← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أنواع الفحوص التكميلية: ١ - فحص الكهرَبائية الفيزيولوجية: الفحوصات الكهرَبائية الفيزيولوجية المستخدمة في تشخيص الموت الدِّمَاغي تتضمن تخطيط الدِّمَاغ الكهربائي وفحوص الإمكانات المحَرّضَة. تخطيط الدِّمَاغ الكهربائي الـ EEG. إن الصمت الكهرَبائي الدِّمَاغي أو تخطيط الدِّمَاغ الصامت كان عُنصرًا من المبادئ التوجيهية المنشورة في البداية ويبقى مُوصًى به بشدَّة في الولايات المتحدة كما أنه جزء أساسي في المعايير الأمريكية لتشخيص موت الدِّمَاغ في الأطفال الصغار جدًّا. التخطيط الكهرَبائي الدِّمَاغي يلخص الإمكانيات المِشبَكيَّة من القشرة الدِّمَاغية ولا يُفصِح عن الإمكانيات لِعناصر ما تحت القشرة مثل: جذع الدِّمَاغ والمِهاد ولهذا فإن EEG قد يكون صامتًا أو متعادلا كهرَبائيًا حتى مع وجود وحدات عصبية حيّة في جذع الدِّمَاغ في مكان آخر. الـ EEG أيضًا قد يكون عرضة لعوامل خَلْط وقد يكون صامتًا أو متعادلا كهرَبائيًّا في حالات التخدير بأدوية أو ابتلاع مواد سامّة أو انخفاض الحرارة أو نتيجة عوامل استقلابية. ٢ - جريان الدم الدِّمَاغي: إن الفحوصات التي تُظهر غَِياب جريانِ الدم إلى الدِّمَاغ تعتبر عمومًا مقبولة كدليلٍ على موت الدِّمَاغ. من البديهي أن دماغًا بدون تغذية دموية هو ميتـ ولكن لا يمنع وجود بعض التدفق الدموي الشرياني في الحجرات داخل الدِّمَاغية من تشخيص موت الدِّمَاغ.

стр. 247

فحوصات تدفق الدم الدِّمَاغية لا تتأثر بالأدوية ولا بالاضطرابات الاستقلابية ولا بنقص الحرارة. ولكنْ من المهمِّ أخذُ الحذر من أن ضغط الدم الجهازي يجب أن يكون كافيًا. مثال: يجب أن لا يكون المريض في حالة صدمة عندما تُجرى هذه الفحوص. ٣ - اختبارات الطب النَّوَوِيّ: إن غِيَاب امتصاص النظائر النَّوَوِيّة يشير إلى غِيَاب التروية الدِّمَاغية ويدعم تشخيص موتِ الدِّمَاغ «ظاهرة الجُمْجُمَة المُفرَّغة». تتحسن حساسية الاختبار بإجراء فحص لاحق خلال ٢٤ - ٤٨ ساعةً. في دراسات أُجريت لعدد قليل من المتأذِّين دِماغيًّا ولكن ليس لمرضى ميتي الدِّمَاغ لم يكن هناك أية حالة إيجابية كاذبة. مُقلِّدات موت الدِّمَاغ: يشخص موت الدِّمَاغ خطأً في الحالات السريرية الآتية: ١ - متلازمة المقفول عليه. ٢ - نقص الحرارة. ٣ - التسمم الدوائي. ٤ - متلازمة غيلان باريه. • متلازمة المقفول عليه: هي نتيجة أذية موضعية لقاعدة الجسر. وفيها يبقى للمريض وَعْيه، ولكن لا يستطيع تحريك عضلات الأطراف أو الجذع أو الوجه ما عدا حركات إرادية، كالغمز بالعينين، أو حركات عمودية لكرة العين، والتي تبقى سليمة.

стр. 248

الإنذار السريري (التكهن بالعاقبة): في البالغين قلما يطول الموت الدِّمَاغي أكثر من عدة أيام قبل أن يُتبع بموت جسدي وبواحدة من الدراسات كل من ٧٣ الثلاثة والسبعين مريضًا الذين تطابقوا مع المعايير السريرية لموت الدِّمَاغ عانوا من توقف قلبي على الرَّغم من دعم تنفسي قلبي كامل و ٩٧% ماتوا خلال ٧ سبعة أيام. تم تَحَدِّي هذا المبدأ في سلسلة سريرية تتألف من ١٧٥ خمسةٍ وسبعينَ ومائةِ مريضٍ بقُوا على قيد الحياة أكثرَ من أسبوعٍ بعد تشخيص موت الدِّمَاغ. في هذه السلسلة، بقِي ٨٠ ثمانون مريضًا على قيد الحياة لمدة أسبوعين؛ ٤٤ أربعة وأربعون مريضًا بقُوا على قيد الحياة لمدة ٤ أربعة أسابيع؛ ٢٠ عشرون مريضًا بقُوا على قيد الحياة لمدة شهرين، ٧ سبعة مرضى بقوا على قيد الحياة لمدة ٦ ستة أشهر. هؤلاء الذين عاشوا فترةً أطولَ كانوا عمومًا أصغر في السن «اثنان مولودان جديدان». ولكن صحة هذه المصادر وتشخيص الموت في هذه المجموعة من المرضى قد طُعِنَ فيها. • الخلاصة: ظهر من العرض السابق: أن موت الدِّمَاغ المستوفي للشروط لا يمكن في إطار السنن الكونية المعروفة أن تتبعه حياة مستمرة. أن هناك معايير دقيقة لهذا التشخيص يتفق عليها الأطباء وقد يزيد البعض معايير أخرى لمزيد من التَّوثُّق. ويبقى سؤال مهم وهو: هل هناك احتمال خطأ في ذلك؟ الحقيقة أن الخطأ البشري واردٌ في كل شيء، حتى في تشخيص الموت عن طريق علاماته الظاهرة، حتى قال ابن عَابِدِين ﵀: «إن أكثر الذين يموتون بالسكتة يدفنون

