٢ - حيث غاب النص المحكم الصحيح، توجه إعمال القواعد كالمشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الجواب عن أحاديث منع إيذاء الميت بكسر عظمه أو الجلوس على قبره بأنها عند انعدام المصلحة الراجحة. ثم إن تشريح الميت للتعليم ليس كالتمثيل به للعبث (١).
٣ - القياس على تجويز الجمهور شق بطن المرأة لاستخراج جنينها الحي، وتقطيع الجنين الميت لإنقاذ أمه، وشق بطن الغاصب لاستخراج مال ابتلعه، وتجويز البعض فعل ذلك وإن ابتلع مال نفسه أو غيره بإذنه.
ويشترط لتجويز التشريح:
١ - وجود الحاجة وانعدام البديل.
٢ - توقير الجثة أثناء التشريح.
٣ - موافقة الميت أو وليه.
* * *
стр. 282
الفصل الثالث: الصيام
وفيه مبحث ومسائل أخرى:
مبحث: أثر تطوير المعارف الطبية على الفتوى بشأن مُفْطِرات الصيام.
مسائل أخرى تستحق البحث في باب العبادات.
стр. 283
مبحث: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى
بشأن مُفْطِرات الصيام
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المقدمة الطبية.
المطلب الثاني: الخلاف الفقهي على الجوف.
المطلب الثالث: الخلاف الفقهي على المنافذ.
стр. 284
مبحث: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى
بشأن مُفْطِرات الصيام
فرض الله الصوم على عباده وجعله من أركان الإسلام الخمسة. وثبت بالنص تحريم الأكل والشرب والجماع في نهار رمضان، حيث قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وأجمع المسلمون على أن هذه الثلاثة تُفْطِر الصائم، وأجمعوا كذلك على أن الحيض والنفاس مما يُفْطِر، وذلك لقوله ﷺ فيما رواه البخاري من حديث عائشة ﵂: «ألَيْسَتْ إذا حاضَتْ لَمْ تُصَلِّ ولَمْ تَصُمْ؟» (١).
وهذه الأمور الأربعة هي التي أجمع المسلمون على كونها من المُفْطِرات، ثم ظهر خلاف كثير في غيرها من الأمور التي قيست على هذه الأربعة.
ومن أسباب الخلاف: اختلافهم ﵏ في حقيقة الجَوْف الذي يَفسَد الصيام بوصول الأعيان إليه، واختلافهم في المنافذ إلى هذا الجَوْف، وكذلك اختلافهم في فساد الصوم بوصول ما لا يُغَذِّي إلى ذلك الجَوْف، ومسألة استقرار الداخل.
أما الجَوْف والمنافذ التي تؤدي إليه، فإنه لا شك في أن المعارف الطبية الحديثة تلقي المزيد من الضوء عليها وتصحح بعض المفاهيم الخاطئة عند الأطباء المعاصرين للسادة الفقهاء المتقدمين والتي بنى عليها الفقهاء - كما كان ينبغي عليهم - فتاواهم بشأن مُفْطِرات الصيام.
стр. 285
ولعل فقهاءنا القدامى كانوا أسبق منا في بيان أن هذه الأبواب أقرب سببًا للطب منها للفقه حيث قال صاحب «الهِدَايَة»، الإمام أبو الحسن المَرْغِينانِيّ (١)، في معرض كلامه عن التفطير بالقطر في الإحليل: «وهذا ليس من باب الفقه لأنه متعلق بالطب» (٢).
فرحم الله فقهاءنا وجزاهم خيرًا على اجتهادهم وحرصهم على متابعة معارف أهل زمانهم، مع تجرد وتواضع ظاهرين.
ونحن سنبين - إنه شاء الله - ما يترجح من فتاوى المتقدمين بهذا الصدد في ضوء المعارف الطبية الحديثة. وسنبدأ بالمقدمة الطبية في المطلب الأول، ثم نناقش قضية الجَوْف في المطلب الثاني، وفي الثالث نناقش مسألة المنافذ.
* * *
• أولا: الجَوْف في الطب الحديث:
ليس هناك جَوْف أو تجويف واحد في جسم الإنسان، بل عدة تجاويف (١).
• فهناك التجويف البطني البريتوني خارج السبيل الهَضْمِيّ.
• وهناك تجويف السبيل الهَضْمِيّ وهو الذي يمتص الغذاء ويبدأ بالفم وينتهي عند فتحة الشرَج مرورًا بالبُلْعُوم والمَرِيء والمَعِدَة والأمعاء الدقيقة والغليظة ثم المستقيم الذي ينتهي بفتحة الشرَج.
وبالإضافة إلى هذه التجاويف، هناك:
• التجويف الصَّدْرِيّ والذي لا يتصل بالجهاز الهَضْمِيّ ويكون فوق الحجاب الحاجز الذي يفصله عن التجويف البطني.
• وهناك تجويف داخل القلب بل أربعة تجاويف.
• وهناك تجويف داخل الجُمْجُمَة حيث يسكن الدِّمَاغ.
• وتجويفات داخل عظام الوجه تسمى بالجيوب الأنفية.
стр. 288
• وتجويف الأذن الوسطى.
• وهناك تجويف الرحم في الجهاز التناسلي الأنثوي.
وكذلك تجويف المثانة وما يتصل به من أنابيب تُكَوِّن معه ومع الكُليتين الجهاز البولي (١).
