أما قوله: «تقطع أعلى الجلدة التي كعُرْف الدِّيك» فصواب ودقيق، وهذه قُلْفَة البظر وقطعها من أجل الطهارة أيضًا كما هو الحال في الرجال، وإنما غاب هذا المعنى عن علمائنا لصغر حجمها، فلم يتخيلوا أنه يتراكم تحتها إفرازات ضارة، فبحثوا عن حكمة للختان فظن بعضهم أنه لتقليل الشهوة حصرًا. ونص الحديث: «أنْضَر للوَجْه وأحْظَى للزَّوْج» يفيد غير ما ذكروا-﵏.
ولنراجع حديث رسول الله ثانية حتى تطمئن نفوسنا لما اخترناه:
قال رسول الله ﷺ للخاتنة: «اخفِضي ولا تُنْهِكي؛ فإنه أنْضَرُ للوَجْه وأحْظَى عند الزَّوْج» (١). وفي روايات: «أشمي».
والإشمام هو قطع الشيء اليسير جدًّا، قال ابن مَنْظُور: «وأَشَمَّ الحَجَّامُ الخِتانَ، والخافضةُ البَظْرَ: أَخذا منهما قليلا. وفي حديث النبي، أَنه قال لأُم عطية: «إِذا خَفَضْتِ فَأَشمِّي ولا تَنْهَكي؛ فإِنه أَضْوأُ للوَجْه وأَحْظَى لها عند الزَّوْج» قوله: ولا تَنْهكي: أَي لا تأْخذي من البَظْرِ كثيرًا، شبه القطع اليسير بإِشمام الرائحة، والنَّهْك بالمبالغة فيه، أَي اقطعي بعضَ النَّواةِ ولا تستأْصليها» (٢).
ونحن نوافق على ما ذكر أولًا ونختلف معه ﵀ في قوله «والخافضة البظر» و «اقطعي بعض النواة» بل إن هناك جلدة فوق البظر وليست منه. وإنما تترك النواة
стр. 107
(البظر) كما ذكر ابن الصَّبَّاغ والماوَرْدِيّ وابن القَيِّم والأنصَارِيّ وتقطع الجلدة المستعلية عليها دونها.
ولعل المقصود من الإشمام كما ذكره ابن القَيِّم عن الجُوَيْنِيّ هو ترك موضع القطع عاليًا، واللغة تشهد له، جاء في «مختار الصحاح»: «والشَّمَمُ ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، ورجل أشَمُّ الأنف وجبل أشم أي طويل الرأس بين الشمم فيهما» (١).
وكل ذلك يؤيد ما ذكرناه من أن البظر لا يقطع، وأقوى معتمدنا هو قوله ﷺ «أنضَرُ للوَجْهِ وأحْظَى عند الزَّوْج» فأي حظ للزوج في تقليل شهوة المرأة بقطع شيء من بظرها، بل إنها جراء ذلك قد تصاب بالبرودة الجنسية مما يسبب الكثير من المتاعب للزوجين، فلا هي حصلت لها اللذة المقصودة من الجماع، والتي تؤدي إلى وضاءة أو نضارة الوجه - كما جاء في الحديث - ولا الزوج حصل له الرضا بكونه قد كفى زوجته.
إن مراعاة حق المرأة في المتعة لمن العدل الذي أمرت به شريعتنا وحضت عليه؛ وإن الله قد قال ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ففهم منها ابن عباس ﵁ أن ذلك يشمل كل شيء حتى الزينة فقال ﵁: «إني أحب أن أَتزين للمرأة، كما أحب أَن تتزين لي المرأة؛ لأَن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وما أحب أَن أستنظف [أي أستخلص] جميع حقي عليها؛ لأَن اللّه تعالى يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]» (٢).
بل إن الله قد علم المؤمنين من آداب الجماع أن يقدموا لأنفسهم بالملاعبة، والتي لها من الفوائد الجنسية والنفسية والعاطفية للمرأة - التي انتبهت إليها العلوم الطبية حديثًا - ما يجعل الإشارة إلى هذا الأمر، الذي ربما يظنه البعض غير ذي أهمية، في كتاب الله من إعجازه، وصدق الله القائل: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
стр. 108
المطلب الرابع: حكم العدوان على فرج المرأة
إن الإسلام هو دين العدل والإحسان وحفظ الحقوق وإنصاف المظلوم، ولقد اتفق فقهاؤنا على أن الإضرار بالمرأة بقطع شفريها جناية توجب الدِّيَة أو القِصاص إن كان ممكنًا. وذهب ابن حَزْم إلى القِصاص أو المفاداة دون الدِّيَة. ولقد عللوا ذلك بأن في قطع الشفرين إذهابا لمنفعة التلذذ بالجماع وتشويهًا لعضو المرأة.
وهذا عرض ملخص لأقوالهم ﵏:
قول السادة الحنفية:
قال ابن عَابِدِين ﵀: «(قوله وكذا فرج المرأة) قال في الخلاصة ولو قطع فرج المرأة وصارت بحال لا تستمسك البول ففيه الدِّيَة. اهـ. وفي التتارخانية: ولو صارت بحال لا يمكن جماعها ففيه الدِّيَة» (١).
قول السادة المالكية:
قال الباجِيّ (٢) ﵀: «وأما شفرا المرأة فروى ابن حَبِيب (٣) ....................
стр. 109
ومُطَرِّف (١) وابن الماجِشُون (٢) إذا سُلَّتا حتى يبدو العظم أن فيهما الدِّيَة، وهو أعظم مصيبة عليها من ذَهاب يديها أو عينيها. روى ابن وَهْب (٣) أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في ذلك بالدِّيَة» (٤).