стр. 249

وهم أحياء، لأنه يَعسُر إدراك الموت الحقيقي إلا على أفاضل الأطباء» (١) بل إن طبيبًا إيطاليًّا قد شق صدر ميتٍ عام ١٥٦٤ أربعة وستين وخمسمائة وألف لتشريحه فوجد قلبه ما زال ينبض (٢). ولكن الحقيقة أيضًا أن احتمالات الخطأ من قبل الفريق الطبي في تشخيص الموت الدِّمَاغي هي دون احتمالاته عند تشخيص طبيب وزارة الصحة أو آحاد الناس الموتَ بعلاماتِه الظاهرة. وذلك، طبعًا، عند تطبيق المعايير المهنية، واستكمال الشروط، وانتفاء الموانع. * * *

стр. 250

أقوال المعاصرين في موت الدِّمَاغ ذهب فريق من أهل العلم إلى كون موت الدِّمَاغ (١) موتًا للإنسان، تترتب عليه جميع أحكام الموت. ومن هؤلاء: محمد نعيم ياسين (٢) (٣) وأحمد شرف الدين (٤) (٥) ومحمد مختار السُّلامِيّ (٦) (٧) وعمر سليمان الأشْقَر (٨)؛ واختار هذا الرأي مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٩). وذهب فريقٌ من أهل العلم إلى كون موت الدِّمَاغ ليس موتًا للإنسان، ولا تترتب عليه أحكام الموت؛ وإن كان قد ذهب أكثرهم إلى جواز إيقاف أجهزة الإنعاش، لكون الحالة ميؤوسًا منها، ولعدم وجوب التداوي عندئذٍ. ومن هؤلاء: جاد الحق علي جاد الحق (١٠) (١١).

стр. 251

وتوفيق الواعي (١) (٢) ومحمد سعيد رمضان البوطي (٣) (٤) وبدر المتولي عبد الباسط (٥) (٦) وبكر أبو زيد (٧) (٨) ..................................................................

стр. 252

وعبد الله البسَّام (١) (٢) ومحمد بن محمد المختار الشِّنْقِيطِيّ (٣)؛ واختار هذا الرأي مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع للرابطة (٤). وهناك فريقٌ ثالثٌ أعطى هذا المريض حكم عيش المذبوح، وجعلوا له بعض أحكام الموتى دون بعضها، ولكن دون تفصيل كافٍ؛ وإلى هذا انتهت ندوة الحياة الإنسانية (٥) التي رعتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، والتي انتهت أعمالها في ربيع الآخر ١٤٠٥ هـ. ومن المشاركين في الندوة: الدكتور محمد سليمان الأشْقَر (٦)، والذي صرح في بحثه أن من الأحكام التي تجري على ذلك الإنسان قبل توقف القلب رفع أجهزة الإنعاش وكذلك نقل أعضائه، وفي كتابه «أبحاث اجتهادية في الفقه الطبي» استثنى أحكام المواريث والعدة حتى يتوقف قلبه (٧). * * *

стр. 253

قرارات المجامع الفقهية بشأن موت الدِّمَاغ وقبل مناقشة الأدلة والترجيح نورد قرارات وتوصيات المجامع الفقهية والهيئات العلمية: أولا: قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي: «إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالثِ بعَمَّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ - ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ؛ ١١ - ١٦ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٦ م. بعد تداوله في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع أجهزة الإنعاش واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين، قرر ما يلي: يعتبر شرعًا أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعًا للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين: - إذا توقف قلبه وتنفسه توقفًا تامًّا وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه. - إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيًّا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل. وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء، كالقلب مثلًا، لا يزال يعمل آليًّا بفعل الأجهزة المركبة. والله أعلم» (١)

стр. 254

ثانيًا: قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي: «تمهيد: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٤٢ صفر ١٤٠٨ هـ الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧ م إلى يوم الأربعاء الموافق ٢٨ صفر ١٤٠٨ الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧ م قد نظر في موضوع تقرير حصول الوفاة، بالعلامات الطبية القاطعة، وفي جواز رفع أجهزة الإنعاش عن المريض، الموضوعة عليه في حالة العناية المركزة، واستعرض المجلس الآراء، والبيانات الطبية، المقدمة شفهيًا وخطيًا، من وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية، ومن الأطباء الاختصاصيين. واطلع المجلس كذلك على قرار مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في مدينة عمان العاصمة الأردنية رقم (٥) ٣ - ٧ - ١٩٨٦ م. وبعد المدوالة في هذا الموضوع، من جميع جوانبه وملابساته، انتهى المجلس إلى القرار التالي: القرار: المريض الذي رُكِّبَت على جسمه أجهزةُ الإنعاش، يجوز رفعها، إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيًّا، وقررت لجنة من ثلاثة أطباءٍ اختصاصيين خبراء، أن التعطل لارجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لايزالان يعملان آليًّا بفعل الأجهزة المركبة. لكن لا يُحكم بموته شرعًا، إلا إذا توقف التنفس والقلب، توقفًا تامًّا بعد رفع هذه الأجهزة. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصبحه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين» (١).

стр. 255

ثالثًا: توصيات ندوة الحياة الإنسانية: بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي: «بسم الله الرحمن الرحيم- التوصيات ... وافقت الندوة على ما يلي: أولا: بداية الحياة: بداية الحياة تكون منذ التحام حيوان منوي ببويضة ليكونا البُوَيْضةَ الملقَّحة التي تحتوي الحقيبة الوراثية الكاملة للجنس البشري عامة وللكائن الفرد بذاته المتميز عن كل كائن آخر - على مدى الأزمنة - وتَشرَع في الانقسام لتعطي الجنين النامي المتطور المتجه من خلال مراحل الحمل إلى الميلاد. ثانيًا: منذ أن يستقر الحمل في بدن المرأة فله احترام متفق عليه ويترتب عليه أحكام شرعية معلومة. ثالثًا: إذا بلغ الجنين مرحلة نفخ الروح (على خلاف في توقيته، فإما مائة وعشرون يوما وإما أربعون يومًا) تعاظمت حرمته باتفاق وترتبت على ذلك أحكامٌ شرعية أخرى. رابعا: من أهم تلك الأحكام أحكام الإجهاض التي وردت في الفقرة السابعة من توصيات «ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام». ثانيًا: نهاية الحياة: أولًا: رأت الندوة أنه في أكثر الأحوال عندما يقع الموت فلا تقوم صعوبة في معرفته استنادا إلى ما تعارف عليه الناس من أمارات، أو اعتمادا على الكشف الطبي الظاهري الذي يستبين غِيَاب العلامات التي تميز الحي من الميت.

