Полный текст (214 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وعَلى الإِمَام أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان صهر رَسُول الله ومواسيه وعَلى الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ومواخيه وعَلى سَائِر الصَّحَابَة وتابعيه قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه أمرا لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ بالتقوى بقوله تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ جَاءَ فِي التَّفْسِير مَعْنَاهُ أَن يطاع فَلَا يعْصى وَأَن يذكر فَلَا ينسى وَقَالَ عمر ﵁ لكعب الْأَحْبَار يَا كَعْب حَدثنِي عَن التَّقْوَى فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل أخذت طَرِيقا ذَا شوك قَالَ نعم قَالَ فَمَا صنعت قَالَ حذرت وشمرت قَالَ فَكَذَلِك التَّقْوَى وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا يبلغ العَبْد أَن يكون من الْمُتَّقِينَ حَتَّى يدع مَالا بَأْس بِهِ حذر إِلَى مَا بِهِ بَأْس لَيْسَ التَّقْوَى أحصن جنَّة يحصن بهَا الخائفون وخشية الله أوثق عُرْوَة يمسك بهَا المتمسكون وَأَدَاء فَرِيضَة الله وَاجْتنَاب محارم الله أنجح وَسِيلَة توسل بهَا إِلَى الله المتوسلون طُوبَى لمن كَانَت الْجنَّة مثابه وَهِي مثاب الْمُتَّقِينَ وشراب الرَّحِيق والتنسيم والكافور والزنجبيل شرابه وَهُوَ شراب الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وهم رفقاؤه وَأَصْحَابه
стр. 107
إِنَّمَا يجازي بِمثل هَذَا الْجَزَاء من هُوَ من الْمُتَّقِينَ الَّذين أَقَامُوا الدّين بشرائطه الْمَشْرُوعَة وَاقْتَدوا فِي الْملَّة الإسلامية بآياتها المتبوعة فَإِذا صلى أحضر قلبه مَعَ بدنه فِي تذكر وتدبر أذكاره وَأحسن أدبه بَين يَدي عَالم أسراره وَإِذا تصدق أخرج الطّيب من كَسبه لَا يُرِيد عَلَيْهِ جَزَاء إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه وَإِذا حج أخْلص النِّيَّة لله فِي قَصده قبل الْخُرُوج من أَهله وَأنْفق إِلَى مرجعه من طيب المَال وحله واجتنب الْحَرَام لما ورد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من حج بِمَال حرَام فَقَالَ لبيْك قَالَ الله لَهُ لَا لبيْك وَلَا سعديك وحجك مَرْدُود عَلَيْك حَتَّى ترد مَا فِي يَديك وَإِذا صَامَ صان نظره عَمَّا لَا يحل لَهُ عَلَيْهِ النّظر وصان لِسَانه عَن الْكَلَام الزُّور والهذر وصان سَمعه عَن يحرم الِاسْتِمَاع إِلَيْهِ وصان لِسَانه عَن تمزيق أَعْرَاض الْمُسلمين فكم أفسدت الْغَيْبَة من أَعمال الصَّالِحين وَكم أحبطت من أجور العاملين وَكم جلبت من سخط رب الْعَالمين فالغيبة فَاكِهَة الأرزلين وَسلَاح العاجزين مُضْغَة طالما لَفظهَا الْمُتَّقِينَ نَغمَة طالما مجها أسماع الأكرمين فرحم الله إمرءا لم يفْسد عبَادَة يهديها إِلَى حَضْرَة الْعَزِيز الرَّحِيم بلقمة حرَام تعقب طَعَام الزقوم وشراب الْحَمِيم فَهِيَ كلمة مَا استحلاها إِلَّا طبع لئيم وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه فِي
стр. 108
هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الْعَامِل يكون بصلاح ظَاهره معمورا وَقد سقط عَن عين الله حَتَّى مَا يزن عِنْده نقيرا فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ظهر لِلْخَلَائِقِ من أمره مَا كَانَ مَسْتُورا وَظَهَرت مخبآت الصُّدُور على صفحات الْوُجُوه رقما مسطورا وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشورا لَيْت شعري مَاذَا أَقُول إِذا مَا وقفت فِي الْقَامَة مكبلا مأسورا ثمَّ قدمت لِلْحسابِ ذليلا وأتيت كتابا مسطرا منشورا وَأتي بِالْأَعْمَالِ توزن بالذر فَمَا غادروا هُنَاكَ فَقِيرا وبدا لي من فَوق وَجْهي سوء فعلي محررا مسطورا ثمَّ نُودي عَليّ هَذَا فلَان كَانَ لله عَاصِيا مَسْتُورا فضحته الْيَوْم الذُّنُوب وحساب مُحَرر تحريرا وأتى بالسعير أسمع مِنْهَا تغيظا وزفيرا مَا احتيالي فِي ذَلِك الْموقف المهول وَمن ذَا يذود عني السعيرا لَيْسَ لي غير حسن ظَنِّي بربي خَائفًا من عَذَابه مستجيرا وَتعطف بجبر كسري فقد أصبح قلبِي مِمَّا جنا مسكورا
صفة جَهَنَّم
روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُؤْتى بحهنم يَوْم الْقِيَامَة تقاد بسبعين ألف زِمَام مَعَ كل زِمَام
стр. 109
سَبْعُونَ ألف ملك يجرونها وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ يُؤْتى بجهنم يَوْم الْقِيَامَة وَهِي تمايل على الخزنة حَتَّى توقف عَن يَمِين الْعَرْش ويلقى عَلَيْهَا الذل فَيُوحِي الله إِلَيْهَا مَا هَذَا الذل فَتَقول يَا رب إِنِّي أَخَاف أَن يكون لَك فِي نقمة فَيُوحِي الله إِلَيْهَا إِنَّمَا خلقتك نقما وَلَيْسَ لي فِيك نقمة فتزفر زفرَة لَا تبقى دمعة فِي عين إِلَّا جرت ثمَّ تزفر أُخْرَى فَلَا يبْقى ملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل إِلَّا صعق إِلَّا نَبِيكُم نَبِي الرَّحْمَة يَقُول يَا رب أمتِي أمتِي عباد الله فاستجيروا بِاللَّه من شَرّ هَذِه النَّار الَّتِي لَا يرحم وَلَا يغاث باكيها واسألوه الْإِقَالَة من ذنوبكم قبل ان لَا يُقَال غَيره وتوبوا إِلَى الله من قريب واستحيوا مِمَّن هُوَ عَلَيْكُم رَقِيب واحذروا أَن يأتيكم الْمَوْت وَأَنْتُم على الْمعْصِيَة مصرون وَلَا تخلدوا إِلَى الدُّنْيَا فَإِنَّكُم عَنْهَا منقلبون وأنيبوا إِلَى ربكُم وَأَسْلمُوا لَهُ قبل أَن يأتيكم الْعَذَاب ثمَّ لَا تنْصرُونَ وَأَكْثرُوا من ذكر الله تَعَالَى واستغفاره واسألوه أَن يرزقكم الْفَوْز بِالْجنَّةِ والنجاة من ناره واغتنموا الْعَمَل الصَّالح فِي نَهَار الْعُمر وليله وتمسكوا بِمَا فِي أَيْدِيكُم من حَوَاشِي ذيله وتزودوا مَا أطقتم من الْبر فستجدونه يَوْم توفيه الْأجر واستحيوا من الله حق الْحيَاء فَهُوَ رَقِيب عَلَيْكُم فِي كل مَا أَنْتُم لَهُ عاملون فَإِنَّكُم على بِسَاط كرمه قَاعِدُونَ وَفِي بحار نعمه عائمون وَإِلَى دَار جَزَائِهِ صائرون ولكريم عَفوه وَجَمِيل صفحه آملون فاذكروه يذكركم واشكروه يزدكم وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون اتقوه حق