стр. 110
قول السادة الشافعية:
قال الشافعي ﵀: «وإذا قطعت إسْكَتَا المرأة وهما شفراها، فإن قطعه رجل فلا قِصاص؛ لأنه ليس له مثله فإن قطعته امرأة فعليها القِصاص إن كان يقدر على القِصاص منه إلا أن تشاء العقل فإن شاءته فلها الدِّيَة تامة وفي أحد شفريها إذا أُوعِب نصف الدِّيَة وفي الشفرين الدِّيَة ... وسواء في ذلك المخفوضة وغير المخفوضة ... وسواء في هذا شَفْر الصغيرة والعجوز والشابة لا يختلف وسواء شفر الرَّتْقاء التي لا تؤتى والبكر والثيب تؤتى» (١).
قول السادة الحنابلة:
قال ابن قُدامة ﵀: «(وفي إسْكَتَي المرأة الدِّيَة) الإسْكَتَان: هما اللحم المحيط بالفرج من جانبيه، إحاطة الشفتين بالفم. وأهل اللغة يقولون: الشفران حاشيتا الإسكتين، كما أن أشفار العين أهدابها. وفيهما دية المرأة إذا قطعا ... لأن فيهما جمالا ومنفعة، وليس في البدن غيرهما من جنسهما، فوجبت فيهما الدِّيَة ... وإن جنى عليهما فأشلهما، وجبت ديتهما، كما لو جنى على شفتيه فأشلهما» (٢).
انظر إلى عدم إهمالهم للجمال مع المنفعة.
قول السادة الظاهرية:
قال ابن حَزْم ﵀: «وقال الشافعي في العَفَلة (٣) إذا بطل الجماع الدِّيَة، وفي ذَهاب الشفرين كذلك. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم: في الأَلْيَتَين الدِّيَة.
стр. 111
وكل هذا لا نص فيه ولا إجماع، فلا شيء في ذلك في الخطأ، أما في العمد: فالقِصاص فيما أمكن أو المفاداة فيما كان جرحا وبالله تعالى التوفيق» (١).
فانظر - رحمك الله - إلى عدل تلك الشريعة ومراعاتها لحق المرأة في المنفعة، وليس ذلك فحسب، بل حُفِظ حقها في الجمال أيضًا.
* * *
стр. 112
المطلب الخامس: هل تضمن الخاتنة
الأصل في باب ضمان الطبيب من السنة هو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ» (١).
والصواب تضمين الخاتنة عند حصول التقصير أو الإهمال (٢)، بل وعند خطأ الحاذقة أيضًا إلا أن الضمان يكون هنا على العاقلة (٣) في قول الجمهور. أما عند تصدر الجاهلة للختن، فتضمن وتعزر كما جاء في تَبْصِرَة الحُكَّام «وينفرد الجاهل بالأدب ولا يؤدب المخطئ» (٤). وفي «مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة»: «عن يحيى بن أبي كثير، أن امرأة خفضت جارية فأعَنَّتْها، فضمنها علي الدِّيَة» (٥). وفيه: «عن أبي قلابة أن امرأة كانت تخفض الجواري فأعْنَتَتْ فضمنها عمر وقال: ألا أبقيت كذا» (٦).
стр. 113
أما إن وقعت الخاتنة في التعدي، فإن القِصاص أو الدِّيَة يلزمانها كما في جناية غيرها. قال الدُّسُوقِيّ ﵀ (١) في «حاشيته»: «إنما لم يقتص من الجاهل، لأن الغرض أنه لم يقصد ضررًا وإنما قصد نفع العليل أو رجا ذلك وأما لو قصد ضرره فإنه يقتص منه» (٢).
* * *
стр. 114
المطلب السادس: هل يقطع من كل النساء ؟
جاء في «عَوْن المَعْبُود»: «واختلف في النساء هل يُخْفَضن عمومًا أو يفرق بين نساء المشرق فيخفضن ونساء المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن بخلاف نساء المشرق، قال: فمن قال إن من ولد مختونا استحب إمرار الموسى على الموضع امتثالا للأمر. قال في حق المرأة كذلك ومن لا فلا» (١).
وهذا كلامٌ نفيسٌ يراعي اختلاف حجم هذه الجلدة، وإن لم يكن بالضرورة متعلقًا بكون النساء من المشرق أو المغرب، ولكنه صحيح في مجمله؛ وعليه فإن الطبيب الحاذق هو الذي يقرر كم يقطع وهل يقطع (انظر موانع الختان الطبية).
وهذا يقودنا إلى سؤال آخر وهو:
стр. 115
المطلب السابع: من الذي سيتولى ختن الأولاد والبنات ؟
لا شك أن في نهيه ﷺ عن المبالغة بيان إمكان حصول الضرر إذا تصدى لهذا الأمر غير الحاذق؛ ولذا ينبغي أن يترك هذا الأمر في زماننا للأطباء، فهم أعرف بالقدر الذي لا يضر الأنثى قطعه.
إن أم عطية الخاتنة ﵂ هي ذاتها التي كانت تخرج في الغزوات لتداوي الجرحى، إذًا فهي من أهل التطبيب. وفي زماننا تم تنظيم مهنة التطبيب، ولذلك في الإسلام أصل وإن أول من سن لنا ذلك هو رسول الله ﷺ حيث قال: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ» (١).
ومعنى الحديث يقتضي أن يتدرب الطبيب أولًا تحت إشراف غيره؛ فإنه لا سبيل إلى أن يُعرَف بالطب إلا بالتدرب، فإنه إن عالج من غير تدريب كان متعرضًا للعقوبة إذا أخطأ.
ولذلك فإن المسلمين قد عمِلوا بذلك وكانوا يمتحنون الأطباء قبل إجازتهم بالتطبيب. ذكر صاحب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» (٢) عن ثابت بن سنان (٣) أن
стр. 116
الخليفة المقتدر العباسي (١) أمر بمنع سائر المتطببين من التصرف إلا من امتحنه أبوه (٢).
