المبحث الأول: أقل الحمل
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقوال السادة الفقهاء
المطلب الثاني: رأي الطب
المطلب الثالث: التوفيق بين أقوال الفقهاء ورأي الطب الحديث وأثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى
стр. 422
المبحث الأول: أقل الحمل
إن الكثير من الأحكام تتعلق بتحديد أقل الحمل. ومن هذه الأحكام: إقامة حد الزنا وفسخ النكاح وبيع الإماء وثبوت النسب والإرث والوصية والوقف وغيرها.
ولقد اتفق الفقهاء ﵏ على أن أقل الحمل ستة أشهر. وفي الطب الحديث أن الحمل يمكن أن يكون دون ذلك، فما هو وجه التوفيق بين أقوال الفقهاء والطب الحديث وما هو أثر تطور المعارف والصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب؟
هذا ما سنناقشه في المطالب الثلاثة الآتية:
стр. 423
المطلب الأول: أقوال السادة الفقهاء
لقد اتفق السادة الفقهاء ﵏ على أن أقل الحمل ستة أشهر، وبذلك قال الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥) ونقل غير واحد عليه الاتفاق (٦).
* ودليلهم على هذا:
١ - قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
قال الماوَرْدِيّ ﵀: «فأما مدة أقل الحمل الذي يعيش بعد الولادة فستة أشهر استنباطا من نص وانعقادا من إجماع واعتبارا بوجود. أما استنباط النص، فقول الله ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، فجعلها مدة للحمل ولفصال الرضاع، ولا تخلو هذه المدة من أربعة أحوال: إما أن تكون جامعة لأقلهما أو لأكثرهما أو لأكثر الحمل وأقل الرضاع أو لأقل الحمل وأكثر الرضاع. فلم يجز أن تكون جامعة لأقلهما، لأن أقل
стр. 424
الرضاع غير محدد؛ ولم يجز أن تكون جامعة لأكثرهما لزيادتهما على هذه المدة؛ ولم يجز أن تكون جامعة لأكثر الحمل وأقل الرضاع لأن أقله غير محدد؛ فلم يبق إلا أنها جامعة لأقل الحمل وأكثر الرضاع ثم ثبت أن أكثر الرضاع حولان لقول الله ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فعلم أن الباقي وهو ستة أشهر مدة أقل الحمل» (١).
٢ - الإجماع.
قال الماوَرْدِيّ ﵀: «وأما انعقاد الإجماع فما روي أن رجلًا تزوج امرأة على عهد عثمان ﵁ فولدت لستة أشهر فرافعها إليه، فهم عثمان برجمهما فقال له ابن عباس إن خاصمتك المرأة خصمتك بالقرآن. فقال عثمان ﵁ ومن أين ذلك؟ فقال قال الله ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا ذهب الحولان من ثلاثين شهرا كان الباقي لحمله ستة أشهر. فعجب الناس من استخراجه، ورجع عثمان ومن حضر رضي الله تعالى عنهم إلى قوله فصار إجماعًا» (٢).
وقال ابن القَيِّم ﵀: «قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فأخبر تعالى أن مدة الحمل والفطام ثلاثون شهرا وأخبر في آية البقرة أن مدة تمام الرضاع ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فعلم أن الباقي يصلح مدة للحمل وهو ستة أشهر، فاتفق الفقهاء كلهم على أن المرأة لا تلد لدون ستة أشهر إلا أن يكون سقطا وهذا أمر تلقاه الفقهاء عن الصحابة ﵃» (٣).
стр. 425
٣ - الآثار عن عمر وعلي وعثمان وابن عباس.
فقد روى البَيْهَقِيّ عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي «أن عمر ﵁ أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهم برجمها فبلغ ذلك عليا ﵁ فقال ليس عليها رجم فبلغ ذلك عمر ﵁ فأرسل إليه فسأله فقال قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فستة أشهر حمله وحولان تمام الرضاعة لا حد عليها أو قال لا رجم عليها قال فخلى عنها» (١).
وروى سعيد بن منصور: «أتي عثمان فى امرأة ولدت فى ستة أشهر فأمر برجمها فقال بن عباس أدنوني منه فأدنوه فقال إنها تخاصمك بكتاب الله يقول الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، ويقول فى آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فردها عثمان وخلى سبيلها» (٢).
وصحح الحافظ ﵀ الحديث من رواية ابن وَهْب وذكر اختلافهم فيمن وقعت له الحادثة بين عمر وعثمان ومن ناظره بين علي وابن عباس رضي الله عن الجميع (٣).
стр. 426
٤ - الوجود.
فقد جاء أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي قد ولد لستة أشهر (١).
وقال الماوَرْدِيّ ﵀: «وأما اعتبار الوجود فما حكي أن الحسين بن علي ﵉ ولد بعد ستة أشهر من ولادة أخيه الحسن رضوان الله عليهما» (٢).
стр. 427
المطلب الثاني: رأي الطب
• مما لا شك فيه أن رأي الطب قد تغير في السنوات الماضية نتيجة لتطور الصناعة الطبية في باب إنعاش المولودين الخُدَّج.
ولكن قبل أن أعرض لهذا التغير، لابد أن أشير إلى وقوع لَبْس وخطأٍ عندما ينقل بعض الفقهاء رأي الطب بشأن مدة الحمل، وذلك لأن الأطباء يحسبون - إلا أن يذكروا خلاف ذلك - المدة من بداية آخر حيضة (١)، بينما الفقهاء معنيون بالمدة من وقت الجماع وهو وقت الإخصاب (٢)، أو قبله بيوم أو اثنين. إن هذا يؤدي إلى فرق كبير في المصطلح بين الفقهاء والأطباء، فعندما يقول الطبيب إن أدنى مدة للحمل مثلًا أربعة وعشرون أسبوعًا (٢٤) فإن هذا يعني اثنين وعشرين أسبوعًا (٢٢) من الإخصاب؛ أي دون ستة الأشهر بكثير.
إن ستة الأشهر من وقت الجماع تساوي سبعة وعشرين أسبوعًا (٢٧) من بداية آخر حيضة للمرأة، وهذا هو ما جرت عادة الأطباء على استعماله.
