← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تجويزهم إطعام الدواب النجاسات بدليل على تجويزهم إطعامها الميتة، فإن للميتات حكمًا خاصًّا والانتفاع بها ممنوع، وفيها حديث لرسول الله ﷺ فعن جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ فَقِيلَ يا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: لا هُوَ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ [جَمَلُوه عند البخاري] ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (١). وهذا على اعتبار أن النهي عن مطلق الانتفاع لا مجرد البيع، فإن كان النهي عن البيع دون سائر أنواع الانتفاع، فإن في النهي عن الجلَّالة إشارة كافية بعدم تقديم النجاسات للدواب، لأن في ذلك إفسادًا لها، وقد نهينا عن إضاعة المال. والميتة من أنجس النجاسات، والتشديد فيها في أقوال الفقهاء ظاهر. وإن من جوز استعمال النجاسات بالإتلاف فيما فيه منفعة لم يرد عنه التصريح بجواز إطعام الميتة للدواب مأكولة اللحم. فرع: هل للاستحالة أثر على تغير الحكم بشأن إطعام الأعلاف النجسة للحيوان: لم نتعرض في كلامنا السابق عن حكم الجلالة وتقديم العلف المتنجس والنجس والميتات للحيوان للاستحالة، ولا شك أن الكلام لا يتم إلا بالحديث عن أثر الاستحالة على تقديم هذه الأعلاف للحيوانات، وذلك لأن هذه الأعلاف المخلوطة بالنجاسات والميتات لا تقدم في أزمنتنا - في الأكثر - للحيوانات من غير معالجة. أما المعالجة، فهي بطبخ هذه الأعلاف في قدور على درجة حرارة تصل إلى ١٢٠،

стр. 352

وذلك لقتل البكتريا والفيروسات، ثم تجفف وتطحن وتضاف إليها إضافات أخرى وتعبأ في أكياس، ولذا يقول الدكتور محمد عثمان شبير (١): «وهذه العملية كفيلة بتغيير صفات النجاسة من رطبة إلى جافة، ومن لون أحمر في الدم إلى لون آخر وكذلك تتغير رائحة النجاسات نتيجة إضافة مواد كيميائية إلى خلطة المركز، وبالتالي يتغير اسمها ويصبح لها اسم جديد وهو المركز وبهذا تتحقق استحالة النجاسات بالتصنيع» (٢). وهذا الذي ذكره الدكتور محمد عثمان شبير صحيح، إلا أن هذه العمليات التصنيعية ليست كافية لقتل بروتينات البرايون المسببة لأمراض الاعتلال الدِّمَاغي الإسفنجي الانتقالي، وقد تكون هناك غيرها، وهذا الذي جعل السلطات المعنية بكل من بريطانيا وأمريكا تمنع إطعام البروتين الحيواني للبهائم (٣). أما حكم الاستحالة وأثرها على تغيير حكم النجاسات: فإن الجمهور على أن النجاسة إذا استحالت بحيث تتغير أوصافها، فلا يبقى لها حكم

стр. 353

النجاسة. وهذا قول المالكية (١) والظاهرية (٢) والحنفية (٣) في مشهور المذهب ورواية عن الإمام أحمد (٤) اختارها الإمام ابن تَيمِيَّة (٥). وكذلك فهو وجه عند الشافعية، اختاره إمام الحرمين- ﵏ جميعًا. * وذهب الشافعية في صحيح المذهب (٦) والحنابلة في المشهور (٧) وأبو يوسف (٨) إلى أنه لا يطهر بالاستحالة إلا الخمر، وأضاف بعضهم الجلد بالدباغ، وأضاف آخرون أشياء أخرى كالبيضة في بطن الميتة إذا صارت طائرًا. عرض الأقوال: قول السادة الحنفية: قال الكَاسَانِيّ ﵀: «بناء على أن النجاسة إذا تغيرت بمضي الزمان وتبدلت أوصافها، تصير شيئا آخر عند محمد فيكون طاهرا، وعند أبي يوسف لا تصير شيئا آخر فيكون نجسا، وعلى هذا الأصل مسائل بينهما» (٩).

стр. 354

قول السادة المالكية: قال القُرْطُبِيّ ﵀: «قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧، ٨]. فإذا كان الله جل وعلا قد أخبر أن ما عليها يصيره صعيدا جرزا، وأباح مع ذلك التيمم بالصعيد، وجب بعموم ذلك جواز التيمم بالصعيد الذي كان نباتا أو حيوانا أو حديدا أو رصاصا أو غير ذلك لإطلاقه تعالى الأمر بالتيمم بالصعيد. وفي ذلك دليل على صحة قول أصحابنا في النجاسات إذا استحالت أرضا أنها طاهرة؛ لأنها في هذه الحال أرض ليست بنجاسة، وكذلك قالوا في نجاسة أحرقت فصارت رمادا أنها طاهر؛ لأن الرماد في نفسه طاهر وليس بنجاسة، ولا فرق بين رماد النجاسة وبين رماد الخشب الطاهر؛ إذ النجاسة هي التي توجد على ضرب من الاستحالة، وقد زال ذلك عنها بالإحراق، وصارت إلى ضرب الاستحالة التي لا توجب التنجيس .. » (١). وقال الحَطَّاب ﵀: «وخمر تحجر: أي صار حَجَرا وهو المسمى بالطرطار ويستعمله الصَّبَّاغون، وهذا إذا ذهب منه الإسكار. أما لو كان الإسكار باقيا فيه، بحيث لو بل فشرب أسكر، فليس بطاهر. ونقله البُرْزُلي (٢) عن المازِرِيّ (٣) في مسائل الأشربة والله أعلم.

