Полный текст (234 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ واشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فبئس مَا يشْتَرونَ﴾ قَالَ الواحدي نزلت هَذِه الْآيَة فِي يهود الْمَدِينَة أَخذ الله ميثاقهم فِي التَّوْرَاة ليبينن شَأْن مُحَمَّد ﷺ ونعته ومبعثه وَلَا يخفونه وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ وَقَالَ الْحسن هَذَا مِيثَاق الله تَعَالَى على عُلَمَاء الْيَهُود أَن يبينوا للنَّاس مَا فِي كِتَابهمْ وَفِيه ذكر رَسُول الله ﷺ وَقَوله فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ قَالَ ابْن عَبَّاس أَي ألقوا ذَلِك الْمِيثَاق خلف ظُهُورهمْ واشتروا بِهِ ثمناً قَلِيلا يَعْنِي مَا كَانُوا يأخذونه من سفلتهم برياستهم فِي الْعلم وَقَوله فبئس مَا يشْتَرونَ قَالَ ابْن عَبَّاس قبح شراؤهم وخسروا وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من تعلم علم مِمَّا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله لَا يتعلمه إِلَّا ليصيب بِهِ عرضاً من الدُّنْيَا لم يجد عرف الْجنَّة يَعْنِي رِيحهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقد مر حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الثَّلَاثَة الَّذين يسْحَبُونَ إِلَى النَّار أحدهم الَّذِي يُقَال لَهُ إِنَّمَا تعلمت ليقال عَالم وَقد قيل وَقَالَ ﷺ من ابْتغى الْعلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء أَو ليماري بِهِ السُّفَهَاء أَو تقبل أَفْئِدَة النَّاس إِلَيْهِ فَإلَى النَّار وَفِي لفظ أدخلهُ الله النَّار أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ ﷺ من سُئِلَ عَن علم فكتمه ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار وَكَانَ من دُعَاء رَسُول الله ﷺ أعوذ بك من علم
стр. 142
لَا ينفع وَقَالَ ﷺ من تعلم علماً لم يعْمل بِهِ لم يزده الْعلم إِلَّا كبرا وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يجاء بالعالم السوء يَوْم الْقِيَامَة فيقذف فِي النَّار فيدور بقصبه كَمَا يَدُور الْحمار بالرحا فَيُقَال لَهُ بِمَا لقِيت هَذَا وَإِنَّمَا اهتدينا بك فَيَقُول كنت أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ وَقَالَ هِلَال بن الْعَلَاء طلب الْعلم شَدِيد وَحفظه أَشد من طلبه وَالْعَمَل بِهِ أَشد من حفظه والسلامة مِنْهُ أَشد من الْعَمَل بِهِ فنسأل الله السَّلامَة من كل بلَاء والتوفيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم
موعظة
ابْن آدم مَتى تذكر عواقب الْأُمُور مَتى ترحل الرحال عَن هَذِه الْقُصُور إِلَى مَتى أَنْت فِي جَمِيع مَا تبني تَدور أَيْن من كَانَ من قبلكُمْ فِي الْمنَازل والدور أَيْن من ظن بِسوء تَدْبيره أَنه لَا يحور رَحل وَالله الْكل فَاجْتمعُوا فِي الْقُبُور واستوطنوا أخشن المهاد إِلَى نفخ الصُّور فَإِذا قَامُوا إِلَى فصل الْقَضَاء وَالسَّمَاء تمور كشفوا الْحجاب المخفي وهتك المستور وَظَهَرت عجائب الْأَفْعَال وَحصل مَا فِي الصُّدُور وَنصب الصِّرَاط فكم من قدم عثور وَوضعت عَلَيْهِ كلاليب لخطف كل مغرور وأصبحت وُجُوه الْمُتَّقِينَ تشرق كالبدور وباءوا بِتِجَارَة لن تبور ودعا أهل الْفُجُور بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور وَجِيء بالنَّار تقاد بالأزمة وَهِي تَفُور إِذْ ألقوا فِيهَا سمعُوا لَهَا شهيقاً وَهِي تَفُور لَيْسَ فِي الدُّنْيَا لمن آمن بِالْبَعْثِ سرُور إِنَّمَا يفرح جهول أَو كفور
إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاع
كل مَا فِيهَا غرور ... فَتذكر هول يَوْم
السما فِيهِ تمور
стр. 143
الْكَبِيرَة التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ الْخِيَانَة
قَالَ الله تَعَالَى يَا ﴿أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ قَالَ الواحدي رَحْمَة الله تَعَالَى نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي لبَابَة حِين بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى بني قُرَيْظَة لما حَاصَرَهُمْ وَكَانَ أَهله وَولده فيهم فَقَالُوا يَا أَبَا لبَابَة مَا ترى لنا إِن نزلنَا على حكم سعد فِينَا فَأَشَارَ أَبُو لبَابَة إِلَى حلقه أَي أَنه الذّبْح فَلَا تَفعلُوا فَكَانَت تِلْكَ مِنْهُ خِيَانَة لله وَرَسُوله قَالَ أَبُو لبَابَة فَمَا زَالَت قَدَمَايَ من مَكَاني حَتَّى عرفت أَنِّي خُنْت الله وَرَسُوله وَقَوله وتخونوا أماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ عطف على النَّهْي أَي وَلَا تخونوا أماناتكم قَالَ ابْن عَبَّاس الْأَمَانَات الْأَعْمَال الَّتِي ائْتمن الله عَلَيْهَا الْعباد يَعْنِي الْفَرَائِض يَقُول لَا تنقضوها قَالَ الْكَلْبِيّ أما خِيَانَة الله وَرَسُوله فمعصيتهما وَأما خِيَانَة الْأَمَانَة فَكل وَاحِد مؤتمن على مَا افترضه الله عَلَيْهِ إِن شَاءَ خانها وَإِن شَاءَ أَدَّاهَا لَا يطلع عَلَيْهِ أحد إِلَّا الله تَعَالَى وَقَوله وَأَنْتُم تعلمُونَ أَنَّهَا أَمَانَة من غير شُبْهَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين﴾ أَي لَا يرشد كيد من خَان أَمَانَته يَعْنِي أَنه يفتضح فِي الْعَاقِبَة بحرمان الْهِدَايَة وَقَالَ ﵊ آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ والخيانة قبيحة فِي كل شَيْء وَبَعضهَا شَرّ من بعض وَلَيْسَ من خانك فِي فلس كمن خانك فِي أهلك وَمَالك وارتكب العظائم وَعَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أد الْأَمَانَة إِلَى من
стр. 144
ائتمنك وَلَا تخن من خانك وَفِي الحَدِيث أَيْضا يطبع الْمُؤمن على كل شَيْء لَيْسَ الْخِيَانَة وَالْكذب وَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله أَنا ثَالِث الشَّرِيكَيْنِ مَا لم يخن أَحدهمَا صَاحبه وَفِيه أَيْضا أول مَا يرفع من النَّاس الْأَمَانَة وَآخر مَا يبْقى الصَّلَاة وَرب مصل لَا خير فِيهِ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إيَّاكُمْ والخيانة فَإِنَّهَا بئست البطانة وَقَالَ ﵊ هَكَذَا أهل النَّار وَذكر مِنْهُم رجلاً لَا يخفى لَهُ طمع وَإِن دق إِلَّا خانه وَقَالَ ابْن مَسْعُود يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بِصَاحِب الْأَمَانَة الَّذِي خَان فِيهَا فَيُقَال لَهُ أد أمانتك فَيَقُول أَنى يَا رب وَقد ذهبت الدُّنْيَا قَالَ فتمثل لَهُ كهيئتها يَوْم أَخذهَا فِي قَعْر جَهَنَّم ثمَّ يُقَال لَهُ إنزل إِلَيْهَا فأخرجها قَالَ فَينزل إِلَيْهَا فيحملها على عَاتِقه فَهِيَ عَلَيْهِ أثقل من جبال الدُّنْيَا حَتَّى إِذا ظن أَنه نَاجٍ هوت وَهوى فِي أَثَرهَا أَبَد الآبدين ثمَّ قَالَ الصَّلَاة أَمَانَة وَالْوُضُوء أَمَانَة وَالْغسْل أَمَانَة وَالْوَزْن أَمَانَة والكيل أَمَانَة وَأعظم ذَلِك الودائع اللَّهُمَّ عاملنا بلطفك وتداركنا بعفوك
موعظة
عباد الله مَا أشرف الْأَوْقَات وَقد ضيعتموها وَمَا أَجْهَل النُّفُوس وَقد أطعتموها وَمَا أدق السُّؤَال عَن الْأَمْوَال فانظروا كَيفَ جمعتموها وَمَا أحفظ الصُّحُف بِالْأَعْمَالِ فتدبروا مَا أودعتموها قبل الرحيل عَن الْقَلِيل
стр. 145
والمناقشة عَن النقير والقتيل قبل أَن تنزلوا بطُون اللحود وتصيروا طَعَاما للدود فِي بَيت بَابه مسدود وَلَو قيل فِيهِ للعاصي مَا تخْتَار لقَالَ أَعُود وَلَا أَعُود
أَيْن أهل الديار من قوم نوح
ثمَّ عَاد من بعدهمْ وَثَمُود ... بَيْنَمَا الْقَوْم فِي النمارق والاستبرق
أفضت إِلَى التُّرَاب الخدود ... وصحيح أضحى يعود مَرِيضا
وَهُوَ أدنى للْمَوْت مِمَّن يعود
الْكَبِيرَة الْأَرْبَعُونَ المنان
قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى﴾ قَالَ الواحدي هُوَ أَن يمن بِمَا أعْطى وَقَالَ الْكَلْبِيّ بالمن على الله فِي صدقته والأذى لصَاحِبهَا وَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم المسبل والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب المسبل هُوَ الَّذِي يسبل إزَاره أَو ثِيَابه أَو قَمِيصه أَو سراويله حَتَّى تكون إِلَى الْقَدَمَيْنِ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ مَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ من الْإِزَار فَهُوَ فِي النَّار وَفِي الحَدِيث أَيْضا ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة الْعَاق لوَالِديهِ والمدمن الْخمر والمنان رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَفِيه أَيْضا لَا
стр. 146
يدْخل الْجنَّة خب وَلَا بخيل وَلَا منان والخب هُوَ الْمَكْر والخديعة والمنان هُوَ الَّذِي يُعْطي شَيْئا أَو يتَصَدَّق بِهِ ثمَّ يمن بِهِ وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إيَّاكُمْ والمن بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يبطل الشُّكْر ويمحق الْأجر ثمَّ تَلا رَسُول الله ﷺ قَول الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى﴾ وَسمع ابْن سِيرِين رجلاً يَقُول لآخر أَحْسَنت إِلَيْك وَفعلت وَفعلت فَقَالَ لَهُ ابْن سِيرِين اسْكُتْ فَلَا خير فِي الْمَعْرُوف إِذا أحصي وَكَانَ بَعضهم يَقُول من بمعروفه سقط من شكره وَمن أعجب بِعَمَلِهِ حَبط أجره وَأنْشد الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى
لَا تحملن من الْأَنَام
بِأَن يمنوا عَلَيْك مِنْهُ ... واختر لنَفسك حظها
واصبر فَإِن الصَّبْر جنه ... منن الرِّجَال على الْقُلُوب
أَشد من وَقع الأسنه
وَأنْشد أَيْضا بَعضهم فَقَالَ
وَصَاحب سلفت مِنْهُ إِلَيّ بُد
أَبْطَأَ عَلَيْهِ مكافاتي فعاداني ... لما تَيَقّن أَن الدَّهْر حاربني
أبدى الندامة مِمَّا كَانَ أولاني ... أفسدت بالمن مَا قدمت من حسن
لَيْسَ الْكَرِيم إِذا أعْطى بمنان
موعظة
