الأذن:
اختلف الفقهاء ﵏ في كون الإقطار في الأذن مُفْطِرًا.
أولًا: السادة الحنفية:
وقع عندهم الخلاف، فرجح المَرْغِينانِيّ ﵀ أن الإقطار بالماء ونحوه لا يُفْطِر بينما يُفْطِر دخول الدُّهْن (١) بينما رجح الكَاسَانِيّ أنه يُفْطِر بإدخال الماء وغيره (٢) واتفقوا على أن دخول الماء دون الإدخال لا يُفْطِر كما اتفقوا على أن دخول وإدخال الدُّهْن يُفْطِر.
ثانيًا: السادة المالكية:
ذهبوا إلى حصول الإفطار بالتقطير في الأذن إذا وصل المائع إلى الحلق فقال الشيخ عُلَيْش ﵀: «والمذهب أن المائع الواصل للحلق مُفْطِر ولو لم يجاوزه إن وصل من الفم بل وإن وصل من أنف وأذن وعين نهارًا، فإن تحقق عدم وصوله للحلق من هذه المنافذ فلا شيء عليه» (٣).
ثالثًا: السادة الشافعية:
وقع عندهم الخلاف في الإفطار بالتقطير في الأذن، ذكر النَّوَوِيّ ﵀ الوجهين في «المَجْمُوع» وصحح التفطير (٤).
стр. 317
رابعًا: السادة الحنابلة:
المعتمد عندهم حصول الفطر إذا قطر في أذنه ما وصل إلى دماغه (١).
خامسًا: السادة الظاهرية واختيار الإمام ابن تَيمِيَّة ﵀:
ذهب الظاهرية إلى عدم حصول الفطر بالتقطير في الأذن (٢)، واختاره من الحنابلة الشيخ تقي الدين ﵀ (٣).
* أما الفريق الذي فطر بالتقطير، فمعتمدهم أن الأذن منفذ إلى الدِّمَاغ أو الحلق - عند المالكية - وقاسوا الإفطار به على الإفطار باستنشاق الماء.
* أما من ذهب إلى عدم التفطير، فمعتمدهم أن ما يصل إلى الدِّمَاغ أو الحلق من الأذن إنما يصل رشحًا، وأنه لا منفذ بين الأذن والدِّمَاغ، وأن القياس على الاستنشاق لا يستقيم، فإنما يكون القياس بجامع العلة، وليست ثمة علة منضبطة مؤثرة تجمع بين الأمرين، إذ إن دخول الماء للحلق عن طريق الأنف يعرفه الخاص والعام ويحصل التغذي به ويهبط إلى المَعِدَة فينطبخ فيها بخلاف التقطير في الأذن. وقد يكون القياس بإلغاء الفارق، وهو هنا متعذر، بل الفارق ظاهر بين الأمرين يدركه كل من جربهما. وقياس الشبه مختلف فيه، وإن ساغ استعماله للاعتضاد أو الترجيح، فدلالته ضعيفة وليس ههنا شبه ظاهر.
ومن خالف في الأصل كالظاهرية (٤)، فله أن يدفع بأنه قياس في محل الخلاف.
стр. 318
• أثر تطور المعارف الطبية على هذه المسألة.
كما ظهر من المقدمة الطبية، فإن الأذن ليست منفذًا إلى داخل الدِّمَاغ وإنما تصل الأذن الوسطى بالبُلْعُوم الأنفي قناة استاكيوس ولا تصل القطرة إلى الأذن الوسطى إلا إذا انخرمت طبلة الأذن، فيصل عندها اليسير منها إليها، ثم اليسير من ذلك إلى البُلْعُوم الأنفي بعد أن يكون الأكثر امتص في الأذن الوسطى وقناة استاكيوس فما وصل إلى المَرِيء ثم المَعِدَة لا يعد شيئًا يذكر.
الذي يظهر إذًا أن التقطير في الأذن لا يشابه الأكل والشرب لا في الصورة ولا في المعنى، فيترجح قول من قال بعدم حصول الفطر به. وإلى هذا ذهب المجمع الفقهي التابع لمنظمة العالم الإسلامي في قراره بشأن المُفْطِرات في مجال التداوي (١).
* * *
стр. 319
الإحليل وفرج المرأة:
الإحليل قناة مجرى البول، ويجري فيها مني ومذي الرجل كذلك.
ولقد اختلف الفقهاء في الإفطار بالتقطير في الإحليل إذا وصل شيء إلى المثانة:
* فذهب الجمهور من الحنفية (١) والمالكية (٢) والمرجوح عند الشافعية (٣) والمشهور عند الحنابلة (٤) وهو قول الظاهرية (٥) إلى عدم الإفطار بذلك.
* وذهب الشافعية في الراجح عندهم (٦) وصاحبا أبي حنيفة (٧) وبعض الحنابلة (٨) إلى الفطر به.
* وحجة الفريق الأول أن البول يخرج من الجسم عن طريق الرشح لا أن هناك منفذًا بين الجَوْف والإحليل وما كان كذلك فلا يدخل منه شيء، ونقلوا أن هذا قول عامة الأطباء، وهو الصواب كما في المقدمة الطبية.
ومن أدلتهم أن هذا التقطير لا يشابه الأكل والشرب في الصورة ولا في المعنى فلا يقاس عليهما.
стр. 320
* أما الفريق الثاني فذكروا أن هناك منفذًا بين الإحليل والجَوْف - وقد تبين أن ذلك خطأ - وقاسوا ما دخل عن طريق الإحليل على ما خرج منه كالمني والمذي، ولا يصح القياس حتى عند من يعمل بقياس الشبه، لوجود الفارق واختلاف العلة، فإن ما خرج عن طريق الإحليل إنما أفسد الصوم لكونه صاحبه قضاء وطر، فلو كان لمرض لم يفسده، وليس الداخل كذلك فافترقا.
• ظهر من المعارف الطبية الحديثة رُجحان قول الجمهور في هذه المسألة وعدم الإفطار بالتقطير في الإحليل.
