стр. 211
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 685
أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء
حاتم الحاج
Полный текст (739 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 212
стр. 213
* ورجح ابن تَيمِيَّة عدم التحديد (١). وهو مقتضى حكاية ابن القاسم عن مالك - رحم الله الجميع.
عرض الأقوال:
قول السادة الحنفية ﵏:
قال السَّرَخْسِيّ ﵀: «وأكثر مدته أربعون يوما عندنا، وقد بينا اختلاف العلماء فيه، واعتمادنا فيه على السنة فقد روي «عن أم سلمة ﵂ قالت: كانت النفساء يقعدن [ألفاظ الحديث تقعد أو تجلس] على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف» (٢).
قول السادة المالكية ﵏:
قال المَوَّاق ﵀: «(وأكثره ستون يوما) من «المُدَوَّنَة»: إن دام دم النفاس جلست شهرين ثم رجع عنه وقال: قدر ما يراه النساء. وعلى الأول اقتصر في التلقين والرسالة» (٣).
قول السادة الشافعية ﵏:
قال النَّوَوِيّ ﵀: «أما حكمه فمذهبنا المشهور الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي ﵀ وقطع به الأصحاب أن أكثر النفاس ستون ... وقد اتفق أصحابنا على أن غالبه أربعون يوما ومأخذه العادة والوجود والله علم» (٤).
стр. 214
قول السادة الحنابلة ﵏:
قال ابن قُدامة ﵀: «(وأكثر النفاس أربعون يوما) هذا قول أكثر أهل العلم ... وقال مالك والشافعي: أكثره ستون يوما. وحكى ابن عَقِيل عن أحمد رواية مثل قولهما، لأنه روي عن الأوزاعِيّ أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين. وروي مثل ذلك عن عَطَاء أنه وجده» (١).
قول السادة الظاهرية ﵏:
قال ابن حَزْم ﵀: «ولا حد لأقل النفاس، وأما أكثره فسبعة أيام لا مزيد [لعل السبعة تصحيف من الناسخ، فقد وجدتها في أكثر من نسخة ولازم كلامه من التسوية بين الحيض والنفاس في جميع الأحكام أنها سبعة عشر لا سبعة فهذا هو قوله في أكثر الحيض] قال علي: فلما لم يأت في أكثر مدة النفاس نص قرآن ولا سنة وكان الله تعالى قد فرض عليها الصلاة والصيام بيقين وأباح وطأها لزوجها، لم يجز لها أن تمتنع من ذلك إلا حيث تمتنع بدم الحيض لأنه دم حيض ... قال أبو محمد: ثم رجعنا إلى ما ذكرنا قبل من أن دم النفس هو حيض صحيح، وأمده أمد الحيض وحكمه في كل شيء حكم الحيض، لقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «أنُفِسْتِ» بمعنى حضت فهما شيء واحد» (٢).
اختيار الإمام ابن تَيمِيَّة ﵀: «ولا حد لأقل النفاس ولا لأكثره ولو زاد على الأربعين أو الستين، أو السبعين، وانقطع فهو نفاس ولكن إن اتصل فهو دم فساد، وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب، والحامل قد تحيض وهو مذهب الشافعي، وحكاه البَيْهَقِيّ رواية عن أحمد بل حكى أنه رجع إليه» (٣).
стр. 215
• المناقشة والترجيح:
لعل أكثر الأقوال مبناها على الوجود وحكاية الواقع ومن ثم كثرة الاختلاف، ولكن هناك من الأقوال ما استدِل عليه بآثار أو حكاية إجماع أو نظر.
* دليل من قال بالسبعة عشر:
استدل ابن حَزْم ﵀ على أن أكثره سبعة عشر يومًا بأن النفاس إنما هو والحيض شيء واحد وقد قال رسول الله ﷺ لعائشة: «لعلك نُفِسْتِ» (١)، يريد الحيض.
ولما كان الإمام ابن حَزْم ﵀ يزعم الإجماع على أن الحيض لا يتجاوز السبعة عشر يوما، فكذلك هنا.
والجواب أن استعمال لفظ النفاس مع إرادة الحيض ليس دليلا على أن النفاس الذي يكون عقيب الولادة هو عين الحيض، وإنما سمي النفاس نفاسا لتنفس الرحم وهو كائن في الحيض كذلك. والواقع يأبى أن يكون الاثنان شيئا واحدا وما أكثر حكاية الناس عن النفاس الذي يتمادى إلى الأربعين وما بعدها، والطب يأبى أن يكون الحيض والنفاس شيئًا واحدًا وإن اشتركا في صفة الدم.
* لا دليل لمن فرق بين الغلام والجارية:
أما حكاية الأوزاعِيّ ﵀ عن بعض أهل دمشق أن النفاس من الغلام ثلاثون ومن الجارية أربعون فلا أصل له أعلمه في كتاب ولا سنة ولا قول صحابي ولا مذهب تابعي ولم يقل به - فيما أعلم - أحد غيره ﵀ يعتبر قوله من أهل الملة المحمدية، ولعله مما تسرب إلى بعض الناس من كلام أهل الكتاب، فإن المرأة في العهد القديم تنفس من البنت ضعف نفاسها من الولد (٢).
стр. 216
* دليل من قال بالأربعين:
أما أصحاب القول بأنه أربعون فهم الأسعد حظا بالآثار وأقوال الصحابة والتابعين، ولقد استدلوا بحديث أم سلمة ﵂ قالت: «كانت النُّفَسَاءُ على عَهْدِ رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أرْبَعينَّ يَوْما أو أَرْبَعِينَّ لَيْلةَ وَكُنَّا نطلي على وُجُوهِنَا الْوَرْسَ يعني من الْكَلَفِ» (١).
والاعتراض على الحديث من وجوه أهمها:
١ - اختلافهم فيه فقد ضعفه ابن القطان وابن حَزْم وصححه الحاكم وحسنه النَّوَوِيّ، ولعل الصحيح تحسينه كما ذكر النَّوَوِيّ في المَجْمُوع (٢).
٢ - حمله على الغالب، فإن كلامها ﵂ يحتمل ذلك.
٣ - حمله على نساء مخصوصات، وقد رواه أبو داود بلفظ: «كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس .. » (٣).
٤ - أن دلالته على المنع من الزيادة إنما هي بمفهوم المخالفة، وهو ضعيف في العدد كما هو متقرر في الأصول.
واستدلوا بأحاديث أُخَر عن أبي هريرة وأبي الدرداء، وكلها ضعيفة (٤). واستدلوا ﵏ بالإجماع وحكاه من الأكابر التِّرْمِذِيّ ﵀ فقال: «وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النُّفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي. فإذا رأت الدم بعد الأربعين، فإن أكثر أهل
стр. 217
العلم قالوا لا تدع الصلاة بعد الأربعين؛ وهو قول أكثر الفقهاء وبه يقول سفيان الثَّورِيّ وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ويروى عن الحسن البصري أنه قال إنها تدع الصلاة خمسين يوما إذا لم تر الطهر؛ ويروى عن عَطَاء بن أبي رباح والشَّعْبِيّ ستين يوما» (١).