ولم يكتف المسلمون بمنح الإجازة للطبيب، بل وراقبوه في عمله؛ يقول عبد الرحمن بن نصر الشَّيْزَرِيّ (٣) في كتابه «نِهَايَة الرُّتبَة في طَلَب الحِسْبَة» وهو يضع الشروط التي ينبغي توافرها في الفصادين والحجامين: «لا يتصدى للفصد إلا من اشتهرت معرفته بتشريح الأعضاء والعروق والعضل والشرايين، وأحاط بمعرفة تركيبها وكيفيتها لئلا يقع المِبْضَع في عرق غير مقصود أو في عضلة أو شريان فيؤدي إلى زمانة العضو (أي مرضه مرضًا مزمنًا) وهلاك المريض، فكثير هلك من ذلك» (٤).
لقد ذكر الدكتور البار في كتابه الختان دراسة أجراها الدكتور ياسر جمال وزملاؤه بينت الفرق الكبير في حدوث المضاعفات من عمليات الختان بين الخاتنين الأطباء وغيرهم (٥).
стр. 117
المطلب الثامن: متى يكون القطع ؟
لعل هذا الأمر مما ليس فيه سنة مستقرة ويحمل عليه ما نقله ابن حَجَر (١) عن ابن المُنذِر حيث قال: «وقال ابن المُنذِر: ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سند يتبع» (٢). فإنه لا يتخيل أن يكون ابن المُنذِر يريد بذلك أصل الختان - كما هو واضح من كلام له آخر (٣) - مع ما جاء فيه من الأحاديث الصريحة في «الصحيحين» وغيرهما، وإنما أراد طريقته ووقته.
وما جاء من ختن ابن عباس وهو مدرك (٤) يفيد جواز تأخير ختان الصبي حتى
стр. 118
مناهزة الاحتلام، وإن كان الواجب، على الصحيح، أن يفعل قبل البلوغ ليبلغ مختونًا، فإن هذا مما لا يتم الواجب إلا به (١).
وما جاء من كراهة بعض أهل العلم كمالك والحسن الختان يوم السابع (٢) لكونه موافقًا لفعل اليهود، فاجتهاد منهم وليست مخالفتهم في كل شيء مستحبة من غير بيان من الشرع.
وما روى البَيْهَقِيّ عن جابر قال: «عَقَّ رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين، وختنهما لسبعة أيام» (٣) ففيه مقال (٤).
ولذلك سئل الإمام أحمد عن وقت الختان فقال: «لم أسمع في ذلك شيئًا» (٥).
والذي يترجح أن يُفعل قبل البلوغ (٦)، وكلما كان مبكرًا كان أفضل؛ قال النَّوَوِيّ ﵀: «يستحب للولي أن يختن الصغير في صغره؛ لأنه أرفق به» (٧). وكذلك فإن الختان
стр. 119
في سن مبكرة يمكن الصغير من تحصيل فوائده كما أكد على ذلك الدكتور البار في كتابه «الختان».
ولقد فضلت الدكتورة ست البنات خالد اختصاصية أمراض النساء والتوليد بجامعة الخرطوم بالسودان إجراء الختان الشرعي للبنات في العمر ما بين ست سنوات إلى عشر، في حالة عدم وجود موانع، كما أوضحت أنه يمكن تأجيله إلى أي سن (١).
* * *
стр. 120
المطلب التاسع: موانع ختان الإناث ومضاعفاته
إن ختان الإناث الذي شرعه الإسلام عملية جراحية (١) بسيطة ومأمونة إذا أجريت من قبل طبيبة أو قابلة خبيرة ومدربة وكانت الأدوات معقمة. ومضاعفاته نادرة جدًّا ولا تتعدى مضاعفات العمليات البسيطة الأخرى كحدوث نزيف بسيط أو التهابات خفيفة. ولا بد من الكشف الطبي على الطفلة قبل القيام بإجراء الختان.
إن أهم موانع ختان الإناث تتطابق مع تلك التي تخص الذكور. وهي عدم وجود القُلْفَة عند بعض الإناث والتشوهات الخلقية للجهاز التناسلي ووجود بعض أمراض نزف الدم، أو أن يكون الطفل مريضًا وغير مستقر صحيًّا، ومن أهم موانع الختان عدم وجود الطبيبة المؤهلة (أو الطبيب عند فقدها) للقيام بهذه العملية، وفي هذه الحالة ينصح بتأجيل الختان إلى وقت لاحق.
* * *
стр. 121
المطلب العاشر: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن الختان
يظهر مما سبق أن الختان السني لم يثبت الطب ضرره؛ ولم يشمر المتخصصون من أطباء المسلمين عن سواعد الجد لبيان فوائده بأبحاث علمية تتسم بالدقة والتجرد، وإن ذكر البعض من الأطباء له فوائد مبنية على المقارنة مع الرجال والنظر في تكوين ووظيفة قُلْفَة البظر أو بعض الدراسات المحدودة.
أما عن حد الختان، فلقد أيدت المعلومات الطبية قول من قال من فقهائنا ﵏ بأن المقطوع في الختان هو قُلْفَة البظر لا البظر ذاته ولا شيء منه. وإن كان الظاهر من كلام من قال من فقهائنا بقطع بعض البظر أنهم عنوا تلك القُلْفَة وجعلوها من البظر. ولكن ليس هناك من الدراسات الموثقة ما يثبت ضرر قطع جزء من البظر، وإنما يظهر أن ذلك ليس المقصود بالختان الشرعي من النظر في تكوين البظر ووظيفته ومقارنة ذلك مع الآثار الواردة في الختان.
لقد أظهرت الدراسات العلمية ضرر الختان البدعي، والذي يحرمه الإسلام وإن قصر البعض منا في إنكاره وحربه.
لقد آن أن ننظم عملية ختان البنات، وبتنظيمنا لها نحافظ على صحة بناتنا وسمعة ديننا من غير استسلام لإملاءات الغير علينا. وإنما يكون ذلك بإسناد هذه الممارسة إلى الأطباء وهم أولى بها وأهلها (١)، وكذلك بإيقاف الأطباء على حقيقة الختان وحده.