стр. 355

ص: (أو خلل) ش: أي ولو بإلقاء شيءٍ فيه، كالخل والملح والماء ونحوه. ويطهر الخل وما ألقي فيه خلافا للشافعية قاله في الجواهر والذخيرة وغيرهما. ونقل البُرْزُلي أنه لو وقع في قلة خمر ثوب ثم تخللت والثوب فيها طهر الثوب والخل» (١). قول السادة الشافعية: قال النَّوَوِيّ ﵀: «ولا يطهر من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ، وقد دللنا عليه في موضعه، والثاني: الخمر إذا استحالت بنفسها خلا فتطهر بذلك لما روي عن عمر ﵁ أنه خطب فقال: «لا يحل خل من خمر قد أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها، فعند ذلك يطيب الخل، ولا بأس أن يشتروا من أهل الذمة خلا ما لم يتعمدوا إلى إفساده» ولأنه إنما حكم بنجاستها للشدة المطربة الداعية إلى الفساد، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن يحكم بطهارتها» (٢). قول السادة الحنابلة: قال ابن قُدامة ﵀: «فَصْلٌ: ظاهر المذهب، أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة، إلا الخمرة، إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر؛ كالنجاسات إذا احترقت وصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان المترقي من وقود النجاسة، البخار المتصاعد من الماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل ثم قطر، فهو نجس. ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة قياسا على

стр. 356

الخمرة إذا انقلبت، وجلود الميتة إذا دبغت، والجلالة إذا حبست، والأول ظاهر المذهب. وقد نهى إمامنا ﵀ عن الخبز في تنور شوي فيه خنزير» (١). قول السادة الظاهرية: قال ابن حَزْم ﵀: «وكذلك إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام، فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم فيه، وانتقل إلى اسم آخر وارد على حلال طاهر، فليس هو ذلك النجس ولا الحرام، بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر، كالعصير يصير خمرا، أو الخمر يصير خلا، أو لحم الخنزير تأكله دجاجة يستحيل فيها لحم دجاج حلالا، وكالماء يصير بولا، والطعام يصير عذرة، والعذرة والبول تدهن بهما الأرض فيعودان ثمرة حلالا، ومثل هذا كثير وكنقطة ماء تقع في خمر أو نقطة خمر تقع في ماء، فلا يظهر لشيء من ذلك أثر، وهكذا كل شيء، والأحكام للأسماء؛ والأسماء تابعة للصفات التي هي حد ما هي فيه المفرق بين أنواعه» (٢). • المناقشة والترجيح: * أدلة المانعين من تغير الحكم بالاستحالة: ١ - استدلوا بالنهي عن أكل الجلالة رَغم استحالة النجاسة لحمًا طاهرًا ولبنًا في جسمها. ٢ - قالوا إن طهارة الخمر باستحالتها خلًّا إنما صحت لكون الخمر قد تنجست في المبدأ بالاستحالة. ٣ - وقالوا إن الحكم بنجاسة الميتات وغيرها ثبت بيقين وليس ثم دليل يرفعه.

стр. 357

وتعقب قولهم عن الخمر بأن كل النجاسات إنما تنجست بالاستحالة كالدم، فإنه مستحيل عن الغذاء الطاهر، وكذلك البول والعذرة. وتعقب كلامهم عن ثبوت النجاسة بالدليل وعدم وجود الدليل الرافع بأن النجاسة إنما تثبت لأعيان معينة فلما استحالت أوصافها، لم يبق لها الاسم ولا الحكم. وقد جاء بيان الشارع بأن الخمر تطهر بالاستحالة - عند من يعتبرها نجسة - فيقاس عليها غيرها. * أدلة القائلين بتغير الحكم بالاستحالة: ١ - استدلوا بأن الأحكام إنما ثبتت لأعيان ذات أوصاف معينة فمتى تغيرت تلك الأوصاف فلا يبقى لهذه الأعيان الأسماء الأولى ولا الأحكام المرتبطة بها فإن العذرة تتحول إلى ثمرة والعلقة إلى إنسان والدم إلى لبن وتراب المقابر إلى زرع وأجسام الميتة إلى رماد ليس فيه شبه بالميتة في لون أو طعم أو ريح. ٢ - كما استدلوا بعموم البلوى ورفع الحرج الذي يترتب على القول ببقاء الحكم مع زوال الوصف. ٣ - واستدلوا بجواز التطيب بالمسك قالت عائشة ﵂: «كنت أطيب رسول الله قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بطيب فيه مسك» (١). و «أمر رسول الله ﷺ المرأة أن تأخذ فِرْصَةً من مسك فتتطهر بها من دم الحيض» (٢). ومحل الشاهد هو أن المسك إنما يستخرج من دم الغزال.

стр. 358

• الترجيح: لعل قول الفريق الثاني أقوى من جهة الدليل والأصول، فإن الأحكام التي ترتبت على أعيان ذات أوصاف معينة لا يمكن سحبها على غيرها مما يخالفها في تلك الأوصاف. والاستدلال بالخل - عند القائلين بنجاسة الخمر - والمسك على تغير حكم العين بتغير الصفات وجيه. فحين تقرر أن الاستحالة يتغير الحكم بها، فهل ينسحب ذلك على استحالة النجاسات المقدمة علفًا للحيوان؟ الصحيح أن الاستحالة، وإن غيرت الأوصاف الظاهرة، كاللون والطعم والريح التي تثبت بها الأحكام في العادة، فإنها لا تخلص تلك الميتات من جميع المواد الضارة، فتبقى بعضها لا تتأثر بالاستحالة، كما تقدم في كلامنا أن بروتينات البرايون لا يقضى عليها بطبخ تلك الأعلاف. ولعل النهي عن أكل لحوم الجلالة فيه إشارة كافية للتفريق بين استعمال هذه النجاسات في غير طعام إنسان أو حيوان مأكول اللحم وبين استعمالها في الطعام. ألا ترى أن الاستحالة لم تعتبر في الجلالة مع أن الجلة المأكولة وغيرها من القذر والنجاسات تستحيل داخل الحيوان إلى لحم ولبن وبيض. وإذا كان القائلون بتغير الحكم بالاستحالة يعللون بأن العين الجديدة طيبة لا ضرر فيها فناسب لها الحل، كما قال الإمام ابن تَيمِيَّة ﵀: «فكل ما نفع فهو طيب، وكل ما ضر فهو خبيث والمناسبة الواضحة لكل ذي لب أن النفع يناسب التحليل والضرر يناسب التحريم، والدوران» (١) فإن الجاري على هذه القاعدة هو عدم الحكم للأعلاف النجسة المستحيلة في الصفات الظاهرة بالتحليل لبقاء الضرر فيها كما تقرره المعارف الطبية الحديثة.