إحليل المرأة:
لعل أكثر الفقهاء ضموا إحليل المرأة مع قُبُلِها، والصواب أن إحليل المرأة له فتحة فوق فتحة المَهْبِل ومنفصلة عنها. وما قيل عن إحليل الرجل يقال عن إحليل المرأة بلا اختلاف (١).
* * *
стр. 321
قُبُل المرأة:
فتحة المَهْبِل من المرأة - كما تبين في المقدمة الطبية - تقع أسفل فتحة مجرى البول، ولقد فرق الفقهاء بين إحليل الرجل وقبل المرأة وعنَوا به فتحة المَهْبِل.
ذهب السادة الحنفية إلى حصول الفطر بذلك، حتى قال الكَاسَانِيّ ﵀: «وأما الإقطار في قبل المرأة فقد قال مشايخنا: إنه يُفسِد صومها بالإجماع (١)، لأن مثانتها منفذ يصل إلى الجَوْف» (٢).
ولم يظهر له ﵀ الفرق بين المثانة وقبل المرأة (٣)، ولعل الجَوْف الذي يذكره هو الجَوْف البريتوني، فإن المائع إذا دفع في الرحم ربما خرج من قناتي فالوب إلى التجويف البريتوني، ولا صلة لهذا الأخير بالجهاز الهَضْمِيّ، ولا يحصل التغذي من هذا المائع، بل المرض.
وبقول الحنفية قال المالكية (٤) لاجتماع أمرين:
١ - دخول مائع.
٢ - من مَخْرَق واسع سافل.
وإلى ذلك ذهب الشافعية (٥) لأن المثانة عندهم جَوْف وقبل المرأة عندهم متصل بها.
стр. 322
والحنابلة كالباقين يسوون بين الاحتقان في الدبر وفي قبل المرأة فيفطرون به (١)، إلا أن الإمام تقي الدين ﵀ اختار أن كليهما لا يُفْطِران؛ وهو قول الظاهرية (٢) ومقتضى قول القاضي حسين من الشافعية، فإنه لم يجعل الاحتقان في الدبر مُفْطِرًا ولا في الإحليل (٣). وهو كذلك مقتضى قول من قال من المالكية بأن القضاء في الحُقْنَة استحباب لا إيجاب (٤).
* ومستند القائلين بأن الحُقْنَة في فرج المرأة تُفْطِر هو اتصاله بالجَوْف وكونه مَخْرَقًا واسعًا.
* ومن ذهب إلى عدم التفطير به نفى أن يكون مما يقاس على المُفْطِرات المجمع عليها كالأكل والشرب فلا يشبههما في الصورة ولا في المعنى؛ وليس يشبه الجماع لأنه ليس فيه قضاء وطر.
إن الترجيح الفقهي يُظهِر - والله أعلم - رجحان قول الفريق الثاني، وهم الأقلية. ثم إن الطب يبين أن فرج المرأة لا يتصل بالجهاز الهَضْمِيّ البتة، فلا يحصل معنى الأكل والشرب بالحُقْنَة فيه فينبغي المصير إلى عدم التفطير بهذه الحُقْنَة أو التحاميل أو الغسول، وإلى هذا القول ذهب مجمع الفقه الإسلامي (المنظمة) (٥).
• إن تطور المعارف الطبية قد يرفع الخلاف عند من بنى رأيه على وجود منفذ بين إحليل أو مثانة الذكر والجَوْف أو فرج المرأة والجهاز الهَضْمِيّ القادر على تحليل الطعام، أما من تمسك بأن دخول أي عين إلى أي جَوْف في الجسم يفسد الصوم فلن تغير المعارف الطبية من رأيهم ولن ترفع الخلاف بالكلية.
стр. 323
الدبر:
لعل اختلاف الفقهاء في الإفطار بإدخال شيء إلى الدبر لم ينبنِ على كونِه منفذًا للجَوْف من عدمه، لأنهم علموا بداهة أنه كذلك، ولكن وقع الخلاف من أجل قَصْرِ بعضهم للجَوْف على المَعِدَة، لأنها القادرة على تحليل الغذاء، فرأى هؤلاء أن إدخال غير المائعات من الدبر لا يصل إلى المَعِدَة فلا يفسد الصوم، وفريق آخر نفى المشابهة بين إدخال شيء في الدبر والأكل والشرب.
ونحن نبين آراء الفقهاء ونناقشها مسترشدين بما آلت إليه المعارف الطبية في زماننا.
الفريق الأول: ذهبوا إلى أن إدخال أي شيء في الدبر مائعًا كان أو غيره كدهن وفتائل يفسد الصيام، وهم الجمهور، فهو قول الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣).
والحنابلة يقررون ذلك مع أنهم لا يحرمون بحُقْنَة اللبن ولو خمس مرات، قالوا: «لأنها ليست برضاع ولا يحصل بها تغذٍ» (٤). وهذا موافق لأصلهم، وهو حصول الإفطار بدخول الأعيان الظاهرة إلى أي جوف.
ويستدل هذا الفريق بأنه أدخل اختيارًا من مَخْرَق أصلي ما يصل إلى الجَوْف، وقد قال ابن عباس ﵁: «الفطر مما دخل وليس مما يخرج» (٥).
ويُستَدَل لهم بأن الدبر متصل قطعًا بالجهاز الهَضْمِيّ. وإنه وإن لم يكن بالقولون قدرة على تحليل الغذاء، فله القدرة على امتصاص السوائل والأملاح والجلوكوز - كما تقدم
стр. 324
في المقدمة الطبية، فسواءٌ وصل الداخل إلى المَعِدَة أم لا فإنه يستفيد منه الجسم، ولو كان الداخل من السوائل أو الجلوكوز فالاستفادة ظاهرة وحصول معنى الأكل والشرب ظاهر كذلك. وقد يُعارَض بأن الامتصاص يكون عن طريق الجلد ولا يُفْطِر اتفاقًا، ولكن هذا امتصاص قليل لبعض الأدوية وما لا يتغذى عليه الجسم أو يدفع عنه شيئًا من الجوع أو العطش.