إذًا فاصطلاح الجَوْف عند الفقهاء يحتاج إلى تحرير من وجهة النظر الطبية، والرسول ﷺ لم يستعمله أبدًا مرتبطًا بأحكام الصيام.
ولعل السؤال الأول هو: هل هذه التجاويف لها قدرة على هضم وامتصاص الغذاء؟
ليس لأي من هذه التجاويف خارج الجهاز الهَضْمِيّ القدرة على هضم وامتصاص الغذاء، إلا ما يكون من امتصاص لبعض السوائل الشبيه بامتصاص الجلد لها، والذي لا يُفْطِر باتفاق.
أما بالنسبة للجهاز الهَضْمِيّ، فتبدأ عملية الامتصاص الحقيقية في المَعِدَة (٢) ويكون أكثرها في الأمعاء (٣)، أما ما يحصل من امتصاص بعض الأدوية من الفم فليس بعيدًا عن امتصاص بعضها عن طريق الجلد، وهو ما لا يفسد الصيام اتفاقًا.
والسؤال الثاني عن هذه التجاويف هو ما إذا كان لها اتصال بالسبيل الهَضْمِيّ؟
ولنبدأ من أعلى الجسم إلى أسفله.
стр. 289
• التجويف الدِّمَاغي:
[٦] الدماغ-من معجم مرعشي الطبي
أما التجويف الدِّمَاغي داخل الجُمْجُمَة فلا صلة له البتة بالسبيل الهَضْمِيّ إلا إذا حصل كسر في قاع الجُمْجُمَة (١)، وعندها يصل السائل الموجود داخل هذا التجويف إلى الأنف، ولكننا هنا أمام حالة حرجة خطيرة قد تستدعي تدخلًا جراحيًّا. فإذا دخل إلى الدِّمَاغ عن طريق مأمومة سائل وكان في قاع الجُمْجُمَة كسر، فبلغ هذا السائل الأنف ومنه إلى السبيل الهَضْمِيّ، فإن هذا الإنسان ليس واردًا أن يكون صائمًا ويتم صومه، فإن كان فهذا من النادر جدًّا الذي لا عبرة به.
стр. 290
• تجاويف عظام الوجه والجُمْجُمَة:
تجاويف عظام الوجه والجُمْجُمَة تعرف بالجيوب الأنفية: وهي تفرز سائلا مخاطيًّا يتسرب إلى الأنف والبُلْعُوم الأنفي (١)، وهو البلغم الذي يتحدث عنه الفقهاء، وليس نازلًا من الدِّمَاغ كما اعتقده بعض قدماء الأطباء.
واختلف الفقهاء في بلع هذا البلغم بعد وصوله إلى الحلق.
* * *
стр. 291
الأذن:
[٧] رسم توضيحي للأذن
أما الأذن الوسطى (١): فإنها يحدها من الخارج القناة السمعية المفتوحة إلى الخارج، ومن الداخل الأذن الداخلية؛ وليس لها اتصال مباشر بأي منهما يسمح بمرور السوائل إلا إذا حصل ثقب في طبلة الأذن (٢)، فعندها قد تصل السوائل من القناة السمعية الخارجية إلى الأذن الوسطى.
وهذه الأذن الوسطى لها اتصال بالبُلْعُوم الأنفي عن طريق قناة استاكيوس (البُلْعُومية السمعية) (٣) الرفيعة جدًا. ومن ثم فإنه يمكن وصول قدر ضئيل جدًا من قطرة الأذن إلى البُلْعُوم عن طريق هذا الثقب في طبلة الأذن ثم قناة استاكيوس بعد امتصاص أكثرها.
стр. 292
• العين:
[٨] رسم توضيحي للقناة الدمعية
العين لها تجويف داخلها لا يتصل بالسبيل الهَضْمِيّ بحال (١) ولكن الكلام في أغلبه عن القطرة التي تستعمل على خارج العين ويستقر بعضها بينها وبين الجفون. فهل يمكن أن يصل شيء منها إلى السبيل الهَضْمِيّ؟
الحقيقة أن قدرًا متناهي الضآلة قد يصل عن طريق القناة الدمعية والتي تجري من الركن الداخلي للجَفْن الأسفل إلى تجويف الأنف (٢) ومن ثم إلى البُلْعُوم وما بعده.
ويشكك كثيرون في إمكانية وصول أي شيء من هذه القطرة إلى المَعِدَة.
стр. 293
• الأنف:
[٩] رسم توضيحي لأجزاء البلعوم
الأنف تتصل بالسبيل الهَضْمِيّ من غير شك، فإن البُلْعُوم يتكون من ثلاثة أجزاء الأعلى، وهو البُلْعُوم الأنفي ويقع خلف تجويف الأنف والأوسط وهو الفَمِيّ ويقع خلف الفم والأسفل، وهو البُلْعُوم الحَنْجَرِيّ ويقع خلف الحَنْجَرَة.
ولذلك فإن الكثير من المرضى يتم إيصال الطعام إلى معدتهم عن طريق أُنْبُوب يدخل من الأنف ويصل إلى المَعِدَة.
стр. 294
• التجويف الصَّدْرِيّ:
ليس له صلة بالسبيل الهَضْمِيّ إلا أن المَرِيء يمر خلاله، وليس بينهما منفذ.
• التجويف البَطْنِيّ:
تقع المَعِدَة والأمعاء داخل التجويف البطني، ولكن التجويف البطني يحوي غيرهما، وليس ثمة اتصال بينه وبين داخل المَعِدَة والأمعاء.