ولا تَسلَم حكاية الإجماع دليلا لهم على أن النفاس لا يكون أكثر من الأربعين، فليس ذلك ما نقله التِّرْمِذِيّ ﵀ وإن كان نقله للإجماع يصلح دليلا على أنهم أجمعوا على أن أقل التحديد الأربعون.
ولا يشغب على هذه الحكاية للإجماع، على كونه لا يحد أكثره بدون الأربعين، إلا ما ذكر من قول الضَّحَّاك أن أكثره أربعة عشر يومًا، والضَّحَّاك تابعي جليل، وإن كانوا قد اختلفوا في سماعه من الصحابة (٢). والجواب أن نقل الإجماع عن الصحابة لا يفسده خلاف من بعدهم.
ولكن الصحيح أن الإجماع - كما هو مقتضى كلام التِّرْمِذِيّ عن خلافهم فيمن تجاوزت الأربعين- إنما هو على أن أحدًا لم يقل بما هو دون الأربعين في تحديد أكثر النفاس.
* دليل من قال بالستين:
أما القائلون بالستين فاستدلوا بالوجود وحكاية الواقع وما رووه عن الشَّعْبِيّ وعَطَاء، وإن كان الصحيح عن عَطَاء القول بالأربعين.
وليس في أدلتهم ما يمنع أن يكون النفاس أكثر من الستين إذا وقع.
стр. 218
* دليل من لم يحدد:
وأما من رأى عدم التحديد وهو ما ذكر ابن القاسم أن مالكًا ﵀ رجع إليه وهو ما اختاره ابن تَيمِيَّة ﵀ فدليلهم عدم الدليل على التحديد وهو قوي، إلا أن الحاجة تدعو إلى التحديد حتى تعرف المرأة التي تجاوز نفاسها الشهور الطويلة متى ترجع إلى الصلاة ويحل لزوجها وطؤها.
• رأي الطب وأثره على الترجيح:
أما الطب الحديث، فإنه يقرر أن إفرازات الرحم يتغير لونها من الأحمر إلى المشرب بالحمرة ثم المصفر، ولكنهم يقررون أن الرحم ربما بقي يطرد بقايا إفرازاته إلى مدة أقصاها ستة إلى ثمانية أسابيع (٤٢ - ٥٦ يومًا) (١) وعليه فإن القول الأسعد حظًا بموافقة المعارف الطبية المعاصرة هو قول من قال بالستين وهم أكثر المالكية والشافعية ورواية عن أحمد كما تقدم.
ولما كانت المسألة ليس فيها نص ولا إجماع - سوى اتفاقهم على أن التحديد لا يكون بأقل من أربعين يومًا - ولا قياس صحيح، وإنما مرده إلى الوجود، فالذي يظهر هو رجحان القول بالستين والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 219
المطلب الثالث: نفاس المرأة تلد التوأمين
اختلف الفقهاء ﵏ في الدم تراه المرأة بين التوأمين إن طال الفاصل بينهما:
* فذهب فريق إلى كون النفاس من الولد الأول دون الثاني وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأكثر المالكية ووجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة.
* وقال آخرون أن النفاس من الثاني وما تراه بعد الأول دم فساد، وهذا قول محمد وزُفَر من الحنفية ووجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة وهو قول الظاهرية - رحم الله الجميع.
* وذهب فريق ثالث إلى أن أول النفاس من الأول وآخره من الثاني فجعلوها تستأنف مدةً كاملة للنفاس من وضع الثاني، فربما زاد نفاسها عندها عن أكثر حده في الولادة العادية - على اختلاف بينهم في هذا الحد -، وهذا هو قول أبي إسحاق التوني من المالكية ووجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة.
عرض الأقوال:
قول السادة الحنفية:
قال السَّرَخْسي ﵀ في «المَبسُوط»: «فإن ولدت ولدا وفي بطنها آخر فالنفاس من الأول في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد وزُفَر رحمهما الله تعالى من الآخر لأنها بعد وضع الأول حامل بعد. والحامل لا تصير نفساء كما لا تحيض والدليل عليه حكم انقضاء العدة فإنه معتبر بالولد الآخر وهما يقولان النفاس من تنفس الرحم بالدم من خروج النفس الذي هو الولد أو من خروج النفس الذي هو عبارة عن الدم وقد وجد ذلك كله بالولد الأول وإنما لا تحيض الحامل لانسداد فم الرحم وقد انفتح بالولد الأول فكان الدم المرئي بعده من الرحم.
стр. 220
وفي حكم انقضاء العدة العبرة بفراغ الرحم ولا يحصل ذلك إلا بالولد الآخر» (١).
قول السادة المالكية:
قال الدُّسُوقِيّ ﵀ في «حاشيته»: «(قوله [أي الدَّرْدِير]: ولو بين توأمين) أي سواء كان بينهما شهران أو أقل ثم إنه على المشهور من أن الذي بين التوأمين نفاس لا حيض إن كان بينهما أقل من شهرين فاختلف هل تبني على ما مضى لها ويصير الجميع نفاسا واحدا وإليه ذهب أبو محمد والبَرَاذِعِيّ (٢) أو تستأنف للثاني نفاسا وإليه ذهب أبو إسحاق التُّونُسِيّ (٣) وأما إن كان بينهما شهران فلا خلاف أنها تستأنف للثاني نفاسا كما أشار له بقوله فإن تخللهما فنفاسان وهذا محصل كلام الشارح» (٤).
стр. 221
قول السادة الشافعية:
قال النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع»: «قال المصنف -رحمه الله تعالى- [يريد الشيرازي صاحب المُهَذَّب]: (وإن ولدت توأمين بينهما زمان ففيه ثلاثة أوجه: (أحدها) يعتبر النفاس من الولد الأول لأنه دم يعقب الولادة فاعتبرت المدة منه كما لو كان وحده، (والثاني) يعتبر من الثاني لأنه ما دام معها حمل فالدم ليس بنفاس، كالدم الذي تراه قبل الولادة، (والثالث) يعتبر ابتداء المدة من الأول ثم تستأنف المدة من الثاني، لأن كل واحد منهما سبب للمدة، فإذا وجدا اعتبر الابتداء من كل واحد منهما، كما لو وطئ امرأة بشبهة فدخلت في العدة ثم وطئها فإنها تستأنف العدة)» (١).
