Полный текст (214 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَاعْمَلُوا أَن لله عبادا شغلهمْ الاهتمام بِهِ عَن الاهتمام لَهُم وَتلك مرتبَة المقربين الَّذين يتبتلون إِلَيْهِ تبتيلا وَمِنْهُم من لَا يرفع قصَّة الشكوى إِلَّا إِلَيْهِ وَذَلِكَ مقَام أَصْحَاب الْيَمين الَّذين لم يتخذوا من دونه وَكيلا اجْتهد ان تكون عَارِفًا بِاللَّه فَإِن عجزت فاجتهد أَن تكون مرِيدا من الله وَلَا تكن الثَّالِث تكن من الخائبين اجْتهد أَن تكون واصلا إِلَى الله فَإِن عجزت فَكُن سالكا إِلَى الله وَلَا تكن الثَّالِث من المنقطعين اجْتهد ان تكون واصلا فَإِن عجزت فَكُن سالكا إِلَى الله وَلَا تكن الثَّالِث تكن من الْجَاهِلين اجْتهد أَن تكون مِمَّن يُحِبهُ الصالحون فِي الله فَإِن عجزت فَكُن مِمَّن يحب الصَّالِحين فِي الله وَلَا تكن الثَّالِث تكن من الممقوتين هَذِه وَصِيَّة مناصحة من اهْتَدَى بهديها اهْتَدَى هَذِه سفينة سَلامَة من اعْتصمَ بركوبها نجا الْمُؤْمِنُونَ قوم باعوا الله أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وَلم يقدموا عَلَيْهِ بسوى افتقارهم
стр. 72
إِلَيْهِ فعوضوا بِمَا هُوَ أعوض عَلَيْهِم وَأبقى لَهُم عاملوه رَغْبَة فِيهِ لَا فِي شَيْء سواهُ فجازاهم بجنته وَرضَاهُ وَالله لَو أَن محبا صَادِقا يسْأَل بذل روحه وَمَاله حَتَّى ينَال نظرة فِي نَومه يسخو بهَا الحبيب من خياله وجدته لنَفسِهِ مهينا لنعم باله والرب تَعَالَى يستقرض منا ربع عشر مَا خولنا من مقتنى أَمْوَاله فَلَا نجود ثمَّ نرجو حظوة لَدَيْهِ بالنعيم فِي وصاله هَذَا هُوَ الْمحَال والمحال لَا مطمع للعاقل فِي مناله إِنَّمَا امركم الله سُبْحَانَهُ بإنفاق أَمْوَالكُم فِي سَبِيل مرضاته ليمتحن مَاله فِي قُلُوبكُمْ من محبته وإجلاله وخشيته ومقامه وَالله الْغَنِيّ وَأَنْتُم الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدل قوما غَيْركُمْ ثمَّ لَا يَكُونُوا أمثالكم وفقنا الله وَإِيَّاكُم لمرضاته وَوَهَبْنَا وَإِيَّاكُم من جزيل هباته وجمعنا وَإِيَّاكُم فِي دَار النَّعيم وجنبنا وَإِيَّاكُم أَفعَال أهل الْجَحِيم لإنه جواد كريم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم
стр. 73
الْمجْلس التَّاسِع تَسْبِيح وَحمد وثناء
الْحَمد لله الَّذِي خلق الْإِنْسَان من نُطْفَة فَجعله سميعا بَصيرًا وألزمه الْحجَّة بإيضاح المحجة إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا فَمن شكر لأنعمه لقاه من كرمه نَضرة وسرورا وسقاه من مدام دِيمَة شرابًا طهُورا وَمن كفر أعد لَهُ سلاسل وأغلالا وسعيرا واستقبل بِهِ يَوْم حشره بعد عَذَاب قَبره يَوْمًا عبوسا قمطريرا ذَلِك أَنه اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وابتدع من رَأْيه مَا لَيْسَ من شرائع الدّين وَترك الِاعْتِصَام بسنن الْمُرْسلين فويل لَهُ إِذا قَامَ يَوْم حشره من حفرته حاسرا حسيرا ولقى حسابا قد حَرَّره عَلَيْهِ الحاسبان تحريراوكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشورا سُبْحَانَ من تسبح بِحَمْدِهِ الحركات والسكون وَتشهد بِحِكْمَتِهِ الْحَيَاة والمنون وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره ثمَّ إِذا دعَاكُمْ دَعْوَة من الأَرْض إِذا أَنْتُم تخرجُونَ يخرجُون حُفَاة وعراة غرلًا يَرْجُو محسنهم من ثَوَابه فضلا وَيخَاف مسيئهم من عِقَابه عدلا فَيَوْمئِذٍ لَا يظْلمُونَ نقيرا وَكفى بِرَبِّك بذنوب عباده خَبِيرا بَصيرًا خضع لهيبته كل صَعب ذَلُول وافتقرإلى
стр. 74
توفيقه كل عَلَيْهِم وجهول إِذا حكم فبالعدل يحكم وَإِذا قَالَ فبالحق يَقُول وَإِذا سامح فَالْأَمْر يسهل وَإِذا ناقش فالحساب يطول فطوبى لمن كَانَ لَهُ من سوء الْحساب مجيرا لقد سعد سَعَادَة الْأَبَد وفاز فوزا كَبِيرا أَحْمَده وأشكره وَلم يزل بِالْحَمْد وَالشُّكْر جَدِيرًا وَأشْهد أَلا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة أشْرب بهَا من سلسبيل الْجنَّة نميرا وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ إِلَى الْخلق كلهم بشيرا وَنَذِيرا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كَبِيرا اللَّهُمَّ اهد من صَلَاتنَا وسلامنا إِلَيْهِ وَإِلَى آله وَأَصْحَابه الَّذين جاهدوا بَين يَدَيْهِ مَا يكون حسن الْجَزَاء عنْدك خُصُوصا على الصّديق الْأَفْضَل والخليفة الأول وَالْإِمَام المبجل أبي بكر الصّديق الَّذِي سبق إِلَى الْإِسْلَام أحرارا وعبيدا وإناثا وذكورا وعَلى الْفَارُوق الْأَكْبَر الْآمِر بِالْمَعْرُوفِ والناهي عَن الْمُنكر أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب الَّذِي أصبح بِهِ الْإِسْلَام ظَاهرا وَقد كَانَ مَسْتُورا وعَلى جَامع الْأمة على الْقُرْآن بعد إختلافها والباذل نَفسه دون دينه حَتَّى أوردهَا موارد تلافها أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان الَّذِي ابتلى فِي كتاب الله وَكَانَ الْبلَاء صبورا وعَلى أبي السبطين السيدين أبي مُحَمَّد الْحسن وَأبي عبد الله الْحُسَيْن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب الْحَائِز من آيَات الْفرْقَان نَصِيبا موفورا وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا فَجعله نسبا وصهرا وَكَانَ رَبك قَدِيرًا وعَلى التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين وعَلى سَائِر عباد الله الصَّالِحين صَلَاة مُتَّصِلَة صباحا وَمَسَاء ورواحا وبكورا اللَّهُمَّ وَنحن من جملَة عِبَادك الْفُقَرَاء إِلَى مزِيد فضلك ودوام مدارك فَاجْعَلْ لنا من لَدُنْك سُلْطَانا نَصِيرًا حَتَّى نجاورك فِي جنَّة عرضهَا السَّمَوَات
стр. 75
وَالْأَرْض حشوتها بِرَحْمَتك وَجعلت لِبَاس أَهلهَا حَرِيرًا متكئين فِيهَا على الأرائك لَا يرَوْنَ شمسا وَلَا زمهريرا وأشركنا فِي صَالح دُعَاء الْمُسلمين وأشرك الْمُسلمين فِي صَالح دعائنا يَا من لم يزل بِكُل شَيْء خَبِيرا وعَلى كل شَيْء قَدِيرًا تَنْبِيه الْعُقُول الْعَاقِلَة يُورث حرث الْآخِرَة على حرث العاجلة وبالاستقامة على السِّيرَة العادلة تظهر جَوَاهِر النُّفُوس الفاضلة فطالب الإستقامة مُحْتَاج إِلَى طَرِيق السَّلامَة من سلكها بَعْدَمَا عرفهَا وصل إِلَى دَار الْكَرَامَة فَمن عزم على سلوك طَرِيق الْجنَّة فليجعل دَلِيله عُلُوم الْكتاب وَالسّنة وَإِنَّمَا يَهْتَدِي بِالْعلمِ لمراد قَائِله خَبِير فَلهَذَا ألزم أَئِمَّة السلوك الِاشْتِغَال بعلوم التَّفْسِير
стр. 76
تَفْسِير أَوَائِل سُورَة هود
