← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قول السادة الظاهرية: قال ابن حَزْم ﵀: «فإن رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض، كما قدمنا، تدع الصلاة والصوم ولا يطؤها بعلها أو سيدها» (١). والحاصل أن الفقهاء يحددون للحيض والبلوغ سنًا أدنى لا تصح دعوى البلوغ قبله، ويختلفون في تحديد ذلك. وفي الموسوعة الفقهية تلخيص حسن، فنذكره للفائدة: «السن الأدنى للبلوغ الذي لا تصح دعوى البلوغ قبله في الذكر: عند المالكية والشافعية باستكمال تسع سنين قمرية بالتمام، وفي وجه آخر للشافعية: إذا مضى نصف التاسعة، ذكره النَّوَوِيّ في شرح المُهَذَّب. وعند الحنفية: اثنتا عشرة سنة. وعند الحنابلة: عشر سنين ... والسن الأدنى للبلوغ في الأنثى: تسع سنين قمرية عند الحنفية، والشافعية على الأظهر عندهم، وكذا الحنابلة، لأنه أقل سن تحيض له المرأة، ولحديث: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» (٢). والمراد حكمها حكم المرأة. وفي رواية للشافعية: نصف التاسعة، وقيل: الدخول في التاسعة، ولأن هذا أقل سن لحيض الفتاة. والسن الأدنى للبلوغ في الخنثى: تسع سنين قمرية بالتمام .. » (٣).

стр. 142

• المناقشة والترجيح: * ومستند الجمهور هو قول عائشة ﵂: «إذا بَلَغَت الجَارية تِسْع سِنين فَهِي امْرَأة» (١). وقد روي مرفوعًا، ولا يصح المرفوع (٢). وكذلك قالوا: إن رسول الله ﷺ بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين، والظاهر أنه بنى بها بعد البلوغ (٣). وليس لهم دليل سوى ذلك والوقوع: قال في «المَبسُوط»: «وكان لأبي مُطِيع البَلْخِيّ ابنةٌ صارت جدةً وهي بنت تسعةَ عشرةَ سنة حتى قال: فضحتنا هذه الجارية» (٣). * ومستند من قال بالسبع هو قوله ﷺ : «مُرُوا أولادَكُم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سَبْع سِنين» (٤). قال في «المَبسُوط»: «ومن مشايخنا من قدر ذلك بسبع سنين لقوله ﷺ : «مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا»، والأمر حقيقة للوجوب وذلك بعد البلوغ» (٥). * وليس لمن قال بالست أو الاثنتي عشرة مستندٌ سوى الوقوع. * أما من قال بالعشر، وهم بعض الحنابلة، فلم يذكروا مستندًا، ولكن يمكن أن يستدل لقولهم بقوله ﷺ في حديث أمر الأولاد بالصلاة السابق: «واضْرِبُوهم

стр. 143

عَليها وهُم أبْناء عَشْرٍ ... »، وهذا الحديث أدل على العشر منه على السبع لكون الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به، ومعلومٌ أن المقصود تعويدُهم على الصلاة، وإلا فإنهم لا يُعاقَبون على التفريط فيها إذا كانوا دون العَشْر، لأن العشرَ هي مَظِنَّة البلوغ لا السبع. * أما القائلون بعدم التحديد، فمستندهم عدم وجود الدليل المحدد، وهو صحيح، فإن قول عائشة إنما هو رأي منها لم ترفعه لمبلِّغ الوحي ﷺ ، ولعلها ﵂ لم تر من حاضت من النساء دون ذلك، ورأت من حاضت في سن التاسعة. وقد بينا خطأ الاستدلال على السبع بالأمر بالصلاة، أما العشر فلا يشترط من كون الأطفال يُضرَبون على ترك الصلاة عندها أنه لا تحيض النساءُ قبلها. والعبرة في كل ذلك بالاستقراء والوجود، قال النَّوَوِيّ ﵀: «قال الدَّارِمِيّ بعد أن ذكر الاختلافات: كل هذا عندي خطأ، لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود، فأي قدر وجد في أي حال وسن كان، وجب جعلُه حيضًا والله أعلم» (١).

стр. 144

• رأي الطب وأثره على الترجيح: إن كلام الدَّارِمِيّ ومن بعده ابن حَزْم وابن تَيمِيَّة - رحم الله الجميع - وجيه موافق للواقع، فإن المعارف الطبية الحديثة تفيد أن أكثر النساء يبلغن ما بين الثانيةَ عشرةَ والرابعةَ عشرةَ بمتوسط عمري قدره (١٢. ٧٥) سنة، وفي الذكر يتأخر البلوغ عن الإناث بنحو عام أو اثنين (١). ولكن يختلف سن البلوغ اختلافًا كبيرًا من شخصٍ لآخرَ ومن بيئةٍ لأخرى؛ وهناك حالات يكون البلوغ فيها مبكرًا، بل إن فتاةً في بيرو بأمريكا الجنوبية قد حملت وولدت وعمرها آنذاك خمسة أعوام ونصف (٢). وليس البلوغ دون التاسعة بتلك الندرة، بل إن الأطباء لا يعتبرون البلوغ مرضيًا متى بلغت الفتاة سبعة أو ثمانية أعوام (٣)، فإن كانت دون ذلك، ينظر في حالتها للتأكد من خلوها من أورام أو أمراض تؤدي للبلوغ المبكر، وفي أكثر الحالات لا يكون ثمة مرض (٤).