قول السادة الحنابلة:
قال ابن قُدامة ﵀ في «المُغْنِي»: «إذا ولدت المرأة توأمين، فذكر أصحابنا عن أحمد روايتين فيها: إحداهما، أن النفاس من الأول كله أوله وآخره، قالوا: وهي الصحيحة. وهذا قول مالك، وأبي حنيفة. فعلى هذا متى انقضت مدة النفاس من حين وضعت الأول، لم يكن ما بعده نفاسا؛ لأن ما بعد ولادة الأول دم بعد الولادة فكان نفاسا، كالمنفرد، وآخره منه؛ لأن أوله منه، فكان آخره منه، كالمنفرد. واختلف أصحابنا في الرواية الثانية، فقال الشريف أبو جعفر (٢)، وأبو الخطاب (٣) في «رءوس المسائل» هي أن
стр. 222
أوله من الأول وآخره من الثاني. وهذا قول القاضي، في كتاب «الروايتين» لأن الثاني ولد فلا تنتهي مدة النفاس قبل انتهائها منه كالمنفرد، فعلى هذا تزيد مدة النفاس على الأربعين في حق من ولدت توأمين. وقال القاضي أبو الحسين (١) في «مسائله» وأبو الخطاب في «الهِدَايَة»: الرواية الثانية أنه من الثاني فقط. وهذا قول زُفَر؛ لأن مدة النفاس مدة تتعلق بالولادة، فكان ابتداؤها وانتهاؤها من الثاني، كمدة العدة. فعلى هذا ما تراه من الدم قبل ولادة الثاني لا يكون نفاسا» (٢).
قول السادة الظاهرية:
قال ابن حَزْم ﵀ في المُحَلَّى: «ودم النفاس هو الخارج إثر وضع المرأة آخر ولد في بطنها: لأنه المتفق عليه، وأما الخارج قبل ذلك فليست نفساء، وليس دم نفاس، ولا نص فيه ولا إجماع» (٣).
стр. 223
• المناقشة والترجيح:
* أما من ذهب إلى أن النفاس من الأول دون الثاني فاحتج بأن النفاس دم يخرج عقيب الولادة وقد وجد بولادة الأول، وأن المرأة الحامل إن كانت لا تحيض - عند من يقول بذلك- فإنما ذلك لانسداد فم الرحم وقد انفتح بالولد الأول.
وأما من ذهب إلى كونه من الثاني دون الأول فاحتجوا بأن الحامل لا تحيض ولا تنفس وأن العدة لا تنقضي بالأول - وهو إجماع - وأن النفاس يتعلق بفراغ الرحم من الولد ولا يحصل ذلك إلا بولادة الثاني.
* واحتج القائلون بأن لكل ولد نفاسًا أن كلا منهما سبب للنفاس، والنفاس يكون عقيب ولادة فوجد مع ولادة الأول والثاني كذلك.
• رأي الطب الحديث وأثره على الترجيح:
أما الطب الحديث فإنه يؤكد ما ذهب إليه الفقهاء من أن مدة الفصل بين التوأمين قد تطول جدًا إلى ١٤٣ يومًا (١).
ولكن الطب الحديث ربما لا يضيف إلى معارف الفقهاء الكثير بهذا الشأن، فإنهم ﵏ قد علموا أن دمًا ينزل من المرأة بعد الولد الأول والثاني وإنما اختلفوا في حكم الدم.
ودم النفاس في الولادة العادية يكون في جزء منه ما ينزل مع الولد والمشيمة وقليل من النزيف في جدار الرحم وتساقط البطانة.
стр. 224
وفي حالة ولادة التوأمين فإن ما ينزل بعد الولد الأول هو كدم النفاس، إلا أن أكثر البطانة لا تتساقط إلا بعد الولادة الثانية، أما ما ينزل بعد الولد الثاني فإنه مطابق لدم النفاس في الولادة العادية.
• الترجيح:
الذي يظهر لي - والله أعلم - هو قوة القول بأن لكل ولادة نفاسًا، فهو الأقرب في النظر والأسلم من المعارضة والأوجه من حيث المعارف الطبية، وذلك لأن كل ولادة سبب لحصول النفاس بعدها؛ والدم النازل إنما يكون بسبب الولادة لا دم علة وفساد باتفاق الأطباء.
أما العدة فإنما تتعلق بفراغ الرحم من الحمل إجماعًا (١).
* * *
стр. 225
الفصل الثاني: الجنائز
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: علامات الموت
المبحث الثاني: انتهاك حرمة الميت والتشريح
стр. 226
المبحث الأول: علامات الموت
стр. 227
المبحث الأول: علامات الموت
لم يزل الناس جيلا بعد جيل وقرنًا بعد قرن يدفنون أمواتهم ويستدلون على موتهم بعلامات ظاهرة، ذكر منها فقهاؤنا ﵏: استرخاء القدمين، وانفصال الكفين، وانخساف الصُدغين، ومَيْل الأنف، وامتداد جلدة الوجه، وانشمار الخُصيتين مع امتداد جلدتهما، وانقطاع النفس، وإحداد البصر، وانفراج الشفتين. وهذا كل ما ذكره فقهاء أهل السنة (١)، وأضافوا إلى ذلك، عند عدم حصول اليقين، التربص بالميت حتى تتغير رائحته (٢).
وذكر فقهاء الإباضية غِيَاب النبض بجس عرق بين الكعب والعُرْقُوب وآخَر في الدبر (٣). ثم إن المعاصرين من أهل السنة زادوا هذه العلامة في كتاباتهم وإن لم يكن لها في كتب المتقدمين ذكر.
ولم يكن ثم إشكال في هذه المعايير حتى تطورت العلوم الطبية، فأمكن عن طريق أجهزة الإنعاش إبقاء نبض القلب والتنفس بعد موت الدِّمَاغ كاملًا أو جذعه. بل إن الميت الذي حكم بموته بعد توقف القلب والتنفس، إذا سارعوا إلى وضعه على المُنَفِّسَة، قد تظهر فيه بعض علامات الحياة (٤).
стр. 228
وفي السابق كان المريض يموت حتمًا بعد موت الدِّمَاغ أو جِذعه، لتوقف القلب والتنفس اللذَين يتحكم فيهما جِذع الدِّمَاغ؛ وعندها حكموا بالوفاة. وما زاد الأمر تعقيدًا أن ميت الدِّمَاغ يقطع الطب المعاصر يقينًا بموته، وأنه لا بصيص أمل في عودته إلى الحياة (١).
فعندنا الآن إنسان على جهاز المُنَفِّسَة، يتحرك صدره بعمل الجهاز، وينبض قلبه عن طريق مركز ذاتي بالقلب نتيجة لوصول الأوكسجين إليه، ويضخ هذا القلب الدم إلى الأعضاء، فتعمل كُليتاه وينمو شعره وأظفاره، ولكن دماغه قد مات، بل وبدأ في التحلل (٢).
والسؤال هنا ذو شِقَّين: هل هذا الإنسان ميت أم حي؟ وهل يجوز رفع أجهزة الإنعاش عنه؟
والحق أن إجابة السؤال الثاني كانت أيسر على الفقهاء بمراحل من إجابة السؤال الأول، حيث قرر جمهورهم، كما سنبين، جواز رفع أجهزة الإنعاش لما ترجح عندهم من عدم وجوب التداوي في مثل هذه الحالة الميؤوس منها، ولما ترجح عند بعضهم من كون صاحب هذه الحالة ميتًا.
أما السؤال الذي حارت فيه العقول واختلف فيه الناس فهو: هل يعتبر موت الدِّمَاغ موتًا، فتثبت به كل أحكام الموت من ساعة تشخيصه؟ أم لا يعتبر الإنسان قد مات إلا بعد رفع الأجهزة ثم توقف عمل القلب؟ وهذا يحدث في العادة بعد دقائق.