وهذا التجويف خارج السبيل الهَضْمِيّ، ليس له قدرة هضم وامتصاص الغذاء إلا الامتصاص عن طريق الشعيرات الدموية كما هو الحال في الفم والجلد.
стр. 295
تجويف المثانة:
[١٠] رسم توضيحي للجهاز البولي
ليس لتجويف المثانة (١) أي اتصال بالجهاز الهَضْمِيّ وإنما يصل البول إليه عن طريق الحالبين اللذين يحملانه من الكُلْيَة والتي يمر خلالها الدم فيترشح منه بعض الماء والأملاح والشوارد والكهارل (٢) والسموم التي يريد الجسم التخلص منها.
стр. 296
• تجويف الرحم والجهاز التناسلي الأنثوي:
[١١] رسم توضيحي للأعضاء التناسلية الداخلية للأنثى
تجويف الرحم والجهاز التناسلي الأنثوي يبدأ بالفرج ثم فتحة المَهْبِل فالمَهْبِل فعنق الرحم فالرحم.
ثم إن هناك قناتين تحملان البُيَيْضَات (١) من المِبْيَضين على جانبي الرحم إلى الرحم.
فاتصال الجهاز التناسلي الأنثوي إنما يكون بالتجويف البطني خارج السبيل الهَضْمِيّ عن طريق هاتين القناتين.
وينبغي التنبيه على أن بفرج الأنثى فتحتين (٢) إحداهما فُوَّهَة المَهْبِل والتي تؤدي إلى الرحم والأخرى فوقها مباشرة وهي فُوَّهَة الإحليل الخارجية وتؤدي إلى المثانة (الجهاز البولي).
стр. 297
• السبيل الهَضْمِيّ:
[١٢] رسم توضيحي للجهاز الهضمي
أولًا: تكوينه:
يبدأ السبيل الهَضْمِيّ (١) بالفم وينتهي بفتحة الشَّرَج. وخلف الفم يقع البُلْعُوم الفَمِيّ وهو جزء متصل ببقية أجزاء البُلْعُوم (٢)، وهي: البُلْعُوم الأنفي الواقع خلف تجويف الأنف، والبُلْعُوم الحَنْجَرِيّ الواقع خلف الحَنْجَرَة.
стр. 298
وأسفل من البُلْعُوم الحَنْجَرِيّ المَرِيء وهو تلك القناة الطويلة التي تحمل الغذاء إلى المَعِدَة؛ والتي تفرغ الغذاء بعد بعض عمليات الهضم والامتصاص إلى الأمعاء الدقيقة؛ والتي يتم فيها أكثر الهضم والامتصاص قبل أن ينتقل الطعام بفعل الحركة التَّمَعُّجِيَّة إلى الأمعاء الغليظة، والتي يتم فيها وفي المستقيم (آخر أجزائها) امتصاص بعض السوائل والأملاح.
وبعد تراكم البِراز (١) داخل المستقيم وتمدده يشعر الإنسان بالحاجة إلى التغوط، فيدفع بالبِراز إلى الخارج عن طريق فتحة الشرَج آخر أجزاء السبيل الهَضْمِيّ.
ثانيًا: وظائفه (٢):
هناك عمليتان هامتان تتمان في السبيل الهَضْمِيّ ولهما تعلق بقضية المُفْطِرات، وهما الهضم والامتصاص.
أما الهضم، فإنه يبدأ في الفم، حيث يتم هضم بعض الكربوهيدرات عن طريق الإنزيمات اللعابية، ولكن لا يهضم في الفم أكثر من ٥% من الكربوهيدرات عن طريق هذه الإنزيمات.
ويفرز الفم أيضًا إنزيم الليباز اللساني الذي يهضم الدَّسَم، ولكن عملية الهضم نفسها تتم في المَعِدَة.
أما المَعِدَة فتبدأ فيها عمليات الهضم المهمة، وذلك بهضم الكربوهيدرات والبروتينات والدَّسَم، ورَغم أن المَعِدَة مرحلة مهمة في عملية الهضم، إلا أن أكثر هذه المواد لا تهضم
стр. 299
بها، بل يكون أكثر الهضم في الأمعاء الدقيقة، وذلك بالأخص في الدَّسَم، حيث لا يهضم منه في المَعِدَة إلا الشيء اليسير ١٥% بفعل إنزيم الليباز اللساني.
أما وظيفة الامتصاص للسبيل الهَضْمِيّ فتبدأ في الفم، ولكن المواد الغذائية لا تمتص فيه، وإنما تمتص بعض الأدوية والسموم عن طريق شبكة الأوعية الدموية القريبة من الغشاء المخاطي المبطن له.
ثم إن المَعِدَة تعتبر منطقة امتصاص ضعيفة، وذلك لافتقارها إلى النمط الزغابي النموذجي للغشاء الماص. ومن ثم فإن أكثر الامتصاص يتم في الأمعاء الدقيقة، بينما تمتص الأمعاء الغليظة السوائل والأملاح والسكريات البسيطة دون غيرها من العناصر الغذائية.
* * *
стр. 300
المطلب الثاني: الخلاف الفقهي على الجَوْف
اختلف فقهاؤنا ﵏ في عدة أمور متعلقة بالمُفْطِرات وترجع اختلافاتهم إلى أربعة محاور هي:
١ - مفهومهم عن الجَوْف الذي يفسد الصيام بوصول الأعيان إليه.
٢ - المنافذ الموصلة إلى هذا الجَوْف.