стр. 145

• على أن الأطباء يقصدون بالبلوغ ظهور علاماته الثانوية؛ كنمو الثديين وظهور الشعر، والعادة أن الحيض يتأخر عن ذلك بنحو عامين (١). • إن الطب الحديث يقدر على القطع بما إذا كانت الفتاة قد حاضت أم أصابها دم علة، وذلك عن طريق البحوث المُختَبَرِيَّة والأشعة الصوتية على الرحم وفي كثير من الحالات قد يثبت الطب بداية الحيض قبل التاسعة. • إن القول إذًا بعدم التحديد هو الأقرب للصواب من جهة الوقوع، ولكن ماذا نصنع إذا حاضت بنت الثامنة أو دون ذلك؟ هل نلزمها بكل تكاليف الإسلام؟ الحق أن حديث الرسول ﷺ السابق في الأمر بالصلاة لسبع والضرب عليها لعشر فيه - في تقديري - جوابٌ على هذا السؤال. إن مفهوم الحديث أنه لا إلزام قبل بلوغ الطفل سن العاشرة. • إن القول الذي يترجح عندي هو أن الحيض حيضان: طبيعي وحكمي، فالطبيعي قد يقع قبل العاشرة في أي سن ولكن لا يكون له أثرٌ في الأحكام الشرعية والتكاليف حتى تبلغ الجارية العاشرة، وهو وجه عند الحنابلة-كما تقدم؛ وذلك لأن الحيض قبلها من النادر ولا عبرة به، ولاتفاقهم على عدم تكليف بنت السادسة مع إمكان حيضها ووقوعه، فلما لزم فك الارتباط بين الأمرين رجعنا إلى أقرب أدلة الوحي على أول زمن التكليف، وهو حديث الضرب على الصلاة، فجعلناه بداية سن الحيض الحكمي، وقد يسوغ الأخذ بأثر عائشة فهو أرفع ما ورد تصريحًا بهذا الشأن.

стр. 146

المطلب الثالث: أكثر سن الحيض * اختلف العلماء في الإياس؛ فذهب بعضهم إلى عدم التحديد، وهو القول المعتمد عند القدامى من الحنفية (١) وعند الشافعية (٢)، وبه قال ابن حَزْم (٣) وابن تَيمِيَّة (٤) -رحمهما الله. * وذهب البعض إلى حده بخمسين عامًا، وهو قول المتأخرين من الحنفية (٥)، باستثناء حده في العدة فجعلوه خمسة وخمسين عامًا (٥). وبالخمسين قال الحنابلة في المشهور (٦). * وقال المالكية: إنها لا تكون حائضًا بعد السبعين وبين الخمسين والسبعين يسأل النساء فإن جزمن بأنه حيض أو شككن فهو حيض وإلا فلا (٧).

стр. 147

عرض الأقوال: قول السادة الحنفية: جاء في «الدُّر المُخْتار»: «(ولا يُحدُّ إياسٌ بمدة، بل هو أن تبلغ من السن ما لا تحيض مثلها فيه) فإذا بلغته وانقطع دمها حكم بإياسها (فما رأته بعد الانقطاع حيض) فيبطل الاعتداد بالأشهر وتفسد الأنكحة. (وقيل: يحد بخمسين سنة وعليه المُعَوَّل) والفتوى في زماننا مجتبى وغيره (تيسيرًا) وحده في العدة بخمس وخمسين، قال في الضياء: وعليه الاعتماد (وما رأته بعدها) أي: المدة المذكورة (فليس بحيض في ظاهر المذهب) إلا إذا كان دمًا خالصًا فحيض حتى يبطل به الاعتداد بالأشهر، لكن قبل تمامها لا بعد حتى لا تفسد الأنكحة، وهو المختار للفتوى جوهرة وغيرها» (١). قول السادة المالكية: وفي الشرح الكبير، قال الدَّرْدِير ﵀: «(من قُبُل من تحمل عادة) احترز به عن الخارج من الدُّبُر أو من ثقبة والخارج بنفسه من صغيرة وهي ما دون التسع أو آيسة كبنت سبعين، وسئل النساء في بنت الخمسين إلى السبعين فإن قلن حيض أو شككن فحيض» (٢). قول السادة الشافعية: قال النَّوَوِيّ ﵀: «هذا ما يتعلق بأقل سن الحيض، أما آخره فليس له حد بل هو ممكن حتى تموت كذا قاله صاحب «الحاوي» [الماوردي] وغيره وهو ظاهر، قال

стр. 148

أصحابنا: فالمعتمد في هذا الوجود، وقد وجد من تحيض لتسع سنين، فوجب المصير إليه كما يرجع إلى العادة في أقل مدة الحمل وأكثرها» (١). قول السادة الحنابلة: قال ابن مُفْلِح ﵀: «قوله: ولانقطاعه حد، هل هو ستون سنة أو خمسون؟ فيه روايتان وعنه خمسون، وعنه بعد الخمسين حيض إن تكرر، وعنه مشكوك فيه، انتهى. أطلق الخلاف في كون أكثر سن الحيض خمسين أم ستين، وأطلقه في «المُغْنِي»، و «المحرر»، و «الشرح ابن عبيدان» وغيرهم (إحداهما): أكثره خمسون مطلقًا وهو الصحيح من المذهب ... وعنه خمسون للعجم، قال في «الرعاية»: وعنه الخمسون للعجم، والنبط ونحوهم، والستون للعرب ونحوهم، انتهى ... وعنه بعد الخمسين حيض عند تكرر، ذكرها القاضي، وغيره، وصححها في «الكافي» قلت: وهو قوي جدًّا؛ قال في «المُغْنِي» في العدد: والصحيح أنها متى بلغت خمسين سنة فانقطع حيضها عن عادتها مرات لغير سبب فقد صارت آيسة، وإن رأت الدم بعد الخمسين على العادة التي كانت تراه فيها فهو حيض على الصحيح، انتهى ... واختار الشيخ تقي الدين [ابن تيمية] أنه لا حد لأكثر سن الحيض» (٢). قول السادة الظاهرية: قال ابن حَزْم ﵀: «وإن رأت العجوز المسنة دمًا أسود فهو حيض مانع من الصلاة والصوم والطواف والوطء» (٣).

стр. 149

• المناقشة والترجيح: * إن مستند الجميع فيما ذهبوا إليه هو الاستقراء والتتبع، إلا أن البعض عزا لعائشة القول بالخمسين، حيث رَوَوْا أنها قالت: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض» (١). ولو صح، لاحتمل أن يكون رأيًا منها ﵂. والصواب أن المرأة قد تحيض بعد الخمسين بل وتلد (٢). وهذا مما لا خلاف عليه بين الأطباء بل إن خمسة بالمائة من النساء يستمر بهن الحيض بعد سن الخامسة والخمسين (٣). وأكبر امرأة حملت ووضعت هي امرأة أسبانية كان عمرها عند وضع توأمها سبعة وستين عامًا (٤). ويعتبر الأطباء كل حيض بعد هذه السن (الخامسة والخمسين) متأخرًا، وينصحون المرأة بمراجعة الطبيب في هذه الحالة (٥) ولكن هذا لا يعني أنه ليس حيضًا بحال.