يَا مبادراً بالخطايا مَا أجهلك إِلَى مَتى تغتر بِالَّذِي أمهلك كَأَنَّهُ قد أهملك فكأنك بِالْمَوْتِ وَقد جَاءَ بك وأنهلك وَإِذا الرحيل وَقد أفزعك الْملك وأسرك البلا بعد الْهوى وعقلك وندمت على وزر عَظِيم قد أثقلك يَا مطمئنا بالفاني مَا أَكثر زللك وَيَا معرضاً عَن النصح كَأَن النصح مَا قيل لَك أَيْن حَبِيبك الَّذِي كَانَ وَأَيْنَ انْتقل أما وعظك التلف فِي جسده والمقل أَيْن
стр. 147
كثير المَال أَيْن طَوِيل الأمل أما خلا وَحده فِي لحده بِالْعَمَلِ أَيْن من جر ثَوْبه الْخُيَلَاء غافلاً ورفل أما سَافر بِهِ وَإِلَى الْآن مَا وصل أَيْن من تنعم فِي قصره فَكَأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَ وَفِي قَبره لم يزل أَيْن من تفوق وأحتفل غَابَ وَالله نجم سعوده وأفل أَيْن الأكاسرة والجبابرة العتاة الأول ملك أَمْوَالهم سواهُم وَالدُّنْيَا دوَل
الْكَبِيرَة الْحَادِيَة وَالْأَرْبَعُونَ التَّكْذِيب بِالْقدرِ
قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِيره فِي سَبَب نُزُولهَا قَولَانِ أَحدهمَا أَن مُشْركي مَكَّة أَتَوا رَسُول الله ﷺ يخاصمونه فِي الْقدر فَنزلت هَذِه الْآيَة انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم وروى أَبُو أُمَامَة أَن هَذِه الْآيَة فِي الْقَدَرِيَّة وَالْقَوْل الثَّانِي أَن أَسْقُف نَجْرَان جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّد تزْعم أَن الْمعاصِي بِقدر وَلَيْسَ كَذَلِك فَقَالَ ﷺ أَنْتُم خصماء الله فَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وروى عمر بن الخطان عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا جمع الله الْأَوَّلين والآخرين يَوْم الْقِيَامَة أَمر منادياً فَنَادَى نِدَاء يسمعهُ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ أَيْن
стр. 148
خصماء الله فتقوم الْقَدَرِيَّة فَيُؤْمَر بهم إِلَى النَّار يَقُول الله ﴿ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وَإِنَّمَا قيل لَهُم خصماء الله لأَنهم يُخَاصِمُونَ فِي أَنه لَا يجوز أَن يقدر الْمعْصِيَة على العَبْد ثمَّ يعذبه عَلَيْهَا وروى هِشَام بن حسان عَن الْحسن قَالَ وَالله لَو أَن قدرياً صَامَ حَتَّى يصير كالحبل ثمَّ صلى حَتَّى يصير كالوتر لكبه الله على وَجهه فِي سقر ثمَّ قيل لَهُ ذُقْ مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر وروى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل شَيْء بِقدر حَتَّى الْعَجز والكيس وَقَالَ ابْن عَبَّاس كل شَيْء خلقناه بِقدر مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ قبل وُقُوعه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ ابْن جرير فِيهَا وَجْهَان أَحدهمَا أَن تكون بِمَعْنى الْمصدر فَيكون الْمَعْنى وَالله خَلقكُم وعملكم وَالثَّانِي أَن تكون بِمَعْنى الَّذِي فَيكون الْمَعْنى وَالله خَلقكُم وَخلق الَّذِي تعملونه بِأَيْدِيكُمْ من الْأَصْنَام وَفِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة وَالله أعلم وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ الإلهام إِيقَاع الشَّيْء فِي النَّفس قَالَ سعيد بن جُبَير ألزمها فجورها وتقواها وَقَالَ ابْن زايد جعل ذَلِك فِيهَا بتوفيقه إِيَّاهَا للتقوى وخذلانه إِيَّاهَا للفجور وَالله أعلم وَفِي الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الله من على قوم فألهمهم الْخَيْر فأدخلهم فِي رَحمته وابتلى قوماً فخذلهم وذمهم على أفعالهم وَلم يستطيعوا غير مَا ابْتَلَاهُم فعذبهم وَهُوَ عَادل لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا بعث الله نَبيا قط وَفِي أمته قدرية ومرجئة إِن الله لعن الْقَدَرِيَّة والمرجئة على لِسَان سبعين نَبيا وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ الْقَدَرِيَّة مجوس
стр. 149
هَذِه الْأمة وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لكل أمة مجوس ومجوس هَذِه الْأمة الَّذين يَزْعمُونَ أَن لَا قدر وَأَن الْأَمر أنف قَالَ فَإِذا لقيتهم فَأخْبرهُم أَنِّي مِنْهُم بَرِيء وَأَنَّهُمْ برَاء مني ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَن لأَحَدهم مثل أحد ذَهَبا فأنفقه فِي سَبِيل الله مَا قبل حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره ثمَّ ذكر حَدِيث جِبْرِيل وسؤاله النَّبِي ﷺ قَالَ مَا الْإِيمَان قَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره قَوْله أَن تؤمن بِاللَّه الْإِيمَان بِاللَّه هُوَ التَّصْدِيق بِأَنَّهُ مَوْجُود مَوْصُوف بِصِفَات الْجلَال والكمال منزه عَن صِفَات النَّقْص وَأَنه فَرد صَمد خَالق جَمِيع الْمَخْلُوقَات متصرف فِيهَا بِمَا يَشَاء يفعل فِي ملكه مَا يُرِيد وَالْإِيمَان بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ التَّصْدِيق بعبوديتهم لله بل عباد مكرمون لَا يسبقونه بالْقَوْل وهم بِأَمْر يعْملُونَ يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون وَالْإِيمَان بالرسل هُوَ التَّصْدِيق بِأَنَّهُم صَادِقُونَ فِيمَا أخبروا بِهِ عَن الله تَعَالَى أَيّدهُم الله بالمعجزات الدَّالَّة على صدقهم وَأَنَّهُمْ بلغُوا عَن الله تَعَالَى رسالاته وبينوا للمكلفين مَا أَمرهم الله بِهِ وَأَنه يجب إحترامهم وَأَن لَا يفرق بَين أحد مِنْهُم وَالْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر هُوَ التَّصْدِيق بِيَوْم الْقِيَامَة وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْإِعَادَة بعد الْمَوْت والنشر والحشر والحساب وَالْمِيزَان والصراط وَالْجنَّة وَالنَّار وأنهما
стр. 150
دَار ثَوَابه وعقابه للمحسنين والمسيئين إِلَى غير ذَلِك مِمَّا صَحَّ بِهِ النَّقْل وَالْإِيمَان بِالْقدرِ هُوَ التَّصْدِيق بِمَا تقدم ذكره وَحَاصِله مَا دل عَلَيْهِ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَقَوله ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وَمن ذَلِك قَوْله ﷺ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَاعْلَم أَن الْأمة لَو اجْتَمعُوا على أَن ينفعوك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله لَك وَلَو اجْتَمعُوا على أَن يضروك بِشَيْء لم يضروك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله عَلَيْك رفعت الأقلام وجفت الصُّحُف وَمذهب السلف وأئمة الْخلف أَن من صدق بِهَذِهِ الْأُمُور تَصْدِيقًا جَازِمًا لَا ريب فِيهِ وَلَا تردد كَانَ مُؤمنا حَقًا سَوَاء كَانَ ذَلِك عَن براهين قَاطِعَة أَو اعتقادات جازمة وَالله أعلم
فصل
أجمع سَبْعُونَ رجلاً من التَّابِعين وأئمة الْمُسلمين وَالسَّلَف وفقهاء الْأَمْصَار على أَن السنة الَّتِي توفي عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ أَولهَا الرِّضَا بِقَضَاء الله وَقدره وَالتَّسْلِيم لأَمره وَالصَّبْر تَحت حكمه وَالْأَخْذ بِمَا أَمر الله بِهِ وَالنَّهْي عَمَّا نهى الله عَنهُ وإخلاص الْعَمَل لله وَالْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره وَترك المراء والجدال والخصومات فِي الدين وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ وَالْجهَاد مَعَ كل خَليفَة براً وفاجراً وَالصَّلَاة على من مَاتَ من أهل الْقبْلَة وَالْإِيمَان قَول وَعمل وَنِيَّة يزِيد بِالطَّاعَةِ وَينْقص بالمعصية وَالْقُرْآن كَلَام الله نزل بِهِ جِبْرِيل على نبيه مُحَمَّد ﷺ غير مَخْلُوق وَالصَّبْر تَحت لِوَاء السُّلْطَان على مَا كَانَ مِنْهُ من عدل أَو جور وَلَا نخرج على الْأُمَرَاء بِالسَّيْفِ وَإِن جاروا وَلَا نكفر أحداً من أهل الْقبْلَة وَإِن عمل الْكَبَائِر إِلَّا إِن استحلوها وَلَا نشْهد لأحد من أهل الْقبْلَة بِالْجنَّةِ لخير أَتَى بِهِ إِلَّا من شهد لَهُ النَّبِي ﷺ والكف عَمَّا شجر بَين أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَأفضل الْخلق بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ ﵃ أَجْمَعِينَ ونترحم على جَمِيع أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَأَوْلَاده وَأَصْحَابه ﵃ أَجْمَعِينَ
стр. 151
فَائِدَة
فِيهَا من كَلَام النَّاس مَا هُوَ كفر صرحت بِهِ الْعلمَاء مِنْهَا مَا لَو سخر باسم من أَسمَاء الله أَو بأَمْره أَو وعده أَو وعيده كفر وَلَو قَالَ لَو أَمرنِي الله كَذَا مَا فعلت كفر وَلَو صَارَت الْقبْلَة فِي هَذِه الْجِهَة مَا صليت إِلَيْهَا كفر وَلَو قيل لَهُ أَلا تتْرك الصَّلَاة فَإِن الله يؤاخذك فَقَالَ لَو آخذني بهَا مَعَ مَا فِي من الْمَرَض والشدة لظلمني كفر وَلَو قَالَ لَو شهد عِنْدِي الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة بِكَذَا مَا صدقت كفر وَلَو قيل لَهُ قلم أظافرك فَإِنَّهَا سنة فَقَالَ لَا أفعل وَإِن كَانَت سنة كفر وَلَو قَالَ فلَان فِي عَيْني كاليهودي كفر وَلَو قَالَ إِن الله جلس للإنصاف أَو قَامَ للإنصاف كفر وَجَاء فِي وَجه من قَالَ لمُسلم لَا ختم الله لَك بِخَير أَو سلبك الْإِيمَان كفر وَجَاء أَيْضا أَن من طلب يَمِين إِنْسَان فَأَرَادَ أَن يحلف بِاللَّه فَقَالَ أُرِيد أَن تحلف بِالطَّلَاق كفر وَاخْتلفُوا فِي من قَالَ رؤيتي لَك كرؤية الْمَوْت فَقَالَ بَعضهم يكفر وَلَو قَالَ لَو كَانَ فلَان نَبيا مَا آمَنت بِهِ كفر وَلَو قَالَ إِن كَانَ مَا قَالَه صدقا نجونا كفر وَلَو صلى بِغَيْر وضوء استهزاء أَو استحلالا كفر وَلَو تنَازع رجلَانِ فَقَالَ أَحدهمَا لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَقَالَ لَهُ الآخر لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه لَا تغني من جوع كفر وَلَو سمع أَذَان الْمُؤَذّن فَقَالَ إِنَّه يكذب كفر وَلَو قَالَ لَا أَخَاف الْقِيَامَة كفر وَلَو وضع مَتَاعه فَقَالَ سلمته إِلَى الله فَقَالَ لَهُ رجل سلمته إِلَى من لَا يتبع السَّارِق كفر وَلَو جلس رجل على مَكَان مُرْتَفع تَشْبِيها بالخطيب فَسَأَلُوهُ الْمسَائِل وهم يَضْحَكُونَ أَو قَالَ أحدهم قَصْعَة ثريد خير من الْعلم كفر وَلَو ابتلي بمصائب فَقَالَ أخذت مَالِي وَوَلَدي وماذا تفعل كفر وَلَو ضرب وَلَده أَو غُلَامه فَقَالَ لَهُ رجل أَلَسْت بِمُسلم فَقَالَ لَا مُتَعَمدا كفر وَلَو تمنى أَن لَا يحرم الله الزِّنَا أَو الْقَتْل أَو الظُّلم كفر وَلَو شد على وَسطه حبلا فَسئلَ عَنهُ فَقَالَ هَذَا زنار فالأكثرون على أَنه يكفر وَلَو قَالَ معلم الصبيان الْيَهُود خير من الْمُسلمين لأَنهم يُعْطون معلمي صبيانهم كفر وَلَو قَالَ النَّصْرَانِي خير من الْمَجُوسِيّ كفر وَلَو قيل لرجل مَا الْإِيمَان فَقَالَ لَا أَدْرِي كفر وَمن ذَلِك أَلْفَاظ مستكرهة مستنكرة وَهِي لَا دين لَك لَا إِيمَان لَك لَا يَقِين لَك