الفريق الثاني: المالكية فرقوا بين المائع وغيره لأن المائع له قوة الوصول إلى المَعِدَة وهي الجَوْف الذي يحلل الغذاء، ففطروا بإدخال المائع من الدبر دون الدُّهْن والفتائل (١).
* الفريق الثالث: الإمامان ابن حَزْم (٢) وابن تَيمِيَّة (٣) لم يروا التفطير بالحُقْنَة بمائع أو غيره لعدم وجود العلة المؤثرة الجامعة بين الحُقْنَة وما ثبت بالنص أنه مُفْطِر ولوجود الفارق الظاهر.
ولقد اختلف المعاصرون بناءً على هذا الخلاف في حكم المداواة عن طريق الدبر للصائم، فذهب البعض (٤) إلى حصول الفطر بذلك ووجوب القضاء وذهب الآخرون (٥) إلى عدم حصوله، ولعله الأقوى لأن امتصاص الدواء عن طريق المستقيم كمثل امتصاصه عن طريق الجلد، والأخير لا يُفْطِر أما السوائل والمواد المغذية فإن إدخالها إلى الجَوْف عن طريق فتحة الدبر يوافق الأكل والشرب في المعنى، لأنه كما تبين
стр. 325
في المقدمة الطبية، فإن السوائل والأملاح والجلوكوز تمتص لا فقط من الأمعاء الدقيقة بل والغليظة والمستقيم أيضًا.
• إن تطور المعارف الطبية أظهر أن لهذه الأجزاء من الجهاز الهَضْمِيّ السفلي القدرة على الامتصاص، فمن بنى قوله على عدم الفطر ظنًا بخلاف ذلك، ارتفع خلافه. أما من تمسك بالفارق بين الأكل والشرب من ناحية والاحتقان من ناحية، فقال إن في الأكل والشرب من التلذذ بالطعام والإحساس بالشبع ما ليس في الاحتقان، فلن يرتفع خلافه وإن عكر عليه أن السعوط واستنشاق الماء ليس فيه معنى التلذذ بالطعام، ولكن ألحق به لحصول معنى الأكل والشرب. فمن قال إن السعوط لا يفسد الصيام كابن حَزْم ﵀ سلم من هذه المعارضة أيضًا.
لن نتعرض هنا للمستجدات والنوازل الطبية التي لا أثر لها على الترجيح بين الفتاوى القديمة، وإنما تخرج عليها، كالإبر وبخاخ الربو والمناظير، وكذلك لن نتعرض إلى مسألتي إدخال ما لا يتغذى به واستقرار الداخل، لأن تطور العلوم الطبية لا يؤثر على ارتفاع الخلاف
* * *
стр. 326
مسائل أخرى تستحق البحث في باب العبادات
من المسائل ذات التعلق بالموضوع في هذا الباب ولم تبحث في هذه الرسالة:
مسألة بناء المشافي وتجهيزها وهل هي مصرِف للزكاة؟
ووجه تعلقها بموضوع البحث أن بناء المشافي لم يكن معروفًا لدى المسلمين في الصدر الأول، وإن كانوا فيما بعد من السباقين إليه. والحاجة إلى التبرع لبناء المشافي صارت ماسة مع تطور الصناعة الطبية والتكاليف الباهظة لإقامة تلك الصروح.
وإلزام الحجيج بالتطعيمات.
وفرض قيود على الحجيج عند حصول الجوائح العالمية أو القطرية.
* * *
стр. 327
الباب الثاني: مسائل من أبواب العادات
وفيه ثلاثة فصول:
الأول: الأطعمة
الثاني: الاستمناء
الثالث: التداوي
стр. 328
الفصل الأول: الأطعمة
وفيه مبحثان:
الأول: الجلالة
الثاني: التدخين
стр. 329
المبحث الأول: الجَلَّالَة
وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول: التعريف بالجلالة
المطلب الثاني: حكم الجلالة
المطلب الثالث: حكم تقديم العلف النجس أو المتنجس للحيوان
المطلب الرابع: حكم إطعام الدواب الميتات
المطلب الخامس: تطور المعارف الطبية بشأن إطعام النجاسات والميتات للحيوان
المطلب السادس: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى
стр. 330
المبحث الأول: الجَلَّالة
ظهرت في الآونة الأخيرة مجموعة أمراض في الحيوان والإنسان ناشئة عن إطعام الحيوانات بما يسمى البروتين الحيواني. وحقيقة ذلك أنهم يطعمون الحيوانات لحوم حيوانات أخرى ميتة وفضلاتها.
ولا شك أن هذه الأمراض وانتشارها في التسعينيات من القرن الماضي ذكَّرنا بمسألة الجلَّالة المعروفة في الفقه الإسلامي.
ونحن في هذا البحث نتناول حكم الجلَّالة وحكم تقديم الأعلاف النجسة والمتنجسة للحيوان، سيما مأكول اللحم، ونناقش الجديد في مجال الطب البيطري والبشري بهذا الشأن، ثم نعرض لأثر المعلومات الطبية الجديدة على الخلاف القائم في الفقه بشأن حكم الجلالة، وحكم تقديم الأعلاف النجسة أو المتنجسة للحيوان.
* * *
стр. 331
المطلب الأول: التعريف بالجلالة
الجَلالة: بفتح الجيم وتشديد اللام المفتوحة، هي الدابة التي تتبع النجاسات وتأكل الجِلَّة، وهي البَعْرة والعَذِرة (١).
وذهب بعض الشافعية إلى أنها لا تكون جلالة حتى يكون أكثر طعامها النجاسة (٢) ورجح النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع» أن العبرة بتغير رائحتها ونتنها ونسب ذلك القول إلى الجمهور (٣).
ونقل ابن قُدامة ﵀ في «المُغْنِي» عن الحنابلة اعتبار الأكثر ثم رجح اعتبار الكثير لا الأكثر والعفو عن اليسير (٤). والقول باعتبار الأكثر هو قول الحنفية كذلك (٥)، وعليه فهو قول الجمهور.