стр. 150

الصواب في هذه المسألة إذًا ترك التحديد في حال وجود الثقات من الأطباء، وتنصح المرأة بمراجعة الطبيب إذا تغيرت عادتها في السن الكبيرة أو استمر بها الحيض بعد الخامسة والخمسين. فإن عدم الثقات من الأطباء فتنصح المرأة باعتبار دمها حيضًا ما لم تتغير عادتها وما لم ينقطع حيضها فترة طويلة (١) حتى تبلغ الخامسة والخمسين، فإن بلغتها وبقيت ترى الدم، فينبغي أن يزداد تحريها لكونه حيضًا لا دم فساد، فإن بلغت الستين فليس الدم حيضًا إلا فيما ندر جدًّا ولا عبرة بالنادر. * * *

стр. 151

المطلب الرابع: مدة الدورة الحيضية يذهب الأطباء إلى أن متوسط مدة الدورة الحيضية ثمانية وعشرون يومًا، والدورة الطبيعية ما بين واحد وعشرين وخمسة وثلاثين، أي (٢٨ - ٧ إلى ٢٨+٧) (١). ولكن حديث رسول الله ﷺ لحَمْنَة بنت جَحْش يفيد أنها شهر قمري، قال ﷺ : «فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي ثَلاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيكِ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» (٢). ويتضح أن هناك نوع اختلاف بين ما قرره رسول الله ﷺ وما ذهب إليه شبه إجماع الأطباء المعاصرين. ولقد وجدت جواب ذلك في كتابٍ لباحثةٍ أمريكيةٍ ذكرت فيه أنها وسبعًا وعشرين امرأةً أُخرَيات امتنعن عن استعمال الأضواء الصناعية بالليل، فوجدن أن دورتهن قد انتظمت مع الأشهر القمرية انتظامًا كاملًا (٣). إن الفطرة إذًا هي كون الدورة موافقة للأشهر القمرية.

стр. 152

إن الدورة الطبيعية إذًا تحدث مرةً في الشهر، ويختلف ذلك مع اختلاف النساء كما تقدم، فمنهن من تأتيها دورتها كل واحد وعشرين يومًا ومنهن من تأتيها كل خمسة وثلاثين، وكل هذا يعد طبيعيًّا. وقد تقل مدة الدورة الحيضية أو تزيد فيما يعتبر أمرًا مرضيًا ولكنها على أي حال تبقى دورة حيضية من الناحية الشرعية ما دامت لا تتكرر أكثر من مرتين في الشهر (١). والظاهر (٢) أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا - كما سبق في المقدمة الطبية - وأقل الحيض دفعة من دم، وعليه فالدورة إذا تكررت أكثر من مرة كل خمسة عشر يومًا فلا تعتبر، ولا تمسك المرأة عن الصلاة والصيام دون الخمسة عشر يومًا التي هي أقل الطهر. أما أكثر المدة بين الدورتين، فإن الفقهاء متفقون على أنه لا حد لأكثر الطهر، وهو صحيح؛ وعليه، فلا حد لأكثر الدورة الحيضية، وإن كانت المرأة في هذه الحالة إذا لم تحض لمدة ستة أشهر تكون مصابة بحالة مرضية تدعى الضَّهْي، أو انقطاع الطمث (٣). أما إن كانت الدورة تأتيها بمعدل أقل من مرة كل خمسة وثلاثين يومًا فاسم حالتها تباعد الطمث (٤). * * *

стр. 153

المطلب الخامس: أقل الحيض * ذهب الحنفية (١) إلى أن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام. * وذهب الشافعية في الأصح (٢) والحنابلة في المشهور (٣) إلى أنه يوم وليلة. * وبهذا قال مالك (٤) في الاعتداد والاستبراء، وقال دَفعة في العبادة. * وبالدَّفعة في الأمرين قال ابن حَزْم (٥) وابن تَيمِيَّة (٦)، وهي رواية عن أحمد (٧). عرض الأقوال: قول السادة الحنفية: قال الكَاسَانِيّ (٨) ﵀: « ... فذكر في ظاهر الرواية أن أقل الحيض ثلاثة أيام،

стр. 154

ولياليها، وحكي عن أبي يوسف في النوادر يومان، وأكثر اليوم الثالث، وروى الحسن عن أبي حنيفة ثلاثة أيام بليلتيهما المتخللتين» (١). قول السادة المالكية: وفي شرح حدود ابن عَرَفَة: «الحيض قال الشيخ ﵀: «دم يلقيه رحم معتاد حملها دون ولادة خمسة عشر يومًا في غير حمل وفي حمل ثلاثة أشهر خمسة عشر يومًا ونحوها وبعد ستة عشرين ونحوها فأقل في الجميع» ... وقوله: «فأقل» ليدخل فيه ما دون الخمسة عشر يومًا ولو دفعة واحدة» (٢). قول السادة الشافعية: جاء في حاشيتي قَلْيُوبِيّ (٣) وعَمِيرَة (٤): «(وأقله) [أي الحيض] زمنا (يوم وليلة) أي قدر ذلك متصلا كما يؤخذ ذلك من مسألة تأتي آخر الباب» (٥).