стр. 256

ثانيًا: تبين للندوة أن هناك حالات قليلة العدد، وهي عادة تكون تحت ملاحظة طبية شاملة ودقيقة في المشافي والمراكز الطبية المتخصصة ووحدات العناية المركزة، تكتسب أهميتها الخاصة من وجود الحاجة الماسة إلى تشخيص الوفاة فيها، ولو بقيت في الجسم علامات تعارف الناس من قديم على أنها من علامات الحياة، سواءٌ أكانت هذه العلامات تِلقائية في بعض أعضاء الجسم أم كانت أثرا من آثار أجهزة الإنعاش الموصولة بالجسم. ثالثًا: وقد تدارست الندوة ما ورد في كتب التراث الفقهي من الأمارات التي تدل على الموت واتضح لها أنه في غيبة نص شرعي يحدد الموت تمثل هذه الاجتهادات ما توفر آنذاك من معرفة طبية. ونظرا لأن تشخيص الموت والعلامات الدالة عليه كان على الدوام أمرا طبيا يبني بمقتضاه الفقهاء أحكامهم الشرعية، فقد عرض الأطباء في الندوة الرأي الطبي المعاصر فيما يختص بحدوث الموت. رابعًا: وضح للندوة بعد ما عرضه الأطباء: أن المعتمد عليه عندهم في تشخيص موت الإنسان، هو خمود منطقة المخ المنوطة بها الوظائف الحياتية الأساسية، وهو ما يعبر عنه بموت جذع المخ. إن تشخيص موت جذع المخ له شروطه الواضحة بعد استبعاد حالات بعينها قد تكون فيها شبهة، وإن في وسع الأطباء إصدار تشخيص مستقر يُطمَأن إليه بموت جذع المخ. إن أيًّا من الأعضاء أو الوظائف الرئيسية الأخرى كالقلب والتنفس قد يتوقف مؤقتًا، ولكن يمكن إسعافه واستنقاذ عدد من المرضى ما دام جذع المخ حيًّا ... أما إن كان جذع المخ قد مات فلا أمل في إنقاذه وإنما يكون المريض قد انتهت حياته. ولو ظلت، في أجهزة أخرى من الجسم، بقية من حركة أو وظيفة، هي لا شك بعد موت جذع المخ صائرة إلى توقف وخمود تام.

стр. 257

خامسًا: اتجه رأي الفقهاء تأسيسًا على هذا العرض من الأطباء، إلى أن الإنسان الذي يصل إلى مرحلة مستيقنة، هي موت جذع المخ، يعتبر قد استدبر الحياة، وأصبح صالحًا لأن تجري عليه بعض أحكام الموت، قياسا - مع فارق معروف - على ما ورد في الفقه خاصًا بالمصاب الذي وصل إلى حركة المذبوح. أما تطبيق بقية أحكام الموت عليه فقد اتجه الفقهاء الحاضرون إلى تأجيله حتى تتوقف الأجهزة الرئيسية. وتوصي الندوة بأن تجرى دراسة تفصيلية أخرى لتحديد ما يعجل وما يؤجل من الأحكام. سادسًا: بناءً على ما تقدم اتفق الرأي على أنه إذا تحقق موت جذع المخ بتقرير لجنة طبية مختصة جاز حينئذ إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعية» (١).

стр. 258

• مناقشة الأدلة والترجيح: * أولاً: أدلة من اعتبر موت الدِّمَاغ موتًا للإنسان: استدل هذا الفريق، ويُستدَل له، بما يأتي: ١ - عدم ورود النص في تحديد أمارات الموت وترك الأمر لأهل الخبرة والاختصاص مما جعل علامات الموت تتفاوت في كتب الفقهاء (١)، وهو حق فإن الوحي لم يأت ببيان في ذلك إلا قوله ﷺ : «إن الرُّوح إذا قُبِض تَبِعَه البَصَرُ» (٢). وقد يجاب بأن حركة الصدر ونبض القلب من العلامات الظاهرة عند الناس، ولما كانتا كذلك فلا يمكن الحكم على موته مع بقائهما، ويجاب على تلك الإجابة بأن حركة الصدر ليست تِلقائية ولكن بفعل المُنَفِّسَة ولو توقفت لتوقف التنفس يقينًا، أما نبض القلب فيبقى دقائق بعد توقف المُنَفِّسَة حتى يخمد يقينًا، وليس هو نبضًا تلقائيًّا، ولكنه بفعل وصول الأوكسجين إليه من الرئتين اللتين تتحركان بفعل المُنَفِّسَة. ٢ - توقف نبض القلب ليس من علامات الموت عند أهل السنة، ولا ذكر له في كتب المتقدمين منهم، وإنما ذكرها فقهاء الإباضية (٣). وقد يجاب أن الموت يعرف بخمود كل أعضاء الإنسان كما قال تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]، ومع كون القلب ينبِض، والقدرة على إدراك ذلك، لا يحكم بخمود الأعضاء. والجواب على ذلك أن الشعر ينمو لمدة

стр. 259

أربع وعشرين ساعة بعد الموت وكذلك الأظفار تنمو بعد الموت، ومنفوذ المقاتل ومقطوع الرأس ربما ينبض قلبه ويسيل دمه بعد الموت. ٣ - حياة المذبوح. تعرض الفقه الإسلامي قديمًا إلى حالة ذات شبه بحالة موت الدِّمَاغ، وهي المذبوح الذي تبقي في جسمه بقية حركة مع اليقين من كونه سائرًا إلى الموت كمنفوذ المَقَاتِل (١) ومن بانت حِشْوَتُه (٢) والمشنوق؛ فهو عادم للإبصار والنطق والإدراك والحركة الاختيارية. ولقد قرروا أن له حكم الميت، فيرثه أقرباؤه ولا يصح إسلامه ولا ردته ... إلخ. إلا أنهم ﵏ فرقوا بين من يصل إلى هذه الحالة بجناية، فينطبق عليه ما ذكرنا، ومن يصل إليها بمرض، فلا يحكمون له بالموت حتى تظهر علاماته المعروفة عندهم، قال الشيخ زكريا الأنصَارِيّ ﵀: « ... (والتذفيف أن يذبحه، أو يَقُدَّه، أو يُنَحِّي كرسيا تحت) رجلي (مشنوق، أو يُبِين الحشوة، أو يُنْهِيَه) بغير ذلك (إلى حركة المذبوح)، وهي حالة الشخص (العادم سمعا وبصرا واختيارا) بأن لا يبقى معها إبصار، وإدراك، ونطق وحركة اختياريان ... ويتحرك ويتكلم بكلمات لكنها لا تنتظم، وإن انتظمت فليست صادرة عن روية واختيار (وله) في الحالة المذكورة (حكم الميت فلا يصح إسلامه، ولا ردته)، ولا غيرهما من سائر التصرفات ويصير فيها المال للورثة (ولا يرث قريبَه، ولا يرثه من أسلم)، أو عَتَق (حينئذ بخلاف مريض انتهى في النزع إليها) أي إلى حركة المذبوح فليس له حكم الميت فيجب بقتله القِصاص (والفرق بينه) وبين المقدود (أن المريض حينئذ لم يقطع بموته)، وقد يظن به ذلك ثم يشفى (بخلاف المقدود) ومن في معناه