ولذلك فإنه تلزم مراجعة ما جاء في توصيات ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية من قولهم - حفظهم الله:
«وقد كان الخط الفاصل بين الإسقاط والولادة عند ثمانية وعشرين أسبوعًا، لكن مع التقدم الطبي الذي حسن فرص الجنين الأصغر من هذا العمر في القدرة على الحياة نزل هذا الحد إلى أربعة عشرين أسبوعًا وهو ما يطابق الحكم الشرعي الذي يجعل أدنى مدة الحمل حتى الولادة ستة أشهر» (٣).
стр. 428
إن هذه الأسابيع الأربعة والعشرين التي يتكلم عنها الأطباء إنما هي من وقت بداية آخر حيضة، أي أنها اثنان وعشرون أسبوعًا من زمن الجماع أو الإخصاب، وعليه فهي أربعة وخمسون ومائة يوم (١٥٤). بينما ستة الأشهر هي تقريبًا سبعة وسبعون ومائة يوم (١٧٧)، فلا تطابق إذًا.
إن الطب قد مر بمراحل عدة فإلى وقت غير بعيد كان الأطباء لا يرون أن المولود لدون سبعة أشهر (ستة ونصف من الإخصاب) يمكن أن يعيش، يقول الدكتور الطبيب/ عبد الله باسلامة:
«فقد غير الأطباء رأيهم الآن وأصبحت أقل مدة الحمل هي ستة أشهر بعد أن كانت سبعة، والواقع أنه إلى الآن لا تزال مذكورة في دائرة المعارف البريطانية أن أقل الحمل الذي يمكن أن يعيش هو (٢٨) أسبوعا [ثمانية وعشرون أسبوعا] أو (١٦٩) يومًا [تسعة وستون ومائة يوم]، ولا أعتقد أنه سوف يجيء يوم من الأيام ويكون في مقدور جنين أن يعيش خارج الرحم ويواصل الحياة إن هو نزل قبل هذه المدة (ستة شهور)» (١).
قلت: الكلام غير متفق، فليست الأيام التسعة والستون والمائة هي ستة الأشهر، بل لا يمكن أن تكون ستة الأشهر دون خمسة وسبعين ومائة يوم.
وتقول الدكتورة الطبيبة نبيهة عبد الجبار: «إذا حدثت الولادة قبل الشهر السابع يكون ذلك إجهاضًا ولكن في بعض المراكز المتخصصة لرعاية الأطفال الخدج يمكن المحافظة والعناية على الأطفال الخدج حتى ولو كانوا في ستة شهور أو وزنهم ٨٠٠ جم أو أكثر (٢). أما في الكويت فلم يتيسر بعد مثل هذه المراكز» (٣).
стр. 429
ولا أدري إذا كانت الدكتورة الطبيبة تعني ستة أشهر باصطلاح الفقهاء (أي من الإخصاب) أو الأطباء (أي من بداية آخر حيضة)، والأقرب أنها تستخدم اصطلاح الأطباء، ومن ثم فإن ستة الأشهر هي خمسة ونصف من وقت الجماع أو الإخصاب.
ونقل الدكتور يحيى عبد الرحمن الخطيب في رسالته للماجستير عن الدكتور محيي الدين كحالة قوله إن أقل مدة للحمل يمكن أن يولد فيها المولود تام الخلقة هي ستة أشهر وإن الطفل يحتاج إلى حاضنة خاصة لكي يتمكن من العيش بعد إذن الله (١).
ويقول الدكتور أحمد كنعان عن أقصر مدة للحمل: «قد يلفظ الرحم الجنين في أية مرحلة من مراحل الحمل فيسمى سقطًا إن لم يكن الجنين قد بلغ من العمر ٢٤ أسبوعًا، ولم يبلغ من النضج ما يتبع له الاستمرار بالحياة» (٢).
وإننا لو توقفنا عند قول الأطباء إن أقصر مدة للحمل هي أربعة وعشرون أسبوعًا (٢٤) أي اثنان وعشرون أسبوعًا (٢٢) من الإخصاب، لكان ذلك أربعة وخمسين ومائة يوم (١٥٤)، وهو غير ستة الأشهر، التي هي سبعة وسبعون ومائة يوم (١٧٧) تقريبًا.
ولكن ليس الأمر يقف عند هذا الحد، ولكن أقل سن لإمكانية إنقاذ الطفل الخديج قد هبط إلى اثنين وعشرين أسبوعًا (٢٢) من بداية الحيضة الأخيرة أي أنه عشرون أسبوعًا (٢٠) من الإخصاب أو أربعون ومائة يوم (١٤٠)(٣) بل لقد سُجِّلت حالة
стр. 430
عاشت فيها طفلة ولدت بعد واحد وعشرين أسبوعًا وستة أيام من بداية الحيضة الأخيرة أي تسعة عشر أسبوعًا وستة أيام من الإخصاب أي بعد سبع وثلاثين ومائة يوم (١٣٧) منه (١).
إن هذا كله بعيد عن ستة الأشهر، والتي هي سبعة وسبعون ومائة يوم (١٧٧) تقريبًا. فما وجه التوفيق؟ هذا ما نفصله في المطلب الآتي.
* * *
стр. 431
المطلب الثالث: التوفيق بين أقوال الفقهاء ورأي الطب الحديث وأثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب
لابد أولًا عند التوفيق ألا نرد صريح نص من القرآن أو السنة الصحيحة أو إجماعًا منعقدًا، كذلك فإن أهل السنة كما بينا في تغير الفتوى لا يردون دليل الحس.
أما النص الصريح فليس ثم، واستنباط علي ﵁ أو ابن عباس ﵁ من الآيتين أن أدنى الحمل ستة أشهر إنما هو من إشارة النص، لا صريحه، وإلا لما خفي الاستنباط على أكثر الصحابة ﵃ جميعًا.
وإن التحديد بستة الأشهر من الآيتين استنباط حسن لطيف، ولكن ليس فيهما ما يقطع أن المولود لدونها لا يعيش، ولذلك لم يلتزم بعضهم بستة الأشهر من غير نقصان ولا زيادة، بل إن سفيان الثَّورِيّ تسامح في اليوم واليومين دون ستة الأشهر (١).