* * *
стр. 122
المبحث الثاني: الماء المشمس
стр. 123
المبحث الثاني: الماء المشمس
لعل هذه القضية ليست من القضايا الأهم التي نناقشها في بحثنا، ولكنها أول قضية في كتب الفقه - حسب ترتيبها المعروف - يصدق عليها عنوان بحثنا. وكذلك فإن التداخل واضح فيها بين الفقه والطب، ولعل في قول الإمام الشافعي: «ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب» أوضح بيان على أحد أنواع التداخل بين الفقه والطب، وهي تلك الحالة التي يكره فيها الفقيه أو يحرم شيئًا لاعتقاد ضرره بجسم الإنسان.
ولقد اختلفت أقوال الفقهاء بشأن الماء المشمس فمن ذاهب إلى الإباحة المطلقة كابن حَزْم (١) ﵀ وبه صرح ابن قُدامة في «المُغْنِي» (٢) واختاره النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع» (٣)، وإن كان بين أن المذهب عند الشافعية الكراهة، ولقد ذكر النَّوَوِيّ ﵀ أن القول بعدم الكراهة هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وداود والجمهور.
وفي هذا الكلام نظر، فلا يُسلَّم أن الجمهور على عدم الكراهة، ففي مذهب المالكية مثلًا، ذكر المَوَّاق (٤) ﵀ في «التَّاج والإكْلِيل» (٥) كراهته ونقله عن القاضي
стр. 124
عياض (١) ونقل عن القَبَّاب أن الكراهة لعلها من جهة الطب. وأكد الخَرَشِيّ ﵀ في شرحه على «مُخْتَصَر خَلِيل» (٢) أن «القول بالكراهة قوي» وذكر الخلاف بين أصحاب المذهب فيما إذا كانت مقيدة بالمشمس في أواني الصفر أو غيرها، وذكر أن القَرَافِيّ ذكر خروج هباء من الإناء يتعلق بالجسم فيورث البرص، وذكر عن القَرَافِيّ أيضًا أن هذا لا يكون في آنية الذهب والفضة لصفائهما. وفي «مِنَح الجَلِيل» (٣)، نقل الشيخ عُلَيْش (٤) ﵀ الكراهة عن مالك وبين أنه المعتمد عند جمهور المالكية.
وأما مذهب الحنفية، فقد حرر ابن عَابِدِين ﵀ في «رَدّ المُحتار» (٥) أن مذهب الحنفية هو الكراهة كالشافعية ورجح أن الكراهة تنزيهية.
стр. 125
والحنابلة قد اختلفوا في حكمه وإن كان المذهب عدم الكراهة مطلقًا، ولكن كرهه منهم الآجُرِّي في «النصيحة» والتَّميمِيّ في «الفائق» (١).
وهل المشمس بنفسه من غير قصد تشميسه مكروه عندهم؟ خلاف.
ذكر في «المَجْمُوع» (٢) اعتبار القصد في الكراهة. وذكر ابن عَابِدِين عدم اعتباره (٣) ونقله عن كتب الشافعية.
وهم يستثنون المشمس من ماء البرك والأنهار لصعوبة الاحتراز منه وعدم تأثير الشمس فيه (٤).
• المناقشة والترجيح:
* استدل القائلون بكراهة الماء المشمس بالأدلة الآتية:
١ - ما روي عن عائشة ﵂ قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ وقد سخنت له الماء في الشمس فقال: لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص» (٥).
والحديث شديد الضعف، وممن ضعفه من أهل العلم النَّوَوِيّ (٦) الذي لم يحمله مذهبه على ترك الإنْصَاف والتجرد كما هي عادته ﵀. وضعفه كذلك ابن قُدامة في
стр. 126
المُغْنِي (١) وابن الجَوْزِيّ (٢) في «التَّحْقِيق في أحَادِيثِ الخِلاف» (٣).
٢ - حديث أنس أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تغتسلوا بالماء الذي يسخن في الشمس فإنه يعدي من البرص» (٤).
وهذا أيضًا شديد الضعف لا تقوم به حجة، ولا يصلح للاعتبار، وقد ضعفه من أهل العلم ابن الجَوْزِيّ (٥) وابن حَجَر (٦) -رحمهما الله.
٣ - أثر عن عمر بن الخطاب (٧) ﵁ وآخر عن ابن عباس (٨) ﵁ بالنهي عنه.
كلاهما لا يصح، ولو صحا لم يكن فيهما حجة لاحتمال أن يكونا من قبيل الرأي.
٤ - ما ذكروه من ضرر طبي.
стр. 127
كما ذكر ذلك الخَرَشِيّ عن القَرَافِيّ في شرحه على «مُخْتَصَر خَلِيل» (١)، وذكر ابن عَابِدِين أنه قول بعض محققي الأطباء (٢)، وأنكر الضرر الطبي ابن قُدامة في «المُغْنِي» (٣) نقلًا عن الأطباء وكذلك النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع» (٤).
ولعله قد ظهر من استعراض أدلة من ذهب إلى الكراهة أنها لا تقوم بها حجة، وأن الأمور على أصل إباحتها ما لم ينتهض دليل لنقلها إلى الكراهة أو التحريم.
• أما موقف الطب المعاصر من هذه القضية، فإن الأطباء لا يعرفون ضررًا للاغتسال أو الوضوء بالماء المشمس (٥).
أما شرب الماء المسخن في أواني الرصاص فربما يكون له ضرر طبي وهو ارتفاع نسبة الرصاص في الدم مما يؤدي إلى مضاعفات قد تؤثر مع تكرار ذلك على الجهاز الهَضْمِيّ والعظمي والعصبي (٦).
إن هذا أيضًا يصدق على آنية الصفر لاختلاطها بنسبة من الرصاص في أغلب الأحوال. وإن قول القَرَافِيّ ﵀ بخروج هباء من الآنية وحلوله في الماء (٧) لحسن دون قوله فإنه يورث البرص.
