← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6848

الكبائر للذهبي

شمس الدين الذهبي

Полный текст (234 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَصدقهمْ بكذبهم وَأَعَانَهُمْ على ظلمهم فَلَيْسَ مني وَلست مِنْهُ وَمن لم يدْخل عَلَيْهِم وَلم يُعِنْهُمْ على ظلمهم فَهُوَ مني وَأَنا مِنْهُ وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ من أعَان ظَالِما سلط عَلَيْهِ وَقَالَ سعيد بن الْمسيب ﵀ لَا تملأوا أعينكُم من أعوان الظلمَة إِلَّا بإنكار من قُلُوبكُمْ لِئَلَّا تحبط أَعمالكُم الصَّالِحَة وَقَالَ مَكْحُول الدِّمَشْقِي يُنَادي مُنَاد يَوْم الْقِيَامَة أَيْن الظلمَة وأعوانهم فَمَا يبْقى أحد مد لَهُم حبراً أَو حبر لَهُم دَوَاة أَو بري لَهُم قَلما فَمَا فَوق ذَلِك إِلَّا حضر مَعَهم فَيجْمَعُونَ فِي تَابُوت من نَار فيلقون فِي جَهَنَّم وَجَاء رجل خياط إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ فَقَالَ إِنِّي رجل أخيط ثِيَاب السُّلْطَان هَل أَنا من أعوان الظلمَة فَقَالَ سُفْيَان بل أَنْت من الظلمَة أنفسهم وَلَكِن أعوان الظلمَة من يَبِيع مِنْك الإبرة والخيوط وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أول من يدْخل النَّار يَوْم الْقِيَامَة السواطون الَّذين يكون مَعَهم الأسواط يضْربُونَ بهَا النَّاس بَين يَدي الظلمَة وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ الجلاوزة وَالشّرط كلاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة الجلاوزة أعوان الظلمَة وَقد رُوِيَ أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَيّ مُوسَى ﵇ أَن مر بني إسرائيل أَن لَا يَتْلُوا من ذكري فَإِنِّي أذكر من ذَكرنِي وَأَن ذكري إيَّاهُم أَن ألعنهم وَفِي رِوَايَة فَإِنِّي أذكر من ذَكرنِي مِنْهُم باللعنة وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يقف أحدكُم فِي موقف يضْرب فِيهِ رجل مظلوم فَإِن اللَّعْنَة تنزل على من حضر ذَلِك الْمَكَان إِذا لم يدفعوا عَنهُ وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَتَى رجل فِي قَبره فَقيل لَهُ إِنَّا

стр. 107

ضاربوك مائَة ضَرْبَة فَلم يزل يتشفع إِلَيْهِم حَتَّى صَارُوا إِلَى ضَرْبَة وَاحِدَة فضربوه فالتهب الْقَبْر عَلَيْهِ نَارا فَقَالَ لم ضربتموني هَذِه الضَّرْبَة فَقَالُوا إِنَّك صليت صَلَاة بِغَيْر طهُور ومررت بِرَجُل مظلوم فَلم تنصره فَهَذَا حَال من لم ينصر الْمَظْلُوم مَعَ الْقُدْرَة على نَصره فَكيف حَال الظَّالِم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما فَقَالَ يَا رَسُول الله أنصره إِذا كَانَ مَظْلُوما فَكيف أنصره إِذا كَانَ ظَالِما قَالَ تَمنعهُ من الظُّلم فَإِن ذَلِك نَصره وَمِمَّا حُكيَ قَالَ بعض العارفين رَأَيْت فِي الْمَنَام رجلاً مِمَّن يخْدم الظلمَة والمكاسين بعد مَوته بِمدَّة فِي حَالَة قبيحة فَقلت لَهُ مَا حالك قَالَ شَرّ حَال فَقلت إِلَى أَيْن صرت قَالَ إِلَى عَذَاب الله قلت فَمَا حَال الظلمَة عِنْده قَالَ شَرّ حَال أما سَمِعت قَول الله ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ وَمِمَّا حُكيَ قَالَ بَعضهم رَأَيْت رجلاً مَقْطُوع الْيَد من الْكَتف وَهُوَ يُنَادي من رَآنِي فَلَا يظلمن أحداً فتقدمت إِلَيْهِ فَقلت لَهُ يَا أخي مَا قصتك قَالَ يَا أخي قصَّة عَجِيبَة وَذَلِكَ أَنِّي كنت من أعوان الظلمَة فَرَأَيْت يَوْمًا صياداً وَقد اصطاد سَمَكَة كَبِيرَة فأعجبتني فَجئْت إِلَيْهِ فَقلت أَعْطِنِي هَذِه السَّمَكَة فَقَالَ لَا أعطيكها أَنا آخذ بِثمنِهَا قوتاً لِعِيَالِي فضربته وأخذتها مِنْهُ قهراً ومضيت بهَا قَالَ فَبينا أَنا أَمْشِي بهَا حاملها إِذْ عضت على إبهامي عضة قَوِيَّة فَلَمَّا جِئْت بهَا إِلَى بَيْتِي وألقيتها من يَدي ضربت على إبهامي وآلمتني ألماً شَدِيدا حَتَّى لم أنم من شدَّة الْوَجْه والألم وورمت يَدي فَلَمَّا أَصبَحت أتيت الطَّبِيب وشكوت إِلَيْهِ الْأَلَم فَقَالَ هَذِه بَدْء الآكلة أقطعها وَإِلَّا تقطع يدك فَقطعت إبهامي ثمَّ ضربت على يَدي فَلم أطق النوم وَلَا الْقَرار من شدَّة الْأَلَم فَقيل لي إقطع كفك فقطعته وانتشر الْأَلَم إِلَى الساعد وآلمني ألماً شَدِيدا وَلم أطق الْقَرار وَجعلت أستغيث من شدَّة الْأَلَم فَقيل لي اقطعها إِلَى الْمرْفق فقطعتها

стр. 108

فانتشر الْأَلَم إِلَى الْعَضُد وَضربت على عضدي أَشد من الْأَلَم الأول فَقيل اقْطَعْ يدك من كتفك وَإِلَّا سرى إِلَى جسدك كُله فقطعتها فَقَالَ لي بعض النَّاس مَا سَبَب ألمك فَذكرت قصَّة السَّمَكَة فَقَالَ لي لَو كنت رجعت فِي أول مَا أَصَابَك الْأَلَم إِلَى صَاحب السَّمَكَة واستحللت مِنْهُ وأرضيته لما قطعت من أعضائك عضوا فَاذْهَبْ الْآن إِلَيْهِ واطلب رِضَاهُ قبل أَن يصل الْأَلَم إِلَى بدنك قَالَ فَلم أزل أطلبه فِي الْبَلَد حَتَّى وجدته فَوَقَعت على رجلَيْهِ أقبلها وأبكي وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي سَأَلتك بِاللَّه إِلَّا عَفَوْت عني فَقَالَ لي وَمن أَنْت قلت أَنا الَّذِي أخذت مِنْك السَّمَكَة غصباً وَذكرت مَا جرى وأريته يَدي فَبكى حِين رَآهَا ثمَّ قَالَ يَا أخي قد أحللتك مِنْهَا لما قد رَأَيْته بك من هَذَا الْبلَاء فَقلت يَا سَيِّدي بِاللَّه هَل كنت قد دَعَوْت عَليّ لما أَخَذتهَا قَالَ نعم قلت اللَّهُمَّ إِن هَذَا تقوى عَليّ بقوته على ضعْفي على مَا رزقتني ظلما فأرني قدرتك فِيهِ فَقلت يَا سَيِّدي قد أَرَاك الله قدرته فِي وَأَنا تائب إِلَى الله عَمَّا كنت عَلَيْهِ من خدمَة الظلمَة وَلَا عدت أَقف لَهُم على بَاب وَلَا أكون من أعوانهم مَا دمت حَيا إِن شَاءَ الله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق موعظة إخْوَانِي كم أخرج الْمَوْت نفساً من دارها لم يدارها وَكم أنزل أجساداً بجارها لم يجارها وَكم أجْرى الْعُيُون كالعيون بعد قَرَارهَا شعر يَا معرضاً بوصال عَيْش ناعم ستصد عَنهُ طَائِعا أَو كَارِهًا ... إِن الْحَوَادِث تزعج الْأَحْرَار عَن أوطانها وَالطير عَن أوكارها أَيْن من ملك المغارب والمشارق وَعمر النواحي وغرس الحدائق ونال الْأَمَانِي وَركب الْعَوَاتِق صَاح بِهِ من دَاره غراب بَين ناعق وطرقه فِي لهوه أقطع طَارق وزجرت عَلَيْهِ رعود وصواعق وَحل بِهِ مَا شيب بعض المفارق وقلاه الحبيب الَّذِي لم يُفَارق وهجره الصديق والرفيق الصَّادِق وَنقل من جوَار المخلوقين إِلَى جوَار الْخَالِق نازله وَالله الْمَوْت فَلم يحاشه وأذله بالقهر بعد عز جاشه وأبدله خشن التُّرَاب بعد لين فرَاشه ومزقه الدُّود فِي قَبره كتمزيق

стр. 109

قماشه وَبَقِي فِي ضنك شَدِيد من معاشه وَبعد عَن الصديق فَكَأَنَّهُ لم يماشه مَا نَفعه وَالله الِاحْتِرَاز وَلَا ردَّتْ عَنهُ الرِّكَاز بل ضره من الزَّاد الإعواز وَصَارَ وَالله عِبْرَة للمجتاز وَقطع شاسعاً من السبل الأوفاز وَبَقِي رهيناً لَا يدْرِي أهلك أم فَازَ وَهَذَا لَك بعد أَيَّام وَمَا أَنْت فِيهِ الْآن أَحْلَام ودنياك لَا تصلح وَمَا سَمِعت ستراه غَدا على التَّمام وَيَقَع لي وَلَك وَيحك أما يُؤثر فِيك هَذَا الْكَلَام الْكَبِيرَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ المكاس وَهُوَ دَاخل فِي قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ والمكاس من أكبر أعوان الظلمَة بل هُوَ من الظلمَة أنفسهم فَإِنَّهُ يَأْخُذ مَا لَا يسْتَحق وَيُعْطِيه لمن لَا يسْتَحق وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ المكاس لَا يدْخل الْجنَّة وَقَالَ ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة صَاحب مكس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَنَّهُ يتقلد مظالم الْعباد وَمن أَيْن للمكاس يَوْم الْقِيَامَة أَن يُؤَدِّي للنَّاس مَا أَخذ مِنْهُم إِنَّمَا يَأْخُذُونَ من حَسَنَاته إِن كَانَ لَهُ حَسَنَات وَهُوَ دَاخل فِي قَول النَّبِي ﷺ أَتَدْرُونَ من الْمُفلس قَالُوا يَا رَسُول الله الْمُفلس فِينَا من لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع قَالَ إِن الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي بِصَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وَحج وَيَأْتِي وَقد شتم هَذَا وَضرب هَذَا وَأخذ مَال هَذَا فَيُؤْخَذ لهَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْضِي مَا عَلَيْهِ أَخذ من سيئاتهم فطرحت عَلَيْهِ ثمَّ طرح فِي النَّار