стр. 152
أَنْت فَاجر أَنْت مُنَافِق أَنْت زنديق أَنْت فَاسق وَمن ذَا وأشباهه كُله حرَام ويخشى على العَبْد بهَا سلب الْإِيمَان وَالْخُلُود فِي النَّار فنسأل الله المنان بِلُطْفِهِ أَن يتوفانا مُسلمين على الْكتاب وَالسّنة إِنَّه أرْحم الرَّاحِمِينَ
موعظة
عباد الله أَيْن الَّذين كنزوا الْكُنُوز وجمعوا وثملوا من الشَّهَوَات وشبعوا وأملوا الْبَقَاء فَمَا نالوا فِيهَا مَا طمعوا وفنيت أعمارهم بِمَا غروا بِهِ وخدعوا نصب لَهُم شيطانهم أشراك الْهوى فوقعوا وجاءهم ملك الْمَوْت فذلوا وخضعوا وأخرجهم من دِيَارهمْ فَلَا وَالله مَا رجعُوا فهم مفترقون فِي الْقُبُور فَإِذا نفخ فِي الصُّور اجْتَمعُوا
وَكَيف قرت لأهل الْعلم أَعينهم
أَو استلذوا لذيذ الْعَيْش أَو هجعوا ... وَالْمَوْت ينذرهم جَهرا عَلَانيَة
لَو كَانَ للْقَوْم أسماع لقد سمعُوا ... وَالنَّار ضاحية لَا بُد موردهم
وَلَيْسَ يَدْرُونَ من ينجو وَمن يَقع ... قد أمست الطير والأنعام آمِنَة
وَالنُّون فِي الْبَحْر لَا يخْشَى لَهَا فزع ... والآدمي بِهَذَا الْكسْب مُرْتَهن
لَهُ رَقِيب على الْأَسْرَار يطلع ... حَتَّى يرى فِيهِ يَوْم الْجمع مُنْفَردا
وحصمه الْجلد والأبصار والسمع ... وَإِذ يقومُونَ والأشهاد قَائِمَة
وَالْجِنّ وَالْإِنْس والأملاك قد خشعوا ... وطارت الصُّحُف فِي الْأَيْدِي منتشرة
فِيهَا السرائر وَالْأَخْبَار تطلع ... فَكيف بِالنَّاسِ والأنباء واقفة
عَمَّا قَلِيل وَمَا تَدْرِي بِمَا تقع ... أَفِي الْجنان وَفَوْز لَا انْقِطَاع لَهُ
أم فِي الْجَحِيم فَلَا تبقي وَلَا تدع ... تهوي بسكانها طوراً وترفعهم
إِذا رجوا مخرجاً من غمها قمعوا ... طَال الْبكاء فَلم ينفع تضرعهم
هَيْهَات لَا رقية تغني وَلَا جزع
стр. 153
الْكَبِيرَة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ التسمع على النَّاس وَمَا يسرون
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تجسسوا﴾ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ قَرَأَ أَبُو زيد وَالْحسن وَالضَّحَّاك وَابْن سِيرِين بِالْحَاء قَالَ أَبُو عُبَيْدَة التَّجَسُّس والتحسس وَاحِد وَهُوَ الْبَحْث وَمِنْه الجاسوس وَقَالَ يحيى بن أبي كثير التَّجَسُّس بِالْجِيم عَن عورات النَّاس وَبِالْحَاءِ الِاسْتِمَاع لحَدِيث الْقَوْم قَالَ الْمُفَسِّرُونَ التَّجَسُّس الْبَحْث عَن عيب الْمُسلمين وعوراتهم فَالْمَعْنى لَا يبْحَث أحدكُم عَن عيب أَخِيه ليطلع عَلَيْهِ إِذا ستره الله وَقيل لِابْنِ مَسْعُود هَذَا الْوَلِيد بن عقبَة تقطر لحيته خمراً قَالَ إِنَّا نهينَا عَن التَّجَسُّس فَإِن يظْهر لنا شَيْء نَأْخُذ بِهِ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من اسْتمع إِلَى حَدِيث قوم وهم لَهُ كَارِهُون صب فِي أُذُنَيْهِ الآنك يَوْم الْقِيَامَة أخرجه البُخَارِيّ والآنك الرصاص الْمُذَاب نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ ونسأل الله التَّوْفِيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم
موعظة
عباد الله إِن المنايا قد دقَّتْ واقتربت فالنفوس رهينة قد جمعت وتعبت كأنكم بأكف الردى قد أخذت وسلبت رب شمس طالعة على الْقَبْر قد غربت يَا فراخ الفنا فخاخ البلى قد نصبت عباد الله كل الْمعاصِي قد سطرت وكتبت والنفوس رهينة بِمَا جنت واكتسبت لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت يَا من يغتر بالأماني والآمال الكواذب ومبارز بالقبايح وَمَا يدْرِي من يحارب يَا حَاضر الْبدن غير أَن الْقلب غَائِب أرضيت أَن تفوتك الْخيرَات والرغائب يَا من عمره يفنى فِي مَمَره ويسري كالنجائب يَا من شَاب وَمَا تَابَ هَذَا من الْعَجَائِب يَا عجباً كَيفَ نَام الْمَطْلُوب وَمَا غفل الطَّالِب
стр. 154
الْكَبِيرَة الثَّالِثَة وَالْأَرْبَعُونَ النمام
وَهُوَ من ينْقل الحَدِيث بَين النَّاس على جِهَة الْإِفْسَاد بَينهم هَذَا بَيَانهَا وَأما أَحْكَامهَا فَهِيَ حرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَقد تظاهرت على تَحْرِيمهَا الدَّلَائِل الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تُطِع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة نمام وَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ مر بقبرين قَالَ إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير أما أَنه كَبِير أما أَحدهمَا فَكَانَ لَا يستبرئ من بَوْله وَأما الآخر فَكَانَ يمشي بالنميمة ثمَّ أَخذ جَرِيدَة رطبة فَشَقهَا إثنتين وغرز فِي كل قبر وَاحِدَة وَقَالَ لَعَلَّه أَن يُخَفف عَنْهُمَا مَا لم ييبسا وَقَوله وَمَا يعذبان فِي كَبِير أَي لَيْسَ بكبير تَركه عَلَيْهِمَا أَو لَيْسَ بكبير فِي زعمهما وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَة أُخْرَى بلَى إِنَّه كَبِير وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تَجِدُونَ شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه وَمن كَانَ ذَا لسانين فِي الدُّنْيَا فَإِن الله يَجْعَل لَهُ لسانين من نَار يَوْم الْقِيَامَة وَمعنى من كَانَ ذَا لسانين أَي يتَكَلَّم مَعَ هَؤُلَاءِ بِكَلَام وَهَؤُلَاء بِكَلَام وَهُوَ بِمَعْنى صَاحب الْوَجْهَيْنِ قَالَ الإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ ﵀ إِنَّمَا تطلق فِي الْغَالِب على من ينم قَول الْغَيْر إِلَى الْمَقُول فِيهِ بقوله فلَان يَقُول فِيك كَذَا وَلَيْسَت النميمة مَخْصُوصَة بذلك بل حَدهَا كشف مَا يكره كشفه سَوَاء كره الْمَنْقُول عَنهُ أَو الْمَنْقُول إِلَيْهِ أَو ثَالِث وَسَوَاء أَكَانَ الْكَشْف بالْقَوْل أَو الْكِتَابَة أَو الرَّمْز أَو
стр. 155
الْإِيمَاء أَو نَحْوهَا وَسَوَاء كَانَ من الْأَقْوَال أَو الْأَعْمَال وَسَوَاء كَانَ عَيْبا أَو غَيره فحقيقة النميمة إفشاء السِّرّ وهتك السّتْر عَمَّا يكره كشفه وَيَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يسكت عَن كل مَا رَآهُ من أَحْوَال النَّاس إِلَّا مَا فِي حكايته فَائِدَة للْمُسلمين أَو دفع مَعْصِيّة قَالَ وكل من حملت إِلَيْهِ نميمة وَقيل لَهُ قَالَ فِيك فلَان كَذَا وَكَذَا لزمَه سِتَّة أَحْوَال (الأول) أَن لَا يصدقهُ لِأَنَّهُ نمام فَاسق وَهُوَ مَرْدُود الْخَبَر (الثَّانِي) أَن ينهاه عَن ذَلِك وينصحه ويقبح فعله (الثَّالِث) أَن يبغضه فِي الله فَإِنَّهُ بغيض عِنْد الله والبغض فِي الله وَاجِب (الرَّابِع) أَن لَا يظن فِي الْمَنْقُول عَنهُ السوء لقَوْله تَعَالَى ﴿إجتنبوا كثيراً من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم﴾ الْخَامِس أَن لَا يحملهُ مَا حُكيَ لَهُ على التَّجَسُّس والبحث عَن تحقق ذَلِك قَالَ الله ﴿وَلَا تجسسوا﴾ السَّادِس أَن لَا يرضى لنَفسِهِ مَا نهى النمام عَنهُ فَلَا يَحْكِي نميمته وَقد جَاءَ أَن رجلاً ذكر لعمر بن عبد الْعَزِيز رجلاً بِشَيْء فَقَالَ عمر يَا هَذَا إِن شِئْت نَظرنَا فِي أَمرك فَإِن كنت صَادِقا فَأَنت من أهل هَذِه الْآيَة إِن جَاءَكُم فَاسق بنبأ فَتَبَيَّنُوا وَإِن كنت كَاذِبًا فَأَنت من أهل هَذِه الْآيَة هماز مشاء بنميم وَإِن شِئْت عَفَوْنَا عَنْك فَقَالَ الْعَفو يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا أَعُود إِلَيْهِ أبداً وَرفع إِنْسَان رقْعَة إِلَى الصاحب بن عباد ﵀ يحثه فِيهَا على أَخذ مَال الْيَتِيم وَكَانَ لَهُ مَال كثير فَكتب على ظهر الرقعة النميمة قبيحة وَإِن كَانَت صَحِيحَة وَالْمَيِّت ﵀ واليتيم جبره الله وَالْمَال ثمره الله والساعي لَعنه الله وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ من نقل إِلَيْك حَدِيثا فَاعْلَم أَنه ينْقل إِلَى غَيْرك حَدِيثك وَهَذَا مثل قَول النَّاس من نقل إِلَيْك نقل عَنْك فاحذره وَقَالَ ابْن الْمُبَارك ولد الزِّنَا لَا يكتم الحَدِيث أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن كل من لَا يكتم الحَدِيث وَمَشى بالنميمة
стр. 156
دل على أَنه ولد الزِّنَا إستنباطاً من قَول الله تَعَالَى ﴿عتل بعد ذَلِك زنيم﴾ والزنيم هُوَ الدعي وَرُوِيَ أَن بعض السلف الصَّالِحين زار أَخا لَهُ وَذكر لَهُ عَن بعض إخوانه شَيْئا يكرههُ فَقَالَ لَهُ يَا أخي أطلت الْغَيْبَة وأتيتني بِثَلَاث جنايات بغضت إِلَيّ أخي وشغلت قلبِي بِسَبَبِهِ واتهمت نَفسك الأمينة وَكَانَ بَعضهم يَقُول من أخْبرك بشتم عَن أَخِيك فَهُوَ الشاتم لَك وَجَاء رجل إِلَى عَليّ بن الْحُسَيْن ﵄ فَقَالَ إِن فلَانا شتمك وَقَالَ عَنْك كَذَا وَكَذَا فَقَالَ اذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ فَذهب مَعَه وَهُوَ يرى أَنه ينتصر لنَفسِهِ فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ قَالَ يَا أخي إِن كَانَ مَا قلت فِي حَقًا فغفر الله لي وَإِن كَانَ مَا قلت فِي بَاطِلا فغفر الله لَك وَقيل فِي قَول الله تَعَالَى ﴿حمالَة الْحَطب﴾ يَعْنِي امْرَأَة أبي لَهب إِنَّهَا كَانَت تنقل الحَدِيث بالنميمة سمى النميمة حطباً لِأَنَّهَا سَبَب الْعَدَاوَة كَمَا أَن الْحَطب سَبَب لاشتعال النَّار وَيُقَال عمل النمام أضر من عمل الشَّيْطَان لِأَن عمل الشَّيْطَان بالوسوسة وَعمل النمام بالمواجهة
حِكَايَة