стр. 110
تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ اللَّهُمَّ يَا من لَيْسَ فِي الْوُجُود سواهُ يَا من عَلَيْهِ يعْتَمد وَمن فَضله يسْأَل وَإِلَيْهِ يسْتَند يَا أحد يَا صَمد يَا من لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد يَا كثير الْخَيْر يَا دَائِم الْمَعْرُوف يَا من الْمَلَائِكَة فِي خدمته صُفُوف وعَلى طَاعَته عكوف يَا جَار المستجير وَمن هُوَ على كل شَيْء قدير يَا غياث الملهوف يَا من بِيَدِهِ الْقَبْض والبسط وَبِيَدِهِ تقوم السَّمَوَات وَالْأَرْض يَا من امتدت لمسألته أكف السَّائِلين وخرت لعبادته وُجُوه الساجدين وعجت بتلبيته أصوات الملبين وطمحت إِلَى معروفه أبصار الآملين يَا عَالم السِّرّ والنجوى يَا من إِلَيْهِ المشتكى يَا من عنت لَهُ الْوُجُوه وخشعت لَهُ الْأَصْوَات يَا من يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات يَا من إِذا انْتَهَت الشكوى إِلَيْهِ فقد بلغت الْمُنْتَهى يَا فالق الْحبّ والنوى اللَّهُمَّ نشكو إِلَيْك مَا نَحن فِيهِ من طَاعَتك مقصرون وعَلى معصيتك مصرون وبعظمتك جاهلون وبحكمك مغترون وَعَن الْقيام بِمَا يلْزمنَا فِي حَقك عاجزون اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا من الَّذين يعاملونك بِمَا تحب وتعاملهم بِمَا يحبونَ وينصرفون عَمَّا تكره وَتصرف عَمَّا يكْرهُونَ وألحقنا بالذين وجهوا إِلَيْك وُجُوههم وَأَخْلصُوا لَك أَعْمَالهم وَلم يعتمدوا على أحد إِلَّا عَلَيْك وَلم يستندوا إِلَّا إِلَيْك رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار
стр. 111
وَاخْتِمْ لنا بِخَير وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ وصل على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين
стр. 112
الْمجْلس الْخَامِس عشر جَزَاء التائبون
الْحَمد لله بِجَمِيعِ مَا حمد بِهِ الحامدون على كل نعْمَة وصل إِلَيْهَا من كرامته الواصلون لَدَى خلقه كلهم من نَحن بِهِ عارفون أَو جاهلون وَمن أولى بِالْحَمْد من منعم من بَحر أنعمه أنعم المنعمون فسبحان الله حِين تمسون وَحين تُصبحُونَ وَله الْحَمد فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وعشيا وَحين تظْهرُونَ وَأشْهد أَلا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة من لم يزل عَبده وَلَا رأى إِلَّا رفده وَلَا خَافَ إِلَّا وعيده وَلَا رجا إِلَّا وعده عَسى بِكَلِمَة الْإِخْلَاص أَن نحصل على الْإِخْلَاص ولات حِين مناص إِلَّا للموحدين وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي عَبده حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين وَرَسُوله الَّذِي جَاءَ بِالْحَقِّ وَصدق الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الطيبين الطاهرين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ خُصُوصا على الْخُلَفَاء الرَّاشِدين أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي الْأَئِمَّة الهداة المهتدين وعَلى التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان الى يَوْم الدّين
стр. 113
اللَّهُمَّ وَنحن من جملَة عِبَادك المفتقرين إِلَى نوالك الباسطين أكفهم لسؤالك منتظرين مَا تذكرنا بِهِ من إحسانك وتغمرنا بِهِ من أفضالك الْهم فأجرنا بِمَا تجير بِهِ المنكسرين واغننا بِمَا تغني بِهِ المفتقرين وأشركنا فِي دُعَاء الداعين وأشرك فِي صَالح دعائنا إِخْوَاننَا فِيك من الْمُسلمين معاشر الإخوان الْحَاضِرين بظواهر الْأَبدَان احضروا ببواطن الْقُلُوب عَسى تمطر سحائب الرضْوَان بتفسير شَيْء من الْقُرْآن نستدعي بِهِ كرم الْكَرِيم وَرَحْمَة الرَّحْمَن الرَّحِيم يَقُول الله فِي كِتَابه الْمُبين التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر والحافظون لحدود الله وَبشر الْمُؤمنِينَ سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة أَنه لما نزل قبلهَا إِن الله إشترى من الْمُسلمين أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة قَالَ رجل يَا رَسُول الله وَإِن زنا وَإِن شرب الْخمر وَإِن سرق وَنزل بعْدهَا التائبون فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُول الْجنَّة حَاصِلَة لِلْمُؤمنِ وَلَو أَتَى الْكَبَائِر وغشى الْفَوَاحِش وَلَكِن إِذا تَابَ لِأَن الْمُؤمن إِذا عمل الذُّنُوب فَلَا بُد لَهُ وَلَو عِنْد مَوته أَن يَتُوب وَهَذَا من كرم الله تَعَالَى بِعَبْدِهِ الْمُؤمن أَنه إِذا تَابَ إِلَيْهِ قبل مَوته قبل الله تَوْبَته كَمَا فِي الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن الله يقبل تَوْبَة العَبْد مَا لم يُغَرْغر
стр. 114
كريم إِذا يممت بِالصّدقِ بَابه فَإنَّك لَا تلقى على الْبَاب حاجبا وَإِن كنت ذَا ذَنْب فتب مِنْهُ وَاعْتذر كَأَنَّك لم تذنب إِذا جِئْت تَائِبًا
مصير من مَاتَ على غير تَوْبَة
فَأَما من مَاتَ على غير تَوْبَة من أهل الْكَبَائِر فَقل أَن يسلم من الْعقُوبَة لكنه لَا يخلد مَعَ الْكَافرين وَفِي الْجُمْلَة من دخل النَّار وَلَو سَاعَة من نَهَار فقد ذاق الْعَذَاب الْأَلِيم وليجرب العَاصِي بِنَار الدُّنْيَا فَهِيَ جُزْء من سبعين جُزْءا من نَار جَهَنَّم هَل لَهُ طَاقَة أَن يضع فِيهَا أُصْبُعه أَو شَيْئا من لَحْظَة وَاحِدَة فَالْوَاجِب على العَبْد العَاصِي أَن يُبَادر الى التَّوْبَة قبل هجوم أَجله وَانْقِطَاع أمله إِذا كنت يَا عاصي على النَّار لَا تقوى فبادر إِلَى التَّوْبَة وَاسْتعْمل القوى ونح أسفا من أجل ذَنْبك دَائِما فَمَا فِي غدي يُغني نواح وَلَا شكوى وَقد رُوِيَ فِي أثر أَن أَكثر استغاثة أهل النَّار من سَوف كَانُوا يقدمُونَ على الْمعْصِيَة ويؤخرون التَّوْبَة وَيَقُولُونَ سَوف نتوب فاحتفظهم الْمَوْت على شَرّ حَالَة
стр. 115
فَألْقوا فِي نَار الْجَحِيم ونعوذ بِاللَّه مِنْهَا
تَفْسِير آيَة من سُورَة التَّوْبَة