стр. 110

وَفِي حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي طهرت نَفسهَا بِالرَّجمِ لقد تابت تَوْبَة لَو تابها صَاحب مكس لغفر لَهُ أَو لقبلت مِنْهُ والمكاس من فِيهِ شبه من قَاطع الطَّرِيق وَهُوَ من اللُّصُوص وجابي المكس وكاتبه وَشَاهده وَآخذه من جندي وَشَيخ وَصَاحب رِوَايَة شُرَكَاء فِي الْوزر آكلون للسحت وَالْحرَام وَصَحَّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة لحم نبت من السُّحت النَّار أولى بِهِ والسحت كل حرَام قَبِيح الذكر يلْزم مِنْهُ الْعَار وَذكره الواحدي ﵀ فِي تَفْسِير قَول الله تَعَالَى قل لَا يَسْتَوِي الْخَبيث وَالطّيب وَعَن جَابر أَن رجلاً قَالَ يَا رَسُول الله إِن الْخمر كَانَت تجارتي وَإِنِّي جمعت من بيعهَا مَالا فَهَل يَنْفَعنِي ذَلِك المَال إِن عملت فِيهِ بِطَاعَة الله تَعَالَى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أنفقته فِي حج أَو جِهَاد أَو صَدَقَة لم يعدل عِنْد الله جنَاح بعوضة إِن الله لَا يقبل إِلَّا الطيب فَأنْزل الله تَعَالَى تَصْدِيقًا لقَوْل رَسُول الله ﷺ ﴿قل لَا يَسْتَوِي الْخَبيث وَالطّيب وَلَو أعْجبك كَثْرَة الْخَبيث﴾ قَالَ عَطاء وَالْحسن الْحَلَال وَالْحرَام فنسأل الله الْعَفو والعافية موعظة أَيْن من حصن الْحُصُون المشيدة واحترس وَعمر الحدائق فَبَالغ وغرس وَنصب لنَفسِهِ سَرِير الْعِزّ وَجلسَ وَبلغ الْمُنْتَهى وَرَأى الملتمس وَظن فِي نَفسه الْبَقَاء وَلَكِن خَابَ الظَّن فِي النَّفس أزعجه وَالله هازم اللَّذَّات واختلس ونازله بالقهر فأنزله عَن الْفرس وَوجه بِهِ إِلَى دَار الْبلَاء فانطمس وَتَركه فِي ظلام ظلمَة من الْجَهْل والدنس فالعاقل من أباد أَيَّامه فَإِن العواقب فِي خلس ينظر

стр. 111

تبني وَتجمع والْآثَار تندرس وَتَأمل اللّّبْث والأعمار تختلس ... ذَا اللب فكر فَمَا فِي الْعَيْش من طمع لَا بُد مَا يَنْتَهِي أَمر وينعكس ... أَيْن الْمُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك وَمن كَانُوا إِذا النَّاس قَامُوا هَيْبَة جَلَسُوا ... وَمن سيوفهم فِي كل معترك تخشى ودونهم الْحجاب والحرس ... أضحكوا بمهلكة فِي وسط معركة صرعى وصاروا بِبَطن الأَرْض وانطمسوا ... وعمهم حدث وضمهم جدث باتوافهم جثث فِي الرمس قد حبسوا ... كَأَنَّهُمْ قط مَا كَانُوا وَمَا خلقُوا وَمَات ذكرهم بَين الورى ونسوا ... وَالله لَو عَايَنت عَيْنَاك مَا صنعت أَيدي البلا بهم والدود يفترس ... لعاينت منْظرًا تشجى الْقُلُوب لَهُ وأبصرت مُنْكرا من دونه البلس ... من أوجه ناضرات حَار ناظرها فِي رونق الْحسن مِنْهَا كَيفَ ينطمس ... وَأعظم باليات مَا بهَا رَمق وَلَيْسَ تبقى لهَذَا وَهِي تنتهس ... وألسن ناطقات زانها أدب مَا شَأْنهَا شَأْنهَا بالآفة الخرس ... حتام يَاذَا النَّهْي لَا ترعوي سفها ودمع عَيْنَيْك لَا يهمي وينبجس موعظة يَا من يرحل فِي كل يَوْم مرحلة وَكتابه قد حوى حَتَّى الخردلة مَا ينْتَفع بالنذير وَالنّذر مُتَّصِلَة وَلَا يصغي إِلَى نَاصح وَقد عذله ودروعه مخرقة والسهام مرسله وَنور الْهدى قد بدا وَلَكِن مَا رَآهُ وَلَا تَأمله وَهُوَ يؤمل البقا وَيرى مصير من قد أمله قد انعكف بعد الشيب على الْعَيْب بصبابة وَوَلِهَ كن كَيفَ شِئْت فَبين يَديك الْحساب والزلزلة وَنعم جِلْدك فَلَا بُد للديدان أَن تَأْكُله فيا عجباً من فتور مُؤمن موقن بالجزاء وَالْمَسْأَلَة استيقن من غرور وبله وَيحك يَا هَذَا من استدعاك وَفتح منزله فقد أولاك لَو علمت منزله فبادر مَا بَقِي من عمرك واستدرك أَوله فبقية عمر الْمُؤمن جَوْهَرَة قيمَة

стр. 112

الْكَبِيرَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ أكل الْحَرَام وتناوله على أَي وَجه كَانَ قَالَ الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ أَي لَا يَأْكُل بَعْضكُم مَال بعض بِالْبَاطِلِ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ يَعْنِي بِالْيَمِينِ الْبَاطِلَة الكاذبة يقتطع بهَا الرجل مَال أَخِيه بِالْبَاطِلِ وَالْأكل بِالْبَاطِلِ على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون على جِهَة الظُّلم نَحْو الْغَصْب والخيانة وَالسَّرِقَة وَالثَّانِي على جِهَة الْهزْل واللعب كَالَّذي يُؤْخَذ فِي الْقمَار والملاهي وَنَحْو ذَلِك وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن رجَالًا يتخوضونن فِي مَال الله بِغَيْر حق فَلهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَفِي صَحِيح مُسلم حِين ذكر النَّبِي ﷺ الرجل يُطِيل السّفر أَشْعَث أغبر يمد يَده إِلَى السَّمَاء يَا رب يَا رب ومطعمه حرَام ومشربه حرَام وملبسه حرَام وغذي بالحرام فَأنى يُسْتَجَاب لذَلِك وَعَن أنس ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يَجْعَلنِي مستجاب الدعْوَة فَقَالَ ﷺ يَا أنس أطب كسبك تجب دعوتك فَإِن الرجل ليرْفَع اللُّقْمَة من الْحَرَام إِلَى فِيهِ فَلَا يُسْتَجَاب لَهُ دَعْوَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وروى الْبَيْهَقِيّ بإسناده إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله قسم بَيْنكُم أخلاقكم كَمَا قسم بَيْنكُم أرزاقكم وَأَن الله يُعْطي الدُّنْيَا من يحب وَمن لَا يحب وَلَا يُعْطي الدين إِلَّا من يحب فَمن أعطَاهُ الله الدين فقد أحبه وَلَا يكْسب عبد مَالا حَرَامًا فينفق مِنْهُ فيبارك لَهُ فِيهِ وَلَا يتَصَدَّق مِنْهُ فَيقبل مِنْهُ وَلَا يتْركهُ خلف ظَهره إِلَّا كَانَ زَاده إِلَى النَّار إِن الله لَا يمحو السيء بالسيء وَلَكِن يمحو السيء بالْحسنِ وَعَن ابْن عمر

стр. 113

رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الدُّنْيَا حلوة خضرَة من اكْتسب فِيهَا مَالا من حله وأنفقه فِي حَقه أثابه الله وأورثه جنته وَمن اكْتسب فِيهَا مَالا من غير حله وأنفقه فِي غير حَقه أدخلهُ الله تَعَالَى دَار الهوان وَرب متخوض (فِيمَا اشتهت نَفسه من الْحَرَام) لَهُ النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَجَاء عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من لم يبال من أَيْن اكْتسب المَال لم يبال الله من أَي بَاب أدخلهُ النَّار وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ لِأَن يَجْعَل أحدكُم فِي فِيهِ تُرَابا خير من أَن يَجْعَل فِي فِيهِ حَرَامًا وَقد رُوِيَ عَن يُوسُف بن أَسْبَاط ﵀ قَالَ أَن الشَّاب إِذا تعبد قَالَ الشَّيْطَان لأعوانه انْظُرُوا من أَيْن مطعمه فَإِن كَانَ مطعم سوء قَالَ دَعوه يتعب ويجتهد فقد كفاكم نَفسه إِن اجهاده مَعَ أكل الْحَرَام لَا يَنْفَعهُ وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ثَبت فِي الصَّحِيح من قَوْله ﷺ عَن الرجل الَّذِي مطعمه حرَام ومشربه حرَام وملبسه حرَام وغذي بالحرام فَأنى يُسْتَجَاب لذَلِك وَقد رُوِيَ فِي حَدِيث أَن ملكاً على بَيت الْمُقَدّس يُنَادي كل يَوْم وكل لَيْلَة من أكل حَرَامًا لم يقبل الله مِنْهُ صرفاً وَلَا عدلاً الصّرْف النَّافِلَة وَالْعدْل الْفَرِيضَة وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك لِأَن أرد درهماً من شُبْهَة أحب إِلَيّ من أَن أَتصدق بِمِائَة ألف وَمِائَة وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من حج بِمَال حرَام فَقَالَ لبيْك قَالَ ملك لَا لبيْك وَلَا سعديك حجك مَرْدُود عَلَيْك وروى الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم وَفِي ثمنه دِرْهَم من حرَام لم يقبل الله لَهُ صَلَاة مَا دَامَ عَلَيْهِ وَقَالَ وهب بن الْورْد لَو قُمْت قيام

стр. 114

السارية مَا نفعك حَتَّى تنظر مَا يدْخل بَطْنك أحلال أم حرَام وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ لَا يقبل الله صَلَاة امْرِئ وَفِي جَوْفه حرَام حَتَّى يَتُوب إِلَى الله تَعَالَى مِنْهُ وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ من أنْفق الْحَرَام فِي الطَّاعَة كمن طهر الثَّوْب بالبول وَالثَّوْب لَا يطهره إِلَّا المَاء والذنب لَا يكفره إِلَّا الْحَلَال وَقَالَ عمر ﵁ كُنَّا نَدع تِسْعَة أعشار الْحَلَال مَخَافَة الْوُقُوع فِي الْحَرَام وَعَن كَعْب بن عجْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة جَسَد غذي بالحرام وَعَن زيد بن أَرقم قَالَ كَانَ لأبي بكر غُلَام يخرج لَهُ الْخراج أَي قد كَاتبه على مَال وَكَانَ يَجِيئهُ كل يَوْم بخراجه فيسأله من أَيْن أتيت بهَا فَإِن رضيه أكله وَإِلَّا تَركه قَالَ فَجَاءَهُ ذَات لَيْلَة بِطَعَام وَكَانَ أَبُو بكر صَائِما فَأكل مِنْهُ لقْمَة وَنسي أَن يسْأَله ثمَّ قَالَ لَهُ من أَيْن جِئْت بِهَذَا فَقَالَ كنت تكهنت لِأُنَاس بالجاهلية وَمَا كنت أحسن الكهانة إِلَّا أَنِّي خدعتهم فَقَالَ أَبُو بكر أُفٍّ لَك كدت تهلكني ثمَّ أَدخل يَده فِي فِيهِ فَجعل يتقيأ وَلَا يخرج فَقيل لَهُ إِنَّهَا لَا تخرج إِلَّا بِالْمَاءِ فَدَعَا بِمَاء فَجعل يشرب ويتقيأ حَتَّى قاء كل شَيْء فِي بَطْنه فَقيل لَهُ يَرْحَمك الله كل هَذَا من أجل هَذِه اللُّقْمَة فَقَالَ ﵁ لَو لم تخرج إِلَّا مَعَ نَفسِي لأخرجتها إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كل جَسَد نبت من سحت فَالنَّار أولى بِهِ فَخَشِيت أَن ينْبت بذلك فِي جَسَدِي من هَذِه اللُّقْمَة وَقد تقدم قَوْله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة جَسَد غذي بِحرَام وَإِسْنَاده صَحِيح قَالَ الْعلمَاء ﵏ وَيدخل فِي هَذَا الْبَاب المكاس والخائن والزغلي وَالسَّارِق والبطال وآكل الرِّبَا وموكله وآكل مَال الْيَتِيم وَشَاهد الزُّور وَمن اسْتعَار شَيْئا فجحده وآكل الرِّشْوَة ومنقص الْكَيْل وَالْوَزْن وَمن بَاعَ شَيْئا فِيهِ عيب فغطاه والمقامر والساحر والمنجم والمصور