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الر كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله الر قَالَ أَنا الله أرى وَقَالَ سعيد بن جُبَير الر حم ن هُوَ اسْم الله الرَّحْمَن وَقيل الْألف آلاؤه وَاللَّام لطفه وَالرَّاء ربوبيته وَقَوله أحكمت آيَاته أَي لم تنسخ بِكِتَاب كَمَا نسخت الْكتب الَّتِي قبله ثمَّ فصلت أَي بيّنت بِالْأَحْكَامِ والحلال وَالْحرَام وَقَوله تَعَالَى من لدن حَكِيم خَبِير أَي من عِنْد حَكِيم بتدبير الْأَشْيَاء وتقديرها خَبِير بِمَا تؤول إِلَيْهِ عواقبها ألاتعبدوا إِلَّا الله أَي لَا توحدوا وَلَا تطيعوا إِلَّا الله إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير أَي قل يَا مُحَمَّد إِنَّنِي من عِنْد الله نَذِير أنذركم عِقَابه على مَعْصِيَته وَعبادَة الْأَصْنَام وَبشير أبشركم بِثَوَاب الله على طَاعَته وإخلاص عِبَادَته وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أَي اطْلُبُوا من ربكُم مغْفرَة سالف ذنوبكم وتوبوا إِلَيْهِ بِالرُّجُوعِ عَن مُخَالفَته فِي بَقِيَّة أعماركم يمتعكم مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى أَي إِذا استغفرتم ربكُم وتبتم إِلَيْهِ بسط لكم
стр. 77
من الأرزاق وَمد لكم فِي الْأَعْمَار إِلَى وَقت الْمَوْت وَهُوَ الْأَجَل الْمُسَمّى وَقيل الْمَتَاع الْحسن هُوَ أَن يرضيهم بِمَا أَعْطَاهُم وَقيل هُوَ استعمالهم بِطَاعَتِهِ وَمَعْرِفَة حَقه فَإِن الله يحب الشَّاكِرِينَ وَأهل الشُّكْر فِي مزِيد من الله تَعَالَى وَذَلِكَ قَضَاؤُهُ الَّذِي قضى وَذَلِكَ يَعْنِي أَنكُمْ أَيهَا الْمُسلمُونَ قد أطعتم ربكُم فِي الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة وَقد أنْجز لكم مَا وعد المستغفرين والتائبين من الْمَتَاع الْحسن فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قد عَفا عَنْكُم فِي أبدانكم ووسع لكم فِي أرزاقكم وأمنكم فِي أوطانكم وأعلاكم على عَدوكُمْ وشرفكم على أهل الْملَل وعصمكم من الرِّدَّة المحبطة للْعَمَل وستركم وجبركم وآواكم ونصركم فاعرفوا لله حق نعْمَته عَلَيْكُم وطالبوا أَنفسكُم بِوَاجِب طَاعَته وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله قَالَ الضَّحَّاك وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله من عمل سَيِّئَة كتيت عَلَيْهِ سَيِّئَة وَمن عمل حَسَنَة كتبت لَهُ عشر حَسَنَات فَإِن عُوقِبَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي كَانَ عَملهَا فِي الدُّنْيَا بقيت لَهُ عشر حَسَنَات فَإِن لم يُعَاقب بهَا فِي الدُّنْيَا أَخذ من الْحَسَنَات الْعشْر وَاحِدَة وَبقيت لَهُ تسع حَسَنَات ثمَّ يَقُول هلك من غلب آحاده عشرات ثمَّ قَالَ تَعَالَى وَإِن توَلّوا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير أَي وَإِن تعرضوا عَمَّا دعوتكم إِلَيْهِ من اخلاص الْعِبَادَة لله وَالِاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير أَي كَبِير هوله وَهُوَ يَوْم الْقَامَة قَالَ مقَاتل إِن لم يتوبوا فِي الدُّنْيَا فحبس الله عَنْهُم الْمَطَر سبع سِنِين حَتَّى أكلُوا الْعِظَام وَالْميتَة وَقيل معنى قَوْله أَخَاف بِمَا يعلم وَإِنَّمَا عبر عَن الْعلم بالخوف لِأَن الْعلم يُوجد الْخَوْف وَأَشد الْعِصْمَة
стр. 78
على قدر علم الْمَرْء يعظم خَوفه فَلَا عَالم إِلَّا من الله خَائِف فأمن مكر الله بِاللَّه جَاهِل وخائف مكر الله بِاللَّه عَارِف إِلَى الله مرجعكم وَهُوَ على كل شَيْء قدير وصف لَهُم نَفسه بِالْقُدْرَةِ حَتَّى لَا يعتقدوا بجهلهم عَجزه فيخالفوا أمره قيستوجبوا عِقَابه فأعملهم بقدرته قبل حُلُول نقمته من جملَة بره ولطفه وَقدرته ورأفته فَإِذا كَانَ هَذَا لطفه بأعدائه فَكيف يكون عطفه على أوليائه قَالَ الضَّحَّاك بن قيس ﵁ قَالَ ﷺ يَا أَيهَا النَّاس اخلصوا أَعمالكُم لله فَإِن الله لَا يقبل من الْعَمَل إِلَّا مَا خلص لوجهه وَلَا تَقولُوا هَذَا لله وللرحم فَإِنَّهُ للرحم وَلَيْسَ لله مِنْهُ شَيْء وَلَا تَقولُوا هَذَا لله ووجوههم فَإِنَّهُ لوجوههم وَلَيْسَ لله مِنْهُ شَيْء وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صَارَت أمتِي ثَلَاث فرق فرقة يعْبدُونَ الله خَالِصا وَفرْقَة يعْبدُونَ الله رِيَاء وَفرْقَة يعْبدُونَ الله ليستأكلوا بِهِ النَّاس فَإِذا جمعهم الله قَالَ للَّذي كَانَ يستأكل بِهِ النَّاس بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادي قَالَ بعزتك وجلالك أستأكل بهَا النَّاس قَالَ لم ينفعك شَيْء مِمَّا جمعت انْطَلقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول للَّذي كَانَ يعبده رِيَاء بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالتك أردْت بهَا رِيَاء النَّاس قَالَ لم يصعد إِلَيّ مِنْهُ شَيْء انْطَلقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول للَّذي كَانَ يعبد خَالِصا بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالتك أَنْت أعلم بذلك مني أردْت بهَا وَجهك وذكرك قَالَ صدق عَبدِي انْطَلقُوا بِهِ إِلَى الْجنَّة
стр. 79
وَفِي حَدِيث معَاذ ﵁ قَالَ يَا رَسُول الله أوصني قَالَ اخلص دينك يَكْفِيك الْقَلِيل من الْعَمَل وَقَالَ يحيى بن معَاذ كونُوا عباد الله بأفعالكم كَمَا زعمتم أَنكُمْ عبيد الله بأقوالكم وَقَالَ البناجي مَا التنعم إِلَّا فِي الْإِخْلَاص وَلَا قُرَّة الْعين إِلَّا فِي التَّقْوَى وَلَا رَاحَة إِلَّا فِي التَّسْلِيم حدث الْقَوْم عَن حَقِيقَة الْأَمر فصدقوا ونظروا فِي علل الْأَعْمَال فدققوا ونصحوا لنا فِي وصاياهم وعلينا أشفقوا وتأدبوا بِالْعلمِ وَالْعَمَل فَلم أحكموه فضلوا فَإِن تقتدوا بهم تهتدوا وَأَن تسابقوهم تسبقوا أَيْن البطال من الْأَبْطَال مَتى يدْرك الْأَطْفَال مساعي الرِّجَال بلغ الرِّجَال نِهَايَة الآمال فِي سيرهم بالشد والترحال نالوا المنى لما سمت لمناله من عزمهم هم هُنَاكَ عَوَالٍ لم ينكلُوا فِي قصدهم ومسيرهم حَتَّى أناخوا بالجناب العالي هَذَا هُوَ الْأَمر الرشيد ومنتهى المرمى الْبعيد وَغَايَة الآمال
стр. 80
مدح التَّوَاضُع وذم الْكبر
أَلا ذُو طبع كريم يسمو إِلَى هَذَا الْفضل الْعَظِيم أَلا ذُو قلب سليم يُرَاعِي حفظ الْعَهْد الْقَدِيم إِنَّمَا يقدر على الْوَفَاء بِعَهْد يَوْم الْمِيثَاق من كَانَ سليما من النِّفَاق إِنَّمَا يحن إِلَى مرافقة الرفيق الْأَعْلَى من كَانَ طبعه كَرِيمًا من نسي عهود ربه فقد استحوذ الشَّيْطَان على قلبه من خَالف سنة نبيه فقد نظمه الشَّيْطَان فِي حزبه قَالَ الإِمَام أَحْمد ﵀ مَا اعْلَم النَّاس فِي زمَان أحْوج مِنْهُم إِلَى طلب الحَدِيث من هَذَا الزَّمَان قيل وَلم قَالَ ظَهرت بدع فَمن لم عِنْده حَدِيث وَقع فِيهَا وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض ﵀ إِن لله تَعَالَى مَلَائِكَة يطْلبُونَ حلق الذّكر فَانْظُر مَعَ من يكون مجلسك فَلَا يكون مَعَ صَاحب بِدعَة فَإِن الله لَا ينظر إِلَيْهِم وعلامة النِّفَاق أَن يقوم الرجل وَيقْعد مَعَ صَاحب بِدعَة لَو أَن المبتدع تواضع لكتاب الله وَسنة نبيه لَا أتبع مَا ابتدع وَلكنه أعجب بِرَأْيهِ فاقتدى بِمَا اخترع فالتواضع أصل كَبِير يتَفَرَّع مِنْهُ شَيْء كَبِير عَن عقبَة بن عَامر ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من رجل يَمُوت وَفِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من كبر تحل لَهُ الْجنَّة أَن يرِيح رِيحهَا وَلَا يَرَاهَا وَعَن فضَالة بن عبيد ان رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا تسْأَل عَنْهُم رجل يُنَازع الله رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاء وازاره الْعِزَّة وَرجل فِي شكّ من أَمر الله وَرجل يقنط من رَحْمَة الله وَعَن سُلَيْمَان بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ
стр. 81
رَسُول الله ﷺ أَرَأَيْتُم سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ وَمَا أعطَاهُ الله من الْملك فَإِنَّهُ لم يكن يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء تخشعا حَتَّى قَبضه الله وَقَالَ الْفَتْح بن شخوف ﵀ رَأَيْت عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فِي الْمَنَام فَسَمعته يَقُول التَّوَاضُع يرفع الْفَقِير على الْغنى وَأحسن من ذَلِك تواضع الْغَنِيّ الْفَقِير إِنَّمَا جعل ترفع الْفَقِير على الْغَنِيّ من التَّوَاضُع لِأَن الْفُقَرَاء قوم فرغ الله قُلُوبهم وَجعل رحيق محبته مشروبهم وَأطَال على بَاب خدمته وقوفهم وَجعل رِضَاهُ وقربه مطلوبهم وغضبه وَبعده مخوفهم فهم من خَشيته مشفقون وَمن هيبته مطرقون إِن تواضعوا فلرفعته وَأَن تذللوا فلعزته وَإِن طمعوا فِي صدقته وَإِن خضعوا فلعظمته إِلَى الله افتقارهم وَبِاللَّهِ افتخارهم وَإِلَى الله استنادهم هُوَ كنزهم وعزهم وفخرهم وذخرهم ومعبودهم ومقصودهم وَمن كَانَ بِهَذِهِ الرُّتْبَة فَمَتَى تواضع لغير الله أخل بمركز الْأَدَب واستبدل الخزف بِالذَّهَب من كَانَ رب الْعباد مَقْصُوده فَهُوَ لكل الْعباد مَقْصُود قل للعاملين لغير الله يَا عظم خسرانكم وَقل للواقفين بِغَيْر بَاب الله يَا طول هوانكم وَقل الآملين لغير فضل الله يَا خيبة آمالكم وَقل للعاملين لغير وَجه الله يَا ضَيْعَة أَعمالكُم
стр. 82
الْأَسْبَاب كلهَا مُنْقَطِعَة إِلَّا أَسبَابه والأبواب كلهَا مغلقة إِلَّا أبوابه جناب الله أَعلَى مرتقى تسمو إِلَيْهِ همم المرتقين لَيْسَ دونه مقنع للطالبين وَلَا وَرَاءه مَذْهَب للسالكين سَلام الله وَرَحمته وَبَرَكَاته على همم لَا يرضيها إِلَّا قرب الله ومرضاته مَا حَلَال لَهَا غير ذكره وَلَا انقادت لسوى أمره فَهِيَ الدَّهْر فِي طَاعَته وشكره على حُلْو الْعَيْش ومره وَيسر الْأَمر وعسره أَوْلِيَاء الله لَا يحبونَ وَلَا يبغضون إِلَّا فِي الله وَلَا يشتاقون وَلَا يحبونَ إِلَّا لله وَلَا يَتَوَكَّلُونَ وَلَا يعتمدون إِلَّا على الله إِذا صفا مشرب مُعَاملَة الله لم ينالوا كدر المشارب وَإِذا أينع لَهُم مَذْهَب السلوك إِلَى الله لم يهتموا لضيق الْمذَاهب وَإِذا ظنُّوا أَن الله عَنْهُم رَاض لم يكترثوا بغضب غاضب وَإِذا لم يكن رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِم عَاتب لم لم يشغل قُلُوبهم عتب عَاتب رضَا رَسُول الله ﷺ عَلامَة على رضَا مرسله وَالْعَمَل بِالْقُرْآنِ دَلِيل على الْإِيمَان بمنزله فاتلوا كتاب الله وتدبروه وعظموا رَسُول الله ﷺ ووقروه اللَّهُمَّ صل على سيدنَا مُحَمَّد وَآله الْكِرَام مَا نسخ النُّور والظلام وَاضْرِبْ سرادقات حفظك علينا وَلَا تقطع عَنَّا مواد إحسانك إِلَيْنَا واحرسنا من فَوْقنَا وَمن تحتنا وَعَن أَيْمَاننَا وَعَن شَمَائِلنَا وَمن خلفنا وَمن بَين أَيْدِينَا إفعل اللَّهُمَّ بِنَا ذَلِك وَسَائِر الْمُسلمين وَلَا تخلنا وإياهم من رَحْمَة تذكرنا بهَا يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
стр. 83
الْمجْلس الْعَاشِر غوائل الشَّيْطَان
الله أكبر مَا تعاقبت الْأَيَّام والليالي الله أكبر فِي كل مقرّ وَفِي كل سافل وعَلى كل شرف عَال الله أكبر مَا أقبل عَام وَأدبر عَام الله أكبر ملْء بَيَاض النَّهَار وَسَوَاد الظلام الله أكبر فِي بطن كل وَاد وعَلى ظهر كل شرف الله أكبر تَكْبِيرا يُوجب النجَاة وينقذ من التّلف كل الْعباد إِلَى رَحمته فَقير وَفِي نعْمَته مغمور مُحْتَاج إِلَى خَفِي لطفه وخفي عنايته هَل لكم من إِلَه سواهُ يجبركسركم ويكشف ضركم ويمدكم بأموال وبنين ويحييكم على تعاقب السنين حَتَّى تبلغوا من الْعُمر غَايَة آجالكم وَقد أَرَاكُم عجائب الْآيَات فِي تصرف أحوالكم فَلَيْسَ مِنْكُم من نزل بِهِ نازلة مماته إِلَّا وَقد عرف ربه فِي تصرف حالاته فارحموا أَنفسكُم من مُتَابعَة هَواهَا ومساعدتها على نيل مشتهاها بليت بِنَفس لَا يزَال هَواهَا يَقُود إِلَى نَار تَدور رحاها وَمَال النَّفس للشَّيْطَان إِلَّا مساعد على عصمتي حَتَّى تحل عراها
стр. 84
وَمن يحلل الشَّيْطَان عصمَة دينه هوى فِي سعير لَا يُطَاق لظاها أخي إِن أردْت النجح والفوز بالمنى فَخَالف من النَّفس الكنود هَواهَا وَلَا تتبعها فِي السلوك فَإِنَّهَا تضلل عَن نهج الْهدى بعماها مَا احترس الْإِنْسَان من غوائل الشَّيْطَان بِمثل نهي النَّفس عَن الْهوى وَلَا اسْتَعَانَ على قمع هوى النَّفس بِمثل الزّهْد فِي الدُّنْيَا مَتى أردْت أَن تعرف أَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ضرتان فَاعْتبر ذَلِك بجوارحك لأنهاأبواب دنياك فَإِن دخلت عَلَيْك من لسَانك أطلقته فِي الْبَاطِل وَفِيمَا لَيْسَ لَهُ حَاصِل وشغلتك عَن التِّلَاوَة وَالذكر وأوقعتك فِي لَغْو الْكَلَام والزور وَقَول الْفُجُور وَإِن دخلت عَلَيْك من من بَصرك أرسلنه فِي النّظر الى الْمُحرمَات المردية وشغلتك عَن النّظر فِي الْمُصحف وكل مَا فِيهِ عِبْرَة للنَّاظِر وَنور للخاطر وَإِن دخلت عَلَيْك سَمعك أمالته إِلَى سَماع كل لَهو وباطل وشغلتك عَن سَماع مَا نَفعه إِلَى الْقلب وَاصل وَإِن دخلت عَلَيْك من بَطْنك كسلت عَن الطَّاعَات وأبسطت إِلَى الشَّهَوَات وأعمت عَن الْفِكر وَالذكر بَصِيرَة قَلْبك وقادتك إِلَى كل مَا فِيهِ سخط رَبك وَإِن دخلت عَلَيْك من فرجك فَإِن كَانَ حَلَالا أوهن الْقُوَّة وبلد الفطنة وَإِن كَانَ حَرَامًا مَا زَاد على ذَلِك إِلَّا زَوَال النِّعْمَة وحلول النقمَة وَجُمْلَة القَوْل فِي ذمّ الدُّنْيَا أَنَّهَا لَا تدخل على أحد قطّ إِلَّا أدخلته بحرامها فِي عِقَاب ومنعته بحلالها عَن الثَّوَاب سُبْحَانَ الله مَا أَهْون الدنياعليه وَمَا أبغضها إِلَيْهِ أهل الدُّنْيَا بحرامها مغرورون وبخدعها مغبونون وبتحصيلها عَن الْآخِرَة مغمورون شاغلون
стр. 85
يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون أهل المشاغل بالدنيا وَزينتهَا عَن ذكر رَبهم ساهون لاهونا لَو أَنهم قنعوا مِمَّا يبلغهم لعجلوا رَاحَة مِمَّا يقاسونا تفوت ذِي الدَّار الْأُخْرَى وَهِي فانية يَا ويل عشاقها مِمَّا يلاقونا لَا دَارهم فِي الدَّهْر بَاقِيَة كلا وَلَا هم لما فِي الدَّهْر باقونا
اسباب الْغَفْلَة
اغتنم مواسم الأرباح فقد فَاتَت أسواقها وداموا مَا دَامَت أَبْوَاب التَّوْبَة مفتحة فقد حَان إغلاقها وانتهزوا فرْصَة الْيَسَار فِي دَار الْقَرار ففد آن من أقمار الْأَعْمَار محاقها وَبَادرُوا هجوم الْآجَال فشمس الْمنية قد أزف إشراقها وَأَعدُّوا ليَوْم الْحساب صَوَاب الْجَواب فَإِنَّمَا يُحَاسب الخليقة خلآقها واغوثاه بِاللَّه من ثقل هَذَا الرماد مَا أخوفنا أَن تستمر غفلتنا إِلَى يَوْم التناد أعظم الْأَسْبَاب فِي توليد الْغَفْلَة أَمْرَانِ أَحدهمَا امتلاء الْبُطُون وَالْآخر معاشرة الباطلين فَعَلَيْك بِالْجُوعِ وَالْعُزْلَة إِن أردْت الْعتْق من رق الْغَفْلَة إِذا أردْت أَن يعتزلك النَّاس فاصمت عَن محادثتهم فَإِن أَكثر مواصلات النَّاس بَينهم بالْكلَام فَمن صمت عَنْهُم اعتزلوه لَا أضرّ على العَبْد أَمريْن غفلته عَن ذكر الله وَمُخَالفَة لأمر الله
стр. 86
الْغَفْلَة تحرم الرِّبْح وَالْمَعْصِيَة توجب الخسران الْغَفْلَة تغلق أَبْوَاب الْجنَّة وَالْمَعْصِيَة تفتح أَبْوَاب النَّار خلق الله الْجنَّة وَالنَّار لِلْأَبَد وَخلق السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَى أمد فَمن عوفي من رقاد الْغَفْلَة وسقام الْمعْصِيَة خرج من النَّار وَأدْخل الْجنَّة وَمن بَقِي برقاد غفلته فَلَيْسَ لَهُ فِي الْجنَّة ولوج وَمن بَقِي بسقام مَعْصِيَته فَلَيْسَ لَهُ من النَّار خُرُوج فَأَما السَّمَاء وَالْأَرْض فمحكوم لَهَا بالبوار وَلَيْسَ لأحد فِي وَاحِد مِنْهُمَا قَرَار فَفرُّوا إِلَى الله مِمَّا يشغل عَنهُ كل الْفِرَار واستجيروا بِهِ من الْغَفْلَة وَالْمَعْصِيَة فهما فَوَات الرِّبْح وإلحاق الخسران يَا طول حزن الغافلينا عَن ذكر رب العالمينا يَا هضمهم يَوْمًا يرَوْنَ ثَوَاب ذكر الذاكرينا ستطول حسرتهم لما كَانُوا بِهِ متشاغلينا يتحسرون على فوا ت من فعال الطائعينا هذاك حَال الغافلين فَكيف حَال الخاملينا يَا ويلهم يَوْمًا يجازي الله فِيهِ العالمينا يَا حسرة يصلونَ جم رتها خزايا نادمينا يتلهفون على فَوَات دُخُولهمْ فِي الصَّالِحين يَا سَامِعًا هَذَا الْكَلَام اسْمَع مصاب الهالكين واعمل على تَخْلِيص نَفسك من شباك القانصين نبهنا الله وَإِيَّاكُم من رقدة الغافلين ورزقنا وَإِيَّاكُم مجاورة الصَّالِحين وَنور
стр. 87
بصائرنا وبصائركم بِمَا نور بِهِ بصائر الموقنين وزودنا وَإِيَّاكُم التَّقْوَى فَأن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين ونسأله سُبْحَانَهُ أَن يُضَاعف صلواته وَسَلَامه على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ
стр. 88
الْمجْلس الْحَادِي عشر ذكر الْمَوْت
اللَّهُمَّ صلى على سيدنَا مُحَمَّد الَّذِي أرْسلهُ الله بِالدّينِ القيوم الصَّوَاب واختصه الله بِالْكتاب الْمُنِير الثاقب وجباه بِالْفَضْلِ الْمُبين الرَّاتِب وأحله من منَازِل الشّرف فِي أَعلَى الْمَرَاتِب بِمُحَمد تصفو الْمَوَارِد هماء على الصماء المقارب عبد جباه ربه بنفيس مخزون الْمَوَاهِب أعطَاهُ من إحسانه فأفاق همه كل طَالب وَحمى أَبَاهُ وَأمه من كل مَا للعرض ثالب آباؤه من عهد آدم كلهم فِي الْمجد راتب يتنزهون عَن الْفَوَاحِش والمعايب والمثالب حَتَّى أَقروهُ بأشرف منصب من آل غَالب قوم لَهُم شرف يفوق الْمُنَاسب والمناصب حملت بِهِ الْبكر بطالع فِي السعد ثاقب حَتَّى إِذا مَا حَان مولده المفرج للكرائب جَاءَت بِهِ بَدْرًا أَضَاءَت لَهُ الْمَشَارِق والمغارب وجلا بطلعته المنيرة دجى الْكفْر الغياهب وتباشرت بقدومه الأفلاك حافلة الْكَوَاكِب يَا رب بلغنَا بِهِ وَلِجَمِيعِ من فِي الْخَيْر رَاغِب عفوا ومغفرة وفوزا بالمواهب والرغائب حَتَّى نرافق أَحْمد بالخلد فِي أعلا الْمَرَاتِب
стр. 89
سُبْحَانَ من كتب الْمَوْت على من تَحت عَرْشه سبحانة من تفرد بالوجود الأزلي والبقاء السرمدي دون خلقه سُبْحَانَ من سَاوَى بَين الْبَريَّة فِي وُرُود حِيَاض الْمنية فَلَا الْقوي يعتصم مِنْهَا بقوته وَلَا الْعَزِيز يرْتَفع عَنْهَا بعزته قَضَاء وَفضل سبقت بِهِ إِلَّا إلاهيته والأقدار وَحكم عدل حكم بِهِ من كل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار فَمن سخط فَلهُ السخط وَمن رَضِي فَلهُ الرِّضَا لِأَن الْقَدِير إِذا طلب أدْرك وَإِذا حكم أمضى سكرة الْمَوْت لَا تحيا إِلَّا بِالْحَقِّ وَالرِّضَا بِالْحَقِّ وَاجِب على جَمِيع الْخلق إِن لملك الْمُلُوك قدرَة دائرتها مُحِيطَة لَا يخرج عَنْهَا دودوح من سكان البسيطة فَالْحَمْد لله على رَحمته فِيمَا من بِهِ من الْحَيَاة وعَلى حكمته فِيمَا حكم بِهِ من الْمَمَات وَالْحَمْد لله الَّذِي يحيينا بعد الْوَفَاة ويجمعنا بعد الشتات إِن عاملنا بِمَا نحبه فَمن خَزَائِن الرَّحْمَة وَالْفضل وَإِن فعل بِنَا مَا نكرهه فَمن بَاب الْحِكْمَة وَالْعدْل فشكره وَاجِب علينا إِذا ذكرنَا بفضله وَالرِّضَا عَنهُ لَازم لنا إِذا عاملنا بعدله وكل ذَلِك مِمَّا سطرته أقلامه وشرعته أَحْكَامه تقدس الَّذِي صنع فأتقن وَلم يكن لَهُ فِي صَنعته مشير وَخلق فَأحْسن وَلم يكن لَهُ على خلقه ظهير تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير الَّذِي خلق الْمَوْت والحياة ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا وهوالعزيز الغفور أما بلوى الْحَيَاة فَإِن راميها يصلح لكسب الْخَيْر وَالشَّر فكاسب الْخَيْر صابر على مصير أَهله وكاسب الشَّرّ سيجزى على فعله بِمثلِهِ
стр. 90
أما بلوى الْعباد فَإِذا حَضرتهمْ الْوَفَاة إنقسموا إِلَى محب وكاره للفناء وراض وساخط للْقَضَاء فَمن مَاتَ على حَال من هَذِه الْأَحْوَال ختم عمله بهَا وَألْحق بِأَهْلِهَا فَقَوله ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا مَعْنَاهُ يختبركم فَينْظر أَيّكُم لَهُ أطوع وَإِلَى رِضَاهُ أطلب وأسرع وَفِي الحَدِيث عَنهُ ﷺ أَنه يَقُول إِن الله أذلّ ابْن آدم بِالْمَوْتِ وَعَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى الَّذِي خلق الْمَوْت والحياة ليَبْلُوكُمْ قَالَ أذلّ الله ابْن آدم بِالْمَوْتِ وَجعل الدُّنْيَا دَار حَيَاة وَدَار فنَاء وَجعل الْآخِرَة دَار جَزَاء وَدَار وَبَقَاء فقد اتَّضَح بِهَذَا الحَدِيث والأثر أَن فِي الْمَوْت حِكْمَة لمن أَرَادَ التدبر وعبرة لمن اعْتبر فَمن الْحِكْمَة فِي الْمَوْت وضع عماد المتكبرين وتنغيص حَيَاة المترفين وَتَكْذيب ظنون الآملين وتنبيه عقول الغافلين وإزعاج قُلُوب المطمئنين وَرفع أَيدي المتسلطين وَتَخْفِيف أثقال الْعِبَادَة عَن العاملين وَفَوْز المحبين بلقاء من كَانُوا إِلَيْهِ مشتاقين وَلَو لم يكن فِي الْمَوْت إِلَّا أَنه قَضَاء رب الْعَالمين لَكَانَ الرِّضَا بِهِ فرضا لَازِما لجَمِيع الْمُؤمنِينَ الْمَوْت انْقِطَاع عَن دارالفناء واتصال بدار الْبَقَاء وَخُرُوج من دَار الْعَمَل وَدخُول فِي دَار الْجَزَاء الْمَوْت رَاحَة الْمُسِيء والمحسن أما الْمُسِيء فَيَنْقَطِع عَنهُ اسْتِمْرَار طغيانه وَأما المحسن فيفضي إِلَى دَار الْجَزَاء على إحسانه الْمَوْت فِيهِ لِقَاء الأحباب وإحراز الثَّوَاب فَلَيْسَ يكرههُ إِلَّا مريب مرتاب
