← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قول السادة الظاهرية: قال ابن حَزْم ﵀: «ولا حد لأقل الطهر ولا لأكثره، فقد يتصل الطهر باقي عمر المرأة فلا تحيض بلا خلاف من أحد من المشاهدة لذلك» (١). • المناقشة والترجيح: * مستند من قال بعدم التقدير عدم وجود دليل على التقدير، وهو مستند قوي، فالحق أنه لا دليل على التقدير، ويبقى الاستقراء الذي كان متعسرًا في أزمنة السلف-﵏. * أما من قال بالثلاثة عشر يومًا، فاستدلوا بما رواه البَيْهَقِيّ وغيره عن شُرَيْح (٢) أن رجلا طلق امرأته فذكرت أنها قد حاضت في شهر ثلاث حيض، فقال علي لشريح: قل فيهما، فقال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها يشهدون صُدِّقَت، فقال له قالون: أي أصبت بالرومية (٣). وفي الأثر ما يدل على أن أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا لمن ذهب إلى كون أقل الحيض يوم وليلة، فمن قال إن أقل الحيض دفعة فقد يكون ما وقع للمرأة ثلاث حيض كل واحدة دفعة فصل بينهم طهران كل واحد خمسة عشر يومًا.

стр. 177

وليس ما وقع للمرأة إلا واقعة عين لا يمكن أن تعمم على كل النساء، ومعنى إقرار علي لشريح هو أن الطهر قد يكون خمسة عشر يومًا أو ثلاثة عشر، لا أنه لا يكون أبدًا أقل من ذلك. ولذلك فإن ابن حَزْم يذهب إلى أن قول علي هو أنه لا حد لأقل الطهر، ويروي عنه أنه سئل أيكون الطهر خمسة أيام، فقال: النساء أعلم بذلك (١). ونُقِل عن ابن عباس أنه قال: من رأت الطهر ساعة فلتغتسل، وهو مشهور عنه (٢). * ومستند من ذهب إلى أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا آثار لم يصح منها شيء، بعضهم رفعها إلى النبي ﷺ . ولا يصح منها لا مرفوع ولا موقوف، حتى الأثر عن إبراهيم النَّخْعِيّ ﵀ (٣) الذي رواه الدَّارِمِيّ ضعفه أهل الحديث كالزَّيْلَعِيّ (٤). وقالوا: إن الشهر في الغالب ينقسم بين الحيض والطهر، فإذا كان أكثرُ الحيض خمسَة عشر يومًا، فتوجه أن يكون أقل الطهر خمسة عشر، ولا يخفى ضعف الاستدلال، فإنه لا يلزم أن تقسم الدورة الحيضية بهذه الطريقة، فإن المرأة قد تحيض مرتين في الشهر ومرة في الشهرين اتفاقًا، وليس الكلام هنا عن الأغلب، بل الأقل والأكثر.

стр. 178

* ومستند عَطَاء ﵀ ومن قال بالتسعة عشر: إن الشهر تسعة وعشرون يومًا، وأكثر الحيض عشرة أيام، فيبقى تسعة عشرة يومًا، والتعليل ضعيف كسابقه. يظهر لنا مما سبق عدم وجود الدليل على التحديد فهل يمكننا معرفة ذلك بالاستقراء. أولًا، هل من حاجة إلى تحديد أقل الطهر؟ الصحيح وجود الحاجة إلى ذلك، سيما في العدد والاستبراء، وقد صرح ابن حَزْم أن المرأة قد تنقضي عدتها في ساعة وهو لازم قوله بعدم تحديد أقل الطهر (١). ولكن لا يخفى أن هذا القول يفتح باب شر، وهو زواج المرأة وهي لا تزال حاملا من نكاحها الأول، وذلك لأنها مع حملها، تتساقط منها بعض دفعات من الدم، وهو معروف، فتعد كل دفعة حيضًا دون أن تدري بحملها. فإن قيل، فإن ذلك أيضًا مُتصوَّرٌ على قول من قال أقل الطهر خمسة عشر أو ثلاثة عشر يومًا، لكان الجواب، نعم ولكن احتمال ذلك هنا أقل بكثير من الأول. • رأي الطب وأثره على الترجيح: أما من جهة الطب، فإن مدة الدورة الحيضية للمرأة لا يمكن أن تكون ساعة بل إنها إن قلت - كما ذكرنا - عن واحد وعشرين يومًا تعتبر حالة مرضية، وهي تنقسم إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل التبويض، وهي من بداية الحيض إلى التبويض، وهي في الأغلب أربعة عشر يومًا، ومرحلة ما بعد التبويض إلى حصول الحيض وهي أربعة عشر يومًا كذلك، إلا أن المرحلة الأولى غير ثابتة، فقد تقل وتكثر، والثانية ثابتة إلى حد كبير، وربما زادت يومًا أو نقصت يومًا في المعتاد، ولكن في بعض الحالات قد تقل دون ذلك

стр. 179

أو تزيد فوق ذلك. إن الطب لم يحسِم هذه المسألة، وهي بحاجة إلى المزيد من الدراسة، وقد ذكر الحاجة إلى المزيد من البحث الدكتور عمر سليمان الأشْقَر (١) حيث لم ينته الأطباء في ندوة الفقه الطبي الثالثة بالكويت (١٤٠٧ هـ) إلى قول فصل في هذه المسألة. إن الذي يظهر بالاستقراء أن قول الجمهور بالخمسة عشر يومًا والحنابلة بالثلاثة عشر هو الأقرب إلى الصواب، ويعسر الفصل بين هذين القولين وتحديد الأرجح منهما من جهة النقل. فإنه يمكن توجيه أثر شُرَيْح على أي من القولين مع الخلاف المعروف في أقل الحيض هل هو دفعة أو يوم وليلة. ولكن القول بالدفعة يترجح عندي، فيتوجه عندي تفسير قضاء شُرَيْح بكون أقل الطهر خمسة عشر والحيض دفعة. • أما من جهة الطب، فعسر هذا التحديد يكمن - بالإضافة إلى عوامل أخرى - في أنه في بعض الحالات قد يستمر تساقط جدار الرحم بلا انقطاع وهذا حيض من جهة الطب ولا يكون كذلك من جهة الفقه، فينبغي من حد لأقل الطهر هنا مع كون الطب لا يرى فرقًا بين هذا الدم النازل في حال الطهر (الحكمي) ودم الحيض. ولكن قول الجمهور هو الأقرب كما بينا في المقدمة الطبية. * * *