стр. 128
• بناءً على ما تقدم فالذي يترجح هو إباحة استعمال الماء المشمس في الطهارة بإطلاق، وليس ذلك لأن الطب قد أثبت عدم ضرره، فليس هذا القول مما يتجاسر عليه إلا مغامر، ولكن ذلك لشدة ضعف الآثار المروية (١) ولعدم ثبوت ضرره طبيًّا، وقد أحسن الإمام الشافعي ﵀ حيث قال: «ولا أكره الماء المشمس، إلا أن يكره من جهة الطب» (٢) وحيث أنه لم يثبت بعد ضرره من جهة الطب، فالصواب هو القول بإباحة استعماله.
* * *
стр. 129
المبحث الثالث: الحيض
وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول: الدورة الحيضية.
المطلب الثاني: أقل سن الحيض.
المطلب الثالث: أكثر سن الحيض.
المطلب الرابع: مدة الدورة الحيضية.
المطلب الخامس: أقل الحيض.
المطلب السادس: أكثر الحيض.
المطلب السابع: أقل الطهر.
المطلب الثامن: أكثر الطهر.
المطلب التاسع: المُبْتَدَأة والمُتَحَيِّرَة.
المطلب العاشر: الصفرة والكُدْرَة.
المطلب الحادي عشر: حيض الحامل والدم يكون قبيل الولادة.
стр. 130
المطلب الأول: الدورة الحيضية
الحيض دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة (١). وللحيض أسماء كثيرة منها الطَمْث والعِرَاك والإِكْبَار والإِعْصَار والنِّفَاس والدِّراس، فيقال حاضت أو طمثِت أو عَرِكت أو أَكْبَرَت أو أَعْصَرت أو نَفِسَت أو دَرَسَت (٢). وأصله من السيلان ولذلك سمي الحوض حوضًا لكون الماء يسيل إليه (٣).
واحترزوا بقولهم يرخيه الرحم عن الدم الذي يخرج من غير الرحم. والبعض يقول من قعر الرحم ليميزه عن الدم الذي يخرج من العرق الذي يسمى العاذل وهو في فم الرحم (٤). وهو العرق الذي يسيل فيسبب الاستحاضة، أو - على الصحيح- أحد حالاتها.
واحترزوا بقولهم في أوقات معتادة عن دم الاستحاضة الذي يعرفونه بأنه دم يخرج في غير أوقاته (٥).
والحيض يقع للنساء بين البلوغ والإياس مرةً كل شهر قمري في الأغلب.
стр. 131
•
مقدمة طبية:
ومن جهة الطب فإن هذا ما يحصل للمرأة في دورتها الشهرية.
يقرر أكثر الأطباء أن متوسط الدورة الشهرية (٢٨) يومًا، ونحن سنبين أن الأصل في فطرة الإنسان كونها تأتي مرة كل شهر قمري (١).
ويقسم الأطباء الدورة إلى مرحلتين: ما قبل التبويض (٢)، وما بعد التبويض.
(١) حيض - (٧) نمو بطانة الرحم - (١٤) التبويض - تسارع في نمو البطانة ثم تباطؤ - (٣٠) حيض
(١) أول يوم من أيام نزول الدم.
(٧) اليوم السابع لنزول الدم وهو أقصى الحيض في العادة، وبعدها يبدأ جدار الرحم في النمو.
(١٤) اليوم الرابع عشر من أول يوم لنزول الدم هو في العادة يوم التبويض، والذي لو صادفه الجماع أو كان قبله أو بعده بيومين، يرجى حصول الإخصاب. (٣٠) اليوم الثلاثون أو الواحد والثلاثون (على اعتبار الدورة شهرًا)، وفيه يبدأ الحيض الجديد بتساقط بطانة الرحم التي لم تأتها هرمونات محفزة لعدم حصول الإخصاب.
في الرسم أعلاه توضيح للدورة المنتظمة، ولو بدأنا من الحيض لقلنا إن جدار الرحم بعدما يتم نموه، ولا تأتيه إشارة هرمونية بوقوع الحمل، يبدأ تدفق الدم إليه يقل، وفي خلال يومين أو ثلاثة ما بين (٢٧ - ٢٩) يقل التدفق لدرجة تؤدي إلى بداية تساقط بطانة جدار الرحم (٣) في اليوم الثلاثين أو الواحد والثلاثين.
стр. 132
مرحلة الحيض:
تمتد مرحلة الحيض ما بين ثلاثة أيام إلى سبعة في المعتاد، وفيها تتساقط بطانة جدار الرحم فيما يعرف بالحيض، وهو دم مختلط بأنسجة هذه البطانة، وهو لا يتجلط إذا خرج لأنه قد سبق له التجلط وذوبان الجلطة داخل الرحم.
المرحلة التشعبية (١):
وتبدأ بعد انتهاء الحيض وتمتد إلى التبويض الذي يقع في اليوم الرابع أو الخامس عشر من الدورة.
وفي هذه المرحلة تنضَج الحويصلة المِبْيَضية وتفرز هرمون الأنوثة (٢) الذي يشجع بطانة الرحم على النمو، تهيئةً للرحم لاستقبال البُيَيْضَة الملقحة وحصول الحمل.
التبويض (٣):
تخرج البُيَيْضَة (٤) من الحويصلة في اليوم الرابع عشر أو الخامس عشر، فإن تم تلقيحها بحيوان منوي وانغراس اللقيحة (٥) في جدار الرحم حصل الحمل، وإلا ماتت البُيَيْضَة في خلال يوم واحد.
стр. 133
المرحلة الإفرازية (١):
بعد خروج البُيَيْضَة من الحويصلة المِبْيَضية يستمر إفراز هرمون الأنوثة (الإستروجين) مما يسمى الآن بالجسم الأصفر (٢)، وهو الحويصلة بعد مغادرة البُيَيْضَة لها ويزداد على هرمون الأنوثة هرمون آخر وهو البروجيستيرون (٣)، وهو يؤدي إلى زيادة إفرازات الغدد في بطانة الرحم ويجعلها منتفخة ومتعرجة وكل ذلك لمصلحة المشيمة والحمل. ويبقى إفراز هرمون البروجيستيرون حتى اليوم السابع والعشرين من الدورة وبعدها، فإن لم يكن حصل حمل يتوقف عن الإفراز وتبدأ بطانة الرحم في المعاناة من قلة تدفق الدم لها بسبب نقص الهرمونات، ومن ثم تبدأ هذه البطانة في التساقط في اليوم الثلاثين أو الواحد والثلاثين، وبذلك تبدأ فترة حيضية (٤) جديدة.