٣ - الأعيان الواصلة إلى الجَوْف وما يفسد الصيام منها وما لا يفسده.
٤ - مسألة استقرار الداخل وفساد الصوم بما لم يستقر في الجَوْف مما دخل إليه.
الخلاف حول الجَوْف:
الجَوْف في اللغة:
جَوْف الإنسان بطنه؛ والأجواف جمعه؛ والأجوفان: البطن والفرج لاتساع أجوافهما؛ وقال أبو عبيد في قوله ﷺ في الحديث «لا تَنْسَوا الجَوْفَ ومَا وَعَى»: أي ما يدخل فيه من الطعام والشراب. وقيل فيه قولان: قيل أراد بالجَوْف البطن والفرج معًا، كما قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الأجوفان»، وقيل أراد بالجَوْف القلب وما وعى وحفظ من معرفة الله تعالى. والجائفة: الطعنة التي تبلغ الجَوْف، والتي تخالط الجَوْف، والتي تنفذ أيضا. والجَوْف: المطمئن من الأرض؛ وفي حديث خلق آدم ﵇: «فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك» (١). والأجوف الذي له جَوْف، ولا يتمالك أي لا يتماسك (٢).
стр. 301
الجَوْف عند الفقهاء:
إنه لم يرد عن رسول الله ﷺ أن ركن الصيام هو ترك إيصال العين الظاهرة إلى الجَوْف، ولم يرد في أحاديثه لفظ الجَوْف مقترنًا بالصيام أبدًا. ولكن الفقهاء ﵏ أرادوا وضع حد للمُفْطِرات فاستعملوا كلمة الجَوْف، ثم وقع بينهم ﵏ الاختلاف في طبيعة ذلك الجَوْف الذي ينتقض الصوم بوصول الأعيان إليه، فاختلفوا على قولين:
١ - أن الجَوْف المقصود هو ما له قوة على تحليل الغذاء، وهو ظاهر كلام الحنفية وصريح قول المالكية وقول مرجوح عند الشافعية.
٢ - أن الجَوْف المقصود هو كل تجويف في جسم الإنسان سواءٌ كانت به القدرة على تحليل الغذاء أم لم تكن، وهذا هو الراجح عند الشافعية وهو قول الحنابلة.
стр. 302
وهذا عرض لأقوال أهل العلم مع بعض المناقشة:
الجوف
• ما له قوة على تحليل الغذاء (ظاهر كلام الحنفية وصريح قول المالكية وقول مرجوح عند الشافعية): وجعلوا للدماغ قدرة على التغذي بما دخل إليه، ففطروا بدخول الأعيان - أو بعضها - إليه.
• كل مجوف (الراجح عند الشافعية وهو قول الحنابلة): يشكل عليه قولهم في المثانة واختلافهم في قبل المرأة
стр. 303
أولًا: قول السادة الحنفية ﵏:
قال الكَاسَانِيّ ﵀: «و ما وصل إلى الجَوْف أو إلى الدِّمَاغ عن المخارق الأصلية كالأنف والأذن والدبر بأن استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه فوصل إلى الجَوْف أو إلى الدِّمَاغ فسد صومه، أما إذا وصل إلى الجَوْف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة. وكذا إذا وصل إلى الدِّمَاغ لأنه له منفذ إلى الجَوْف فكان بمنزلة زاوية من زوايا الجَوْف» (١).
لاحظ أنهم يعللون الإفطار بالوصول إلى الدِّمَاغ بكون الدِّمَاغ منفذًا للجَوْف لا بكونها جَوْفًا مستقلًا، وليس الدِّمَاغ منفذًا للجَوْف كما سبق في المقدمة الطبية.
والحنفية ﵏ لا يعتبرون مداواة الجائفة بالدواء اليابس مُفْطِرًا لأنه لا يصل للجَوْف في الأغلب عندهم، وكذلك دخول ما لا يستقر إلى الجَوْف لا يُفْطِر عندهم لأنه لا يحصل به معنى الأكل من تسكين الجوع (٢).
يتبين من ذلك كله أن الجَوْف المقصود عندهم هو ما يقدر على تحليل الغذاء والانتفاع به، وهو يطابق في العلوم الطبية الحديثة الجهاز الهَضْمِيّ أما كلامهم عن كون الدِّمَاغ منفذًا للجَوْف أو الأذن أو قُبُل المرأة، فهذا لا يعكر على استنتاجنا، فإنما ظنوا أن هذه المخارق تنفذ إلى الجهاز الهَضْمِيّ.
стр. 304
ثانيًا: قول السادة المالكية ﵏:
قال الدَّرْدِير (١) ﵀: «و صحته [أي الصوم] بترك إيصال متحلل أي مائع من منفذ عال أو سافل والمراد الوصول ولو لم يتعمد ذلك ... أو غيره أي غير المتحلل كدرهم من منفذ عال فقط بدليل ما يأتي، على المختار عند اللَّخْمِيّ (٢)، لمَعِدَة متعلق بإيصال وهي من الآدمي بمنزلة الحوصلة للطير والكَرِش للبهيمة بحُقْنَة بمائع أي ترك إيصال ما ذكر لمَعِدَة بسبب حُقْنَة من مائع في دبر أو قُبُل امرأة لا إحليل. واحترز بالمائع عن الحُقْنَة بالجامد، فلا قضاء ولا فتائل عليها دهن، وقوله أو حلق معطوف على مَعِدَة أي ترك وصول المتحلل أو غيره لحلق ولما قيد الحُقْنَة بالمائع عُلم أنه راجع للمتحلل، ولما أطلق في الحلق علم أنه راجع لمتحلل أو غيره، لكن بشرط ألَّا يَرُدَّ غير المتحلل، فإن رده بعد وصوله الحلق فلا شيء فيه فعلم أن وصول شيءٍ للمَعِدَة من الحلق مطلقًا أو من منفذٍ أسفلَ بشرط أن يكون مائعا أو للحلق كذلك مُفْطِر» (٣).