стр. 115

والزانية والنائحة والعشرية والدلال إِذا أَخذ أجرته بِغَيْر إِذن من البَائِع ومخبر المُشْتَرِي بِالزَّائِدِ وَمن بَاعَ حراً فَأكل ثمنه فصل رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بأناس مَعَهم من الْحَسَنَات كأمثال جبل تهَامَة حَتَّى إِذا جِيءَ بهم جعلهَا الله هباء منثوراً ثمَّ يقذف بهم فِي النَّار فَقيل يَا رَسُول الله كَيفَ ذَلِك قَالَ كَانُوا يصلونَ وَيَصُومُونَ ويزكون ويحجون غير أَنهم كَانُوا إِذا عرض لَهُم شَيْء من الْحَرَام أَخَذُوهُ فأحبط الله أَعْمَالهم وَعَن بعض الصَّالِحين أَنه رُؤِيَ بعد مَوته فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ خيراً غير أَنِّي مَحْبُوس عَن الْجنَّة بإبرة استعرتها فَلم أردهَا فنسأل الله تَعَالَى الْعَفو والعافية والتوفيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم موعظة عباد الله أما اللَّيَالِي وَالْأَيَّام تهدم الْآجَال أما مآل الْمُقِيم فِي الدُّنْيَا إِلَى الزَّوَال أما آخر الصِّحَّة يؤول إِلَى الاعتلال أما غَايَة السَّلامَة نُقْصَان الْكَمَال أما بعد اسْتِقْرَار المنى هجوم الْآجَال أما أنبئتم عَن الرحيل وَقد قرب الانتقال أما بَانَتْ لكم العبر وَضربت لكم الْأَمْثَال وعزيز ناعم ذل لَهُ كل صَعب المرتقى وعر المرام ... فَكَسَاهُ بعد لين ملبس خشناً بالرغم مِنْهُ فِي الرغام ... ووجوه ناضرات بدلت بعد لون الْحسن لوناً كالقتام ... وشموس طالعات أفلت بعد ذَاك النُّور مِنْهَا بالظلام ... ومنيف شامخ بُنْيَانه لين الأعطاف مهتز القوام ... أُفٍّ للدنيا فَمَا شيمتها غير نقض العقد أَو خفر الذمام ... فَاسْتَعدوا الزَّاد تنجوا وَاعْمَلُوا صَالحا من قبل تقويض الْخيام

стр. 116

يَا مُتَعَلقا بزخرف يروق بَقَاؤُهُ كلمح البروق يَا مضيعاً فِي الْهوى وَاجِبَات الْحُقُوق تبارز الْخَالِق وتستحي من الْمَخْلُوق يَا مؤثراً أَعلَى العلالي ساتراً ذَلِك الفسوق أَلا سترى ذَلِك الفسوق يَا متولهاً مهاد الْهوى وَهُوَ فِي سجن الردى مرموق إبك على نَفسك العليلة فَإنَّك بالبكاء محقوق عجباً لمن رأى فعل الْمَوْت لصحبه وأيقن بتلفه وَمَا قضى نحبه وَسكن الْإِيمَان بِالآخِرَة فِي قلبه ونام غافلاً على جنبه وَنسي جزءاه على جرمه وذنبه وَأعْرض إِلَى ريه من الْهوى عَن ربه كَأَنِّي بِهِ وَقد سقِِي كأس حمام يستغيث من شربه وأفرده الْمَوْت عَن أَهله وسربه وَنَقله إِلَى قَبره ذل فِيهِ بعد عجبه فياذا اللب جز على قَبره وعج بِهِ لقد خرقت المواعظ المسامع وَمَا أرَاهُ انْتفع بِهِ السَّامع لقد بدا نور الْمطَالع لكنه أعمى الْمطَالع وَلَقَد بَانَتْ العبر بآثار الْغَيْر لمن اغْترَّ بالمصارع فَمَا بالها لَا تسكب المدامع يَا عجباً لقلب عِنْد ذكر الْحق غير خاشع لقد نشبت فِيهِ مخالب المطامع يَا من شَيْبه قد أَتَى هَل ترى مَا مضى من الْعُمر براجع انتبه لما بَقِي وانته وراجع فالهول عَظِيم والحساب شَدِيد وَالطَّرِيق شاسع إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع مَاله من دَافع

стр. 117

الْكَبِيرَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ أَن يقتل الْإِنْسَان نَفسه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما وَمن يفعل ذَلِك عُدْوانًا وظلماً فَسَوف نصليه نَارا وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ قَالَ الواحدي فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة ولاتقتلوا أَنفسكُم أَي لَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا لأنكم أهل دين وَاحِد فَأنْتم كَنَفس وَاحِدَة هَذَا قَول ابْن عَبَّاس والأكثرين وَذهب قوم إِلَى أَن هَذَا نهي عَن قتل الْإِنْسَان نَفسه وَيدل على صِحَة هَذَا مَا أخبرنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد المنصوري بِإِسْنَادِهِ عَن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمت فِي لَيْلَة بَارِدَة وَأَنا فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل فَأَشْفَقت إِن اغْتَسَلت أَن أهلك فَتَيَمَّمت فَصليت بِأَصْحَابِي الصُّبْح فَذكرت ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا عَمْرو صليت بِأَصْحَابِك وَأَنت جنب فَأَخْبَرته الَّذِي مَنَعَنِي من الاغتسال فَقلت أَنِّي سَمِعت الله يَقُول وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما فَضَحِك رَسُول الله ﷺ وَلم يقل شَيْئا فَدلَّ هَذَا الحَدِيث على أَن عَمْرو تَأَول هَذِه الْآيَة هَلَاك نَفسه لَا نفس غَيره وَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ قَوْله وَمن يفعل ذَلِك كَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول الْإِشَارَة تعود إِلَى كل مَا نهي عَنهُ من أول السُّورَة إِلَى هَذَا الْموضع وَقَالَ قوم الْوَعيد رَاجع إِلَى أكل المَال بِالْبَاطِلِ وَقتل النَّفس الْمُحرمَة وَقَوله تَعَالَى ﴿عُدْوانًا وظلماً﴾ مَعَ الْعدوان أَن يعدو مَا أَمر الله بِهِ وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا أَي أَنه قَادر على إِيقَاع مَا توعد بِهِ من إِدْخَال النَّار وَعَن جُنْدُب بن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع فَأخذ سكيناً فحذ بهَا يَده فَمَا رقأالدم حَتَّى مَاتَ قَالَ الله تَعَالَى بادرني عَبدِي

стр. 118

بِنَفسِهِ حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قتل نَفسه بحديدة فحديدته فِي يَده يتوجأ بهَا فِي بَطْنه فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا أبداً وَمن قتل نَفسه بِسم فسمه فِي يَده يتحساه فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلداً فِيهَا أبداً وَمن نزل من جبل فَقتل نَفسه فَهُوَ ينزل فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا أبداً مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي حَدِيث ثَابت بن الضَّحَّاك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لعن الْمُؤمن كقتله وَمن قذف مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقتله وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن الرجل الَّذِي آلمته الْجراح فاستعجل الْمَوْت فَقتل نَفسه بذباب سَيْفه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هُوَ من أهل النَّار فنسأل الله أَن يلهمنا رشدنا وَأَن يعيذنا من شرور أَنْفُسنَا وسيئات أَعمالنَا إِنَّه جواد كريم غَفُور رَحِيم موعظة ابْن آدم كَيفَ تظن أعمالك مشيدة وَأَنت تعلم أَنَّهَا مكيدة وَكَيف تتْرك مُعَاملَة الْمولى وَتعلم أَنَّهَا مفيدة وَكَيف تقصر فِي زادك وَقد تحققت أَن الطَّرِيق بعيدَة يَا معرضاً عَنَّا إِلَى مَتى هَذَا الجفا والإعراض يَا غافلاً عَن الْمَوْت والعمر لَا شك فِي انْقِرَاض يَا مغتراً فِي أمله وأيدي المنايا فِي أَجله تقرضه بمقراض يَا مغروراً بِصِحَّتِهِ وبدنه كل يَوْم فِي انْتِقَاض يَا من يفني كل يَوْم بعضه ستفنى وَالله الأبعاض يَا غافلاً عَن الزَّاد وَقد أنذره بعد السوَاد الْبيَاض يَا قَلِيل الاحتراس ونبل المنايا طوال عراض يَا من يساق إِلَى موارد التلف وَقد نزحت الْحِيَاض يَا ضَاحِكا وعيون الفنا غير غماض لمن هَذِه الْأَوْقَات بَين يَدَيْهِ كَيفَ يقدر جفْنه على الإغماض

стр. 119

الْكَبِيرَة الثَّلَاثُونَ الْكَذِب فِي غَالب أَقْوَاله قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿قتل الخراصون﴾ أَي الْكَاذِبُونَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يهدي من هُوَ مُسْرِف كَذَّاب﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الصدْق يهدي إِلَى الْبر وَإِن الْبر يهدي إِلَى الْجنَّة وَمَا يزَال الرجل يصدق ويتحرى الصدْق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقاً وَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور وَإِن الْفُجُور يهدي إِلَى النَّار وَمَا يزَال الرجل يكذب ويتحرى الْكَذِب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذاباً وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث وَإِن صلى وَصَامَ وَزعم أَنه مُسلم إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان وَقَالَ ﵊ أَربع من كن فِيهِ كَانَ منافقاً خَالِصا وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة مِنْهَا كَانَ فِيهِ خصْلَة من النِّفَاق حَتَّى يَدعهَا إِذا ائْتمن خَان وَإِذا عَاهَدَ غدر وَإِذا خَاصم فجر وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي حَدِيث مَنَام النَّبِي ﷺ قَالَ فأتينا على رجل مُضْطَجع لقفاه وَآخر قَائِم عَلَيْهِ بكلوب من حَدِيد يشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ وَعَيناهُ إِلَى قَفاهُ ثمَّ يذهب إِلَى الْجَانِب الآخر فيفعل بِهِ مثل مَا فعل فِي الْجَانِب الأول فَمَا يرجع إِلَيْهِ حَتَّى يَصح مثل مَا كَانَ فيفعل بِهِ كَذَلِك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقلت لَهما من هَذَا فَقَالَا إِنَّه كَانَ يَغْدُو من بَيته فيكذب الكذبة تبلغ الْآفَاق وَقَالَ ﷺ يطبع