قَالَ ابْن جرير فِي قَوْله تَعَالَى التائبون أَي الراجعون عَمَّا يكرههُ الله ويسخطه إِلَى مَا يُحِبهُ ويرضاه وَعَن الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى التائبون قَالَ تَابُوا إِلَى الله من الذُّنُوب كلهَا وَقيل تَابُوا من الشّرك وبرئوا من النِّفَاق والتائبون على ثَلَاث طَبَقَات فأدناهم التائبون من الْكفْر وأوسطهم التائبون من الْمعْصِيَة وَأَعْلَاهُمْ التائبون من الْغَفْلَة وَأما العابدون فَقَالَ ابْن جرير الَّذين ذلوا لله خشيَة وتواضعا لَهُ وجدوا فِي خدمته وَقَالَ قَتَادَة العابدون قوم أخذُوا من أبدانهم فِي ليلهم وعدادهم وَعَن ابْن عَبَّاس إِنَّهُم المقيمون الصَّلَاة وَقَالَ الْحسن هم الَّذين عبدُوا الله بِاتِّبَاع أمره والعابدون أَيْضا على ثَلَاث طَبَقَات أَدْنَاهُم الموحدون وأوسطهم المطيعون وَأَعْلَاهُمْ المتبتلون وَأما الحامدون فَعَن ابْن عَبَّاس إِنَّهُم الَّذين يحْمَدُونَ الله على كل حَال
стр. 116
وَقَالَ الْحسن الحامدون على الْإِسْلَام والحامدون أَيْضا على ثَلَاث طَبَقَات أَدْنَاهُم الْقَائِم بِالْحَمْد الْوَاجِب كَقِرَاءَة سُورَة الْحَمد فِي الْمَكْتُوبَة وأوسطهم الحامد فِي كل مَوضِع يشرع فِيهِ الْحَمد كالفراغ من الْآكِل وَالشرب والعطاس وَأَعْلَاهُمْ الحامدون على كل حَال مِثْلَمَا كَانَ نوح ﵇ فَسَماهُ الله عبدا شكُورًا وَأما السائحونففيهم أَرْبَعَة أَقْوَال قيل هم الْغُزَاة وَقيل الْمُهَاجِرُونَ وَقيل طلاب الْعلم وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ هم الصائمون وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ السائحون هم الصائمون وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ كلما ذكر فِي الْقُرْآن من السياحة فَهُوَ الصّيام وَقَالَ الْحسن الصائمون شهر رَمَضَان وَقَالَت عَائِشَة ﵂ سياحة هَذِه الْأمة الصّيام وَهُوَ مَرْوِيّ عَنهُ ﷺ قَالَ سياحة أمتِي الصّيام
стр. 117
وَأما الراكعون الساجدون فَقَالَ الْحسن هم المصلون الصَّلَوَات المكتوبات وَأما الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر فَقَالَ ابْن جرير الَّذين يأمرون النَّاس بِالْحَقِّ وَنَهَوْهُمْ عَن كل قَول اَوْ فعل نهى الله عَنهُ والناهون عَن الْمُنكر عَن الشّرك وَعنهُ الآمرون بِالْمَعْرُوفِ قَالَ إِمَّا انهم لم يأمروا النَّاس بحسنة حَتَّى كَانُوا من أَهلهَا والناهون عَن الْمُنكر قَالَ إِمَّا انهم لم ينهوا عَن الْمُنكر حَتَّى انْتَهوا عَنهُ وَقَالَ أَبُو الْعلية كل مَا فِي الْقُرْآن من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فَهِيَ من عبَادَة الْأَوْثَان وَالشَّيَاطِين وَقَالَ عَطاء الأمرون بِالْمَعْرُوفِ بفرائض الله وَحده وتوحيده والناهون عَن الْمُنكر ترك فَرَائض الله وحدوده وَعَن الشّرك بِهِ وَأما الحافظون لحدود الله فَقَالَ إِبْنِ عَبَّاس يَعْنِي القائمين على طَاعَة الله وَهُوَ شَرط شَرطه الله على أهل الْجِهَاد إِذْ وفوا لَهُ بِشَرْطِهِ وفى لَهُم بشرطهم أَي أَن بعض الْمُجَاهدين يرتكبون الْمُحرمَات من زنا وَشرب خمر وَغير ذَلِك فَإِذا أنكر عَلَيْهِم قَالُوا نَحن مجاهدون وَالْجهَاد يطهرنا فَردَّتْ الْآيَة عَلَيْهِم أَي كونُوا مَعَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله حافظين لحدود الله ثمَّ قَالَ تَعَالَى وَبشر الْمُؤمنِينَ أَي المصدقين بوعد الله لَهُم وَقيل مَعْنَاهُ وَبشر من فعل التَّوْبَة وَسَائِر هَذِه الْأَفْعَال وَإِن لم يكن من الْمُجَاهدين عباد الله فصححوا الْأَعْمَال تلحقوا بِالرِّجَالِ واحذروا الرَّجَاء الْكَاذِب فَإِنَّهُ محَال أترجو أَن تكون من الرِّجَال بقول اَوْ بِفعل أَو بِحَال
стр. 118
وَأَنت من الْمَفَاسِد فِي جَمِيع الْأَوَامِر والنواهي غير خَال وَمن طلب الْوُصُول بِغَيْر سير على نهج فَذَاك من الْمحَال اللَّهُمَّ يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام والعزة الَّتِي لاترام يَا بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيَا من بِيَدِهِ الْقَبْض والبسط نَسْأَلك أَن تتوب علينا وعَلى العاصين وان تجعلنا من عِبَادك الْمُتَّقِينَ وان تجنبنا أَفعَال الْفَاسِقين وَأَن تختم لنا بِخَير وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين
стр. 119
الْمجْلس السَّادِس عشر صَلَاة الْقَاعِد
هَذَا تَفْسِير حَدِيث مُتَّفق على صِحَّته من الْأَحْكَام اتّفق على صِحَّته عُلَمَاء الْإِسْلَام وَهُوَ مَا رَوَاهُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ صَلَاة أحدكُم وَهُوَ قَاعد مثل نصف صلَاته وَهُوَ قَائِم الْقَائِم فِي الصَّلَاة لَهُ مزية على الْقَاعِد فِيهَا من سَبْعَة أوجه الأول الْمَشَقَّة لِأَن الْقَائِم يلْحقهُ من التَّعَب مَا لَا يلْحق الْقَاعِد الثَّانِي الْأَدَب لِأَن الْقَائِم فِي الْخدمَة أحسن أدبا من الْقَاعِد الثَّالِث النشاط لِأَن الْقَائِم أنشط فِي الْخدمَة وَأبْعد من الكسل وَالنُّعَاس الرَّابِع التَّمَكُّن لِأَن الْقَائِم أقدر على فصاحة الْكَلَام فِي الْمُنَاجَاة وتحسين
стр. 120
هيئات الْعِبَادَة الْخَامِس كَثْرَة التنوع فِي فنون الْخدمَة لِأَنَّهُ إِذا صلى قَائِما فقد عبد ربه بِالْقيامِ وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَالْقعُود وَإِذا صلى قَاعِدا فَاتَ نوع من الْأَرْبَعَة السَّادِس أَن من صلى قَائِما أَخذ نَصِيبا من ترويح الْقلب بِسَبَب تنقله من حَال إِلَى حَال أَكثر نَصِيبا من الْقَاعِد وترويح الْقلب يعين على جودة الذّكر السَّابِع أَن من صلى قَائِما فقد أطَاع الله تَعَالَى بقوله وَقومُوا لله قَانِتِينَ وَطَاعَة الْأَمر مُوجبَة الْأجر وَلَو لم تكن حكمته مَفْهُومه فَكيف وَقد ظَهرت الْحِكْمَة فِي الْقيام فِي الصَّلَاة من وُجُوه كَثِيرَة وَاعْلَم أَن وُرُود هَذَا فِي صَلَاة النَّافِلَة وَأما الْفَرِيضَة فَلَا تصح صلَاتهَا قَاعِدا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام وَمن صلى قَاعِدا فِي الْفَرِيضَة مَعَ قدرته على الْقيام فَهُوَ عَاص وَاخْتلف الْعلمَاء فِي كفره وَأما النَّافِلَة فَجَائِز فِيهَا الْجُلُوس مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام لَكِن الْقيام أفضل لما تقدم من الْوُجُوه وأجره نصف أجر الْقَائِم وَإِن كَانَ عَاجِزا عَن الْقيام لم ينقص أجره لِأَنَّهُ عَاجز عَن الْقيام وَأنْشد بَعضهم فِي الحض على عبَادَة الله تَعَالَى تَطَوّعا اعبدوا الله ركعا وسجودا وقياما طورا وطورا قعُودا واذكروه فِي كل حَال فَزَاد من ذكر إسمه يلقِي السعودا إِن فِي اسْم الحبيب فِي الْقلب طَمَعا من يذقه يود مِنْهُ المزيدا لَا يزَال الحبيب غيبا فَإِن أَنْت ذكرته اسْمه يرى مشهودا فترنم باسم الحبيب لأسما ع محبيه واتخذهم عبيدا