ولعل المالكية ﵏ هم الأصرح في بيان أن الجَوْف المقصود هو المَعِدَة، لأنهم فهموا أنها الجزء من الجهاز الهَضْمِيّ القادر على تحليل الغذاء.
стр. 305
أما الكلام عن الوصول للحلق عندهم وعند غيرهم من الفقهاء، فلأن الوصول إلى الحلق يقتضي بالضرورة الوصول إلى المَعِدَة إلا في حالة غير المتحلل الذي يرُدُّه من حلقه كما وضحوا.
أما قولهم أو قُبُل امرأة، فلا يصح، لأنه لا يؤدي إلى المَعِدَة كما ذكروا.
بقي أنه- كما تقدم في المقدمة الطبية - ليست المَعِدَة فقط القادرة على تحليل الغذاء، بل والأمعاء الدقيقة وكذلك الغليظة إلى حد ما، فإنها تمتص الأملاح والجلوكوز.
ثالثًا: قول السادة الشافعية ﵏:
قال النَّوَوِيّ ﵀: «من المُفْطِرات دخول شيء في جَوْفه وقد ضبطوا الداخل المُفْطِر بالعين الواصلة من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم وفيه قيود: منها الباطن الواصل إليه وفيما يعتبر به وجهان أحدهما أنه ما يقع عليه اسم الجَوْف والثاني يعتبر معه أن يكون فيه قوة تحليل الواصل إليه من غذاء أو دواء والأول هو الموافق لكلام الأكثرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى ويدل عليه أنهم جعلوا الحلق كالجَوْف في بطلان الصوم بوصول الواصل إليه. وقال الإمام إذا جاوز الشيء الحُلْقُوم أفطر. وعلى الوجهين جميعا باطن الدِّمَاغ والأمعاء والمثانة مما يُفْطِر الوصول إليه حتى لو كان على بطنه جائفة أو برأسه» (١).
ويظهر من كلامه ﵀ اختلاف الشافعية وأن بعضهم يرجح قول المالكية في اعتبار قوة التحليل في الجَوْف المقصود.
أما توجيهه للقول الذي رجحه وعده قول الأكثرين بجعلهم الحلق كالجَوْف ففيه نظر، فإنه لا يخفى أن ما يصل إلى الحلق يصل إلى المَعِدَة، فإن لم يصل ففي إيصال عينٍ إلى الحُلْقُوم شبهٌ بصورة الأكل واضح.
стр. 306
رابعًا: قول السادة الحنابلة ﵏:
قال الرحيباني ﵀ (١): «(وكذا) يفسد صوم بـ (كل ما يصل لمسمى جَوْف) كالدِّمَاغ والحَلْق والدُّبر، وباطن الفَرْج، (فيُفْطِر من أكل أو شرب، ولو ريقا أخرجه بين شفتيه) لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فأباحها إلى غاية، وهي تبين الفجر، ثم أمر بالإمساك عنهما إلى الليل؛ لأن حكم ما بعد ﴿حَتَّى﴾ مخالف لما قَبْلها، (أو استعط) في أنفه بدهن أو غيره، فوصل إلى حلقه أو دماغه لنهيه ﷺ الصائم عن المبالغة في الاستنشاق، ولأن الدِّمَاغ جَوْف، والواصل إليه يُغَذِّيه، فيُفْطِر كجَوْف البدن. (أو احتقن) في دبره فسد صومه؛ لأنه يصل إلى الجَوْف، ولأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل، ولأنه أبلغ وأولى من الاستعاط. (أو داوى الجائفة، فوصل إلى جَوْفه) لإيصاله إلى جَوْفه شيئا باختياره، أشبه ما لو أكل» (٢).
وتراه هنا يعلل الفطر بوصول الأعيان إلى الدِّمَاغ بكون الواصل إلى الدِّمَاغ يُغَذِّيه كجَوْف البدن - وهو غير صحيح- فهل هذا يعني أن الحنابلة يقصدون بجَوْف البدن ما له قدرة على تحليل الطعام؟
стр. 307
إن ابن قُدامة ﵀ يقول في «المُغْنِي» «يُفْطِر بكل ما أدخله إلى جَوْفه أو مُجَوَّف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته إذا وصل باختياره» (١).
فهو هنا يصرح بأن العبرة بنفاذ الداخل إلى المَعِدَة، فهل يعني هذا أن الحنابلة يقولون بقول المالكية، واختلافهم ناتج عن فهم ما ينفذ إلى المَعِدَة والمخارق الأصلية وغيرها التي تؤدي إليها؟
الحق أن ذلك لا يبدو، فإنهم ﵏ يقررون أن وصول اللبن إلى جَوْف لا يُغَذِّي بوصوله فيه كمثانة وذكر وجائفة لا يحرم لأنه لا ينشز العظم ولا ينبت اللحم (٢). إذًا فهم - أو بعضهم - يدركون أن الجائفة لا يحصل بها وصول ما يُغَذِّي إلى المَعِدَة ويفرقون بين التحريم بالرضاع وفساد الصوم. ولا شك أن في بعض عباراتهم الأخرى ما يشعر باعتبار الوصول إلى المَعِدَة.