إن هذه المراحل المختلفة تستغرق أوقاتًا تتفاوت بين امرأة وأخرى، وإن ما ذكرناه هو المتوسط أو الأغلب في النساء، واخترنا أن مدة الدورة تسعة وعشرون يومًا أو ثلاثون موافقةً للحديث، وسنبين في مبحث مدة الدورة الحيضية أنه الموافق للفطرة كذلك.
أما المرحلة الحيضية فإنها تستمر في الأغلب ما بين ثلاثة إلى سبعة أيام (٥)، وقد يقل الحيض فيكون دَفعة واحدة أو يزيد فيستمر من غير تحديد لأكثره عند الأطباء (٦)، إلا
стр. 134
أنهم يجعلون الزيادة فوق سبعة أيام مرضية ويتفقون على كونها مرضية وتستدعي الفحص إذا كانت فوق عشرة أيام (١).
أما المرحلة التشعبية، وهي ما بين الحيض إلى التبويض، فتتفاوت بين النساء، فإذا انضم لها زمن الحيض فتكون نصف شهر في الأغلب. ولكن التفاوت في هذه المرحلة الأولى، وهي مرحلة ما قبل التبويض، كثير جدًّا، فقد تقل إلى يوم أو اثنين وتزيد لتكون قريبة من الشهر، وهذا بخلاف مرحلة ما بعد التبويض وهي ثابتة حول الأسبوعين كما يقرر الأطباء مع زيادة يوم أو نقصانه. وقد تحصل على وجه الندرة زيادة فوق اليوم أو نقصان (٢). ولعل هذا يبين صواب من قال من فقهائنا إن أقل الطهر ١٥ يومًا (١٤ إفرازية +١ تشعبية).
يتبين لنا من الكلام عن الدورة الحيضية أن الدم الذي يخرج من رحم المرأة في الحيض إنما هو دم مختلط بأنسجة بطانة الرحم، وهذا الذي يؤدي إلى اختلافه عن الدم العادي أو دم الاستحاضة.
ومن هذه الخلافات أنه:
• ثخين، وهو متوقع لاختلاطه بالأنسجة.
• وأسود متخثر، وهو متوقع لنفس السبب ولبقائه فترة داخل الرحم قبل الخروج.
• ولا يتجلط إذا خرج، وذلك لأنه تجلط داخل الرحم وذابت الجلطة بالفعل.
стр. 135
• وله رائحة منتنة، للأسباب السابقة.
• ويكون، في الأغلب، ما بين العشرين إلى الثمانين مليلترًا في فترة الحيض كلها.
وإنك تجد مصداق هذا في حديث رسول الله ﷺ : «إنَّ دَمَ الحَيضِ أسْوَد يُعرَفُ (أو يَعْرِفُ)» (١). وضُبِطت (يعرف) بضم الياء أي معروف للنساء وبفتحها مع كسر الراء أي له رائحة.
أما دم الاستحاضة، فإن تعريف الاستحاضة هو خروج الدم في غير وقته، وهذا الدم الذي يخرج في غير وقته قد يكون في صفته موافقًا للدم العادي الطبيعي، فيكون أحمر رقيقًا يتجلط عند خروجه، وهذا عندما يكون سبب الاستحاضة نزيفًا من عروق، كما جاء في حديث رسول الله ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: «إنما ذَلِك عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فإذا أَقْبَلَتْ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاةَ، فإذا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلي» (٢).
ولكن الدم قد يكون في صفته موافقًا لدم الحيض، ويكون في حكمه استحاضةً، لتجاوزه قدر الحيض أو بقائه من غير انقطاع. ولذلك فإن الرسول ﷺ لم يرد كل النساء إلى التمييز، بل رد بعضهن إليه والبعض إلى العادة وأخريات إلى أغلب عادة النساء، ولو كان كل دم استحاضة متميزًا عن دم الحيض لردهن جميعًا إلى التمييز، سواءٌ ميزت بنفسها أو ساعدتها في ذلك إحدى قريباتها من النساء الخبيرات.
• إن أسباب سيلان الدم لفترات طويلة كثيرة؛ منها: اضطرابات الهرمونات التي تؤدي إلى تساقط بطانة الرحم، فيكون الدم غير متميز عن دم الحيض؛ ومنها: الأورام الليفية؛ وأمراض عدم تجلط الدم، وفي هذه الحالات، يكون دم الاستحاضة مخالفًا في صفته لدم الحيض وأقرب إلى دم العِرق.
стр. 136
• ومن الأمور الطبية المهم معرفتها للمفتي، الأعراض المصاحبة للحيض، فإن معرفة النساء لهذه الأعراض تساعدهن في تمييز الحيض من الاستحاضة، أو تمييز بداية الدورة الحيضية.
وهذه الأعراض تشمَل (١):
١ - آلام وتقلصات بالبطن والظهر.
٢ - انتفاخ بالأثداء.
٣ - توتر في الأعصاب، وربما اكتئاب.
٤ - الصداع.
٥ - ضعف الرغبة الجنسية.
٦ - انخفاض درجة حرارة الجسم بدرجة مئوية كاملة.
وفي التفريق بين الحيض والاستحاضة قيل:
باللون والريح وبالتألُّم ... ورقة وغلظة مَيْز الدم
إنه بالإضافة إلى هذه الأعراض، فإن الطب الحديث يستطيع - عند تيسره - المساعدة في تمييز المراحل المختلفة للدورة الحيضية عبر قياس الهرمونات في الدم (٢).
• إن استخدام هذه التقنيات - عند تيسرها - من شأنه أن يرفع الالتباس في كثير من هذه الحالات التي يصعب فيها على المرأة تمييز الحيض من الاستحاضة، أو تمييز بداية الحيض إن كانت ممن يحيض أيامًا ويطهر أيامًا.