стр. 359

المطلب الخامس: تطور المعارف الطبية بشأن إطعام النجاسات والميتات للحيوان عرفت في الآونة الأخيرة عدة أمراض تصيب الحيوان والإنسان ومنشؤها من إطعام الأغنام والأبقار أشلاء الحيوانات الميتة ثم أكل الإنسان لهذه الدواب أو شرب لبنها. ومجموعة هذه الأمراض تعرف بالاعتلال الدِّمَاغي الإسفنجي الانتقالي (١). والسبب في حدوث هذه الأمراض هو نوع معين من البروتينات يسمى برايون (٢)، وهو بروتين موجود بصفة طبيعية في خلايا الإنسان والحيوان، وإنما تتغير طبيعته في الحيوانات الميتة وأشلائها، ويصبح مخربًا للبروتين الطبيعي الموجود في الجهاز العصبي للحيوان أو الإنسان الذي يتناول تلك الميتات أو الحيوانات التي أكلتها (٣). وبعد انتشار أنواع من هذا المرض بين الماشية تحت اسم «مرض جنون البقر» في بريطانيا وانتقاله إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان في التسعينيات من القرن الماضي، قررت الجهات المسؤولة في تلك البلاد منع تقديم الأعلاف المخلوطة بالبروتين الحيواني للدواب (٤). إن إصابة الإنسان بهذه الأمراض الخطيرة تؤدي إلى اضطراب في الجهاز العصبي وانعدام للتوازن وحركات لا إرادية ويفضي ذلك في النهاية إلى الموت (٥).

стр. 360

المطلب السادس: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى في هذا الباب إنه وإن كانت هذه الأمراض نادرة الحدوث إلى الآن، فإنها قد تنتشر في المستقبل وإنها لتقوي مذهب المانعين من أكل لحوم الجلالة وشرب ألبانها، وكذلك مذهب المانعين من تقديم العلف النجس للحيوانات مأكولة اللحم والميتات على وجه الخصوص. إن القول بالمنع في ذلك كله ظاهر ويستند إلى صحيح المنقول وصريح المعقول؛ وسبحان ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] فإن الذي فطر هذه الدواب على أكل النباتات دون الحيوانات، والذي حرم أكل آكلات اللحوم (١) هو الذي خلق كل شيء، وهو أعلم بما خلق. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] * * *

стр. 361

المبحث الثاني: حكم التدخين وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تعريف الدخان وتاريخه المطلب الثاني: اختلاف العلماء في حكم التبغ المطلب الثالث: رأي الطب في التدخين المطلب الرابع: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن التدخين

стр. 362

المبحث الثاني: حكم التدخين لعل هذه المسألة من أوضح المسائل على تغير الفتوى بتطور المعارف الطبية، فإن الدُّخَان لم يكن معروفًا على عهده ﷺ ولا على عهد الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب. ولما انتقل إلى البلاد الإسلامية اضطربت فيه كلمة العلماء، فمن محل له ومحرم ومتوسط فقائل بالكراهة. واضطرابهم أو اختلافهم في حكمه كان راجعًا إلى عدم استيثاقهم من ضرره. وليس ضرره مما يختلف عليه العقلاء في زماننا، لذا وجب أن تراجع الفتوى فيه بناءً على ما تقرر في زماننا من عظيم ضرره.

стр. 363

* * * المطلب الأول: تعريف الدخان وتاريخه الدخان هو أحد أسماء نبات التبغ وهو نبات من الفصيلة الباذنجانية (١) ومن أسمائه أيضًا التتن والتُّنْبَاك. ويُتَعاطَى هذا النبات تَدخينًا (٢) وسُعْوطًا ومَضغًا (٣). وكان معروفًا في أمريكا، ولما وصلها كريستوفر كولمبوس، جلب منها التبغ إلى أوروبا فراج فيها رَغم منعه بقرارات بابوية وملكية، وانتقل منها إلى العالم الإسلامي (٤). يقول المُحِبِّيّ ﵀ (٥) في «خلاصة الأثر»: «وظهور التُّنْبَاك المسمى بالتبغ وبالتتن بجهة الغرب والحجاز واليمن وحضرموت كان في سنة اثنتي عشرة وألف كما وجدته بخط بعض المكيين ... وأما ظهوره في بلادنا الشامية فلا أتيقنه لكنه قريب من هذا التاريخ» (٦).