стр. 121
الذّكر المقبول
لَو جرى ذكر الْعَزِيز الْحَكِيم كَمَا يَنْبَغِي لَهُ الإجلال والتعظيم لسعى بِذكرِهِ كل سقيم وَلَكِن عز على اكثر الْخَلَائق توفيه الإجلال عِنْد ذكر اسْم الْخَالِق فَلذَلِك ترى أَكثر المتعبدين لذكر الله مديمين وَلَا تراهم إِلَى الْمَذْكُور واصلين وَلَا على وصاله بحاصلين لأَنهم يذكرُونَ بألسنتهم من لَيْسَ بقلوبهم عارفين نديم الذّكر وَالذكر عَظِيم الشَّأْن وَالْقدر وَمَا بنصر للذّكر على الذاكر من أثر وَمَا الآفة إِلَّا جهل من يذكر بِالْأَمر إِذا لم يعرف الْمَذْكُور مَا يصنع بِالذكر كل مَطْلُوب لَا يعظمه الطَّالِب لَا يبلغ مِنْهُ شرف الْمَرَاتِب عبَادَة الله حِرْفَة لَا يحدق فِيهَا إِلَّا المتبتلون إِلَيْهَا وَمَعْرِفَة الله غَايَة لَا يبلغهَا إِلَّا المقبلون بِكُل وُجُوههم عَلَيْهَا وَكَيف لاتكون سلْعَة غَالِيَة وجنة الله عالية وَإِلَيْهِ فِي كل شرف الْمُنْتَهى الَّذِي لَيْسَ وَرَاءه مرمى ابذل الرّوح إِن أردْت الْوِصَال فوصال الحبيب أغْلى وأغلى لَيْسَ من يلتقى إِذا زار بالطرد كمن يلتقي إِذا زار بأهلا وسهلا من شفيعي إِلَى الحبيب كلما رمت وَصله قَالَ كلا لَو رَآنِي أَهلا لجاد وَلَكِن مَا رَآنِي لما رمت أَهلا إِذا نفع الْوَعْظ وأسفاه كَلَام من لَا إِلَه سواهُ قل لمن مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض قل لله كتب على نَفسه الرَّحْمَة ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا
стр. 122
ريب فِيهِ الَّذين خسروا أنفسهم فهم لَا يُؤمنُونَ إِذا أعضلتكم الْحَاجة وَلم تَجدوا مُطيعًا بِهِبَة وَلَا قرض فاسألوا من لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّذِي كتب على نَفسه الرَّحْمَة فَهِيَ لِعِبَادِهِ على نَفسه فرضوله مَا سكن فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم كَانَ رَسُول الله صلى الله غليه وَسلم من الحطام الفاني فارغ الْيَد وَمن كنوز الْمعرفَة مَمْلُوء الْقلب فَلَمَّا نظر الجاهلون بِاللَّه إِلَى تجرد ظَاهره ظنُّوا أَنه بحاجة دنياهم فَقَالَ لَهُم كفار مِلَّة قد علمنَا إِنَّمَا يحملك على مَا تدعونا إِلَيْهِ الْحَاجة فَنحْن نجْعَل لَك نَصِيبا فِي أَمْوَالنَا حَتَّى تكون من أغنانا رجلا وَترجع عَمَّا انت عَلَيْهِ فَنزلت هَذِه الْآيَة وَله مَا سكن فِي اللَّيْل وَالنَّهَار أَي إِذا كَانَ الَّذِي لَهُ مَا يحتوي عَلَيْهِ الزَّمَان فَكيف تكون مُحْتَاجا إِلَى عَطِيَّة إِنْسَان علمك يَا سَيِّدي بحالي أغْنى لساني عَن الْمقَال جبرت كسْرَى كشفت ضري أغنيت فقري سترت حَالي لَا تجعلني عبدا لمولا سواك يَا سيد الموَالِي
стр. 123
من كَلَام الْمُصْطَفى ﷺ فِي فضل الدُّعَاء وَبَعض الْأَدْعِيَة
قد استنزلنا الرَّحْمَة بِتِلَاوَة شَيْء من مُحكم التَّنْزِيل فلنستدع الْبركَة بِذكر أَحَادِيث من كَلَام الرَّسُول قَالَ ﷺ أقرب مَا يكون العَبْد من الرب فِي جَوف اللَّيْل الآخر فَإِن اسْتَطَعْت أَن تكون مِمَّن يذكر الله فِي تِلْكَ السَّاعَة فَكُن مخرج فِي الصَّحِيح وَقَالَ ﷺ من سره أَن يستجيب الله لَهُ عِنْد الشدائد وَالْكرب فليكثر الدُّعَاء فِي الرخَاء
стр. 124
وَقَالَ لِمعَاذ بن جبل يَا معَاذ لَا تدعن أَن تَقول فِي دبر كل صَلَاة اللَّهُمَّ أَعنِي على ذكرك وشكرك وَحسن عبادتك وَقَالَ من قَالَ حِين يأوي إِلَى فرَاشه أسْتَغْفر الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات غفرت ذنُوبه وَإِن كَانَت عدد ورق الشّجر وَإِن كَانَت عدد رمل عالج وَإِن كَانَت عدد أَيَّام الدُّنْيَا وَقَالَ مَا من دَعْوَة أسْرع إِجَابَة من دَعْوَة غَائِب لغَائِب
стр. 125
وَقَالَ اتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينهَا وَبَين الله حجاب وَقَالَ ادعوا الله وَأَنْتُم موقنون بالإجابة وَاعْلَمُوا أَن الله لَا يستجيب دَعْوَة قلب غافل لاه
стр. 126
وَقَالَ مَا من عبد يرفع يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو بَيَاض إبطَيْهِ يسْأَل الله مَسْأَلَة إلاأتاه إِيَّاهَا مَا لم يعجل قيل يَا رَسُول الله كَيفَ تكون عجلته قَالَ يَقُول قد سَأَلت رَبِّي وَسَأَلت فَلم أعْط شَيْئا وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من لم يسْأَل الله غضب الله عَلَيْهِ وَقَالَ ليسأل أحدكُم ربه حَاجته كلهَا حَتَّى يسْأَله الْملح لأَهله وَحَتَّى يسْأَله شسع نَعله إِذا انْقَطع وَقَالَ الدُّعَاء مخ الْعِبَادَة أَو قَالَ هُوَ الْعِبَادَة ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى
стр. 127
وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين الدُّعَاء بَاب من الْأَبْوَاب المدخلة على الْعَزِيز الْوَهَّاب وَطَرِيق من الطّرق الموصلة إِلَى ذَلِك الجناب ووسيلة من أنجح الْوَسَائِل ورسالة من العَبْد إِلَى حَضْرَة الرب من أبلغ الرسائل فَإِن كَانَ مدادها الدمع السَّائِل فَهُوَ الدُّعَاء الْوَاصِل لَا أسمع الدَّهْر عذل عازل فِي حب من مَاله مماثل يشْهد لي أنني محب دمع على الوجنتين سَائل والوجد بَين الضلوع نازك وَالنَّوْم عَن مقلتي راحل راسلهم بالدموع دهرا فَمَا أرى أغنت الرسائل وَكنت أعتاض بالطيف فِي مَنَامِي إذكان ذالك غير باخل قد حنا النّوم جفن عَيْني صَار لي الطيف غير وَاصل عساكم ترحمون صبا مَا فَازَ من قربكم بطائل لَيْسَ لَهُ حَاصِل سوى أَن عمر ولي بِغَيْر حَاصِل
стр. 128
حكم ومأثورات