стр. 91
الْمَوْت فِيهِ تواصل الأحباب وَبِه حَيَاة الْمُؤمن الأواب يشتاقه الْبر الْمُطِيع لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى زلفى وَحسن مآب يحلو الْمَمَات لمن رجا بمماته لقيا الْكَرِيم الْمَاجِد الْوَهَّاب ويحيد مِنْهُ كَافِر أَو فَاجر قد يشرده سخطه وعقاب فامهد لنَفسك قبل موتك موقنا أَن الْمَمَات مقطع الْأَسْبَاب وَاعْلَم بأنك عَن قريب خَالِد فِي دَار خلد أَو أَلِيم عِقَاب سيصحو السَّكْرَان من سكره حِين لَا يُمكنهُ تلافي أمره سيندم المضيع على تضييعه إِذا قابله أَمر صَنِيعه سيقصر الأمل من أمله وَقت هجوم أَجله ونفاذ أكله وَتعذر الزِّيَادَة فِي عمله وَالْخُرُوج من أَهله وَمَاله هُنَالك يَسْتَحِيل حُلْو الْعَيْش مرا وينقلب عرف الْأَمر نكرا وَيعلم جَامع الحطام أَن الْبَاقِيَات الصَّالِحَات أَنْفَع ذخْرا لَيْسَ فِي ظلّ الدُّنْيَا مقيل وَلَا على هَذِه الْحَيَاة تعويل كَيفَ يطْمع فِي الْإِقَامَة فِي دَار الرحيل كَيفَ يضْحك من هُوَ محفوف بموجبات العويل أسمعنا الْغَيْر فتصاممنا وأيقظنا الْغَيْر فتناومنا ورضينا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة واشترينا مَا يفنى بِمَا لَا يفنى فَتلك إِذا صَفْقَة خاسرة أَيْن الآذان الواعية أَيْن الْأَعْين الباكية قَول بِلَا فعال وَأمر بِلَا امْتِثَال رسل ملك الْمَوْت على أَنْفُسنَا فِي كل نفس وَارِدَة وأجساد أحبتنا تَحت أطباق الثرى هامدة قد أوحشت مِنْهُم دِيَارهمْ ودرست رسومهم وآثارهم وحالت فِي اللحود أَحْوَالهم وتقطعت بالبلاء أوصالهم ومحت أَيدي الْحَوَادِث والغير والقبور محَاسِن تِلْكَ الصُّور وأطبقت عَلَيْهِم ظلمات تِلْكَ الْحفر فَلَا شمس فِيهَا وَلَا قمر وَنحن عَمَّا قريب إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ صائرون وبالكأس الَّذِي شربوا مِنْهُ شاربون ثمَّ مَعَ هَذَا الْيَقِين إِلَى دَار الْغرُور راكنون فَإِذا الذُّنُوب قد رانت
стр. 92
على الْقُلُوب وَقلة حَيَاء من مراقبة علام الغيوب فيا وَيْح نفس عَمَّا يُرَاد بهَا غافلة لَا تستعد لما هِيَ إِلَيْهِ صائرة وَعَلِيهِ حَاصِلَة وَلَا تزهد فِيمَا هِيَ لَهُ مُفَارقَة وَعنهُ زائلة
نور العارفين
إِلَى من أَشْكُو ألوم نفس شحيحة على الخيرقد أضنى فُؤَادِي علاجها إِذا سَأَلتنِي شَهْوَة منعتها أدامت سُؤَالِي واستمرت لجاجها وَإِن سمتها خيرا تفوز بنفعه غَدا نفرت مِنْهُ ودام أَمر انزعاجها فقد ضقت يَا مولَايَ ذرعا وأظلمت على الأَرْض الفضاء فجاجها فَهَب لي يَا نور السَّمَوَات فطْرَة يضيء لعَيْنِي فِي السلوك شراحها الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض فَمن لم يستر قلبه بِاللَّه فَهُوَ فِي ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض من كثرت رُؤْيَته الآنوار فِي مَنَامه فالغالب عَلَيْهِ الذّكر وَمن كثرت رُؤْيَته المصابيح النارية فالغالب عَلَيْهِ الْفِكر أهل الذّكر يستمدون من الْعقل وَالْإِيمَان أشرف من الْعقل فمزيته عَلَيْهِ كمزية ضوء النُّور على ضوء النَّار فِي الْفضل قَالَ بعض العارفين نمت لَيْلَة وَعِنْدِي قنديل مسرج فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ وَقد جَاءَ فِي صُورَة الْمُنكر عَليّ وَهُوَ يَقُول أما علمت أَن النُّور للمحمدي وَالنَّار للموسوي ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْقنْدِيل بِيَدِهِ فأطفأه فانتبهت والقنديل قد أطفيء فاشكروا الله يَا أَتبَاع مُحَمَّد الْمُصْطَفى فنوركم بمتابعة نور لَا يطفأ
стр. 93
جعل الله دينكُمْ أسهل الْأَدْيَان وأسمحها وَكِتَابكُمْ أوضح الْكتب وأحكمها ونبيكم أرْحم الْأَنْبِيَاء بأمته وأنصحها جعلنَا الله من أَتْبَاعه المفلحين باتباعه وَجَعَلنَا من العاملين بكتابه وحشرنا فِي جملَة أحبابه فَإِنَّهُ لَا حول وَلَا قُوَّة لنا إِلَّا بِهِ
стр. 94
الْمجْلس الثَّانِي عشر الْمِيثَاق
فِي قَوْله تَعَالَى وَإِذا أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه قَالَءَأَقْرَرْتُم وأخذتم على ذَلِكُم إصري قَالُوا أقررنا قَالَ فَاشْهَدُوا وانا مَعكُمْ من الشَّاهِدين قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ الْمِيثَاق الْعَهْد وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ مَا بعث الله نَبيا إِلَّا أَخذ عَلَيْهِ الْعَهْد بِأَنَّهُ بعث مُحَمَّد وَهُوَ حَيّ ليُؤْمِنن بِهِ ولينصرنه قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ أَخذ الْمِيثَاق على النَّبِيين وأممهم فَاكْتفى ربكُم بالنبيين وَأما الإصر فَهُوَ الْعَهْد وَقَوله فَاشْهَدُوا أَي فَاشْهَدُوا على أَنفسكُم وعَلى أممكم بذلك فالمستشهدون هم الْأَنْبِيَاء وَقيل الْمَلَائِكَة فصلوات الله على صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود الْمَأْخُوذ على الْأَنْبِيَاء بنصرته العهود وَالله وَمَلَائِكَته على ذَلِك لشهود وَهَذَا من أقوى الْبَرَاهِين على تَفْضِيل مُحَمَّد ﷺ على سَائِر الْأَنْبِيَاء
стр. 95
وَالْمُرْسلِينَ وَمن كَانَ أفضلهم فَهُوَ أفضل الْخلق أَجْمَعِينَ زار فِي جنح الدجى طيف الخيال من بديع الْحسن فتان الْجمال زورة أحيت كئيبا شفه مضض العذل وتبريح المطال عَاشَ بالوصل وَقد كَانَ قضى وقتيل الهجر يحي الْوِصَال يَا لَهُ من زائر حل الدجا مِنْهُ إشراق جبين كالهلال مثل مَا حل بأنوار الْهدى مولد الْهَادِي دياجير الضلال أَحْمد الْمُخْتَار ذُو الْمجد الَّذِي سَاد بالعز منيفات المعال شرع الشَّرْع لنا من بعد مَا لم نك نَدْرِي حَرَامًا من حَلَال نسخت مِلَّته مَا قبلهَا وأحا لت حَال أَصْحَاب الْمحَال بِكِتَاب حيرت آيَاته بالكلا م الْفضل ألباب الرِّجَال كَانَ أهل الأَرْض فِي سجن الْعَمى من ظلام الْكفْر والداء العضال فتبدت لَهُم أنواره كَمَا الْبَدْر بدا عِنْد الْكَمَال فَلهَذَا قلت فِي مدحي لَهُ عز لَا يشبه منظوم الْهلَال زار فِي جنح الدجا طيف الخيال من بديع الْحسن فتان الْجمال
стр. 96
الْمجْلس الثَّالِث عشر يَوْم الْوَعيد