стр. 120

الْمُؤمن على كل شَيْء لَيست الْخِيَانَة وَالْكذب وَفِي الحَدِيث إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَقَالَ ﷺ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم شيخ زَان وَملك كَذَّاب وعائل مستكبر العائل الْفَقِير وَقَالَ ﷺ ويل للَّذي يحدث بِالْحَدِيثِ ليضحك بِهِ النَّاس فيكذب ويل لَهُ ويل لَهُ ويل لَهُ وَأعظم من ذَلِك الْحلف كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين بقوله ويحلفون على الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ وَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم رجل على فضل مَا يمنعهُ ابْن السَّبِيل وَرجل بَايع رجلاً سلْعَة فَحلف بِاللَّه لأخذتها بِكَذَا وَكَذَا فَصدقهُ وَأَخذهَا وَهُوَ على غير ذَلِك وَرجل بَايع إِمَامًا لَا يبايعه إِلَّا للدنيا فَإِن أعطَاهُ مِنْهَا وفى لَهُ وَإِن لم يُعْطه لم يَفِ لَهُ وَقَالَ ﷺ كَبرت خِيَانَة أَن تحدث أَخَاك حَدِيثا هُوَ لَك بِهِ مُصدق وَأَنت لَهُ بِهِ كَاذِب وَفِي الحَدِيث أَيْضا من تحلم بحلم لم يره كلف أَن يعْقد بَين شعيرتين وَلَيْسَ بعاقد وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (فرى الفرى على الله أَن يري الرجل عَيْنَيْهِ مَا لم تريا) مَعْنَاهُ أَن يَقُول رَأَيْت فِي

стр. 121

مَنَامِي كَيْت وَكَيْت وَلم يكن رأى شَيْئا وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ لَا يزَال العَبْد يكذب ويتحرى الْكَذِب حَتَّى ينكت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء حَتَّى يسود قلبه فَيكْتب عِنْد الله من الْكَاذِبين فَيَنْبَغِي للْمُسلمِ أَن يحفظ لِسَانه عَن الْكَلَام إِلَّا كلَاما ظَهرت فِيهِ الْمصلحَة فَإِن فِي السُّكُوت سَلامَة والسلامة لَا يعدلها شَيْء وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيراً أَو ليصمت فَهَذَا الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته نَص صَرِيح فِي أَنه لَا يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يتَكَلَّم إِلَّا إِذا كَانَ الْكَلَام خيراً وَهُوَ الَّذِي ظَهرت مصْلحَته للمتكلم قَالَ أَبُو مُوسَى قلت يَا رَسُول الله أَي الْمُسلمين أفضل قَالَ من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إِن الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ مَا يتَبَيَّن فِيهَا أَي مَا يفكر فِيهَا بِأَنَّهَا حرَام يزل بهَا فِي النَّار أبعد مِمَّا بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَفِي موطأ الإِمَام مَالك من رِوَايَة بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ من رضوَان الله تَعَالَى مَا كَانَ يظن أَن تبلغ مَا بلغت يكْتب الله تَعَالَى بهَا لَهُ رضوانه إِلَى يَوْم يلقاه وَإِن الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ من سخط الله تَعَالَى مَا كَانَ يظن أَن تبلغ مَا بلغت يكْتب الله لَهُ بهَا سخطه إِلَى يَوْم يلقاه) وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِنَحْوِ مَا ذكرنَا كَثِيرَة وَفِيمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ كِفَايَة وَسُئِلَ بَعضهم كم وجدت فِي ابْن آدم من الْعُيُوب فَقَالَ هِيَ أَكثر من أَن تحصى وَالَّذِي أحصيت ثَمَانِيَة آلَاف عيب وَوجدت خصْلَة

стр. 122

إِن استعملها سترت الْعُيُوب كلهَا وَهِي حفظ اللِّسَان جنبنا الله مَعَاصيه واستعملناه فِيمَا يرضيه إِنَّه جواد كريم موعظة أَيهَا العَبْد لَا شَيْء أعز عَلَيْك من عمرك وَأَنت تضيعه وَلَا عَدو لَك كالشيطان وَأَنت تُطِيعهُ وَلَا أضر من مُوَافقَة نَفسك وَأَنت تصافيها وَلَا بضَاعَة سوى سَاعَات السَّلامَة وَأَنت تسرف فِيهَا لقد مضى من عمرك الأطايب فَمَا بَقِي بعد شيب الذوائب يَا حَاضر الْبدن وَالْقلب غَائِب اجْتِمَاع الْعَيْب الشيب من جملَة المصائب يمْضِي زمن الصِّبَا وَحب الحبائب كفى زاجراً واعظاً تشيب مِنْهُ الذوائب يَا غافلاً فَإِنَّهُ أفضل المناقب أَيْن البكا لخوف الْعَظِيم الطَّالِب أَيْن الزَّمَان الَّذِي ضَاعَ فِي الملاعب نظرت فِيهِ آخر العواقب كم فِي الْقِيَامَة مَعَ دمع ساكب على ذنُوب قد حواها كتاب الْكَاتِب من لي إِذا قُمْت فِي موقف المحاسب وَقيل لي مَا صنعت فِي كل وَاجِب كَيفَ ترجو النجَاة وتلهو بأسر الملاعب إِذا أتتك الْأَمَانِي بِظَنّ الْكَاذِب الْمَوْت صَعب شَدِيد مر المشارب يلقِي شَره بكأس صُدُور الْكَتَائِب فَانْظُر لنَفسك وانتظر قدوم الْغَائِب يَأْتِي بقهر وَيَرْمِي بِسَهْم صائب يَا آملاً أَن تبقى سليماً من النوائب بنيت بَيْتا كنسيج العناكب أَيْن الَّذين علوا متون الركايب ضَاقَتْ بهم المنايا سبل الْمذَاهب وَأَنت بعد قَلِيل حَلِيف المصايب فَانْظُر وتفكر وتدبر قبل العجايب

стр. 123

الْكَبِيرَة الحاديثة وَالثَّلَاثُونَ القَاضِي السوء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ روى الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ وَفِي صَحِيحه عَن طَلْحَة بن عبيد الله ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يقبل الله صَلَاة إِمَام حكم بِغَيْر مَا أنزل الله وَصحح الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث بُرَيْدَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْقُضَاة ثَلَاثَة قَاض فِي الْجنَّة وقاضيان فِي النَّار قَاض عرف الْحق فَقضى بِهِ فَهُوَ فِي الْجنَّة وقاض عرف الْحق فجار مُتَعَمدا فَهُوَ فِي النَّار وقاض قضى بِغَيْر علم فَهُوَ فِي النَّار قَالُوا فَمَا ذَنْب الَّذِي يجهل قَالَ ذَنبه أَن لَا يكون قَاضِيا حَتَّى يعلم وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من جعل قَاضِيا فقد ذبح بِغَيْر سكين وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض ﵀ يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يكون يَوْمًا فِي الْقَضَاء وَيَوْما فِي الْبكاء على نَفسه وَقَالَ مُحَمَّد بن وَاسع ﵀ أول من يدعى يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْحساب الْقُضَاة وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يُؤْتى بِالْقَاضِي الْعدْل يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى

стр. 124

من شدَّة الْحساب مَا يود أَنه لم يقْض بَين اثْنَيْنِ فِي تَمْرَة وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن القَاضِي ليزل فِي زلقة فِي جَهَنَّم أبعد من عدن وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَيْسَ من وَال وَلَا قَاض إِلَّا يُؤْتى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُوقف بَين يَدي الله على الصِّرَاط ثمَّ تنشر سَرِيرَته فتقرأ على رُؤُوس الْخَلَائق فَإِن كَانَ عدلاً نجاه الله بعدله وَإِن كَانَ غير ذَلِك انتفض بِهِ ذَلِك الجسر انتفاضاً فَصَارَ بَين كل عُضْو من أَعْضَائِهِ مسيرَة كَذَا وَكَذَا ثمَّ ينخرق بِهِ الجسر إِلَى جَهَنَّم) وَقَالَ مَكْحُول لَو خيرت بَين الْقَضَاء وَبَين ضرب عنقِي لاخترت ضرب عنقِي على الْقَضَاء وَقَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ (إِنِّي وجدت أعلم النَّاس أَشَّدهم هرباً مِنْهُ) وَقيل للثوري إِن شريحاً قد استقضي فَقَالَ أَي رجل قد أفسدوه ودعا مَالك بن الْمُنْذر مُحَمَّد بن وَاسع ليجعله على قَضَاء الْبَصْرَة فَأبى فعاوده وَقَالَ لتجلسن وَإِلَّا جلدتك فَقَالَ إِن تفعل فَإنَّك سُلْطَان وَإِن ذليل الدُّنْيَا خير من ذليل الْآخِرَة وَقَالَ وهب بن مُنَبّه إِذا هم الْحَاكِم بالجور أَو عمل بِهِ أَدخل الله النَّقْص على أهل مَمْلَكَته حَتَّى فِي الْأَسْوَاق والأرزاق وَالزَّرْع والضرع وكل شَيْء وَإِذا هم بِالْخَيرِ أَو الْعدْل أَدخل الله الْبركَة فِي أهل مَمْلَكَته كَذَلِك وَكتب عَامل من عُمَّال حمص إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أما بعد فَإِن مَدِينَة حمص قد تهدمت واحتاجت إِلَى إصلاح فَكتب إِلَيْهِ عمر حصنها بِالْعَدْلِ ونق طرقها من الْجور وَالسَّلَام قَالَ وَيحرم على القَاضِي أَن يحكم وَهُوَ غَضْبَان وَإِذا اجْتمع فِي القَاضِي قلَّة علم وَسُوء قصد وأخلاق زعرة وَقلة ورع فقد تم خسرانه وَوَجَب عَلَيْهِ أَن يعْزل نَفسه ويبادر بالخلاص فنسأل الله الْعَفو والعافية والتوفيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم

стр. 125

موعظة يَا من عمره كلما زَاد نقص يَا من يَأْمَن ملك الْمَوْت وَقد اقْتصّ با مائلاً إِلَى الدُّنْيَا هَل سلمت من النَّقْص يَا مفرطاً فِي عمره هَل بادرت الفرص يَا من إِذا ارْتقى فِي منهاج الْهدى ثمَّ لَاحَ لَهُ الْهوى نكص من لَك يَوْم الْحَشْر عِنْد نشر الْقَصَص عجباً لنَفس بِاللَّيْلِ هاجعة ونسيت أهوال يَوْم الْوَاقِعَة وَلِأَن تقرعها المواعظ فتصغي لَهَا سامعة ثمَّ تعود الزواجر عَنْهَا ضائعة والنفوس غَدَتْ فِي كرم الْكَرِيم طامعة وَلَيْسَت لَهُ فِي حَال من الْأَحْوَال طَائِعَة والأقدام سعت فِي الْهوى فِي طرق شاسعة بعد أَن وضحت من الْهدى سبل وَاسِعَة والهمم شرعت فِي مشارع الْهوى متنازعة لم تكن مواعظ الْعُقُول لَهَا نافعة وَقُلُوب تضمر التَّوْبَة إِذا فزعت بزواجر رادعة ثمَّ تعود إِلَى مَا لَا يحل مرَارًا متتابعة الْكَبِيرَة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ أَخذ الرِّشْوَة على الحكم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ وتدلوا بهَا إِلَى الْحُكَّام لتأكلوا فريقاً من أَمْوَال النَّاس بالإثم وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَي لَا تدلوا بأموالكم إِلَى الْحُكَّام أَي لَا تصانعوهم بهَا وَلَا ترشوهم ليقتطعوا لكم حَقًا لغيركم وَأَنْتُم تعلمُونَ أَنه لَا يحل لكم وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لعن الله الراشي والمرتشي فِي الحكم أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَعَن عبد الله بن عَمْرو لعن رَسُول الله ﷺ الراشي والمرتشي