стр. 180

المطلب الثامن: أكثر الطهر يتفق الفقهاء على أنه لا حد لأكثر الطهر وهو إجماع حكاه أكثر من واحد، وهو موافق للطب، فإن المرأة قد ينقطع حيضها وإن لم تبلغ سن الإياس فيما يسمى بانقطاع الطمث أو الضهي (١) أو تتباعد حيضاتها فيما يسمى بتباعد الطمث (٢). وفي الأحوال العادية لا تتباعد الحيضات أكثر من مائة يوم ويكون ذلك قريبًا من سن الإياس. أما غير القريبة من سن الإياس فالطبيعي أن الحيضات لا تتباعد أكثر من خمسة وثلاثين إلى خمسة وأربعين يومًا (٣). والخلاصة: أنه لا حد لأكثر الطهر، وقد يكون ذلك مَرَضيًا أو غير ذلك، وربما انتفع بالأطباء في العلاج من الحالات المرضية وتحديد سبب انقطاع الحيض. إن هذه المسألة لا تعد من المشكلات إلا في مباحث العدة، فإن المرأة في حالات انقطاع أو تباعد الطمث في غير سن الإياس قد تطول عدتها جدًّا، وتفصيل ذلك تجده -إن شاء الله- في مباحث العدة فلتراجع. * * *

стр. 181

المطلب التاسع: المُبْتَدَأة والمُتَحَيِّرَة يختلف الفقهاء في أحكام المُبْتَدَأة والمُتَحَيِّرَة. أما المُبْتَدَأة فإنهم يختلفون في: ١ - كم تمسك عن الصلاة إن كان نزول الدم جاوز أقل الحيض ولم يعبر أكثره، فالجمهور من الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) ورواية عند الحنابلة يرون أنها تمسك ما رأت الدم ولم يتجاوز أكثر الحيض وفي الرواية الأظهر عند الحنابلة (٤) يقولون إنها تجلس أقل الحيض ثم تصلي وتصوم حتى تصير لها عادة. وقول الجمهور أقوى لأن الدم النازل في سن الحيض وزمانه (الحكمي) الأصل فيه أنه حيض. ٢ - وعند استمرار الدم وعبوره أكثر مدة الحيض، ذهب الحنفية (٥) والمالكية (٦) في قول إلى أن حيضها أكثر فترة الحيض، وطهرها ما جاوزه. وذهب الشافعية (٧) والحنابلة (٨) إلى التفريق بين من تميز دماها ومن جرى عليها دم واحد، فالأولى

стр. 182

حيضها ما كان زمن الأسود أو الثخين ما لم ينقص عن أقل الحيض، ولم يجاوز أكثره. والثانية تجلس عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر، حتى يتكرر ثلاثًا، فإذا تكرر قعدت من كل شهر غالب الحيض ستًا أو سبعًا. وفي ثبوت العادة للمبتدأة يرى الجمهور من الحنفية (١) والمالكية (٢) والظاهر عند الشافعية (٣) أن العادة تثبت بمرة بينما تثبت عند الحنابلة بمرتين في وجه وثلاث في الأقوى (٤). وأما المُتَحَيِّرَة، فإن خلافهم فيها لا ينحصر، ولذلك سماها البعض المُحَيَّرة. وقد ألزمها البعض - في بعض حالاتها - بما يكاد ألا يطاق، من التكليف بكل أحكام الطاهرات، مع عدم إسقاط احتمال كونها حائضًا، فهي قد تصوم كل رمضان وتقضيه كله لاستواء احتمالي الحيض والطهر، ومنعوها من كل ما تمتنع منه الحائض بما في ذلك معاشرة الزوج ما رأت الدم وشكت في مكان وعدد عادتها. وليس تحرير الرأي الراجح في هذه المسائل مما سنُعنى به في بحثنا هذا لأن الخلاف في أكثرها لا يؤثر فيه تطور الطب، ولكنْ، قد تقدم أن الطب الحديث يستطيع أن يبين للمرأة إن كان دمها حيضًا بمعنى تساقط بطانة جدار الرحم أو دم علة، وإن هذا مما أنعم الله به على الناس وينبغي أن يستعان به لإنهاء الحيرة ورفع الخلاف في أحكام المُتَحَيِّرَة والمُبْتَدَأة ما امتهد إلى ذلك سبيل.

стр. 183

وليس هذا عجيبًا، فإن نساء الصحابة كن يبعثن إلى عائشة ﵂ بالدِّرَجَة (أو الدُّرْجَة) فيها الكُرْسُف فيه الصُّفْرَة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيضَاء (١). وفي فعلهن استعانة برأي الخبير، والعمل بالتمييز يعتبره كل الفقهاء وإن اختلفوا في قوته وترتيبه. والآن قول الطبيبة الثقة المعتمد على الفحوص لا ينزل عن مرتبة الظن الراجح المقارب لليقين ومن ثم ينبغي المصير إليه عند تيسره. * * *

стр. 184

المطلب العاشر: الصفرة والكُدْرَة الصُّفْرَة والكُدْرَة: سائلان يسيلان من فرج المرأة، وقد يكون ذلك في زمن الحيض أو في غير زمانه، وما كان في زمن الحيض فقد يكون في أوله أو آخره. ولقد اختلف أهل العلم في حكمهما على أربعة أقوال: * الأول: أنهما حيض مطلقًا، وهو قول المالكية (١)، والأصح عند الشافعية (٢)، والحنفية في الصُّفْرَة دون الكُدْرَة (٣). * الثاني: ليستا حيضًا مطلقًا. وهو قول الظاهرية (٤). * الثالث والرابع: هما حيض في زمان الحيض وليستا كذلك في غير زمانه، ثم اختلف أصحاب هذا القول فمنهم من قال إنه لابد أن يسبق بالدم: كأبي يوسف (في الكدرة) (٥)، وأبي ثور (٦). ومنهم من لم يشترط ذلك: كأبي حنيفة، ومحمد (في الكدرة) (٧)، والراجح عند الحنابلة (٨).