وذهب ابن حَزْم إلى أن الجَلَّالة تختص بذوات الأربع (ذوات الكَرِش (كِرْش)) لا الدجاج والطير (٦). ولعله إنما ذهب إلى ذلك لأن المعروف عن الدجاج أكل الجلة والنجاسات، وقد روى البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ «أنه رأى النبي ﷺ يأكل دَجَاجًا» (٧). وليس في ذلك حجة له ﵀ لأن الدجاجة المُخَلَّاة لا يكون أكثر
стр. 332
طعامها النجاسات، بل ولا الكثير. أما الدجاج غير المُخَلَّى، فالأصل أنه لا يقدم له شيء من النجاسات.
والجمهور على أن الجلالة تشمَلُ كل مأكول اللحم الذي يتغذى على النجاسات؛ قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: «والمعروف التعميم» (١).
* * *
стр. 333
المطلب الثاني: حكم الجلالة
ذهب جمهور الفقهاء إلى كراهة أكل الجلالة، وهم جمهور الشافعية (١) ورواية عند الحنابلة (٢) وهو قول الحنفية (٣) ورخص فيها جماعة منهم الحسن البصري (٤) وهو قول المالكية (٥).
وحرمها جماعة، وهم بعض الشافعية (٦) ورواية عند الحنابلة (٧) وهو قول ابن دَقِيقِ العِيد (٨) وأبي إسحاق المَرْوَزِيّ (٩) ....................................................
стр. 334
والقَفَّال (١) وإمام الحرمين والبَغَوِيّ (٢) والغَزاليّ (٣).
وينسحب تحت حكم أكل لحوم الجلالة شرب ألبانها (٤). بل إن المالكية الذين لم يحرموا أو يكرهوا أكل اللحوم كره بعضهم شرب الألبان، وكذلك اختلفوا في الأبوال والأعراق (٥). وألحق الجمهور باللبن البيض (٦) للشبه بينهما.
стр. 335
وكذلك، فإن ركوبها مكروه عند الجمهور وفي ذلك قال النَّوَوِيّ ﵀: «قال أصحابنا: ويكره الركوب عليها إذا لم يكن بينها وبين الراكب حائل» (١). وقال ابن قُدامة ﵀: «ويكره ركوب الجلالة، وهو قول عمر وابنه وأصحاب الرأي لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ نهى عن ركوبها ولأنها ربما عرقت فتلوث بعرقها» (٢).
وزاد بعضهم فذهب إلى عدم حل الانتفاع بها في شيء حتى نقل صاحب البدائع عن بعض الحنفية أنه لا يحل الانتفاع بها في العمل وغيره (٣).
عرض الأقوال:
قول السادة الحنفية ﵏:
قال السَّرَخْسِيّ ﵀: «وتكره لحوم الإبل الجلالة والعمل عليها» (٤).
وقال الكَاسَانِيّ ﵀: « ... وما روي [أنه ﵊ نهى عن أن يحج عليها وأن يعتمر عليها وأن يغزى وأن ينتفع بها فيما سوى ذلك] فذلك محمول على أنها أنتنت في نفسها فيمتنع من استعمالها حتى لا يتأذى الناس بنتنها كذا ذكره القدوري ﵀ في شرحه «مختصر الكرخي»، وذكر القاضي في شرحه «مختصر الطَّحَاوِيّ» أنه لا يحل الانتفاع بها من العمل وغيره إلا أن تحبس أياما وتعلف فحينئذ تحل .. » (٥).
стр. 336
قول السادة المالكية ﵏:
قال الحَطَّاب ﵀: «واتفق العلماء على أكل ذوات الحواصل من الجلالة، واختلفوا في ذوات الكَرِش (كِرْش) فكره جماعة أكل الجلالة منها وشرب ألبانها لما روي عنه، ﵊، أنه نهى عن لحوم الجلالة وألبانها. ولا خلاف في المذهب في أن أكل لحم الماشية والطير الذي يتغذى بالنجاسة حلال جائز، وإنما اختلفوا في الألبان والأبوال والأعراق انتهى» (١). لكن قال ابن رُشْد ﵀: «إن مالكًا كره الجلالة» (٢).
قول السادة الشافعية ﵏:
قال النَّوَوِيّ ﵀: « ... وإذا تغير لحم الجلالة فهو مكروه بلا خلاف، وهل هي كراهة تنزيه أو تحريم فيه وجهان مشهوران في طريقة الخراسانيين أصحهما عند الجمهور وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين وصححه الرُّويَانِيّ وغيره من المعتمدين: أنه كراهة تنزيه قال الرَّافِعِيّ: صححه الأكثرون والثاني: كراهة تحريم قاله أبو إسحاق المَرْوَزِيّ والقَفَّال وصححه الإمام والغَزالِيّ والبَغَوِيّ. وقيل: هذا الخلاف فيما إذا وجدت رائحة النجاسة بتمامها أو قربت الرائحة من الرائحة فإن قلت الرائحة الموجودة لم تضر قطعا .. وكما منع لحمها يمنع لبنها وبيضها، للحديث الصحيح في لبنها، قال أصحابنا: ويكره الركوب عليها إذا لم يكن بينها وبين الراكب حائل» (٣).
قال ابن حَجَر ﵀: «وقد أطلق الشافعية كراهة أكل الجلالة إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وفي وجه: إذا أكثرت من ذلك. ورجح أكثرهم أنها كراهة تنزيه .. وذهب جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم، وبه جزم ابن دقيق العيد
стр. 337
عن الفقهاء، وهو الذي صححه أبو إسحاق المَرْوَزِيّ والقَفَّال وإمام الحرمين والبَغَوِيّ والغَزاليّ وألحقوا بلبنِها ولحمِها بيضَها وفي معنى الجلالة ما يتغذى بالنجس كالشاة ترضع من كلبة» (١).