стр. 155

قول السادة الحنابلة: قال ابن مُفْلِح ﵀: «وأقل الحيض يوم وليلة (و ش) وعنه يوم، لا ثلاثة (هـ) ولا حد لأقله (م) ذكر ابن جرير عكسه (ع)» (١). قول السادة الظاهرية: قال ابن حَزْم ﵀: «وأقل الحيض دفعة، فإذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن الصلاة والصوم وحرم وطؤها على بعلها وسيدها» (٢). • المناقشة والترجيح: * لقد استدل القائلون بثلاثة الأيام، وهم: أبو حنيفة وصاحباه (٣) وسفيان الثَّورِيّ (٤) بأدلة منها: ١ - حديث رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: «أقل ما يكون

стр. 156

الحيض للجارية البكر والثيب ثلاث؛ وأكثر ما يكون عشرة أيام، وإذا رأت الدم أكثر من عشرة أيام فهي مستحاضة» (١). ولو صح الحديث لما كان لأحد بعده ﷺ قول، ولكنه لا يصح. ٢ - واستدلوا بآثار منها: أ- ما رواه الدَّارِمِيّ عن الحسن قال: «أدنى الحيض ثلاث» (٢). ب- وروى الدَّارِمِيّ أيضًا وغيره عن سفيان قال: بلغني عن أنس أنه قال: «أدنى الحيض ثلاثة أيام» (٣). ج- وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن معاذ مرفوعًا: «لا حيض أقل من ثلاث ولا فوق عشر» (٤).

стр. 157

وكل هذه الآثار ضعفها الحافظ ابن عبد الهادي (١) (٢)، وابن الجَوْزِيّ (٣)، والذَّهَبِيّ (٤) (٥)، بل والزَّيْلَعِيّ (٦) أيضًا. وذكر صاحب «بَدَائع الصَّنَائع» أن القول بثلاثة مروي عن ابن مسعود وعمران ابن حصين (٧).

стр. 158

ولو صح شيء من هذه الآثار، فلا دليل فيها لأنها مما يقال فيه بالاستقراء والتتبع، وكذا هو الحال في أكثر هذه التقديرات خلافًا لما ذكره صاحب «البدائع» ﵀. ٣ - واحتجوا بأن رسول الله ﷺ قال لفاطمة بنت حُبَيش وأم حبيبة: «دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (١)، وقالوا: إن أدنى ما يقع عليه اسم أيام ثلاثة. ولا حجة لهم في هذا الخبر لأنه واقعة عين وقد أمر رسول الله ﷺ بذلك من كانت لها أيام معهودة ثم استُحيضت، وقد جاءت روايات كثيرة للحديث بغير هذا اللفظ، ومنها قوله لأم حبيبة ﵂: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (٢). وليس في هذا اللفظ، والذي تكرر في عدة أحاديث (٣) ذكر الأيام. وقد ثبت عنه ﷺ : «إذا أقبَلَت الحَيضَة فدَعِي الصَّلاة فإذا ذَهَبَ قَدرُها - أو فإذا أدبَرَت (٤) - فاغسِلِي عَنك الدَّم وصَلِّي» (٥) وهذا في أي حيض بأي مقدار. وكذلك فإن الخلاف في أقل الجمع معروف، والحنفية ﵏ يجعلونه اثنين كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، قالوا: الاثنان إخوة. والحاصل: أن خطابه لامرأة معينة ذات أيام معهودة لا ينسحب على كل النساء. وكذلك، فإن استعمال لفظ الأيام قد يكون خرج مخرج الغالب لأن الغالب من عادة النساء أنهن يحضن عدة أيام، لا أن المرأة لا يمكن أن تحيض دون ذلك.

стр. 159

* أما من قال بأن أقل الحيض يوم وليلة فاحتجوا: ١ - ببعض الآثار، كالذي رواه الدَّارِمِيّ عن عَطَاء (١) قال: «أدنى الحيض يوم» (٢) ولا حجة في قول أحد غير المعصوم ﷺ ، فإن كلام غيره يستدل له لا به، وقد يكون إخبار عَطَاء ﵀ عن ذلك من جهة الوقوع. ٢ - وقالوا: إنه أدنى ما قيل فيكون إجماعًا، وليس كذلك، فإن مالكًا يقول بالدَّفعة في العبادة، وهي رواية عن أحمد. ٣ - وقالوا: إنه لم يقع دونه، وليس كذلك، فقد روي عن الأوزاعِيّ (٣) قال: «عندنا امرأةٌ تحيض غُدْوةً وتطهر عَشِيَّة» (٤).

стр. 160

* أما من قال بالدفعة كمالك - في العبادة دون العدة - وأحمد، في الرواية غير المشهورة، وابن حَزْم وابن تَيمِيَّة، فمستندهم: ١ - عدم وجود الدليل على التحديد. ٢ - وأن الدَّفعة يصدق عليها كونها حيضًا. ٣ - والجميع يوجب عليها إذا رأت الدم ساعة من النهار ألا تصلي ولا تصوم، وهي ترى الدم. ٤ - وقد أمر رسول الله ﷺ من رأت دم الحيض الأسود أن تمسك عن الصلاة ولم يحُدَّ لها وقتًا، فلا يسوغ التحديد بغير نص ولا إجماع ولا استنباط صحيح. • رأي الطب وأثره على الترجيح: إن القول بالدفعة هو الذي اتفق عليه الأطباء المؤتمرون بالندوة الثالثة للفقه الطبي التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية (١). وجاء في التوصية الخامسة عشرة لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، المنعقدة في دولة الكويت عام ١٩٨٧ م ما يأتي: «اتفق الأطباء مع أحد الآراء الفقهية، وهو الرأي القائل إن أقل الحيض نقطة، أما تحديد أكثره فيرجع فيه إلى عادة كل امرأة» (٢).

стр. 161

ولعل التعبير بالدفعة أوفق من التعبير بالنقطة لما تقدم من شرح لماهية الحيض. إن الصواب هو ترك تحديد أقل الحيض، لعدم وجود الدليل على التحديد، والأصل أن أي دم خارج من الرحم في زمان الحيض (الحكمي) يعتبر حيضًا، وضرب مقدار لأقله من غير دليل من الوحي تحكم. * * *

стр. 162

المطلب السادس: أكثر الحيض الخلاف في هذه المسألة أكثر من غيرها وما يترتب عليه من المسائل والعمل يكاد لا ينحصر. * ولقد اختار الإمام ابن تَيمِيَّة ﵀ أن أكثر الحيض لا يتقدر (١)، بينما ذهب الجمهور الأعظم إلى أنه يتقدر. ثم إن الجمهور اختلفوا في تقديره: * فذهب الحنفية (٢) إلى كونه عشرة أيام. * وذهب سعيد ابن جبير (٣) إلى كونه ثلاثة عشر يومًا (٤). * وقال الشافعية (٥) والمالكية (٦) - في غير الحامل- والحنابلة (٧) في المشهورة: إنه خمسة عشر يومًا.