стр. 126

قَالَ الْعلمَاء فالراشي هُوَ الَّذِي يُعْطي الرِّشْوَة والمرتشي هُوَ الَّذِي يَأْخُذ الرِّشْوَة وَإِنَّمَا تلْحق اللَّعْنَة الراشي إِذا قصد بهَا أذية مُسلم أَو ينَال بهَا مَا لَا يسْتَحق أما إِذا أعْطى ليتوصل إِلَى حق لَهُ وَيدْفَع عَن نَفسه ظلماً فَإِنَّهُ غير دَاخل فِي اللَّعْنَة وَأما الْحَاكِم فالرشوة عَلَيْهِ حرَام أبطل بهَا حَقًا أَو دفع بهَا ظلماً وَقد رُوِيَ فِي حَدِيث آخر إِن اللَّعْنَة على الرائش أَيْضا وَهُوَ السَّاعِي بَينهمَا وَهُوَ تَابع للراشي فِي قَصده خيراً لم تلْحقهُ اللَّعْنَة وَإِلَّا لحقته فصل وَمن ذَلِك مَا روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من شفع لرجل شَفَاعَة فأهدى لَهُ عَلَيْهَا هَدِيَّة فقد أَتَى بَابا كَبِيرا من أَبْوَاب الرِّبَا وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ السُّحت أَن تطلب لأخيك الْحَاجة فتقضى فيهدي إِلَيْك هَدِيَّة فتقبلها مِنْهُ وَعَن مَسْرُوق أَنه كلم ابْن زِيَاد فِي مظْلمَة فَردهَا فأهدى إِلَيْهِ صَاحب الْمظْلمَة وصيفاً فَردهَا وَلم يقبلهَا وَقَالَ سَمِعت ابْن مَسْعُود يَقُول من رد عَن مُسلم مظْلمَة فَأعْطَاهُ على ذَلِك قَلِيلا أَو كثيراً فَهُوَ سحت فَقَالَ الرجل يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن مَا كُنَّا نظن أَن السُّحت إِلَّا الرِّشْوَة فِي الحكم فَقَالَ ذَلِك كفر نَعُوذ الله مِنْهُ ونسأل الله الْعَفو والعافية من كل بلَاء ومكروه الْحِكَايَة عَن الإِمَام أبي عمر الْأَوْزَاعِيّ ﵀ وَكَانَ يسكن ببيروت أَن نَصْرَانِيّا جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِن وَالِي بعلبك ظَلَمَنِي بمظلمة وَأُرِيد أَن تكْتب إِلَيْهِ وَأَتَاهُ بقلة عسل فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ ﵀ إِن شِئْت رددت الْقلَّة وكتبت لَك إِلَيْهِ وَإِن شِئْت أخذت الْقلَّة فَكتب لَهُ إِلَى الْوَالِي أَن ضع عَن هَذَا النَّصْرَانِي من خراجه فَأخذ الْقلَّة وَالْكتاب وَمضى إِلَى الْوَالِي فَأعْطَاهُ الْكتاب فَوضع عَنهُ ثَلَاثِينَ درهماً بشفاعة الإِمَام ﵀ وحشرنا فِي زمرته

стр. 127

موعظة عباد الله تدبروا العواقب واحذروا قُوَّة المناقب واخشوا عُقُوبَة المعاقب وخافوا سلب السالب فَإِنَّهُ وَالله طَالب غَالب أَيْن الَّذين قعدوا فِي طلب المنى وَقَامُوا وداروا على تَوْطِئَة دَار الرحيل وحاموا مَا أقل مَا لَبِثُوا وَمَا أوفى مَا أَقَامُوا لقد وبخوا فِي نُفُوسهم فِي قَعْر قُبُورهم على مَا أسلفوا ولاموا أما وَالله لَو علم الْأَنَام لما خلقُوا لما هجعوا وناموا ... لقد خلقُوا لأمر لَو رَأَتْهُ عُيُون قُلُوبهم تاهوا وهاموا ... ممات ثمَّ قبر ثمَّ حشر وتوبيخ وأهوال عِظَام ... ليَوْم الْحَشْر قد عملت رجال فصلوا من مخافته وصاموا ... وَنحن إِذا أمرنَا أَو نهينَا كَأَهل الْكَهْف إيقاظ نيام يَا من بأقذار الْخَطَايَا قد تلطخ وبآفات البلايا قد تضمخ يَا من سمع كَلَام من لَام ووبخ يعْقد عقد التَّوْبَة حَتَّى إِذا أَمْسَى يفْسخ يَا مُطلقًا لِسَانه وَالْملك يحصي وينسخ يَا من طير الْهوى فِي صَدره قد عشش وفرخ كم أباد الْمَوْت ملوكاً كالجبال الشمخ كم أزعج قَوَاعِد كَانَت فِي الْكبر ترسخ وأسكنهم ظلم اللحود وَمن ورائهم برزخ يَا من قلبه من بدنه بِالذنُوبِ أوسخ يَا مبارزاً بالعظائم أتأمن أَن يخسف بك أَو تمسخ يَا من لَازم الْعَيْب بعد اشْتِمَال الشيب فَفعله يؤرخ وَالْحَمْد لله دَائِما أبداً

стр. 128

الْكَبِيرَة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ تشبه النِّسَاء بِالرِّجَالِ وتشبه الرِّجَال بِالنسَاء فِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لعن الله المتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ والمتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء وَفِي رِوَايَة لعن الله الرجلة من النِّسَاء وَفِي رِوَايَة قَالَ لعن الله المخنثين من الرِّجَال والمترجلات من النِّسَاء يَعْنِي اللَّاتِي يتشبهن بِالرِّجَالِ فِي لبسهم وحديثهم وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لعن الله الْمَرْأَة تلبس لبسة الرجل وَالرجل يلبس لبسة الْمَرْأَة فَإِذا لبست الْمَرْأَة زِيّ الرِّجَال من المقالب والفرج والأكمام الضيقة فقد شابهت الرِّجَال فِي لبسهم فتلحقها لعنه الله وَرَسُوله ولزوجها إِذا أمكنها من ذَلِك أَي رَضِي بِهِ وَلم ينهها لِأَنَّهُ مَأْمُور بتقويمها على طَاعَة الله ونهيها عَن الْمعْصِيَة لقَوْل الله تَعَالَى ﴿قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ أَي أدبوهم وعلموهم ومروهم بِطَاعَة الله وانهوهم عَن مَعْصِيّة الله كَمَا يجب ذَلِك عَلَيْكُم فِي حق أَنفسكُم وَلقَوْل النَّبِي ﷺ كلكُمْ رَاع وكلكم مسؤول عَن رَعيته الرجل رَاع فِي أَهله ومسؤول عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أَلا هَلَكت الرِّجَال حِين أطاعوا النِّسَاء وَقَالَ الْحسن وَالله مَا أصبح الْيَوْم رجل

стр. 129

يُطِيع امْرَأَته فِيمَا تهوى إِلَّا أكبه الله تَعَالَى فِي النَّار وَقَالَ ﷺ صنفان من أهل النَّار لم أرهما قوم مَعَهم سياط كأذناب الْبَقر يضْربُونَ بهَا النَّاس وَنسَاء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لَا يدخلن الْجنَّة وَلَا يجدن رِيحهَا وَإِن رِيحهَا ليوجد من مسيرَة كَذَا وَكَذَا أخرجه مُسلم (قَوْله) كاسيات أَي من نعم الله عاريات من شكرها وَقيل هُوَ أَن تلبس الْمَرْأَة ثوباً رَقِيقا يصف لون بدنهَا وَمعنى مائلات قيل عَن طَاعَة الله وَمَا يلزمهن حفظه مميلات أَي يعلمن غَيْرهنَّ الْفِعْل المذموم وَقيل مائلات متبخترات مميلات لأكتافهن وَقيل مائلات يمتشطن المشطة الميلاء وَهِي مشطة البغايا ومميلات يمشطن غَيْرهنَّ تِلْكَ المشطة رؤوسهن كأسنمة البخت أَي يكبرنها ويعظمنها بلف عِصَابَة أَو عِمَامَة أَو نَحْوهمَا وَعَن نَافِع قَالَ كَانَ ابْن عمر وَعبد الله بن عَمْرو عِنْد الزبير بن عبد الْمطلب إِذْ أَقبلت امْرَأَة تَسوق غنماً متنكبة قوساً فَقَالَ عبد الله بن عمر أرجل أَنْت أم امْرَأَة فَقَالَت امْرَأَة فَالْتَفت إِلَى ابْن عَمْرو فَقَالَ إِن الله تَعَالَى لعن على لِسَان نبيه ﷺ المتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ والمتشبهون من الرِّجَال بِالنسَاء وَمن الْأَفْعَال الَّتِي تلعن عَلَيْهَا الْمَرْأَة إِظْهَار الزِّينَة وَالذَّهَب واللؤلؤ من تَحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر وَالطّيب إِذا خرجت ولبسها الصباغات والأزر وَالْحَرِير والأقبية الْقصار مَعَ تَطْوِيل الثَّوْب وتوسعة الأكمام وتطويلها إِلَى غير ذَلِك إِذا خرجت وكل ذَلِك من التبرج الَّذِي يمقت الله عَلَيْهِ ويمقت فَاعله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهَذِه الْأَفْعَال الَّتِي قد غلبت على أَكثر النِّسَاء قَالَ عَنْهُن النَّبِي ﷺ اطَّلَعت على النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء وَقَالَ ﷺ مَا تركت بعدِي فتْنَة هِيَ أضر على الرِّجَال من النِّسَاء فنسأل الله أَن يَقِينا فتنتهن وَأَن يصلحهن وإيانا بمنه وَكَرمه

