم يعتدون فِي الطّهُور وَالدُّعَاء (قَوْله وَلَا يتحجر) أَقُول وَجهه أَن النَّبِي ﷺ لما سمع الْأَعرَابِي يَقُول اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومحمدا وَلَا ترحم مَعنا أحدا قَالَ لَهُ لقد تحجرت وَاسِعًا وَهُوَ ثَابت فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ (قَوْله وَيسْأل حاجاته كلهَا) أَقُول لما أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ليسأل أحدكُم ربه حاجاته كلهَا حَتَّى يسْأَل شسع نَعله إِذا انْقَطع وَأخرجه أَيْضا ابْن حبَان (قَوْله ويؤمن الدَّاعِي والمستمع) أَقُول وَجهه أَن التَّأْمِين بِمَعْنى طلب الْإِجَابَة من الرب سُبْحَانَهُ واستنجازها فَهُوَ تَأْكِيد لما تقدم من الدُّعَاء وتكرير لَهُ وَقد ورد فِي الصَّحِيح مَا يرشد إِلَى ذَلِك وَأخرج أَبُو دَاوُد عَنهُ ﷺ أَنه سمع رجلا يَدْعُو فَقَالَ وَجب أَن خَتمه بآمين وَأخرج الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد عَن أم سَلمَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ أَمن فِي دُعَائِهِ وَأخرج الْحَاكِم أَيْضا وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد أَنه ﷺ قَالَ لَا يجْتَمع مَلأ فيدعو بَعضهم ويؤمن بَعضهم إِلَّا أجابهم الله (قَوْله وَيمْسَح وَجهه بيدَيْهِ بعد الْفَرَاغ من الدُّعَاء) أَقُول وَجهه مَا أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد عَن مَالك بن يسَار ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا سَأَلْتُم الله فَاسْأَلُوهُ ببطون أكفكم وَلَا تسألوه بظهورها فَإِذا فَرَغْتُمْ فامسحوا وُجُوهكُم وَأخرجه أَيْضا التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيثه وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث عمر ﵁ (قَوْله وَلَا يستعجل أَو يَقُول دَعَوْت فَلم يستجب لي) أَقُول وَجهه مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يُسْتَجَاب لأحدكم مَا لم يعجل يَقُول دَعَوْت فَلم يستجب لي وَأخرج أَحْمد وَأَبُو يعلى بِرِجَال الصَّحِيح من حَدِيث أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يزَال العَبْد بِخَير مَا لم يستعجل قَالُوا يَا نَبِي الله وَكَيف يستعجل قَالَ يَقُول قد دَعَوْت الله فَلم يستجب لي فَفِي الحَدِيث تَفْسِير الاستعجال بقول الدَّاعِي دَعَوْت فَلم يستجب لي وَلَيْسَ مُجَرّد سُؤال العَبْد لرَبه أَن يعجل لَهُ
стр. 60
الْإِجَابَة من هَذَا فقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ فِي دُعَاء الاسْتِسْقَاء عَاجلا غير رائث وَكَانَ الْأَحْسَن أَن يَقُول المُصَنّف وَلَا يستعجل فَيَقُول قد دَعَوْت فَلم يستجب لي لما فِي عِبَارَته من الْإِبْهَام
الْبَاب الثَّانِي
فِي أَوْقَات الْإِجَابَة وَأَحْوَالهَا وأماكنها وَمن يُسْتَجَاب لَهُ وَبِمَ يُسْتَجَاب وَاسم الله الْأَعْظَم وأسمائه الْحسنى وعلامة الاستجابة وَالْحَمْد عَلَيْهَا
فصل فِي أَوْقَات الْإِجَابَة وَأَحْوَالهَا
لَيْلَة الْقدر وَيَوْم عَرَفَة وَشهر رَمَضَان وَلَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة وَسَاعَة الْجُمُعَة
وَهِي مَا بَين أَن يجلس الإِمَام إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة وَالْأَقْرَب أَنَّهَا عِنْد قِرَاءَة الْفَاتِحَة حَتَّى يُؤمن وجوف اللَّيْل وَنصفه الثَّانِي وَثلثه الأول وَثلثه الْأَخير وَوقت السحر وَعند النداء بِالصَّلَاةِ وَبَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَبَين الحيعلتين للمجيب المكروب مس وَعند الْإِقَامَة وَعند الصَّفّ فِي سَبِيل الله وَعند التحام الْحَرْب ودبر الصَّلَوَات المكتوبات وَفِي السُّجُود وَعند تِلَاوَة الْقُرْآن لَا سِيمَا الْخَتْم وَعند قَول الإِمَام وَلَا الضَّالّين وَعند شرب مَاء زَمْزَم (خَ. م) وصياح الديكة واجتماع الْمُسلمين وَفِي مجَالِس الذّكر وَعند تغميض الْمَيِّت (د. س. ت) وَعند نزُول الْغَيْث وَعند الزَّوَال فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان)
(قَوْله فصل فِي أَوْقَات الْإِجَابَة) أَقُول قد رمز المُصَنّف ﵀ فِي كِتَابه الْحصن الْحصين فِي هَذَا الْفَصْل كَمَا فعل فِي الْفَصْل الأول وَقد ذكرنَا هُنَالك
стр. 61