رُوِيَ أَن رجلاً رأى غُلَاما يُبَاع وَهُوَ يُنَادي عَلَيْهِ لَيْسَ بِهِ عيب إِلَّا أَنه نمام فَقَط فاستخف بِالْعَيْبِ وَاشْتَرَاهُ فَمَكثَ عِنْده أَيَّامًا ثمَّ قَالَ لزوجة سَيّده إِن سَيِّدي يُرِيد أَن يتَزَوَّج عَلَيْك أَو يتسرى وَقَالَ أَنه لَا يحبك فَإِن أردْت أَن يعْطف عَلَيْك وَيتْرك مَا عزم عَلَيْهِ فَإِذا نَام فَخذي الموسى واحلقي شَعرَات من تَحت لحيته واتركي الشعرات مَعَك فَقَالَت فِي نَفسهَا نعم واشتغل قلب الْمَرْأَة وعزمت على ذَلِك إِذا نَام زَوجهَا ثمَّ جَاءَ إِلَى زَوجهَا وَقَالَ سَيِّدي إِن سيدتي زَوجتك قد اتَّخذت لَهَا صديقاً ومحباً غَيْرك ومالت إِلَيْهِ وتريد أَن تخلص مِنْك وَقد عزت على ذبحك اللَّيْلَة وَإِن لم تصدقني فتناوم لَهَا اللَّيْلَة وَانْظُر كَيفَ تَجِيء إِلَيْك وَفِي يَدهَا شَيْء تُرِيدُ أَن تذبحك بِهِ وَصدقه سَيّده فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل جَاءَت الْمَرْأَة بِالْمُوسَى لتحلق الشعرات من تَحت لحيته وَالرجل يتناوم لَهَا فَقَالَ فِي نَفسه وَالله صدق الْغُلَام بِمَا قَالَ فَلَمَّا وضعت الْمَرْأَة الموسى وأهوت
стр. 157
إِلَى حلقه قَامَ وَأخذ الموسى مِنْهَا وذبحها بِهِ فجَاء أَهلهَا فرأوها مقتولة فَقَتَلُوهُ فَوَقع الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ بشؤم ذَلِك العَبْد المشئوم فَلذَلِك سمى الله النمام فَاسِقًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بنبأ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوماً بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾
موعظة
يَا من أسره الْهوى فَمَا يَسْتَطِيع لَهُ فكاكاً يَا غافلاً عَن التلف وَقد أدْركهُ إدراكاً يَا مغروراً بسلامته وَقد نصب لَهُ الْمَوْت أشراكاً تفكر فِي ارتحالك وَأَنت على حالك فَإِن لم تبك فتباكى
بَكَيْت فَمَا تبْكي شباب صباك
كَفاك نَذِير الشيب فِيك كَفاك ... ألم تَرَ أَن الشيب قد قَامَ ناعياً
مَكَان الشَّبَاب الغض ثمَّ نعاكا ... ألم تَرَ يَوْمًا مر إِلَّا كَأَنَّهُ
بإهلاكه للهالكين عناكا ... أَلا أَيهَا الفاني وَقد حَان حِينه
أتطمع أَن تبقى فلست هنكا ... ستمضي وَيبقى مَا ترَاهُ كَمَا ترى
فينساك مَا خلفته هُوَ ذاكا ... تَمُوت كَمَا مَاتَ الَّذين نسيتهم
وتنسى ويهوى الْحَيّ بعد هواكا ... كَأَنَّك قد أقصيت بعد تقرب
إِلَيْك وَإِن باك عَلَيْك بكاكا ... كَأَن الَّذِي يحثو عَلَيْك من الثرى
يُرِيد بِمَا يحثو عَلَيْك رضاكا ... كَأَن خطوب الدَّهْر لم تجر سَاعَة
عَلَيْك إِذا الْخطب الْجَلِيل أتاكا ... ترى الأَرْض كم فِيهَا رهون دفينة
غلقن فَلم يقبل لَهُنَّ فكاكا
стр. 158
الْكَبِيرَة الرَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ اللعان
قَالَ النَّبِي ﷺ سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر وَقَالَ ﷺ لعن الْمُؤمن كقتله أخرجه البُخَارِيّ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يكون اللعانون شُفَعَاء وَلَا شُهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ ﵊ لَا يَنْبَغِي لصديق أَن يكون لعاناً وَفِي الحَدِيث لَيْسَ الْمُؤمن بطعان وَلَا بِلعان وَلَا بالفاحش وَلَا بالبذيء والبذيء هُوَ الَّذِي يتَكَلَّم بالفحش ورديء الْكَلَام وَعَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن العَبْد إِذا لعن شَيْئا صعدت اللَّعْنَة إِلَى السَّمَاء فتغلق أَبْوَاب السَّمَاء دونهَا ثمَّ تهبط إِلَى الأَرْض فتغلق أَبْوَابهَا دونهَا ثمَّ تَأْخُذ يَمِينا وَشمَالًا فَإِذا لم تَجِد مساغاً رجعت إِلَى الَّذِي لعن إِن كَانَ أَهلا لذَلِك وَإِلَّا رجعت إِلَى قَائِلهَا وَقد عاقب النَّبِي ﷺ من لعنت ناقتها بِأَن سلبها إِيَّاهَا قَالَ عمرَان بن حُصَيْن بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره وَامْرَأَة من الْأَنْصَار على نَاقَة فضجت فلعنتها فَسمع ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ خُذُوا مَا عَلَيْهَا ودعوها فَإِنَّهَا ملعونة قَالَ عمرَان فَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا الْآن تمشي فِي النَّاس مَا يعرض لَهَا أحد أخرجه مُسلم وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ
стр. 159
أَن أربى الرِّبَا استطالة الْمَرْء فِي عرض أَخِيه الْمُسلم وَعَن عَمْرو بن قيس قَالَ إِذا ركب الرجل دَابَّته قَالَت اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ بِي رَفِيقًا رحِيما فَإِذا لعنها قَالَت على أعصانا لله وَرَسُوله لعنة الله
فصل
فِي جَوَاز لعن أَصْحَاب الْمعاصِي غير المعينين المعروفين قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾ وَثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لعن الله آكل الرِّبَا وموكله وَشَاهده وكاتبه وَإنَّهُ قَالَ لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ وَأَنه قَالَ لعن الله الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة فالواصلة هِيَ الَّتِي تصل شعرهَا وَالْمسْتَوْصِلَة هِيَ الَّتِي يُوصل لَهَا والنامصة هِيَ الَّتِي تنتف الشّعْر من الحاجبين والمتنمصة الَّتِي يفعل بهَا ذَلِك وَأَنه ﷺ لعن الصالقة والحالقة والشاقة فالصالقة هِيَ الَّتِي ترفع صَوتهَا عِنْد الْمُصِيبَة والحالقة هِيَ الَّتِي تحلق شعرهَا عِنْد الْمُصِيبَة والشاقة هِيَ الَّتِي تشق ثِيَابهَا عِنْد الْمُصِيبَة وَأَنه ﷺ لعن المصورين وَأَنه لعن من غير منار الأَرْض أَي حُدُودهَا وَأَنه قَالَ لعن الله من لعن وَالِديهِ وَلعن من سب أمه وَفِي السّنَن أَنه قَالَ لعن الله من أضل أعمى عَن الطَّرِيق وَلعن الله من أَتَى بَهِيمَة وَلعن الله من عمل عمل قوم لوط وَأَنه لعن من أَتَى كَاهِنًا أَو أَتَى امْرَأَة فِي دبرهَا وَلعن النائحة وَمن حولهَا وَلعن من أم قوماً وهم لَهُ كَارِهُون وَلعن الله امْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَلعن رجلاً سمع حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح ثمَّ لم يجب وَلعن من ذبح لغير الله وَلعن السَّارِق وَلعن من سب الصَّحَابَة وَلعن المخنثين من الرِّجَال والمترجلات من النِّسَاء وَلعن المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَلعن الْمَرْأَة تلبس لبسة الرجل وَالرجل يلبس لبسة الْمَرْأَة وَلعن من سل سخيمته على الطَّرِيق يَعْنِي تغوط على طَرِيق النَّاس وَلعن السلتاء وَالْمَرْأَة السلتاء الَّتِي لَا تخضب يَديهَا وَالْمَرْأَة الَّتِي لَا تكتحل وَلعن من خبب امْرَأَة على زَوجهَا أَو مَمْلُوكا على سَيّده يَعْنِي أفسدها أَو أفْسدهُ وَلعن من أَتَى حَائِضًا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا وَلعن من أَشَارَ إِلَى أَخِيه بحديدة وَلعن مَانع
стр. 160
الصَّدَقَة يَعْنِي الزَّكَاة وَلعن من انتسب إِلَى غير أَبِيه أَو تولى غير موَالِيه وَلعن من كوى دَابَّة فِي وَجههَا وَلعن الشافع والمشفع فِي حد من حُدُود الله إِذا بلغ الْحَاكِم وَلعن الْمَرْأَة إِذا خرجت من دارها بِغَيْر إِذن زَوجهَا ولعنها إِذا باتت هاجرة فرَاش زَوجهَا حَتَّى ترجع وَلعن تَارِك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِذا أمكنه وَلعن الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ يَعْنِي اللواط وَلعن الْخمْرَة وشاربها وساقيها ومستقيها وبائعها ومبتاعها عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ وآكل ثمنهَا وَالدَّال عَلَيْهَا وَقَالَ ﷺ سِتَّة لعنتهم لعنهم الله وكل نَبِي مجاب الدعْوَة المكذب بِقدر الله وَالزَّائِد فِي كتاب الله والمتسلط بالجبروت ليعز من أذل الله ويذل من أعزه الله والمستحل لحرم الله والمستحل من عِتْرَتِي مَا حرم الله والتارك لسنتي وَلعن الزَّانِي بِامْرَأَة جَاره وَلعن ناكح يَده وَلعن ناكح الْأُم وبنتها وَلعن الراشي والمرتشي فِي الحكم والرائش يَعْنِي السَّاعِي بَينهمَا وَلعن من كتم الْعلم وَلعن المحتكر وَلعن من أَخْفَر مُسلما يَعْنِي خذله وَلم ينصره وَلعن الْوَالِي إِذا لم يكن فِيهِ رَحْمَة وَلعن المتبتلين من الرِّجَال الَّذين يَقُولُونَ لَا نتزوج والمتبتلات من النِّسَاء وَلعن رَاكب الفلاة وَحده وَلعن من أَتَى بَهِيمَة نَعُوذ بِاللَّه من لعنته ولعنة رَسُوله
فصل
اعلم أَن لعن الْمُسلم المصون حرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَيجوز لعن أَصْحَاب الْأَوْصَاف المذمومة كَقَوْلِك لعن الله الظَّالِمين لعن الله الْكَافرين لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى لعن الله الْفَاسِقين لعن الله المصورين وَنَحْو ذَلِك كَمَا تقدم وَأما لعن إِنْسَان بِعَيْنِه مِمَّن اتصف بِشَيْء من الْمعاصِي كيهودي أَو نَصْرَانِيّ أَو ظَالِم أَو زَان أَو سَارِق أَو آكل رَبًّا فظواهر الْأَحَادِيث إِنَّه لَيْسَ بِحرَام وَأَشَارَ الْغَزالِيّ ﵀ إِلَى تَحْرِيمه إِلَّا فِي حق من علمنَا أَنه مَاتَ على الْكفْر كَأبي لَهب وَأبي جهل وَفرْعَوْن وهامان وأشباههم قَالَ لِأَن اللَّعْن هُوَ الإبعاد عَن رَحْمَة الله وَمَا نَدْرِي مَا يخْتم بِهِ لهَذَا الْفَاسِق وَالْكَافِر قَالَ وَأما الَّذين لعنهم رَسُول الله ﷺ بأعيانهم كَمَا قَالَ اللَّهُمَّ الْعَن رعلا وذكوان وَعصيَّة عصوا الله ورسوا وَهَذِه ثَلَاث قبائل من الْعَرَب فَيجوز أَنه ﷺ علم مَوْتهمْ على الْكفْر قَالَ وَيقرب من اللَّعْن الدُّعَاء على الْإِنْسَان بِالشَّرِّ حَتَّى
стр. 161
الدُّعَاء على الظَّالِم كَقَوْل الْإِنْسَان لَا أصح الله جِسْمه وَلَا سلمه الله وَمَا جرى مجْرَاه وكل ذَلِك مَذْمُوم وَكَذَلِكَ لعن جَمِيع الْحَيَوَانَات والجمادات لهَذَا كُله مَذْمُوم قَالَ بعض الْعلمَاء من لعن من لَا يسْتَحق اللَّعْن فليبادر بقوله إِلَّا أَن يكون لَا يسْتَحق
فصل
وَيجوز للْآمِر بِالْمَعْرُوفِ والناهي عَن الْمُنكر وكل مؤدب أَن يَقُول لمن يخاطبه فِي ذَلِك وَيلك أَو يَا ضَعِيف الْحَال أَو يَا قَلِيل النظر لنَفسِهِ أَو يَا ظَالِم نَفسه أَو مَا أشبه ذَلِك بِحَيْثُ لَا يتَجَاوَز إِلَى الْكَذِب وَلَا يكون فِيهِ لفظ قذف صَرِيح أَو كِنَايَة أَو تَعْرِيض وَلَو كَانَ صَادِقا فِي ذَلِك وَإِنَّمَا يجوز مَا قدمْنَاهُ وَيكون الْغَرَض من ذَلِك التَّأْدِيب والزجر وَيكون الْكَلَام أوقع فِي النَّفس وَالله أعلم اللَّهُمَّ نزه قُلُوبنَا عَن التَّعَلُّق بِمن دُونك واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك واغفر لنا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين
موعظة
يَا قَلِيل الزَّاد وَالطَّرِيق بعيد يَا مُقبلا على مَا يضر تَارِكًا لما يُفِيد أتراك يخفى عَلَيْك الْأَمر الرشيد إِلَى مَتى تضيع الزَّمَان وَهُوَ يُحْصى برقيب وعتيد
مضى أمسك الْمَاضِي شَهِيدا معدلاً
وأعقبه يَوْم عَلَيْك شَهِيد ... فَإِن كنت بالْأَمْس اقترفت إساءة
فبادر بِإِحْسَان وَأَنت حميد ... وَلَا تبْق فضل الصَّالِحَات إِلَى غَد
فَرب غَد يَأْتِي وَأَنت فقيد ... إِذا مَا المنايا أَخْطَأتك وصادفت
حميمك فَاعْلَم أَنَّهَا ستعود
стр. 162
الْكَبِيرَة الْخَامِسَة وَالْأَرْبَعُونَ الْغدر وَعدم الْوَفَاء بالعهد
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسؤولا﴾ قَالَ الزجاج كل مَا أَمر الله بِهِ أَو نهى عَنهُ فَهُوَ من الْعَهْد وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ قَالَ الواحدي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة الولبي (العهود) يَعْنِي مَا أحل وَمَا حرم وَمَا فرض وَمَا حد فِي الْقُرْآن وَقَالَ الضَّحَّاك بالعهود الَّتِي أَخذ الله على هَذِه الْأمة أَن يوفوا بهَا مِمَّا أحل وَحرم وَمَا فرض من الصَّلَاة وَسَائِر الْفَرَائِض والعهود وَكَذَا العهود جمع عهد العقد بِمَعْنى الْمَعْقُود وَهُوَ الَّذِي أحكم مَا فرض الله علينا فقد أحكم ذَلِك وَلَا سَبِيل إِلَى نقضه بِحَال وَقَالَ مقَاتل بن حَيَّان (أَوْفوا بِالْعُقُودِ) الَّتِي عهد الله إِلَيْكُم فِي الْقُرْآن مِمَّا أَمركُم بِهِ من طَاعَته أَن تعملوا بهَا وَنَهْيه الَّذِي نهاكم عَنهُ وبالعهود الَّذِي بَيْنكُم وَبَين الْمُشْركين وَفِيمَا يكون من الْعَهْد بَين النَّاس وَالله أعلم وَقَالَ النَّبِي ﷺ أَربع من كن فِيهِ كَانَ منافقاً خَالِصا وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خصْلَة من النِّفَاق حَتَّى يَدعهَا إِذا حدث كذب وَإِذا ائْتمن خَان وَإِذا عَاهَدَ غدر وَإِذا خَاصم فجر مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة يُقَال هَذَا غدرة فلَان ابْن فلَان وَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله ثَلَاثَة أَنا خصمهم يَوْم الْقِيَامَة رجل أعْطى بِي ثمَّ غدر وَرجل بَاعَ حراً فَأكل ثمنه وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فاستوفى مِنْهُ الْعَمَل وَلم يُعْطه أجره أخرجه البُخَارِيّ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من خلع يداً من طَاعَة لَقِي الله يَوْم الْقِيَامَة
стр. 163
وَلَا حجَّة لَهُ وَمن مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقه بيعَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة أخرجه مُسلم وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من أحب أَن يزحزح عَن النَّار وَيدخل الْجنَّة فلتأته منيته وَهُوَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليأت إِلَى النَّاس الَّذِي يحب أَن يُؤْتى إِلَيْهِ وَمن بَايع إِمَامًا فَأعْطَاهُ صَفْقَة يَده وَثَمَرَة قلبه فليطعه إِن اسْتَطَاعَ فَإِن جَاءَ أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر
الْكَبِيرَة السَّادِسَة وَالْأَرْبَعُونَ تَصْدِيق الكاهن والمنجم
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولا﴾ قَالَ الواحدي فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم قَالَ الْكَلْبِيّ لَا تقل مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم وَقَالَ قَتَادَة لَا تقل سَمِعت وَلم يسمع وَرَأَيْت وَلم تَرَ وَعلمت وَلم تعلم وَالْمعْنَى لَا تقولن فِي شَيْء بِمَا لَا تعلم إِن السمع وَالْبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسؤولاً قَالَ الْوَالِبِي عَن ابْن عَبَّاس يسْأَل الله الْعباد فيمَ استعملوها وَفِي هَذَا زجر عَن النظر إِلَى مَا لَا يحل وَالِاسْتِمَاع إِلَى مَا يحرم وَإِرَادَة مَا لَا يجوز وَالله أعلم وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحداً إِلَّا من ارتضى من رَسُول﴾ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ عَالم الْغَيْب هُوَ الله وَحده لَا شريك لَهُ فِي ملكه فَلَا يظْهر أَي فَلَا يطلع على غيبه الَّذِي لَا يُعلمهُ أحد من النَّاس إِلَّا من ارتضى من رَسُول لِأَن الدَّلِيل على صدق الرُّسُل إخبارهم بِالْغَيْبِ وَالْمعْنَى أَن من ارْتَضَاهُ للرسالة أطلعه على مَا شَاءَ من الْغَيْب فَفِي هَذَا دَلِيل على أَن من زعم أَن النُّجُوم تدل على الْغَيْب فَهُوَ كَافِر وَالله أعلم
стр. 164
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من أَتَى عرافاً أَو كَاهِنًا فَصدقهُ بِمَا يَقُول فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد ﷺ وروينا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ﵁ قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ صَلَاة الصُّبْح فِي أثر سَمَاء كَانَت من اللَّيْل فَلَمَّا انْصَرف أقبل على النَّاس بِوَجْهِهِ فَقَالَ هَل تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ أصبح من عبَادي مُؤمن بِي وَكَافِر فَأَما من قَالَ مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته فَذَلِك مُؤمن بِي كَافِر بالكوكب وَأما من قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا فَذَلِك كَافِر بِي مُؤمن بالكوكب قَالَ الْعلمَاء إِن قَالَ مُسلم مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا يُرِيد أَن النوء هُوَ الموجد وَالْفَاعِل الْمُحدث للمطر صَار كَافِرًا مُرْتَدا بِلَا شك وَإِن قَالَ مرِيدا أَنه عَلامَة نزُول الْمَطَر وَينزل الْمَطَر عِنْد هَذِه الْعَلامَة ونزوله بِفعل الله خلقه لم يكفر وَاخْتلفُوا فِي كَرَاهَته وَالْمُخْتَار أَنه مَكْرُوه لِأَنَّهُ من أَلْفَاظ الْكفَّار وَهَذَا ظَاهر الحَدِيث (وَقَوله) فِي أثر سَمَاء السَّمَاء هُنَا الْمَطَر وَالله أعلم وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من أَتَى عرافاً فَصدقهُ بِمَا يَقُول لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا رَوَاهُ مُسلم وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَأَلَ رَسُول الله ﷺ أنَاس عَن الْكُهَّان فَقَالَ لَيْسَ بِشَيْء قَالُوا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ قد قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تِلْكَ الْكَلِمَة من الْحق يحفظها الجني فيقرها فِي إِذن ولية أَي يلقيها فيخلط مَعهَا مائَة كذبة مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الْمَلَائِكَة تنزل فِي الْعَنَان وَهُوَ السَّحَاب فَتذكر الْأَمر قضي فِي السَّمَاء فيسترق الشَّيْطَان السمع فيسمعه فيوحيه إِلَى الْكُهَّان فيكذبون مَعهَا مائَة كذبة من عِنْد أنفسهم رَوَاهُ البُخَارِيّ
стр. 165
وَعَن قبيصَة بن أبي الْمخَارِق ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول العيافة والطيرة والطرق من الجبت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الطرق الزجر أَي زجر الطير وَهُوَ أَن يتيامن أَو يتشاءم بطيرانه فَإِن طَار إِلَى جِهَة الْيَمين تيمن وَإِن طَار إِلَى جِهَة الْيَسَار تشاءم قَالَ أَبُو دَاوُد العيافة الْخط قَالَ الْجَوْهَرِي الجبت كلمة تقع على الصَّنَم والكاهن والساحر وَنَحْو ذَلِك وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من اقتبس شُعْبَة من النُّجُوم فقد اقتبس شُعْبَة من السحر زَاد مَا زَاد وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب الكاهن سَاحر والساحر كَافِر فنسأل الله الْعَافِيَة والعصمة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
موعظة
عباد الله تَفَكَّرُوا فِي سلفكم قبل تلفكم وانظروا فِي أُمُوركُم قبل حُلُول قبوركم فتأهبوا للرحيل قبل فَوت تحويلكم أَيْن الأقرن الأخوان أَيْن من شيد الإيوان رحلوا وَالله عَن الأوطان ومزقت فِي اللحود تِلْكَ الأكفان هتف نذيرهم بِأَهْل الْعرْفَان كل من عَلَيْهَا فان تقلبت بهم الْأَحْوَال وَلعب بهم فِي أَيدي اللَّيَالِي وشغلوا عَن الْأَوْلَاد وَالْأَمْوَال ونسيهم أحباؤهم بعد لَيَال عانقوا التُّرَاب وفارقوا الْأَمْوَال فَلَو أذن لأَحَدهم فِي الْمقَال لقَالَ
من رآنا فليحدث نَفسه
إِنَّه وقف على قرب زَوَال ... وصروف الدَّهْر لَا يبْقى لَهَا
وَلما تَأتي بِهِ صم الْجبَال ... رب ركب قد أناخوا حولنا
يشربون الْخمر بِالْمَاءِ الزلَال ... والأباريق عَلَيْهِم قدمت
وعتاق الْخَيل تردى بالجلال ... عمروا دهراً بعيش ناعم
أَبيض دهرهم غير محَال ... ثمَّ أضحوا لعب الدَّهْر بهم
وكذاك الدَّهْر يودي بِالرِّجَالِ
стр. 166
الْكَبِيرَة السَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ نشوز الْمَرْأَة على زَوجهَا
قَالَ الله تَعَالَى ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِن الله كَانَ علياً كَبِيرا﴾ قَالَ الواحدي رَحمَه الله تَعَالَى النُّشُوز هَهُنَا مَعْصِيّة الزَّوْج وَهُوَ الترفع عَلَيْهِ بِالْخِلَافِ وَقَالَ عَطاء هُوَ أَن تتعطر لَهُ وتمنعه نَفسهَا وتتغير عَمَّا كَانَت تَفْعَلهُ من الطواعية فعظوهن بِكِتَاب الله وذكروهن مَا أمرهن الله بِهِ واهجروهن فِي الْمضَاجِع قَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ أَن يوليها ظَهره على الْفراش وَلَا يكلمها وَقَالَ الشّعبِيّ وَمُجاهد هُوَ أَن يهجر مضاجعتها فَلَا يضاجعها واضربوهن ضرباً غير مبرح وَقَالَ ابْن عَبَّاس أدبا مثل اللكزة وَللزَّوْج أَن يتلافى نشوز امْرَأَته بِمَا أذن الله لَهُ مِمَّا ذكره الله فِي هَذِه الْآيَة فَإِن أطعنكم فِيمَا يلْتَمس مِنْهُنَّ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَا تتجنوا عَلَيْهِنَّ الْعِلَل وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا دَعَا الرجل امْرَأَته إِلَى فرَاشه فَلم تأت لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى تصبح وَفِي لفظ فَبَاتَ وَهُوَ عَلَيْهَا غَضْبَان لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى تصبح وَلَفظ الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا إِذا باتت الْمَرْأَة هاجرة فرَاش زَوجهَا فتأبى عَلَيْهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاء ساخطاً عَلَيْهَا حَتَّى يرضى عَنْهَا زَوجهَا وَعَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ ثَلَاثَة لَا يقبل الله لَهُم صَلَاة