стр. 229
ولا يظهر أن ثمة مشكلة، فما المانع من أن يتربص الأطباء بالميت هذه الدقائق العشرين إلى الثلاثين على الأكثر (١) حتى يعلنوا موته؟ إن الإشكال في أن هذا القلب يكون عندها قد فقد ٥٠ - ٩٠% خمسين إلى تسعين بالمائة من صَلاحِيَتِه للعمل في جسم إنسان آخر يزرع فيه، فتضيع فرصة إنقاذ مريض آخر يحتاج إلى هذا القلب (٢).
إذًا فنحن بحاجة إلى تحديد وقت الوفاة، ومتى تسري أحكامها، وهل ذلك بموت الدِّمَاغ كاملًا، أو جذعه، أم أنه بتوقف القلب عن العمل.
وقد يكون ذلك مهمًا أيضًا في حالات نادرة كموت وريثٍ لهذا الإنسان في تلك الفترة، فمن يرث من؟ أو وضع امرأته وليدًا، فهل انقضت عدتها؟ أو جناية أحد الناس عليه، فهل يُقتصُّ منه؟
إن هذا الموضوع له تعلق مباشر بموضوع بحثنا، لأنه يبحث في إضافة علامة للموت غير تلك العلامات التي ذكرها الفقهاء، ومَرَدُّ ذلك التغيير إلى تطور العلوم الطبية.
وسأتناول الموضوع بالبحث في الصفحات القليلة القادمة، فأمهد بالكلام عن مفهوم الحياة والموت في الشرع والطب، ثم أذكر أقوال العلماء في هذا الخلاف، وبعدها أعرض ما استدل به الفريقان وما يمكن أن يُستَدَلَّ به لهما، وأُردِف ذلك كلَّه بالترجيح والتوصية.
* * *
стр. 230
الحياة والموت بين الفقه والطب
أولاً: في الفقه:
الحياة:
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
إنه وإن اختلف العلماء في الروح المسؤول عنها، فذهب بعضهم إلى أنها الملك المُوَكَّل بالوحي، وذهب الجمهور إلى أنها روح الإنسان، فإن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن روح الإنسان يعجِز البشر بكل علومهم أن يدركوا كُنْهها وإن أدركوا بعض خصائصها.
إن هذا ليس كلامنا وحدنا، معاشر المسلمين، بل هو مما اتفق عيه العقلاء، بل كتب أحد الغربيين (١) كتابًا سماه «الإنسان ذلك المجهول»، وقال فيه: «إن علوم التشريح والفسيوليوجيا والكيمياء والنفس والاجتماع وغيرها من العلوم لم تعطنا نتائج قطعية في ميادينها عن ماهية الإنسان. وإن الإنسان الذي يعرفه العلماء ليس إلا إنسانًا بعيدًا جدًا عن الإنسان الحقيقي فالإنسان كائن مجهول لنفسه، وسيظل جهلنا به إلى الأبد» (٢).
وذاك الإنسان الذي يصفه الدكتور الكسيس بالمجهول ليس بالطبع ذلك البدن الذي استطاع الطب بالفعل أن يحل الكثير من رموزه ويكشف الكثير من أسراره، ولكنه ذاك المزيج بين البدن والروح.
ولكنَّ هذا الذي ذكرنا لا يمنع من التعرف على بعض خصائص الروح الإنسانية،
стр. 231
فإن رسول الله ﷺ الذي تلقى هذا الوحي من ربه هو من علمنا أن الأرواح جنود مجندة، وأنها تتلاقى في المنام، وأنها تنفخ في الجنين بعد أربعين يومًا أو مائة وعشرين، على خلاف، وغير ذلك كثير.
إن إدراكنا لبعض خصائص الروح، ولمفهوم الحياة والموت في ديننا حري أن ييسر علينا فهم ومناقشة الآراء المختلفة عن نهاية حياة الإنسان وعلامات الموت.
ولنبدأ بالروح، فإنها التي متى فارقت البدن حل الموت بالإنسان؛ وكل علامات الموت التي نناقشها ما هي إلا دلائل على حصول هذا الفراق بين الروح والجسد.
ولعل من أفضل التعريفات للروح هو ما عرفها به الإمام ابن القَيِّم ﵀ حيث قال عنها:
«جسم مخالف بالماهِيَّة لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني عُلوي خفيف حي متحرك ينفُذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريانَ الماءِ في الورد وسريانَ الدُّهْنِ في الزيتون والنارِ في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقَبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف ساريًا في هذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية. وإذا فسدت هذه بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قَبول تلك الآثار، فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح» (١).
وهذا الذي ذكره ابن القَيِّم هو معتقد أهل السنة، خلافًا للمعتزلة الذين يرون الروح عرضًا من الجسد وليست شيئًا غيره (٢).
ومما ينبغي الوقوف عنده في كلامه ﵀ هو قوله: «وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب
стр. 232
استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن» فهل يعني ذلك أنه لو حكم الأطباء أن الجسم لم يعد صالحًا بصفة نهائية لقبول أي أثر من آثار الروح التي تميز حياة الإنسان عن حياة النبات كالعلم والإرادة، نقول عندها بوفاة الإنسان؟ وإن بقيت بعض علامات الحياة الجسدية أو النسيجية؟
إن الروح الإنسانية لها من الآثار على البدن ما يميز بين الإنسان والنبات، بل بين الإنسان والحيوان، يقول الجُرْجَانِيّ ﵀ (١) في «التَّعريفات»: «الروح الإنساني هو اللطيفة العالمة المُدْرِكة من الإنسان الراكبة على الروح الحيواني نازلٌ من عالم الأمر، تعجِز العقول عن إدراك كنهه وتلك الروح قد تكون مجردة وقد تكون منطبقة في البدن» (٢).
لاحظ قوله «المدركة». ولكن هل يعني هذا أن الرضيع والمعتوه ميتان؟
ليس كذلك، فإنهما لا يزال معهما بعض إدراكٍ، فهما يسمعان ويُبصران ويشُمَّان ويتَذَوَّقان ويحُسَّان، وكل ذلك من أنواع الإدراك. بيد أن الإدراك وحده ليس الخصيصة الوحيدة التي يتميز بها الإنسان عن النبات، ولكنْ هناك خصيصةُ الإرادةِ التي تميز الحياة الإنسانية، ولقد نقل المُناوِيّ في التعاريف عن ابن الكمال ﵀ قوله: «الحياة صفةٌ توجِب للمتصف بها العلمَ والقدرةَ» (٣).
ولكن هل يعني هذا أن من لا علم له ولا قدرة ليس من الأحياء؟
إن هناك حالات الحياة النباتية المستمرة والتي تموت فيها قشرة الدِّمَاغ أو المخ دون
стр. 233
جذع الدِّمَاغ، فيبقى القلب ينبِض تِلقائيًا من غير منفسة، ويبقى التنفس مستمرًا. لقد كان المريض في السابق يموت من الجفاف ونقص الغذاء وقُرَح الفراش، ولكن الآن، ومع تقدم الرعاية الطبية، يُعَمِّر بعض هؤلاء المرضى فوق عشر السنين ومتوسط حياتهم على تلك الحالة ما بين السنتين والخمس (١) عند وجود الرعاية الطبية المتميزة.