стр. 137
• إن الطب الحديث يستطيع أن يرسِم للمرأة خريطة بدورتها الحيضية عن طريق الأعراض المختلفة لبداية الحيض ودرجة حرارة الجسم التي تقل مع بداية الحيض وتزيد مع التبويض وكذلك الهرمونات التي تختلف مقاديرها في الدم حسب المرحلة التي تمر بها المرأة من دورتها الحيضية.
[٣] رسم توضيحي للتغيرات الهرمونية المصاحبة للحيض
ولكن الطب - كما سنبين في أكثر الحيض - لا يستطيع أن يفرق دائمًا بين الحيض والاستحاضة، لأن دم الاستحاضة قد يكون كدم الحيض في بعض الأحوال، وإن اعتبره الأطباء مرضيًّا؛ والفقهاء خارجًا عن العادة، ولا تترتب عليه أحكام الحيض.
* * *
стр. 138
المطلب الثاني: أقل سن الحيض
* ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أقل سنٍّ تحيض له المرأة هو تسع سنين، وهذا هو قول أكثر الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) وأكثر الحنابلة (٤).
* وذهب البعض إلى كونه ست سنين وبعضهم قال سبع، والقولان لبعض الحنفية (٥).
* وذهب بعض الحنابلة إلى كونه عشر سنين، وقال بعضهم: اثنتا عشرة سنة (٦).
وذهب ابن حَزْم (٧) وابن تَيمِيَّة (٨) إلى أنه لا حد لأقله، وهذا قول الدَّارِمِيّ (٩)(١٠) أيضًا.
стр. 139
عرض الأقوال:
قول السادة الحنفية:
قال السَّرَخْسِي (١) ﵀: «ومن الدماء الفاسدة ما تراه الصغيرة جدًّا؛ لأنه سبق أوانه فلا يعطى له حكم الصحة إذ لو جعلناه حيضًا حكمنا ببلوغها به ضرورة، وذلك محال في الصغيرة جدًّا واختلف مشايخنا في أدنى المدة التي يجوز الحكم فيها ببلوغ الصغيرة، فكان محمد بن مُقَاتِل الرَّازِيّ (٢) رحمه الله تعالى يقدر ذلك بتسع سنين؛ لأن النبي ﷺ بنى بعائشة ﵂، وهي بنت تسع سنين، والظاهر أنه بنى بها بعد البلوغ، وكان لأبي مُطِيع البَلْخِيّ (٣) ابنة صارت جدة، وهي بنت تسع عشرة سنة حتى قال: فضحتنا هذه الجارية. ومن مشايخنا من قدر ذلك بسبع سنين لقوله ﷺ : «مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا»، والأمر حقيقة للوجوب، وذلك بعد البلوغ. وسئل أبو نصر محمد بن سَلَّام (٤)
стр. 140
رحمهما الله تعالى عن ابنة ست سنين إذا رأت الدم هل يكون حيضًا؟ فقال: نعم، إذا تمادى بها مدة الحيض، ولم يكن نزوله لآفة. وأكثر المشايخ على ما قاله محمد بن مُقَاتِل رحمه الله تعالى لأن رؤية الدم فيما دون ذلك نادر ولا حكم للنادر» (١).
قول السادة المالكية:
قال الدَّرْدِير ﵀: «(من قُبُل من تحمِل عادةً) احترز به عن الخارج من الدبر أو من ثقبة والخارج بنفسه من صغيرة وهي ما دون التسع» (٢).
قول السادة الشافعية:
قال النَّوَوِيّ ﵀: «(أما حكم المسألة) ففي أقل سن يمكن فيه الحيض ثلاثة أوجه: الصحيح: استكمال تسع سنين، وبه قطع العِرَاقِيّون وغيرهم، والثاني: بالشروع في التاسعة، والثالث: بمضي نصف التاسعة، والمراد بالسنين القمرية، والمذهب الذي عليه التفريع استكمال تسع، وهل هي تحديد أم تقريب؟ وجهان ... ثم إن الجمهور لم يفرقوا في هذا بين البلاد الحارة والباردة وفيه وجه حكاه إمام الحرمين عن حكاية والده أنه إذا وجد الدم لتسع سنين في البلاد الباردة التي لا يعهد في أمثالها مثل ذلك فليس بحيض، والمذهب: الأول» (٣).
قول السادة الحنابلة:
قال ابن مُفْلِح ﵀: «فَصْلٌ: ولا حيض قبل تمام تسع سنين، وقيل عشر، وعنه اثنتي عشرة؛ قيل تقريب، وقيل تحديد» (٤).
стр. 141
قول السادة الظاهرية:
قال ابن حَزْم ﵀: «فإن رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض، كما قدمنا، تدع الصلاة والصوم ولا يطؤها بعلها أو سيدها» (١).
والحاصل أن الفقهاء يحددون للحيض والبلوغ سنًا أدنى لا تصح دعوى البلوغ قبله، ويختلفون في تحديد ذلك.
وفي الموسوعة الفقهية تلخيص حسن، فنذكره للفائدة:
«السن الأدنى للبلوغ الذي لا تصح دعوى البلوغ قبله في الذكر: عند المالكية والشافعية باستكمال تسع سنين قمرية بالتمام، وفي وجه آخر للشافعية: إذا مضى نصف التاسعة، ذكره النَّوَوِيّ في شرح المُهَذَّب. وعند الحنفية: اثنتا عشرة سنة. وعند الحنابلة: عشر سنين ...
والسن الأدنى للبلوغ في الأنثى: تسع سنين قمرية عند الحنفية، والشافعية على الأظهر عندهم، وكذا الحنابلة، لأنه أقل سن تحيض له المرأة، ولحديث: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» (٢). والمراد حكمها حكم المرأة.
وفي رواية للشافعية: نصف التاسعة، وقيل: الدخول في التاسعة، ولأن هذا أقل سن لحيض الفتاة.
والسن الأدنى للبلوغ في الخنثى: تسع سنين قمرية بالتمام .. » (٣).