стр. 185

عرض الأقوال: قول السادة الحنفية: قال السَّرَخْسِيّ ﵀: «فَصْلٌ: ألوان ما تراه المرأة في أيام الحيض ستة: السواد، والحمرة، والصفرة، الكُدْرَة، والخضرة، والتُّرْبِيَّة؛ أما السواد فغير مشكل أنه حيض لقوله ﷺ : «دم الحيض أسود عبيط» محتدم والحمرة كذلك، فهو اللون الأصلي للدم إلا أن عند غلبة السوداء يضرب إلى السواد وعند غلبة الصفراء يرق فيضرب على الصُّفْرَة ويتبين ذلك لمن افتصد والصُّفْرَة كذلك حيض؛ لأنها من ألوان الدم إذا رق وقيل هو كصُفْرَة السن أو كصُفْرَة التبن أو كصُفْرَة القز، وأما الكُدْرَة فلون كلون الماء الكدر، وهو حيض في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى سواء رأت في أول أيامها أو في أخر أيامها، وقال أبو يوسف ﵀: إن رأت الكُدْرَة في أول أيامها لم يكن حيضًا، وإن رأت في آخر أيامها يكون حيضًا، قال: لأن الكُدْرَة من كل شيء تتبع صافيه فإذا تقدمه دم أمكن جعل الكُدْرَة حيضًا تبعًا فأما إذا لم يتقدمها دم لو جعلناه حيضًا كان مقصودًا لا تبعًا وهما يقولان: ما يكون حيضًا إذا رأته المرأة في آخر أيامها يكون حيضًا إذا رأته في أول أيامها كالسواد والحمرة» (١). قول السادة المالكية: قال سَحْنُون ﵀: «وقال مالك في المرأة ترى الصُّفْرَة أو الكُدْرَة في أيام حيضتها أو في غير أيام حيضتها فذلك حيض وإن لم تر ذلك دمًا» (٢). وفي «التَّاج والإكْلِيل»: «ومن «المُدَوَّنَة»: إذا رأت المرأة صُفْرَة أو كُدْرَة في أيام

стр. 186

حيضتها أو في غيره فهو حيض، وإن لم تر معه دمًا. الباجِيّ: أو لم يتقدمه دم» (١). قول السادة الشافعية: قال الشِرْبِينِيّ ﵀: «والصُّفْرَة والكُدْرَة كل منهما حيض في الأصح، وفي «الروضة» الصحيح؛ لأنه الأصل فيما تراه المرأة في زمن الإمكان. والثاني: لا، لأنه ليس على لون الدم، لقول أم عطية: كنا لا نعد الصُّفْرَة والكُدْرَة شيئًا. وأجاب الأول بأن هذا معارض بقول عائشة رضي الله تعالى عنها لما كانت النساء يبعثن إليها بالدِّرَجة فيها الكرسف فيه الصُّفْرَة من دم الحيض: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيضَاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة. رواه مالك. ومحل الخلاف إذا رأت ذلك في غير أيام العادة، فإن رأته في العادة، قال في «الروضة»: فحيض جزمًا، لكن في التتمة لابد من قوي معه، وقيل: يجب تقدم القوي، فيحسن حينئذ إطلاق الخلاف» (٢). قول السادة الحنابلة: قال ابن قُدامة ﵀: «فَصْلٌ: وحكم الصُّفْرَة والكُدْرَة حكم الدم العَبِيط في أنها في أيام الحيض حيض، وتجلس منها المُبْتَدَأة كما تجلس من غيرها، وإن رأتها فيما بعد العادة فهو كما لو رأت غيرها على ما سيأتي ذكره إن شاء الله. وإن طَهُرَت ثم رأت كُدْرَة أو صُفْرَة، لم يلتفت إليها؛ لخبر أم عطية وعائشة» (٣). وقال ابن مُفْلِح ﵀: «والصُّفْرَة زمن العادة حيض، عنه وبعدها وإن تكرر اختاره

стр. 187

جماعة، وشرط جماعة اتصالها بالعادة، وذكر شيخنا [ابن تَيمِيَّة] وجهين؛ أحدهما ليست حيضًا مطلقًا، وعكسه» (١). قول السادة الظاهرية: قال ابن حَزْم ﵀: «فصح بما ذكرنا أن الحيض إنما هو الدم الأسود وحده، وإن الحمرة والصُّفْرَة والكُدْرَة عرق وليس حيضًا، ولا يمنع شيء من ذلك الصلاة» (٢). • المناقشة والترجيح: * أما الفريق الأول القائل بأن الصُّفْرَة والكُدْرَة يكونان حيضًا مطلقًا فاستدلوا: ١ - بحديث عائشة ﵂: أن النساء كن يبعثن إليها بالدِّرَجَة فيها الكُرْسُف فيه الصُّفْرَة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: «لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيضَاء» (٣). ووجه الدِّلالة أن عائشة ﵂ كانت ترى الطهر هو خروج القطن أبيض لا أثر عليه من صُفْرَة أو غيرها، فيكون غير ذلك حيضًا. وعورض هذا الاستدلال بما روي عن عائشة ﵂ نفسها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ في المرأة ترى ما يَرِيبُها بعد الطهر، قال: «إنما هي عِرْقٌ أو عُرُوقٌ» (٤). ورواية عائشة عن رسول الله ﷺ أقوى من قولها، فإنه يحتمل أن يكون موقوفًا عليها،

стр. 188

ولكن الحديث يصلح لمعارضة من قال بأن الصُّفْرَة والكُدْرَة حيض مطلقًا دون من قال إنهما حيض في زمان الحيض دون غيره، لأن الحديث فيما تراه المرأة بعد الطهر، وهو ظهور القَصَّة (أو القُصَّة) البيضاء أو الجفوف. ٢ - واستدلوا بالقياس، فقالوا: لما كان السَّواد حيضًا وكانت الحمرة جزءًا من أجزاء السواد وجب أن تكون حيضًا، ولما كانت الصُّفْرَة جزءًا من أجزاء الحمرة وجب أن تكون حيضًا، ولما كانت الكُدْرَة جزءًا من أجزاء الصُّفْرَة وجب أن تكون حيضًا، ولما كان كل ذلك في بعض الأحوال حيضًا وجب أن يكون في كل الأحوال حيضًا (١). وقد أجاب عليهم ابن حَزْم ﵀ بقلب القياس فقال: «لما كانت القَصَّة البيضاء طهرًا وليس حيضًا بإجماع، ثم كانت الكُدْرَة بياضًا غير ناصع وجب أن لا تكون حيضًا، ثم لما كانت الصُّفْرَة كُدْرَة مشبعة وجب أن لا تكون حيضًا، ثم لما كانت الحمرة صُفْرَة مشبعة وجب أن لا تكون حيضًا، ولما كان ذلك في بعض الأحوال - وهو ما كان بعد أكثر أيام الحيض- ليس حيضًا وجب أن يكون في جميع الأحوال ليس حيضًا، فهذا أصح من قياسهم؛ لأننا لم نساعدهم قط على أن الحمرة والصُّفْرَة والكُدْرَة حيض في حال من الأحوال ولا في وقت من الأوقات، ولا جاء بذلك قط نص ولا إجماع ولا قياس غير معارض ولا قول صاحب لم يعارض وهم كلهم قد وافقونا على أن كل ذلك ليس حيضًا إذا رئي فيما زاد في أيام الحيض، فبطل قياسهم، وكان ما جئناهم به - لو صح القياس - لا يصح غيره» (٢). ٣ - واستدلوا بقول أسماء ﵂ مما رواه الدَّارِمِيّ وغيره عن محمد بن إسحاق عن فاطمة