أما الإجماع، فنقله غير واحد من العلماء ولا نعلم لهم مخالفًا، ولكنْ على ماذا أجمعوا؟
لا يظهر انعقاد إجماع الصحابة على أن الولد لا يولد حيًا دون ستة الأشهر بل أنه يولد حيًا لستة أشهر. أما إجماع من بعدهم على أنه لا يولد حيًا لدونها، فمثل هذا الإجماع الإقراري أو الاستقرائي لا يصلح كدليل قطعي بل هو حجة ظنية غيرها قد يكون أقوى منها (٢).
ولكن هل أجمعوا على أنه لا يولد حيًا لدون ستة الأشهر؟ إنهم قد أجمعوا على أن
стр. 432
الولد إذا ولد لستة أشهر من النكاح نسب لأبيه، وليس له أن ينفيه، والظاهر أنهم يتفقون على أنه لو ولد لدون ذلك، واستمرت به حياة، لا ينسب له. إنهم يقولون إن المولود لدون ستة الأشهر لا تكون له حياة مستقرة، لأن سبب الموت قد تعلق به وهو نقص الخِلْقَة.
قال الهَيتَمِيّ ﵀: «وقع السؤال عن شخص تزوج بامرأة ودخل بها، ثم مات وألقت جنينا بعد خمسة أشهر من العقد ومكث حيًا نحو يوم ومات فهل يرث أو لا والجواب أن الظاهر عدم الإرث؛ لأنه إن كان ولدا كاملا فهو من غير الزوج المذكور؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر وإن لم يكن كاملًا فحياته غير مستقرة وهي مشترطة للإرث فاحفظه فإنه مهم ولا تغتر بمن ذكر خلافه» (١).
لاحظ أنه لا ينكر أنه يولد حيًا لدون ستة الأشهر، ولكنه لا يرى أن له حياة مستقرة.
قال البُهُوتِيّ (٢) ﵀: «(وتصح) الوصية (للحمل) لأنه يرث وهي في معنى الإرث من جهة الانتقال عن الميت مجانا (إن كان موجودا حال الوصية) لأنها تمليك فلا تصح لمعدوم (بأن تضعه حيا لأقل من ستة أشهر من حين الوصية فراشا كانت لزوج أو سيد، أو بائنا) لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر كما يأتي، فإذا وضعته لأقل منها وعاش لزم أن
стр. 433
يكون موجودًا حينها» (١).
لاحظ قوله: «وعاش».
وقد يعكر على ما ذهبت إليه قول الإمام ابن القَيِّم ﵀: «فاتفق الفقهاء كلهم على أن المرأة لا تلد لدون ستة أشهر إلا أن يكون سقطًا» (٢). ولكن غيره يخالفه في ذلك، وليست عبارات العلماء كقواطع نصوص الوحي مهما علا في العلم كعبهم.
إنه من الواضح من كلامهم، ﵏، أنهم يعون إمكانية ولادة الجنين حيًا لدون الأشهر الستة، ولكنه لا تستقر حياته عندها، وإن هذا هو عين الصواب، فإن الجنين إذا ولد لدون السبعة والثلاثين أسبوعًا سمي خداجًا أو خديجًا، أي ناقص النمو، وتزداد المخاطر إذا كان دون الأربعة والثلاثين، وتشتد جدًا إذا ما كان دون السبعة والعشرين إلى الثمانية والعشرين (وهي ستة الأشهر من الإخصاب)، فإنه عندها لا يعيش إذا ترك من غير تدخل طبي على قدر عالٍ جدًا من الكفاءة (٣).
إذًا فستة الأشهر هي أدنى فترة للحمل يعيش معها الجنين من غير تدخل طبي.
فإذا ما جاءت المرأة في زماننا بوليد لستة أشهر أو فوقها من النكاح، فإن نسبه يثبت لصاحب الفراش من غير مراجعة للطبيب، وإذا ما أتت به لدون ذلك وعاش بعد
стр. 434
التدخل الطبي، روجع الأطباء لمعرفة حال الوليد، وما إذا كان عمره عند ولادته دون ستة الأشهر من زمن الإخصاب.
قال الإمام ابن حَزْم ﵀: «فإن تيقن بضُؤولة خلقته أنه لستة أشهر أو سبعة أشهر أو ثمانية وكانت هذه المدة قد استوفتها عند الثاني وتيقن بذلك أنه ليس للأول فهو للثاني بلا شك» (١).
ثم إن هذا يؤدي إلى أن النكاح لا ينفسخ إذا تزوجها بكرًا، وولدت لدون ستة الأشهر وشهد الأطباء لها، ويُدرَأ عنها الحد - عند القائل به - ويثبت النسب لصاحب الفراش، ولا ينتفي منه إلا باللعان ويرث منه ... إلخ.
* * *
стр. 435
المبحث الثاني: أكثر الحمل
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: آراء السادة الفقهاء في أقصى مدة الحمل
المطلب الثاني: رأي الطب في أكثر مدة الحمل
المطلب الثالث: التوفيق بين آراء الفقهاء والمعارف الطبية الحديثة وأثر تطورها على الفتوى
стр. 436
المبحث الثاني: أكثر الحمل
اختلف السادة الفقهاء ﵏ في أقصى مدة الحمل، فذهب بعضهم إلى أنها تسعة أشهر وقيل سنة وسنتان وأربع وخمس وست وسبع ولا حد لها.
ويترتب على تحديد أقصى مدة الحمل مسائل كثيرة كثبوت النسب وانقضاء العدة ووقف الميراث وكذلك مسائل في الوقف والوصية، بالإضافة إلى إقامة حد الزنا. من أجل ذلك كانت هذه المسألة على قدر كبير من الأهمية.
وإنما اختلف العلماء هذا الاختلاف الواسع لأنه لا عمدة لهم إلا إشارة النص في دعوى البعض، وهي من الخفاء - إن كانت صحيحة - بحيث لم يدركها جماهير أهل العلم. أو رأي لصحابي أو صحابية روي عنه أو عنها أو حكاية وجود، وفي أكثر هذه الحكايات نظر. ولقد أحسن ابن عبد البر (١) ﵀ حينما قال: «وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أمر النساء وبالله التوفيق» (٢).
стр. 437
ولقد تطور الطب الحديث بحيث صار الأطباء قادرين على تحديد عمر الجنين في بطن أمه بشيء من الدقة، وصار من الممكن التفريق بين الحمل الكاذب والحقيقي عن طريق التحليلات. ولقد صارت أخبار غرائب الحمل والولادة تنتشر بين المتخصصين في أرجاء المعمورة بسرعة كبيرة مع تقدم أجهزة الاتصال، ولم تسجل حالة واحدة زاد فيها الحمل على السنة، بل إن الأطباء يعتقدون استحالة استمرار الحمل فوق الخمسة والأربعين أسبوعًا من بداية آخر دورة.