стр. 130

موعظة ابْن آدم كَأَنَّك بِالْمَوْتِ وَقد فجأك وهجم وألحقك بِمن سَبَقَك من الْأُمَم ونقلك إِلَى بَيت الْوحدَة وَالظُّلم وَمن ذَلِك إِلَى عَسْكَر الْمَوْتَى مخيمة بَين الخيم مفرقاً من مَالك مَا اجْتمع وَمن شملك مَا انتظم وَلَا تَدْفَعهُ بِكَثْرَة الْأَمْوَال وَلَا بِقُوَّة الخدم وندمت على التَّفْرِيط غَايَة النَّدَم فيا عجباً لعين تنام وطالبها لم ينم مَتى تحذر مِمَّا توعد وتهدد وَمَتى تضرم نَار الْخَوْف فِي قَلْبك وتتوقد إِلَى مَتى حَسَنَاتك تضمحل وسيئاتك تجدد إِلَى مَتى لَا يهولك زجر الْوَاعِظ وَإِن شدد إِلَى مَتى أَنْت بَين الفتور والتواني تَتَرَدَّد مَتى تحذر يَوْمًا فِيهِ الْجُلُود تنطق وَتشهد مَتى تتْرك مَا يفنى فِيمَا لَا ينفذ مَتى تهب بك فِي بَحر الوجد ريح الْخَوْف والرجاء مَتى تكون فِي اللَّيْل قَائِما إِذا سجا أَيْن الَّذين عاملوا مَوْلَاهُم وانفردوا وَقَامُوا فِي الدجى وركعوا وسجدوا وَقدمُوا إِلَى بَابه فِي الأسحار ووفدوا وصاموا هواجر النَّهَار فصبروا واجتهدوا لقد سَارُوا وَتَخَلَّفت وفاتك مَا وجدوا وَبقيت فِي أَعْقَابهم وَإِن لم تلْحق بعدوا يَا نَائِم اللَّيْل مَتى ترقد قُم يَا حَبِيبِي قد دنا الْموعد ... من نَام حَتَّى يَنْقَضِي ليله لم يبلغ الْمنزل أَو يجْهد ... فَقل لِذَوي الْأَلْبَاب أهل ألتقى قنطرة الْعرض لكم موعد

стр. 131

الْكَبِيرَة الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ الديوث المستحسن على أَهله والقواد السَّاعِي بَين الْإِثْنَيْنِ بِالْفَسَادِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك وَحرم ذَلِك على الْمُؤمنِينَ﴾ عَن عبد الله بن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة الْعَاق لوَالِديهِ والديوث ورجلة النِّسَاء وروى النَّسَائِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة قد حرم الله عَلَيْهِم الْجنَّة مدمن الْخمر والعاق لوَالِديهِ والديوث الَّذِي يقر الْخبث فِي أَهله يَعْنِي يستحسن على أَهله نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك قَالَ المُصَنّف رَحْمَة الله تَعَالَى فَمن كَانَ يظن بأَهْله الْفَاحِشَة ويتغافل لمحبته فِيهَا أَو لِأَن لَهَا عَلَيْهِ دينا وَهُوَ عَاجز أَو صَدَاقا ثقيلاً أَو لَهُ أَطْفَال صغَار فترفعه إِلَى القَاضِي وتطلب فرضهم فَهُوَ دون من يعرض عَنهُ وَلَا خير فِيمَن لَا غيرَة لَهُ فنسأل الله الْعَافِيَة من كل بلَاء ومحنة إِنَّه جواد كريم موعظة أَيهَا المشغول بالشهوات الفانيات مَتى تستعد لممات آتٍ حَتَّى مَتى لَا تجتهد فِي إِلْحَاق القوافل الماضيات أتطمع وَأَنت رهين الوساد فِي لحاق السادات هَيْهَات هَيْهَات هَيْهَات يَا آملاً فِي زَعمه اللَّذَّات إحذر هجوم هازم اللَّذَّات إحذر مكائده فَهِيَ كوامن فِي عدَّة الأنفاس واللحظات ... تمْضِي حلاوة مَا أخفيت وَبعدهَا ... تبقى عَلَيْك مرَارَة التَّبعَات ...

стр. 132

يَا حسرة العاصين يَوْم معادهم لَو أَنهم سبقوا إِلَى الجنات ... لَو لم يكن إِلَّا الْحيَاء من الَّذِي ستر الْعُيُوب لأكثروا الحسرات يَا من صَحِيفَته بِالذنُوبِ قد حفت وموازينه بِكَثْرَة الذُّنُوب قد خفت أما رَأَيْت أكفاء عَن مطامعها كفت أما رَأَيْت عرائس آحَاد إِلَى اللحود قد زفت أما عَايَنت أبدان المترفين وَقد أدرجت فِي الأكفان ولفت أما عيانت طور الْأَجْسَام فِي الْأَرْحَام وَمَتى تنتبه لخلاص نَفسك أَيهَا الناعس مَتى تعْتَبر بِربع غَيْرك الدارس أَيْن الأكاسر الشجعان الفوارس وَأَيْنَ المنعمون بالجواري والظباء الخنس الكوانس أَيْن المتكبرون ذَوُو الْوُجُوه العوابس أَيْن من اعْتَادَ سَعَة الْقُصُور حبس فِي الْقُبُور فِي أضيق المحابس أَيْن الرافل فِي أثوابه عري فِي ترابه عَن الملابس أَيْن الغافل فِي أمله وَأَهله عَن أَجله سلبته أكف الخالس أَيْن جَامع الْأَمْوَال سلب المحروس وَهلك الحارس حق لمن علم مكر الدُّنْيَا أَن يهجرها وَلمن جهل نَفسه أَن يزجرها وَلمن تحقق نقلته أَن يذكرهَا وَلمن غمر بالنعماء أَن يشكرها وَلمن دعِي إِلَى دَار السَّلَام أَن يقطع مفاوز الْهوى ليحضرها الْكَبِيرَة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ الْمُحَلّل والمحلل لَهُ صَحَّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ لعن الْمُحَلّل والمحلل لَهُ قَالَ التِّرْمِذِيّ وَالْعَمَل على ذَلِك عِنْد أهل الْعلم مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الله بن عمر وَهُوَ قَول الْفُقَهَاء من التَّابِعين وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْمُحَلّل فَقَالَ لَا إِلَّا نِكَاح رَغْبَة لَا نِكَاح دُلْسَة وَلَا استهزاء بِكِتَاب الله حَتَّى يَذُوق الْعسيلَة وَرَوَاهُ

стр. 133

أَبُو إِسْحَاق الْجوزجَاني وَعَن عقبَة بن عَامر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أخْبركُم بالتيس الْمُسْتَعَار قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ هُوَ الْمُحَلّل لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَعَن ابْن عمر أَن رجلاً سَأَلَهُ فَقَالَ مَا تَقول فِي امْرَأَة تَزَوَّجتهَا أحلهَا لزَوجهَا لم يَأْمُرنِي وَلم يعلم فَقَالَ لَهُ ابْن عمر لَا إِلَّا نِكَاح رَغْبَة إِن أعجبتك أَمْسَكتهَا وَإِن كرهتها فارقتها وَإِنَّا كُنَّا نعد هَذَا سِفَاحًا على عهد رَسُول الله ﷺ وَأما الْآثَار عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فقد روى الْأَثْرَم وَابْن الْمُنْذر عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ لَا أُوتِيَ بِمُحَلل وَلَا مُحَلل لَهُ إِلَّا رَجَمْتهمَا وَسُئِلَ عمر بن الْخطاب عَن تَحْلِيل الْمَرْأَة لزَوجهَا فَقَالَ (ذَلِك السفاح) وَعَن عبد الله بن شريك العامري قَالَ سَمِعت ابْن عمر ﵄ وَقد سُئِلَ عَن رجل طلق ابْنة عَم لَهُ ثمَّ نَدم وَرغب فِيهَا فَأَرَادَ رجل أَن يَتَزَوَّجهَا لِيحِلهَا لَهُ فَقَالَ ابْن عمر كِلَاهُمَا زَان وَإِن مكثا عشْرين سنة أَو نَحْو ذَلِك إِذا كَانَ يعلم أَنه يُرِيد أَن يحللها وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سَأَلَهُ رجل فَقَالَ ابْن عمي طلق امْرَأَته ثَلَاثًا ثمَّ نَدم فَقَالَ ابْن عمك عصى ربه فأندمه وأطاع الشَّيْطَان فَلم يَجْعَل لَهُ مخرجاً فَقَالَ كَيفَ ترى فِي رجل يحلهَا لَهُ فَقَالَ من يُخَادع الله يخدعه وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ إِذا كَانَ نِيَّة أحد الثَّلَاثَة الزَّوْج الأول أَو الزَّوْج الآخر أَو الْمَرْأَة التَّحْلِيل فنكاح الآخر بَاطِل وَلَا تحل للْأولِ وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ إِذا هم أحد الثَّلَاثَة بالتحليل فقد أفسد وَقَالَ سعيد بن الْمسيب إِمَام التَّابِعين فِي رجل تزوج امْرَأَة لِيحِلهَا لزَوجهَا الأول فَقَالَ لَا تحل وَمِمَّنْ قَالَ بذلك مَالك بن أنس وَاللَّيْث بن سعد وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْإِمَام أَحْمد وَقَالَ إسماعيل بن سعيد سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن الرجل يتَزَوَّج الْمَرْأَة وَفِي نَفسه أَن يحللها لزَوجهَا الأول وَلم تعلم الْمَرْأَة بذلك فَقَالَ هُوَ مُحَلل وَإِذا أَرَادَ بذلك الْإِحْلَال فَهُوَ مَلْعُون وَمذهب الشَّافِعِي ﵀ إِذا شَرط التَّحْلِيل فِي العقد بَطل العقد لِأَنَّهُ عقد بِشَرْط قطعه دون غَايَته فَبَطل كَنِكَاح الْمُتْعَة وَإِن وجد الشَّرْط قبل العقد فَالْأَصَحّ الصِّحَّة وَإِن عقد كَذَلِك وَلم يشرط فِي العقد وَلَا قبله لم يفْسد العقد وَإِن تزَوجهَا

стр. 134

على أَنه إِذا أحلهَا طلقه فَفِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا أَنه يبطل وَوجه الْبطلَان أَنه شَرط يمْنَع صِحَّته دوَام النِّكَاح فَأشبه التَّأْقِيت وَهَذَا هُوَ الْأَصَح فِي الرَّافِعِيّ وَوجه الثَّانِي أَنه شَرط فَاسد قَارن العقد فَلَا يبطل كَمَا لَو تزَوجهَا بِشَرْط أَن لَا يتَزَوَّج عَلَيْهَا وَلَا يُسَافر بهَا وَالله أعلم فنسأل الله أَن يوفقنا لما يرضيه ويجنبنا مَعَاصيه إِنَّه جواد كريم غَفُور رَحِيم موعظة لله در قوم تركُوا الدُّنْيَا قبل تَركهَا وأخرجوا قُلُوبهم بالنفر عَن ظلام شكلها التقطوا أَيَّام السَّلامَة فغنموا وتلذذوا بِكَلَام مَوْلَاهُم فاستسلموا لأَمره وسلموا وَأخذُوا مواهبه بالشكر وتسلموا هجروا فِي طَاعَته لذيذ الْكرَى وهربوا إِلَيْهِ من جَمِيع الورى وآثروا طَاعَته إيثار من علم ودري وَرَضوا فَلم يعترضوا على مَا جرى وَبَاعُوا أنفسهم فيا نعم البيع وَيَا نعم الشِّرَاء أَسْلمُوا إِلَيْهِ لما سلمُوا الروح وخدموه والصدر لخدمته مَشْرُوع وقرعوا بَابه وَإِذا الْبَاب مَفْتُوح وواصلوا الْبكاء فالجفن بالدمع مقروح وَقَامُوا فِي الأسحار قيام من يبكي وينوح وصبروا على مقطعات الصُّوف وَلبس المسوح وراضوا أنفسهم فَإِذا المذموم ممدوح تعرفهم بِسِيمَاهُمْ عَلَيْهِم آثَار الصدْق تلوح قد عبقوا بنشر أنسه رَائِحَة ارتياحهم تفوح من طيب الثنا رَوَائِح لَهُم بِكُل مَكَان تستنشق ممسكة النفحات إِلَّا أَنَّهَا وحشية لسواهم لَا تعبق