حسرة الْفَوات أَشد من سكرة الْمَوْت أوجع الْأَلَم حرقة النَّدَم أَشد الْعَذَاب فرقة الأحباب مَا طرق أسماع السامعين أقطع من اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون لَا أستر للعورات من لِبَاس التَّقْوَى وَلَا أغْنى للفاقات من القناعة وَالرِّضَا مجالسة الْعُقَلَاء تزيد فِي الْعقل ومجالسة الْجَاهِلين تزيد فِي الْجَهْل ومخالطة الْمَسَاكِين تذْهب الْكبر الترياق المجرب لُزُوم الاسْتِغْفَار وَوصل الحبيب اسْم الترياق وقربه الْأَسير البعيدإطلاق فدين لَا أدين بِهِ وَكَيف يسلوا عَن الأحباب عشاق وَكَيف يحمد بِي سلو جمالكم وبيننا فِي الْهوى عهد وميثاق قلبِي القريح عَلَيْكُم حشوه حرق ولوعة وصبابة وأسواق لَا غرو أَن كَانَ فِي قلبِي شيقا قلقا قلب الْمُحب إِلَى الأحباب تواق إِن أبعدوني فَأهل للعباد أَنا وَإِن هموا أقربوني فَإِن الْقلب مشتاق الْوَاجِب على كل عبد أبعده الْمولى عَن جنابه أَن يعْتَرف بِذَنبِهِ لرَبه ويعتقد أَن الْبعد أولى بِهِ
стр. 129
من كَانَ مُؤمنا بِأَن الله هُوَ الْعلي الْحَكِيم علم أَنما أَخّرهُ الله فحقه التَّأْخِير وَمَا قدمه فحقه التَّقْدِيم فَالْحَمْد لله على كل حَال ونعوذ بِاللَّه من سوء الْمَآل ونسأله الإستقامة فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأَن يبلغنَا بفضله أشرف الْمنَازل إِنَّه جواد مفضال
стр. 130
الْمجْلس السَّابِع عشر كَلَام السّلف
فِي ذكر نبذة من كَلَام السّلف الْأَعْلَام فَفِي كَلَامهم جلاء الهموم وشفاء الأسقام من أَرَادَ أَن يسلم لَهُ دينه ويستريح قلبه وبدنه فليعتزل النَّاس وَمن لم يعرف قدر النعم سلبها من حَيْثُ لَا يعلم وَمن عجز عَن أدب نَفسه كَانَ عَن أدب غَيره أعجز من قلَّة الصدْق كَثْرَة الْخَطَأ وَمن عَلامَة الإستدراج الْحمى عَن عُيُوب النَّفس وَمن تزين للنَّاس بِمَا لَيْسَ فِيهِ سقط من عين الله قُلُوب المغترين معلقَة بالسوابق وَقُلُوب الْأَبْرَار معلقَة بالخواتيم من النذالة أَن يَأْكُل الْإِنْسَان بِدِينِهِ من حاسب نَفسه استحيا الله من حسابه ثَلَاث من كن فِيهِ اسْتكْمل الايمان من إِذا غضب لم يُخرجهُ غَضَبه من الْحق وَإِذا رَضِي لم يُخرجهُ رِضَاهُ إِلَى الْبَاطِل وَإِذا قدر لم يتَنَاوَل مَا لَيْسَ لَهُ وَكَانَ بَعضهم يَقُول اللَّهُمَّ مَا عذبتني بِهِ من شَيْء فَلَا تعذبني بذل الْحجاب
стр. 131
احذر أَن تكون ثَنَاء منشورا وعيبا مَسْتُورا أمس أجل وَالْيَوْم عمل وَغدا أمل حرَام على قلب محب الدُّنْيَا ان يسكنهُ الْوَرع وَحرَام على عَالم لم يعْمل بِعِلْمِهِ أَن يتخذوه المتقون إِمَامًا إِلَيْك أَشْكُو بدنا غذي بنعمك ثمَّ توثب على مَعَاصِيك الْمُؤمن إِذا زَاد سخاؤه وَإِذا زَاد عمره زَاد اجْتِهَاده اجْمَعْ عقلاء كل أمة أَنه من لم يجر مَعَ الْقدر لم يهنأ بعيشه معاشر الْفُقَرَاء إِنَّمَا عَرَفْتُمْ بِاللَّه وَإِنَّمَا مكرمون لله فَإِذا خلوتم بِهِ فانظروا كَيفَ تَكُونُونَ مَعَه عَلامَة إِعْرَاض الله عَن العَبْد أَن يشْغلهُ بِمَا لَا يعنيه الطَّرِيق إِلَى الله مسدود على الْخلق إِلَّا على الْمُتَّقِينَ أول وصال العَبْد للحق هجرانه لنَفسِهِ وَأول هجران العَبْد للحق مواصلته لنَفسِهِ إِذا نزل بك أَمر من الله فَاسْتعْمل الرِّضَا فَإِن لم تَجِد إِلَى الرِّضَا سَبِيل فَاسْتعْمل الصَّبْر فَإِن لم تَجِد فَعَلَيْك بالتحمل من علم أَن الله هُوَ الضار النافع أسقط مخاوف المخلوقين اتَّقوا الناجد من الْعلمَاء وَالْجَاهِل من الْعباد فَإِنَّهُمَا فتْنَة لكل مفتون يَا عجبا لمن لم ير محسنا غير الله كَيفَ لَا يمِيل بكليتيه إِلَيْهِ إِذا بَكت عين الْخَائِفِينَ فقد بَايعُوا الله بدموعهم إِنَّمَا حملا كَلَام السّلف فِي مذاق الأسماع وعظمت فِيهِ الْبركَة وَحسن بِهِ
стр. 132
الِانْتِفَاع لأَنهم كَانُوا بِهِ عاملين وَفِي نشره مُخلصين اللَّهُمَّ فعمنا ببركة أَعْمَالهم الصَّالِحَة وانفعنا بمقاصدهم الصادقة فهم الْقَوْم لَا يضل من اهْتَدَى ببهداهم وَلَا يضيع من تمسك بعراهم كَيفَ ضلالي عَن سَوَاء السَّبِيل وَأَنت لي فِي طَرِيق سلاى دَلِيل يَا فرحة الْقلب وَيَا منية الصب وَيَا برد غليل الغليل وصفك لَا تبلغه مدحتي ففهمي بليد ولساني كليل كَيفَ لي بصبر جميل وَقد حجبت عَن مرآى الْمحيا الْجَمِيل مَالِي إِذا غيبت عَن ناظري غير مخيبي والبكاء والعويل جدلي وَلَو بالطيف إِن كَانَ لي إِلَى غموض الجفن يَوْمًا سَبِيل وابذل وَلَو وَعدا وَلَو نظرة فَمَا قَلِيل مِنْك لي بِالْقَلِيلِ رب الْعِزَّة اعظم فِي صُدُور العارفين من أَن يناجوه فِي مخاطبتهم بأشعار المتغزلين وَلَكِن مَا خلا قلب من حرقة وَلَا سلم مواصل من فرقة وكل مُسلم لَهُ نصيب من محبَّة مَوْلَاهُ على قدر مَعْرفَته بِمَا اولاه فَإِذا ترنم المنشد بِمَا يُنَاسب أغراض المحبين تحركت الْقُلُوب على قدر مَا فِيهَا من الشوق إِلَى لِقَاء حبيب العارفين وتحرقت النُّفُوس حزنا على التَّخَلُّف عَن مرافقة الصَّالِحين إِلَى مَتى أَنْت فِي تواني تجْرِي إِلَى اللَّهْو فِي عنان الْمَوْت حق لَا ريب فِيهِ مَالك فِي رفْعَة يدان والبعث من بعده ترَاهُ فِي غَايَة الْبعد وَهُوَ داني
стр. 133
يَوْم يقوم الْعباد كل عَلَيْهِ فِي الْحَشْر شَاهِدَانِ إِلَى حِسَاب قد سطر ته الأقلام يمليه جافظان ثمَّ يضم الْعباد بعد الْحَسَد اب فِي الْحَشْر منزلان منزل خوف لَا امن فِيهِ ومنزل الْأَمْن والأمان الْإِيمَان بِيَوْم الْقِيَامَة لصدقه على أَهله عَلامَة التسارع إِلَى اكْتِسَاب الْحَسَنَات والتورع عَن ارْتِكَاب السَّيِّئَات وانسكاب العبرات ندما على مَا فَاتَ أَيهَا الْمُدَّعِي الْمحبَّة مهلا أَيْن آثَار صدق مَا تدعيه أَيْن سفح الدُّمُوع فَوق خدود حذرا ان يفوت مَا ترتجيه أَيْن وَقد الأحشاء شوقا إِلَى مَا كنت من لَذَّة التواصل فِيهِ أَيْن بذل المجهود فِي طَاعَة المجبو ب من كل فعل كلما يرتضيه تَدعِي حبه وَمَالك من دعو اك غير الْمحَال والتمويه تَدعِي الْحبّ عَارِيا عَن شُهُود حَظه مِنْهُ مَا يَقُول بغيه طالبوا أَنفسكُم بِالصّدقِ فِي دَعْوَاهَا محبَّة الله واصمدوا بِكُل وُجُوهكُم فِيمَا يوجهكم إِلَى الله كل النَّعيم فِي التَّلَذُّذ بمناجاة الله كل الرَّاحَة فِي التَّعَب بِخِدْمَة الله كل الْغنى فِي تَصْحِيح الإفتقار إِلَى الله