стр. 260

(فإنه يقطع بأنه لا يعيش إحالة على السبب الظاهر)» (١) والمستدل بهذا يقول إن ميت الدِّمَاغ كالمذبوح، والمعترض يقول ليس كذلك، فإن المذبوح فيه سبب ظاهر للموت يراه كل أحد، ألا ترى أن المريض من غير جناية إذا وصل إلى حال المذبوح فإنه لا يأخذ حكمه. وقد يجيب الفريق الأول بأن الفقهاء إنما فرقوا للشك في الثاني لعدم وجود الجناية والسبب الظاهر، والطب الحديث يقطع هذا الشك. ٤ - لما كان الجنين ينبض قلبه باتفاق الأطباء بعد الأسبوع الرابع ولا تنفخ الروح فيه باتفاق الفقهاء قبل اليوم الأربعين - وأكثرهم يقول المائة والعشرين (٢) - تبين أن القلب قد يكون نابضًا من غير وجود الروح في الجسم. ويجاب على ذلك بأن الجنين صح فيه الخبر وأصله النطفة الأمشاج وليس فيها حياة إنسانية - على الصحيح- أما الإنسان الحي فالأصل فيه الحياة فيبقى الأصل حتى يثبت باليقين عكسه. وربما أجاب الفريق الأول بأن المقصود إنما هو إثبات أن نبض القلب لا يعني بالضرورة وجود الحياة الإنسانية وهو ظاهر من المثال. ٥ - اشترط الفقهاء لإثبات الحياة للمولود الاستهلال وبعض العلامات الأخرى واستثنوا الحركة الاختلاجية (٣) والنفس والنفسين (٤) والعُطاس (٥) بل واستثنى المالكية

стр. 261

الرَّضاع (١) - وهو خطأ -، وهذا يبين أن الحركة البسيطة وبعض المنعكسات فهم فقهاؤنا ﵏ حصولها من غير الحي. وقد يجاب بدفع القياس بين الجنين وصاحب الحياة المستقرة. ولكن مقصود الفريق الأول إثبات عدم التعارض بين الموت والحركة البسيطة. ٦ - قد يحتج البعض بأن الحياة الإنسانية لا تكون كذلك إلا مع شيء من الإدراك أو القدرة، كما ذكر المُناوِيّ عن ابن الكَمَال في التعاريف أن الحياة «صفة توجب للمتصف بها العلم والقدرة» (٢). ويجاب على ذلك بأن هذه التعريفات ليست وحيًا معصومًا، وأن المعتوه فاقدٌ للإدراك ولا يحكُم فقيهٌ بموته والمشلول فاقد للحركة، وهو كالمعتوه، لا يحكم فقيه بموته. والجواب على هذا الجواب بأن المعتوه ليس فاقدًا لكل إدراك، بل هو يحس ويشم ويتذوق ... الخ. وكذلك المشلول ليس فاقدًا لكل قدرة، بل يعبر عن مراده بطرق مختلفة وإن كانت ملامح الوجه ونظرات العين. أما فاقد الإدراك والقدرة بالكلية، فما الذي بقي من حياته؟ ولكن يشكل على هذا أن المرضى في الحالة النباتية المستمرة يكونون فاقدين للإدراك بالكلية وكذلك القدرة، ولا يحكم بموتهم أحد من أهل الإسلام ولا أهل ملة أخرى، بل ولا يحكم الطِّب بموتهم.

стр. 262

٧ - ذَكَرَ بعض القائلين بأن موتَ الدِّمَاغِ موتٌ للإنسانِ اعتبارَ المصلحةِ، وقالَ «حيثما كانت المصلحةُ فثم شرعُ الله»، ولعله لم يرد أن هذا الاستدلال وحده يكفي للحكم على ميت الدِّمَاغ بالموت، وإنما أراد استخدام قواعد المصالح لتعضيد مذهبه. ويجاب على ذلك بأن المصالح تتفاوت ومنها المعتبرة شرعًا وتلك الملغاة شرعًا وبينهما مصالح مسكوت عنها. ومصلحة المريض الذي يحتاج إلى قلب لإنقاذه لا تعني التسرع بالحكم بالموت على ميت الدِّمَاغ فإن المرء لا يفتدي نفسه بأخيه. * * *