стр. 364

المطلب الثاني: اختلاف العلماء في حكم التبغ لما وصل التَّبْغ إلى البلاد الإسلامية اختلفت فيه آراء العلماء اختلافًا واسعًا فذهب البعض إلى التحريم والبعض إلى الحل، بينما كرهه جماعة. وكان ممن حرمه الشُّرُنْبُلالي (١) في «شرح الوَهْبانية» وإسماعيل النَّابُلُسِيّ (٢) في شرحه على شرح الدُّرَر والمسيري (٣) ونقل ذلك عنه ابن عَابِدِين (٤) والمُبارَكْفُورِيّ (٥) في «تُحْفَة

стр. 365

الأحْوَذِيّ» (١) وأومأ إلى الحرمة السِّندِيّ (٢) في «شرح سنن ابن ماجه» (٣) وكتب محمد بن عَلَّان المكي (٤) في تحريمه رسالتين «إعلام الإخوان بتحريم الدخان» و «تُحْفَة ذوي الإدراك في المنع من التُّنْبَاك». وكتب الشيخ علي السقاف (٥) كتابًا سماه «قمع الشهوة عن تناول التُّنْبَاك» وعبد القادر الراشدي القسنطيني (٦) «تُحْفَة الإخوان في تحريم الدخان» ومحمد عبد الكريم

стр. 366

الفكون (١) «محَدَّد السِّنان في نحور إخوان الدخان» (٢). وكرهه العِمَادِيّ (٣) كما نقل ذلك عنه ابن عَابِدِين الذي رجح أنه كرهه تحريمًا، بينما ذهب ابن عَابِدِين إلى أنه مكروه تنزيهًا فآل الأمر عنده إلى الإباحة (٤).

стр. 367

وأباحه الصنعاني (١) في رسالته «الإدراك لضعف أدلة ٣٩١، التحريم والشوكاني (٢) في «إرشاد السائل إلى أدلة ٣٩٢، المسائل»، ونقل ابن عَابِدِين عن علي الأُجْهُورِيّ المالكي (٣) أنه كتب في حله رسالة نقل فيها أنه أفتى بحله من يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة. وذكر ابن عَابِدِين ﵀ أن ابن عبد الغني النَّابُلُسِيّ ألف في حله رسالة سماها «الصلح بين الإخوان في إباحة شرب الدخان»، ونقل عن الشافعية تحليلهم له، بل نقل إيجابهم على الزوج كفاية زوجته منه إن كانت تتعاطاه على سبيل التفكه، دون التداوي (٤).

стр. 368

• المناقشة والترجيح: * أما من حرموه فاستدلوا بالآتي: ١ - الضرر: قال المُبارَكْفُورِيّ ﵀: «اعلم أن بعض أهل العلم قد استدل على إباحة أكل التُّنْبَاك وشرب دخانه بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وبالأحاديث التي تدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة. قال القاضي الشوكاني في «إرشاد السائل إلى أدلة المسائل» بعدما أثبت أن كل ما في الأرض حلال إلا بدليل ما لفظه: «إذا تقرر هذا علمت أن هذه الشجرة التي سماها بعض الناس التُّنْبَاك، وبعضهم التوتون، لم يأت فيها دليل يدل على تحريمها، وليست من جنس المسكرات، ولا من السموم، ولا من جنس ما يضر آجلا أو عاجلا، فمن زعم أنها حرام فعليه الدليل، ولا يفيد مجرد القال والقيل» انتهى. قلت [القائل المباركفوري] لا شك في أن الأصل في الأشياء الإباحة لكن بشرط عدم الإضرار وأما إذا كانت مضرة في الآجل أو العاجل فكلا ثم كلا ... وأكل التُّنْبَاك وشرب دخانه بلا مرية وإضراره عاجلا ظاهر غير خفي، وإن كان لأحد فيه شك فليأكل منه وزن ربع درهم أو سدسه، ثم لينظر كيف يدور رأسه، وتختل حواسه، وتتقلب نفسه حيث لا يقدر أن يفعل شيئا من أمور الدنيا أو الدين، بل لا يستطيع أن يقوم أو يمشي. وما هذا شأنه فهو مضر بلا شك» (١).

стр. 369

٢ - وعن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: «نهى رسول اللهِ ﷺ عن كل مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ». قال العَظِيم آبادِي: «قال في النهاية المفتر هو الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور وهو ضعف وانكسار يقال أفتر الرجل فهو مفتر إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه» (١). ٣ - نتن الرائحة، وإن كان ذلك لا ينتهض للتحريم. قال ابن عَابِدِين: «وفي شرح العلامة الشيخ إسماعيل النَّابُلُسِيّ والد سيدنا عبد الغني على شرح الدرر بعد نقله أن للزوج منع الزوجة من أكل الثوم والبصل وكل ما ينتن الفم، قال ومقتضاه المنع من شربها التتن لأنه ينتن الفم خصوصا إذا كان الزوج لا يشربه أعاذنا الله تعالى منه» (٢). وقال السندي ﵀: «(فلا يأتين المسجد) الغرض منه والله أعلم أن إتيان المسجد ضروري فمن فعل شيئا يوجب حرمانه كان مسيئا أي لا يأكل من هذه الشجرة فيمتنع من دخول المسجد وأشد منه من يستعمل التُّنْبَاك شربا أو سعوطا فإنه يتأذى الناس به فدخول المسجد بعد استعمال هذا أشد وأغلظ وهذا الأمر يكثر وقوعه والناس عنه غافلون» (٣). ٤ - المنع السلطاني في زمانهم. قال ابن عَابِدِين ﵀: «وإن كان في الدر المنتقى جزم بالحرمة لكن لا لذاته بل

стр. 370

لورود النهي السلطاني عن استعماله» ثم عارض ابن عَابِدِين أن تكون أوامر سلاطين تلك الأزمنة تفيد الوجوب (١). ٥ - الإسراف وإضاعة المال. ٦ - واستدلوا بأنه بدعة لم يعرفها السلف. ٧ - وفيه تشبه بأهل النار بل وبأكل النار والله شبه أكل مال اليتيم بأكل النار، فأكل النار أولى بالذم ولقد عذب الله قوم يونس بالدخان. ٨ - واستدلوا بأنه يشارك أولية الخمر في النشوة والحشيش والأفيون في الإدمان (١). * أما من أباح فاستدل بما يأتي: ١ - الأصل في الأشياء الإباحة كما تقدم ويأتي في كلام النَّابُلُسِيّ ﵀. ٢ - عدم الضرر. قال ابن عَابِدِين ﵀: «وألف في حله أيضا سيدنا العارف عبد الغني النَّابُلُسِيّ رسالة سماها «الصلح بين الإخوان في إباحة شرب الدخان» وتعرض له في كثير من تآليفه الحسان وأقام الطامة الكبرى على القائل بالحرمة أو بالكراهة فإنهما حكمان شرعيان لا بد لهما من دليل، ولا دليل على ذلك فإنه لم يثبت إسكاره ولا تفتيره ولا إضراره بل ثبت له منافع فهو داخل تحت قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة وأن فرض إضراره للبعض لا يلزم منه تحريمه على كل أحد فإن العسل يضر بأصحاب الصفراء الغالبة وربما أمرضهم مع أنه شفاء بالنص القطعي وليس الاحتياط في الافتراء على الله تعالى بإثبات الحرمة أو الكراهة اللذين لا بد لهما من دليل بل في القول بالإباحة التي هي الأصل. وقد توقف النبي مع أنه هو المشرع في تحريم الخمر