* * *
стр. 438
المطلب الأول: آراء السادة الفقهاء في أقصى مدة الحمل
كما سبق، فإن الفقهاء ﵏ اختلفوا اختلافًا واسعًا في أقصى مدة الحمل، وهذا تفصيل آرائهم.
* تسعة أشهر، وهو قول داود وابن حَزْم ومال إليه ابن رُشْد (١).
* سنة وهو قول محمد بن عبد الحكم (٢).
* سنتان، وهو قول الحنفية (٣) ورواية عند الحنابلة (٤).
* ثلاث سنين، وهو قول الليث بن سعد (٥).
* أربع سنين، وهو قول الشافعية (٦) والحنابلة (٧) ورواية لمالك عدها البعض الأقوى (٨).
стр. 439
* خمس سنين، وهي الرواية الأشهر عن مالك والتي اختارها ابن القاسم (١) وابن رُشْد (٢).
* ست سنين، وهي إحدى الروايتين عن الزُّهْرِيّ (٣).
* سبع سنين، وهي إحدى الروايات عند المالكية، والأخرى عن الزُّهْرِيّ (٤).
* لا حد لأكثره، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام (٥) ورواية عن مالك (٦).
وهذا عرض لأدلتهم مع المناقشة:
* أدلة من تمسك بتسعة الأشهر:
قال ابن حَزْم ﵀: «ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر ولا أقل من ستة أشهر لقول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فمن ادعى أن حملا وفصالا يكون في أكثر من ثلاثين شهرا فقد قال الباطل والمحال ورد كلام الله جِهارا» (٧).
стр. 440
وهذا وجيهٌ إلى حد ما في نقض القول بما فوق الثلاثين شهرًا لا في إثبات القول بتسعة الأشهر.
وقال ﵀: «وممن روي عنه مثل قولنا عمر بن الخطاب كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني يحيى بن سعيد الأنصَارِيّ أنه سمع سعيد بن المُسَيَّب يقول قال عمر بن الخطاب: أيما رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين ثم قعدت فلتجلس تسعة أشهر حتى يستبين حملها فإن لم يستبن حملها في تسعة أشهر فلتعتد بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر عدة التي قد قعدت عن المحيض» (١).
وليس فيه دليل له ﵀، فإن عمر ﵁ إنما اعتد بأغلب الحمل لا أكثره وقد يجاب على ذلك بأن عمر - كما سيأتي - أمر امرأة المفقود أن تعتد أربع سنين، والخصم يقول لأنه رآها أكثر الحمل.
وإن كان عمر ﵁ قد رأى ذلك الرأي فإنما الحجة في إجماع الصحابة، أما آحاد أقوالهم، إذا اختلفوا، فإنما تصلح للاستئناس والاعتضاد.
стр. 441
* دليل من قال بالسنة:
أما محمد بن عبد الحكم (١) ﵀ فاستدل بأن السَّنَةَ «أقرب إلى المعتاد، والحكم إنما يجب أن يكون بالمعتاد، لا بالنادر ولعله أن يكون مستحيلا» (٢).
ويجاب على ذلك بأن الحكم هنا لأقصى الحمل لا أغلبه، وإنما نريد بذلك إثبات النسب لمن ولد دون أقصاه ودرء الحد عن المرأة وتوريث ولدها ... وهذه أمور يحتاط لها.
وليس مع من قال بالسنة دليل من الوحي والآثار، وإن كان قولهم الأقرب إلى الصواب في الوجود.
* دليل من قال بالسنتين:
ومن قال بالسنتين، فيدفع الأقوال التي جعلت أقصاه فوق الثلاثين شهرًا بمثل ما قال ابن حَزْم ﵀ ويزيد فيثبت قوله بقول عائشة ﵂: «ما تَزِيدُ الْمَرْأَةُ في الْحَمْلِ أَكْثَرَ من سَنَتَيْنِ قَدْرَ ما يَتَحَوَّلُ ظِلُّ عُودِ الْمِغْزَلِ» (٣).
والحديث من رواية جميلة بنت سعد. قال ابن المُلَقِّن (٤) ﵀: «جميلة بنت سعد
стр. 442
مجهولة لا يدرى من هي» (١) وبمثل قوله قال ابن حَزْم (٢).
ولهم ما روي أنه جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال يا أمير المؤمنين إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حُبلَى فشاور عمر ﵁ ناسًا في رجمها فقال معاذ بن جبل ﵁: يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع، فتركها فولدت غلاما قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه فيه، فقال ابني ورب الكعبة، فقال عمر ﵁ عجَزت النساء أن يلدن مثل معاذ لولا معاذٌ لهلك عمر (٣).
وليس لهم أن يستدلوا به على من قال إن أقصى الحمل فوق السنتين، ولذا قال البَيْهَقِيّ ﵀: «وهذا إن ثبت ففيه دلالة على أن الحمل يبقى أكثر من سنتين وقول عمر ﵁ في امرأة المفقود تربص أربع سنين يشبه أن يكون إنما قاله لبقاء الحمل أربع سنين والله أعلم» (٤).
стр. 443
ولكن الحديث لا يثبت. قال فيه ابن حَزْم ﵀: «وهذا أيضا باطل لأنه عن أبي سفيان، وهو ضعيف؛ عن أشياخ لهم، وهم مجهولون» (١).
أما الليث بن سعد ﵀ فليس له على الثلاثة دليل إلا الوقوع (٢)، وهو وإن صح فلا يدل على أنه أقصى الحمل.
* دليل من قال بالأربع:
أما القائلون بأربع السنين، وهم الجمهور فلهم:
ما روي أن امرأة أتت عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: «استهوت الجن زوجها فأمرها أن تتربص أربع سنين ثم أمر ولي الذي استهوته الجن أن يطلقها ثم أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا» (٣).