عدم اعتمادنا على رموزه ورجوعنا إِلَى الْبَحْث لتِلْك الْعلَّة (قَوْله لَيْلَة الْقدر) أَقُول قد نطق الْكتاب الْعَزِيز بشرف تِلْكَ اللَّيْلَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَة الْقدر لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا بِإِذن رَبهم من كل أَمر سَلام﴾ وشرفها مُسْتَلْزم لقبُول دُعَاء الداعين فِيهَا وَلِهَذَا أَمرهم ﷺ بالتماسها وحرض الصَّحَابَة على ذَلِك غَايَة التحريض وكرروا السُّؤَال عَنْهَا وتلاحوا فِي شَأْنهَا وَقد أخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَن من قامها إِيمَانًا واحتسابا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِمَعْنَاهُ وَقد روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَالْحَاكِم مَا يدل على أَن الدُّعَاء فِيهَا مجاب وأخرجوا من حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا تَقول فِي لَيْلَة الْقدر اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو فَاعْفُ عني
وَقد اخْتلف فِي تَعْيِينهَا على أَقْوَال كَثِيرَة زِيَادَة على أَرْبَعِينَ قولا وَقد اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي شرحنا للمنتقي وَذكرت أدلتها ورجحت مَا هُوَ الرَّاجِح فَليرْجع إِلَيْهِ (قَوْله وَيَوْم عَرَفَة) أَقُول قد ثَبت مَا يدل على فَضِيلَة هَذَا الْيَوْم وشرفه حَتَّى كَانَ صَوْمه يكفر سنتَيْن وَورد فِي فَضله مَا هُوَ مَعْرُوف وَذَلِكَ يسْتَلْزم إِجَابَة دُعَاء الداعين فِيهِ وَقد روى التِّرْمِذِيّ مَا يدل على إِجَابَة دُعَاء الداعين فِيهِ وَهُوَ مَا أخرجه وَحسنه من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده ﵃ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ خير الدُّعَاء يَوْم عَرَفَة (قَوْله وَشهر رَمَضَان) أَقُول قد ورد فِي شرفه وفضله من الْأَدِلَّة الثَّابِتَة فِي الْأُمَّهَات وَغَيرهَا مَا هُوَ مَعْرُوف وَأخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن ماجة وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا ترد دعوتهم الصَّائِم حِين يفْطر وَفِي لفظ لبَعْضهِم حَتَّى يفْطر وَالْإِمَام الْعَادِل ودعوة الْمَظْلُوم وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله ابْن عَمْرو بن
стр. 62
الْعَاصِ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن للصَّائِم عِنْد فطره لدَعْوَة لَا ترد (قَوْله وَلَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة وَسَاعَة الْجُمُعَة) أَقُول قد ثَبت فضل يَوْم الْجُمُعَة وشرفه على سَائِر الْأَيَّام وَهَكَذَا ليلته وتواترت النُّصُوص بِأَن فِي يَوْم الْجُمُعَة سَاعَة لَا يسْأَل العَبْد فِيهَا ربه شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي تَعْيِينهَا على أَكثر من أَرْبَعِينَ قولا قد أوضحناها فِي شرحنا للمنتقى وَذكرنَا أدلتها ورجحنا مَا هُوَ الرَّاجِح مِنْهَا فَليرْجع إِلَيْهِ وَقد روى التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم حَدِيثا فِي قبُول الدُّعَاء لَيْلَة الْجُمُعَة من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعَلي بن أبي طَالب ﵁ أَن فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَاعَة الدُّعَاء فِيهَا مستجاب وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالْحَاكِم وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم حَدِيثا فِي قبُول الدُّعَاء يَوْم الْجُمُعَة من غير نظر إِلَى تِلْكَ السَّاعَة الَّتِي تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث بِقبُول الدُّعَاء فِيهَا (قَوْله وجوف اللَّيْل) أَقُول يدل على هَذَا مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء يسمع قَالَ فِي جَوف اللَّيْل ودبر الصَّلَاة (قَوْله وَنصفه الثَّانِي وَثلثه الأول وَثلثه الْأَخير) أَقُول يدل على ذَلِك مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح من حَدِيث عَمْرو بن عبسة أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول أقرب مَا يكون العَبْد من ربه فِي جَوف اللَّيْل الآخر فَإِن اسْتَطَعْت أَن تكون مِمَّن يذكر الله فِي تِلْكَ السَّاعَة فَكُن وَأخرجه أَيْضا ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يسألني فَأعْطِيه من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَن الله سُبْحَانَهُ يُمْهل حَتَّى إِذا ذهب ثلث اللَّيْل الأول نزل إِلَى
стр. 63
سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول أَنا الْملك أَنا الْملك من الَّذِي يدعوني الحَدِيث وَأخرج مُسلم من حَدِيث جَابر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن فِي اللَّيْل لساعة لَا يُوَافِقهَا رجل مُسلم يسْأَل الله خيرا من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه وَذَلِكَ فِي كل لَيْلَة (قَوْله وَوقت السحر) أَقُول هَذَا جُزْء من أَجزَاء ثلث اللَّيْل الآخر وَقد تقدم فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا مَا يدل على قبُول الدُّعَاء فِيهِ (قَوْله وَعند النداء بِالصَّلَاةِ) أَقُول لما أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث سهل بن سعد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثِنْتَانِ لَا يردان الدُّعَاء عِنْد النداء وَعند الْبَأْس حِين يلحم بَعضهم بَعْضًا وَزَاد أَبُو دَاوُد وَتَحْت الْمَطَر وَأخرجه ابْن حبَان وَالْحَاكِم وصححاه (قَوْله وَبَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة) أَقُول لما أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يرد الدُّعَاء بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة قيل مَاذَا نقُول يَا رَسُول الله قَالَ سلو الله الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأخرجه أَيْضا النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (قَوْله وَبَين الحيعلتين للمجيب المكروب) أَقُول يُرِيد بالمجيب الَّذِي يَقُول كَمَا يَقُول الْمُؤَذّن فَإِنَّهُ كالمجيب لَهُ وَبِقَوْلِهِ المكروب من أَصَابَهُ كرب
وَفِيه إِشَارَة إِلَى مَا ورد فِي ذَلِك وَهُوَ مَا أخرجه الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد من حَدِيث أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا نَادَى الْمُنَادِي فتحت أَبْوَاب السَّمَاء واستجيب الدُّعَاء فَمن نزل بِهِ كرب أَو شدَّة فليتحين الْمُنَادِي فَإِذا كبر كبر وَإِذا تشهد تشهد وَإِذا قَالَ حَيّ على الصَّلَاة قَالَ حَيّ على الصَّلَاة وَإِذا قَالَ حَيّ على الْفَلاح قَالَ حَيّ على الْفَلاح ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة الصادقة المستجاب لَهَا دَعْوَة الْحق وَكلمَة التَّقْوَى أحينا عَلَيْهَا وأمتنا عَلَيْهَا واجعلنا من خِيَار أَهلهَا أَحيَاء وأمواتا ثمَّ يسْأَل الله حَاجته وَفِي
стр. 64
إِسْنَاده عفير بن معدان قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَهُوَ واه وَلَا يخفاك أَن هَذَا الدُّعَاء فِي هَذَا الحَدِيث مُصَرح بِأَنَّهُ بعد الحيعلتين فَقَوْل المُصَنّف وَبَين الحيعلتين غير صَوَاب (قَوْله وَعند الْإِقَامَة) أَقُول وَلَعَلَّ الْوَجْه فِي ذَلِك أَن الْإِقَامَة هِيَ نِدَاء إِلَى الصَّلَاة كالأذان وَقد تقدم مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء مُطلقًا عِنْد النداء وَيدل على خُصُوصِيَّة الْإِقَامَة مَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا ثوب بِالصَّلَاةِ فتحت أَبْوَاب السَّمَاء واستجيب الدُّعَاء وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث سهل بن سعد ﵁ بِلَفْظ ساعتان لَا ترد على دَاع دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ وَلَفظ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من هَذَا الحَدِيث عِنْد حُضُور الصَّلَاة وَقَوله فِيمَا تقدم قَرِيبا فِي الشَّرْح إِذا ثوب بِالصَّلَاةِ المُرَاد بالتثويب الْإِقَامَة وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الحَدِيث الآخر حِين تُقَام الصَّلَاة وَعند حُضُور الصَّلَاة (قَوْله وَعند الصَّفّ فِي سَبِيل الله) أَقُول يدل على ذَلِك مَا أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ ساعتان تفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء وَقل دَاع ترد عَلَيْهِ دَعوته حَضْرَة النداء للصَّلَاة والصف فِي سَبِيل الله
стр. 65
وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا (قَوْله وَعند التحام الْحَرْب) أَقُول يدل على ذَلِك حَدِيث سهل بن سعد الْمُتَقَدّم بِلَفْظ وَعند الْبَأْس حِين يلحم بَعضهم بَعْضًا (قَوْله ودبر الصَّلَوَات المكتوبات) أَقُول قد ورد الْإِرْشَاد إِلَى الْأَذْكَار فِي دبر الصَّلَوَات وَهِي مُشْتَمِلَة على ترغيب عَظِيم وفيهَا أَن الذاكر يقوم مغفورا لَهُ وفيهَا أَنَّهَا تحل لَهُ الشَّفَاعَة وفيهَا أَنه يكون فِي ذمَّة الله إِلَى الصَّلَاة الْأُخْرَى وفيهَا أَنَّهَا لَو كَانَت خطاياه مثل زبد الْبَحْر لمحتهن وَغير ذَلِك من الترغيبات وكل ذَلِك يدل على شرف هَذَا الْوَقْت وَقبُول الدُّعَاء فِيهِ وَقد ورد حَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ أَن دبر الصَّلَاة من الْأَوْقَات الَّتِي تجاب فها الدَّعْوَات وَهُوَ من حَدِيث أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء اسْمَع قَالَ جَوف اللَّيْل الْأَخير ودبر الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (قَوْله وَفِي السُّجُود) أَقُول يدل على ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَنهُ ﷺ أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد فَأَكْثرُوا الدُّعَاء أخرجه مُسلم وَغَيره (قَوْله وَعند تِلَاوَة الْقُرْآن لَا سِيمَا الْخَتْم) أَقُول يدل على ذَلِك مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَنه مر على قَارِئ يقْرَأ ثمَّ يسْأَل فَاسْتَرْجع ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من قَرَأَ الْقُرْآن فليسأل الله بِهِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقوام يقرءُون الْقُرْآن يسْأَلُون بِهِ النَّاس وَأخرج الطَّبَرَانِيّ مَا يدل على مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء عِنْد ختم الْقُرْآن وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مُجَاهِد إِذا ختم الْقُرْآن نزلت الرَّحْمَة (قَوْله وَعند قَول الإِمَام وَلَا الضَّالّين) أَقُول يدل على ذَلِك مَا ثَبت فِي مُسلم وَغَيره بِلَفْظ إِذا قَالَ الإِمَام غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين فَقولُوا آمين يحبكم الله وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا أَمن الإِمَام فَأمنُوا فَإِنَّهُ من وَافق تأمينه تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَفِي الْمُوَطَّأ أَنه
стр. 66
يَقُول رب اغْفِر لي آمين (قَوْله وَعند شرب مَاء زَمْزَم) أَقُول يدل على ذَلِك مَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ إِن شربته تستشفى بِهِ شفاك الله وَإِن شربته لشبعك أشبعك الله وَإِن شربته لقطع ظمئك قطعه الله وَهُوَ هزمة جِبْرِيل وسقيا اسماعيل وَزَاد الْحَاكِم وَإِن شربته مستعيذا أَعَاذَك الله قَالَ وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا شرب مَاء زَمْزَم قَالَ اللَّهُمَّ أَنِّي أَسأَلك علما نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وشفاء من كل دَاء قَالَ الْحَاكِم بعد إِخْرَاجه صَحِيح الْإِسْنَاد إِذا سلم من الْجَارُود مَعْنَاهُ مُحَمَّد بن حبيب قَالَ الْمُنْذِرِيّ سلم مِنْهُ فَإِنَّهُ صَدُوق قَالَه الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَغَيره وَلَكِن الرَّاوِي عَنهُ مُحَمَّد بن هِشَام الْمروزِي لَا أعرفهُ وروى الدَّارَقُطْنِيّ دُعَاء ابْن عَبَّاس مُفردا من رِوَايَة حَفْص بن عمر الْعَدنِي (قَوْله وصياح الديكة) أَقُول يدل عَلَيْهِ مَا ورد فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا سَمِعْتُمْ صياح الديكه فاسألوا الله من فَضله فَإِنَّهَا رَأَتْ ملكا وَإِذا سَمِعْتُمْ نهيق الْحمار فتعوذوا بِاللَّه فَإِنَّهُ رأى شَيْطَانا (قَوْله واجتماع الْمُسلمين وَفِي مجَالِس الذّكر أَقُول المُرَاد باجتماع الْمُسلمين فِي مجَالِس الذّكر فَإِنَّهَا قد وَردت بذلك الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة وَمن ذَلِك مَا أخرجه مُسلم وَغير من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ وَأبي سعيد ﵁ أَنَّهُمَا شَهدا على رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يقْعد قوم يذكرُونَ الله إِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من الحَدِيث الطَّوِيل وَفِيه أَن الله يَقُول لملائكته اشْهَدُوا أَنِّي قد غفرت لَهُم فَيَقُول ملك من الْمَلَائِكَة فيهم فلَان لَيْسَ فيهم إِنَّمَا جَاءَ لحَاجَة قَالَ هم الْقَوْم لَا يشقى بهم جليسهم
стр. 67
وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث حَفْصَة بنت سِيرِين فِي خُرُوج النِّسَاء يَوْم الْعِيد وَفِيه وليشهدن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين فَهَذَا دَلِيل على أَن مجامع الْمُسلمين من مَوَاطِن الدُّعَاء (قَوْله وَعند تغميض الْمَيِّت) أَقُول الدَّلِيل على ذَلِك مَا أخرجه مُسلم وَأهل السّنَن من حَدِيث أم سَلمَة قَالَت دخل رَسُول الله ﷺ على أبي سَلمَة وَقد شقّ بَصَره فاغمضه فَقَالَ إِن الرّوح إِذا قبض تبعه الْبَصَر فَضَجَّ نَاس من أَهله فَقَالَ لَا تدعوا على أَنفسكُم إِلَّا بِخَير فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا تَقولُونَ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لأبي سَلمَة وَأَرْفَع دَرَجَته فِي المهديين وأخلفه فِي عقبَة فِي الغابرين واغفر لنا وَله يَا رب الْعَالمين وأفسح لَهُ فِي قَبره وَنور لَهُ فِيهِ (قَوْله والحضور عِنْد الْمَيِّت) أَقُول ثَبت هَذَا اللَّفْظ فِي بعض النّسخ وَلم يثبت فِي أَكْثَرهَا وَلَعَلَّ وَجهه مَا أخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا حضر الْمُؤمن أَتَت مَلَائِكَة الرَّحْمَة الحَدِيث فَيكون الدُّعَاء عِنْد حُضُور هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة مَقْبُولًا (قَوْله وَعند نزُول الْغَيْث) أَقُول وَجهه مَا تقدم من حَدِيث سهل بن سعد عِنْد أبي دَاوُد بِلَفْظ وَتَحْت الْمَطَر وَأخرجه أَيْضا الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم من حَدِيثه وَهُوَ حَدِيث صَحِيح وَوَقع فِي بعض النّسخ من هَذَا الْكتاب زِيَادَة وَهُوَ قَوْله وَعند الزَّوَال فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء وَلم تثبت فِي أَكثر النّسخ وَوجه ذَلِك أَنه ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان
فصل فِي أَمَاكِن الْإِجَابَة وَهِي الْمَوَاضِع الْمُبَارَكَة
(وَلَا أعلم دَلِيلا فِي ذَلِك ورد عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد جيد إِن الدُّعَاء مستجاب عِنْد رُؤْيَة الْكَعْبَة)
(قَوْله وَهِي الْمَوَاضِع الْمُبَارَكَة) أَقُول وَجه ذَلِك أَنه يكون فِي هَذِه الْمَوَاضِع
стр. 68
الْمُبَارَكَة مزِيد اخْتِصَاص فقد يكون مَا لَهَا من الشّرف وَالْبركَة مقتضيا لعود بركتها على الدَّاعِي فِيهَا وَفضل الله وَاسع وعطاؤه جم وَقد تقدم حَدِيث هم الْقَوْم لَا يشقى بهم جليسهم فَجعل جليس أُولَئِكَ الْقَوْم مثلهم مَعَ أَنه لَيْسَ مِنْهُم وَإِنَّمَا عَادَتْ عَلَيْهِ بركتهم فَصَارَ كواحد مِنْهُم فَلَا يبعد أَن تكون الْمَوَاضِع الْمُبَارَكَة هَكَذَا فَيصير الْكَائِن فِيهَا الدَّاعِي لرَبه عِنْدهَا مشمولا بِالْبركَةِ الَّتِي جعلهَا الله فِيهَا فَلَا يشقى حِينَئِذٍ بِعَدَمِ قبُول دُعَائِهِ (قَوْله وَلَا أعلم دَلِيلا ورد عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ) أَقُول لَعَلَّه يُشِير إِلَى مَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا ترفع الْأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعَة مَوَاطِن حِين تفتتح الصَّلَاة وَحين تدخل الْمَسْجِد الْحَرَام فتنظر إِلَى الْبَيْت وَحين تقوم على الصَّفَا وَحين تقوم على الْمَرْوَة وَحين تقوم مَعَ النَّاس عَشِيَّة عَرَفَة وَتجمع العشاءين وَحين ترمي الْجَمْرَة وَلَفظه فِي الْأَوْسَط أَنه قَالَ رفع الْيَدَيْنِ إِذا رَأَيْت الْبَيْت وَفِيه وَعند رمي الْجمار وَإِذا أُقِيمَت الصَّلَاة قَالَ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد فِي الْإِسْنَاد الأول مُحَمَّد بن أبي ليلى وَهُوَ سيئ الْحِفْظ وَحَدِيثه حسن اه وَفِي الْإِسْنَاد الثَّانِي عَطاء بن السَّائِب وَقد اخْتَلَط وَكَانَ على المُصَنّف ﵀ أَن يَجْعَل هَذِه الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الحَدِيث مَنْصُوصا عَلَيْهَا لهَذَا الحَدِيث وَلَا يخص رُؤْيَة الْبَيْت وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ فِي حَدِيثه الطَّوِيل أَن رَسُول الله ﷺ أَتَى الصَّفَا وَصلى عَلَيْهِ حَتَّى نظر إِلَى الْبَيْت وَرفع يَدَيْهِ وَجعل يحمد الله وَيَدْعُو مَا شَاءَ الله أَن يَدْعُو وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط من حَدِيث حذيفه بن أسيد أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا نظر إِلَى الْبَيْت قَالَ اللَّهُمَّ زد بَيْتك هَذَا تَعْظِيمًا وتشريفا وتكريما وَبرا ومهابة وَفِي إِسْنَاده عَاصِم بن سُلَيْمَان الكوزي وَهُوَ مَتْرُوك كَمَا قَالَ الهيثمي
стр. 69
(وَورد مجربا فِي مَوَاضِع كَثِيرَة مَشْهُورَة فِي الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة وَبَين الجلالتين من سُورَة الْأَنْعَام وَفِي الطّواف وَعند الْمُلْتَزم وَفِيه حَدِيث مَرْفُوع روينَاهُ مسلسلا)