إن هؤلاء المرضى يكونون فاقدين بالكلية للوعي والإرادة، بل يشترط لتشخيص هذه الحالة الفُقدان الكامل للوعي بالمحيط الخارجي، وأي قدرة على التعاطي معه بالكلام أو الإشارة، مع فقد كامل للإبصار والسمع وجميع الحواس. ولكن رَغم كل هذا، فإن بعض مراكز الدِّمَاغ التي لم تمت تحافظ على نبض القلب والتنفس بل ودورة النوم واليقظة، والتي يتم الاستدلال عليها عن طريق بعض الحركات اللا إرادية، كالبلع والتبسم وبعض الأصوات المصاحبة للنَّفَس.
إنَّ فقيهًا واحدًا لا يتجاسر على وصف هذه الحالات بالموت، وإن اختلفوا في قدر الرعاية التي ينبغي أن تبذل لهم.
إن فقهاءنا - رحم الله من قضى منهم ومن ينتظر - يقسمون الحياة إلى أقسام:
١ - فهناك الحياة المستمرة، وهي حياة من لم ينزل به مرضٌ أو حادثٌ يُتيقَّن معه موتُه قريبًا.
٢ - وهناك الحياة المستقرة، ويمثلون لها بحالة عمر ﵁، فإنه بعد طعنه وتيقن موته، كان يوصي ويعهَد، وهذه الحياة كسابقتها في الحرمة.
стр. 234
٣ - وهناك حياة المذبوح (١)، وهو من لا إبصار له ولا إدراك ولا حركة اختيار بعد نزع أحشائه أو ذبحه، ولكن قد يكون به نبض في عروقه وحركات اختلاجية، وهذه الحالة لها أحكام خاصة.
وتنبغي الإشارة هنا إلى أن من لم يروا من الفقهاء أن ميت الدِّمَاغ ميتٌ أو له حُكمُه، يرى أكثرهم أن حياته كعيش المذبوح، والقليل جدًا هو من يرى أن له حياةً مستقرةً.
الموت:
الموت قد عرفه صاحب «التِّبيَان في تَفسِير غَرِيب القُرآن» بالآتي:
«الموت يكون مصدرًا كمات يموت كقال يقول أو كمات يمات كخاف يخاف ويكون اسمًا وهو يقابل الحياة تقابل الملكة والعدم عند المعتزلة فهو زوال الحياة وتقابل الضدين عند الأشعريين فقيل هو عَرَض يعقُب الحياة؛ وقيل عرض لا يصح معه إحساس يعقُب الحياة» (٢).
قلت: إن الموت ليس عدمًا، فإن البرزخ جِسر بين الدنيا والآخرة فيه نعيم وعذاب، كما تواترت بذلك نصوص الوحي.
ولعله من الوجيه، بعد هذا التقرير، أن نقف مع العَلاقة بين الموت والحياة، أهما نقيضان أم ضدان؟
стр. 235
الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال لا تكون باختيار أحدهما من غير تفصيل، فقبل الإجابة لابد من التساؤل عن المقصود بالحياة؟ هل هي الحياة الإنسانية الدنيوية؟ فإن قيل نعم، وكان المحل هو الإنسان بعد نفخ روحه، فهما نقيضان لأن الإنسان لا يجتمع فيه الوصفان ولا يخلو منهما.
أما في غير ذلك فهما ضدان، فالجنين قبل نفخ الروح فيه لا يوصف بالموت ولا يوصف بالحياة الإنسانية الدنيوية.
إننا لو اعتبرنا الموت والحياة ضدين، لجاز أن نجعل عيش المذبوح غيرهما، فلا نثبت له حياةً ولا موتًا. ولكن الذي يظهر لي أنهما، في هذه الدار، نقيضان. وإن فقهاءنا، وإن أجروا على المذبوح بعض أحكام الأموات، كما سيأتي، لم يسموه ميتًا، بل جعلوا حياته أحد أقسام الحياة لا قسيمًا لها، وسمَّوها عيش المذبوح.
إن الذي يظهر أن الإنسان في هذه الدار، وبعد ولادته إما أن يكون حيًا أو ميتًا، ولا ثالث لهما (١).
بقي أن الأطباء يصفون حياة من ماتت قشرة مخه بالنباتية وهذا ليس له اعتبار في الشريعة، فإن هذا الإنسان الذي ينبض قلبه تِلقائيًا ويتنفس له حياة إنسانية محترمة في ميزان الشرع.
ومن تعريفات الموت في اللغة والاصطلاح ما جاء في الموسوعة الفقهية:
«المَوْتُ في اللغة: ضد الحياة. يقال: مَاتَ يَمُوتُ فهو مَيِّتٌ وَمَيْتٌ ومن أسمائه: المَنُونُ وَالمَنَّا وَالمَنِيَّةُ وَالشُّعُوبُ وَالسَّامُ وَالحِمَامُ وَالحَيْنُ وَالرَّدَى وَالهَلاكُ وَالثُّكْلُ وَالوَفَاةُ وَالخَبَالُ. وفي مقايِيسِ اللغة: المِيمُ وَالوَاوُ وَالتَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى ذَهَابِ القُوَّةِ مِنْ الشَّيْءِ
стр. 236
وَمِنْهُ المَوْتُ خِلافُ الْحَيَاةِ. والموت فِي الاصطلاحِ هو: مفارقة الروحِ للجسد. قال الغَزالِيّ: ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها» (١).
لاحظ قوله «بخروج الجسد عن طاعتها» واستحضر ذلك عند الكلام عن «انعدام الترابط والتناسق بين أجهزة الجسم» الذي نذكره عند التعريف بموت الدِّمَاغ.
ولا يعترض على التعريف بالمغشي عليه، فإن آثار تصرف الروح ظاهرة على الجسد، الذي ما زال قلبه ينبض تلقائيًا ويتحرك النفس في صدره.
وأنت تجد أن الكثير من التعريفات في كتب اللغة والفقه تصف الموت بأنه ضد الحياة والحياة بأنها ضد الموت؛ وما ذلك إلا لعجزنا نحن البشرَ عن إدراك حقيقةِ تلك النفسِ التي بين جنبينا، ليبقى ذلك شاهدًا على قلة علمنا وحولنا وقوتنا. ولعل العجز عن إدراك كُنْه الموت جعل الفقهاء يعلقون أحكامه على أماراته الظاهرة (٢).
* * *
стр. 237
• ثانيًا: في الطب:
إن العلوم الغربية الحديثة لا تتعرض إلى ما بعد المادة، فهي لا تبحث في الروح وذلك أن الروح لا تُشاهَد ولا تُسمَع أو تُشَم، وليس لها طول أو عرض أو عمق ... إلخ؛ وإن كان العاقل يؤمن بالشيء بإدراك آثاره. ولكن الطب الحديث معني بالبدن، فمناقشة الحياة والموت من هذه الجهة هي مناقشة عن البدن وأعراضه.