стр. 167
وَلَا ترفع لَهُم إِلَى السَّمَاء حَسَنَة العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع إِلَى موَالِيه فَيَضَع يَده فِي أَيْديهم وَالْمَرْأَة الساخط عَلَيْهَا زَوجهَا حَتَّى يرضى عَنْهَا والسكران حَتَّى يصحو وَعَن الْحسن قَالَ حَدثنِي من سمع النَّبِي ﷺ يَقُول أول مَا تسْأَل عَنهُ الْمَرْأَة يَوْم الْقِيَامَة عَن صلَاتهَا وَعَن بَعْلهَا وَفِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تَصُوم وَزوجهَا شَاهد إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأذن فِي بَيته إِلَّا بِإِذْنِهِ أخرجه البُخَارِيّ وَمعنى شَاهد أَي حَاضر غير غَائِب وَذَلِكَ فِي صَوْم التَّطَوُّع فَلَا تَصُوم حَتَّى تستأذنه لأجل وجوب حَقه وطاعته وَقَالَ ﷺ لَو كنت آمراً أحداً أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَت عمَّة حُصَيْن بن مُحصن وَذكرت زَوجهَا للنَّبِي ﷺ فَقَالَ انظري من أَيْن أَنْت مِنْهُ فَإِنَّهُ جنتك ونارك أخرجه النَّسَائِيّ وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا ينظر الله إِلَى امْرَأَة لَا تشكر لزَوجهَا وَهِي لَا تَسْتَغْنِي عَنهُ وَجَاء عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ إِذا خرجت الْمَرْأَة من بَيت زَوجهَا لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى ترجع أَو تتوب وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَيّمَا امْرَأَة مَاتَت وَزوجهَا عَنْهَا رَاض دخلت الْجنَّة
стр. 168
فَالْوَاجِب على الْمَرْأَة أَن تطلب رضَا زَوجهَا وتجتنب سخطه وَلَا تمْتَنع مِنْهُ مَتى أرادها لقَوْل النَّبِي ﷺ إِذا دَعَا الرجل امْرَأَته إِلَى فرَاشه فلتأته وَإِن كَانَت على التَّنور قَالَ الْعلمَاء إِلَّا أَن يكون لَهَا عذر من حيض أَو نِفَاس فَلَا يحل لَهَا أَن تجيئه وَلَا يحل للرجل أَيْضا أَن يطْلب ذَلِك مِنْهَا فِي حَال الْحيض وَالنّفاس وَلَا يُجَامِعهَا حَتَّى تَغْتَسِل لقَوْل الله تَعَالَى ﴿فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن﴾ أَي لَا تقربُوا جماعهن حَتَّى يطهرن قَالَ ابْن قُتَيْبَة يطهرن يَنْقَطِع عَنْهُن الدَّم فَإِذا تطهرن أَي اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ وَالله أعلم وَلما تقدم من قَول النَّبِي ﷺ من أَتَى حَائِضًا أَو امْرَأَة من دبرهَا فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد وَفِي حَدِيث آخر مَلْعُون من أَتَى حَائِضًا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا وَالنّفاس مثل الْحيض إِلَى الْأَرْبَعين فَلَا يحل للْمَرْأَة أَن تطيع زَوجهَا إِذا أَرَادَ إتيانها فِي حَال الْحيض وَالنّفاس وَتُطِيعهُ فِيمَا عدا ذَلِك وَيَنْبَغِي للْمَرْأَة أَن تعرف أَنَّهَا كالمملوك للزَّوْج فَلَا تتصرف فِي نَفسهَا وَلَا فِي مَاله إِلَّا بِإِذْنِهِ وَتقدم حَقه على حَقّهَا وَحُقُوق أَقَاربه على حُقُوق أقاربها وَتَكون مستعدة لتمتعه بهَا بِجَمِيعِ أَسبَاب النَّظَافَة وَلَا تفتخر عَلَيْهِ بجمالها وَلَا تعيبه بقبح إِن كَانَ فِيهِ قَالَ الْأَصْمَعِي دخلت الْبَادِيَة فَإِذا امْرَأَة حسناء لَهَا بعل قَبِيح فَقلت لَهَا كَيفَ ترْضينَ لنَفسك أَن تَكُونِي تَحت مثل هَذَا فَقَالَت اسْمَع يَا هَذَا لَعَلَّه أحسن فِيمَا بَينه وَبَين الله خالقه فجعلني ثَوَابه ولعلي أَسَأْت فَجعله عقوبتي وَقَالَت عَائِشَة ﵂ يَا معشر النِّسَاء لَو تعلمن بِحَق أزواجكم عليكن لجعلت الْمَرْأَة مِنْكُن تمسح الْغُبَار عَن قدمي زَوجهَا بخد وَجههَا وَقَالَ ﷺ نِسَاؤُكُمْ من أهل الْجنَّة الْوَدُود الَّتِي إِذا آذت أَو أوذيت
стр. 169
أَتَت زَوجهَا حَتَّى تضع يَدهَا فِي كَفه فَتَقول لَا أَذُوق غمضاً حَتَّى ترْضى وَيجب على الْمَرْأَة أَيْضا دوَام الْحيَاء من زَوجهَا وغض طرفها قدامه وَالطَّاعَة لأَمره وَالسُّكُوت عِنْد كَلَامه وَالْقِيَام عِنْد قدومه والابتعاد عَن جَمِيع مَا يسخطه وَالْقِيَام مَعَه عِنْد خُرُوجه وَعرض نَفسهَا عَلَيْهِ عِنْد نَومه وَترك الْخِيَانَة لَهُ فِي غيبته فِي فرَاشه وَمَاله وبيته وَطيب الرَّائِحَة وتعاهد الْفَم بِالسِّوَاكِ وبالمسك وَالطّيب ودوام الزِّينَة بِحَضْرَتِهِ وَتركهَا الْغَيْبَة وإكرام أَهله وأقاربه وَترى الْقَلِيل مِنْهُ كثيراً
فصل
فِي فضل الْمَرْأَة الطائعة لزَوجهَا وَشدَّة عَذَاب العاصية يَنْبَغِي للْمَرْأَة الخائفة من الله تَعَالَى إِن تجتهد لطاعة الله وَطَاعَة زَوجهَا وتطلب رِضَاهُ جهدها فَهُوَ جنتها ونارها لقَوْل النَّبِي ﷺ أَيّمَا امْرَأَة مَاتَت وَزوجهَا رَاض عَنْهَا دخلت الْجنَّة وَفِي الحَدِيث أَيْضا إِذا صلت الْمَرْأَة خمسها وصامت شهرها وأطاعت بَعْلهَا فلتدخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَت وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ يسْتَغْفر للْمَرْأَة المطيعة لزَوجهَا الطير فِي الْهَوَاء وَالْحِيتَان فِي المَاء وَالْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء وَالشَّمْس وَالْقَمَر مَا دَامَت فِي رضَا زَوجهَا وَأَيّمَا امْرَأَة عَصَتْ زَوجهَا فعلَيْهَا لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَأَيّمَا امْرَأَة كلحت فِي وَجه زَوجهَا فَهِيَ فِي سخط الله إِلَى أَن تضاحكه وتسترضيه وَأَيّمَا امْرَأَة خرجت من دارها بِغَيْر إِذن زَوجهَا لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى ترجع وَجَاء عَن رَسُول الله ﷺ أَيْضا قَالَ أَربع من النِّسَاء فِي الْجنَّة وَأَرْبع فِي النَّار فَأَما الْأَرْبَع اللواتي فِي الْجنَّة فامرأة عفيفة طَائِعَة لله ولزوجها ولود صابرة قانعة باليسير مَعَ زَوجهَا ذَات حَيَاء إِن غَابَ عَنْهَا حفظت نَفسهَا وَمَاله
стр. 170
وَإِن حضر أَمْسَكت لسانها عَنهُ وَالرَّابِعَة امْرَأَة مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا وَلها أَوْلَاد صغَار فحبست نَفسهَا على أَوْلَادهَا وربتهم وأحسنت إِلَيْهِم وَلم تتَزَوَّج خشيَة أَن يضيعوا وَأما الْأَرْبَع اللواتي فِي النَّار من النِّسَاء فامرأة بذيئة اللِّسَان على زَوجهَا أَي طَوِيلَة اللِّسَان على زَوجهَا أَي طَوِيلَة اللِّسَان فَاحِشَة الْكَلَام إِن غَابَ عَنْهَا زَوجهَا لم تصن نَفسهَا وَإِن حضر آذته بلسانها وَالثَّانيَِة امْرَأَة تكلّف زَوجهَا مَالا يُطيق وَالثَّالِثَة امْرَأَة لَا تستر نَفسهَا من الرِّجَال وَتخرج من بَيتهَا متبرجة وَالرَّابِعَة امْرَأَة لَيْسَ لَهَا هم إِلَّا الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم وَلَيْسَ لَهَا رَغْبَة فِي الصَّلَاة وَلَا فِي طَاعَة الله وَلَا طَاعَة رَسُوله وَلَا فِي طَاعَة زَوجهَا فالمرأة إِذا كَانَت بِهَذِهِ الصفة وَتخرج من بَيتهَا بِغَيْر إِذن زَوجهَا كَانَت ملعونة من أهل النَّار إِلَّا أَن تتوب إِلَى الله وَقَالَ النَّبِي ﷺ اطَّلَعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء وَذَلِكَ بِسَبَب قلت طاعتهن لله وَرَسُوله ولأزواجهن وَكَثْرَة تبرجهن والتبرج إِذا أَرَادَت الْخُرُوج لبست أَفْخَر ثِيَابهَا وتجملت وتحسنت وَخرجت تفتن النَّاس بِنَفسِهَا فَإِن سلمت هِيَ بِنَفسِهَا لم يسلم النَّاس مِنْهَا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ الْمَرْأَة عَورَة فَإِذا خرجت من بَيتهَا استشرفها الشَّيْطَان وَأعظم مَا تكون الْمَرْأَة من الله مَا كَانَت فِي بَيتهَا وَفِي الحَدِيث أَيْضا الْمَرْأَة عَورَة فاحبسوها فِي الْبيُوت فَإِن الْمَرْأَة إِذا خرجت إِلَى الطَّرِيق قَالَ لَهَا أَهلهَا أَيْن تريدين قَالَت أَعُود مَرِيضا أشيع جَنَازَة فَلَا يزَال بهَا الشَّيْطَان حَتَّى تخرج من دارها وَمَا التمست الْمَرْأَة رضَا الله بِمثل أَن تقعد فِي بَيتهَا وَتعبد رَبهَا وتطيع بَعْلهَا وَقَالَ عَليّ ﵁ لزوجته فَاطِمَة ﵂ يَا فَاطِمَة مَا خير للْمَرْأَة قَالَت أَن لَا ترى الرِّجَال وَلَا يروها وَكَانَ عَليّ ﵁ يَقُول أَلا تستحون أَلا تغارون يتْرك أحدكُم امْرَأَته تخرج بَين الرِّجَال تنظر
стр. 171
اليهم وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَكَانَت عَائِشَة وَحَفْصَة ﵄ يَوْمًا عِنْد النَّبِي ﷺ جالستين فَدخل ابْن أم مَكْتُوم وَكَانَ أعمى فَقَالَ النَّبِي ﷺ احتجبا مِنْهُ فَقَالَتَا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ هُوَ أعمى لَا يُبصرنَا وَلَا يعرفنا فَقَالَ ﷺ أفعمياوات أَنْتُمَا ألستما تبصرانه فَكَمَا أَنه يَنْبَغِي للرجل أَن يغض طرفه عَن النِّسَاء فَكَذَلِك يَنْبَغِي للْمَرْأَة أَن تغض طرفها عَن الرِّجَال كَمَا تقدم من قَول فَاطِمَة ﵂ إِن خير مَا للْمَرْأَة أَن لَا ترى الرِّجَال وَلَا يروها فَإِن اضطرت لِلْخُرُوجِ لزيارة والديها وأقاربها وَلأَجل حمام وَنَحْوه مِمَّا لَا بُد لَهَا مِنْهُ فلتخرج بِإِذن زَوجهَا غير متبرجة فِي ملحفة وسخة فِي ثِيَاب بَيتهَا وتغض طرفها فِي مشيتهَا وَتنظر إِلَى الأَرْض لَا يَمِينا وَلَا شمالاً فَإِن لم تفعل ذَلِك وَإِلَّا كَانَت عاصية وَقد حُكيَ أَن امْرَأَة كَانَت من المتبرجات فِي الدُّنْيَا وَكَانَت تخرج من بَيتهَا متبرجة فَمَاتَتْ فرآها بعض أَهلهَا فِي الْمَنَام وَقد عرضت على الله فِي ثِيَاب رقاق فَهبت ريح فكشفتها فَأَعْرض الله عَنْهَا وَقَالَ خُذُوا بهَا ذَات الشمَال إِلَى النَّار فَإِنَّهَا كَانَت من المتبرجات فِي الدُّنْيَا وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ دخلت على النَّبِي ﷺ أَنا وَفَاطِمَة ﵂ ووجدناه يبكي بكاء شَدِيدا فَقلت لَهُ فدَاك أبي وَأمي يَا رَسُول الله مَا الَّذِي أبكاك قَالَ يَا عَليّ لَيْلَة أسرِي بِي إِلَى السَّمَاء رَأَيْت نسَاء من أمتِي يعذبن بأنواع الْعَذَاب فَبَكَيْت لما رَأَيْت من شدَّة عذابهن وَرَأَيْت امْرَأَة معلقَة