(قَوْله وَورد مجربا) أَقُول لَعَلَّ وَجه مَا ثَبت بِهَذَا التجريب مزِيد شرف هَذِه الْمَوَاضِع وَلذَلِك مدخلية فِي قبُول الدُّعَاء كَمَا قدمنَا قَرِيبا وَقد ثَبت فِيمَا يُضَاعف أجر الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي مَسْجده ﷺ مَا هُوَ مَعْرُوف فَغير بعيد أَن يكون فِيهَا مَقْبُولًا زِيَادَة على مَا فِي غَيرهَا (قَوْله وَفِيه حَدِيث مَرْفُوع) أَقُول هُوَ مَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام مُلْتَزم مَا يَدْعُو بِهِ صَاحب عاهة إِلَّا برِئ قَالَ فِي مجمع الزَّوَائِد وَفِيه عباد بن كثير الثَّقَفِيّ وَهُوَ مَتْرُوك وَبِهَذَا تعرف أَن الحَدِيث ضَعِيف بالمرة فَلَا يَصح مَا وَقع فِي بعض نسخ هَذَا الْكتاب بِلَفْظ وَفِيه حَدِيث صَحِيح
(وَفِي دَاخل الْبَيْت وَعند زَمْزَم وعَلى الصَّفَا والمروة وَفِي الْمَسْعَى وَخلف الْمقَام وَفِي عَرَفَات والمزدلفة وَمنى وَعند الجمرات الثَّلَاث)
(قَوْله وَفِي دَاخل إِلَى آخر مَا ذكره) أَقُول لما ثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَن النَّبِي ﷺ لما دخل الْبَيْت دَعَا فِي نواحيه وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ لما دخل الْبَيْت دَعَا على نفر من قُرَيْش وَظَاهر كَلَامه أَنه لم يثبت فِي هَذِه الْمَوَاضِع شَيْء إِلَّا مُجَرّد التجريب كَمَا تقدم وَفِيه نظر وَقد تقدم حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ الْمَذْكُور قَرِيبا أَن من جملَة الْمَوَاضِع السَّبْعَة الَّتِي ترفع فِيهَا الْأَيْدِي حِين تقوم على الصَّفَا وَحين تقوم على الْمَرْوَة وَحين تقف مَعَ النَّاس عَشِيَّة عَرَفَة وَتجمع العشاءين وَعند رمي الْجمار يَرْمِي وَيَدْعُو وَثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ عِنْد رمي الْجمار وَيَدْعُو وَثَبت عِنْد مُسلم وَأهل السّنَن أَنه ﷺ دَعَا عِنْد الْمشعر الْحَرَام وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة من حَدِيث جَابر ﵁ أَنه ﷺ رقى على الصَّفَا فَوحد الله وَكبره وَهَلله ثمَّ دَعَا بَين ذَلِك وَفعل على الْمَرْوَة كَمَا فعل على الصَّفَا
стр. 70
(وَعند قُبُور الْأَنْبِيَاء ﵈ وَلَا يَصح قبر نَبِي بِعَيْنِه سوى قبر نَبينَا ﷺ بِالْإِجْمَاع فَقَط وقبر إِبْرَاهِيم ﵇ دَاخل السُّور من غير تعْيين وجرب استجابة الدُّعَاء عِنْد قُبُور الصَّالِحين بِشُرُوط مَعْرُوفَة)
(قَوْله وَعند قُبُور الْأَنْبِيَاء) أَقُول هَذَا جعله المُصَنّف ﵀ دَاخِلا فِيمَا تقدم من التجريب الَّذِي ذكره وَوجه ذَلِك مزِيد الشّرف ونزول الْبركَة وَقد قدمنَا أَنَّهَا تسري بركَة الْمَكَان على الدَّاعِي كَمَا تسري بركَة الصَّالِحين الذَّاكِرِينَ الله سُبْحَانَهُ على من دخل فيهم مِمَّن لَيْسَ هُوَ مِنْهُم كَمَا يفِيدهُ قَوْله ﷺ هم الْقَوْم لَا يشقى بهم جليسهم (قَوْله وجرب استجابة الدُّعَاء عِنْد قُبُور الصَّالِحين) أَقُول وَجه هَذَا مَا ذَكرْنَاهُ هَهُنَا وَفِيمَا تقدم وَلَكِن ذَلِك بِشَرْط أَن لَا تنشأ عَن ذَلِك مفْسدَة وَهِي أَن يعْتَقد فِي ذَلِك الْمَيِّت مَا لَا يجوز اعْتِقَاده كَمَا يَقع لكثير من المعتقدين فِي الْقُبُور فَإِنَّهُم قد يبلغون الغلو بِأَهْلِهَا إِلَى مَا هُوَ شرك بِاللَّه فينادونهم مَعَ الله وَيطْلبُونَ مِنْهُم مَا لَا يطْلب إِلَّا من الله وَهَذَا مَعْلُوم من أَحْوَال كثير من العاكفين على الْقُبُور خُصُوصا الْعَامَّة الَّذين لَا يَفْطنُون لدقائق الشّرك وَقد جمعت فِي ذَلِك رِسَالَة مطوله سميتها الدّرّ النضيد فِي إخلاص التَّوْحِيد جَوَاب عَن سُؤال بعض الْأَعْلَام
فصل الَّذين يُسْتَجَاب دعاؤهم وَبِمَ يُسْتَجَاب
(الْمُضْطَر والمظلوم مُطلقًا وَلَو كَانَ فَاجِرًا أَو كَافِرًا وَالْوَالِد على وَلَده
стр. 71
وَالْإِمَام الْعَادِل وَالرجل الصَّالح وَالْولد الْبَار بِوَالِديهِ وَالْمُسَافر والصائم حِين يفْطر وَالْمُسلم لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب وَالْمُسلم مَا لم يدع بظُلْم أَو قطيعة رحم أَو يَقُول دَعَوْت فَلم أجب والتائب فقد قَالَ ﷺ إِن لله عُتَقَاء فِي كل يَوْم وَلَيْلَة لكل عبد مِنْهُم دَعْوَة مستجابة)