• الترجيح:
الذي يترجح هو قول من اعتبر قوة التحليل في الجَوْف الذي يفسد الصوم بوصول الأعيان إليه، وذلك لأن كل هذه المُفْطِرات التي يذكرونها إنما أثبتوها بالقياس على الأكل والشرب وإنما يتوصلون إلى ذلك القياس بإثبات المشابهة في الصورة أو المعنى، كما قال الكَاسَانِيّ ﵀: «انتقاض الشيء عند فوات ركنه أمر ضروري، وذلك بالأكل، والشرب، والجماع سواء كان صورة ومعنى، أو صورة لا معنى، أو معنى لا صورة» (٣).
стр. 308
ولا يظهر أن في دخول النصل إلى التجويف البريتوني خارج الجهاز الهَضْمِيّ أو المنظار في زماننا، أو الإصبع داخل قُبُل المرأة أو دبرها أو دبر الرجل ما يشابه الأكل والشرب في المعنى أو الصورة، وكذلك إدخال شيء إلى الأذن كعود مثلا ثم إخراجه.
وإنك ترى أنه من ذهب من أصحاب المذاهب إلى اعتبار كل جَوْف أو تجويف في الجسم مما يفسد الصيام بدخول الأعيان إليه قد اختلفوا واضطربت عباراتهم، فتارة يتحدثون عن التغذية ويجعلون للدماغ حكم الجَوْف لأنه يتغذى بما يصل إليه وتارة يهملون هذا المعنى.
ولقد تبين من المقدمة الطبية أن المَعِدَة والأمعاء الدقيقة هي تلك الأجزاء من الجهاز الهَضْمِيّ القادرة على هضم وتحليل الغذاء، وأن الأمعاء الغليظة قادرة على امتصاص الأملاح والجلوكوز والماء. وليس الدِّمَاغ قادرًا على الإفادة من الغذاء دون وصوله إلى المَعِدَة، وليس منفذًا لها كما سبق في المقدمة الطبية.
والذي يترتب على ما قدمنا هو ترجيح أنه - بالإضافة لكل ما يشابه الأكل في الصورة كابتلاع أي عين - فإن الفطر يحصل بوصول الأعيان المغذية (١) إلى المَعِدَة أو الأمعاء الدقيقة وكذا الغليظة، أو مباشرة إلى الدم، إذا كان الواصل مما ينتفع به الجسم كالسوائل والأملاح والجلوكوز، فإن كل هذا يشابه الأكل في المعنى، وإن كان الوصول إلى هذه الأعضاء عن غير طريق الفم مما يخالف الأكل في الصورة. وقد يُعارَض بأن الامتصاص يكون عن طريق الجلد ولا يُفْطِر اتفاقًا، ولكن هذا امتصاص قليل لبعض الأدوية وما لا يتغذى عليه الجسم أو يدفع عنه شيئًا من الجوع أو العطش.
стр. 309
المطلب الثالث: الخلاف الفقهي على المنافذ
إن المسلمين قد أجمعوا على أن ما وصل من طعام أو شراب إلى الجَوْف عن طريق الفم فإنه يُفْطِر مع العمد والذكر.
ثم إن الخلاف قد وقع في وصول ذلك أو غيره إلى الجَوْف عن طريق منافِذَ أخرى في الجسد ظن البعض أنها تتصل بالجَوْف أو بجَوْفٍ يفسد الصيام بدخول الأعيان إليه.
وهذه المنافذ منها الخِلْقية الطبيعية كالأنف والأذن والعين والإحليل وفرج المرأة والدبر، ومنها غير الخِلْقِية كالجائفة والمأمومة، وينضم إليهما ما كان من الجراحات الطبية في زماننا.
ونحن نعرض لهذه المنافذ ونبين الخلاف الواقع في حكم وصول الأعيان إلى الجَوْف عن طريقها، ونرجح من أقوال أهل العلم ما وافق الواقع بناءً على المستجدات في المعارف الطبية إن لم يكن هناك دليلٌ من الوحي.
* * *
стр. 310
الأنف:
لم أجد في شيءٍ من كتب المذاهب الأربعة خلافًا في كون الأنف منفذًا إلى الجَوْف يُفْطِر الإنسان إذا وصلت الأعيان منه إليه (١). ولكن ابن حَزْم ﵀ لا يرى أنه يُفْطِر (٢).
ودليل الفريق الأول هو قوله ﷺ للَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ ﵁: «وبَالِغْ في الاسْتِنْشَاق إِلا أَنْ تَكُون صَائِمًا» (٣) وهو يفيد أن صيامه يفسد بوصول الماء إلى حلقه من أنفه (٤) ..
وكذلك، فإن العام والخاص يدرك أن الماء يصل من الأنف إلى الحلق ثم إلى المَعِدَة.
أما ابن حَزْم ﵀ فتمسك بأن السَّعوط (٥) والتقطير في الأنف لا يسميهما أحد من العرب الذين تلقوا الرسالة أكلًا أو شربًا.
والذي يقرره الطب الحديث - ولم يكن خافيًا - أن الأنف منفذٌ إلى الجَوْف، يشترك مع الفم في اتصالهما المباشر بالحلق، بل وإن الكثير من المرضى يتم تغذيتهم عن طريق أنابيب تُدْخَل من الأنف لتصل إلى المَعِدَة.