إن الناس كانوا يستدلون على الموت قبل تطور العلوم الطبية بعلامات ظاهرة كما سبق ثم صار لنبض القلب أهمية كبرى بعد اختراع السماعة الطبية حتى استقر رأي الأطباء على أن الموت هو توقف التنفس والدورة الدموية توقفًا لا رجعة فيه، وأكثرهم يحاولون إنعاش من توقف قلبه لمدة تتراوح بين الخمس عشرة والثلاثين دقيقة ثم يعلنون موته.
ولكن مع تطور العلوم الطبية كما سبق، ووجود تلك الحالات التي يثبت فيها موت جذع الدِّمَاغ والمريض على المُنَفِّسَة، ينبض قلبه بتأثيرها، بدأ الأطباء في البحث فيما إذا كان موت جذع الدِّمَاغ موتًا نهائيًّا لا رجعة فيه ولا بصيص أملٍ معه في عودة الإنسان إلى الحياة أم لا؟ وبعد جُهد جهيد ودراسات طويلة اتفق رأيهم على كونه موتًا لا رجعة فيه، وأنه يستحيل لمن مات جذعُ دماغه أن يعود للحياة فينبض قلبه تلقائيًّا ويتنفس (١).
إن موت الدِّمَاغ صار عند الأطباء المعيار الأدق للموت، بل إن موت القلب صار يفتقر إلى موت الدِّمَاغ ليتأكد الأطباء من حصول الموت الذي لا رجعة فيه، ولكنَّ هذا
стр. 238
يحتاج إلى مجرد التَّربُّص عدة دقائق بميت القلب ليُعلَم أن دماغه قد مات (١).
والحقيقة التي ينبغي التأكيد عليها هنا أن الأطباء، إلا شذوذًا منهم، يتحرَّوْن الدقة في هذه الأمور، ولا يمكن وصفهم بالطيش أو التهور. وهذا ينطبق على المسلم منهم وغيره، فإن المهنة الطبية قائمةٌ على حفظ الحياة لا إزهاقها. بل إن الكثير من الأطباء أكثر تشددًا من كثير من الفقهاء بهذا الصدد.
وفي المطلب الآتي نعرض بيانًا وافيًا عن موت الدِّمَاغ من وجهة نظر الطب، لما في ذلك التفصيل من فائدةِ إيقافِ الفقيهِ على حقيقة ما يدور في الشِّق الطبي من هذه النازلة.
* * *
стр. 239
• موت الدِّمَاغ في الطب الحديث:
[٤] رسم توضيحي للدماغ
مقدمة (١):
الموت [في عرف الطب الغربي الحديث] هو حادثة بيولوجية غير قابلة للرجوع تتألف من توقفٍ دائمٍ للوظائفِ الحسَّاسة للكائن ككل.
هذا المفهوم يسمح للأنسجة أن تستمر إذا كانت في حالة عزلة [أي انعدام الترابط
стр. 240
والتناسق بين أجهزة الجسم]، ولكن يتطلب فُقدان الوظيفة التكاملية لمختلف أعضاء جسم الإنسان. لذلك يُعتبر موت الدِّمَاغ موتًا، لأن وظيفة الدِّمَاغ أساسية للتكامل بين المهام الحساسة للجسم.
ومساواة موت الدِّمَاغ بالموت بشكل عام مقبولة إلى حدّ كبير، ولكن ليس عند الجميع.
ما هو موت الدِّمَاغ وتاريخه ومعايير تشخيصه ؟
موت الدِّمَاغ يعني الغِيَاب الدائمَ لوظائفِ جذعِ الدِّمَاغِ والوظائفِ الدِّمَاغيةِ. ومع أن تعبيرَ موتِ الدِّمَاغ يُستخدم بشكل عام (١) ويمتد إلى كل المرضى بالأذِيَّات الدِّمَاغية الشديدة، فإن معناه من ناحية طبيّة قضائية ضيّق جدًّا.
• تاريخ موت الدِّمَاغ:
• مفهوم الغيبوبة غير القابلة للعودة أو موت الدِّمَاغ وُصِفَ أول مرة في عام ١٩٥٩ قبل الانتشار الواسع للتبرع بالأعضاء، مع أن التبرع بالأعضاء جعل تصنيفه ضرورة حتمية.
• ومع أن التفاصيل الخاصّة للمعايير التشخيصية تختلف، فإن التعريف الرئيس لموت الدِّمَاغ بقي ثابتًا بمرور الزمن وعبر البلاد. وهناك حالة استثناء واحدة حيث إن بعض البلاد مثل الولايات المتحدة تعتبر أن موت الدِّمَاغ هو موت الدِّمَاغ ككل، بينما بلادٌ أُخرى كالمملكة المتحدة تأخذ بمفهوم «موت جذع الدِّمَاغ» كموتٍ للدماغ.
стр. 241
التكييف القانوني لموت الدِّمَاغ [في القانون الأمريكي]:
• بينما يساوي القانون الأمريكي الفيدرالي بين موت الدِّمَاغ والموت القلبي التنفسي، فإنه ليس هناك معاييرُ تشخيصيةٌ مفروضةٌ قانونًا.
• بعض الولايات والمؤسسات العلاجية تعتمد معاييرَ خاصةً بها، بالذات عندما يتعلق الأمر بالتبرع بالأعضاء. وأكثر الممارسين يعتمدون على المعايير المنشورة.
• بعض المرضى لديهم اعتقاداتٌ دينية تعارض مبدأ مساواة موت الدِّمَاغ بالموت؛ ولذلك، فإن كلًّا من ولايتي نيوجرسي ونيويورك قد تعاملتا مع هذا الموضوع بإصدار قوانين تتطلب الموت القلبي الرئوي كتعريفٍ للموت في حق هؤلاء المرضى.
• وفي حين أن هناك سابقة قانونية لإيقاف دعم الحياة رَغم اعتراض عائلة المريض، فإن كثيرًا من الأطباء ينصحون بتأخيرها وتثقيف العائلة ودعمِها معنويًّا ومفاوضتِها في مثل هذه الحالة.
• إمكانية اعتبار التبرع بأعضاء ميت الدِّمَاغ مما يساعد المنكوبين بفقد المريض على السُّلوان، ويجب أن يعرض ذلك على العائلات، ولكن يجب أن لا يكون الحافزَ لتشخيص موت الدِّمَاغ.
• أسباب موت الدِّمَاغ:
في معظم الحالات عند البالغين، فإن الرضوضَ ونزيفَ ما تحت الغشاءِ العنكبوتي هي الأسباب الأكثر شيوعًا للموت الدِّمَاغي، ولكنَّ أيةَ حالةٍ تسبب أذيةً دماغيةً واسعةً دائمةً قد تؤدي إلى موت دماغي.