стр. 135

الْكَبِيرَة السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ عدم التَّنَزُّه من الْبَوْل وَهُوَ شعار النَّصَارَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿وثيابك فطهر﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ مر النَّبِي ﷺ بقبرين فَقَالَ إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير أما أَحدهمَا فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأما الآخر فَكَانَ لَا يستبرئ من الْبَوْل أَي لَا يتحرز مِنْهُ مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ استنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ إِن من لم يتحرز من الْبَوْل فِي بدنه وثيابه فَصلَاته غير مَقْبُولَة وروى الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن شقي بن ماتع الأصبحي عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَرْبَعَة يُؤْذونَ أهل النَّار على مَا بهم من الْأَذَى يسعون مَا بَين الْحَمِيم والجحيم وَيدعونَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور وَيَقُول أهل النَّار لبَعْضهِم الْبَعْض مَا بَال هَؤُلَاءِ قد آذونا على مَا بِنَا من الْأَذَى قَالَ فَرجل مغلق عَلَيْهِ تَابُوت من جمر وَرجل يجر أمعاءه وَرجل يسيل فَمه قَيْحا ودماً وَرجل يَأْكُل لَحْمه قَالَ فَيُقَال لصَاحب التابوت مَا بَال الْأَبْعَد قد آذَانا على مَا بِنَا من الْأَذَى فَيَقُول إِن الْأَبْعَد مَاتَ وَفِي عُنُقه أَمْوَال النَّاس ثمَّ يُقَال للَّذي يجر أمعاءه مَا بَال الْأَبْعَد قد آذَانا على مَا بِنَا من الْأَذَى فَيَقُول إِن الْأَبْعَد كَانَ لَا يُبَالِي أَيْن مَا أصَاب الْبَوْل مِنْهُ وَلَا يغسلهُ ثمَّ يُقَال للَّذي يسيل فَمه قَيْحا ودماً مَا بَال الْأَبْعَد قد آذَانا على مَا بِنَا من الْأَذَى فَيَقُول إِن الْأَبْعَد كَانَ ينظر كل كلمة قبيحة فيستلذها وَفِي رِوَايَة كَانَ يَأْكُل لُحُوم النَّاس وَيَمْشي بالنميمة ثمَّ يُقَال للَّذي يَأْكُل لَحْمه مَا بَال الْأَبْعَد قد آذَانا على مَا بِنَا من الْأَذَى فَيَقُول إِن الْأَبْعَد كَانَ يَأْكُل لُحُوم النَّاس يَعْنِي بالغيبة

стр. 136

فنسأل الله الْعَفو والعافية بمنه وَكَرمه إِنَّه أرْحم الرَّاحِمِينَ موعظة أَيهَا العبيد تَذكرُوا فِي مصَارِع الَّذين سبقوا وتدبروا فِي عواقبهم أَيْن انْطَلقُوا وَاعْلَمُوا أَنهم قد تقاسموا وافترقوا أما أهل الْخَيْر فسعدوا وَأما أهل الشَّرّ فشقوا فَانْظُر لنَفسك قبل أَن تلقى مَا لقوا والمرء مثل هِلَال عِنْد مطلعه يَبْدُو ضئيلاً لطيفاً ثمَّ يتسق يزْدَاد حَتَّى إِذا مَا تم أعقبه كر الجديدين نقصاً ثمَّ يمتحق ... كَانَ الشَّبَاب رِدَاء قد بهجت بِهِ فقد تطاير مِنْهُ للبلا خرق ... وَمَات مبتسم جد المشيب بِهِ كالليل ينْهض فِي أعجازه الْأُفق ... عجبت والدهر لَا تفنى عجائبه من راكنين إِلَى الدُّنْيَا وَقد صدقُوا ... وطالما نغصت بالفجع صَاحبهَا بطارق الفجع والتنغيض قد طرقوا ... دَار لعهد بهَا الْآجَال مهلكة وَذُو التجارب فِيهَا خَائِف فرق ... يَا للرِّجَال لمخدوع بباطلها بعد الْبَيَان ومغرور بهَا يَثِق ... أَقُول وَالنَّفس تَدعُونِي لزخرفها أَيْن الْمُلُوك مُلُوك النَّاس والسوق أَيْن الَّذين لذاتها جنحوا قد كَانَ قبلهم عَيْش ومرتفق ... أمست مساكنهم قفراً معطلة كَأَنَّهُمْ لم يَكُونُوا قبلهَا خلقُوا ... يَا أهل لَذَّة دَار لَا بَقَاء لَهَا إِن اغْتِرَارًا بِظِل زائل حمق

стр. 137

الْكَبِيرَة السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ الرِّيَاء قَالَ الله تَعَالَى مخبراً عَن الْمُنَافِقين ﴿يراؤون النَّاس وَلَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون الَّذين هم يراؤون وَيمْنَعُونَ الماعون﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى كَالَّذي ينْفق مَاله رئاء النَّاس﴾ الْآيَة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملاً صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحداً﴾ أَي لَا يرائي بِعَمَلِهِ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أول النَّاس يقْضى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة رجل اسْتشْهد فِي سَبِيل الله فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جريء وَقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل وسع الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ من أَصْنَاف المَال فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ مَا تركت من سَبِيل تحب أَن ينْفق فِيهَا إِلَّا أنفقت فِيهَا لَك قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جواد فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن فَأتى بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال هُوَ عَالم وقرأت ليقال هُوَ قَارِئ ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى

стр. 138

ألقِي فِي النَّار رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ ﷺ من سمع سمع الله بِهِ وَمن يرائي يراءى بِهِ قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ من عمل عملاً على غير إخلاص إِنَّمَا يُرِيد أَن يرَاهُ النَّاس ويسمعوه جوزي على ذَلِك بِأَنَّهُ يشهره ويفضحه فيبدو عَلَيْهِ مَا كَانَ يبطنه ويسره من ذَلِك وَالله أعلم وَقَالَ ﵊ الْيَسِير من الرِّيَاء شرك وَقَالَ ﷺ أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الشرك الْأَصْغَر فَقيل وَمَا هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ الرِّيَاء يَقُول الله تَعَالَى يَوْم يجازي الْعباد بأعمالهم اذْهَبُوا إِلَى الَّذين كُنْتُم تراءونهم بأعمالكم فانظروا هَل تَجِدُونَ عِنْدهم جَزَاء وَقيل فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وبدا لَهُم من الله مَا لم يَكُونُوا يحتسبون﴾ قيل كَانُوا عمِلُوا أعمالاً كَانُوا يرونها فِي الدُّنْيَا حَسَنَات بَدَت لَهُم يَوْم الْقِيَامَة سيئات وَكَانَ بعض السلف إِذا قَرَأَ هَذِه الْآيَة يَقُول ويل لأهل الرِّيَاء وَقيل إِن الْمرَائِي يُنَادى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة بأَرْبعَة أَسمَاء يَا مرائي يَا غادر يَا فَاجر يَا خاسر اذْهَبْ فَخذ أجرك مِمَّن عملت لَهُ فَلَا أجر لَك عندنَا وَقَالَ الْحسن الْمرَائِي يُرِيد أَن يغلب قدر الله فِيهِ هُوَ رجل سوء يُرِيد أَن يَقُول النَّاس هُوَ صَالح فَكيف يَقُولُونَ وَقد حل من ربه مَحل الأردياء فَلَا بُد من قُلُوب الْمُؤمنِينَ أَن تعرفه وَقَالَ قَتَادَة إِذا راءى العَبْد يَقُول الله انْظُرُوا إِلَى عَبدِي كَيفَ يستهزئ بِي وَرُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ نظر إِلَى رجل وَهُوَ يطأطى رقبته فَقَالَ يَا صَاحب الرَّقَبَة إرفع رقبتك لَيْسَ الْخُشُوع فِي الرقاب إِنَّمَا الْخُشُوع فِي الْقُلُوب وَقيل إِن أَبَا أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ أَتَى

стр. 139

على رجل فِي الْمَسْجِد وَهُوَ ساجد يبكي فِي سُجُوده وَيَدْعُو فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَة أَنْت أَنْت لَو كَانَ هَذَا فِي بَيْتك وَقَالَ مُحَمَّد بن الْمُبَارك الصُّورِي أظهر السمت بِاللَّيْلِ فَإِنَّهُ أشرف من إِظْهَاره بِالنَّهَارِ لِأَن السمت بِالنَّهَارِ للمخلوقين والسمت بِاللَّيْلِ لرب الْعَالمين وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ للمرائي ثَلَاث عَلَامَات يكسل إِذا كَانَ وَحده وينشط إِذا كَانَ فِي النَّاس وَيزِيد فِي الْعَمَل إِذا أثني عَلَيْهِ وَينْقص إِذا ذم بِهِ وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض ﵀ ترك الْعَمَل لأجل النَّاس رِيَاء وَالْعَمَل لأجل النَّاس شرك وَالْإِخْلَاص أَن يعافيك الله مِنْهُمَا فنسأل الله المعونة وَالْإِخْلَاص فِي الْأَعْمَال والأقوال والحركات والسكنات إِنَّه جواد كريم موعظة عباد الله إِن أيامكم قَلَائِل ومواعظكم قواتل فليخبر الْأَوَاخِر الْأَوَائِل وليستيقظ الغافل قبل سير القوافل يَا من يُوقن أَنه لَا شك راحل وَمَا لَهُ زَاد وَلَا رواحل يَا من لج فِي لجة الْهوى مَتى ترتقي إِلَى السَّاحِل هَل انْتَبَهت من رقاد شَامِل وَحَضَرت المواعظ بقلب غير غافل وَقمت فِي اللَّيْل قيام عَاقل وكتبت بالدموع سطور الرسائل تخفي بهَا زفرات النَّدَم والوسائل وبعثتها فِي سفينة دمع سَائل لَعَلَّهَا ترسي على السَّاحِل وأسفا لمغرور جهول غافل لقد أثقل بعد الكهولة بالذنب الْكَاهِل وَقد ضيع البطالة وبذل الْجَاهِل وركن إِلَى ركُوب الْهوى ركبة مائل يَبْنِي الْبُنيان ويشيد المعاقل وَهُوَ عَن ذكر قَبره متشاغل وَيَدعِي بعد هَذَا أَنه عَاقل تالله لقد سبقه الْأَبْطَال إِلَى أَعلَى الْمنَازل وَهُوَ يؤمل فِي بطالته فوز الْعَامِل وهيهات هَيْهَات مَا فَازَ بَاطِل بطائل أَيهَا المعجب فخراً بمقاصير الْبيُوت ... إِنَّمَا الدُّنْيَا مَحل لقِيَام وقنوت ... فغدا تنزل بَيْتا ضيقاً بعد النحوت