стр. 189

قالت: «كنا نكون في حجرها [أي أسماء] فكانت إحدانا تحيض ثم تطهر فتغتسل وتصلي ثم تنْكُسُها الصُّفْرَة اليسيرة، فتأمرنا أن نعتزل الصلاة حتى لا نرى إلا البياض خالصًا» (١). وأجيب عليه بأنه فهم لأسماء ﵂ خولفت فيه من قِبَل عائشة وأم عطية. * أما أصحاب القول الثاني وهو أنهما ليستا حيضًا مطلقًا فاستدلوا بالأدلة الآتية: ١ - قوله ﷺ : «إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلاةِ وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» (٢). ووجه الدلالة: أن دم الحيض أسود فكل دم غيره ليس بحيض ومن باب أولى كل سائل ليس دمًا فليس بحيض. وأجيب عليه بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه. ٢ - قول أم عطية ﵂ وقد صحِبَت الرسول ﷺ : «كنا لا نعُدُّ الكُدْرَة والصُّفْرَة شيئًا» (٣)، وجاءت رواية عند أبي داود بزيادة: « ... بعد الطُّهر شيئًا» (٤)، وعند الدَّارِمِيّ: « ... بعد الغسل» (٥).

стр. 190

وبهذه الزيادات يصلح الحديث للرد على من عد الصُّفْرَة والكُدْرَة حيضًا مطلقًا، ولكنه يقف دون إثبات أنهما ليستا حيضًا مطلقًا، فقد يتمسك أصحاب القولين الثالث والرابع بأن الحديث يمكن جمعه مع حديث عائشة بأن يقال بأن الصُّفْرَة والكُدْرَة حيض في زمان الحيض وليستا كذلك في غير زمانه. * أما أصحاب القولين الثالث والرابع وهم القائلون بأن الصُّفْرَة والكُدْرَة حيض في زمان الحيض وطهر في زمان الطهر فإنهم قد استدلوا بالأدلة الآتية: ١ - أمر عائشة ﵂ النساء ألا يعجَلْن حتى يرَيْن القَصَّة البيضاء. ووجه الدلالة: أن كل ما يكون من صُفْرَة أو كُدْرَة متصلة بالحيض تعد حيضًا. ٢ - تقييد أم عطية لعدم الاعتداد بالصُّفْرَة والكُدْرَة بأن ذلك بعد الطهر أو بعد الغسل، فيدل بدليل المخالفة أنهما يعتد بهما حيضًا قبل ذلك. ٣ - الإعمال أولى من الإهمال، وبهذا القول نعمل حديثي عائشة وأم عطية كليهما.

стр. 191

٤ - الآثار التي تعضد هذا القول عن أهل العلم كعلي (١) والحسن (٢) (٣) ومحمد بن الحنفية (٤) (٥). وكلها ذكر فيها أن المرأة إذا رأت الصُّفْرَة والكُدْرَة بعد الطهر أو الغسل فإنها تغسلها وتتوضأ وتصلي. ثم إن أهل هذا القول اختلفوا في الصُّفْرَة والكُدْرَة تراهما قبل الحيض أو تراهما المُبْتَدَأة هل يعدان حيضًا؟ * فذهب أبو يوسف وأبو ثَور إلى أنهما لا يعدان حيضًا ما لم يسبقهما دم. * وقال أبو حنيفة ومحمد وجمهور الحنابلة بأنهما يعدان حيضًا سواءٌ سبقا بدم أم لا ما داما في زمان الحيض.

стр. 192

ولقد لخص الخلاف بينهم السَّرَخْسِيّ في «المَبسُوط» حيث قال ﵀: «قال أبو يوسف -رحمه الله تعالى- إن رأت الكُدْرَة في أول أيامها لم يكن حيضًا، وإن رأت في آخر أيامها يكون حيضًا، قال: لأن الكُدْرَة من كل شيء تتبع صافيه فإذا تقدمه دم أمكن جعل الكُدْرَة حيضًا تبعًا فأما إذا لم يتقدمها دم لو جعلناه حيضًا كان مقصودًا لا تبعًا، وهما أبو حنيفة ومحمد يقولان: ما يكون حيضًا إذا رأته المرأة في آخر أيامها يكون حيضًا إذا رأته في أول أيامها كالسواد والحمرة؛ لأن جميع مدة الحيض في حكم وقت واحد، وما قاله أبو يوسف -رحمه الله تعالى- فيما إذا كان النقب من أعلى الظرف، فأما إذا كان النقب من أسفله فالكُدْرَة يسبق خروجها الصافي، وهذا النقب من أسفل فجعلنا الكُدْرَة حيضًا وإن رأته ابتداءً» (١). ومع تخيل ما يحصل من سقوط جدار الرحم في أيام الحيض، فإن قول أبي يوسف هو الأقوى لأن الكُدْرَة بعد الحيض قد تكون من آثاره وبقاياه، أما قبله فهي من إفرازات الرحم. والحق أن أدلة الفريقين الثالث والرابع هي الأقوى وفيها جمع حسن بين الآثار. • رأي الطب وأثره على الترجيح: أما من جهة الطب (٢)، فإن الإفرازات الخارجة من الرحم والمَهْبِل كثيرة، وقد تزيد وتنقص تبعًا لعوامل عديدة منها: الاضطرابات الهرمونية والنفسية، ووجود أجسام غريبة داخل الرحم ... إلخ.

стр. 193

إن هذه الإفرازات تخرج من الرحم في أوقات شتى ولا ينبغي أن تعطى حكم الحيض لاختلافها عنه اختلافًا جوهريًا، فإن الحيض يكون فيه تساقط لجدار الرحم، أما هذه الإفرازات المخاطية فليست كذلك. أما الصُّفْرَة والكُدْرَة المتصلة بالحيض وبعيده، فإنهما إن كانتا يشبهان ما يصيب المرأة في غير ذلك من الأوقات من الإفرازات فحكمهما حكم هذه الإفرازات عمومًا وهو الطهر، أما إن كانتا يتبعان الحيض عادةً ويختلفان عما يصيب المرأة من الإفرازات في العادة فإنهما من بقايا الحيض، وعندها تتربص المرأة ذَهابهما بخروج القَصَّة (أو القُصَّة) البيضاء، والتي قد تعني خروج سائل أبيض، أو ربما - ولعله الأصح - خروج القطنة بيضاء ليس عليها أثر الدم. وقد يكون وجيهًا أيضًا أن تذهب المرأة للطبيب إذا اشتكت من الصُّفْرَة والكُدْرَة بعد الحيض، فإن كان فيهما آثار الدم - وذلك يعرف عن طريق تحليل بسيط- فهما من بقايا الحيض ولهما حكمه وإلا فلا. * * *