стр. 142
• المناقشة والترجيح:
* ومستند الجمهور هو قول عائشة ﵂: «إذا بَلَغَت الجَارية تِسْع سِنين فَهِي امْرَأة» (١). وقد روي مرفوعًا، ولا يصح المرفوع (٢). وكذلك قالوا: إن رسول الله ﷺ بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين، والظاهر أنه بنى بها بعد البلوغ (٣).
وليس لهم دليل سوى ذلك والوقوع: قال في «المَبسُوط»: «وكان لأبي مُطِيع البَلْخِيّ ابنةٌ صارت جدةً وهي بنت تسعةَ عشرةَ سنة حتى قال: فضحتنا هذه الجارية» (٣).
* ومستند من قال بالسبع هو قوله ﷺ : «مُرُوا أولادَكُم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سَبْع سِنين» (٤).
قال في «المَبسُوط»: «ومن مشايخنا من قدر ذلك بسبع سنين لقوله ﷺ : «مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا»، والأمر حقيقة للوجوب وذلك بعد البلوغ» (٥).
* وليس لمن قال بالست أو الاثنتي عشرة مستندٌ سوى الوقوع.
* أما من قال بالعشر، وهم بعض الحنابلة، فلم يذكروا مستندًا، ولكن يمكن أن يستدل لقولهم بقوله ﷺ في حديث أمر الأولاد بالصلاة السابق: «واضْرِبُوهم
стр. 143
عَليها وهُم أبْناء عَشْرٍ ... »، وهذا الحديث أدل على العشر منه على السبع لكون الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به، ومعلومٌ أن المقصود تعويدُهم على الصلاة، وإلا فإنهم لا يُعاقَبون على التفريط فيها إذا كانوا دون العَشْر، لأن العشرَ هي مَظِنَّة البلوغ لا السبع.
* أما القائلون بعدم التحديد، فمستندهم عدم وجود الدليل المحدد، وهو صحيح، فإن قول عائشة إنما هو رأي منها لم ترفعه لمبلِّغ الوحي ﷺ ، ولعلها ﵂ لم تر من حاضت من النساء دون ذلك، ورأت من حاضت في سن التاسعة.
وقد بينا خطأ الاستدلال على السبع بالأمر بالصلاة، أما العشر فلا يشترط من كون الأطفال يُضرَبون على ترك الصلاة عندها أنه لا تحيض النساءُ قبلها.
والعبرة في كل ذلك بالاستقراء والوجود، قال النَّوَوِيّ ﵀: «قال الدَّارِمِيّ بعد أن ذكر الاختلافات: كل هذا عندي خطأ، لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود، فأي قدر وجد في أي حال وسن كان، وجب جعلُه حيضًا والله أعلم» (١).
стр. 144
• رأي الطب وأثره على الترجيح:
إن كلام الدَّارِمِيّ ومن بعده ابن حَزْم وابن تَيمِيَّة - رحم الله الجميع - وجيه موافق للواقع، فإن المعارف الطبية الحديثة تفيد أن أكثر النساء يبلغن ما بين الثانيةَ عشرةَ والرابعةَ عشرةَ بمتوسط عمري قدره (١٢. ٧٥) سنة، وفي الذكر يتأخر البلوغ عن الإناث بنحو عام أو اثنين (١). ولكن يختلف سن البلوغ اختلافًا كبيرًا من شخصٍ لآخرَ ومن بيئةٍ لأخرى؛ وهناك حالات يكون البلوغ فيها مبكرًا، بل إن فتاةً في بيرو بأمريكا الجنوبية قد حملت وولدت وعمرها آنذاك خمسة أعوام ونصف (٢).
وليس البلوغ دون التاسعة بتلك الندرة، بل إن الأطباء لا يعتبرون البلوغ مرضيًا متى بلغت الفتاة سبعة أو ثمانية أعوام (٣)، فإن كانت دون ذلك، ينظر في حالتها للتأكد من خلوها من أورام أو أمراض تؤدي للبلوغ المبكر، وفي أكثر الحالات لا يكون ثمة مرض (٤).
стр. 145
• على أن الأطباء يقصدون بالبلوغ ظهور علاماته الثانوية؛ كنمو الثديين وظهور الشعر، والعادة أن الحيض يتأخر عن ذلك بنحو عامين (١).
• إن الطب الحديث يقدر على القطع بما إذا كانت الفتاة قد حاضت أم أصابها دم علة، وذلك عن طريق البحوث المُختَبَرِيَّة والأشعة الصوتية على الرحم وفي كثير من الحالات قد يثبت الطب بداية الحيض قبل التاسعة.
• إن القول إذًا بعدم التحديد هو الأقرب للصواب من جهة الوقوع، ولكن ماذا نصنع إذا حاضت بنت الثامنة أو دون ذلك؟ هل نلزمها بكل تكاليف الإسلام؟ الحق أن حديث الرسول ﷺ السابق في الأمر بالصلاة لسبع والضرب عليها لعشر فيه - في تقديري - جوابٌ على هذا السؤال. إن مفهوم الحديث أنه لا إلزام قبل بلوغ الطفل سن العاشرة.
• إن القول الذي يترجح عندي هو أن الحيض حيضان: طبيعي وحكمي، فالطبيعي قد يقع قبل العاشرة في أي سن ولكن لا يكون له أثرٌ في الأحكام الشرعية والتكاليف حتى تبلغ الجارية العاشرة، وهو وجه عند الحنابلة-كما تقدم؛ وذلك لأن الحيض قبلها من النادر ولا عبرة به، ولاتفاقهم على عدم تكليف بنت السادسة مع إمكان حيضها ووقوعه، فلما لزم فك الارتباط بين الأمرين رجعنا إلى أقرب أدلة الوحي على أول زمن التكليف، وهو حديث الضرب على الصلاة، فجعلناه بداية سن الحيض الحكمي، وقد يسوغ الأخذ بأثر عائشة فهو أرفع ما ورد تصريحًا بهذا الشأن.