(قَوْله الْمُضْطَر) أَقُول يدل على ذَلِك الْكتاب الْعَزِيز ﴿أم من يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ﴾ وَقد روى فِي ذَلِك حَدِيث الثَّلَاثَة الَّذين انطبقت عَلَيْهِم الصَّخْرَة فَإِنَّهُم مضطرون وَهُوَ ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (قَوْله والمظلوم مُطلقًا وَلَو كَانَ فَاجِرًا أَو كَافِرًا) أَقُول يدل على ذَلِك مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث دعوات لَا شكّ فِي إجابتها دَعْوَة الْمَظْلُوم ودعوة الْمُسَافِر ودعوة الْوَالِد على وَلَده وَأخرجه أَيْضا أَبُو دَاوُد وَالْبَزَّار وَمَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَأخرجه أَيْضا أَحْمد من حَدِيث عقبَة بن عَامر ﵁ عَنهُ ﷺ ثَلَاثَة تستجاب دعوتهم الْوَالِد وَالْمُسَافر والمظلوم وَأخرج نَحوه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان وَكَذَلِكَ الْبَزَّار وَأخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَنهُ ﷺ ثَلَاثَة لَا ترد دعوتهم الإِمَام الْعَادِل والصائم حَتَّى يفْطر ودعوة الْمَظْلُوم وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ بعث معَاذًا إِلَى الْيمن فَقَالَ اتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينهَا وَبَين الله حجاب وَفِي الْبَاب أَحَادِيث وَأخرج أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَنهُ ﷺ دَعْوَة الْمَظْلُوم مستجابة وَإِن كَانَ فَاجِرًا
стр. 72
ففجوره على نَفسه وَنَحْوه حَدِيث أنس ﵁ عِنْد أَحْمد وَإِن كَانَ فَاجِرًا وَأخرجه أَيْضا الْبَزَّار قَالَ الْمُنْذِرِيّ والهيثمي وَإِسْنَاده حسن وَأخرجه أَحْمد وَابْن حبَان بِلَفْظ وَلَو كَانَ فَاجِرًا (قَوْله وَالْوَالِد على وَلَده وَالْإِمَام الْعَادِل) أَقُول يدل على ذَلِك مَا ذكرنَا هـ هَهُنَا من الْأَحَادِيث (قَوْله وَالرجل الصَّالح) أَقُول لَا بُد من تَقْيِيد ذَلِك بِمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيث دَعْوَة الْمُسلم لَا ترد بقوله ﷺ مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم وَكَأن ذكر الْمُسلم فِيمَا سَيَأْتِي يُغني عَن ذكر الصَّالح هَهُنَا لِأَن لفظ الْمُسلم يتَنَاوَل الرجل الصَّالح تناولا أوليا (قَوْله وَالْولد الْبَار بِوَالِديهِ) أَقُول لما أخرجه الْبَزَّار عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَن الله ﵎ ليرْفَع للرجل الدرجَة فَيَقُول أَنى لي هَذِه فَيَقُول بِدُعَاء ولدك قَالَ الهيثمي وَرِجَاله رجال الصَّحِيح غير عَاصِم بن بَهْدَلَة وَهُوَ حسن الحَدِيث وَله طرق وَيدل على هَذَا حَدِيث الثَّلَاثَة الَّذين انطبقت عَلَيْهِم الصَّخْرَة فدعوا الله بِصَالح أَعْمَالهم وَكَانَ أحدهم بارا بِوَالِديهِ فتوسل إِلَى الله تَعَالَى بذلك فَأجَاب دعاءه وَهَذَا الحَدِيث فِي الصَّحِيح مطولا (قَوْله وَالْمُسَافر والصائم) أَقُول يدل على ذَلِك الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكرنَاهَا قَرِيبا (قَوْله وَالْمُسلم لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب) أَقُول يدل على ذَلِك مَا أخرجه مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من عبد مُسلم يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب إِلَّا قَالَ الْملك وَلَك مثل ذَلِك وَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أسْرع الدُّعَاء إِجَابَة دَعْوَة غَائِب لغَائِب قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ دعوتان لَيْسَ دونهمَا حجاب دَعْوَة الْمَظْلُوم ودعوة الْمَرْء لِأَخِيهِ الْمُسلم بِظهْر الْغَيْب وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ اسْتَأْذَنت النَّبِي ﷺ فِي الْعمرَة فَأذن لي وَقَالَ
стр. 73
أشركنا يَا أخي فِي دعائك وَلَا تنسنا فَقَالَ كلمة مَا يسرني أَن لي بهَا الدُّنْيَا (قَوْله وَالْمُسلم مَا لم يدع بظُلْم أَو قطيعة رحم أَو يَقُول دَعَوْت فَلم أجب) أَقُول يدل على ذَلِك مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا على الأَرْض مُسلم يَدْعُو بدعوة إلأ آتَاهُ الله إِيَّاهَا أَو صرف عَنهُ من السوء مثلهَا مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى قَالَ الْمُنْذِرِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من مُسلم يَدْعُو بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ الله إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَن يعجل لَهُ دَعوته وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا وَأخرجه أَيْضا الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ يُسْتَجَاب لأحدكم مَا لم يعجل يَقُول دَعَوْت فَلم يستجب لي وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ لَا يزَال يُسْتَجَاب للْعَبد مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم وَمَا لم يستعجل قيل يَا رَسُول الله مَا الاستعجال قَالَ يَقُول قد دَعَوْت فَلم يستجب لي فيستحسر عِنْد ذَلِك ويدع الدُّعَاء وَفِي الْبَاب عَن أنس ﵁ عِنْد أَحْمد وَأبي يعلى بِإِسْنَاد رِجَاله رجال الصَّحِيح (قَوْله والتائب فقد قَالَ ﷺ الخ) أَقُول هَذَا الحَدِيث أخرجه أَحْمد كَمَا قَالَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ﵄ قَالَ الهيثمي رجال أَحْمد رجال الصَّحِيح وَقيل فِي إِسْنَاده أبان بن عَيَّاش وَهُوَ مَتْرُوك