стр. 140

بَين أَقوام سكُوت ناطقات فِي الصموت ... فارض فِي الدُّنْيَا بِثَوْب وَمن الْعَيْش بقوت ... وَاتخذ بَيْتا ضَعِيفا مثل بَيت العنكبوت ... ثمَّ قل يَا نفس هَذَا بَيت مثواك فموتي الْكَبِيرَة الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ التَّعَلُّم للدنيا وكتمان الْعلم قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ يَعْنِي الْعلمَاء بِاللَّه قَالَ ابْن عَبَّاس يُرِيد إِنَّمَا يخافني من خلقي من علم جبروتي وَعِزَّتِي وسلطاني وَقَالَ مُجَاهِد وَالشعْبِيّ الْعَالم من خَافَ الله تَعَالَى وَقَالَ الربيع بن أنس من لم يخْش الله فَلَيْسَ بعالم وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ نزلت هَذِه الْآيَة فِي عُلَمَاء الْيَهُود وَأَرَادَ (بِالْبَيِّنَاتِ) الرَّجْم وَالْحُدُود وَالْأَحْكَام وبالهدى أَمر مُحَمَّد ﵊ ونعته من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس أَي بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب أَي فِي التَّوْرَاة أُولَئِكَ يَعْنِي الَّذين يكتمون يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون قَالَ ابْن عَبَّاس كل شَيْء لَا الْجِنّ وَالْإِنْس وَقَالَ ابْن مَسْعُود مَا تلاعن اثْنَان من الْمُسلمين إِلَّا رجعت تِلْكَ اللَّعْنَة على الْيَهُود وَالنَّصَارَى الذيك يكتمون أَمر مُحَمَّد ﷺ وَصفته وَقَالَ الله تَعَالَى

стр. 141

﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ واشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فبئس مَا يشْتَرونَ﴾ قَالَ الواحدي نزلت هَذِه الْآيَة فِي يهود الْمَدِينَة أَخذ الله ميثاقهم فِي التَّوْرَاة ليبينن شَأْن مُحَمَّد ﷺ ونعته ومبعثه وَلَا يخفونه وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ وَقَالَ الْحسن هَذَا مِيثَاق الله تَعَالَى على عُلَمَاء الْيَهُود أَن يبينوا للنَّاس مَا فِي كِتَابهمْ وَفِيه ذكر رَسُول الله ﷺ وَقَوله فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ قَالَ ابْن عَبَّاس أَي ألقوا ذَلِك الْمِيثَاق خلف ظُهُورهمْ واشتروا بِهِ ثمناً قَلِيلا يَعْنِي مَا كَانُوا يأخذونه من سفلتهم برياستهم فِي الْعلم وَقَوله فبئس مَا يشْتَرونَ قَالَ ابْن عَبَّاس قبح شراؤهم وخسروا وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من تعلم علم مِمَّا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله لَا يتعلمه إِلَّا ليصيب بِهِ عرضاً من الدُّنْيَا لم يجد عرف الْجنَّة يَعْنِي رِيحهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقد مر حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الثَّلَاثَة الَّذين يسْحَبُونَ إِلَى النَّار أحدهم الَّذِي يُقَال لَهُ إِنَّمَا تعلمت ليقال عَالم وَقد قيل وَقَالَ ﷺ من ابْتغى الْعلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء أَو ليماري بِهِ السُّفَهَاء أَو تقبل أَفْئِدَة النَّاس إِلَيْهِ فَإلَى النَّار وَفِي لفظ أدخلهُ الله النَّار أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ ﷺ من سُئِلَ عَن علم فكتمه ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار وَكَانَ من دُعَاء رَسُول الله ﷺ أعوذ بك من علم

стр. 142

لَا ينفع وَقَالَ ﷺ من تعلم علماً لم يعْمل بِهِ لم يزده الْعلم إِلَّا كبرا وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يجاء بالعالم السوء يَوْم الْقِيَامَة فيقذف فِي النَّار فيدور بقصبه كَمَا يَدُور الْحمار بالرحا فَيُقَال لَهُ بِمَا لقِيت هَذَا وَإِنَّمَا اهتدينا بك فَيَقُول كنت أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ وَقَالَ هِلَال بن الْعَلَاء طلب الْعلم شَدِيد وَحفظه أَشد من طلبه وَالْعَمَل بِهِ أَشد من حفظه والسلامة مِنْهُ أَشد من الْعَمَل بِهِ فنسأل الله السَّلامَة من كل بلَاء والتوفيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم موعظة ابْن آدم مَتى تذكر عواقب الْأُمُور مَتى ترحل الرحال عَن هَذِه الْقُصُور إِلَى مَتى أَنْت فِي جَمِيع مَا تبني تَدور أَيْن من كَانَ من قبلكُمْ فِي الْمنَازل والدور أَيْن من ظن بِسوء تَدْبيره أَنه لَا يحور رَحل وَالله الْكل فَاجْتمعُوا فِي الْقُبُور واستوطنوا أخشن المهاد إِلَى نفخ الصُّور فَإِذا قَامُوا إِلَى فصل الْقَضَاء وَالسَّمَاء تمور كشفوا الْحجاب المخفي وهتك المستور وَظَهَرت عجائب الْأَفْعَال وَحصل مَا فِي الصُّدُور وَنصب الصِّرَاط فكم من قدم عثور وَوضعت عَلَيْهِ كلاليب لخطف كل مغرور وأصبحت وُجُوه الْمُتَّقِينَ تشرق كالبدور وباءوا بِتِجَارَة لن تبور ودعا أهل الْفُجُور بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور وَجِيء بالنَّار تقاد بالأزمة وَهِي تَفُور إِذْ ألقوا فِيهَا سمعُوا لَهَا شهيقاً وَهِي تَفُور لَيْسَ فِي الدُّنْيَا لمن آمن بِالْبَعْثِ سرُور إِنَّمَا يفرح جهول أَو كفور إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاع كل مَا فِيهَا غرور ... فَتذكر هول يَوْم السما فِيهِ تمور

стр. 143

الْكَبِيرَة التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ الْخِيَانَة قَالَ الله تَعَالَى يَا ﴿أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ قَالَ الواحدي رَحْمَة الله تَعَالَى نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي لبَابَة حِين بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى بني قُرَيْظَة لما حَاصَرَهُمْ وَكَانَ أَهله وَولده فيهم فَقَالُوا يَا أَبَا لبَابَة مَا ترى لنا إِن نزلنَا على حكم سعد فِينَا فَأَشَارَ أَبُو لبَابَة إِلَى حلقه أَي أَنه الذّبْح فَلَا تَفعلُوا فَكَانَت تِلْكَ مِنْهُ خِيَانَة لله وَرَسُوله قَالَ أَبُو لبَابَة فَمَا زَالَت قَدَمَايَ من مَكَاني حَتَّى عرفت أَنِّي خُنْت الله وَرَسُوله وَقَوله وتخونوا أماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ عطف على النَّهْي أَي وَلَا تخونوا أماناتكم قَالَ ابْن عَبَّاس الْأَمَانَات الْأَعْمَال الَّتِي ائْتمن الله عَلَيْهَا الْعباد يَعْنِي الْفَرَائِض يَقُول لَا تنقضوها قَالَ الْكَلْبِيّ أما خِيَانَة الله وَرَسُوله فمعصيتهما وَأما خِيَانَة الْأَمَانَة فَكل وَاحِد مؤتمن على مَا افترضه الله عَلَيْهِ إِن شَاءَ خانها وَإِن شَاءَ أَدَّاهَا لَا يطلع عَلَيْهِ أحد إِلَّا الله تَعَالَى وَقَوله وَأَنْتُم تعلمُونَ أَنَّهَا أَمَانَة من غير شُبْهَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين﴾ أَي لَا يرشد كيد من خَان أَمَانَته يَعْنِي أَنه يفتضح فِي الْعَاقِبَة بحرمان الْهِدَايَة وَقَالَ ﵊ آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ والخيانة قبيحة فِي كل شَيْء وَبَعضهَا شَرّ من بعض وَلَيْسَ من خانك فِي فلس كمن خانك فِي أهلك وَمَالك وارتكب العظائم وَعَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أد الْأَمَانَة إِلَى من

стр. 144

ائتمنك وَلَا تخن من خانك وَفِي الحَدِيث أَيْضا يطبع الْمُؤمن على كل شَيْء لَيْسَ الْخِيَانَة وَالْكذب وَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله أَنا ثَالِث الشَّرِيكَيْنِ مَا لم يخن أَحدهمَا صَاحبه وَفِيه أَيْضا أول مَا يرفع من النَّاس الْأَمَانَة وَآخر مَا يبْقى الصَّلَاة وَرب مصل لَا خير فِيهِ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إيَّاكُمْ والخيانة فَإِنَّهَا بئست البطانة وَقَالَ ﵊ هَكَذَا أهل النَّار وَذكر مِنْهُم رجلاً لَا يخفى لَهُ طمع وَإِن دق إِلَّا خانه وَقَالَ ابْن مَسْعُود يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بِصَاحِب الْأَمَانَة الَّذِي خَان فِيهَا فَيُقَال لَهُ أد أمانتك فَيَقُول أَنى يَا رب وَقد ذهبت الدُّنْيَا قَالَ فتمثل لَهُ كهيئتها يَوْم أَخذهَا فِي قَعْر جَهَنَّم ثمَّ يُقَال لَهُ إنزل إِلَيْهَا فأخرجها قَالَ فَينزل إِلَيْهَا فيحملها على عَاتِقه فَهِيَ عَلَيْهِ أثقل من جبال الدُّنْيَا حَتَّى إِذا ظن أَنه نَاجٍ هوت وَهوى فِي أَثَرهَا أَبَد الآبدين ثمَّ قَالَ الصَّلَاة أَمَانَة وَالْوُضُوء أَمَانَة وَالْغسْل أَمَانَة وَالْوَزْن أَمَانَة والكيل أَمَانَة وَأعظم ذَلِك الودائع اللَّهُمَّ عاملنا بلطفك وتداركنا بعفوك موعظة عباد الله مَا أشرف الْأَوْقَات وَقد ضيعتموها وَمَا أَجْهَل النُّفُوس وَقد أطعتموها وَمَا أدق السُّؤَال عَن الْأَمْوَال فانظروا كَيفَ جمعتموها وَمَا أحفظ الصُّحُف بِالْأَعْمَالِ فتدبروا مَا أودعتموها قبل الرحيل عَن الْقَلِيل

стр. 145

والمناقشة عَن النقير والقتيل قبل أَن تنزلوا بطُون اللحود وتصيروا طَعَاما للدود فِي بَيت بَابه مسدود وَلَو قيل فِيهِ للعاصي مَا تخْتَار لقَالَ أَعُود وَلَا أَعُود أَيْن أهل الديار من قوم نوح ثمَّ عَاد من بعدهمْ وَثَمُود ... بَيْنَمَا الْقَوْم فِي النمارق والاستبرق أفضت إِلَى التُّرَاب الخدود ... وصحيح أضحى يعود مَرِيضا وَهُوَ أدنى للْمَوْت مِمَّن يعود الْكَبِيرَة الْأَرْبَعُونَ المنان قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى﴾ قَالَ الواحدي هُوَ أَن يمن بِمَا أعْطى وَقَالَ الْكَلْبِيّ بالمن على الله فِي صدقته والأذى لصَاحِبهَا وَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم المسبل والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب المسبل هُوَ الَّذِي يسبل إزَاره أَو ثِيَابه أَو قَمِيصه أَو سراويله حَتَّى تكون إِلَى الْقَدَمَيْنِ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ مَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ من الْإِزَار فَهُوَ فِي النَّار وَفِي الحَدِيث أَيْضا ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة الْعَاق لوَالِديهِ والمدمن الْخمر والمنان رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَفِيه أَيْضا لَا
следующие страницы →