стр. 134
كل مطَالب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِي خَزَائِن غيب الله ومفاتيحها بأيدي رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله وَحقّ هَوَاهُ لَيْسَ لي عَنهُ مَذْهَب وَلَا لي فِيمَا دون لقيَاهُ مطلب يَقُول اجْتنب بَابي وَلَا تعش مرتعي وَهل حشد عَن روحه يتَجَنَّب إِذا لم تكن لي عِنْد غَيْرك حَاجَة فَكيف إِلَى أَبْوَاب غَيْرك أذهب وَإِذا لم أجد معط سواك بمطلبي فَكيف سوى مَعْرُوف جودك أطلب عذولي فِيهِ مَا ارى مَا رَأَيْته فيكثر من لومي عَلَيْهِ ويطنب سلكت سَبِيلا مَا أهتدي لسلوكه فأعجب مِنْهُ وَهُوَ مني يعجب وَكَيف سلوى عَن جمال محجب أياديه عَن كل الورى لَيْسَ يحجب إِذا دارت الكاسات من خمر حبه على كل اهل الْعقل فَالْكل شربوا وَإِن زَمْزَم الحادون للركب باسمه فكلهم حَتَّى الركائب تطرب يطيب ويحلو للمحبين ذكره فَلَا طيب إِلَّا وَذكره أطيب فَإِن قلت شَهدا فَهُوَ أحلا مذاقه وان قلت مَاء فَهُوَ أصفى وأعذب سَأَلتك يَا حادي الركائب حَاجَة إِذا مَا بَدَت يَوْمًا لعينك يثرب فَبلغ سلامي من حوته قبابها وشرعته فِي الْكَوْن تملى وتكتب نَبِي الْهدى شمس الضُّحَى قمر الْهدى لمنصبه فَوق السماكين منصب مُحَمَّد الْمُخْتَار والماجد الذى إِلَى فخره كل الْمُنَاسب تنْسب بنهجه كل الْأَئِمَّة تهتدي بمورده كل الْمَوَارِد تعذب هُوَ الصَّادِق الدَّاعِي إِلَى الله وَحده فَمن لم يجبهُ فَهُوَ فِي الْحَشْر ينْدب فصلوا عَلَيْهِ دَائِما فصلاتكم جزاؤكم فِيهَا على الله وَاجِب وأكثكم يَا أهل مِلَّة أَحْمد عَلَيْهِ صَلَاة مِنْهُ فِي الْحَشْر أقرب
стр. 135
اللَّهُمَّ صلي على سيدنَا مُحَمَّد كلما ذكره الذاكرون وَصلى عَلَيْهِ كلما تعاقبت اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَصلي عَلَيْهِ مَا دَامَت الشُّهُور والأعوام وعَلى صَحبه السَّادة الْكِرَام وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا لَا انْقِضَاء لَهُ وَلَا انفصام
موعظة فِي تَعْلِيم الْقُرْآن
الْحَمد لله الَّذِي جعل الْقُرْآن لقلوب أهل الْإِيمَان ربيعا فَكل من لَا يغذي الْقُرْآن فِي الدُّنْيَا كَانَ غذاؤه فِي الْآخِرَة ضريعا لَا يزَال الْإِنْسَان صَرِيعًا تَحت الشَّيْطَان حَتَّى يذكر الله وَيَتْلُو الْقُرْآن فَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي الْإِنْسَان قَائِما ويخر الشَّيْطَان صَرِيعًا فَمن شَاءَ ان يكون الْعَدو عَن لحاقه بطيئا فَلْيَكُن إِلَى الذّكر والتلاوة سَرِيعا استظهر بِشرب ترياق الْقُرْآن على سم أَفْعَى الشَّيْطَان قبل أَن تَمُوت لسقياه مَا زَالَ أَبُو الْبشر آدم ﷺ من سُكْنى الجنات قي حصن حُصَيْن حَتَّى دخلت عَلَيْهِ الْجنَّة وَقد اخْتَبَأَ فِي فمها الشَّيْطَان اللعين فَخرج على آدم من شدقها ذَلِك الكمين فَضَربهُ ضَرْبَة بَقِي من حرهَا ألف سنة فِي الْبكاء والأنين ثمَّ لم يكن خلاصه وخلاص عشر الْعشْر من ذُريَّته إِلَّا بِكِتَاب الله الَّذِي جَاءَت بِهِ المرسلونوقلنا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا فإمَّا يَأْتينكُمْ منى هدى مِمَّن تبع هُدَايَ فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ مُتَابعَة الْكتاب منقذة من الْعَذَاب وتعظيم الحرمات مخرج من الظُّلُمَات ورعاية الْأَدَب رفْعَة فِي الرتب
стр. 136
لَوْلَا الْعلم لَكَانَ الْإِنْسَان بَهِيمَة وَلَوْلَا اللطف لكَانَتْ البلية عَظِيمَة فاسألوا الله لطفة فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَليكن تَعْظِيم الْقُرْآن مِنْكُم على بَال فبوجود اللطف وَعَدَمه سعد من سعد وشقي من شقي وبالتقصير لَقِي المقصر مَا لَقِي لَا تسألوا عبدكم مَاذَا لقى من الْبكاء والأساءة والحرق لَيْسَ عجيبا مَا لقى بعد النؤى من الأنين والبكاء والأرق بل العجيب ان من فارقكم كَيفَ حيى من بعدكم كَيفَ بَقِي إِذا تَوَجَّهت إِلَى غَيْرك تعثرت بِي قدمي فِي طرقي إِن السعيد من رجا فَضلكُمْ وَمن رجا غَيْركُمْ فَهُوَ الشقي قد كَانَ شملي كُله مجتمعا فد بعدتم آه وغرقي يَا لَيْتَني مت وَلم أبق إِلَى ان ذقت طعم الهجر والتفرق يَا لائمي لَو ذقت مَا ذقت من الحنين والأنين والتشوق وَلَو رَأَتْ عَيْنَاك مَا رَأَيْته من الْجلَال وَالْجمال المونق عذرتني فِي قلقي ولمتني على بقايا مَا بَقِي من رمقي الْعجب مِمَّن يسمح بِصفة الْجنَّة وهومخلد إِلَى الدُّنْيَا وأعجب فِيهِ من صدق نعيم الحضرة ثمَّ يعْمل لجنة المأوى وَالْعجب مِمَّن يسمع نَوَازِل الْبلوى وَهُوَ مخدر فِي دُنْيَاهُ مِنْهَا واعجب فِيهِ من خَوفه الله بغضبه عَلَيْهِ واحتجابه عَنهُ ثمَّ هُوَ يخَاف الْجَحِيم واللظى كل عَزِيز وَإِن فَالله أعز مِنْهُ وَأجل وكل فَائت وَإِن عظم وَكثر فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يفوت من الله أَصْغَر وَأَقل
стр. 137
حَتَّى مَتى ذَا الْقلب ساهي عَن كل مَا مغنيه لاهي وَالنَّفس معرضة عَن القر آن سامعة الملاهي إِن الملاهي سَوف تَرَ مي سامعها بالدواهي كم ذَا تنافس فِي الْحَط ام وَجمعه كم ذَا ساهي مَا عذر من شَاب العذار مِنْهُ وقبح سيرته كَمَا هِيَ إِن قيل دع عَنْك التكبر قَالَ أخني هدم جاهي قد خَالف الْقُرْآن فِي كل الْأَوَامِر والنواهي من كَانَ لَا ينهاه عَن فعل القبائح ذجرناهي الْعُمر مِنْهُ قد وَهِي وَالدّين أَيْضا مِنْهُ واهي فاصبر لَهُ فالأم هاوية وَمَا أَدْرَاك مَا هِيَ يَا من سلب الْملك الْكَبِير وَلم تشعر بسلبه يَا من أمره ربه بِالتَّوْبَةِ وَهُوَ مصر على ذَنبه قد خلت صَحِيفَته من الْحَسَنَات لما خلا صَدره من تَعْظِيم ربه وتخلت الْمَلَائِكَة عَن نصرته فقد استحوذ الشَّيْطَان على قلبه يَا غافلا عَن ذكر ربه يَا مغفلا لصلاح قلبه يَا من سباه عدوه يَوْمًا وَلم يسْعد بسلبه هَذَا جَزَاء مقصر جَهله فِي حق ربه من رام خِصَالًا لَا تحل فجائع الْأَعْدَاء بجنبه فليعتصم بِاللَّه وليعمل على السكن بِقُرْبِهِ الْعَارِف بِرُكْن الله فِي حصن حُصَيْن واللائذ بجناب الله فِي حرم أَمِين وَالْعَامِل بِكِتَاب الله متمسك بالعروة الوثقى وَالْحَبل المتين والمقاتل تَحت لِوَاء رَسُول الله مؤيدا بالنصر الْعَزِيز مَضْمُون لَهُ الْفَتْح الْمُبين حصن بحصن التَّقْوَى نَفسك من أَسبَاب الردى حصن التَّقْوَى غير