стр. 311
لعل هذا التقرير الطبي لم يكن ليغير من قناعات الإمام النحرير ابن حَزْم ﵀، ولا نعتقد أنه خفي عليه أن الماء يصل إلى الحلق عن طريق الأنف، ولكنَّ الظاهر هو رجحان قول من جعل الأنف منفذًا للجَوْف المعتبر في الإفطار، وذلك للحديث، ولحصول معنى الأكل أو الشرب بدخول الشراب عن طريق الأنف إلى جَوْف الإنسان القادر على تحليل الغذاء - كما يظهر من المقدمة الطبية. وكذلك فإن الأنف في الممارسة الطبية منفذ معتاد عرفًا للتغذية.
* * *
стр. 312
العين:
وقع الخلاف بين الفقهاء حول كون العين منفذًا إلى الجَوْف.
فذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والظاهرية (٣) إلى عدم الفطر بالاكتحال، واختاره الشيخ تقي الدين ابن تَيمِيَّة من الحنابلة (٤).
وذهب المالكية (٥) والحنابلة (٦) إلى الفطر به إذا وجد طعمه في حلقه (٧).
* أدلة الفريق الأول:
١ - أحاديث اكتحال النبي ﷺ وهو صائم:
عن هشامِ بن عُرْوَة عن أبيه عن عائشةَ قالت: «اكْتَحَلَ رسول اللهِ ﷺ وهو صَائِمٌ» (٨).
стр. 313
والحديث فيه خلاف والظاهر ضعفه (١)، وإن قواه البعض بمجموع طرقه، ويعارضه حديث آخر ضعيف كذلك في النهي عن الاكتحال للصائم.
٢ - استدلوا من التعليل بكون العين ليست منفذًا للجَوْف، وأن ما يجد الصائم من طعم الكحل إنما هو أثره لا عينه، وجعلوا له حكم الغبار والدخان وما لو دهن رأسه فتشرب فيه، قالوا لا يضره لأنه وصل إليه الأثر لا العين (٢).
* أدلة الفريق الثاني:
أما القائلون بأن العين منفذ وأن الكحل وغيره (٣) يفسد الصيام فأدلتهم كذلك من التدليل والتعليل:
١ - أحاديث توقي الكحل للصائم.
روى أبو داود أن رسول الله ﷺ : «أَمَرَ بالإِثْمِد الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وقال لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» قال أبو داود (٤) قال لي .................................................
стр. 314
يحيى بن معين (١) هو حديث منكر، يعني حديث الكحل (٢).
والحديث ضعيف كما بين أبو داود ﵀ فلا حجة فيه.
٢ - استدلوا من التعليل بكون العين منفذًا للجَوْف، ألا ترى أن الإنسان إذا قطر في عينه وجد طعم ذلك أحيانًا في حلقه (٣).
• الترجيح:
الأحاديث في الباب ضعيفة، فيبقى التعليل والقياس، والذي أفادته المعارف الطبية الحديثة ربما يزيد الأمر صعوبة، وذلك لأنه، كما تقدم في المقدمة الطبية، فإن العين لها قناة تسمى القناة الدمعية وهي توصلها بالأنف والذي يتصل بدوره بالبُلْعُوم، ولكن فتحتهما في الجزء الأمامي من الأنف. وهذا يقلل من احتمالات وصول القطرة إلى البُلْعُوم، وهذه القطرة لا تتعدى عشر المليلتر ينزل منها إلى الأنف جزء يسير عبر هذه القناة الضيقة ثم يخرج أكثره فلا يرجع إلى البُلْعُوم إلا جزءٌ صغير من هذا ومن ثم، فإنه لا يصل إلى المَعِدَة من عين القطرة شيءٌ يذكر، وإن وصل الأثر.
стр. 315
يبقى الأمر إذًا محل خلاف لإمكانية وصول ذلك الشيء اليسير جدًا إلى الحلق، وإن كان المرء يطمئن إلى تعليل الشيخ تقي الدين ابن تَيمِيَّة عدمَ التفطيرِ بكونِ الاكتحالِ والتقطير مما تعُم به البلوى وقد ترك الرسول ﷺ بيان تفطيره فيبقى الأمر على أصل الحل (١).
وهذا التوجه إلى عدم التفطير بقطرة العين هو ما ذهب إليه أكثر المعاصرين، وما جاء في «قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي»، مع اشتراطهم اجتناب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق (٢)، وهو اشتراط وجيه.
* * *
стр. 316
الأذن:
اختلف الفقهاء ﵏ في كون الإقطار في الأذن مُفْطِرًا.
أولًا: السادة الحنفية:
وقع عندهم الخلاف، فرجح المَرْغِينانِيّ ﵀ أن الإقطار بالماء ونحوه لا يُفْطِر بينما يُفْطِر دخول الدُّهْن (١) بينما رجح الكَاسَانِيّ أنه يُفْطِر بإدخال الماء وغيره (٢) واتفقوا على أن دخول الماء دون الإدخال لا يُفْطِر كما اتفقوا على أن دخول وإدخال الدُّهْن يُفْطِر.
ثانيًا: السادة المالكية:
ذهبوا إلى حصول الإفطار بالتقطير في الأذن إذا وصل المائع إلى الحلق فقال الشيخ عُلَيْش ﵀: «والمذهب أن المائع الواصل للحلق مُفْطِر ولو لم يجاوزه إن وصل من الفم بل وإن وصل من أنف وأذن وعين نهارًا، فإن تحقق عدم وصوله للحلق من هذه المنافذ فلا شيء عليه» (٣).