وهذا الأثر ثابت عن عمر ﵁ قال ابن المُلَقِّن: «هذا الأثر صحيح رواه مالك في المُوَطَّأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المُسَيَّب ورواه الشافعي كذلك عنه قَالَ البَيْهَقِيّ ورواه يونس بن يزيد عن الزُّهْرِيّ وزاد فيه قَالَ وقضى في ذَلِكَ عثمان بن عفان بعد عمر ﵄. قال ورواه أبو عبيد عن محمد بن كثير عن الأوزاعِيّ عن الزُّهْرِيّ عن سعيد بن المُسَيَّب أن عمر وعثمان ﵄ قالا امرأة المفقود تتربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا ثم تنكح» (٤). وصححه ابن حَزْم.
стр. 444
قال البَيْهَقِيّ ﵀: «وقول عمر ﵁ في امرأة المفقود تربص أربع سنين يشبه أن يكون إنما قاله لبقاء الحمل أربع سنين والله أعلم» (١).
ولكن ليس قول عمر صريحًا في أنه إنما أراد لها أن تتربص من أجل احتمال وجود الحمل، بل الأقرب أنه إنما أراد الاستيثاق من موت المفقود وعدم رجوعه. وقد روى ابن المُسَيَّب عنه ﵁ «أيما رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين ثم قعدت فلتجلس تسعة أشهر حتى يستبين حملها فإن لم يستبن حملها في التسعة الأشهر فلتعتد ثلاثة أشهر بعد التسعة التي قعدت من المحيض» (٢).
ولهم من الآثار والأخبار بوقوع أربع السنين في الحمل ما يأتي:
عن الوليد بن مسلم قال قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة ﵂ أنها قالت لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل فقال سبحان الله من يقول هذا هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة تحمل كل بطن أربع سنين (٣).
١ - وعن المبارك بن مجاهد قال: «مشهور عندنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل» (١).
٢ - وعن محمد بن عمر هو الواقدي قال: «سمعت مالك بن أنس يقول قد يكون الحمل سنتين، وأعرف من حملت به أمه أكثر من سنتين يعني نفسه» (١).
٣ - وعن هاشم بن يحيى الفراء المجاشعي قال بينما مالك بن دينار يوما جالس إذ جاءه رجل فقال: «يا أبا يحيى ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء ثم دعا ثم
стр. 445
قال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجها عنها الساعة وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال أدرك امرأتك فذهب الرجل، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت أسنانه وما قطعت أسراره» (١).
قال ابن حَزْم ﵀: «وكل هذه أخبار مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق ولا يعرف من هو ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا» (١).
ولو صحت هذه الأخبار عن أصحابها، لما كان فيها دليل على أن الحمل يطول لهذه المدة كما سنبين إمكان حصول الوهم في تقدير زمان الحمل.
أما من قالوا بالست والسبع فعمدتهم الوقوع.
* دليل من ترك التحديد:
ومن لم يحدد، فاحتج بعدم وجود الدليل على أي حد، فكان وضع الحد تحكمًا. قال الإمام ابن القَيِّم ﵀: «وقالت فرقة لا يجوز في هذا الباب التحديد والتوقيت بالرأي لأنا وجدنا لأدنى الحمل أصلا في تأويل الكتاب وهو الأشهر الستة، فنحن نقول بهذا ونتبعه ولم نجد لآخره وقتا وهذا قول أبي عبيد» (٢).
والراجح أنه لا دليل من الشرع على التحديد، فينظر في العرف والوجود، فإن ما لم يقدره الشرع يتقدر بالعرف والوجود، وأهل الذكر في هذا هم الأطباء، فلنرَ ما يقررونه في المطلب الآتي.
* * *
стр. 446
المطلب الثاني: رأي الطب في أكثر مدة الحمل
قبل عرض رأي الطب عن أكثر الحمل ينبغي أن نؤكد أن ذكر طبيب أو أطباء لحملٍ جاوزَ كذا وكذا لا عبرة به، لأن الأطباء قد يجري عليهم من الوهم والخطأ ما يجري على غيرهم.
وينبغي أيضًا أن نؤكد أن الخطأ في تحديد أكثر الحمل ليس قاصرًا على أمة دون أخرى، بل إن الغربيين يخطئون كما يخطئ غيرهم.
أردت بيان ذلك لأن البعض قد يتمسك بدعوى أحد الأطباء من هنا أو هناك لم يقم عليها دليل، ويجعلها أساسًا ينطلق منه.
أما ما ذكر عن أكثر مدة للحمل، فقد ذكرت صحيفة التايم الأمريكية لسنة ١٩٤٢ أن طبيبًا ادعى أن حمل امرأة من مرضاه طال لمدة ٣٧٥ يومًا، وأنكر الأطباء في زمانه أن يكون ذلك ممكنًا (١).
ونقل صاحب الموسوعة الطبية الفقهية الدكتور الطبيب أحمد كنعان، عن صحيفة المحقق الطبي الأمريكية لعام ١٨٨٤، أن حملًا قد استمر لمدة خمسة عشر شهرًا وعشرين يومًا. ونقل كذلك عن مجلة تاريخ الأكاديمية الفرنسية أن حادثة حمل دامت ٣٦ شهرًا، ولكنه بين أن هذه الروايات «روايات صحفية لا يمكن الاطمئنان إليها من الوجهة العلمية» (٢) ثم قال: «ومن النادر أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم ٤٥ أسبوعًا [٤٣ أسبوعا بحساب الفقهاء]، ولاستيعاب النادر والشاذ فإن هذه المدة تحدد أسبوعين
стр. 447
آخرين لتصبح ٣٣٠ يومًا، ولم يعرف أن مشيمة قدرت أن تمد الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة» (١).
وينقل الدكتور يحيى عبد الرحمن الخطيب في كتابه أحكام المرأة الحامل عن الطبيبين أحمد ترعاني ومحيي الدين كحالة، أخصائيي التوليد، أن الحمل لا يمكن أن يجاوز عشرة الأشهر (٢).
وأفادت الطبيبة د. نبيهة عبد الجبار، اختصاصية التوليد، أن بعض الإحصائيات تبين أن ٢٥% من الحوامل يلدن في الأسبوع ٤٢ [٤٠ من الجماع] و ١٢% في الأسبوع ٤٣ و ٣% في الأسبوع ٤٤ (٣).