стр. 194

المطلب الحادي عشر: حيض الحامل والدم يكون قبيل الولادة اختلف أهل العلم فيما إذا كانت الحامل تحيض: * فذهب الحنفية والحنابلة والظاهرية إلى أنها لا تحيض واستثنى الحنابلة ما يكون قبل الولادة بقليل فيجعلونه في حكم النفاس بينما لا يجعله الحنفية والظاهرية حيضًا ولا نفاسًا. * وذهب الشافعية إلى أن الحامل تحيض ووافقهم المالكية وفرقوا بين أول الحمل وآخره واختلفوا فيما يكون من دم قبل الولادة وما يكون معها هل هو حيض أم نفاس. عرض الأقوال: قول السادة الحنفية ﵏: قال السَّرَخْسِيّ ﵀: «ودم الحامل ليس بحيض وإن كان ممتدًا عندنا» وقال: «ويختلفون في أول وقت النفاس فقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى وقت الولادة أول وقت النفاس وقال محمد وزُفَر (١) رحمهما الله تعالى وقت فراغ رحمها أول وقت النفاس» (٢). وثمرة الخلاف فيما إذا وضعت توأمين بينهما فترة، فإنها في تلك الفترة نفساء عند أبي حنيفة وأبي يوسف وليست كذلك عند محمد وزُفَر ولكنهم يتفقون

стр. 195

أنها لا تنفس ولا تحيض قبل الولادة» (١). قول السادة المالكية ﵏: جاء في «المُدَوَّنَة»: «قلت: أرأيت الحامل ترى الدم في حملها كم تمسك عن الصلاة؟ قال: قال مالك: ليس أول الحمل كآخره إن رأت الدم في أول الحمل أمسكت عن الصلاة وما يجتهد لها فيه وليس في ذلك حد، وقال ابن القاسم (٢) إن رأت ذلك في ثلاثة أشهر ونحو ذلك تركت الصلاة خمسة عشر يوما ونحو ذلك فإن جاوزت ستة الأشهر من حملها ثم رأته تركت الصلاة ما بينها وبين العشرين يوما أو نحو ذلك» (٣). وقال الحَطَّاب ﵀: «وأما ما خرج لأجل الولادة قبل خروج الولد ففيه الخلاف وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول المصنف في التوضيح الدم الخارج قبل الولادة لأجلها حكى عِياض فيه قولين للشيوخ أحدهما أنه حيض والثاني أنه نفاس، انتهى. لكن لا يفهم من كلامه في التوضيح أن الخلاف جارٍ أيضا فيما خرج مع الولد وقال ابن عَرَفَة: النفاس دم إلقاء حمل فيدخل دم إلقاء الدم المجتمع على المشهور عِياض، قيل ما خرج قبل الولد غير نفاس وما بعده نفاس وفيما معه قولا الأكثر والقاضي» (٤).

стр. 196

قول السادة الشافعية ﵏: قال زكريا الأنصَارِيّ ﵀: «(قوله ودم الحامل حيض) وإنما حكم الشارع ببراءة الرحم به بناء على الغالب فإن وقوع ذلك نادر فإذا حاضت حصل ظن براءة الرحم فاكتفينا به فإن بان خلافه على الندور عملنا بما بان (قوله لعموم الأدلة) كخبر «دم الحيض أسود يعرف» ولأنه دم لا يمنعه الرضاع بل إذا وجد معه حكم بكونه حيضا وإن ندر فكذا لا يمنعه الحمل وإنما حكم الشرع ببراءة الرحم به لأنه الغالب» (١). وقال: «(و) الدم (الخارج مع الولد ودم الطلق ليس) شيء منهما (بحيض) لأنه من آثار الولادة (ولا نفاس) لتقدمه على خروج الولد بل دم فساد. نعم المتصل من ذلك بحيضها المتقدم حيض» (٢). قول السادة الحنابلة ﵏: قال ابن قُدامة ﵀: «مسألة: قال [الخرقي] (والحامل لا تحيض، إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين، أو ثلاثة فيكون دم نفاس) مذهب أبي عبد الله ﵀ أن الحامل لا تحيض، وما تراه من الدم فهو دم فساد وهو قول جمهور التابعين؛ منهم: سعيد بن المُسَيَّب (٣)

стр. 197

وعَطَاء، والحسن، وجابر بن زيد (١) وعِكْرِمَة (٢) ومحمد بن المُنْكَدِر (٣) والشَّعْبِيّ (٤) ومَكْحُول (٥) ........................................................................

стр. 198

وحماد (١) ... ؛ وروي عن عائشة ﵂ والصحيح عنها أنها إذا رأت الدم لا تصلي. وقال مالك والشافعي والليث (٢): ما تراه من الدم حيض إذا أمكن وروي ذلك عن الزُّهْرِيّ (٣) ..........................................................................

стр. 199

وقَتَادَة (١) وإسحاق (٢) ... وقال يعقوب بن بُخْتان (٣) سألت أحمد عن المرأة إذا ضربها المَخَاض قبل الولادة بيوم أو يومين تعيد الصلاة؟ قال: لا وقال إبراهيم النَّخْعِيّ: إذا ضربها المَخَاض فرأت الدم قال: هو حيض. وهذا قول أهل المدينة، والشافعي. وقال عَطَاء: تصلي ولا تعده حيضا ولا نفاسا. ولنا: أنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسا» (٤). واختار الإمام ابن تَيمِيَّة أن الحامل تحيض فقال: «والحامل إذا رأت الدم على الوجه المعروف لها فهو دم حيض بناء على الأصل» (٥).