ثالثًا: السادة الشافعية:
وقع عندهم الخلاف في الإفطار بالتقطير في الأذن، ذكر النَّوَوِيّ ﵀ الوجهين في «المَجْمُوع» وصحح التفطير (٤).
стр. 317
رابعًا: السادة الحنابلة:
المعتمد عندهم حصول الفطر إذا قطر في أذنه ما وصل إلى دماغه (١).
خامسًا: السادة الظاهرية واختيار الإمام ابن تَيمِيَّة ﵀:
ذهب الظاهرية إلى عدم حصول الفطر بالتقطير في الأذن (٢)، واختاره من الحنابلة الشيخ تقي الدين ﵀ (٣).
* أما الفريق الذي فطر بالتقطير، فمعتمدهم أن الأذن منفذ إلى الدِّمَاغ أو الحلق - عند المالكية - وقاسوا الإفطار به على الإفطار باستنشاق الماء.
* أما من ذهب إلى عدم التفطير، فمعتمدهم أن ما يصل إلى الدِّمَاغ أو الحلق من الأذن إنما يصل رشحًا، وأنه لا منفذ بين الأذن والدِّمَاغ، وأن القياس على الاستنشاق لا يستقيم، فإنما يكون القياس بجامع العلة، وليست ثمة علة منضبطة مؤثرة تجمع بين الأمرين، إذ إن دخول الماء للحلق عن طريق الأنف يعرفه الخاص والعام ويحصل التغذي به ويهبط إلى المَعِدَة فينطبخ فيها بخلاف التقطير في الأذن. وقد يكون القياس بإلغاء الفارق، وهو هنا متعذر، بل الفارق ظاهر بين الأمرين يدركه كل من جربهما. وقياس الشبه مختلف فيه، وإن ساغ استعماله للاعتضاد أو الترجيح، فدلالته ضعيفة وليس ههنا شبه ظاهر.
ومن خالف في الأصل كالظاهرية (٤)، فله أن يدفع بأنه قياس في محل الخلاف.
стр. 318
• أثر تطور المعارف الطبية على هذه المسألة.
كما ظهر من المقدمة الطبية، فإن الأذن ليست منفذًا إلى داخل الدِّمَاغ وإنما تصل الأذن الوسطى بالبُلْعُوم الأنفي قناة استاكيوس ولا تصل القطرة إلى الأذن الوسطى إلا إذا انخرمت طبلة الأذن، فيصل عندها اليسير منها إليها، ثم اليسير من ذلك إلى البُلْعُوم الأنفي بعد أن يكون الأكثر امتص في الأذن الوسطى وقناة استاكيوس فما وصل إلى المَرِيء ثم المَعِدَة لا يعد شيئًا يذكر.
الذي يظهر إذًا أن التقطير في الأذن لا يشابه الأكل والشرب لا في الصورة ولا في المعنى، فيترجح قول من قال بعدم حصول الفطر به. وإلى هذا ذهب المجمع الفقهي التابع لمنظمة العالم الإسلامي في قراره بشأن المُفْطِرات في مجال التداوي (١).
* * *
стр. 319
الإحليل وفرج المرأة:
الإحليل قناة مجرى البول، ويجري فيها مني ومذي الرجل كذلك.
ولقد اختلف الفقهاء في الإفطار بالتقطير في الإحليل إذا وصل شيء إلى المثانة:
* فذهب الجمهور من الحنفية (١) والمالكية (٢) والمرجوح عند الشافعية (٣) والمشهور عند الحنابلة (٤) وهو قول الظاهرية (٥) إلى عدم الإفطار بذلك.
* وذهب الشافعية في الراجح عندهم (٦) وصاحبا أبي حنيفة (٧) وبعض الحنابلة (٨) إلى الفطر به.
* وحجة الفريق الأول أن البول يخرج من الجسم عن طريق الرشح لا أن هناك منفذًا بين الجَوْف والإحليل وما كان كذلك فلا يدخل منه شيء، ونقلوا أن هذا قول عامة الأطباء، وهو الصواب كما في المقدمة الطبية.
ومن أدلتهم أن هذا التقطير لا يشابه الأكل والشرب في الصورة ولا في المعنى فلا يقاس عليهما.
стр. 320
* أما الفريق الثاني فذكروا أن هناك منفذًا بين الإحليل والجَوْف - وقد تبين أن ذلك خطأ - وقاسوا ما دخل عن طريق الإحليل على ما خرج منه كالمني والمذي، ولا يصح القياس حتى عند من يعمل بقياس الشبه، لوجود الفارق واختلاف العلة، فإن ما خرج عن طريق الإحليل إنما أفسد الصوم لكونه صاحبه قضاء وطر، فلو كان لمرض لم يفسده، وليس الداخل كذلك فافترقا.
• ظهر من المعارف الطبية الحديثة رُجحان قول الجمهور في هذه المسألة وعدم الإفطار بالتقطير في الإحليل.
إحليل المرأة:
لعل أكثر الفقهاء ضموا إحليل المرأة مع قُبُلِها، والصواب أن إحليل المرأة له فتحة فوق فتحة المَهْبِل ومنفصلة عنها. وما قيل عن إحليل الرجل يقال عن إحليل المرأة بلا اختلاف (١).
* * *