• وما ذكر الأطباء في ذلك العدد صحيح تؤيده المعارف الطبية الحديثة، فإن هذا العالم الصغير الذي تنتشر فيه الأخبار بسرعة الضوء وتتشابك فيه خزائن معلومات مراكز البحث العلمي في أرجائه كافة، وتتم فيه الملايين من الولادات كل شهر، لم ينقل فيه إلى الآن من جهة موثوقة وبأدلة مقبولة أن حملًا قد زاد على الخمسة والأربعين أسبوعًا [٤٣ من الجماع]، ولو كان ثم لانتشر، فإن دواعي نقل الغريب عند الأطباء ما أكثرها، بل إنهم يحرصون ويجهدون في نقل ما هو دون ذلك من الغرائب بمراحل.
أما زعم بعض الأطباء في سنة ١٨٨٤ أو ١٩٤٥ م بوقوع حمل فوق المعهود، فلم يثبتوا
стр. 448
بشيء من الأدلة المقبولة ما ذهبوا إيه ولم يصدقهم أهل زمانهم من الأطباء فضلًا عن أن نصدقهم اليوم مع ما آل إليه العلم من تطور، وما صارت إليه المختبرات من الدقة وما توصل إليه من أنواع الأشعة التي تتابع تكوين الجنين وحركاته داخل رحم أمه.
إن الجنين إذا طال حمله عن الأسبوع (٤١) تبدأ مشيمته بالضمور ويعاني شيئًا فشيئًا من النقص في وصول الغذاء إليه (١). وبعد الأسبوع (٤٢) فإن أكثر الأطباء يحرضون الرحم لبدء الولادة حتى لا يصاب الجنين بمكروه (٢).
• إن كلمة الأطباء متفقة على أن الحمل لا يبقى حيًا في رحم الأم بعد الأسبوع الخامس والأربعين من بداية آخر حيضة. أي الثالث والأربعين من الجماع.
وجاء في التوصية السابعة عشر لندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية المنعقدة بتاريخ ٢٠ شعبان ١٤٠٧ هـ تحت رعاية المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية:
«١٧ - أقصى مدة الحمل: قرر الأطباء أنه يستمر نماء الحمل منذ التلقيح حتى الميلاد معتمدًا في غذائه على المشيمة والأصل أن مدة الحمل بوجه التقريب مائتان وثمانون يومًا تبدأ من أول أيام الحيضة السوية السابقة للحمل.
فإذا تأخر الميلاد عن ذلك ففي المشيمة بقية رصيد يخدم الجنين بكفاءة لمدة أسبوعين آخرين ثم يعاني الجنين المجاعة من بعد ذلك لدرجة ترفع نسبة وفاة الجنين في الأسبوع الثالث والأربعين والرابع والأربعين ومن النادر أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم خمسة وأربعين أسبوعًا.
стр. 449
ولاستيعاب النادر والشاذ تمد هذه المدة اعتبارًا من أسبوعين آخرين لتصبح ثلاثمائة وثلاثين يومًا ولم يعرف أن مشيمة قدرت أن تمد الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة. (وقد توسع القانون في الاحتياط مستندًا إلى بعض الآراء الفقهية بجانب الرأي العلمي فجعل أقصى مدة الحمل سنة)» (١).
* * *
стр. 450
المطلب الثالث: التوفيق بين آراء الفقهاء والمعارف الطبية الحديثة
وأثر تطورها على الفتوى في هذا الباب
بين يدي التوفيق بين آراء الفقهاء والطب الحديث، ينبغي التأكيد على أن الإشكال في أقصى مدة الحمل لم يواجه فقهاءنا وحدهم، بل إن القوانين في بلاد كثيرة تختلف في تحديد هذه المدة، فقد أقر القانون الإنجليزي بحمل طال لمدة واحد وأربعين ومائة يوم ((٣٤١) يومًا) (١) وهذا ما لا يمكن أن يقره الأطباء.
إن الطب الحديث لا يعرف حملًا زاد على الخمسة والأربعين أسبوعًا ولا يتصور ذلك من خلال المعارف الطبية الحديثة بل يجزم الأطباء باستحالته (٢)، وإن كان لا يخفى أنها ليست استحالة عقلية.
إذًا فكيف الجمع بين ذلك وبين تلك الأخبار عن الثقات من فقهائنا ينقلون فيها عن الثقات من أهل زمانهم أن حملًا قد طال لسنين؟
إن هذا يسير بإذن الله، وذلك أن المرأة قد ينقطع حيضها السنين ذات العدد، ثم يحصل التبويض، وقبل أن يتبعه الحيض، يحصل الإخصاب، فتظن أنها كانت حاملًا طيلة السنين الماضية. ومما يثبت ظنها أن الكثير من النساء يَتُقْن إلى الحمل فتتولد لديهن أحاسيسُ بحركة الجنين داخل البطن، وقد تكون ريحًا أو باشتهاءِ بعض الأطعمة أو
стр. 451
الأشربة، وقد يولد الجنين وله سن قد نبتت، وهي غير طبيعية، إلا أنها قد تثبت اعتقاد البعض في طول الحمل.
إن هذا كله يندرج تحت مسمى الحمل الكاذب (١) والذي يعرفه الأطباء، ولكن هل يعرفه الفقهاء؟ نعم، إنهم يعرفونه، وقد وُصِف في بعض كتب الفقه، قال كمال الدين ﵀:
«ولا يخفى أن قول عائشة ﵂ مما لا يعرف إلا سماعا وهو مقدم على المحكي عن امرأة ابن عجلان لأنه بعد صحة نسبته إلى الشارع لا يتطرق إليه الخطأ بخلاف الحكاية فإنها بعد صحة نسبتها إلى مالك والمرأة يحتمل خطؤها، فإن غاية الأمر أن يكون انقطع دمها أربع سنين ثم جاءت بولد وهذا ليس بقاطع في أن الأربعة بتمامها كانت حاملا فيها لجواز أنها امتد طهرها سنتين أو أكثر ثم حبلت ووجود الحركة مثلا في البطن لو وجد ليس قاطعا في الحمل لجواز كونه غير الولد ولقد أخبرنا عن امرأة أنها وجدت ذلك مدة تسعة أشهر من الحركة وانقطاع الدم وكبر البطن وإدراك الطلق فحين جلست القابلة تحتها أخذت في الطلق فكلما طلقت اعتصرت ماء هكذا شيئا فشيئا إلى أن انضمر بطنها وقامت عن قابلتها عن غير ولادة» (٢).