стр. 200

قول السادة الظاهرية ﵏: قال ابن حَزْم ﵀: «مسألة: وكل دم رأته الحامل ما لم تضع آخر ولد في بطنها، فليس حيضا ولا نفاسا ولا يمنع من شيء» (١) ثمرة الخلاف: وثمرة الخلاف بينهم أنها إذا رأت الدم أثناء الحمل، فإنها تمسك عن الصلاة والصيام على قول الشافعية والمالكية ولا تمسك على قول الحنفية والحنابلة والظاهرية بل تعده دم فساد، فإن رأته قبل الولادة فحيض عند المالكية والشافعية (٢) تمسك من أجله عن الصلاة والصيام لأكثر زمن الحيض ثم تعد نفسها مستحاضة ونفاس عند الحنابلة تمسك لأجله عن الصلاة والصيام لثلاثة أيام فإن تمادى علمت أنه لم يكن نفاسًا فصلت وصامت وأعادت ما تركت. والكل متفق على أنه لا أثر لهذا الخلاف على حل الطلاق أثناء الحمل، ولا على العدة التي لا تنقضي إلا بوضع الحمل. * أدلة القائلين بأن الحامل تحيض: ١ - رَوَوْا عن عائشة أنها ﵂ سئلت عن الحامل ترى الدم أتصلي؟ قالت: «لا تصلي حتى يذهب عنها الدم» (٣). ٢ - لأن الحامل من ذوات الأقراء، فإن المرأة إما صغيرة أو آيسة أو ذات قرء، والحامل ليست بصغيرة ولا آيسة، ولأن ما ينافي الأقراء ينافي الحبل كالصغر واليأس. وإذا

стр. 201

ثبت أنها من ذوات الأقراء، وقد رأت من الدم ما يمكن أن يجعل حيضا، جعل حيضا لها. ٣ - قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: «إذَا أقْبَلَ قُرْؤُك فدَعِي الصَّلاة» والحامل داخلة في عموم المخاطبات. ٤ - ولأنه دم متردد بين دمي الجبلة والعلة، والأصل السلامة من العلة. ٥ - ولأنه دم لا يمنعه الرضاع بل إذا وجد معه حكم بكونه حيضا، وإن ندر، فكذا لا يمنعه الحمل. * أدلة القائلين بأن الحامل لا تحيض: ١ - استدلوا بقوله ﷺ في حق ابن عمر لما طلق زوجته وهي حائض: «مُرْهُ فَلْيرَاجِعْهَا ثم ليُطَلِّقْها طَاهِرًا أو حَامِلًا» (١) فجعل الحمل في مقابلة الحيض. ٢ - قول النبي ﷺ في سبي أوطاس: «لا تُوطَأ حَامِل حَتى تَضَعَ ولا حَائل حَتى تُسْتَبْرَأ بحَيْضَة» (٢) فجعل وجود الحيض علامة على براءة الرحم. وأجيب أنه جعل كذلك لأنه الغالب. ٣ - رووا عن عائشة ﵂ أنها قالت: «الحامل لا تحيض» (٣). ٤ - وذكروا أن دم الحيض ينقلب غذاءً للجنين.

стр. 202

• موقف الطب من حيض الحامل: إن الطب لا يناقش قضية حيض الحامل وإنما يتعرض للنزيف الذي قد يصيبها ويفصل في أسبابه. ففي الشهور الثلاثة الأولى يكون أكثر النزيف من: ١ - الإجهاض المنذر. في نفس مواعيد الطمث، وهو ناتج عن نقص هرمونات الحمل في وقت العادة الشهرية. وهذا أقرب ما يكون للحيض. وذكر الدكتور محمد علي البار في كتابه خلق الإنسان بين الطب والقرآن أن الرحم لا يمتلئ بالحمل في ثلاثة الأشهر الأولى مما يجعل النزيف في هذه الفترة مختلطًا ببعض أنسجة بطانة الرحم فيكون قريبًا من طبيعة دم الحيض (١). وقد سمَّوْا الحمل المصاحب لدورات شهرية في الشهور الأولى بالحمل الغزلاني .. أسوة بالغزال فهو حيوان يحيض أثناء الحمل. ولكن هذا إنما هو الاستثناء النادر والأصل أن الحامل لا تحيض بل يمنع إفراز هرمون البروجيستيرون الكثير عند حصول الحمل من تساقط بطانة الرحم التي تتهيأ لتكون مهدًا وحاضنًا للَّقيحة. ٢ - تآكل عنق الرحم نتيجة للتغيرات الهرمونية المصاحبة للحمل. ٣ - الحمل خارج الرحم. أما في الشهور الثلاثة الثانية فالأسباب هي: ١ - تآكل عنق الرحم. ٢ - الإجهاض المنذر.

стр. 203

وفي الفترة من ٢٧ - ٤٠ أسبوعًا يكون النزيف نادر الحدوث، وعادة ما يحدث لثلاثة أسباب هي: ١ - الانفصال الفجائي المبكر للمشيمة من الرحم. ٢ - وجود المشيمة في وضع غير طبيعي. أما ما يكون قبيل الولادة فإنما يكون في الأكثر بسبب بداية انفصال المشيمة من الرحم أو وجود المشيمة في وضع غير طبيعي وليس كدم النفاس الذي يعقب الولادة والذي هو أقرب لدم الحيض إذ يطرد الرحم بطانته وبقايا الحمل. • مناقشة الأدلة والترجيح: ١ - الأصل أن الحامل لا تحيض وغيره الاستثناء النادر، فلا ينبني عليه الحكم. ٢ - والقول بحيض الحامل سيترتب عليه اضطراب في الأحكام فحتى من قال بذلك فإنه يستثني: • الطلاق فيحرم طلاق الحائض في غير حمل دون من تحيض حاملا. • العدة لمن تحيض حاملا فلا تنقضي بالأقراء وإنما بوضع الحمل. ١ - جعل الرسول ﷺ الحمل في مقابلة الحيض قوي في الدلالة على أن الحامل لا تحيض حيضًا يؤثر في الأحكام. ٢ - قول عائشة ﵂ في ترك الحامل للصلاة رأي منها، فإن هذا الباب مما يقال فيه بالرأي وليس فيه نص مرفوع. ٣ - كون النزيف في ثلاثة الأشهر الأولى يشابه الحيض في بعض الأحوال لا يعني اعتبار ذلك في الأحكام بالضرورة، فإن للحيض والحمل أحكامًا لا تجتمع ومفهوم أحاديثه ﷺ أنهما لا يجتمعان.