стр. 263

* ثانيًا: أدلة القائلين بأن موت الدِّمَاغ ليس موتًا للإنسان ولا يأخذ حكمه: ١ - اليقين لا يزول بالشك والأصل بقاء ما كان على ما كان واستصحاب حال الحياة. واليقين أن هذا الإنسان كان بالأمس صاحب حياة مستمرة أو مستقرة فيبقى ما كان على ما كان حتى يثبت باليقين موته وهو ممتنع مع خفقانِ قلبِه. وقد يجاب على ذلك بأن الأحكام تنبني على غلبة الظن، ولاسيما إن كانت مقاربةً لليقين؛ واليقين في كل أمر عزيز، ألا ترى أن القاضي يحكم بالقِصاص إذا شهد عدلان على الجاني، وقد يكذبان. وجواب هذا الجواب أنه إنما جرت هذه الأحكام على غلبة الظن لضرورة إقامة العدل بين الناس وحفظ الحقوق، أما التسرع في إثبات حكم الموت لمن ينبض قلبه وتجري الدماء في عروقه فليس ضرورة. وإنقاذ آخرَ بقلبِه ليس أمرًا يقينيًّا، بل إن من العلماءِ من لا يبيح نقل الأعضاء أصلًا (١). ٢ - العبرة بالحياة الجسدية لا الإدراكية العقلية، فالمعتوه يرث ويورث، وصاحب الحياة النباتية المستمرة يتفق أهل الفقه والطب بل وسائر أهل الملل على حياته. والجواب أن الحياة الجسدية المتناسقة يلزم لها حياة الدِّمَاغ أو جذعة لتدبير أمور الجسد من تنفس ونبض للقلب وغير ذلك، أما حياة الأعضاء فليست حياةً للجسد وقد تبقى العضلات حيةً لساعات تستجيب للإثارة بعد الموت الذي يتفق عليه الجميع.

стр. 264

وجواب هذا الجواب بالتفريق بين حياة بعض العضلات وخفقان القلب الذي يضخ الدم في العروق والذي تتعلق به الروح، وفي تراثنا ما يشير إلى أهمية القلب. قال الغَزالِيّ ﵀: «الروح وهو أيضا يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنيين: أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن، وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به. والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان؛ والروح مثالها السراج. وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه .. » (١). ٣ - اشترط الفقهاء عند الشك في الموت التربُّص يومًا أو اثنين أو ثلاثة (٢)، وذكروا أيضًا «حتى تغَيُّرِ الرائحة» (٣). والجواب أن ذلك عند الشك، وميتُ الدِّمَاغِ يحكم أهل الاختصاص ببدن الإنسان، القائمون على حفظ حياته وصحته أنه ميتٌ بيقين، وأن عودته للحياة مستحيلة، وأن دماغه يبدأ في التحلل من لحظة موته (٤)، وإن بقي القلب ينبِض بعمل المُنَفِّسَة. ٤ - رجوع ميت الدِّمَاغ إلى الحياة ليس مستحيلا عقلا فكذا لا يكون مستحيلا شرعًا. والجواب بأنه مستحيل عادةً، وعلى ذلك تعويل الشرع. ٥ - قد يكتشف الطِّب علاجًا لتوقف المخ كما اكتشف علاجًا لتوقف القلب بالصعق وبزرع قلب آخر وغير ذلك.

стр. 265

والجواب هو أن الكلام ليس عن توقف المخ بل موته، أما الزرع فمستحيلٌ لصعوبة العملية، فهناك الآلاف من الأعصاب والأوردة التي تحتاج إلى توصيل ببعضها وكل الزمن المتاح قبل موت المخ أربع دقائق (١) وقد يجاب بأن نقل المخ إنما هو قتلٌ لشخصٍ لمصلحة آخرَ. وجوابُ هذا أنه متصور إذا كان الأولُ مهدرَ الدم. ولكنَّ الحقيقة التي يعرفها كل طبيب أن زراعة المخ أو عودة الحياة للمخ الميت إنما هو ضرب من المستحيل. هذا وإن قال البعض بأن أحلام اليوم هي حقائق الغد، لكننا نبني أحكام اليوم على حقائق اليوم لا أحلامه. ٦ - الإسلام يربط أحكامه بعلامات ظاهرة، فالموت من الأمور التي يحتاج إلى معرفتها آحاد الناس وأبناء الحضر والبادية والطبيب وغيره. إذًا فلتبق علامات الموت على ما كانت من تلك الأمارات الظاهرة. والجواب أن سؤال أهل الخبرة أمر محمود شرعًا في معرفة الأمور المتعلقة بالدنيا وقد كانت نساء الصحابة ترسل بالدِّرَجَة فيها الكُرْسُف لعائشة ﵂ لتخبرهن بانتهاء حيضهن (٢). والشارع لم يربط الحكم بالموت بأسباب معينة، كما فعل في دخول شهر رمضان، فنقف عندها عند السبب المنصوص. ويطعن على هذا الاستدلال أيضًا ما قدمنا من أن خفقان القلب ليس من العلامات الظاهرة على الموت في كتب أهل السنة ولم يشِع استعمال هذه العلامة حتى شاع استخدام السماعة الطبية، فرجع الأمر إلى حكم الخبير. بل إنه لا يكون من قبيل المبالغة القول بوجوب الرجوع إلى الطبيب عند الشك في

стр. 266

حصول الموت. وإن أكثر الدول الإسلامية تشترط وجود شهادة وفاة من الطبيب لإصدار التصريح بالدفن. ٧ - يقر الأطباء بإمكانية حصول الخطأ في تشخيص موت الدِّمَاغ. وكذلك فإن الكثير من المعايير التي يذكرونها للحكم على موت الدِّمَاغ لا يتيسر العمل بها لجميع الأطباء، ومن ثم فإن اليقين في التشخيص غير متحصل وطالما وجد الشك عدنا إلى الأمر الأول وهو استمرار الحياة. والجواب أن الخطأ في تشخيص موت الدِّمَاغ عند اتباع المعايير المهنية أقل من خطأ العامة في تشخيص الموت بالعلامات الظاهرة، وكذلك فإن العبرة بتطبيق المعايير، أما من لا يطبقها فالخطأ خطؤه وليس عيبًا في دقة التشخيص عند اتباع معاييره. ويمكن اشتراط شهادة طبيين عدلين من أهل التخصص، بل يمكن الزيادة على ذلك، وشهادة الطبيين بالفعل جزء من المعايير في أكثر البلاد والمشافي. ٨ - سد الذرائع. قد يفتح القول بموت من مات دِماغه البابَ لأصحاب النفوس المريضة من بعض الأطباء وتجار الأعضاء لإزهاق أرواح الناس، من أجل الحصول على أعضائهم. وسد هذا الباب فيه ما فيه من حفظ كرامة الإنسان ومنع التلاعب بأرواح البشر. ولكن الذرائع منها ما يغلب على الظن أنه يؤدي للمحظور وما يغلب على الظن أنه لا يؤدي للمحظور ووسط بينهما، فالأول يسد كبيع السلاح للحربي وقت الحرب، والثاني لا يسد كبيعه لمسلم قد يقتل به أخاه في غير وقت الفتنة، والنوع الثالث فيه الخلاف، ومنه ما هو أقرب للنوع الأول ومنه ما هو أقرب للثاني، وإنه عند تطبيق المعايير التي ينبغي أن يفرضها ولي الأمر لتشخيص الموت الدِّمَاغي مع حصر ذلك الأمر في مستشفيات بعينها بها من الإمكانيات ما يؤهلها لدقة التشخيص، وكذلك نقل الأعضاء، بعد هذا كله تكون الذريعة أقرب إلى النوع الثاني منها إلى الأول، والله تعالى أعلم.