قول السادة الحنابلة ﵏:
قال ابن قُدامة ﵀: «قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي (٢) في «المجرد»: هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة، حرم لحمها ولبنها، وفي بيضها روايتان. وإن كان أكثر علفها الطاهر، لم يحرم أكلها ولا لبنها. وقال ابن أبي موسى (٣): في الجلالة روايتان؛ إحداهما: أنها محرمة. والثانية: أنها مكروهة غير محرمة. وهذا قول الشافعي. ورخص الحسن في لحومها وألبانها؛ لأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات، بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات، لا يكون ظاهره نجسا، ولو نجس لما طهر بالإسلام، ولا
стр. 338
الاغتسال، ولو نجست الجلالة، لما طَهُرَت بالحبس. ويُكْرَه ركوبُ الجلالة. وهو قول عمر، وابنه وأصحاب الرأي؛ لحديث عبد الله بن عمر «أن النبي ﷺ نَهَى عن رُكُوبِهَا». ولأنها ربما عَرِقَت، فتلوث بعرقها» (١).
قول السادة الظاهرية ﵏:
«ولا يحل أكل لحوم الجلالة، ولا شرب ألبانها، ولا ما تصرف منها؛ لأنه منها وبعضها، ولا يحل ركوبها، وهي التي تأكل العذرة من الإبل وغير الإبل من ذوات الأربع خاصة» (٢).
* أدلة التحريم:
١ - عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَن أكْلِ الجَلَّالَة وألبَانِهَا» (٣).
٢ - عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَن الْجَلَّالَةِ في الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا» (٤).
стр. 339
٣ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عن الجلَّالة أن يُؤكَلَ لحمُهَا ويُشْرَبَ لَبَنُهَا، ولا يُحمَلُ عليها الأَدَمُ، ولا يَركَبُها النَّاس، حتى تُعلَفَ أربَعِين لَيْلَةً» (١).
٤ - عن ابن عباس قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ عَنْ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وألبَانِهَا وظُهُورِهَا» (٢).
٥ - وروى ابن أبي شَيْبَة عن جابر أنه ﷺ «نَهَى عَن الْجَلَّالَةِ أن يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُشْرَبَ لَبَنُهَا» (٣). وحسنه ابن حَجَر (٤).
وحجة من قال بكراهة التنزيه كما ذكر ابن حَجَر ﵀ أن العلف الطاهر إذا صار في كَرِشها تنجس فلا تتغذى إلا بالنجاسة ومع ذلك لا يحكم على اللحم واللبن بالنجاسة، كذلك هنا (٤).
ونقل صاحب المُغْنِي تجويز الحسن لأكل لحومها وشرب ألبانها، واستدل له بأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات، بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسًا، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال (٥).
стр. 340
• المناقشة والترجيح:
الحق أن القول بتحريم أكل الجلالة وشرب ألبانها، متى كثرت النجاسة في طعامها، هو الأقرب للدليل. كيف لا، والنهي عنها قد جاء عن رسول الله ﷺ صريحًا من طريق جماعة من أفقه أصحابه وأعلمهم كابن عمر وابن عمرو وابن عباس وجابر ﵃ جميعًا.
وظاهر النهي للتحريم، ولم يوجد صارف، وما استدلوا به من التعليل على عدم التحريم لا ينتهض لمعارضة تلك الأحاديث الصريحة الصحيحة، وما نراهم تركوها إلا لعدم ثبوتها عندهم.
أما قولهم ﵏ بأن العلف الطاهر إذا صار في كَرِشها تنجس، فتعقب بأن العلف الطاهر إذا تنجس بالمجاورة، جاز إطعامه للدابة، لأنها إذا أكلته لا تتغذى بالنجاسة وإنما تتغذى بالعلف بخلاف الجلالة (١). وقد يجاب بأن الإنسان إنما يأكل الطعام الطاهر ثم ينزل إلى معدته فيخالط النجاسات فهل يقال إنه لا فرق بين تناول النجاسات والطيبات، فإن قيل إنما نهي الإنسان عن ذلك قلنا إن الشارع الذي نهى الإنسان عن أكل النجاسات نهاه عن أكل الجلالة.
أما ما قالوه بأن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، وكذلك آكل الخنزير، فالجواب ممن اعتبر الأكثر، أن الخمر والخنزير لا يكونان في العادة أكثر غذائه (٢). وكذلك فنحن لا نسلم بنجاسة الخمر الحسية. وقد يكون الحكم بطهارة الكفار رَغم تناولهم النجاسات رفعًا للحرج، فالمسلمون بحاجة إلى التعامل معهم والبيع والشراء
стр. 341
والكراء لهم ومنهم. والأصل في النهي عن أكل لحوم الجلالة لمكان الضرر، وجاء منع الركوب، إن صح، تابعًا لذلك لزيادة التنفير منها، وقد يكون فيه ضرر أيضًا. وفي الإنسان من القوة الدافعة للآفات ما ليس في الحيوان. الفرق إذًا بين حكم النهي عن أكل لحم الجلالة ولمس الكافر ظاهر، فلا يسلم اعتراضهم بهذا.
وأما قولهم ولو نجست الجلالة لما طَهُرَت بالحبس (١) فلا نسلم لهم به، فإن الحبس قد صح عن أصحاب محمد ﷺ ، فقد أخرج ابن أبي شَيْبَة عن ابن عمر «أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا» (٢). وما فعلوه إلا لمعنًى رأوه.
وقد يسوغ لنا أن نقول إن الحبس - مع كونه حبسًا عن النجاسات - قد يؤدي إلى ظهور المرض على الحيوان فيقتله فيصير ميتة لا ينتفع بها، وكذلك فإن صاحبه لا يستطيع المبادرة إلى ذبحه ولَمَّا يطهر بعد.
ومن معهود الشريعة مراعاة ما يتغذى به الحيوان في الحكم عليه، ألا ترى أن الخِنزير يتغذى على القاذورات وهو محرم وقد نهى الشارع عن آكلات اللحوم (٣)، «فصح عن رسول الله ﷺ النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» (٤). فلا عجب إذًا من المنع من أكل الجلالة وشرب ألبانها.
стр. 342
وقبل ذلك كله، فقد صح النهي، وسواءٌ كان الحيوان نجسًا أم لا، فإن أكله ممنوع، وكذلك شرب لبنه.