стр. 172
بشعرها يغلي دماغها وَرَأَيْت امْرَأَة معلقَة بلسانها وَالْحَمِيم يصب فِي حلقها وَرَأَيْت امْرَأَة قد شدت رجلاها إِلَى ثدييها ويداها إِلَى ناصيتها وَرَأَيْت امْرَأَة معلقَة بثدييها وَرَأَيْت امْرَأَة رَأسهَا رَأس خِنْزِير وبدنها بدن حمَار عَلَيْهَا ألف ألف لون من الْعَذَاب وَرَأَيْت امْرَأَة على صُورَة الْكَلْب وَالنَّار تدخل من فِيهَا وَتخرج من دبرهَا وَالْمَلَائِكَة يضْربُونَ رَأسهَا بمقامع من نَار فَقَامَتْ فَاطِمَة ﵂ وَقَالَت حَبِيبِي وقرة عَيْني مَا كَانَ أَعمال هَؤُلَاءِ حَتَّى وضع عَلَيْهِنَّ الْعَذَاب فَقَالَ ﷺ يَا بنية أما الْمُعَلقَة بشعرها فَإِنَّهَا كَانَت لَا تغطي شعرهَا من الرِّجَال وَأما الَّتِي كَانَت معلقَة بلسانها فَإِنَّهَا كَانَت تؤذي زَوجهَا وَأما الْمُعَلقَة بثدييها فَإِنَّهَا كَانَت تفْسد فرَاش زَوجهَا وَأما الَّتِي تشد رجلاها إِلَى ثدييها ويداها إِلَى ناصيتها وَقد سلط عَلَيْهَا الْحَيَّات والعقارب فَإِنَّهَا كَانَت لَا تنظف بدنهَا من الْجَنَابَة وَالْحيض وتستهزئ بِالصَّلَاةِ وَأما الَّتِي رَأسهَا رَأس خِنْزِير وبدنها بدن حمَار فَإِنَّهَا كَانَت نمامة كذابة وَأما الَّتِي على صُورَة الْكَلْب وَالنَّار تدخل من فِيهَا وَتخرج من دبرهَا فَإِنَّهَا كَانَت منانة حسادة وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تؤذي الْمَرْأَة زَوجهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَت زَوجته من الْحور الْعين لَا تؤذيه قَاتلك الله وَيَا بَيِّنَة الويل لامْرَأَة تَعْصِي زَوجهَا
فصل
وَإِذا كَانَت الْمَرْأَة مأمورة بِطَاعَة زَوجهَا وبطلب رِضَاهُ فالزوج أَيْضا مَأْمُور بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا واللطف بهَا وَالصَّبْر على مَا يَبْدُو مِنْهَا من سوء خلق وَغَيره وإيصالها حَقّهَا من النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالْعشرَة الجميلة لقَوْل الله تَعَالَى ﴿وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَلقَوْل النَّبِي ﷺ اسْتَوْصُوا بِالنسَاء أَلا إِن
стр. 173
لكم على نِسَائِكُم حَقًا ولنسائكم عَلَيْكُم حَقًا فحقهن عَلَيْكُم أَن تحسنوا إلَيْهِنَّ فِي كسوتهن وطعامهن وحقكم عَلَيْهِنَّ أَن لَا يوطئن فرشكم من تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَن فِي بُيُوتكُمْ لمن تَكْرَهُونَ وَقَوله ﷺ عوان أَي أسيرات جمع عانية وَهِي الْأَسِيرَة شبه رَسُول الله ﷺ الْمَرْأَة فِي دُخُولهَا تَحت حكم الرجل بالأسير وَقَالَ ﷺ خَيركُمْ خَيركُمْ لأَهله وَفِي رِوَايَة خَيركُمْ ألطفكم بأَهْله وَكَانَ رَسُول الله ﷺ شَدِيد اللطف بِالنسَاء وَقَالَ ﷺ أَيّمَا رجل صَبر على سوء خلق امْرَأَته أعطَاهُ الله الْأجر مثل مَا أعْطى أَيُّوب ﵇ على بلائه وَأَيّمَا امْرَأَة صبرت على سوء خلق زَوجهَا أَعْطَاهَا الله من الْأجر مثل مَا أعْطى آسِيَة بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن وَقد رُوِيَ أَن رجلاً جَاءَ إِلَى عمر ﵁ يشكو خلق زَوجته فَوقف على بَاب عمر ينْتَظر خُرُوجه فَسمع امْرَأَة عمر تستطيل عَلَيْهِ بلسانها وتخاصمه وَعمر سَاكِت لَا يرد عَلَيْهَا فَانْصَرف الرجل رَاجعا وَقَالَ إِن كَانَ هَذَا حَال عمر مَعَ شدته وصلابته وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَكيف حَالي فَخرج عمر فَرَآهُ مولياً عَن بَابه فناداه وَقَالَ مَا حَاجَتك يَا رجل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جِئْت أَشْكُو إِلَيْك سوء خلق امْرَأَتي واستطالتها عَليّ فَسمِعت زَوجتك كَذَلِك فَرَجَعت وَقلت إِذا كَانَ حَال أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَ زَوجته فَكيف حَالي فَقَالَ عمر يَا أخي إِنِّي احتملتها لحقوق لَهَا عَليّ إِنَّهَا طباخة لطعامي خبازة لخبزي غسالة لثيابي مُرْضِعَة لوَلَدي وَلَيْسَ ذَلِك كُله بِوَاجِب عَلَيْهَا ويسكن قلبِي بهَا عَن الْحَرَام فَأَنا أحتملها لذَلِك فَقَالَ الرجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَذَلِكَ زَوْجَتي قَالَ عمر فاحتملها يَا أخي فَإِنَّمَا هِيَ مُدَّة يسيرَة وَحكي أَن بعض الصَّالِحين كَانَ لَهُ أَخ فِي الله وَكَانَ من الصَّالِحين يزوره فِي كل
стр. 174
سنة مرة فجَاء لزيارته فطرق الْبَاب فَقَالَت امْرَأَته من فَقَالَ أَخُو زَوجك فِي الله جِئْت لزيارته فَقَالَت رَاح يحتطب لَا رده الله وَلَا سلمه وَفعل بِهِ وَفعل وَجعلت تذمذم عَلَيْهِ فَبَيْنَمَا هُوَ وَاقِف على الْبَاب وَإِذا بأَخيه قد أقبل من نَحْو الْجَبَل وَقد حمل حزمة الْحَطب على ظهر أَسد وَهُوَ يَسُوقهُ بَين يَدَيْهِ فجَاء فَسلم على أَخِيه ورحب بِهِ وَدخل الْمنزل وَأدْخل الْحَطب وَقَالَ للأسد اذْهَبْ بَارك الله فِيك ثمَّ أَدخل أَخَاهُ وَالْمَرْأَة على حَالهَا تذمذم وَتَأْخُذ بلسانها وَزوجهَا لَا يرد عَلَيْهَا فَأكل مَعَ أَخِيه شَيْئا ثمَّ ودعه وَانْصَرف وَهُوَ متعجب من صَبر أَخِيه على تِلْكَ الْمَرْأَة قَالَ فَلَمَّا كَانَ الْعَام الثَّانِي جَاءَ أَخُوهُ لزيارته على عَادَته فطرق الْبَاب فَقَالَت امْرَأَته من بِالْبَابِ قَالَ أَخُو زَوجك فلَان فِي الله فَقَالَت مرْحَبًا بك وَأهلا وسهلاً اجْلِسْ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله بِخَير وعافية قَالَ فتعجب من لطف كَلَامهَا وأدبها إِذْ جَاءَ أَخُوهُ وَهُوَ يحمل الْحَطب على ظَهره فتعجب أَيْضا لذَلِك فجَاء فَسلم عَلَيْهِ وَدخل الدَّار وَأدْخلهُ وأحضرت الْمَرْأَة طَعَاما لَهما وَجعلت تَدْعُو لَهما بِكَلَام لطيف فَلَمَّا أَرَادَ أَن يُفَارِقهُ قَالَ يَا أخي أَخْبرنِي عَمَّا أُرِيد أَن أَسأَلك عَنهُ قَالَ وَمَا هُوَ يَا أخي قَالَ عَام أول أَتَيْتُك فَسمِعت كَلَام امْرَأَة بذيئة اللِّسَان قَليلَة الْأَدَب تذم كثيراً ورأيتك قد أتيت من نَحْو الْجَبَل والحطب على ظهر الْأسد وَهُوَ مسخر بَين يَديك وَرَأَيْت الْعَام كَلَام الْمَرْأَة لطيفاً لَا تذمذم ورأيتك قد أتيت بالحطب على ظهرك فَمَا السَّبَب قَالَ يَا أخي توفيت تِلْكَ الْمَرْأَة الشرسة وَكنت صَابِرًا على خلقهَا وَمَا يَبْدُو مِنْهَا كنت مَعهَا فِي تَعب وَأَنا أحتملها فَكَانَ الله قد سخر لي الْأسد الَّذِي رَأَيْت يحمل عني الْحَطب بصبري عَلَيْهَا واحتمالي لَهَا فَلَمَّا توفيت تزوجت هَذِه الْمَرْأَة الصَّالِحَة وَأَنا فِي رَاحَة مَعهَا فَانْقَطع عني الْأسد فَاحْتَجت أَن أحمل الْحَطب على ظَهْري لأجل راحتي مَعَ هَذِه الْمَرْأَة الْمُبَارَكَة الطائعة فنسأل الله أَن يرزقنا الصَّبْر على مَا يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم
стр. 175
الْكَبِيرَة الثَّامِنَة وَالْأَرْبَعُونَ التَّصْوِير فِي الثِّيَاب والحيطان وَالْحجر وَالدَّرَاهِم وَسَائِر الْأَشْيَاء سَوَاء كَانَت من شمع أَو عجين أَو حَدِيد أَو نُحَاس أَو صوف أَو غير ذَلِك وَالْأَمر بإتلافها
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهيناً﴾ قَالَ عِكْرِمَة هم الَّذين يصنعون الصُّور وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الَّذين يصنعون الصُّور يُعَذبُونَ يَوْم الْقِيَامَة يُقَال لَهُم أحيوا مَا خلقْتُمْ مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قدم رَسُول الله ﷺ من سفر وَقد سترت سهوة لي بقرام فِيهِ تماثيل فَلَمَّا رَآهُ رَسُول الله ﷺ تلون وَجهه وَقَالَ يَا عَائِشَة أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة الَّذين يضاهئون بِخلق الله قَالَت عَائِشَة ﵂ فقطعته فَجعلت مِنْهُ وسادتين مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ القرام بِكَسْر الْقَاف وَهُوَ السّتْر والسهوة كالصفة تكون بَين يَدي الْبَيْت وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كل مُصَور فِي النَّار يَجْعَل لَهُ بِكُل صُورَة صورها نفس يعذب فِي نَار جَهَنَّم مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعنهُ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من صور صُورَة فِي الدُّنْيَا كلف أَن ينْفخ فِيهَا الروح يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ بنافخ فِيهَا أبداً وَعنهُ ﷺ أَنه قَالَ يَقُول الله وَمن أظلم مِمَّن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حَبَّة أَو ليخلقوا شعيرَة أَو ليخلقوا ذرة مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ ﷺ يخرج عنق من النَّار يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول إِنِّي وكلت بِثَلَاثَة
стр. 176