(وَمن تعار من اللَّيْل أَي اسْتَيْقَظَ فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه
стр. 74
إِلَّا الله وَالله أكبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَيَدْعُو يستجب لَهُ فَإِن تَوَضَّأ وَصلى قبلت صلَاته (خَ)) // الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه أَحْمد والدارمي وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان (قَوْله من تعار بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا عين مُهْملَة وَبعد الْألف رَاء مُهْملَة مُشَدّدَة أَي هَب من نَومه مَعَ صَوت وَقَوله تعار فَقَالَ ظَاهره أَنه يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا القَوْل عقيب الاستيقاظ من غير تراخ كَمَا يُفِيد ذَلِك الْفَاء وَظَاهر الحَدِيث أَن استجابة الدُّعَاء لَا تحصل إِلَّا بعد أَن يَقُول المستيقظ جَمِيع مَا ذكر فِيهِ وَإِنَّمَا أفرد قَوْله اللَّهُمَّ اغْفِر لي مَعَ دُخُوله فِي عُمُوم الدُّعَاء الْمَذْكُور بعده لِأَن مغْفرَة جَمِيع الذُّنُوب هِيَ أعظم مَا يَطْلُبهُ المتوجهون إِلَى الله سُبْحَانَهُ بِالدُّعَاءِ وَثَبت فِي بعض النّسخ بعد قَوْله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم //
(وَمن دَعَا بهؤلاء الْكَلِمَات الْخمس لم يسْأَل الله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه (ط)) // الحَدِيث أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث مُعَاوِيَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من دَعَا بهؤلاء الْكَلِمَات
стр. 75
الْخمس فَذكره قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي التَّرْغِيب والترهيب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد حسن وَهَذِه الْكَلِمَات الْخمس الأولى مِنْهُنَّ قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَالثَّانيَِة لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَالثَّالِثَة وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَالرَّابِعَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْخَامِسَة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه //
(وَسمع النَّبِي ﷺ رجلا يَقُول يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام فَقَالَ قد اسْتُجِيبَ لَك فسل (ت)) // الحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد إِخْرَاجه حَدِيث حسن وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن استفتاح الدُّعَاء بقول الدَّاعِي يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام يكون سَببا فِي الْإِجَابَة وَفضل الله وَاسع //
(إِن لله ملكا موكلا بِمن يَقُول يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ فَمن قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات قَالَ لَهُ الْملك إِن أرْحم الرَّاحِمِينَ قد أقبل عَلَيْك فسل (مس)) // الحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي أُمَامَة ﵁ وَقد صَححهُ الْحَاكِم وَتعقبه الذَّهَبِيّ بِأَنَّهُ من حَدِيث كَامِل بن طَلْحَة عَن فضَالة أَو قَالَ فضَالة لَيْسَ بِشَيْء فَأَيْنَ الصِّحَّة (قَوْله قد أقبل عَلَيْك) أَي بِالرَّحْمَةِ والرأفة وَإجَابَة مَا دَعَوْت بِهِ قيل وَالْمرَاد أَن كل إِنْسَان يَقُول ذَلِك يُوكل بِهِ ملك مَخْصُوص وَقيل أَن الْملك الْمُوكل بِمن يَقُول ذَلِك هُوَ ملك وَاحِد وَالْأول أظهر لِكَثْرَة الْقَائِلين بِهَذِهِ الْمقَالة من خلق الله وتفرقهم فِي الأقطار //
(من سَأَلَ الله الْجنَّة ثَلَاث مَرَّات قَالَت الْجنَّة اللَّهُمَّ أدخلهُ الْجنَّة وَمن استجار من النَّار ثَلَاث مَرَّات قَالَت النَّار اللَّهُمَّ أجره من النَّار (ت. حب))
следующие страницы →