стр. 371

أم الخبائث حتى نزل عليه النص القطعي. فالذي ينبغي للإنسان إذا سئل عنه سواء كان ممن يتعاطاه أو لا كهذا العبد الضعيف وجميع من في بيته أن يقول هو مباح لكن رائحته تستكرهها الطباع فهو مكروه طبعا لا شرعا إلى آخر ما أطال به رحمه الله تعالى» (١). ورد ابن عَابِدِين على من قال بالضرر فقال: «قوله: ربما أضر بالبدن. الواقع أنه يختلف باختلاف المستعملين» (٢). ٣ - أن نتن الرائحة لا يفيد التحريم، بل الكراهة التنزيهية وغاية ما هناك أن يجتنب التدخين قبل مواعيد الصلوات لمن يصليها بالمسجد. ٤ - لا يعتبر الإنفاق على التدخين من التبذير المنهي عنه بل من التفكه الجائز. الملاحظ أن الخلاف ينحسم إذا تبين أن التدخين ثابت ضرره بكل من يتعاطاه. وهذا يقودنا إلى المطلب الآتي بخصوص رأي الطب في التدخين. * * *

стр. 372

المطلب الثالث: رأي الطب في التدخين • لعل محاولة إقامة الحجة على ضرر التدخين مما لا يليق في زماننا هذا وقد صار أمرًا لا ينكره أحد العقلاء، فيكون نصب الحجج عليه كالاستدلال على الشمس في رابعة النهار. ولقد رأيت أن أكتفي ببيان حجم الضرر على وجه الاختصار. تذكر منظمة الصحة العالمية أن التدخين ثاني أكبر سبب للوفاة بالعالم ومسؤول عن موت خمسة ملايين بالعالم سنويًّا، أي أن واحدًا من كل عشرة يموتون يتسبب التدخين في موته. وعدد المدخنين في العالم اليوم ستمائة وخمسون مليونًا تقريبا، وتتوقع المنظمة أن يموت نصفهم بسبب التدخين قبل حلول عام عشرين وألفين (١). ومما يسببه التدخين سرطان الرئة والالتهابات القصبية بالرئتين وانتفاخهما (الإمفيزيما) وقصور الدورة الدموية للقلب، وانسداد الأوعية الدموية في الأطراف، وسرطان اللسان والحَنْجَرَة والبُلْعُوم والبنكرياس والمثانة وقرحة المَعِدَة والاثني عشري والإجهاض وموت الأجنة ... الخ (٢). ولعلي أكتفي بما تقدم لأن الضرر البالغ للتدخين لا ينازع فيه عاقل حتى أن من يصنعون الدخان يعترفون بضرره ويكتبون طوعًا أو كرهًا على صناديق السجائر «التدخين ضار جدًّا بالصحة». فهل يكفي هذا الإجماع العالمي لمراجعة الفتوى؟ هذا موضوع المطلب الآتي.

стр. 373

المطلب الرابع: أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن التدخين قد ظهر لنا من استعراض أقوال الفقهاء المتقدمين الذين ناقشوا هذه المسألة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر أن خلافهم كان محوره حول حصول الضرر من التدخين، فمن أحله أو كرهه ادعى أنه لا ضرر منه وإن كان ثم فهو مختص ببعض المدخنين دون بعض. ولقد أثبت الطب أن ضرره البالغ ليس يصيب فقط المدخن بل من حوله حتى أن زوجة المدخن يزيد معدل إصابتها بسرطان الرئة ستة أضعاف عن زوجة غير المدخن وكلتاهما لا تدخنان (١). فهل بقي بين الفقهاء من ينكر ضرر التدخين البالغ، فإن لم يكن، فهل يمكن القول بغير الحرمة والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ويقول: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. ورسول الله ﷺ يقول: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَار» (٢).

стр. 374

أو ليس من السفه أن ينفق المرء ماله في إهلاك نفسه وإضعاف بدنه، والله يقول: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. أوليس من العدوان أن يعرض المرء زوجته وأولاده بل ومجتمعه لأخطار الدخان الذي يشربه والله يقول: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. حتى إن المدخن ليس يؤذي من حوله من الإنس فحسب بل إنه يؤذي الملائكة، فقد قال رسول الله ﷺ : «من أَكَلَ من هذه الْبَقْلَةِ الثُّومِ -وقال مَرَّةً-: من أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فإن الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى منه بَنُو آدَمَ» (١). فكيف يرضى المسلم لنفسه أن يقع في فخ الشيطان وأعداء الإنسانية الذين يجمعون الثروات الطائلة من هذه التجارة الخبيثة على أشلاء الخلق ودون مراعاة لمعاناتهم. ولقد ساءني مقال قرأته في إحدى الصحف الأمريكية يدافع عن صناعة التبغ وينصح مؤلفه بزيادة التوعية ضد التدخين وأن تبقى مصانع التبغ على حالها لتصدر السجائر إلى بلاد أخرى! (٢) فهل آن وقت الإفاقة. * * *