стр. 163

* وذهب الحنابلة (١) في رواية إلى أنه سبعة عشر يومًا، واختار هذا القول ابن حَزْم ﵀ (٢). عرض الأقوال: قول السادة الحنفية: قال الكَاسَانِيّ ﵀: «وأما أكثر الحيض فعشرة أيام بلا خلاف بين أصحابنا» (٣). قول السادة المالكية: قال ابن عَرَفَة ﵀: «الحيضُ دمٌ يلقيه رحمُ معتادٍ حملُها دون ولادةٍ خمسةَ عشر يومًا في غير حمل وفي حملِ ثلاثةِ أشهرٍ خمسةَ عشرَ يومًا ونحوَها وبعد ستةٍ عشرينَ ونحوَها فأقل في الجميع» (٤). قول السادة الشافعية: جاء في «حاشيتا قَلْيُوبِيّ وعَمِيرَة»: «باب الحيض ... (وأكثره خمسة عشر) يومًا (بلياليها) وإن لم يتصل» (٥). قول السادة الحنابلة:

стр. 164

قال ابن مُفْلِح ﵀: «وأكثره أي الحيض خمسةَ عشرَ يومًا، وعنه [أحمد] سبعة عشر» (١). قول السادة الظاهرية: قال ابن حَزْم ﵀: «فإن تمادى الأسود فهو حيض إلى تمام سبعة عشر يومًا، فإن زاد ما قل أو كثر فليس حيضًا» (٢). اختيار الإمام ابن تَيمِيَّة ﵀: «ولا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض، وإن نقص عن يوم أو زاد على الخمسة أو السبعة عشر» (٣). • المناقشة والترجيح: * أما مستند من قال بعدم التقدير فهو عمومات النصوص التي تأمر بالإمساك عن الصلاة والصيام إذا أقبلت الحيضة والاغتسال إذا أدبرت، وليس في شيء من نصوص الوحي التحديد، وإنما اختلفوا في التحديد على هذه الأقوال الكثيرة لعدم وجود الدليل الذي يرجعون إليه، اللهم إلا استقراء أحوال النساء، وهذا استقراء لا يتيسر مثله في أزمنتهم، وأحسن ما يقال فيه أنه استقراء ناقص. ولكن الإشكال هنا هو الحاجة إلى التحديد لرفع المعاناة عن النساء اللاتي لا يتوقف حيضهن إلا أيامًا قليلة في كل شهر أو عدة أشهر، أو يختلط الأمر عليها فترى الحيض

стр. 165

ليومين ثم الطهر ليوم أو بعض يوم ثم حيضًا لستة أيام ثم طهرًا لخمسة ثم حيضًا لعشرين يومًا ثم طهرًا ليومين وهكذا، وهو واقع، ويزداد مع استعمال وسائل منع الحمل المختلفة، وإن كان يقع أيضًا للنساء من غير استعمال هذه الوسائل لاضطرابات في الهرمونات قد يعانين منها. إن عدم القول بتحديد أكثر الحيض من شأنه أن يوقع كثيرًا من النساء في العنت، فتبقى الأسابيع الطوال لا يأتيها زوجها، ويجتمع عليها صيام أكثر أيام رمضان فتصومها على مدار العام، فكلما طَهُرَت صامت. * أما مستند من قال بالعشرة: ١ - فحديث أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: «أقلُّ ما يكون الحيضُ للجاريةِ البكرِ والثيبِ ثلاثٌ وأكثرُ ما يكون عشرةُ أيام، وإذا رَأَت الدَّمَ أكثرَ من عشرة أيامٍ فهي مُستَحاضة» (١). والحديث -كما سبق في بحث أقل الحيض- لا يصح، ولا تقوم به حجة. ٢ - واستدلوا بآثار عن بعض الصحابة، منها عن معاذ ﵁ ورُفِع -: «لا حَيضَ أقلُ من ثلاثٍ ولا فوقَ عشرٍ» (٢)، وهي آثار ضعفها أهل الحديث (٣). وإن صح شيء من هذه الآثار التي اضطربت في أقل الحيض وأكثره فلا دليل في كلام أحد غير المعصوم، وهذه الأمور كلها مما يدخل في باب الاجتهاد، والمتتبع لآراء الفقهاء

стр. 166

يرى من غير شك اعتمادهم على الوقوع، وكانوا يسألون الأهل، وينقلون عن الجيران والمستفتيات ... إلخ. * أما مستند من قال بالثلاثة عشر يومًا، وهو سعيد بن جبير، فلم يُذْكَر عنه، ولعله الوقوع. * ومستند من قال بالخمسة عشر يومًا: ١ - حديث: «تَمكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمرِها لا تَصُومُ ولا تُصَلِّي». وهو لا يصح بهذا اللفظ، وليس في كتب الحديث به، وحكم عليه النَّوَوِيّ ﵀ بالبطلان (١). ولو صح، لما لزم أن يكون الشطر النصف؛ ألا ترى أنها بعد الإياس تصلي وتصوم سائر الأيام، فلا يصح أنها لا تفعل ذلك نصف عمرها على أي حال. ٢ - قالوا لو كان الحيض أكثر من ذلك لكان أكثر من الطهر. والجواب أنه لو كان خمسة عشر يومًا كل شهر، لكان أكثر من الطهر في كل العام وفي بعض الأشهر، فإن بعض الأشهر تسعة وعشرون. وليس في الوحي ما يمنع أن يكون الحيض أكثر من الطهر. ٣ - واستدلوا بأنه أكثر ما يقع. وليس كذلك، بل روي السبعةَ عشرَ يومًا عن أحمد وابن مهدي (٢).