بِكُل من دَعَا مَعَ الله إِلَهًا آخر وَبِكُل جَبَّار عنيد وبالمصورين وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة وَلَا جنب وَقَالَ الْخطابِيّ رَحْمَة الله تَعَالَى قَوْله ﷺ لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ كلب وَلَا صُورَة وَلَا جنب يُرِيد الْمَلَائِكَة الَّذين ينزلون بِالرَّحْمَةِ وَالْبركَة دون الْمَلَائِكَة الَّذين هم الْحفظَة فَإِنَّهُم لَا يفارقون الْجنب وَغير الْجنب وَقد قيل إِنَّه لم يرد الْجنب الَّذِي أَصَابَته الْجَنَابَة فَأخر الاغتسال إِلَى أَوَان حُضُور الصَّلَاة وَلكنه الَّذِي يجنب وَلَا يغْتَسل ويتهاون بِالْغسْلِ ويتخذه عَادَة فَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ يطوف على نِسَائِهِ بِغسْل وَاحِد وَفِي هَذَا تَأْخِير الاغتسال عَن أول وَقت وُجُوبه وَقَالَت عَائِشَة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ ينَام وَهُوَ جنب وَلَا يمس مَاء وَأما الْكَلْب فَهُوَ أَن يقتني كَلْبا لَا لزرع وَلَا لضرع وَلَا صيد فَأَما إِذا اضْطر إِلَيْهِ فَلَا حرج للْحَاجة إِلَيْهِ فِي بعض الْأُمُور أَو لحراسة دَاره إِذا اضْطر إِلَيْهِ فَلَا حرج عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله وَأما الصُّور فَهِيَ كل مُصَور من ذَوَات الْأَرْوَاح سَوَاء كَانَت لَهَا أشخاص منتصبة أَو كَانَت منقوشة فِي سقف أَو جِدَار أَو مَوْضُوعَة فِي نمط أَو منسوجة فِي ثوب أَو مَكَان فَإِن قَضِيَّة الْعُمُوم تَأتي عَلَيْهِ فليجتنب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَيجب إِتْلَاف الصُّور لمن قدر على إتلافها وإزالتها روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن حَيَّان بن حُصَيْن قَالَ قَالَ لي عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَلا أَبْعَثك
стр. 177
على مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَن لَا تدع صُورَة إِلَّا طمستها وَلَا قبراً مشرفاً إِلَّا سويته فنسأل الله التَّوْفِيق لما يحب ويرضى إِنَّه جواد كريم
الْكَبِيرَة التَّاسِعَة وَالْأَرْبَعُونَ اللَّطْم والنياحة وشق الثَّوْب وَحلق الرَّأْس ونتفه وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور عِنْد الْمُصِيبَة
روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ منا من لطم الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وروينا فِي صَحِيحهمَا عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ برِئ من الصالقة والحالقة والشاقة الصالقة الَّتِي ترفع صَوتهَا بالنياحة والحالقة الَّتِي تحلق شعرهَا وتنتفه عِنْد الْمُصِيبَة والشاقة الَّتِي تشق ثِيَابهَا عِنْد الْمُصِيبَة وكل هَذَا حرَام بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَكَذَلِكَ يحرم نشر الشّعْر وَلَطم الخدود وخمش الْوَجْه وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور وَعَن أم عَطِيَّة ﵂ قَالَت أَخذ علينا رَسُول الله ﷺ فِي الْبيعَة أَن لَا ننوح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اثْنَتَانِ فِي النَّاس هما بهم كفر الطعْن فِي الْأَنْسَاب والنياحة على الْمَيِّت رَوَاهُ مُسلم وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ النائحة والمستمعة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَن أبي بردة قَالَ وجع أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَغشيَ عَلَيْهِ وَرَأسه فِي حجر امْرَأَة من أَهله فَأَقْبَلت تصيح برنة فَلم يسْتَطع أَن يرد عَلَيْهَا فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أَنا بَرِيء مِمَّا برِئ مِنْهُ رَسُول الله ﷺ أَن رَسُول
стр. 178
الله ﷺ برِئ من الصالقة والحالقة والشاقة وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ أُغمي على عبد الله بن رَوَاحَة فَجعلت أُخْته تعدد عَلَيْهِ فَتَقول واكذا واكذا فَقَالَ حِين أَفَاق مَا قلت شَيْئا إِلَّا قيل لي أَنْت كَذَا أَنْت كَذَا أخرجه البُخَارِيّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْمَيِّت يعذب فِي قَبره بِمَا نيح عَلَيْهِ وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ مَا من ميت يَمُوت فَيقوم باكيهم فَيَقُول واسيداه واجبلاه واكذا واكذا وَنَحْو ذَلِك إِلَّا وكل بِهِ ملكان يلهزانه أهكذا أَنْت أخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ ﷺ النائحة إِذا لم تتب قبل مَوتهَا تُقَام يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهَا سربال من قطران وَدرع من جرب وَقَالَ ﷺ إِنَّمَا نهيت عَن صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين صَوت عِنْد نَغمَة وَلَهو وَلعب وَمَزَامِير شَيْطَان وَصَوت عِنْد مُصِيبَة خَمش فِي وُجُوه وشق فِي جُيُوب وَرَنَّة شَيْطَان وَقَالَ الْحسن صوتان ملعونان مزمار عِنْد نَغمَة وَرَنَّة عِنْد مُصِيبَة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن هَذِه النوائح يجعلن صفين فِي النَّار فينبحن فِي أهل النَّار كَمَا تنبح الْكلاب وَعَن الْأَوْزَاعِيّ أَن عمر بن الْخطاب سمع صَوت بكاء فَدخل وَمَعَهُ غَيره فَمَال عَلَيْهِنَّ ضرباً حَتَّى بلغ النائحة فضربها حَتَّى سقط خمارها وَقَالَ اضْرِب فَإِنَّهَا نائحة وَلَا حُرْمَة لَهَا إِنَّهَا لَا تبْكي بشجوكم إِنَّهَا تهريق دموعها لأخذ دراهمكم وَإِنَّهَا تؤذي مَوْتَاكُم فِي قُبُورهم وأحياءكم فِي دُورهمْ لِأَنَّهَا تنهى عَن الصَّبْر وَقد أَمر الله بِهِ وتأمر بالجزع وَقد نهى الله عَنهُ وَأعلم أَن النِّيَاحَة رفع صَوت بالندب تعديد النائحة بصوتها محَاسِن الْمَيِّت وَقيل هُوَ الْبكاء عَلَيْهِ مَعَ ذكر محاسنه
стр. 179
قَالَ الْعلمَاء وَيحرم رفع الصَّوْت بإفراط بالبكاء وَأما الْبكاء على الْمَيِّت من غير ندب وَلَا نياحة فَلَيْسَ بِحرَام روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ عَاد سعد بن عبَادَة وَمَعَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود ﵃ فَبكى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا رأى الْقَوْم بكاء رَسُول الله ﷺ بكوا فَقَالَ أَلا تَسْمَعُونَ أَن الله لَا يعذب بدمع الْعين وَلَا بحزن الْقلب وَلَكِن يعذب بِهَذَا أَو يرحم وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه وروينا فِي صَحِيحهمَا عَن أُسَامَة بن زيد أَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ سعد مَا هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ هَذِه رَحْمَة جعلهَا الله فِي قُلُوب عباده وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء وروينا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ دخل على ابْنه إِبْرَاهِيم وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَجعلت عينا رَسُول الله ﷺ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَنت يَا رَسُول الله قَالَ يَا ابْن عَوْف إِنَّهَا رَحْمَة ثمَّ أتبعهَا بِأُخْرَى فَقَالَ إِن الْعين لتدمع وَالْقلب يحزن وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا وَأَنا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ وَأما الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ على ظَاهرهَا وإطلاقها بل هِيَ مؤولة وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيلهَا على أَقْوَال أظهرها وَالله أعلم أَنَّهَا مَحْمُولَة على أَن يكون لَهُ سَبَب فِي الْبكاء إِمَّا أَن يكون قد أوصاهم بِهِ أَو غير ذَلِك قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي وَيجوز قبل الْمَوْت وَبعده وَلَكِن قبله أولى للْحَدِيث الصَّحِيح فَإِذا وَجَبت فَلَا تبكين باكية وَقد نَص الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب أَنه يكره الْبكاء بعد الْمَوْت كَرَاهَة تَنْزِيه وَلَا يحرم وتأولوا حَدِيث فَلَا تبكين باكية على الْكَرَاهَة وَالله أعلم
فصل
وَإِنَّمَا كَانَ للنائحة هَذَا الْعَذَاب واللعنة لِأَنَّهَا تَأمر بالجزع وتنهى عَن الصَّبْر وَالله وَرَسُوله قد أَمر بِالصبرِ والاحتساب ونهيا عَن الْجزع والسخط قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة إِن الله مَعَ الصابرين﴾
стр. 180
قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس يَقُول إِنِّي مَعكُمْ أَنْصُركُمْ وَلَا أخذلكم قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولنبلونكم﴾ أَي لنعاملنكم مُعَاملَة المبتلى لِأَن الله يعلم عَاقِبَة الْأُمُور فَلَا يحْتَاج إِلَى الِابْتِلَاء ليعلم الْعَاقِبَة وَلكنه يعاملهم مُعَاملَة من يَبْتَلِي فَمن صَبر أثابه على صبره وَمن لم يصبر لم يسْتَحق الثَّوَاب وَقَول الله بِشَيْء من الْخَوْف والجوع قَالَ ابْن عَبَّاس يَعْنِي خوف الْعَدو والجوع يَعْنِي المجاعة والقحط وَنقص من الْأَمْوَال يَعْنِي الخسران وَالنُّقْصَان فِي المَال وهلاك الْمَوَاشِي والأنفس بِالْمَوْتِ وَالْقَتْل وَالْمَرَض والشيب والثمرات يَعْنِي الْحَوَائِج وَأَن لَا تخرج الثَّمَرَة كَمَا كَانَت تخرج ثمَّ ختم الْآيَة بتبشير الصابرين ليدل على أَن من صَبر على هَذِه المصائب كَانَ على وعد الثَّوَاب من الله تَعَالَى فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَبشر الصابرين﴾ ثمَّ نعتهم فَقَالَ الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة أَي نالتهم نكبة مِمَّا ذكر وَلَا يُقَال فِيمَا أُصِيب بِخَير مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله عبيد الله فيصنع بِنَا مَا يَشَاء وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون بِالْهَلَاكِ وبالفناء وَمعنى الرُّجُوع إِلَى الله الرُّجُوع إِلَى انْفِرَاده بالحكم إِذْ قد ملك فِي الدُّنْيَا قوماً الحكم فَإِذا زَالَ حكم الْعباد رَجَعَ الْأَمر إِلَى الله وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من مُصِيبَة يصاب بهَا الْمُؤمن إِلَّا كفر الله بهَا عَنهُ حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها رَوَاهُ مُسلم وَعَن عَلْقَمَة بن مرْثَد بن سابط عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أُصِيب بمصيبة فليذكر مصيبته بِي فَإِنَّهَا أعظم المصائب وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا مَاتَ ولد العَبْد يَقُول الله للْمَلَائكَة قبضتم ولد عَبدِي فَيَقُولُونَ حمدك واسترجع فَيَقُول الله تَعَالَى ابْنُوا لعبدي بَيْتا فِي الْجنَّة وسموه بَيت الْحَمد وَعَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَقُول الله تَعَالَى مَا لعبدي عِنْدِي جَزَاء إِذا قبضت صَفيه من أهل
следующие страницы →