وبمثل ما قال الكمال ﵀ نقول، ولكن الخبر عن عائشة إن صح قد يكون من قبيل الرأي لا الرواية عن المعصوم ﷺ .
стр. 452
• الحق إذًا الذي ينبغي المصير إليه مع عدم وجود النص من الوحي، أن أكثر الحمل لا يتجاوز عشرة الأشهر، ولعل الحسن قد أشار إلى ذلك من غير تصريح في تفسير قوله تعالى:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]
حيث قال ﵀: «ما تغيض الأرحام ما كان من سقط وما تزداد المرأة تلد لعشرة أشهر» (١).
وقد يتجه أن يحتاط القانون فيجعل أكثر الحمل عامًا، كما هو الحال في القانونين المصري والسوري، وبذلك يوافق قول القوانين، وكثير من المعاصرين من الفقهاء (٢) قول محمد بن عبد الحكم ﵀ إلا أنه يعتد بالسنة القمرية وتعتد القوانين بالسنة الشمسية.
والطب الحديث قادر عن طريق الأشعة الصوتية والاختبارات المعملية بل والمتابعة الإكلينيكية لحجم الرحم أن يخبر عن مدة الحمل بنوع من الدقة (٣).
ويترتب على ذلك القولِ تغيرُ الفتوى في أبواب عديدة كلحوق النسب واللعان وإقامة حد الزنا عند من قال به (٤) وتأخير الحد لأجل الحمل عند ادعائه والوقف على الجنين والوصية له وغيرها من الأحكام المتعلقة به.
стр. 453
المبحث الثالث: الاشتراك في النسب والحمل من ماءين
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اختلاف الفقهاء في الاشتراك في النسب والحمل من ماءين
المطلب الثاني: رأي الطب في حصول الحمل من ماءين وأثره على الفتوى
стр. 454
المبحث الثالث: الاشتراك في النسب والحمل من ماءين
اختلف الفقهاء في الرجلين يطآن امرأة في طهر، كشريكين في أمة، أو ناكحي شبهة، أو زانيين ثم يدعيان الولد، فذهب البعض إلى إشراكهما في الولد، ومنع من ذلك آخرون.
والحق أن الخلاف الفقهي بين المتقدمين بالذات لم يكن حول إمكان خلق الولد من ماءي الرجلين بقدر ما هو خلاف حول التصرف في هذه المعضلة التي لا حل لها في زمانهم.
أقول ذلك مطمئنًا لأنه، وإن أثار بعض العلماء قضية الخلق من ماءين، فإنه - كما سأبين لاحقًا - لم يكن هذا الأمر سبب الخلاف الأهم، ولم يعره الكثير من الفقهاء النظر، فسواءُ كان ذلك ممكنًا أو ممتنعًا، فالقضية تبقى كما هي. ماذا نصنع بهذا الولد الذي ادعاه رجلان، وليس لأحدهما بينة على دعواه فوق الآخر، وليس لأحدهما مزية على الآخر؟
وتطور المعلومات الطبية أفاد في أمرين يتعلقان بهذا الموضوع هما:
١ - ليس يمكن أن يخلق جنين واحد من ماءي رجلين.
٢ - يمكن عن طريق البصمة الوراثية تحديد صاحب الولد.
ونحن سنعرض خلاف الفقهاء وأسبابه في المطلب الأول من هذا المبحث ثم رأي الطب في هذه القضية في المطلب الثاني وفيه نبين أثر تطور المعارف والصناعة الطبية على هذا الخلاف.
* * *
стр. 455
المطلب الأول: اختلاف الفقهاء في الاشتراك في النسب والحمل من ماءين
لو أن رجلين ادعيا نسب ولد وطئا أمه في طهر واحد لشبهة أو زنا، فلمن ينسب الولد؟
* ذهب الحنفية (١) إلى عدم العمل بالقافة وأن يلحق الولد بالرجلين جميعًا فيرث كلَّ واحد منهما ميراثًا كاملًا ويشتركان في إرث الأب من ماله إذا مات قبلهما.
* وفي المقابل من هذا القول، ذهب المالكية (٢) والشافعية (٣) إلى العمل بالقيافة لإلحاقه بأحدهما فإن تنازع القائفان أو توقفا أو قالا بالاشتراك أو لم يكن ثم قائف، وجبت عليهما نفقة الولد حتى يبلغ ويختار أيهما شاء في قول المالكية وجديد الشافعية، وفي القديم حتى يميز (٤).
* وذهب أحمد (٥) إلى العمل بالقافة كما هو رأي الجمهور؛ ثم خالف مالك والشافعي فيما إذا لم يكن الترجيح عن طريق القافة ممكنًا أو ادعى القائف الاشتراك فذهب أحمد إلى إلحاقه بهما أو بهم إن كانوا أكثر من اثنين. وبذلك قال أبو ثَور والأوزاعِيّ (٦) -رحم لله الجميع.
стр. 456
عرض أقوال الفقهاء:
قول السادة الحنفية-﵏:
«(وإن ادعياه معا ثبت نسبه منهما) معناه إذا حملت على ملكهما. وقال الشافعي ﵀: يرجع إلى قول القافة ... ولنا كتاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى شُرَيْح في هذه الحادثة: لبسا فلبس عليهما، ولو بينا لبين لهما، هو ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للباقي منهما، وكان بمحضر من الصحابة ﵃ أجمعين، وعن علي ﵁ مثل ذلك» (١).
قول السادة المالكية- ﵏:
«وهذا الحكم عند مالك إذا قضى القافه بالاشتراك أن يؤخر الصبي حتى يبلغ ويقال له وال أيهما شئت ولا يلحق واحد باثنين وبه قال الشافعي وقال أبو ثَور يكون ابنا لهما إذا زعم القائف أنهما اشتركا فيه» (٢).
قول السادة الشافعية ﵏:
«(قوله: ولو أتت أمة شريكين بولد) أي بولد حدث بعد وطء كل منهما (قوله: فإذا ماتا عتق كلها) أي وأما الولد المتنازع فيه فحكمه أنه يلحق من ألحقه به القائف حيث أمكن لحوقه بكل منهما بأن كان بين وطء كل منهما وولادته فوق ستة أشهر» (٣).