стр. 167

* ومستند من قال بالسبعةَ عشرةَ يومًا: الوقوع كما روي عن أحمد وعبد الرحمن بن مهدي وعن نساء آل الماجِشُون، وذكر ذلك كله ابن حَزْم ﵀ (١). وقالوا: لم يذكر فوقه فيكون إجماعًا (١). والجواب أن هذا حكاية واقع، وقد حكى الإمام أحمد ﵀ السبعة عشر ونقله ابن حَزْم عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي، ولم نعرف من قال بذلك قبلهما، فلو حصل بعدهما أن امرأة حاضت من كل شهر ثمانية عشر يومًا، فهل تكذب نفسها، ومن أين للمحدد بالسبعة عشر أن يقول لها إن دمها الأسود الذي يَعْرِف والمصاحَب بأعراض الحيض ليس حيضًا. إن القول بالأكثر والأقل إجماع صحيح، ولكنْ في غير حكاية الواقع التي تغيرت على مر الأيام، فلا ندري عند أي مرحلة ينعقد الإجماع ولا تصح من بعد مخالفته. ومثل هذا الإجماع الاستقرائي لا يصلح كدليل قطعي بل هو حجة ظنية غيرها قد يكون أقوى منها (٢). كذلك، إن هذا لو كان حجة، فهو كذلك على القائل بالأكثر من السبعة عشر يومًا دون القائل بالأقل.

стр. 168

• رأي الطب وأثره على الترجيح: أما الطب، فإنه لا يجعل للحيض حدًا، وإن كان الأطباء يقررون أن الحيض يعني حالة تمر بها المرأة، لها وقتها المحدد (١). وجاء في التوصية الخامسة عشرة لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، المنعقدة في دولة الكويت عام ١٩٨٧ م ما يأتي: «اتفق الأطباء مع أحد الآراء الفقهية، وهو الرأي القائل: إن أقل الحيض نقطة، أما تحديد أكثره فيرجع فيه إلى عادة كل امرأة» (٢). ولكن الجزء الأول من الدورة الشهرية الذي يسبق التبويض قد يختلف اختلافًا واسعًا، وقد تبقى البطانة الداخلية للرحم تتساقط الأيام الطويلة التي تزيد على الشهر، وقد يتخلل ذلك أيام طهر أو لا. نعم تكون هذه الحالة مرضية عند المرأة. إذًا فالحيض (بمعنى خروج الدم الأسود الذي يعرف والناشئ عن تساقط بطانة الرحم) قد يستمر، وقد بينت ذلك النصوص، حيث إنها لم ترد كل امرأة إلى التمييز، ولو كانت كل استحاضة إنما هي دم عرق أحمر، لما كان ثمة إشكال، ولرَدَّت النصوص كل النساء إلى التمييز، سواءٌ ميزت المرأة بنفسها أو ساعدتها في ذلك الخبيرة من نساء أهلها.

стр. 169

أما قول الرسول ﷺ : «إنما ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فإذا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاةَ، فإذا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» (١). فليس دليلا على أن لتساقط بطانة جدار الرحم حدًا ينتهي إليه، فهذه واقعة عين، وقد يكون ظهر له ﷺ أن فاطمة بنت أبي حُبَيْش إنما أصابتها علة وأن دمها ليس حيضًا. ولم يحد لنا ﷺ شيئًا، ولو فعل لنُقِل. • الترجيح: إن حل هذه المشكلة -في تقديري- يكمن في التفريق بين ثلاثة أنواع من الحيض: ١ - الحيض العادي الطبيعي، وأكثره ستة أو سبعة الأيام كما هو في الشرع والطب كذلك. ٢ - الحيض المرضي. والأطباء متفقون على أنه إذا جاوز الحيض عشرة أيام فإنه مرضي يحتاج إلى تشخيص وعلاج (٢)؛ وإن كان أغلبهم يرون أنه لا يكون طبيعيًا إذا استمر فوق سبعة الأيام. ٣ - الحيض الحكمي. وهو الذي تترتب عليه الأحكام. والاستحاضة تشمَلُ الحيض المرضي، وهو ما جاوز من الحيض أكثره، ومنها ما يكون بسبب عرق أو غير ذلك من أسباب النزيف التي لا صلة لها بالحيض الطبيعي.

стр. 170

• إنه لو وجد قائل بأن أكثر الحيض سبعة أيام لكان قولا قويًا مدعومًا بأن النبي ﷺ لم يأمر امرأةً بأن تعتبر نفسها حائضًا فوق ذلك، ولكن ليس هناك من حَدَّ أكثر الحيض بدون عشرة الأيام فيكون إجماعًا. والحيض قد يستمر أكثر من سبعة أيام بلا منازع، وكذلك فإن الرسول ﷺ قد أشعر بقوله: «كما تَحِيضُ النِّسَاء ويَطْهُرن لمِيقَات حَيْضِهِن وطُهْرِهِن» أن هذا أغلب حال النساء فيحتاط بزيادة ثلاثة أيام على الحد الأعلى لأغلب عادة النساء، فيتوجه قول الحنفية بجعل أكثر الحيض (الحكمي) عشرة أيام، وهو الأقرب للمعارف الطبية والأسعد حظًا بالآثار على ضعفها والأرفق بالنساء وأزواجهن. * * *

стр. 171

المطلب السابع: أقل الطهر * ذهب ابن حَزْم (١) إلى عدم تقدير أقل الطهر، ووافقه على ذلك ابن تَيمِيَّة (٢)، وهذا القول رواية عن أحمد (٣). وذهب الجمهور إلى التقدير، ثم اختلفوا في القدر: * فذهب المالكية في قول إلى أنه خمسة، وفي آخر ثمانية أو عشرة (٤)، وقولهم الذي عده ابن شاس المشهور (٥) في المذهب إنه خمسة عشر. * وهذا الأخير هو قول الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والثَّورِيّ، ورواية عن أحمد (٨). * وقال الحنابلة في المشهور: إنه ثلاثة عشر يومًا (٩). * وقال عَطَاء: تسعة عشر (١٠). وبه قال يحيى بن أكْثَم (١١) (١٢).