стр. 375

الفصل الثاني: الاستمناء

стр. 376

الفصل الثاني: الاستمناء هذه مسألة (١) تعرض للأطباء كثيرًا حيث يسأل الشباب وغيرهم عن الاستمناء ومدى ضرره بصحة الإنسان. وهي أيضًا من المسائل التي يبني فيها الفقهاء فتاواهم، وإن جزئيًّا، على الضرر بصحة الإنسان. ومع ضعف الأدلة في الباب، كما سنبين، يبقى تحرير رأي الطب مهمًّا فيه، وذا أثر بالغ على الترجيح. تعريف الاستمناء: في اللغة: مصدر استمنى أي طلب خروج المني، واصطلاحًا: إخراج المني بغير جماع (٢). حكم الاستمناء: هو مما اختلف فيه، فذهب قوم إلى التحريم مطلقًا وقوم إلى الإباحة مطلقًا، وقال آخرون بالكراهة، وقال بعضهم بالتحريم إلا إذا غلبته الشهوة أو خاف على نفسه من الزنا جاز، وقال بعضهم بالتحريم إلا إذا خاف على نفسه الزنا وجب. وفيما يأتي عرض الآراء. * * *

стр. 377

عرض الخلاف حول الاستمناء * القائلون بالتحريم مطلقًا: روي عن ابن عمر (١) ﵁، وقال به عَطَاء (٢) ﵁ من التابعين ومن المذاهب الأربعة المالكية (٣) والشافعية (٤) ونسبه القُرْطُبِيّ إلى عامة العلماء (٥). * ودليلهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. قال سيدنا الإمام الشافعي ﵀ في «الأم»: «باب الاستمناء: قال الله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ قرأ إلى ﴿الْعَادُونَ﴾ (قال الشافعي) فكان بينًا في ذكر حفظهم لفروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم تحريم ما سوى الأزواج وما ملكت الأيمان، وبين أن الأزواج وملك اليمين من الآدميات دون البهائم، ثم أكدها فقال ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فلا يحل العمل بالذَّكر إلا في الزوجة أو في ملك اليمين، ولا يحل الاستمناء، والله تعالى أعلم» (٦).

стр. 378

وقال القُرْطُبِيّ ﵀ في «أحْكَام القُرآن»: «قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عُمَيرة، فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ قرأ إلى ﴿الْعَادُونَ﴾ وهذا لأنهم يكنون عن الذكر بعُمَيْرَة وفيه يقول الشاعر: إذا حَلَلْت بوادٍ لا أنيس به ... فاجْلِد عُمَيْرَة لا داء ولا حرج ويسميه أهل العراق الاستمناء وهو استفعال من المني. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه (١) ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة، كالفصد والحجامة. وعامة العلماء اتفقت على تحريمه، وقال بعض العلماء إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها، فإن قيل إنها خير من نكاح الأمة قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضًا. ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل عار بالرجل الدنيء فكيف بالرجل الكبير. السادسة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ قال الفراء: أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في موضع خفض معطوفة على أزواجهم وما مصدرية وهذا يقضي تحريم الزنا وما قلناه من الاستمناء ونكاح المتعة؛ لأن المتمتع به لا يجري مجرى الزوجات» (٢).

стр. 379

* القائلون بالتحريم إلا لو خاف على نفسه الزنا جاز: قال بذلك الحنابلة وهو المشهور في مذهبهم (١). * القائلون بالتحريم إلا إذا غلبته الشهوة وأراد تسكينها جاز، فإن خاف على نفسه الزنا وجب. قال به الحنفية (٢). * ودليل الحنابلة والحنفية هو ما تقرر في الأصول من ارتكاب أخف الضررين، وكونه في هذه الحالة ضرورة، وبه يندفع شر الزنا. قال المِرْداوِيّ (٣) في الإنْصَاف: «لو قيل بوجوبه (أي الاستمناء) في هذه الحالة (إن فعله خوفًا من الزنا، ولم يجد طولًا لحرة، ولا ثمن أمة) لكان له وجه كالمضطر» (٤). * القائلون بالكراهة: قال به أحمد في رواية (٥) وابن حَزْم (٦) وذكره عن عَطَاء (٧).

стр. 380

* القائلون بالإباحة: روي عن ابن عباس ﵁ (١). وقال به الحسن وعمرو بن دينار (٢) وزياد أبو العلاء (٣) وأبو الشعثاء ومجاهد (٤) (٥). وأخطأ القُرْطُبِيّ ﵀ ونسبه إلى أحمد كما بينا. * والقائلون بالكراهة والإباحة أدلتهم واحدة غير أن من ذهب إلى الكراهة إنما كرهه لأنه ليس من مكارم الأخلاق وأنا هنا أنقل كلامًا لابن حَزْم ينتصر فيه لعدم التحريم حيث قال ﵀:

стр. 381

«فلو عرضت فرجها شيئًا دون أن تدخله حتى ينزل فيكره هذا، ولا إثم فيه وكذلك الاستمناء للرجال سواء بسواء؛ لأن مس الرجل ذكره بشماله مباح، ومس المرأة فرجها كذلك مباح، بإجماع الأمة كلها، فإذا هو مباح فليس هنالك زيادة على المباح، إلا التعمد لنزول المني، فليس ذلك حرامًا أصلًا، لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] وليس هذا مما فصل لنا تحريمه فهو حلال، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] إلا أننا نكرهه؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، ولا من الفضائل. وقد تكلم الناس في هذا فكرهته طائفة وأباحته أخرى: كما نا حمام ... عن مجاهد قال: سئل ابن عمر عن الاستمناء، فقال: ذلك نائك نفسه. وبه إلى سفيان الثَّورِيّ ... عن ابن عباس أن رجلًا قال له: إني أعبث بذكري حتى أنزل؟ قال: أف، نكاح الأمة خير منه، وهو خير من الزنى. وأباحه قوم كما روينا بالسند المذكور إلى عبد الرزاق ... أخبرني إبراهيم بن أبي بكر عن رجل عن ابن عباس أنه قال: وما هو إلا أن يَعْرِك أحدكم زبه حتى ينزل الماء. حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ... عن قَتَادَة عن رجل عن ابن عمر أنه قال: إنما هو عصب تدلكه. وبه إلى قَتَادَة عن العلاء بن زياد عن أبيه أنهم كانوا يفعلونه في المغازي (يعني الاستمناء) قال قَتَادَة وقال الحسن - في الرجل يستمني يعبث بذكره حتى ينزل -: «كانوا يفعلونه في المغازي». وعن جابر بن زيد أبي الشعثاء قال: هو ماؤك فأهْرِقْه (يعني الاستمناء). وعن مجاهد قال: «كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء يستعفون بذلك». قال عبد الرزاق: وذكره مَعْمَر عن أيوب السختياني وغيره عن مجاهد عن الحسن أنه كان لا يرى بأسًا بالاستمناء. وعن عمرو بن دينار: «ما أرى بالاستمناء بأسًا» قال أبو محمد ﵀ الأسانيد عن ابن عباس، وابن عمر في كلا القولين مغموزة، لكن الكراهة صحيحة عن عَطَاء، والإباحة المطلقة صحيحة عن الحسن وعن عمرو بن دينار وعن زياد أبي العلاء وعن مجاهد. ورواه من رواه من هؤلاء عمن أدركوا. وهؤلاء كبار التابعين الذين لا يكادون يروون إلا عن الصحابة ﵃» (١).

стр. 382

• مناقشة الآراء والترجيح: أما القول بالتحريم، فاستُدِل له بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] ولا ينتهض مثل ذلك للتحريم - سيما مع وجود المعارضة - وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٤]؛ فإن هذا من دليل الإشارة، ولو كان يفهم بدلالة التضمن في المنطوق الصريح لما خفي على كثير من أهل العلم وظهر للإمام الشافعي. ولفظ الآية فيه إجمال والقرينة المبينة للمعنى المقصود هي المستثنى (الأزواج وملك اليمين) وفي ذلك بيان أن المراد بحفظ الفروج هو حفظها عمن لا يحل من النساء. ولو لم تكن هذه القرينة لانصرف المعنى إلى ما ذهبنا إليه بقرينة عرف الاستعمال، وقد يتوجه القول أن لفظ ﴿حَافِظُونَ﴾ ليس فيه أصلًا إجمال بل هو ظاهر على أن الحفظ عمن لا يحل من النساء من جهة العرف. ولم يستدل أحد من محققي العلماء بالروايات الضعيفة في تحريم الاستمناء، ولكن يكثر استعمال الوعاظ لها مثال ذلك: ما روي عنه ﷺ أنه قال: «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول به، والناكح يدَه، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وناكح المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي لجاره حتى يلعنه» (١) ولو صحت هذه الروايات لما كان لأحد بعده ﷺ قول، ولكنها شديدة الضعف. وقد يستدل بأنه ﷺ أرشد الشباب عند عدم القدرة على النكاح إلى الصوم، ولم يذكر

стр. 383

الاستمناء، حيث قال: «ومن لم يستطع (أي النكاح) فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (١). والجواب أنه ﷺ أرشدهم إلى الأفضل، ولا يلزم أن يرشدهم إلى كل خطوات العلاج دفعة واحدة، ونَقْل التابعين عمن قبلهم يشعر أن الاستمناء لم يكن نادرًا في أزمنتهم وسكت عنه الشرع، وفي سكوته دليل على الإباحة لا عكسها. ثم إن مما قد يستدل به على التحريم من التعليل الآتي: ١ - نكاح اليد أو الاستمناء قد يكون صارفًا عن الزواج وإحصان المرء نفسه. والجواب: أن هناك فرقًا بين الاستمناء والجماع لا يسمح للقادر على الثاني أن يستغني بالأول إلا في حالات شاذة قليلة، ولا عبرة بالنادر. ثم إنه لا يقدر على الزواج كل أحد سيما في أزمنتنا هذه حيث انتشرت العزوبة انتشارا واسعًا بين الشباب والفتيات، ولكن ينبغي أن ييسر الزواج لأن فيه الإحصان الحقيقي، إضافة إلى غير ذلك من فوائده، ولن يكون تحليل الاستمناء سببًا في عزوف الناس عن الزواج. ٢ - المضار الصحية (٢) التي يكثر ذكر الوعاظ وبعض العلماء والأطباء لها. • ولم يثبت علميًّا شيء منها (٣)، وإن شاع غير ذلك في أوساط العلماء والدعاة. فكل

стр. 384

ما ذكر من آثار سلبية على البصر والمفاصل وغيرها لم يثبت منه شيء عن طريق البحث العلمي والتحقيق - على الأقل في زماننا- غير أن الإسراف في أي شيء قد تكون له مضار، ومثل ذلك أيضًا الإسراف في الجماع. وينبغي من التنبيه هنا أن التحريم لو ثبت بالدليل، فإنه لا يندفع إجماعًا بادعاء عدم الضرر، ولكن إن لم يثبت التحريم بالدليل الصريح، فإنه قد يحكم على الشيء بالمنع إذا ثبت ضرره. • وغاية ما نحب أن ننبه عليه في هذه الفقرة هو عدم ثبوت الضرر عن طريق البحث العلمي، وإن ادعاه بعض الأطباء، ولكن الأصل عدم الضرر فنحن نقول بذلك حتى يثبت بالبحث العلمي القائم على التحقيق خلافه، إذ ينبغي أن ننزه الحكم الشرعي عن الاستدلال له بدعاوى هذا الطبيب أو ذاك العارية من البرهان. فإن قيل قد يتبين ضرره في المستقبل، قلنا فعندئذ يتوجه المنع. • وحيث إنه لا يوجد دليل صحيح صريح على التحريم؛ فإن الأصل على البراءة والحل، وتتوجه الكراهة لمن فعله لغير حاجة لكونه مما يترفع عنه كبار النفوس وأصحاب الفضل، أما من فعله لحاجة فليس عليه بأس إن شاء الله. حتى أن المالكية الذين حرموه في كل حال قالوا يفعله إن خاف الزنا، قال الخَرَشِيّ ﵀: «اعلم أن استمناء الشخص بيده حرام، خشي الزنا أما لا، لكن إن لم يندفع عنه الزنا إلا به قدمه عليه ارتكابا لأخف المفسدتين» (١). • إن ثورة الشهوة عند الشباب جامحة وقد تؤدي بهم وبالمجتمع إلى مخاطر عظيمة؛ وإن قول الحسن وزياد أبي العلاء «كانوا يفعلونه في المغازي» (٢) يشعر أنهم ينقلون