стр. 267

• الترجيح والتوصيات: الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن أكثر العلماء متفقون على جواز رفع أجهزة الإنعاش عمن مات دماغه، وبذلك صدر قرار المجمعين الفقهيين التابعين للمنظمة والرابطة وندوة الحياة الإنسانية، وهو الحق والصواب لأن التداوي ليس كله واجبا ولكن تعتريه الأحكام الخمسة ولا يكون واجبًا إلا عندما يعلم أنه يكون به بقاء النفس أو العضو أو دفع ضرر غير موهوم عن المريض أو المجتمع، وأن ذلك يتحصل بدواء مأمون ولا يكون بغيره. قال الإمام ابن تَيمِيَّة ﵀: «التحقيق أن من التداوي ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو واجب: وهو ما يُعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، ليس التداوي بضرورة بخلاف أكل الميتة» (١). ولا ريب في هذه الحالة من عدم الفائدة في التداوي وقد يكون فقط من قبيل إطالة معاناة أهل المريض أو الميت. وكذلك فإن الراجح هو جواز نقل الأعضاء من مهدور الدم بُعَيد إعدامه وقبل وقوف خفقان قلبه. جاء في تُحْفَة المُحْتاج: «(وله) أي المعصوم بل عليه (أكل آدميٍّ ميتٍ) محترم إذا لم يجد ميتة غيره ولو مغلظة ... (و) له بل عليه (قتلُ) مُهدَرٍ (نحو مرتد وحربي) وزانٍ محصنٍ ومحاربٍ وتاركِ صلاةٍ بشرطه ومن له عليه قوَدٌ من غير إذن الإمام للضرورة» (٢). فإن كان له بل عليه قتله لأكله، فلا جرم يكون نقل أعضائه للمعصوم جائزًا.

стр. 268

أما المسألة الأخيرة المتعلقة بالحكم بالموت على ميت الدِّمَاغ فلا ريب أن لكل من الفريقين دليله وأن القطع برجحان أحد القولين على الآخر متعذر ولقد رأيت أنه يسعني أن أقول الله تعالى أعلى وأعلم. وقد يكون هناك مخرج من الحكم بموت ميت الدِّمَاغ لنقل الأعضاء، وهو نقل ميت الدِّمَاغ إلى غرفة العمليات ونزع الأجهزة فيها - وهو ما وافقت عليه المجامع الفقهية - ثم التربص بميت الدِّمَاغ حتى يتوقف قلبه ومن ثم يحكم بموته اتفاقًا وعندها يتم نقل الأعضاء المحتاج إلى نقلها. ويبقى أن هذا قد يؤدي إلى القليل من الإضرار بالقلب. ولكن هناك توجهًا عامًّا عند الأطباء للقبول في المستقبل بنقل هذه القلوب من ميتي القلب والتغاضي عن الضرر الحاصل للقلب بعد توقفه والناتج عن نقص الأكسجة (١). وما زالت الأبحاث مستمرة للتقليل من هذه الأضرار (٢). وإن ما يشجع على هذا التوجه هو أن عدد حالات

стр. 269

المحتاجين إلى نقل القلب قد فاقت حالات الموت الدِّمَاغي (١). ومن ثم ومع هذه الحاجة بدأ الأطباء يفكرون في بدائل وتمت عملية نقل قلب وليدٍ بالفعل ونجحت في المدى القصير (٢)، ولم يعرف بعد إن كانت ستنجح في المدى الطويل. إنني لا أقول إن هذه هي الممارسة الشائعة ولكنها الممارسة المأمولة، ويرجى أن يكون عند أطباء المسلمين من الحافز والهمة ما يجعلهم روادًا في هذا المجال. * * *

стр. 270

المبحث الثاني: انتهاك حرمة الميت والتشريح

стр. 271

المبحث الثاني: انتهاك حرمة الميت والتشريح لعل وجه إيراد هذه المسألة هي أن المتقدمين من العلماء لم يتعرضوا لقضية تشريح جثة الميت من أجل التعليم أو التحقيق الجنائي، ولكن الذي قد يتبادر للذهن من كلامهم عن حرمة بدن الميت هو عدم جواز التشريح لهذين الغرضين. ولكنَّ تطور الطب، وبالأخص التخدير ومن ثم الجراحة، جعل من التشريح حاجة ماسة لكل متطبب وجراح. وكذلك فإن تطور الطب العدلي جعل تشريح جثة الميت لإثبات طريقة الموت والتوصل إلى الجاني من الوسائل التي تتحقق بها العدالة ويمنع بها الفساد. وسنعرض في هذا المبحث الخلاف بين المعاصرين حول هذه القضية ونجتهد في ترجيح القول الأسعد بالدليل ومقصود الشارع. وأبدأ بالتعريف: أولًا: التشريح في اللغة: مصدرٌ من شَرَّحَ بتشديد الراء، وله معانٍ منها: الفَتح والكَشف والإبَانَة والتَّفسِير والقَطع. قال في «مختار الصِّحاح»: الشرح الكشف؛ تقول شرح الغامض أي فسَّره وبابُه قَطَع؛ ومنه تشريح اللحم والقطعة منه شريحة وكل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة وشريح؛ وشرح الله صدره للإسلام فانشرح وبابه أيضا قطع (١).