стр. 204

وقد يسوغ القول بأن ما يكون من نزيف بسبب الولادة يأخذ حكم النفاس كما هو قول الحنابلة، وإن لم تكن طبيعة الدم وسببه كدم النفاس، ولكنه دم ينزل بسبب الولادة وفي زمانها وفي اعتباره نفاسًا تخفيف على المرأة في تلك الأوقات التي تكون بأمس الحاجة فيها إلى التخفيف. ولكن لا يحكم بكونه نفاسًا إلا إذا كان مصحوبًا بالطلق وآلام الولادة كما جاء عن الحسن ﵀: «إذا رأت الدم على الولد أمسكت عن الصلاة» (١). وقال ابن قُدامة ﵀: «وإنما يعلم خروجه بسبب الولادة إذا كان قريبا منها ويعلم ذلك برؤية أماراتها؛ من المَخَاض ونحوه في وقته؛ وأما إن رأت الدم من غير علامة على قرب الوضع، لم تترك له العبادة؛ لأن الظاهر أنه دم فساد فإن تبين كونه قريبا من الوضع، كوضعه بعده بيوم أو بيومين أعادت الصوم المفروض إن صامته فيه. وإن رأته عند علامة على الوضع تركت العبادة. فإن تبين بعده عنها أعادت ما تركته من العبادات الواجبة؛ لأنها تركتها من غير حيض ولا نفاس» (٢). وبذلك القول يمكن الجمع - وإن كان بشيء من التكلف - بين الأثرين عن عائشة كما فعل ابن قُدامة ﵀. * * *

стр. 205

الخلاف بين الفقهاء لن يرتفع بالكلية بتطور الطب مع ما ذكرنا، فإن الخلاف بين الفقهاء لن يرتفع بالكلية في مسائل الحيض لأسباب منها: ١ - عدم قدرة الكثير من النساء على زيارة الأطباء لتحديد طبيعة دمائهن. ٢ - قد يمكث تساقط بطانة جدار الرحم أكثر من أكثر الحيض أو لا ينقطع وعندها يحكم الطب أن الدم من نوع الحيض ويأبى الفقه أن تدع المرأة الصوم والصلاة لذلك الدم. ٣ - قد يحكم الطب بحيض بنت السادسة ويأبى الفقه أن يلزمها بتكاليف الإسلام كافة. على الرَّغم من ذلك، فإن فهم الفقيه لطبيعة الدورة الحيضية - كما سبق بيانها - سيمكنه من حسن النظر والترجيح في هذه المسائل. * * *

стр. 206

المبحث الرابع: النفاس وفيه ثلاثة مطالب: الأول: بم يثبت النفاس. الثاني: أكثر النفاس. الثالث: نفاس المرأة تلد التوأمين.

стр. 207

المطلب الأول: بم يثبت النفاس اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في ثبوت النفاس: * فذهب بعض الفقهاء إلى أن حكم النفاس لا يثبت إلا إذا وضعت المرأة ما تبين فيه خلق الآدمي. * وأشار بعضهم إلى أن العبرة بإلقاء الحمل، فمتى علم أنها ألقت ما ينشأ منه الآدمي حكم بنفاسها. وأهم ثمرة لهذا الخلاف إنما تكون في باب العدد، فإنه لو حكم بأنها وضعت حملًا ونفست لانقضت عدتها ولم يكن لزوجها أن يراجعها. كذلك فإن لم يحكم بنفاسها وتجاوز دمها أكثر الحيض فإن الذين لا يحكمون بنفاسها سيجعلون ذلك الدم دم استحاضة تصلي معه وتصوم. وهذه بعض أقوالهم-﵏: قال ابن قُدامة ﵀: «فَصْلٌ إذا رأت المرأة الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان فهو نفاس، نص [أحمد] عليه. وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة فليس بنفاس. وإن كان الملقى بُضعة لم يتبين فيها شيء من خلق الإنسان ففيها وجهان: أحدهما هو نفاس لأنه بدء خلق آدمي فكان نفاسا كما لو تبين فيها خلق آدمي. والثاني ليس بنفاس لأنه لم يتبين فيها خلق آدمي فأشبهت النطفة» (١). والناظر إلى تعليله يتبين له أن منعهم كونه نفاسًا في المراحل الأولى ناشئ عن عدم تأكدهم من كونه حملًا أصلًا.

стр. 208

قال الزَّيْلَعِيّ ﵀: «(قوله [أي النَّسَفِي] في المتن [أي كنز الدقائق]: والسقط إن ظهر بعض خلقه ولدا) ... فنقول على تقدير أنه مستبين الخلق هي نفساء ونفاسها أربعون وعلى تقدير أنه لم يستبن لا تكون نفساء ويكون عشرة عقيب الإسقاط حيضا إذا وافق عادتها ... (قوله: أو ظفر أو شعر) فلو لم يستبن منه شيء لم يكن ولدا فإن أمكن جعله حيضا بأن امتد جعل إياه» (١). وأطلق البعض من الشافعية القول بعدم اعتبار نزول العلقة في الحكم بالنفاس وانقضاء العدة، فذكر ذلك ابن حَجَر الهَيتَمِيّ (٢) وأجاب عنه فقال «(وأقل النفاس) وهو الدم الخارج بعد فراغ جميع الرحم، وإن وضعت علقة أو مضغة فيها صورة خفية أخذا مما مر في الغسل، إذ لا تسمى ولادة إلا حينئذ كما صرحوا به فلا تخالف بين ما ذكروه هنا وفي العدد خلافا لمن ظنه، وإطلاقهم أنها لا تنقضي بعلقة محمول على الأغلب أنه لا صورة فيها خفية من النفس، وهو الدم، إذ به قوام الحياة» (٣). والهَيتَمِيّ ﵀ يعتبر وجود الصورة الخفية حتى في العلقة لأنها أدنى دليل على كون ما ألقته المرأة حملا لا مجرد دم مجتمع في الرحم. ومن قبل، جلى الأمر النَّوَوِيّ ﵀ في المَجْمُوع وبين أن حكم القابلة هو المعتبر في الحكم بكون الملقي حملا، فقال: «قال أصحابنا: لا يشترط في ثبوت حكم النفاس أن

стр. 209

يكون الولد كامل الخلقة ولا حيا، بل لو وضعت ميتا أو لحما تصور فيه صورة آدمي أو لم يتصور وقال القوابل: إنه لحم آدمي ثبت حكم النفاس هكذا صرح به المتولي (١) وآخرون، وقال الماوَرْدِيّ: ضابطه أن تضع ما تنقضي به العدة وتصير به أم ولد» (٢). إذًا فالجاري على هذا الفهم، أنه لو قال الطبيب الثقة أن ما وضعته المرأة كان حملًا سقط، حكم الفقيه بنفاسها وانقضاء عدتها وإن لم يظهر في السقط خلق الإنسان، وذلك لأن الفحوص الطبية تؤكد حصول الحمل قبل ظهور خلق الإنسان بفترة طويلة. إن ما ذكره الفقهاء من ظهور خلق الإنسان كان مناسبًا في زمانهم ﵏ إذ لم يكن لهم سبيل آخر للتأكد من كون ما ألقاه الرحم حملًا. وفي زماننا، ومع توافر الرعاية الطبية، فينبغي المصير إلى قول الطبيب الثقة المدعوم بالفحوص عند توافر ذلك. فإن لم يتوفر، فيرجع إلى ما قاله الفقهاء من اعتماد ظهور خلق الإنسان أو الصورة الخفية التي يحصل معها الاطمئنان إلى كون الموضوع حملًا. * * *

стр. 210

المطلب الثاني: أكثر النفاس اختلفت أقوال الفقهاء في أكثر النفاس اختلافًا واسعًا: * فروي عن الضَّحَّاك (١) أنه أربعة عشر يوما (٢). * وقال ابن حَزْم أنه - كالحيض - سبعة عشر يوما (٣). * ونقل ابن المُنذِر عن الأوزاعِيّ أن أكثره من الغلام ثلاثون يوما ومن الجارية أربعون فيما حكاه الأوزاعِيّ عن أهل دمشق (٤). * والجمهور على كونه أربعين يوما؛ وحكاه النَّوَوِيّ في المَجْمُوع عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأم سلمة والثَّورِيّ وأبي حنيفة وأصحابه وابن المبارك (٥) وأحمد وإسحاق .................