стр. 385

عن الصحابة كما أشار إليه ابن حَزْم (١) وقال مجاهد: «كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء يستعفون بذلك» (٢) إلى غير ذلك من الآثار عن كبار التابعين. فكيف يسوغ أن يحموا شبابهم، ونضيق على شبابنا لنوقعهم في العنت، وهم أولى بالتخفيف لشدة الفتن وضيق طرق الحلال واتساع طرق الحرام. • كل ذلك من الآثار، مع ما وضحنا من عدم وجود الدليل الظاهر على المنع، ومع وجود الحاجة الماسة لتسكين الشهوة عند كثير من الشباب حماية لهم وللمجتمع، يُشْعِر بأن القول الراجح في حكم الاستمناء هو الكراهة لغير حاجة، والجواز عند ثورة الشهوة لتسكينها، وقد يتوجه الوجوب لمن خاف على نفسه الزنا ورأى أنه لا يندفع عنه إلا به والله تعالى أعلم. * * *

стр. 386

فرع: وحكم المرأة كحكم الرجل فإنما النساء شقائق الرجال: قال ابن حَزْم ﵀: «فلو عرضت فرجها شيئًا دون أن تدخله حتى ينزل فيكره هذا، ولا إثم فيه، وكذلك الاستمناء للرجل سواء بسواء» (١). وبذلك قال الحنابلة في نفي الفرق بين المرأة والرجل -وإن خالف بعضهم (٢). وهل يجوز لها أن تدخل شيئًا في فرجها؟ قال به الحسن ﵀ (٣) إن فعلته تريد الستر وتستغني به عن الزنا. وليس ثم دليل على التحريم، ولكن تمنع البكر من إدخال شيء في فرجها فإنها بذلك تفض بكارتها، ولا يخفى ما في ذلك من الضرر. * * *

стр. 387

فرع: تدابير تغني أصحاب النفوس الكبيرة عن الاستمناء: هذا الذي ذكرت من جواز الاستمناء للحاجة وتسكين الشهوة هو الأسعد حظًّا من جهة الدليل، وليس الورع بالتحريم من غير دليل بل الوقوف عند حدود الشرع وعدم تجاوزها؛ لا بتحليل ما حُرِّم ولا بتحريم ما أُبيح أو سُكِت عنه. ولكن هناك تدابير ينبغي أن تراعى وتتبع لإحصان النفس وتسكين الشهوة هي مقدمة على الذي ذكرنا وأفضل وأولى بأصحاب النفوس الكبيرة، وأورع، وأبعد عن موطن الشبهة، والخروج من الخلاف خير وعافية للمؤمن. ومن هذه التدابير ما هو نصائح نبوية لا يفرط فيها إلا من سفه نفسه. ومن أهمها: ١ - الزواج المبكر: للشباب والفتيات، وقد نصح بذلك رسول الله ﷺ حيث قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغَضُّ للبصر وأحْصَنُ للفرج» (١). ٢ - الصوم لعدم القادر على الزواج: لقوله ﷺ في تتمة الحديث السابق: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء». ٣ - الابتعاد عن مثيرات الشهوة: كالنظر المحرم ومشاهدة الأفلام الخليعة والسماع المحرم .. إلى غير ذلك. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. ٤ - ملء الفراغ وطلب المعالي واتخاذ الأخلاء الذين يعينون على الطاعة: وقد تنصرف بعض الطاقة أيضًا بالألعاب الرياضية النافعة. والله تعالى نسأل أن يحصن شباب وفتيات المسلمين ويعصم مجتمعاتهم من الفاحشة.

стр. 388

الفصل الثالث: حكم التداوي وفيه مبحثان: الأول: حكم التداوي عمومًا الثاني: حكم مداواة الحالة النباتية المستمرة

стр. 389

المبحث الأول: حكم التداوي عمومًا وفيه مطلبان: المطلب الأول: أقوال الفقهاء في التداوي ومناقشتها المطلب الثاني: أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى بشأن التداوي

стр. 390

المبحث الأول: حكم التداوي عمومًا للعلماء ﵏ بحوث مطولة بشأن حكم التداوي؛ ولقد اختلفت آراؤهم بهذا الصدد اختلافًا واسعًا، ولعل كثيرًا من الخلاف كان بسبب اختلاف المحكوم عليه. والمرء لا يملك إلا أن يسائل نفسه، هل كان علماؤنا الأجلاء ليقولوا ما قالوه عن حكم التداوي وكونه غير واجب، بل ولا مستحب - في قول البعض - لو أنهم اطلعوا على ما وصلت إليه العلوم الطبية الحديثة؟ ونحن هنا نعرض أقوال أهل العلم في التداوي عمومًا، ونرجح ما يظهر لنا رُجْحَانه، ونبين أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى. وفي هذا المبحث مطلبان: أقوال الفقهاء في التداوي ومناقشتها. أثر تطور المعارف الطبية على الفتوى بشأن التداوي. * * *
следующие страницы →