ويضاف إلى كل ما تقدم دليل من الأصول. وهو أنه عند تعارض الحاظر والمبيح في باب الذبائح والصيد قدمنا جانب الحظر على جانب الإباحة.
لقد استدل العلماء ﵏ على هذه القاعدة النفيسة بما رواه مسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ قلت إنا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: «إذا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عليها فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ وَإِنْ قَتَلْنَ إلا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنْ أَكَلَ فلا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنما أَمْسَكَ على نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ من غَيْرِهَا فلا تَأْكُلْ» (١).
فانظر - رحمك الله- كيف جعل ﷺ الاحتمال «إني أخاف» كافيًا لتغليب المنع.
* * *
стр. 343
المطلب الثالث: حكم تقديم العلف النجس أو المتنجس للحيوان
أولا: المُتَنَجِّس:
إن القائلين بجواز تقديم الطعام المتنجس دون النجس للحيوان هم الجمهور، قال النَّوَوِيّ: «لو عجن دقيقًا بماء نجس وخبزه، فهو نجس يحرم أكله، ويجوز أن يطعمه لشاة أو بعير أو بقرة ونحوها» (١). وهذا الذي ذهب إليه النَّوَوِيّ وذكر أنه نص عليه الشافعي هو ما ذهب إليه الحنابلة (٢) والحنفية (٣) والمالكية (٤).
والمنع قول جماعة من أصحاب الحديث (٥)، ورواية عن أحمد، إذ نقل عنه صاحب المُغْنِي ﵀ المنع من الانتفاع بالزيت المتنجس (٦).
وذهب البعض إلى التفريق بين الماء المتنجس والزيت، فأباحوا الانتفاع بالأول دون الثاني (٧).
* واستدل الجمهور على الإباحة:
بما روى البخاري عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ الناس نَزَلُوا مع رسول اللهِ ﷺ أَرْضَ
стр. 344
ثَمُودَ -الْحِجْرَ- فَاسْتَقَوْا من بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ فَأَمَرَهُمْ رسول اللهِ ﷺ أَنْ يُهَرِيقُوا ما اسْتَقَوْا من بِئْرِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا من البِئْرِ التي كانت تَرِدُهَا النَّاقَةُ» (١).
ووجه استدلالهم هو أن هذا الماء وإن لم يكن نجسًا فحين كان ممنوعًا من استعماله أمر بإراقته وإطعام ما عجن به الإبل، قالوا: وكذلك ما يكون ممنوعًا منه لنجاسته (٢).
والصحيح أن هذا قياس مع الفارق، وإنما كان النهي عن ماء ثمود تنفيرًا للأصحاب من أحوال الكافرين وأعمالهم، وليس هذا المعنى قائمًا في الإبل، وذلك بخلاف النجاسات.
واستدل الحنفية القائلون بجواز الانتفاع بالزيت المتنجس بحديث ابن عمر ﵁ قال: «سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الفَأْرَةٍ تقع في السمن أو الوَدَكٍ. فقال: اطْرَحُوهَا وَمَا حَوْلَهَا إنْ كان جَامِدًا. فقالوا: يا رسول الله فإِنْ كان مَائِعًا؟ قال: فَانْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ» (٣).
والمرفوع قد ضعفه أهل العلم، وإنما صحح البعض وقفه على ابن عمر ﵁، وقوله يستأنس به ولا يستدل، ما لم يكن إجماعًا منهم. والانتفاع ليس بالضرورة يشمل إطعام الدواب، بل الظاهر أنهم كانوا يقصدون بذلك الاستصباح وطلاء السفن، وبينهما وبين إطعام الدواب فارق لا يخفى.
стр. 345
* ولقد استدل المانع من الانتفاع بالزيت المُتَنَجِّس بحديث مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بن عبد الله بن عباس عن مَيْمُونَةَ ﵂ أن النبي ﷺ «سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: إن كان جَامِدًا فألقُوها وما حَوْلها وإن كان مَائعًا فلا تَقْرَبُوه» (١).
وقالوا بأنه لما تنجس حرم الانتفاع به والمؤمن متعبد باجتناب النجاسات. ونقل النَّوَوِيّ في المَجْمُوع قول الخطَّابِيّ ﵀: «اختلف العلماء في الزيت إذا وقعت فيه نجاسة فقال جماعة من أصحاب الحديث: لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه لقوله ﷺ : «لا تَقْرَبُوه» (٢) ثم عقب النَّوَوِيّ ﵀ فقال: «وأن المذهب الصحيح جواز الاستصباح بالدُّهْن النجس والمتنجس» (٣).
قلت: هذا انتفاع بالإهلاك وليس بالإطعام لبهيمة مأكولة اللحم وبينهما فارق، ونحن هنا معنيون بالأخير.
* ومن ذهب إلى التفريق بين الماء المتنجس والزيت، احتج بأن الماء يدفع النجاسة عن نفسه لكونه في الأصل طهورًا (٤). ولقد أردت بإيراد هذا الخلاف بيان أن حكم علف الحيوان بالمتنجس لا يدخل فيه الشحم والدُّهْن المتنجس عند جماعة من أهل العلم، وهذا هو محل النزاع في علف الدواب بالبروتين الحيواني المتنجس منه والنجس.
стр. 346
• والذي يظهر مما سبق أنه حتى مع القول بجواز الانتفاع بالمائع المتنجس، وهو مذهب ابن عمر والجمهور، فإنه لا ينبغي أن تطعمه الدواب المأكولة اللحم، وذلك:
١ - لأنها محترمة، والفقهاء يمنعون من الاستجمار بجزء الحيوان.
٢ - ولمكان الضرر من إطعامها النجاسات، كما سيظهر من المطلب الخاص برأي الطب.
ثانيًا: النَّجِس:
أما إطعام الدواب النجاسات العينية، فأذن في ذلك المالكية، ونقل القُرْطُبِيّ (١) عن مالك: «في العسل النجس إنه تعلفه النحل» (٢). وإن كان الاستدلال بكلام مالك في العسل فيه نظر، لأنه متنجس لا نجس. وبالجواز قال أيضًا الحنفية إذا كانت النجاسة قليلة (٣)، والحنابلة إذا لم يكن الحيوان سيذبح قريبًا (٤).