стр. 138
حُصَيْن وامتسك بِحَبل الْقُرْآن فِي الشدائد كلهَا فَكل حَبل سوى هَذَا الْحَبل فَهُوَ غير متين لله أهلون وهم جملَة أَهله وكل من لَا يكرم أهل الْقُرْآن فَهُوَ مهين احذر تهين فَقِيرا لأجل رثه هَيْئَة أَكثر مُلُوك الْجنَّة فِي هَيْئَة الْمِسْكِين مَتى أردْت أَن يَعْلُو قدرك وَتَعْلُو فِي الرتب فِي حضر الله مُعظم أهل التقا وَالدّين وَلَا يغرك ذل الْفَقِير فِي دَار الفناء دَار البقى هِيَ دَاره فِي الْعِزّ والتمكين ترى الْفَقِير فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُ طير حذر وَفِي الْقِيَامَة وافي قرير عين أَمِين خُذ لَك أيادي مَعَهم غَدا ترى الدولة لَهُم مقبل أحدهم وجاهه عِنْد الْملك متين لَا فَخر كالفقر هَذَا الرَّسُول بالفقراء مفخر وَهُوَ الَّذِي دَفِين فِي الطين وَمَعَ جلالة قدره دَعَا بِأَن يحيا هُنَا مِسْكين ويقبر ويحشر مَعَ الْمِسْكِين اللَّهُمَّ ارزقنا مَا رزقت أولياءك وفقراءك ومساكنك من الِاسْتِغْنَاء بك والافتقار إِلَيْك وَأَكْرمنَا بِمَا تكرمنا بِهِ من كَرَامَة أوليائك يَوْم الْقدوم عَلَيْك يَا كريم
стр. 139
الْمجْلس الثَّامِن عشر تَفْسِير آيَة
الْحَمد لله وأنجح مَا توسل بِهِ إِلَيْهِ المتوسلون إدامة حَمده وَأقرب مَا تقرب بِهِ إِلَيْهِ المتقربون أَدَاء فَرْضه من ادى فَرَائض الله فَهُوَ عبد الله حق عَبده وَلَا يزَال عَبده يتَقرَّب إِلَيْهِ بالنوافل حَتَّى يُحِبهُ فَإِذا احبه أدخلهُ فِي حزبه وأيده بجنده فسبحان من كل الْخَيْر فِي يَده وَذَا الْفضل من عِنْده إِذا رفد فَلَا تسْأَل عَن حسن حَال عمره من رفده وَإِذا طرد فيا كسرة الْقُلُوب من ذل طرده وَإِذا حد حدا لم يسع أهل سمائه وأرضه تجَاوز حَده أَتَرَى أفوز نبيل رفده أَتَرَى أحوز كريم وعده أَتَرَى بِمن بِقُرْبِهِ من بعد بلواه يبعده يَا بهجتي بوصاله يَا ودعتا من ذكر صده أَنا عَبده ومحبه مَا شَاءَ فليصنع بِعَبْدِهِ قد دلّت الْأَدِلَّة القاطعة على ان صرخة الْبَين لأكباد المحبين قَاطِعَة وَإِنَّمَا
стр. 140
يحس بوجعة فِرَاق المحبون أولُوا الْأَلْبَاب وأرباب الْقُلُوب فَأَما من نور الْهدى عَن بصيرته مَحْجُوب فَكيف يعرف إِعْرَاض الرب عَن المربوب فسبحان من كل أحد من خلقه إِلَى عطفه فَقير وشكره وَاجِب على الْقَلِيل وَالْكثير والجليل والحقير كل جليل وحقير فِي قَبضته أَسِير لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يحيي وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير يَا وَاحِدًا مَا لَهُ نَظِير يَا قَاضِيا مَا لَهُ مشير بِذكرِهِ تشرح الصُّدُور بأَمْره تصلح الْأُمُور أحَاط علما فَلَا صَغِير يعزب عَن علمه وَلَا كَبِير مَا أحد دونه غَنِي فَكل من دونه فَقير مَا أحد دونه كَبِير فَكل من دونه صَغِير إِن نَحن نلنا رِضَاهُ يَوْمًا فَكل مَا فاتنا حقير أَحْمَده وأشكره وأحق عباده بمزيد فَضله الحامد الشكُور أرْضى بِقَضَائِهِ وأصبر على بلائه وَمَا ذاق طعم الْعَيْش إِلَّا الراضي الصبور وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله الْعلي الْكَبِير وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَى اهل السهول والوعور وَالشَّفِيع المشفع يَوْم يتَأَخَّر عَن الشَّفَاعَة كل مِقْدَام جسور صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وكل من حَضرته حُضُور خُصُوصا على
стр. 141
الشَّيْخَيْنِ الْإِمَامَيْنِ المفضلين والصهرين المخصصين والعمين المبجلين والسبطين الريحانين الْحسن وَالْحُسَيْن صَلَاة يتَّصل تكرارها بالرواح والبكور اللَّهُمَّ إِذا قسمت فِي عِبَادك الصَّالِحين مَا تقسمه من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَاجْعَلْ لنا مِنْهُ الْحَظ الْأَكْبَر والنصيب الموفور وَبَارك لنا فِيمَا تحيينا لَهُ مدى اللَّيَالِي وَالْأَيَّام والشهور والأعوام إِنَّمَا فَائِدَة أقطرت البركات لمدركيها ان تغتنموا بركتها بِطَاعَة الله فِيهَا وكل من لَا يعظم حرماتنا وَلَا يراعها فقد حرم بركَة مساعيه يَوْم تعود على الْفرْقَة النَّاجِية بَرَكَات مساعيها نستفتح بركَة هَذَا الْمجْلس الْكَرِيم بتفسير آيَة من الذّكر الْحَكِيم أعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الله فِي كتاب الْمُبين هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ يفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ مَا من مجعول إِلَّا وَالله لَهُ جَاعل لِأَنَّهُ هُوَ الْخَالِق لكل صَنْعَة وصانع وَعمل وعامل فَلهَذَا قَالَ هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منازلأي هُوَ الَّذِي أَضَاء الشَّمْس فَجَعلهَا ضِيَاء بِالنَّهَارِ وَهُوَ الَّذِي انار الْقَمَر فَجعله نورا بِاللَّيْلِ فسواه ذَا منَازِل لَا تجاوزها وَلَا يقصر عَنْهَا والمنازلهي الثَّمَانِية وَالْعشْرُونَ منزلا المنقسمة عَن اثْنَي عشر برجا قدر الله سُبْحَانَهُ مسير الشَّمْس وَالْقَمَر فِي تِلْكَ البروج والمنازل لينتظم بمسير الشَّمْس فِيهَا امْر الْفُصُول اربعة وَلَوْلَا تنقل الشَّمْس فِيهَا لم يكن للْأَرْض صيف وَلَا شتاء وَلَا ربيع وَلَا خريف وَلَوْلَا اخْتلف الْهَوَاء بتعاقب هَذِه الْفُصُول لفسد نظام الْحَيَوَان
стр. 142