стр. 172

عرض الأقوال: قول السادة الحنفية: قال السَّرَخْسِي ﵀: «أما أقل مدة الطهر خمسة عشر يومًا عندنا والشافعي -رحمه الله تعالى-، وقال عَطَاء: تسعة عشر يومًا» (١). قول السادة المالكية: قال المَوَّاق ﵀: «كأقل الطهر من «المُدَوَّنَة»: إذا رأت بعد طهرها بثلاثة أيام أو نحوها دمًا قال: إن كان الدم الثاني قريبًا من الأول أضيف إليه وكان كله حيضة واحدة، وإن تباعد ما بينهما فالثاني حيض مؤتنف، ولم يوقت كم ذلك إلا قدر ما يعلم أنها حيضة مستقلة ويعلم أن بينهما من الأيام ما يكون طهرًا، قال في كتاب «الاستبراء»: ويسأل النساء عن عدد أيام الطهر، وفي «الرسالة»: حتى يبعد ما بين الدمين مثل ثمانية أيام أو عشرة فيكون حيضًا مؤتنفًا، قال سيدي ابن سراج (٢) ﵀: بهذا ينبغي أن تكون

стр. 173

الفتوى، وقد استقرأه الشيخ أبو محمد (١) من «المُدَوَّنَة» وهو قول سَحْنُون (٢)، وقال في «شرح الرسالة»: فعلى هذا فقد تنقضي العدة في تسعة عشر يومًا، انظر هذا فإنه أيضًا إنما يأتي على أن الدفعة حيضة وهذا هو مقتضى الفقه عند ابن رُشْد حسبما يأتي في الاستبراء عند قوله: «ورجع في قدر الحيض»، وقال ابن مسلمة: «أقل الطهر خمسة عشر يومًا»، واعتمده في «التلقين» وجعله ابن شاس (٣) المشهور» (٤).

стр. 174

قول السادة الشافعية: في حَاشِيَة البُجَيرَمِيّ (١) ﵀: «وأقل زمن الطهر الفاصل بين الحيضتين خمسة عشر يومًا لأن الشهر غالبًا لا يخلو عن حيض وطهر، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر يومًا لزم أن يكون أقل الطهر كذلك. وخرج بقوله بين الحيضتين الطهر بين الحيض والنفاس، فإنه يجوز أن يكون أقل من ذلك، سواء تقدم الحيض على النفاس إذا قلنا إن الحامل تحيض وهو الأصح أم تأخر عنه وكان طروءه بعد بلوغ النفاس أكثره كما في المَجْمُوع. أما إذا طرأ قبل بلوغ النفاس أكثره فلا يكون حيضًا إلا إذا فصل بينهما خمسة عشر يومًا» (٢). وقول الشِرْبِينِيّ (٣) (الشارح) ﵀ «لأن الشهر غالبًا لا يخلو عن حيض وطهر» ليس فيه دليل، فإن المرأة قد تحيض مرتين في الشهر ومرة في الشهرين اتفاقًا، وليس هذا بالنادر الذي لا عبرة به.

стр. 175

قول السادة الحنابلة: قال ابن قُدامة ﵀: «وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا؛ لأن كلام أحمد لا يختلف أن العدة تصح أن تنقضي في شهر واحد إذا قامت به البينة. وقال إسحاق: توقيت هؤلاء بالخمسة عشر باطل. وقال أبو بكر: أقل الطهر مبني على أكثر الحيض، فإن قلنا أكثره خمسة عشر يومًا، فأقل الطهر خمسة عشر، وإن قلنا أكثره سبعة عشر، فأقل الطهر ثلاثة عشر. وهذا كأنه بناه على أن شهر المرأة لا يزيد على ثلاثين يومًا يجتمع لها فيه حيض وطهر، وأما إذا كان شهرها على غير ذلك تصور أن يكون حيضها سبعة عشر، وطهرها خمسة عشر وأكثر. وقال مالك، والثَّورِيّ، والشافعي، وأبو حنيفة: أقل الطهر خمسة عشر. وذكر أبو ثور (١) أن ذلك لا يختلفون فيه، ولنا ما روي عن علي ﵁، أن امرأة جاءته، وقد طلقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، طَهُرَت عند كل قرء وصلت. فقال علي لشريح: قل فيها. فقال شُرَيْح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: قالون، وهذا بالرومية، ومعناه: جيد، وهذا لا يقوله إلا توقيفًا؛ ولأنه قول صحابي، انتشر، ولم نعلم خلافه، رواه الإمام أحمد بإسناده، ولا يجيء إلا على قولنا أقله ثلاثة عشر، وأقل الحيض يوم وليلة» (٢).

стр. 176

قول السادة الظاهرية: قال ابن حَزْم ﵀: «ولا حد لأقل الطهر ولا لأكثره، فقد يتصل الطهر باقي عمر المرأة فلا تحيض بلا خلاف من أحد من المشاهدة لذلك» (١). • المناقشة والترجيح: * مستند من قال بعدم التقدير عدم وجود دليل على التقدير، وهو مستند قوي، فالحق أنه لا دليل على التقدير، ويبقى الاستقراء الذي كان متعسرًا في أزمنة السلف-﵏. * أما من قال بالثلاثة عشر يومًا، فاستدلوا بما رواه البَيْهَقِيّ وغيره عن شُرَيْح (٢) أن رجلا طلق امرأته فذكرت أنها قد حاضت في شهر ثلاث حيض، فقال علي لشريح: قل فيهما، فقال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها يشهدون صُدِّقَت، فقال له قالون: أي أصبت بالرومية (٣). وفي الأثر ما يدل على أن أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا لمن ذهب إلى كون أقل الحيض يوم وليلة، فمن قال إن أقل الحيض دفعة فقد يكون ما وقع للمرأة ثلاث حيض كل واحدة دفعة فصل بينهم طهران كل واحد خمسة عشر يومًا.