стр. 347
* ومنع من ذلك بعض المالكية، فقال الخَرَشِيّ ﵀: «وأما النَّجِس، وهو ما كان عينه نجسة كالبول ونحوه فلا يجوز الانتفاع به» (١). وفي «حَاشِيَة الصَّاوِيّ» (٢): «وأما نجس الذات فلا يجوز الانتفاع به بحال» (٣).
ويدخل في المانعين بطريق الأولى من تقدم أنهم منعوا من الانتفاع بالمتنجس، وهم جماعة من أهل الحديث ورواية عن أحمد. وهو اتفاق الحنابلة إذا كان الحيوان يذبح قريبًا أو يحلب (٤).
* وذهب الشافعية إلى كراهة ذلك، فقال النَّوَوِيّ بعد ما ذكر نص الشافعي على جواز إطعام المتنجس للدواب: «وفي فتاوى صاحب الشامل أنه يكره إطعام الحيوان المأكول النجاسة وهذا لا يخالف نص الشافعي في الطعام، لأنه ليس بنجس العين، ومراد صاحب الشامل نجس العين» (٥).
* والذي جوز تقديم ما هو نجس للحيوان، فإنما استدل:
بحديث بئر ثمود السابق.
وبأن الحيوانات لا تنفر من هذه النجاسات كما هو الحال في الدجاج المُخَلى.
стр. 348
بل واستدلوا أيضًا بأحاديث النهي عن أكل الجلالة على جواز تقديم النجاسات لها حيث إن الحديث نهى عن أكل لحمها وشرب لبنها، ولم ينه عن تقديم النجاسة لها، ولا يخفى بعده.
* واستدل المانعون:
بأن الأصل اجتناب النجاسات.
وبحديث الفأرة وقوله ﷺ : «فلا تَقْرَبُوه» (١).
وبقوله عن شحوم الميتة، وقد سئل عن الانتفاع بها في طلي السفن والجلود والاستصباح: «لا هو حَرَامٌ» (٢) على اعتبار أن النهي عن مطلق الانتفاع لا البيع فقط.
• الترجيح:
لا شك أن أدلة المانعين أقوى وأصرح، ويستدل لهم أيضًا بما يأتي:
قال رسول الله ﷺ : «أتاني دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ معه فَقَرَأْتُ عليهم الْقُرْآنَ قال فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فقال لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عليه يَقَعُ في أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ ما يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ، فقال رسول اللهِ ﷺ : فلا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ» (٣).
стр. 349
قال الشَّوكَانِيّ ﵀: «قال المصنف [المجد ابن تيمية صاحب «المنتقى»]﵀: وفيه تنبيه على النهي عن إطعام الدواب النجاسة. اهـ[أي كلام المجد، ويبدأ كلام الشوكاني]. لأن تعليل النهي عن الاستجمار بالبعرة بكونها طعام دواب الجن يشعر بذلك» (١).
أما دليل المبيح، فقد تقدم الجواب على حديث البئر، وبينا أنه لا يصح قياس النجاسات على ماء البئر.
وأما استدلالهم ﵏ بحديث الجلالة، فليس بالقوي، بل يستدل به على العكس، وهو أن في إطعام هذه الحيوانات النجاسات إفسادًا لها وتضييعًا للمال؛ ألا ترى أن الجمهور على كراهة أو تحريم أكل لحمها أو شرب لبنها، بل منهم من كره أو منع الركوب عليها وأكل بيضها.
* * *
стр. 350
المطلب الرابع: حكم إطعام الدواب الميتات
تقدم الكلام عن تقديم الأعلاف النجسة أو المتنجسة للحيوان، وهذا الذي ذكر من تجويز البعض تقديم النجاسات للحيوان طعامًا لا ينسحب بالضرورة على الميتة، فإن للميتات - وهي أكثر ما يقدم كبروتين حيواني - حكمًا خاصًّا.
قال ابن قُدامة: «فأما شحوم الميتة وشحم الخنزير، فلا يجوز الانتفاع به باستصباح ولا غيره ... قال أحمد: لا أرى أن يطعم كلبه المعلم الميتة ولا الطير المعلم» (١). ولا يخفى أن مأكول اللحم أولى بذلك المنع من الكلب.
والمنع من الانتفاع بالميتة هو مذهب المالكية (٢) والحنفية (٣) والظاهر من كلام الشافعية عدم جواز إطعام الميتة للدواب، ففي «مغني المُحْتاج»: «قال في «المَجْمُوع»: ويجوز طلي السفن بشحم الميتة، وإطعامها للكلاب والطيور، وإطعام الطعام المتنجس للدواب» (٤).
انظر كيف فرق بين الكلاب والطيور من جهة والدواب من جهة. وإنما جوز إطعام المتنجس للدواب دون الميتة.
ولقد نسب القول بتجويز إطعام الميتة للدواب للمالكية والحنابلة في رواية، كما جاء ذلك في «الموسوعة الفقهية» (٥). ولم أجد تصريحًا في شيء من كتبهم بذلك، وليس
стр. 351
تجويزهم إطعام الدواب النجاسات بدليل على تجويزهم إطعامها الميتة، فإن للميتات حكمًا خاصًّا والانتفاع بها ممنوع، وفيها حديث لرسول الله ﷺ فعن جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ فَقِيلَ يا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: لا هُوَ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ [جَمَلُوه عند البخاري] ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (١).
وهذا على اعتبار أن النهي عن مطلق الانتفاع لا مجرد البيع، فإن كان النهي عن البيع دون سائر أنواع الانتفاع، فإن في النهي عن الجلَّالة إشارة كافية بعدم تقديم النجاسات للدواب، لأن في ذلك إفسادًا لها، وقد نهينا عن إضاعة المال.
والميتة من أنجس النجاسات، والتشديد فيها في أقوال الفقهاء ظاهر. وإن من جوز استعمال النجاسات بالإتلاف فيما فيه منفعة لم يرد عنه التصريح بجواز إطعام الميتة للدواب مأكولة اللحم.