الْحَمد لله مَا انتظمت بتدبيره الْأُمُور واعتقبت بتصريفه الدهور ووسع المقترفين عَفوه وغفرانه وَعم المفترقين بفضله وإحسانه خرت لعظمته جباه العابدين فطوبى لمن عبد وَاعْتَرَفت بوحدانيته قُلُوب العارفين فويل لمن جحد لَا رائق لما فتق وَلَا فَاتق لما رتق وَلَا رَازِق لمن حرم وَلَا حارم لمن رزق فَإِذا افْتَقَرت إِلَى الرزق فَقل يَا مُغنِي المفتقرين وَإِذا ضللت فَقل يَا دَلِيل المتحيرين وَإِذا تعاظمت عَلَيْك أهوال الْقِيَامَة فَقل حسبي أرْحم الرَّاحِمِينَ الْإِيمَان بِيَوْم الْقِيَامَة يخف بِهِ النُّطْق على اللِّسَان ويثقل الْعَمَل بِهِ على الْجَوَارِح ويسهل الْإِقْرَار بِهِ على من يَدعِي الْإِيمَان ويعسر استقراره بَين الجوانح كم من مقرّ بِالْعرضِ على الديَّان وَهُوَ مرتكب للقبائح يزحف إِلَى الطَّاعَة زحفا بطيئا وَيجْرِي إِلَى الْمعْصِيَة جَريا حثيثا الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ وَمن أصدق من الله حَدِيثا
стр. 97
لَو كنت من المصدقين بِيَوْم الْقِيَامَة لَكُنْت من أهواله خَائفًا وَلَو سلكت سَبِيل طلاب السَّلامَة لم تكن لِلْأَمْرِ مُخَالفا وَلَو رغبت فِيمَا أعد الله لأوليائه من الْكَرَامَة لم تزل فِي الْخدمَة وَاقِفًا ترجو رَجَاء طيبا وتعمل عملا خبيثا الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ وَمن أصدق من الله حَدِيثا المصدقون بِيَوْم الْقِيَامَة أكياس دانوا أنفسهم وَعمِلُوا لما بعد الْمَوْت ثبتَتْ عقائدهم فِي قُلُوبهم بِالنَّصِّ وَالْقِيَاس فشمورا خشيَة الْمَوْت أيقظوا عقوهم عُقُولهمْ من رقدة النعاس حِين أسمعهم الصَّوْت علمُوا أَن مَا بِأَيْدِيهِم من الدُّنْيَا سيصبح تراثا موروثا وهباء مبثوثا الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ وَمن أصدق من الله حَدِيثا خليلي أما مطايا الرحيل وسيروا إِلَى الله سيرا حثيثا وَإِيَّاكُم أَن تَكُونَا كمن يُبدل بالطيبات الخبيثا وَلَا تخدعا بأماني النُّفُوس فقد صدق الناصحون الحديثا من لم يكن شغله بِأَمْر آخرته وَلَا مصلحَة دُنْيَاهُ فَشَغلهُ فضول فإياك والتفرغ لثلب أَعْرَاض النَّاس فالعاقل عَن ذكر الخاطئين مَشْغُول الْعَاقِل عَن ذكر الورى مَشْغُول قد أَيقَن أَنه غَدا مسؤول من أَيقَن ان ربه سائله فالصارم فَوق رَأسه مسلول إِذا أَحْبَبْت أَن تعلم العَبْد لَا تسمعه التفرغ لغير ذكر ربه وَنَفسه فَتَأمل أَحْوَال الْعباد يَوْم الْقِيَامَة الْكل فِي ذَلِك مهتمون بنفوسهم وَمُحَمّد ﷺ مَشْغُول بربه يسْجد السَّجْدَة بعد السَّجْدَة بَين يَدَيْهِ يمْكث فِي كل سَجْدَة مَا شَاءَ الله
стр. 98
يحمده ويثني عَلَيْهِ وسادات الْمُرْسلين ينادون نَفسِي نَفسِي وَمن سواهُم مَشْغُول بكربه لَا يُعِيد وَلَا يُبْدِي كم فِي الْقُرْآن من ذكر يَوْم الْوَعيد وَلَو لم يكن إِلَّا سُورَة التكوير والإنفطار لَكَانَ كَافِيا لِذَوي الأسماع والأبصار فليت شعري هَل أَنْتُم بالقيامة مصدقون أم الْمَوْعُود بهَا قوم آخَرُونَ وَأَن عَلَيْهَا صدأ الذُّنُوب وَمن ران الذَّنب على قلبه فَهُوَ من الْآخِرَة مَحْجُوب عين جودي بدمعك المسكوب قد أمات الْقُلُوب كسب الذُّنُوب كَيفَ ترجو الْحَيَاة للقلب والعب د مصر على ارْتِكَاب الْحُوب أدعى بِاللِّسَانِ أَنِّي لآمنت وحالي تومي إِلَى تَكْذِيب أَي عذر عددت يَا نفس للموقف يَوْم الْفقر والتكريب يَوْم يجثو مُوسَى وَعِيسَى وابرا هيم من هول تِلْكَ الخطوب يظْهر الْحق ذَلِك الْيَوْم لِلْخلقِ خفايا مستودعات الْقُلُوب يومهم بارزون لَا شَيْء يخفى من بعيد مِنْهُم وَلَا من قريب كَيفَ يخفى شَيْء على الله منا وَمِنْهُم علام خافيات الغيوب يتَوَلَّى الْحساب رب البرايا غير مَسْتُور وَلَا مستنيب يَا حَيَاء الْمُقَصِّرِينَ المسيئين يَوْم فَضَح الغيوب حَسبنَا رَبنَا وَلَيْسَ سوى يُرْجَى لفاقة المرنوب إِن كنت أَيهَا العَاصِي سَاقِطا عَن غير الله فيكفيك سقوطك من عين رَبك وَإِن كنت من أهل الْكَرَامَة على الله فبقدر كرامتك عَلَيْهِ يمقتك على دينك وَإِن كنت من أهل الْقُرْبَى إشتد عَتبه عَلَيْك من أجل قربك وَإِن كنت من أهل الْبعد
стр. 99
اشْتَدَّ هوانك عَلَيْهِ من أجل بعْدك مَا اشْتَدَّ عَلَيْكُم فِي جفاكم عتبي إِلَّا لعلو قدركم فِي قلبِي الْحبّ حرَام عِنْد أهل الْحبّ مَا أوجع سَوط الْبعد بعد الْقُرْبَى
من خَصَائِص الذّكر
بِذكر الله تستنير الْقُلُوب وتحيا فَكل غافل عَن ذكر الله فَهُوَ فِي ظلام اللَّيْل أغشى وَلَو أشرقت لعَينه شموس الضُّحَى الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض فَلهَذَا لَا تستنير إِلَّا الْقُلُوب الَّتِي هِيَ بِذكرِهِ ملأى صب تقلبه على فرش الضنا مذ غبتم عدم المسرة والهنا مَا اشْتَدَّ عَنْكُم بعد بعد مزاركم إِلَّا الصبابة والكآبة والعنا لَكِن أماني الْوَصْل تنعش قلبه فيعيش أَحْيَانًا بترويح المنى وتهب من ذكراكم لفؤاده نسمات ألطاف تفرج مَا عَنَّا فالذكر أغْنى مَا لفاقة قلبه مَا للْيَتِيم من تذكركم عَنَّا كَيفَ يستغي الْمُحب عَن ذكر الحبيب زمَان الْبعد والحجاب وَالذكر هُوَ الْعِوَض لفقد الأحباب عَمَّا فَقده من نعيم الرُّؤْيَة ولذيذ العتاب الْمُحب الصَّادِق إِمَّا أَن يكون إِلَى المحبوب نَاظرا مَا دَامَ لَهُ عَن وَجهه
стр. 100
سافرا وَإِمَّا أَن يكون لَهُ ذَاكِرًا إِذا لم يكن لَهُ فِي حَضرته حَاضرا كنت من قرب دَارهم فِي نعيم وَأَنا الْيَوْم فِي الْعَذَاب الْأَلِيم أَنا أَشْكُو إِلَيْكُم حرقة الذكرى فَأَنا من وقودها فِي جحيم أجمع لكم من طَبِيب خَبِير ولبيب وناصح وَحَكِيم إِن هجر الأحباب سَوط عَذَاب وَوصل الأحباب رَأس النَّعيم عباد الله اذْكروا الله من هُوَ إِلَى وَجهه الْكَرِيم نَاظر جنابه الْعَزِيز حَاضر فَخير الذّكر مَا كنت فِيهِ غَائِبا كحاضر ومحبوبا كناظر لَو تحقق الذاكر بِمَا هُوَ لَهُ من الْأَدَب لَازم عَلَيْهِ وَاجِب لنظر إِلَى شَيْطَانه ويقذفون من كل جَانب دحورا وَلَهُم عَذَاب واصب ذَاكر الله لَا يَسْتَطِيع الشَّيْطَان فِي ذكره مقيلا ذَاكر الله لَا يجد الشَّيْطَان إِلَى إغوائه سَبِيلا ذَاكر الله لَا يزَال شَيْطَانه مَدْحُورًا ذليلا ذَاكر الله قد تكفل الله بحفظه وَكَيف يضيع من كَانَ الله يحفظه كَفِيلا اذْكروا الله بكرَة وَأَصِيلا وتبتل لذكره تبتيلا اذْكروا الله ذكر صب مشوق وَاجعَل الذّكر للوصال سَبِيلا ارْض بِاللَّه مؤنسا وجليسا واتخذه دون الْعباد وَكيلا فر مِمَّا سواهُ والجأ إِلَيْهِ واسمحه تَجدهُ برا وصُولا الزم الذّكر واتخذه تَجِد الذّكر بالوصال كَفِيلا
стр. 101
فضل الإستغفار