стр. 177

وليس ما وقع للمرأة إلا واقعة عين لا يمكن أن تعمم على كل النساء، ومعنى إقرار علي لشريح هو أن الطهر قد يكون خمسة عشر يومًا أو ثلاثة عشر، لا أنه لا يكون أبدًا أقل من ذلك. ولذلك فإن ابن حَزْم يذهب إلى أن قول علي هو أنه لا حد لأقل الطهر، ويروي عنه أنه سئل أيكون الطهر خمسة أيام، فقال: النساء أعلم بذلك (١). ونُقِل عن ابن عباس أنه قال: من رأت الطهر ساعة فلتغتسل، وهو مشهور عنه (٢). * ومستند من ذهب إلى أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا آثار لم يصح منها شيء، بعضهم رفعها إلى النبي ﷺ . ولا يصح منها لا مرفوع ولا موقوف، حتى الأثر عن إبراهيم النَّخْعِيّ ﵀ (٣) الذي رواه الدَّارِمِيّ ضعفه أهل الحديث كالزَّيْلَعِيّ (٤). وقالوا: إن الشهر في الغالب ينقسم بين الحيض والطهر، فإذا كان أكثرُ الحيض خمسَة عشر يومًا، فتوجه أن يكون أقل الطهر خمسة عشر، ولا يخفى ضعف الاستدلال، فإنه لا يلزم أن تقسم الدورة الحيضية بهذه الطريقة، فإن المرأة قد تحيض مرتين في الشهر ومرة في الشهرين اتفاقًا، وليس الكلام هنا عن الأغلب، بل الأقل والأكثر.

стр. 178

* ومستند عَطَاء ﵀ ومن قال بالتسعة عشر: إن الشهر تسعة وعشرون يومًا، وأكثر الحيض عشرة أيام، فيبقى تسعة عشرة يومًا، والتعليل ضعيف كسابقه. يظهر لنا مما سبق عدم وجود الدليل على التحديد فهل يمكننا معرفة ذلك بالاستقراء. أولًا، هل من حاجة إلى تحديد أقل الطهر؟ الصحيح وجود الحاجة إلى ذلك، سيما في العدد والاستبراء، وقد صرح ابن حَزْم أن المرأة قد تنقضي عدتها في ساعة وهو لازم قوله بعدم تحديد أقل الطهر (١). ولكن لا يخفى أن هذا القول يفتح باب شر، وهو زواج المرأة وهي لا تزال حاملا من نكاحها الأول، وذلك لأنها مع حملها، تتساقط منها بعض دفعات من الدم، وهو معروف، فتعد كل دفعة حيضًا دون أن تدري بحملها. فإن قيل، فإن ذلك أيضًا مُتصوَّرٌ على قول من قال أقل الطهر خمسة عشر أو ثلاثة عشر يومًا، لكان الجواب، نعم ولكن احتمال ذلك هنا أقل بكثير من الأول. • رأي الطب وأثره على الترجيح: أما من جهة الطب، فإن مدة الدورة الحيضية للمرأة لا يمكن أن تكون ساعة بل إنها إن قلت - كما ذكرنا - عن واحد وعشرين يومًا تعتبر حالة مرضية، وهي تنقسم إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل التبويض، وهي من بداية الحيض إلى التبويض، وهي في الأغلب أربعة عشر يومًا، ومرحلة ما بعد التبويض إلى حصول الحيض وهي أربعة عشر يومًا كذلك، إلا أن المرحلة الأولى غير ثابتة، فقد تقل وتكثر، والثانية ثابتة إلى حد كبير، وربما زادت يومًا أو نقصت يومًا في المعتاد، ولكن في بعض الحالات قد تقل دون ذلك

стр. 179

أو تزيد فوق ذلك. إن الطب لم يحسِم هذه المسألة، وهي بحاجة إلى المزيد من الدراسة، وقد ذكر الحاجة إلى المزيد من البحث الدكتور عمر سليمان الأشْقَر (١) حيث لم ينته الأطباء في ندوة الفقه الطبي الثالثة بالكويت (١٤٠٧ هـ) إلى قول فصل في هذه المسألة. إن الذي يظهر بالاستقراء أن قول الجمهور بالخمسة عشر يومًا والحنابلة بالثلاثة عشر هو الأقرب إلى الصواب، ويعسر الفصل بين هذين القولين وتحديد الأرجح منهما من جهة النقل. فإنه يمكن توجيه أثر شُرَيْح على أي من القولين مع الخلاف المعروف في أقل الحيض هل هو دفعة أو يوم وليلة. ولكن القول بالدفعة يترجح عندي، فيتوجه عندي تفسير قضاء شُرَيْح بكون أقل الطهر خمسة عشر والحيض دفعة. • أما من جهة الطب، فعسر هذا التحديد يكمن - بالإضافة إلى عوامل أخرى - في أنه في بعض الحالات قد يستمر تساقط جدار الرحم بلا انقطاع وهذا حيض من جهة الطب ولا يكون كذلك من جهة الفقه، فينبغي من حد لأقل الطهر هنا مع كون الطب لا يرى فرقًا بين هذا الدم النازل في حال الطهر (الحكمي) ودم الحيض. ولكن قول الجمهور هو الأقرب كما بينا في المقدمة الطبية. * * *

стр. 180

المطلب الثامن: أكثر الطهر يتفق الفقهاء على أنه لا حد لأكثر الطهر وهو إجماع حكاه أكثر من واحد، وهو موافق للطب، فإن المرأة قد ينقطع حيضها وإن لم تبلغ سن الإياس فيما يسمى بانقطاع الطمث أو الضهي (١) أو تتباعد حيضاتها فيما يسمى بتباعد الطمث (٢). وفي الأحوال العادية لا تتباعد الحيضات أكثر من مائة يوم ويكون ذلك قريبًا من سن الإياس. أما غير القريبة من سن الإياس فالطبيعي أن الحيضات لا تتباعد أكثر من خمسة وثلاثين إلى خمسة وأربعين يومًا (٣). والخلاصة: أنه لا حد لأكثر الطهر، وقد يكون ذلك مَرَضيًا أو غير ذلك، وربما انتفع بالأطباء في العلاج من الحالات المرضية وتحديد سبب انقطاع الحيض. إن هذه المسألة لا تعد من المشكلات إلا في مباحث العدة، فإن المرأة في حالات انقطاع أو تباعد الطمث في غير سن الإياس قد تطول عدتها جدًّا، وتفصيل ذلك تجده -إن شاء الله- في مباحث العدة فلتراجع. * * *
следующие страницы →