стр. 272

ثانيًا: التشريح في الاصطلاح (Anatomy): علمٌ تُعرَف به أعضاء الإنسان بأعيانها وأشكالها وأقدارها وأعدادها وأصنافها وأوضاعها ومنافعها؛ ويتم ذلك بتقطيع جثة الميت (١). * * *

стр. 273

أقوال المعاصرين في حكم التشريح * لقد ذهب إلى المنع من التشريح بعض العلماء، ومنهم المشايخ محمد بخيت المُطِيعي (١) مفتي الديار المصرية سابقًا (٢) ومحمد برهان الدين السنبهلي (٣) ومحمد عبد الوهاب بحيري (٤). * وذهب إلى الجواز الجمهور من أهل العلم. وقررت الجواز المجامع الفقهية والهيئات العلمية، ومنها: لجنة الفتوى بالأزهر (٥) وهيئة كبار العلماء بالسعودية (٦)

стр. 274

ومجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة بمكة المكرمة (١) ولجنة الإفتاء بالمملكة الأردنية الهاشمية (٢). * أدلة المانعين: استدل المانع بالآتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] وفي التشريح إهانة لهم، والآية لم تفرق بين ميتهم وحيهم (٣). ٢ - قوله ﷺ : «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» (٤) ووجه الدلالة واضح. إلا أن

стр. 275

للمعارض أن يقول بمثل ما قال الشيخ عبد المجيد سليم (١) ﵀: « ... فإن الظاهر أن معنى هذا الحديث أن للميت حرمةً كحرمة الحي فلا يُتعَدَّى عليه بكسر عظم أو شق بطن أو غير ذلك لغير مصلحة راجحة أو حاجة ماسة، ويؤيد ذلك ما نقلناه عن السيوطي (٢) فى بيان سبب الحديث، فإنه ظاهر أن الحفَّار الذى نهاه النبي ﷺ عن كسر العظم كان يريد الكسر بدون أن تكون هناك مصلحة فى ذلك ولا حاجة ماسة إليه، وبما قلناه يتفق معنى الحديث الشريف وقواعد الدين الإسلامي القويم» (٣). وبما أجاب به الشيخ عبد المجيد ﵀ يمكن أن يجاب عن بقية النصوص الآمرة بإكرام الميت وعدم إهانته.

стр. 276

٣ - واستدلوا (١) بأن التشريح فيه مَثُلة بالجثة وقد نهينا عنها حتى مع الكافر المحارب، قال رسول الله ﷺ : «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ في سَبِيلِ اللهِ قَاتِلُوا من كَفَرَ بِاللهِ اغْزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تُمَثِّلُوا» (٢). ويجاب بأن المثلة أبيحت لمصلحة الردع عن الفساد في عقوبة المحاربين. ومصلحة التشريح للتحقيق الجنائي هي من ذات الباب، ومصلحة التشريح لتعلم الجراحة التي تُصان بها الأرواح ليست دون ذلك. ٤ - واستدلوا (٣) بالنهي عن الجلوس على القبر لعدم إيذاء الميت، وتشريحه أكثر إيذاءً. كذلك فإن التشريح من شأنه أن يؤذي أقارب الميت الأحياء وقد قال الرسول ﷺ : «لا تسُبّوا الأموات فتؤذوا الأحياء» (٤) ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن حديث كسر عظم الميت. ٥ - واستدلوا (٥) بقول من منع من العلماء من شق بطن المرأة الحامل الميتة لإخراج

стр. 277

جنينها، والجواب أن الجمهور قالوا بخلافه. وبمنع بعضهم من شق بطنه لاستخراج ماله أو مال غيره الذي أذن له بابتلاعه، والجواب أن مصلحة حفظ المال ليست كمصلحة حفظ الأرواح وأن المال لو كان كثيرًا فالأرجح شق بطنه لاستخراجه كما سنبين. ٦ - واستدلوا من المعقول بأن الشريعة الإسلامية حضت على إكرام الميت بتغسيله وتطييبه وتكفينه ودفنه، وفي التشريح من تأخير أو تجاوز ذلك ما لا يتفق مع مراد الشارع. * أدلة المبيحين: أما المبيحون فقد استدلوا: ١ - بالمتقرر في علم الأصول وفي القواعد الفقهية من أن الضرورات تبيح المحظورات. ٢ - دفع الضرر الناشئ عن إهمال تعلم التشريح وتخلف علم الجراحة عند المسلمين وكذلك ضياع الحقوق عند ترك التشريح للتحقيق الجنائي. وقد يجاب على ذلك بأن الضرر لا يزال بالضرر، والجواب على هذا الاعتراض بأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف والعام بالخاص. ونحن هنا أمام مفسدتين: الأولى: ترك علم التشريح بما يعنيه ذلك من تخلف في علوم الطب المؤسسة على علم التشريح سيما الجراحة الطبية، وهذا بدوره يؤدي إلى فساد في الأنفس والأبدان، فإنه لا يخفى ما حققه التقدم في علم الجراحة من نفع للبشرية وإنقاذ لأرواح كثير من المرضى بإذن الله تعالى. والمفسدة الثانية هي: تشريح جثث الموتى بما فيه من انتهاك حرمتهم وإيذاء أهلهم، ولقد رأى المبيحون أن هذه المفسدة دون المفسدة الأولى.

стр. 278

٣ - واستدلوا (١) بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومعلوم أن تعلم الجراحة من الواجبات الكفائية ذات الأهمية العظيمة. وقد يجاب بأن الحاجة تندفع بالأجسام البلاستيكية أو جثث الكفار. ولا شك عند الأطباء أن الأجسام البلاستيكية ليست تفي بالغرض إلى الآن. أما الاستغناء بجثث الكفار (٢) فليس متيسرًا، ولا أظن أن بلدًا من البلدان الإسلامية يمكن أن تُضمِّن هذا في تشريعاتها. كما أنه ليس يسلم لأصحاب هذا القول أن كل كافر يجوز تشريح جثته لأنه مستثنى من أدلة المنع، بل الكافر المعصوم في حياته لا يستثنى من أدلة المنع (٣). ٤ - واستدلوا (٤) بجواز شق بطن الحامل لاستخراج جنينها الحي. ويجاب بالمنع في حكم الأصل فإنه مختلف فيه. ولا يلزم القياس من وافق في الأصل للفارق، وهو أن الشق لانتزاع جنين حي إنما هو لضرورة متحققة. ويجاب بأن الضرورة التي تغلب على الظن كضرورة تعلم الجراحة عن طريق التشريح