الْمعاصِي سلسلة فِي عنق العَاصِي لَا يفكه مِنْهَا إِلَّا الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة والصراط كثير الِاضْطِرَاب تَحت أَقْدَام السالكين لَا يسكنهُ إِلَّا قَول رب سلم سلم وَالنَّار مسعرة الضرام لَا يُطْفِئ لهيبها إِلَّا نور الْإِيمَان والموقف شَدِيد الْحر لَا يكن مِنْهُ إِلَّا ظلّ الْعَرْش والقبر مطبق الظلمَة لَا ينوره إِلَّا مِصْبَاح الْيَقِين وَالْجنَّة مغلقة الْأَبْوَاب فِي وُجُوه طلابها لايفتحها إِلَّا كلمة الْإِخْلَاص وشفاعة الرسولبغية كل مُرِيد لَا تنَال إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ والشيطان جاثم على قلب الْإِنْسَان لَا يمشي عَنهُ إِلَّا بِالذكر اذكر الْبر الرَّحِيم كَمَا يذكر الأحباب العشاق مَسّه الشَّيْطَان لَيْسَ لَهَا غير ذكر الله ترياق يَا فرسَان ميدان ذكر الله أطْلقُوا الأعنة يَا فرسَان ميدان ذكر الله أشرعوا الأسنة وأسقطوا الأجنة لَا تطعموا فِي وجدان حلاوة الذّكر وقلوبكم مَشْغُولَة بوسواس الْفِكر كَيفَ يكون حبيب الرَّحْمَن من هُوَ للشَّيْطَان سمير كَيفَ يطْمع فِي الْوُصُول من لَا يجد فِي الْمسير لَا ينَال العلى رخي البال إِنَّمَا تِلْكَ رُتْبَة الْأَبْطَال خاطروا بالنفوس وَالْأَمْوَال هَكَذَا هَكَذَا تنَال المعال وَاعْلَمُوا أَن فِي حُدُود جنان ال خلد حورا لَهَا مُهُور غوال
стр. 102
ووراء السُّور سجف ستور مسبلات على قُصُور عوالي فَوق تِلْكَ الْقُصُور وَادي التجلي والكراسي مَنْصُوبَة للرجالي هم رجال لم يلههم عَن مجَالِس الذّكر شَيْء من هَذِه الأشغال فَانْفَضُّوا عَن قُلُوبكُمْ كل هم من هموم الْأَوْلَاد وَالْأَمْوَال واحملوا حَملَة الهزبر إِذا حامى حذار الردى عَن الأشبال
من لَوَازِم الذّكر
أول مَا يحْتَاج إِلَيْهِ العازم على ذكر الله التفرغ من الشواغل الظَّاهِرَة ثمَّ تسكين جوارح الْبدن عَن الحركات الشاغلة ثمَّ قطع الْفِكر عَن قلبه ثمَّ إِشْعَار نَفسه عَظمَة مَا قد عزم عَلَيْهِ من ذكر ربه ثمَّ استفراغ الوسع فِي تجويد الذّكر ثمَّ إطالة الْمجْلس مَا أمكنه إطالته ثمَّ التحفظ بالحالة الَّتِي استفادها قلبه من الرقة باجتناب الملهيات من حِين يقوم عَن الذّكر إِلَى أَن يعود إِلَيْهِ فَهَذِهِ الشَّرَائِط السَّبع من راعاها حق الرِّعَايَة بلغ من مُرَاد الذَّاكِرِينَ أقْصَى الْغَايَة من أحب شَيْئا أَكثر ذكره وَمن أجل أمرا أعظم قدره وَلَا حبيب أحب من الله إِلَى أهل ولَايَته وَلَا جليل أجل عِنْد الله من أهل مَعْرفَته فاذكروا الله ذكر المحبين وأجلوه إجلال العارفين لِتَشْرَبُوا كؤوسا من رحيق شرابه رحيقا مَخْتُومًا ثمَّ تلحقوا بِمن رفعهم عَن الرَّحِيق حَتَّى صَار كل شرابهم تسنيما لَعَلَّك تشْتَهي صرفا حَلَالا لَا صداع وَلَا خمارا شراب الْمُسلمين فَلَا يهود حوتها فِي الدنان وَلَا نَصَارَى
стр. 103
عَلَيْك بِقرب مجَالِس أهل ذكر تَجِد قوما من الذّكر سكارى تَدور عَلَيْهِم كاسات خمر من التَّوْحِيد قدس من أوزارا فزرهم لَا تخف فَلَيْسَ يشقى طوال الدَّهْر من للْقَوْم زارا عساك تصيب بَينهم نَصِيبا من الْحس إِذا مَا الكأس دَارا أهل ذكر الله وَقت صفاء الْأَوْقَات يشربون من شراب المصافاة كؤوسا مترعات ويجنون من غروس الذّكر ثمارا يانعات ويخلع عَلَيْهِم من ملابس الْقرب حلل فاخرات يطوف عَلَيْهِم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معِين لَا يصدعون عَنْهَا وَلَا ينزفون وَفَاكِهَة مِمَّا يتخيرون وَلحم طير مِمَّا يشتهون كل هَذَا يَنَالهُ أهل مجَالِس الذّكر وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِم وهم لَا يبصرون أهل ذكر الله قد يتحفونا بنوالات بهَا يكرمونا فتراهم منعمين وهم فِيمَا اشتهت أنفسهم راتعينا تعرج الْأَرْوَاح مِنْهُم إِلَى الْعَرْش وهم بَين الورى قاعدونا وَحسان الْحور تجلا على أبصا رهم وَالنَّاس لَا يبصرونا وكؤوس دائرات بهَا الْولدَان يسقون فَلَا ينزفونا وثمار يانعات بأطباق لجين هم بهَا يطوفونا والرياحين تميد اهتزازا برياض هم بهَا يمرحونا وبحار الْخمر وَالْمَاء والشهد وَمَا يفنى لواجدونا
стр. 104
وَثيَاب السندس الْخضر عاليهم فهم فِي حسنها يرفلونا كل هَذَا وهم بعد فِي دنياهم بَين الورى يرزقونا كَيفَ لَو فارقوا هَذِه الد ار إِلَى دَار لَهَا يعملونا قوم جدوا فِي اللحاق بهم كَيفَ تحوزوا مَا هم حائزونا واذْكُرُوا الله على كل حَال وانظروا كَيفَ تذكرونا لَا يتم الذّكر حَتَّى تَكُونُوا كلما فِي وسعكم تبذلونا فأذيبوا الْأَنْفس فِي طلب الْعَيْش بدار لَا ترَوْنَ فِيهَا الْمنون والزموا ذكر الْجَلِيل فبا لذكر إِلَيْهِ وصل الواصلونا اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك يَا من جاد على عباده الصَّالِحين بِالْقُوَّةِ والمعونة حَتَّى قَامُوا لَك بِحَق الْقيام بِالطَّاعَةِ ان تمن علينا بِمَا مننت عَلَيْهِم ونسألك أَن تعيننا على ذكرك وشكرك وَحسن عبادتك وَأَن تجمع بَيْننَا وَبينهمْ فِي دَارك دَار النَّعيم إِنَّك جواد كريم وصل الله على مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كَبِيرا
стр. 105
الْمجْلس الرَّابِع عشر التَّقْوَى
الْحَمد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ يجب على العَبْد فِي عبوديته وكما يُحِبهُ الرب ويرتضيه أنعم بِمَا لَا يحصره الْحساب وَلَا يُحْصِيه وَلَا يَسعهُ الْكتاب وَلَا يحويه كم ذَنْب قد غفره وَلَوْلَا الغفران لحاق الْعَذَاب بجانبه أَحْمَده على اللَّاحِق وَالسَّابِق من أياديه حمدا يُوجب الْمَزِيد من كرم الْحق لحامديه وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ أزاحم بهَا على بَاب الْجنَّة داخليه وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله اصطفاه الله من خلقه فسبحان مصطفيه وارتضاه لتبليغ رسَالَته فتعالى جد مرتضيه فشمر عَن سَاق الْجد فِي مجاهدة أَعدَاء الله ومعانديه حَتَّى اتسق قمر الْإِيمَان فِي فلك الْإِسْلَام ووضح الْحق لناظريه صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وَحزبه ومحبيه خُصُوصا على الإِمَام أبي بكر الصّديق خَليفَة رَسُول الله ﷺ على أمته وَصديقه ومواليه وعَلى الإِمَام أَمِير المؤ منين عمر بن الْخطاب ولي رَسُول الله ﷺ ومصافيه
стр. 106
وعَلى الإِمَام أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان صهر رَسُول الله ومواسيه وعَلى الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ومواخيه وعَلى سَائِر الصَّحَابَة وتابعيه قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه أمرا لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ بالتقوى بقوله تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ جَاءَ فِي التَّفْسِير مَعْنَاهُ أَن يطاع فَلَا يعْصى وَأَن يذكر فَلَا ينسى وَقَالَ عمر ﵁ لكعب الْأَحْبَار يَا كَعْب حَدثنِي عَن التَّقْوَى فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل أخذت طَرِيقا ذَا شوك قَالَ نعم قَالَ فَمَا صنعت قَالَ حذرت وشمرت قَالَ فَكَذَلِك التَّقْوَى وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا يبلغ العَبْد أَن يكون من الْمُتَّقِينَ حَتَّى يدع مَالا بَأْس بِهِ حذر إِلَى مَا بِهِ بَأْس لَيْسَ التَّقْوَى أحصن جنَّة يحصن بهَا الخائفون وخشية الله أوثق عُرْوَة يمسك بهَا المتمسكون وَأَدَاء فَرِيضَة الله وَاجْتنَاب محارم الله أنجح وَسِيلَة توسل بهَا إِلَى الله المتوسلون طُوبَى لمن كَانَت الْجنَّة مثابه وَهِي مثاب الْمُتَّقِينَ وشراب الرَّحِيق والتنسيم والكافور والزنجبيل شرابه وَهُوَ شراب الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وهم رفقاؤه وَأَصْحَابه