والنبات والمعادن وَلَوْلَا تنقل الْقَمَر فِيهَا لفسد نظام الشُّهُور القمرية ومطالع الْأَهِلّة والبذور والأقمار المسخرة فِي اللَّيَالِي الطوَال الشتوية الْقصار الصيفية وَكم فِي خلال تدابير ذِي الْجلَال من حكم جلية وألطاف خُفْيَة الرب أسراره خُفْيَة تعجز عَن فهمها الْبَريَّة فِي كل شَيْء مِمَّا ترَاهُ من صنعه من حكمه جلية وَدون مَا قد بدا أُمُور تخفى عَن الفطنة الذكية إِذا عجزنا عَن فهم أدنى حكمه أَجْسَادنَا الدنية فَكيف نرجو عرفان شَيْء من أَمر أَوْصَافه الْعلية قَوْله تَعَالَى لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحسابقال ابْن عَبَّاس ﵄ يَقُول الله تَعَالَى لَو جعلت شمسين شمسا بِالنَّهَارِ وشمسا بِاللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا ظلمَة وَلَا ليل لم تعلمُوا عدد السنين والحساب قَالَ الْكَلْبِيّ يَعْنِي حِسَاب السنين والشهور وَالْأَيَّام والساعات ثمَّ قَالَ تَعَالَى مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بالحقأي لم يخلق الشَّمْس وَالْقَمَر ومنازلهما إِلَّا بِالْعَدْلِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْحق وكل مَا جَاءَ من عِنْده فَهُوَ الْحق وَكلما صنعه وخلقه وَدبره فَهُوَ حق وَقيل مَعْنَاهُ مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا للحق أَي لإِظْهَار قدرته الخافية عَلَيْكُم بِإِظْهَار صَنعته الْبَادِيَة لكم وَإِقَامَة الدَّلَائِل على وحدانيته عنْدكُمْ ليقطع فِي إشراككم بِهِ عذركم كلما قد بدا وَمَا هُوَ خافي فِي ثُبُوت التَّوْحِيد شاف وكافي
стр. 143
أَي عذر لشرك وَجَمِيع الْكَوْن للشرك بِالدَّلِيلِ نافي ثمَّ قَالَ تَعَالَى كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعلمونأي نبين الْأَدِلَّة للمستدلين على الصَّانِع بصنعته فَإِن قيل مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْقَمَر بِالذكر دون الشَّمْس فِي قَوْله تَعَالَى قدره منَازِل فَالْجَوَاب أَن الْقَمَر يقطع الْمنَازل فِي كل شهر وَالشَّمْس لاتقطعها إِلَّا فِي كل سنة فَلَمَّا كَانَ الْقَمَر أسْرع مِنْهَا فِي طي المراحل كَانَ أولى مِنْهَا بتخصيص الذّكر فِي تَقْدِير الْمنَازل تبتغي الْوُصُول بسير فبه تَقْصِير لَا شكّ أَنَّك فِيمَا رمت مغرور قد سَار قبلك أبطال فَمَا بلغُوا هَذَا وَفِي سيرهم جد وتشمير يَا مدعي الْحبّ فِي شراع الغرام وَقد أَقَامَ بَينه لَكِنَّهَا زور أفنيت عمرك فِي لَهو وَفِي لعب هَذَا وَأَنت بعيد الدَّار مهجور لَو كَانَ قَلْبك حَيا ذبت من كمد مَا للجراح بجسم الْمَيِّت تَأْثِير يَا من قد شغلت عَن ذكر ربه الشواغل يَا من كلما أيقظته العبر فَهُوَ غافل يَا من هُوَ فِي رُتْبَة الطَّاعَة نَاقص وَفِي مرتبَة الْمعْصِيَة كَامِل أما تَسْتَحي مِمَّن سرك إِلَيْهِ صاعد وَخَبره إِلَيْك نازلالذي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل أيامك تمر مر السَّحَاب وَأَنت إِلَى البطالة جَائِع لَا تضيف إِلَى الموعظة من واعظ وَلَا تقبل النَّصِيحَة من نَاصح وَأَنت عَمَّا قَلِيل من سكان الضرائح فَمَا أَنْت قَائِل لمن هُوَ لحقوقه مِنْك مطَالب وَعَن حُقُوق عباده
стр. 144
سَائل الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نوراوقدره منَازِل لَو عبرت قنطرة التَّبْصِرَة والاعتبارلقطعت ثلث الطَّرِيق وَلَو اقتحمت عقبَة الخشية والفرار لخلصت من حلق الْمضيق وَلَو سلكت سَبِيل أهل اللجوء إِلَى الْعَزِيز الْغفار لوصلت مَعَ أكْرم رَفِيق إِلَى بِلَاد حسن التَّوْفِيق حَتَّى تنظر إِلَى وَجه من لَا يشاكله مشاكل وَلَا يماثله مماثل الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل هَذِه مزارع المؤثرين حرث الْآخِرَة على حرث الدُّنْيَا فَأَيْنَ الزارعون إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعونيا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي وَالله لَو أَن الْعباد سمعُوا هَذِه الْآيَة كَمَا يَنْبَغِي لَهُم ان يسمعوها لَو كَانَ بَينهم وَبَين الله بحار النَّار لخاضوها شوقا إِلَى مَا شوقهم مَوْلَاهُم إِلَيْهِ من لَذَّة بهجة الْقدوم عَلَيْهِ كم قد أَهْلَلْنَا من شهر شرِيف الْمِيقَات ثمَّ يَنْسَلِخ عَنَّا وَنحن من قشرنا مَا انسلخنا كم قدم علينا من موسم تغسل فِيهِ أوساخ الْقُلُوب بمياه العبرات ثمَّ يرحل عَنَّا وَمَا تطهرنا بل اتسخنا فِي مثل هَذِه الْأَوْقَات الْمُبَارَكَة يَتُوب العَاصِي ويلين الْقلب القاسي وينشط الْعَامِل وينتبه الغافل الْحَسَنَات فِيهَا مضاعفة لعامليها وأبواب الرَّحْمَة مفتحة لوالجيها وابواب الْخيرَات ميسرَة لطالبيها من قرع فِيهَا أَبْوَاب العطايا بأنامل الدُّعَاء توشك أَن تفتح فِي وَجهه وَمن استمطر سحائب النوال بأكف الإبتهال فجدير ان تسح على أرضه وَمن
стр. 145
رفع قصَّة السلوى إِلَى عَالم النَّجْوَى فَمَا أولى منح قَصده مثل الْأَزْمِنَة الْكَرِيمَة المحترمة عِنْد الله مثل السنين المخصصة للزارعين والليالي المقمرة للمسافرين تخسف عنادها وتقل حركتها وتكثر بركتها فَكَذَلِك الْعَامِل لله فِي الْأَوْقَات والأماكن الشَّرِيفَة تزكو أَعماله فِيهَا أَضْعَاف مَا تزكو فِيمَا سواهَا لِأَن الله اصطفاها لِعِبَادِهِ على سَائِر مَا عَداهَا يُعْطي وَيمْنَع مَا يَشَاء كَمَا يَشَاء بَاب إِن أبلغ مَا بلغه واعظ إِلَى موعوظ وأنفع مَا هُوَ بالألسنة ملفوظ وَفِي الصُّدُور مَحْفُوظ كَلَام من كل شي تَحت قدرته مقهور وبرعايته ملحوظ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسم الله الرَّحْمَن الرحيمالر كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذن رَبهم إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا الأَرْض وويل للَّذين كفرُوا من عَذَاب شَدِيد الَّذين يستحبون الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة ويصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا أُولَئِكَ فِي ضلال بعيد أما كتاب الله فَبين لَيْسَ فِيهِ غموض وَأما دين الله فَهُوَ متين لَا ينْهض بِهِ مَخْلُوق حق النهوض فَلم يبْق لنا عذر فِي حق الْجَهْل بمراض رب الْعَالمين وَلَا قُوَّة لنا على إِقَامَة هَذَا الدّين المتين فَالْوَاجِب علينا ان نستغيث بمراحم الْعَزِيز الرَّحِيم ونستشفع إِلَيْهِ بجاه نبيه الْكَرِيم الَّذِي أذن لَهُ فِي إِخْرَاج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور فَمن أجَاب دَعوته فَلهُ النظرة وَالسُّرُور وَمن تخلف عَن إجَابَته دَعَا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور
следующие страницы →