стр. 242
• معايير تشخيص موت الدِّمَاغ:
المعايير السريرية:
يمكن تشخيص الموت الدِّمَاغي سريريًّا، وتحتاج معايير تشخيصه إلى شروطٍ تتعلق بالحالة السريرية وانعدام أي دليل على أي وظيفة دماغية خلال الفحص العصبي.
الظروف السريرية:
هناك أربعة شروط قبل اعتبار أي مريض ميتَ الدِّمَاغِ:
١ - دليل سريري أو عصبي تصويري على كارثة حادّة في الجهاز العصبي تتوافق مع التشخيص السريري لموت الدِّمَاغ، أي يجب أن يُعرف السبب المؤدي للموت الدِّمَاغي.
٢ - انعدام عوامل خلط طبية أُخرى تعقد الوضع السريري مثل [اضطراب الشوارد، أو حمض الأساس، أو الغدد]
٣ - انعدام وجود أي من المواد السامة أو المخدِّرة التي قد تُؤثر على التقييم السريري.
٤ - أن تكون درجة حرارة باطن الجسم أكثر من ٣٢ ْم أو أكثر من ٩٠ فهرنهايت، فإن نقص الحرارة قد يسبب صعوبة في تشخيص موت الدِّمَاغ، وليس هناك درجة حرارة معينة ثابتة كعَتَبَةٍ؛ ولقد اعتبرت إحدى التوصيات الكندية التي نُشِرت في كندا عام ٢٠٠٦ م درجة الحرارة ٣٤ ْم كمعيار.
стр. 243
الفحص العصبي:
يتوجب بالفحص العصبي إثبات غِيَاب أية وظيفة دماغية أو جذعية دماغية مع توافر الآتي:
١ - غيبوبة.
٢ - غِيَاب أي استجابة حركية.
٣ - غِيَاب المُنعَكس الحَدَقي الضوئي، والحدقات في وضع متوسط أو متسع ٤ - ٩ ملم.
٤ - غِيَاب المنعكس القَحَفِيِّ العيني «عين الدُّمية».
٥ - غِيَاب المنعكس الدِّهليزي البصري «المنعكس الحراري».
٦ - غِيَاب المنعكس البُلْعُومي «منعكس التقيؤ».
٧ - غِيَاب السُّعال عند الشَّفطِ الرُّغامِي.
٨ - غِيَاب منعكسات المصِّ.
٩ - انعدام التنفس.
وقد تحصُل بعض الحركات في مريض موت الدِّمَاغ ناشئةً من النخاع الشوكي أو الأعصاب الطرفية، وهذه شائعة «٣٣ - ٧٥ %» وقد تتحرض بمُحَرِّضَات لمسيّة أو تحدث تلقائيًّا.
أمثلة على هذه الحركات:
١ - حركات خفيفة شبه إيقاعية للعضلات الوجهِيّة قد تنشأ من العصَب الوجهِيّ المجرَّد.
٢ - حركات قبض الأصابع.
стр. 244
٣ - مُنعَكسات رقبية تَوَتُّرِيَّة وتحريك الرقبة السلبي، خصوصًا الانطواء، مترافقًا مع حركات طرفية أو جذعية معقدة، بما فيها التقريب عند الكتفين والثني عند المِرْفَقين وبَطْحُ وكَبُّ المِعصمين أو انثناءٌ عند الجذع (حركات شبيهة بالجلوس) وتقلصات عضلات الرقبة والبطن أو التفات الرأس لجهة واحدة. وغالبًا ما تكون هذه الحركات شديدة وتُدعى «علامة لا زارس».
٤ - منعكس الانحناء الثلاثي (انحناء الوَرِك (الوَِرْك) والرُّكْبَة والكاهِل بتحريض القدم) مثال اختبار «علامة بابنسكي».
٥ - حركات جذعية أخرى تتضمن التَّوضُّع غير المتناظر، المتقوس الخلفي للجذع مع المحافظة على المنعكسات البطنية السطحية والعميقة.
٦ - تناوب المنعكسات وقبض وبسط أصابع الأقدام مع تغيير وضع القدم بشكل سلبي أو قبض الأصابع بعد نقر القدم أو علامة إيجابية لبابنسكي.
٧ - منعكس مَدِّيٌّ مُكِبٌّ للطرف العلوي.
اختبار انعدام التنفس:
يتم ذلك بعد استكمال كل معايير تشخيص الموت الدِّمَاغي. وتكون النتيجة إيجابية عندما لا يستجيب الجهاز التنفسي لارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون إلى أكثر من ٦٠.
ويمكن تفادي هبوط الأكسجين بعد إيقاف جهاز التنفس بإعطاء تركيزٍ عالٍ منه قُبيل إيقافه.
فترة المراقبة بعد اكتمال المعايير وقبل الحكم بموت الدِّمَاغ:
وهي فاصل زمني وقدره:
• ٤٨ ساعةً للأطفال الرُضَّع بعمر سبعة أيام إلى شهرين.
стр. 245
• ٢٤ ساعةً لعمر مابين شهرين إلى سنة.
• ١٢ ساعةً لعمر مابين سنةٍ إلى ثماني عشرة سنة.
فترة المراقبة للبالغين تكون اختيارية ولكن ٦ ساعات غالبًا ما يوصى بها ويمكن أن تكون أطول إلى ٢٤ ساعة يوصى بها في حالات الاعتلال الدِّمَاغي ناقص التروية بنقص الأكسجة.
الفاحصون السريريون:
تختلف الولايات والأقطار فيما إذا كان طبيبٌ واحدٌ فقط أو أكثرُ من طبيبٍ مطلوبًا لإعلان كون المريض ميتًا دماغيًّا.
الفحوص المكملة:
مقدمة عن الفحوص التكميلية:
• فحص سريري كامل يكفي عادة، وغالبًا ما يكون متفوقًا على الفحوصات التكميلية في موت الدِّمَاغ عند البالغين، ولكن المعايير السريرية أحيانًا لا يمكن تطبيقها، وفي هذه الحالات الفحوص التكميلية تكون ضرورية.
• والفحوص المكملة تكون مطلوبة للرُّضَّع أقل من سنة في كل الأحوال. ويلزم حصول فحصين إيجابيين للمرضى الذين يقل عمرهم عن شهرين.
• بعض البُلَدان تحتِّم استعمال الفحوص المُكمِّلة لتتميم الفحص السريري.
• لسوء الحظ لا يوجد أي فحص متوفر حاليًا لموت الدِّمَاغ «الذي يطابق جميع المعايير لجعله فحصًا مثاليًّا».
стр. 246
أنواع الفحوص التكميلية:
١ - فحص الكهرَبائية الفيزيولوجية:
الفحوصات الكهرَبائية الفيزيولوجية المستخدمة في تشخيص الموت الدِّمَاغي تتضمن تخطيط الدِّمَاغ الكهربائي وفحوص الإمكانات المحَرّضَة.
تخطيط الدِّمَاغ الكهربائي الـ EEG.
إن الصمت الكهرَبائي الدِّمَاغي أو تخطيط الدِّمَاغ الصامت كان عُنصرًا من المبادئ التوجيهية المنشورة في البداية ويبقى مُوصًى به بشدَّة في الولايات المتحدة كما أنه جزء أساسي في المعايير الأمريكية لتشخيص موت الدِّمَاغ في الأطفال الصغار جدًّا.
التخطيط الكهرَبائي الدِّمَاغي يلخص الإمكانيات المِشبَكيَّة من القشرة الدِّمَاغية ولا يُفصِح عن الإمكانيات لِعناصر ما تحت القشرة مثل: جذع الدِّمَاغ والمِهاد ولهذا فإن EEG قد يكون صامتًا أو متعادلا كهرَبائيًا حتى مع وجود وحدات عصبية حيّة في جذع الدِّمَاغ في مكان آخر.
الـ EEG أيضًا قد يكون عرضة لعوامل خَلْط وقد يكون صامتًا أو متعادلا كهرَبائيًّا في حالات التخدير بأدوية أو ابتلاع مواد سامّة أو انخفاض الحرارة أو نتيجة عوامل استقلابية.
٢ - جريان الدم الدِّمَاغي:
إن الفحوصات التي تُظهر غَِياب جريانِ الدم إلى الدِّمَاغ تعتبر عمومًا مقبولة كدليلٍ على موت الدِّمَاغ.
من البديهي أن دماغًا بدون تغذية دموية هو ميتـ ولكن لا يمنع وجود بعض التدفق الدموي الشرياني في الحجرات داخل الدِّمَاغية من تشخيص موت الدِّمَاغ.
стр. 247
فحوصات تدفق الدم الدِّمَاغية لا تتأثر بالأدوية ولا بالاضطرابات الاستقلابية ولا بنقص الحرارة. ولكنْ من المهمِّ أخذُ الحذر من أن ضغط الدم الجهازي يجب أن يكون كافيًا. مثال: يجب أن لا يكون المريض في حالة صدمة عندما تُجرى هذه الفحوص.
٣ - اختبارات الطب النَّوَوِيّ:
إن غِيَاب امتصاص النظائر النَّوَوِيّة يشير إلى غِيَاب التروية الدِّمَاغية ويدعم تشخيص موتِ الدِّمَاغ «ظاهرة الجُمْجُمَة المُفرَّغة». تتحسن حساسية الاختبار بإجراء فحص لاحق خلال ٢٤ - ٤٨ ساعةً.
في دراسات أُجريت لعدد قليل من المتأذِّين دِماغيًّا ولكن ليس لمرضى ميتي الدِّمَاغ لم يكن هناك أية حالة إيجابية كاذبة.
مُقلِّدات موت الدِّمَاغ:
يشخص موت الدِّمَاغ خطأً في الحالات السريرية الآتية:
١ - متلازمة المقفول عليه.
٢ - نقص الحرارة.
٣ - التسمم الدوائي.
٤ - متلازمة غيلان باريه.
• متلازمة المقفول عليه: هي نتيجة أذية موضعية لقاعدة الجسر. وفيها يبقى للمريض وَعْيه، ولكن لا يستطيع تحريك عضلات الأطراف أو الجذع أو الوجه ما عدا حركات إرادية، كالغمز بالعينين، أو حركات عمودية لكرة العين، والتي تبقى سليمة.
стр. 248
الإنذار السريري (التكهن بالعاقبة):
في البالغين قلما يطول الموت الدِّمَاغي أكثر من عدة أيام قبل أن يُتبع بموت جسدي وبواحدة من الدراسات كل من ٧٣ الثلاثة والسبعين مريضًا الذين تطابقوا مع المعايير السريرية لموت الدِّمَاغ عانوا من توقف قلبي على الرَّغم من دعم تنفسي قلبي كامل و ٩٧% ماتوا خلال ٧ سبعة أيام.
تم تَحَدِّي هذا المبدأ في سلسلة سريرية تتألف من ١٧٥ خمسةٍ وسبعينَ ومائةِ مريضٍ بقُوا على قيد الحياة أكثرَ من أسبوعٍ بعد تشخيص موت الدِّمَاغ. في هذه السلسلة، بقِي ٨٠ ثمانون مريضًا على قيد الحياة لمدة أسبوعين؛ ٤٤ أربعة وأربعون مريضًا بقُوا على قيد الحياة لمدة ٤ أربعة أسابيع؛ ٢٠ عشرون مريضًا بقُوا على قيد الحياة لمدة شهرين، ٧ سبعة مرضى بقوا على قيد الحياة لمدة ٦ ستة أشهر. هؤلاء الذين عاشوا فترةً أطولَ كانوا عمومًا أصغر في السن «اثنان مولودان جديدان». ولكن صحة هذه المصادر وتشخيص الموت في هذه المجموعة من المرضى قد طُعِنَ فيها.
• الخلاصة:
ظهر من العرض السابق: أن موت الدِّمَاغ المستوفي للشروط لا يمكن في إطار السنن الكونية المعروفة أن تتبعه حياة مستمرة.
أن هناك معايير دقيقة لهذا التشخيص يتفق عليها الأطباء وقد يزيد البعض معايير أخرى لمزيد من التَّوثُّق.
ويبقى سؤال مهم وهو: هل هناك احتمال خطأ في ذلك؟
الحقيقة أن الخطأ البشري واردٌ في كل شيء، حتى في تشخيص الموت عن طريق علاماته الظاهرة، حتى قال ابن عَابِدِين ﵀: «إن أكثر الذين يموتون بالسكتة يدفنون
стр. 249
وهم أحياء، لأنه يَعسُر إدراك الموت الحقيقي إلا على أفاضل الأطباء» (١) بل إن طبيبًا إيطاليًّا قد شق صدر ميتٍ عام ١٥٦٤ أربعة وستين وخمسمائة وألف لتشريحه فوجد قلبه ما زال ينبض (٢).
ولكن الحقيقة أيضًا أن احتمالات الخطأ من قبل الفريق الطبي في تشخيص الموت الدِّمَاغي هي دون احتمالاته عند تشخيص طبيب وزارة الصحة أو آحاد الناس الموتَ بعلاماتِه الظاهرة. وذلك، طبعًا، عند تطبيق المعايير المهنية، واستكمال الشروط، وانتفاء الموانع.
* * *
стр. 250
أقوال المعاصرين في موت الدِّمَاغ
ذهب فريق من أهل العلم إلى كون موت الدِّمَاغ (١) موتًا للإنسان، تترتب عليه جميع أحكام الموت. ومن هؤلاء: محمد نعيم ياسين (٢) (٣) وأحمد شرف الدين (٤) (٥) ومحمد مختار السُّلامِيّ (٦) (٧) وعمر سليمان الأشْقَر (٨)؛ واختار هذا الرأي مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٩).
وذهب فريقٌ من أهل العلم إلى كون موت الدِّمَاغ ليس موتًا للإنسان، ولا تترتب عليه أحكام الموت؛ وإن كان قد ذهب أكثرهم إلى جواز إيقاف أجهزة الإنعاش، لكون الحالة ميؤوسًا منها، ولعدم وجوب التداوي عندئذٍ. ومن هؤلاء: جاد الحق علي جاد الحق (١٠) (١١).