стр. 107
إِنَّمَا يجازي بِمثل هَذَا الْجَزَاء من هُوَ من الْمُتَّقِينَ الَّذين أَقَامُوا الدّين بشرائطه الْمَشْرُوعَة وَاقْتَدوا فِي الْملَّة الإسلامية بآياتها المتبوعة فَإِذا صلى أحضر قلبه مَعَ بدنه فِي تذكر وتدبر أذكاره وَأحسن أدبه بَين يَدي عَالم أسراره وَإِذا تصدق أخرج الطّيب من كَسبه لَا يُرِيد عَلَيْهِ جَزَاء إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه وَإِذا حج أخْلص النِّيَّة لله فِي قَصده قبل الْخُرُوج من أَهله وَأنْفق إِلَى مرجعه من طيب المَال وحله واجتنب الْحَرَام لما ورد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من حج بِمَال حرَام فَقَالَ لبيْك قَالَ الله لَهُ لَا لبيْك وَلَا سعديك وحجك مَرْدُود عَلَيْك حَتَّى ترد مَا فِي يَديك وَإِذا صَامَ صان نظره عَمَّا لَا يحل لَهُ عَلَيْهِ النّظر وصان لِسَانه عَن الْكَلَام الزُّور والهذر وصان سَمعه عَن يحرم الِاسْتِمَاع إِلَيْهِ وصان لِسَانه عَن تمزيق أَعْرَاض الْمُسلمين فكم أفسدت الْغَيْبَة من أَعمال الصَّالِحين وَكم أحبطت من أجور العاملين وَكم جلبت من سخط رب الْعَالمين فالغيبة فَاكِهَة الأرزلين وَسلَاح العاجزين مُضْغَة طالما لَفظهَا الْمُتَّقِينَ نَغمَة طالما مجها أسماع الأكرمين فرحم الله إمرءا لم يفْسد عبَادَة يهديها إِلَى حَضْرَة الْعَزِيز الرَّحِيم بلقمة حرَام تعقب طَعَام الزقوم وشراب الْحَمِيم فَهِيَ كلمة مَا استحلاها إِلَّا طبع لئيم وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه فِي
стр. 108
هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الْعَامِل يكون بصلاح ظَاهره معمورا وَقد سقط عَن عين الله حَتَّى مَا يزن عِنْده نقيرا فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ظهر لِلْخَلَائِقِ من أمره مَا كَانَ مَسْتُورا وَظَهَرت مخبآت الصُّدُور على صفحات الْوُجُوه رقما مسطورا وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشورا لَيْت شعري مَاذَا أَقُول إِذا مَا وقفت فِي الْقَامَة مكبلا مأسورا ثمَّ قدمت لِلْحسابِ ذليلا وأتيت كتابا مسطرا منشورا وَأتي بِالْأَعْمَالِ توزن بالذر فَمَا غادروا هُنَاكَ فَقِيرا وبدا لي من فَوق وَجْهي سوء فعلي محررا مسطورا ثمَّ نُودي عَليّ هَذَا فلَان كَانَ لله عَاصِيا مَسْتُورا فضحته الْيَوْم الذُّنُوب وحساب مُحَرر تحريرا وأتى بالسعير أسمع مِنْهَا تغيظا وزفيرا مَا احتيالي فِي ذَلِك الْموقف المهول وَمن ذَا يذود عني السعيرا لَيْسَ لي غير حسن ظَنِّي بربي خَائفًا من عَذَابه مستجيرا وَتعطف بجبر كسري فقد أصبح قلبِي مِمَّا جنا مسكورا
صفة جَهَنَّم
روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُؤْتى بحهنم يَوْم الْقِيَامَة تقاد بسبعين ألف زِمَام مَعَ كل زِمَام
стр. 109
سَبْعُونَ ألف ملك يجرونها وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ يُؤْتى بجهنم يَوْم الْقِيَامَة وَهِي تمايل على الخزنة حَتَّى توقف عَن يَمِين الْعَرْش ويلقى عَلَيْهَا الذل فَيُوحِي الله إِلَيْهَا مَا هَذَا الذل فَتَقول يَا رب إِنِّي أَخَاف أَن يكون لَك فِي نقمة فَيُوحِي الله إِلَيْهَا إِنَّمَا خلقتك نقما وَلَيْسَ لي فِيك نقمة فتزفر زفرَة لَا تبقى دمعة فِي عين إِلَّا جرت ثمَّ تزفر أُخْرَى فَلَا يبْقى ملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل إِلَّا صعق إِلَّا نَبِيكُم نَبِي الرَّحْمَة يَقُول يَا رب أمتِي أمتِي عباد الله فاستجيروا بِاللَّه من شَرّ هَذِه النَّار الَّتِي لَا يرحم وَلَا يغاث باكيها واسألوه الْإِقَالَة من ذنوبكم قبل ان لَا يُقَال غَيره وتوبوا إِلَى الله من قريب واستحيوا مِمَّن هُوَ عَلَيْكُم رَقِيب واحذروا أَن يأتيكم الْمَوْت وَأَنْتُم على الْمعْصِيَة مصرون وَلَا تخلدوا إِلَى الدُّنْيَا فَإِنَّكُم عَنْهَا منقلبون وأنيبوا إِلَى ربكُم وَأَسْلمُوا لَهُ قبل أَن يأتيكم الْعَذَاب ثمَّ لَا تنْصرُونَ وَأَكْثرُوا من ذكر الله تَعَالَى واستغفاره واسألوه أَن يرزقكم الْفَوْز بِالْجنَّةِ والنجاة من ناره واغتنموا الْعَمَل الصَّالح فِي نَهَار الْعُمر وليله وتمسكوا بِمَا فِي أَيْدِيكُم من حَوَاشِي ذيله وتزودوا مَا أطقتم من الْبر فستجدونه يَوْم توفيه الْأجر واستحيوا من الله حق الْحيَاء فَهُوَ رَقِيب عَلَيْكُم فِي كل مَا أَنْتُم لَهُ عاملون فَإِنَّكُم على بِسَاط كرمه قَاعِدُونَ وَفِي بحار نعمه عائمون وَإِلَى دَار جَزَائِهِ صائرون ولكريم عَفوه وَجَمِيل صفحه آملون فاذكروه يذكركم واشكروه يزدكم وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون اتقوه حق
стр. 110
تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ اللَّهُمَّ يَا من لَيْسَ فِي الْوُجُود سواهُ يَا من عَلَيْهِ يعْتَمد وَمن فَضله يسْأَل وَإِلَيْهِ يسْتَند يَا أحد يَا صَمد يَا من لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد يَا كثير الْخَيْر يَا دَائِم الْمَعْرُوف يَا من الْمَلَائِكَة فِي خدمته صُفُوف وعَلى طَاعَته عكوف يَا جَار المستجير وَمن هُوَ على كل شَيْء قدير يَا غياث الملهوف يَا من بِيَدِهِ الْقَبْض والبسط وَبِيَدِهِ تقوم السَّمَوَات وَالْأَرْض يَا من امتدت لمسألته أكف السَّائِلين وخرت لعبادته وُجُوه الساجدين وعجت بتلبيته أصوات الملبين وطمحت إِلَى معروفه أبصار الآملين يَا عَالم السِّرّ والنجوى يَا من إِلَيْهِ المشتكى يَا من عنت لَهُ الْوُجُوه وخشعت لَهُ الْأَصْوَات يَا من يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات يَا من إِذا انْتَهَت الشكوى إِلَيْهِ فقد بلغت الْمُنْتَهى يَا فالق الْحبّ والنوى اللَّهُمَّ نشكو إِلَيْك مَا نَحن فِيهِ من طَاعَتك مقصرون وعَلى معصيتك مصرون وبعظمتك جاهلون وبحكمك مغترون وَعَن الْقيام بِمَا يلْزمنَا فِي حَقك عاجزون اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا من الَّذين يعاملونك بِمَا تحب وتعاملهم بِمَا يحبونَ وينصرفون عَمَّا تكره وَتصرف عَمَّا يكْرهُونَ وألحقنا بالذين وجهوا إِلَيْك وُجُوههم وَأَخْلصُوا لَك أَعْمَالهم وَلم يعتمدوا على أحد إِلَّا عَلَيْك وَلم يستندوا إِلَّا إِلَيْك رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار
следующие страницы →