стр. 211

وأبي عبيد (١) (٢). وحكى الإجماع عليه التِّرْمِذِيّ (٣) في «سننه» (٤). * وروي القول بالخمسين يوما عن الحسن (٥).

стр. 212

* وقال بالستين عَطَاء والشَّعْبِيّ والعَنْبَرِيّ (١) وحجاج بن أرطاة (٢) فيما نقله عنهم النَّوَوِيّ (٣) وهو مذهب مالك (٤) - وقيل إنه رجع عنه (٥) إلى ترك الأمر لعادة النساء - وهو مشهور مذهب الشافعية (٦) وحكاه ابن عَقِيل (٧) رواية عن أحمد (٨). * وذكر الليث عن بعض الناس أنه سبعون يومًا (٩).

стр. 213

* ورجح ابن تَيمِيَّة عدم التحديد (١). وهو مقتضى حكاية ابن القاسم عن مالك - رحم الله الجميع. عرض الأقوال: قول السادة الحنفية ﵏: قال السَّرَخْسِيّ ﵀: «وأكثر مدته أربعون يوما عندنا، وقد بينا اختلاف العلماء فيه، واعتمادنا فيه على السنة فقد روي «عن أم سلمة ﵂ قالت: كانت النفساء يقعدن [ألفاظ الحديث تقعد أو تجلس] على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف» (٢). قول السادة المالكية ﵏: قال المَوَّاق ﵀: «(وأكثره ستون يوما) من «المُدَوَّنَة»: إن دام دم النفاس جلست شهرين ثم رجع عنه وقال: قدر ما يراه النساء. وعلى الأول اقتصر في التلقين والرسالة» (٣). قول السادة الشافعية ﵏: قال النَّوَوِيّ ﵀: «أما حكمه فمذهبنا المشهور الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي ﵀ وقطع به الأصحاب أن أكثر النفاس ستون ... وقد اتفق أصحابنا على أن غالبه أربعون يوما ومأخذه العادة والوجود والله علم» (٤).

стр. 214

قول السادة الحنابلة ﵏: قال ابن قُدامة ﵀: «(وأكثر النفاس أربعون يوما) هذا قول أكثر أهل العلم ... وقال مالك والشافعي: أكثره ستون يوما. وحكى ابن عَقِيل عن أحمد رواية مثل قولهما، لأنه روي عن الأوزاعِيّ أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين. وروي مثل ذلك عن عَطَاء أنه وجده» (١). قول السادة الظاهرية ﵏: قال ابن حَزْم ﵀: «ولا حد لأقل النفاس، وأما أكثره فسبعة أيام لا مزيد [لعل السبعة تصحيف من الناسخ، فقد وجدتها في أكثر من نسخة ولازم كلامه من التسوية بين الحيض والنفاس في جميع الأحكام أنها سبعة عشر لا سبعة فهذا هو قوله في أكثر الحيض] قال علي: فلما لم يأت في أكثر مدة النفاس نص قرآن ولا سنة وكان الله تعالى قد فرض عليها الصلاة والصيام بيقين وأباح وطأها لزوجها، لم يجز لها أن تمتنع من ذلك إلا حيث تمتنع بدم الحيض لأنه دم حيض ... قال أبو محمد: ثم رجعنا إلى ما ذكرنا قبل من أن دم النفس هو حيض صحيح، وأمده أمد الحيض وحكمه في كل شيء حكم الحيض، لقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «أنُفِسْتِ» بمعنى حضت فهما شيء واحد» (٢). اختيار الإمام ابن تَيمِيَّة ﵀: «ولا حد لأقل النفاس ولا لأكثره ولو زاد على الأربعين أو الستين، أو السبعين، وانقطع فهو نفاس ولكن إن اتصل فهو دم فساد، وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب، والحامل قد تحيض وهو مذهب الشافعي، وحكاه البَيْهَقِيّ رواية عن أحمد بل حكى أنه رجع إليه» (٣).

стр. 215

• المناقشة والترجيح: لعل أكثر الأقوال مبناها على الوجود وحكاية الواقع ومن ثم كثرة الاختلاف، ولكن هناك من الأقوال ما استدِل عليه بآثار أو حكاية إجماع أو نظر. * دليل من قال بالسبعة عشر: استدل ابن حَزْم ﵀ على أن أكثره سبعة عشر يومًا بأن النفاس إنما هو والحيض شيء واحد وقد قال رسول الله ﷺ لعائشة: «لعلك نُفِسْتِ» (١)، يريد الحيض. ولما كان الإمام ابن حَزْم ﵀ يزعم الإجماع على أن الحيض لا يتجاوز السبعة عشر يوما، فكذلك هنا. والجواب أن استعمال لفظ النفاس مع إرادة الحيض ليس دليلا على أن النفاس الذي يكون عقيب الولادة هو عين الحيض، وإنما سمي النفاس نفاسا لتنفس الرحم وهو كائن في الحيض كذلك. والواقع يأبى أن يكون الاثنان شيئا واحدا وما أكثر حكاية الناس عن النفاس الذي يتمادى إلى الأربعين وما بعدها، والطب يأبى أن يكون الحيض والنفاس شيئًا واحدًا وإن اشتركا في صفة الدم. * لا دليل لمن فرق بين الغلام والجارية: أما حكاية الأوزاعِيّ ﵀ عن بعض أهل دمشق أن النفاس من الغلام ثلاثون ومن الجارية أربعون فلا أصل له أعلمه في كتاب ولا سنة ولا قول صحابي ولا مذهب تابعي ولم يقل به - فيما أعلم - أحد غيره ﵀ يعتبر قوله من أهل الملة المحمدية، ولعله مما تسرب إلى بعض الناس من كلام أهل الكتاب، فإن المرأة في العهد القديم تنفس من البنت ضعف نفاسها من الولد (٢).
следующие страницы →