فرع: هل للاستحالة أثر على تغير الحكم بشأن إطعام الأعلاف النجسة للحيوان:
لم نتعرض في كلامنا السابق عن حكم الجلالة وتقديم العلف المتنجس والنجس والميتات للحيوان للاستحالة، ولا شك أن الكلام لا يتم إلا بالحديث عن أثر الاستحالة على تقديم هذه الأعلاف للحيوانات، وذلك لأن هذه الأعلاف المخلوطة بالنجاسات والميتات لا تقدم في أزمنتنا - في الأكثر - للحيوانات من غير معالجة.
أما المعالجة، فهي بطبخ هذه الأعلاف في قدور على درجة حرارة تصل إلى ١٢٠،
стр. 352
وذلك لقتل البكتريا والفيروسات، ثم تجفف وتطحن وتضاف إليها إضافات أخرى وتعبأ في أكياس، ولذا يقول الدكتور محمد عثمان شبير (١): «وهذه العملية كفيلة بتغيير صفات النجاسة من رطبة إلى جافة، ومن لون أحمر في الدم إلى لون آخر وكذلك تتغير رائحة النجاسات نتيجة إضافة مواد كيميائية إلى خلطة المركز، وبالتالي يتغير اسمها ويصبح لها اسم جديد وهو المركز وبهذا تتحقق استحالة النجاسات بالتصنيع» (٢).
وهذا الذي ذكره الدكتور محمد عثمان شبير صحيح، إلا أن هذه العمليات التصنيعية ليست كافية لقتل بروتينات البرايون المسببة لأمراض الاعتلال الدِّمَاغي الإسفنجي الانتقالي، وقد تكون هناك غيرها، وهذا الذي جعل السلطات المعنية بكل من بريطانيا وأمريكا تمنع إطعام البروتين الحيواني للبهائم (٣).
أما حكم الاستحالة وأثرها على تغيير حكم النجاسات:
فإن الجمهور على أن النجاسة إذا استحالت بحيث تتغير أوصافها، فلا يبقى لها حكم
стр. 353
النجاسة. وهذا قول المالكية (١) والظاهرية (٢) والحنفية (٣) في مشهور المذهب ورواية عن الإمام أحمد (٤) اختارها الإمام ابن تَيمِيَّة (٥). وكذلك فهو وجه عند الشافعية، اختاره إمام الحرمين- ﵏ جميعًا.
* وذهب الشافعية في صحيح المذهب (٦) والحنابلة في المشهور (٧) وأبو يوسف (٨) إلى أنه لا يطهر بالاستحالة إلا الخمر، وأضاف بعضهم الجلد بالدباغ، وأضاف آخرون أشياء أخرى كالبيضة في بطن الميتة إذا صارت طائرًا.
عرض الأقوال:
قول السادة الحنفية:
قال الكَاسَانِيّ ﵀: «بناء على أن النجاسة إذا تغيرت بمضي الزمان وتبدلت أوصافها، تصير شيئا آخر عند محمد فيكون طاهرا، وعند أبي يوسف لا تصير شيئا آخر فيكون نجسا، وعلى هذا الأصل مسائل بينهما» (٩).
стр. 354
قول السادة المالكية:
قال القُرْطُبِيّ ﵀: «قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧، ٨]. فإذا كان الله جل وعلا قد أخبر أن ما عليها يصيره صعيدا جرزا، وأباح مع ذلك التيمم بالصعيد، وجب بعموم ذلك جواز التيمم بالصعيد الذي كان نباتا أو حيوانا أو حديدا أو رصاصا أو غير ذلك لإطلاقه تعالى الأمر بالتيمم بالصعيد. وفي ذلك دليل على صحة قول أصحابنا في النجاسات إذا استحالت أرضا أنها طاهرة؛ لأنها في هذه الحال أرض ليست بنجاسة، وكذلك قالوا في نجاسة أحرقت فصارت رمادا أنها طاهر؛ لأن الرماد في نفسه طاهر وليس بنجاسة، ولا فرق بين رماد النجاسة وبين رماد الخشب الطاهر؛ إذ النجاسة هي التي توجد على ضرب من الاستحالة، وقد زال ذلك عنها بالإحراق، وصارت إلى ضرب الاستحالة التي لا توجب التنجيس .. » (١).
وقال الحَطَّاب ﵀: «وخمر تحجر: أي صار حَجَرا وهو المسمى بالطرطار ويستعمله الصَّبَّاغون، وهذا إذا ذهب منه الإسكار. أما لو كان الإسكار باقيا فيه، بحيث لو بل فشرب أسكر، فليس بطاهر. ونقله البُرْزُلي (٢) عن المازِرِيّ (٣) في مسائل الأشربة والله أعلم.
стр. 355
ص: (أو خلل) ش: أي ولو بإلقاء شيءٍ فيه، كالخل والملح والماء ونحوه. ويطهر الخل وما ألقي فيه خلافا للشافعية قاله في الجواهر والذخيرة وغيرهما. ونقل البُرْزُلي أنه لو وقع في قلة خمر ثوب ثم تخللت والثوب فيها طهر الثوب والخل» (١).
قول السادة الشافعية:
قال النَّوَوِيّ ﵀: «ولا يطهر من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ، وقد دللنا عليه في موضعه، والثاني: الخمر إذا استحالت بنفسها خلا فتطهر بذلك لما روي عن عمر ﵁ أنه خطب فقال: «لا يحل خل من خمر قد أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها، فعند ذلك يطيب الخل، ولا بأس أن يشتروا من أهل الذمة خلا ما لم يتعمدوا إلى إفساده» ولأنه إنما حكم بنجاستها للشدة المطربة الداعية إلى الفساد، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن يحكم بطهارتها» (٢).
قول السادة الحنابلة:
قال ابن قُدامة ﵀: «فَصْلٌ: ظاهر المذهب، أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا الخمرة، إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر؛ كالنجاسات إذا احترقت وصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان المترقي من وقود النجاسة، البخار المتصاعد من الماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل ثم قطر، فهو نجس. ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة قياسا على