стр. 279

أقرب إلى المتحققة منها إلى المتوهمة، فلزم القياس من وافق في حكم الأصل وهم الجمهور (١). ٥ - واستدلوا بجواز نبش القبر لاستخراج الكفن المغصوب. وأجيب بأنه ليس في ذلك من الإيذاء مثل ما في التشريح. ولكن النبش نوع إهانةٍ جاز للمصلحة. واستدلوا بجواز شق بطنه لاسترداد مالٍ مغصوبٍ ابتلعه (٢). وأجيب بأنه ارتكب من الجُرم ما استحق به هذا الصنيع بجثته، وأنه لو كان له مالٌ لدفع إلى صاحب الحق دون شق بطنه، وأنه لو ابتلع مال نفسه لم يجز شق بطنه (٣). وليس يسلم للمعترض أنه لا يُشق بطنُه لاستخراج مالٍ له ابتلعه أو لغيرِه إن كانت تركتُه تفي به، فهذا محل خلاف كما تقدم، بل قال ابن قُدامة ﵀: «وإن بلع الميت مالًا لم يَخْل من أن يكون له أو لغيره: فإن كان له لم يشق بطنه، لأنه استهلكه في

стр. 280

حياته، ويحتمل أنه إن كان يسيرا ترك وإن كثرت قيمته شق بطنه وأخرج، لأن فيه حفظ المال عن الضياع ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه؛ وإن كان المال لغيره وابتلعه بإذنه فهو كماله لأن صاحبه أذن في إتلافه؛ وإن بلعه غصبا، ففيه وجهان: أحدهما لا يشق بطنه ويغرم من تركته لأنه إذا لم يشق من أجل الولد المرجو حياته فمن أجل المال أولى؛ والثاني يشق إن كان كثيرا لأن فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه وعن الميت بإبراء ذمته وعن الورثة بحفظ التركة لهم» (١) فرجع الأمر إلى الموازنة بين المصلحة والمفسدة. . • الترجيح: والذي أرجحه هو قول الجمهور؛ وذلك للأسباب الآتية: ١ - أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، قال العز بن عبد السلام ﵀: «إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتُكِب أخفهما تفاديًا لأشدهما» (٢). فلو افترضنا أن الأجسام البلاستيكية البديلة ستفي يومًا بالحاجة إلى التعلم فيسقط عندها القول بالجواز للتعلم، ويبقى في حالة التحقيق الجنائي.

стр. 281

٢ - حيث غاب النص المحكم الصحيح، توجه إعمال القواعد كالمشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الجواب عن أحاديث منع إيذاء الميت بكسر عظمه أو الجلوس على قبره بأنها عند انعدام المصلحة الراجحة. ثم إن تشريح الميت للتعليم ليس كالتمثيل به للعبث (١). ٣ - القياس على تجويز الجمهور شق بطن المرأة لاستخراج جنينها الحي، وتقطيع الجنين الميت لإنقاذ أمه، وشق بطن الغاصب لاستخراج مال ابتلعه، وتجويز البعض فعل ذلك وإن ابتلع مال نفسه أو غيره بإذنه. ويشترط لتجويز التشريح: ١ - وجود الحاجة وانعدام البديل. ٢ - توقير الجثة أثناء التشريح. ٣ - موافقة الميت أو وليه. * * *

стр. 282

الفصل الثالث: الصيام وفيه مبحث ومسائل أخرى: مبحث: أثر تطوير المعارف الطبية على الفتوى بشأن مُفْطِرات الصيام. مسائل أخرى تستحق البحث في باب العبادات.

стр. 283

مبحث: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن مُفْطِرات الصيام وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المقدمة الطبية. المطلب الثاني: الخلاف الفقهي على الجوف. المطلب الثالث: الخلاف الفقهي على المنافذ.

стр. 284

مبحث: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن مُفْطِرات الصيام فرض الله الصوم على عباده وجعله من أركان الإسلام الخمسة. وثبت بالنص تحريم الأكل والشرب والجماع في نهار رمضان، حيث قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأجمع المسلمون على أن هذه الثلاثة تُفْطِر الصائم، وأجمعوا كذلك على أن الحيض والنفاس مما يُفْطِر، وذلك لقوله ﷺ فيما رواه البخاري من حديث عائشة ﵂: «ألَيْسَتْ إذا حاضَتْ لَمْ تُصَلِّ ولَمْ تَصُمْ؟» (١). وهذه الأمور الأربعة هي التي أجمع المسلمون على كونها من المُفْطِرات، ثم ظهر خلاف كثير في غيرها من الأمور التي قيست على هذه الأربعة. ومن أسباب الخلاف: اختلافهم ﵏ في حقيقة الجَوْف الذي يَفسَد الصيام بوصول الأعيان إليه، واختلافهم في المنافذ إلى هذا الجَوْف، وكذلك اختلافهم في فساد الصوم بوصول ما لا يُغَذِّي إلى ذلك الجَوْف، ومسألة استقرار الداخل. أما الجَوْف والمنافذ التي تؤدي إليه، فإنه لا شك في أن المعارف الطبية الحديثة تلقي المزيد من الضوء عليها وتصحح بعض المفاهيم الخاطئة عند الأطباء المعاصرين للسادة الفقهاء المتقدمين والتي بنى عليها الفقهاء - كما كان ينبغي عليهم - فتاواهم بشأن مُفْطِرات الصيام.

стр. 285

ولعل فقهاءنا القدامى كانوا أسبق منا في بيان أن هذه الأبواب أقرب سببًا للطب منها للفقه حيث قال صاحب «الهِدَايَة»، الإمام أبو الحسن المَرْغِينانِيّ (١)، في معرض كلامه عن التفطير بالقطر في الإحليل: «وهذا ليس من باب الفقه لأنه متعلق بالطب» (٢). فرحم الله فقهاءنا وجزاهم خيرًا على اجتهادهم وحرصهم على متابعة معارف أهل زمانهم، مع تجرد وتواضع ظاهرين. ونحن سنبين - إنه شاء الله - ما يترجح من فتاوى المتقدمين بهذا الصدد في ضوء المعارف الطبية الحديثة. وسنبدأ بالمقدمة الطبية في المطلب الأول، ثم نناقش قضية الجَوْف في المطلب الثاني، وفي الثالث نناقش مسألة المنافذ. * * *
следующие страницы →