«قوله ويحرم ... وقوله تزويج موطوءته أي أو موطوءة غيره إن كان الماء محترما وأراد تزويجها لغير صاحبه ... قوله حذرا من اختلاط الماءين أي اشتباه أحدهما بالآخر فليس المراد حقيقة الاختلاط لأنه تقدم أن الرحم لا يحتوي على ماءين» (٤).
قول السادة الحنابلة ﵏:
«إذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد وطأ يلحق النسب من مثله فأتت بولد يمكن
стр. 457
أن يكون منهما ... فإنه يرى القافة معهما وهذا قول عَطَاء ومالك والليث والأوزاعِيّ والشافعي وأبي ثور ... وإن ألحقته القافة بهما لحقهما وكان ابنهما وهذا قول الأوزاعِيّ والثَّورِيّ وأبي ثور ورواه بعض أصحاب مالك عنه ... وقد نص أحمد على أنه يلحق بثلاثة ومقتضى هذا أنه يلحق بهم وإن كثروا وقال القاضي لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وروي عن أبي يوسف» (١).
* أدلة من قال بالاشتراك وإمكان حصول الحمل من ماءين:
(ملحوظة: ليس كل من قال بالاشتراك قال بإمكان حصول الحمل من ماءين).
١ - عن أبي الدَّرْدَاءِ ﵁ عن النبي ﷺ «أَنَّهُ أتى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ على بَابِ فُسْطَاطٍ فقال لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بها فَقَالُوا نعم فقال رسول اللهِ ﷺ : لقد هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ معه قَبْرَهُ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وهو لا يَحِلُّ له كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وهو لا يَحِلُّ له» (٢).
قال ابن القَيِّم: «وقوله كيف يورثه أي يجعله له تركة موروثة عنه كأنه عبده ولا يحل له ذلك لأنه قد صار فيه جزء من أجزائه بوطئه وكيف يجعله عبده ولا يحل له ذلك فهذا دليل على أن وطء الحامل إذا وطئت كثيرا جاء الولد عبلا ممتلئًا وإذا هُجِر وطؤها جاء الولد هزيلا ضعيفا فهذه أسرار شرعية موافقة للأسرار الطبيعية مبنية عليها والله أعلم» (٣).
٢ - قوله ﷺ : «لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (٤).
قال ابن القَيِّم: «يريد وطء الحامل من غير الواطئ قال الإمام أحمد الوطء يزيد في
стр. 458
سمع الولد وبصره هذا بعد انعقاده» (١).
٣ - ما جاء من أن عمر ﵁ جعل ولدًا بين أبوين، فعن ابن عمر ﵁، أن رجلين اشتركا في ظهر امرأة فولدت فدعا عمر القافة فقالوا أخذ الشبه منهما جميعا فجعله بينهما (٢).
وقال سليمان [بن يسار] (٣): «فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة فدعا عمر ابن الخطاب ﵁ قائفا فنظر إليهما فقال القائف لقد اشتركا فيه فضربه عمر ﵁ بالدرة ثم قال للمرأة أخبريني خبرك فقالت كان هذا لأحد الرجلين يأتيها وهي في إبل أهلها فلا يفارقها حتى يظن أن قد استمر بها حمل ثم انصرف عنها فأهريقت دما ثم خلف هذا تعني الآخر فلا أدري من أيهما هو فكبر القائف فقال عمر بن الخطاب ﵁ للغلام وال أيهما شئت» (٤).
والشاهد أنه أقر القائف ولم ينكر عليه بعد ظهور صوابه. بل إنه في رواية للطَّحَاوِيّ، قال عمر بعد شهادة القائفين بالاشتراك: «إني لا أرد ما يرون، اذهب فهما أبواك» (٥).
стр. 459
قالوا إنه جاء عن علي مثل ذلك (١).
قالوا إنه لما كان قضاء عمر ﵁ بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد، كان إجماعًا منهم (٢).
وقالوا إنهما استويا في سبب استحقاق النسب فيستويان فيه (٢).
وقالوا إن النسب وإن كان لا يتجزأ، ولكن أحكامه تتجزأ، فما قبل التجزئة يثبت في حقهما على التجزئة وما لم يثبت في حق كل واحد منهما كاملا (٣).
وفي رواية أبي المهلب عند الطَّحَاوِيّ (٣) أن عمر ﵁ قال: يا عجبًا لما يقول هؤلاء، قد كنت أعلم أن الكلبة تلقح بالكلاب ذوات العدد، ولم أكن أشعر أن النساء يفعلن ذلك قبل هذا! إني لا أرد ما يرون، اذهب فهما أبواك.
وفيه أن عمر أقر بكلام القافة بل وجهه بالقياس على الكلاب (٤).
وذكروا من الناحية الطبية أن انضمام الرحم واشتماله على الماء لا يمنع قبوله الماء الثاني فإن الرحم أشوق شيء وأقبله المني. قالوا ومثال ذلك المَعِدَة فإن الطعام إذا استقر
стр. 460
فيها انضمت عليه طعام فوقه انفتحت له لشوقها إليه (١).
قالوا والحس يشهد بذلك كما ترى في جراء الكلبة والسنور تأتي بها مختلفة الألوان لتعدد آبائها (٢).
* أدلة القائلين بعدم الاشتراك في النسب وأن الحمل لا يكون من ماءين:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] فلا يكون خلق الإنسان من ذكرين وأنثى (٢).
٢ - قضاء عمر ﵁: «قال سليمان [بن يسار] فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة فدعا عمر بن الخطاب ﵁ قائفا فنظر إليهما فقال القائف لقد اشتركا فيه فضربه عمر ﵁ بالدرة ثم قال للمرأة أخبريني خبرك فقالت كان هذا لأحد الرجلين يأتيها وهي في إبل أهلها فلا يفارقها حتى يظن أن قد استمر بها حمل ثم انصرف عنها فأهريقت دما ثم خلف هذا تعني الآخر فلا أدري من أيهما هو فكبر القائف فقال عمر بن الخطاب ﵁ للغلام وال أيهما شئت» (٣).
ولعل هذا الفريق أحق بهذه الرواية من الفريق الأول، فإن عمر ﵁ لم يشركهما في النسب، بل خير الولد أن يوالي من شاء.
٣ - قضاء علي ﵁: فعن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ ، فجاء رجل من اليمن، قال: إن ثلاثةَ نَفَر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد، قال لاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا، فغلبا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلبا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلبا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون،