← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عرض أقوال الفقهاء: قول السادة الحنفية-﵏: «(وإن ادعياه معا ثبت نسبه منهما) معناه إذا حملت على ملكهما. وقال الشافعي ﵀: يرجع إلى قول القافة ... ولنا كتاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى شُرَيْح في هذه الحادثة: لبسا فلبس عليهما، ولو بينا لبين لهما، هو ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للباقي منهما، وكان بمحضر من الصحابة ﵃ أجمعين، وعن علي ﵁ مثل ذلك» (١). قول السادة المالكية- ﵏: «وهذا الحكم عند مالك إذا قضى القافه بالاشتراك أن يؤخر الصبي حتى يبلغ ويقال له وال أيهما شئت ولا يلحق واحد باثنين وبه قال الشافعي وقال أبو ثَور يكون ابنا لهما إذا زعم القائف أنهما اشتركا فيه» (٢). قول السادة الشافعية ﵏: «(قوله: ولو أتت أمة شريكين بولد) أي بولد حدث بعد وطء كل منهما (قوله: فإذا ماتا عتق كلها) أي وأما الولد المتنازع فيه فحكمه أنه يلحق من ألحقه به القائف حيث أمكن لحوقه بكل منهما بأن كان بين وطء كل منهما وولادته فوق ستة أشهر» (٣). «قوله ويحرم ... وقوله تزويج موطوءته أي أو موطوءة غيره إن كان الماء محترما وأراد تزويجها لغير صاحبه ... قوله حذرا من اختلاط الماءين أي اشتباه أحدهما بالآخر فليس المراد حقيقة الاختلاط لأنه تقدم أن الرحم لا يحتوي على ماءين» (٤). قول السادة الحنابلة ﵏: «إذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد وطأ يلحق النسب من مثله فأتت بولد يمكن

стр. 457

أن يكون منهما ... فإنه يرى القافة معهما وهذا قول عَطَاء ومالك والليث والأوزاعِيّ والشافعي وأبي ثور ... وإن ألحقته القافة بهما لحقهما وكان ابنهما وهذا قول الأوزاعِيّ والثَّورِيّ وأبي ثور ورواه بعض أصحاب مالك عنه ... وقد نص أحمد على أنه يلحق بثلاثة ومقتضى هذا أنه يلحق بهم وإن كثروا وقال القاضي لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وروي عن أبي يوسف» (١). * أدلة من قال بالاشتراك وإمكان حصول الحمل من ماءين: (ملحوظة: ليس كل من قال بالاشتراك قال بإمكان حصول الحمل من ماءين). ١ - عن أبي الدَّرْدَاءِ ﵁ عن النبي ﷺ «أَنَّهُ أتى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ على بَابِ فُسْطَاطٍ فقال لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بها فَقَالُوا نعم فقال رسول اللهِ ﷺ : لقد هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ معه قَبْرَهُ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وهو لا يَحِلُّ له كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وهو لا يَحِلُّ له» (٢). قال ابن القَيِّم: «وقوله كيف يورثه أي يجعله له تركة موروثة عنه كأنه عبده ولا يحل له ذلك لأنه قد صار فيه جزء من أجزائه بوطئه وكيف يجعله عبده ولا يحل له ذلك فهذا دليل على أن وطء الحامل إذا وطئت كثيرا جاء الولد عبلا ممتلئًا وإذا هُجِر وطؤها جاء الولد هزيلا ضعيفا فهذه أسرار شرعية موافقة للأسرار الطبيعية مبنية عليها والله أعلم» (٣). ٢ - قوله ﷺ : «لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (٤). قال ابن القَيِّم: «يريد وطء الحامل من غير الواطئ قال الإمام أحمد الوطء يزيد في

стр. 458

سمع الولد وبصره هذا بعد انعقاده» (١). ٣ - ما جاء من أن عمر ﵁ جعل ولدًا بين أبوين، فعن ابن عمر ﵁، أن رجلين اشتركا في ظهر امرأة فولدت فدعا عمر القافة فقالوا أخذ الشبه منهما جميعا فجعله بينهما (٢). وقال سليمان [بن يسار] (٣): «فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة فدعا عمر ابن الخطاب ﵁ قائفا فنظر إليهما فقال القائف لقد اشتركا فيه فضربه عمر ﵁ بالدرة ثم قال للمرأة أخبريني خبرك فقالت كان هذا لأحد الرجلين يأتيها وهي في إبل أهلها فلا يفارقها حتى يظن أن قد استمر بها حمل ثم انصرف عنها فأهريقت دما ثم خلف هذا تعني الآخر فلا أدري من أيهما هو فكبر القائف فقال عمر بن الخطاب ﵁ للغلام وال أيهما شئت» (٤). والشاهد أنه أقر القائف ولم ينكر عليه بعد ظهور صوابه. بل إنه في رواية للطَّحَاوِيّ، قال عمر بعد شهادة القائفين بالاشتراك: «إني لا أرد ما يرون، اذهب فهما أبواك» (٥).

стр. 459

قالوا إنه جاء عن علي مثل ذلك (١). قالوا إنه لما كان قضاء عمر ﵁ بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد، كان إجماعًا منهم (٢). وقالوا إنهما استويا في سبب استحقاق النسب فيستويان فيه (٢). وقالوا إن النسب وإن كان لا يتجزأ، ولكن أحكامه تتجزأ، فما قبل التجزئة يثبت في حقهما على التجزئة وما لم يثبت في حق كل واحد منهما كاملا (٣). وفي رواية أبي المهلب عند الطَّحَاوِيّ (٣) أن عمر ﵁ قال: يا عجبًا لما يقول هؤلاء، قد كنت أعلم أن الكلبة تلقح بالكلاب ذوات العدد، ولم أكن أشعر أن النساء يفعلن ذلك قبل هذا! إني لا أرد ما يرون، اذهب فهما أبواك. وفيه أن عمر أقر بكلام القافة بل وجهه بالقياس على الكلاب (٤). وذكروا من الناحية الطبية أن انضمام الرحم واشتماله على الماء لا يمنع قبوله الماء الثاني فإن الرحم أشوق شيء وأقبله المني. قالوا ومثال ذلك المَعِدَة فإن الطعام إذا استقر

стр. 460

فيها انضمت عليه طعام فوقه انفتحت له لشوقها إليه (١). قالوا والحس يشهد بذلك كما ترى في جراء الكلبة والسنور تأتي بها مختلفة الألوان لتعدد آبائها (٢). * أدلة القائلين بعدم الاشتراك في النسب وأن الحمل لا يكون من ماءين: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] فلا يكون خلق الإنسان من ذكرين وأنثى (٢). ٢ - قضاء عمر ﵁: «قال سليمان [بن يسار] فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة فدعا عمر بن الخطاب ﵁ قائفا فنظر إليهما فقال القائف لقد اشتركا فيه فضربه عمر ﵁ بالدرة ثم قال للمرأة أخبريني خبرك فقالت كان هذا لأحد الرجلين يأتيها وهي في إبل أهلها فلا يفارقها حتى يظن أن قد استمر بها حمل ثم انصرف عنها فأهريقت دما ثم خلف هذا تعني الآخر فلا أدري من أيهما هو فكبر القائف فقال عمر بن الخطاب ﵁ للغلام وال أيهما شئت» (٣). ولعل هذا الفريق أحق بهذه الرواية من الفريق الأول، فإن عمر ﵁ لم يشركهما في النسب، بل خير الولد أن يوالي من شاء. ٣ - قضاء علي ﵁: فعن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ ، فجاء رجل من اليمن، قال: إن ثلاثةَ نَفَر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد، قال لاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا، فغلبا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلبا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلبا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون،

стр. 461

إني مُقْرِعٌ بينكم، فمن قرَع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدِّيَة، فأقرع بينهم، فجعله لمن قَرَع، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أضراسُه أو نَواجِذُه (١). فعلي إذًا لم ير إلا أن ينسب الولد لأحد الثلاثة، فلما تعذر الترجيح لجأ إلى القرعة إعمالا للعدل في حدود المقدور. ٤ - قالوا وجرت العادة أن لكل ولد أبًا واحدًا (٢). ٥ - وقالوا إن الماء إذا استقر في الرحم اشتمل عليه وانضم غاية الانضمام بحيث لا يبقى فيه مقدار رسم رأس إبرة إلا انسد فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك لماء ثان لا من الواطئ ولا من غيره (٣). • مناقشة الأدلة والترجيح: الراجح هو أن الحمل لا يكون من ماءين، بل من ماء واحد وأن الولد لا ينسب إلا إلى أب واحد، فإن كان الطفل مميزًا اختار وإن كان دون سن التمييز أقرع بين المدعين كما فعل علي ﵁ وأقره رسول الله ﷺ . ولقد اخترت ذلك القول لقوة دليله من الشرع والحس. ١ - أما استدلالهم بنهي رسول الله ﷺ عن وطء الحامل من الغير، فلا دليل فيه على الاشتراك في الولد، وإنما كان ذلك حراسة للنسب ومنعًا لاختلاطه وكثرة دعاوى الأبوة، إلى غير ذلك من المفاسد.

стр. 462

٢ - وأما استدلالهم بقضاء عمر ﵁ في جعله الولد بين المدعيين، فإنه وإن صحح بعض أهل الحديث رواية: «فجعله بينهما»، إلا أن المتقدمين من أهل الحديث الذين رووا كل هذه الأخبار رجحوا رواية «والِ أيهما شئت». قال البَيْهَقِيّ: «هاتان الروايتان [روايتا «فجعله بينهما»] رواية البصريين عن سعيد ابن المُسَيَّب عن عمر وروايتهم عن الحسن عن عمر ﵁ كلتاهما منقطعة وفيهما لو صحتا دلالة مع ما تقدم على الحكم بالشبه والرجوع عند الاشتباه إلى قول القافة فأما إلحاقه الولد بهما عند عدم القافة فالبصريون ينفردون به عن عمر ﵁ ورواية الحجازيين عن عمر ﵁ على ما مضى ورواية الحجازيين عنه أولى بالصحة [رواية «وال أيهما شئت»]، ورواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر ﵁ موصولة ورواية سليمان بن يسار لها شاهدة وكلاهما يثبت قول عمر ﵁» (١). وقال الطَّحَاوِيّ: «مرسل سليمان بن يسار وعُرْوَة أولى من مرسل أبي المهلب والحسن وأما رواية قَتَادَة عن ابن المُسَيَّب فهي منقطعة وقد عارضها رواية الحجازيين عن عُرْوَة وسليمان بن يسار ورواية أسلم المنقري عن عبد الله بن عبيد بن عمير في قصة عبد الرحمن بن عوف فهذا أثبت والحجازيون أعرف بأحكام عمر ومع روايتهم رواية هشام بن عُرْوَة عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال أتى رجلان إلى عمر بن الخطاب ﵄ يختصمان في غلام من أولاد الجاهلية يقول هذا هو ابني ويقول هذا هو ابني فدعا عمر قافيًا من بني المصطلق فسأل عن الغلام فنظر إليه المصطلقي ونظر ثم قال لعمر قد اشتركا فيه جميعًا فقام عمر إليه بالدرة فضربه بها حتى اضطجع ثم قال والله لقد ذهب بك النظر إلى غير مذهب ثم دعا أم الغلام فسألها فقالت إن هذا لأحد الرجلين وقع بي على نحو ما كان يفعل فحملت فيما أرى فأصابتني هراقة من دم حتى وقع في نفسي أن لا شيء في بطني ثم أن هذا الآخر وقع بي فوالله ما أدري من أيهما هو فقال عمر للغلام اتبع أيهما شئت فقام الغلام فاتبع

стр. 463

أحدهما قال عبد الرحمن فكأني أنظر إليه متبعا لأحدهما فذهب به» (١). ٣ - وأما قول الكوفيين كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ لا يقضى بقول القافة في شيء لا في نسب ولا في غيره وإن ادعى رجلان مسلمان ولدا جعل بينهما، فلا يصح، وقد عمل الجمهور من أهل الحجاز وغيرهم في القضاء بالقافة ... قال ابن عبد البر: «وقد زعم بعض من لا يرى القول بالقافة أن عمر إنما ضرب القائف بالدرة لأنه لم ير قوله شيئا يعمل به وهذا تعسف يشبه التجاهل لأن قضاء عمر بالقافة أشهر وأعرف من أن يحتاج إلى شاهد بل إنما ضربه بقوله اشتركا فيه وكان يظن أن ماءين لا يجتمعان في ولد واحد استدلالًا بقوله تعالى إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الحجرات ١٣ ولم يقل من ذكرين وأنثى ألا ترى انه قضى بقول القائف وقال والِ أيهما شئت» (٢). والحقيقة أنه لم يقض بقول القائف، ولكنه لما عجز القافة عن نسبته أمره أن يوالي من شاء كما لو لم يكن ثم قائف. ٤ - وأما زعم الإجماع فبعيد، وقد اختلفت الروايات عن عمر نفسه، وحديث إقراع علي في اليمن وإقرار النبي له مشهور معروف. ٥ - وأما نسبتهم هذا القضاء بالإشراك لعلي ﵁ فلم يصح عنه (٣)، وإنما الذي صح عنه هو الإقراع. وإن صح عن عمر أو علي مثل هذا القضاء، فإنه رأي وليس رأيهما مع وجود المخالف بحجة. ٦ - وأما الاستواء في الاستحقاق وتجزؤ أحكام النسب، فله وجه، ولكن لما كان لا يُصْلِح الولد أن يكون له والدان، كان الصواب عند العجز عن إلحاقه بأحدهما أن

стр. 464

يخير إن كان مميزًا أو يقرع بينهما إن كان لم يميز. وقد يتجه أن يتربص به حتى يميز فيختار. وسوف نرى أن الطب الحديث يحل هذه المشكلة بفضل من الله. وأما استدلالاتهم الطبية فالجواب عنها في المطلب الآتي ولكن قبل أن ننتهي من هذا المطلب نذكر أن القائلين بالاشتراك ليس بالضرورة يقولون أن الحمل يكون من ماءين. جاء في «فَتْح القَدِير»: «(وإن ادعياه معا ثبت نسبه منهما) ... والنسب وإن كان لا يتجزأ ولكن تتعلق به أحكام متجزئة، فما يقبل التجزئة يثبت في حقهما على التجزئة، وما لا يقبلها يثبت في حق كل واحد منهما كاملا كأن ليس معه غيره» (١) فأقر بأن النسب لا يتجزأ ولكن أحكامه هي التي قد تتجزأ. وصرح بهذا المعنى في البَحْر الرَّائق: «(قوله: ولو ادعى ولد أمة مشتركة ثبت نسبه، وهي أم ولده، ولزمه نصف قيمتها ونصف عقرها لا قيمته) أما ثبوت النسب فلأنه لما ثبت في نصفه لمصادفته ملكه ثبت في الباقي ضرورة أنه لا يتجزأ لما أن سببه لا يتجزأ وهو العلوق إذ الولد الواحد لا يعلق من ماءين» (٢). ولكن الإشكال في حل المعضلة عند عدم القدرة على الإلحاق بأحد الأبوين، ولذلك فإن المالكية المصرحين باستحالة تكون الولد من ماء أبوين يقولون بالاشتراك في بعض الأحكام، فقد جاء في الاسْتِذْكَار: «ولم يختلف قول مالك وأصحابه إذا قالت القافة قد اشتركا فيه أن يوقف الصبي حتى يبلغ فيقال له وال أيهما شئت وإنه إن مات قبل البلوغ والموالاة كان ميراثه بين الأبوين» (٣). * * *

стр. 465

المطلب الثاني: رأي الطب في حصول الحمل من ماءين وأثره على الفتوى إن الطب الحديث يقضي باستحالة أن يكون الولد الواحد من ماءين رجلين، بل إن البُيَيْضَة إذا اخترقها أكثر من حيوان منوي ينتج عنها حمل عنقودي لا ولد فيه (١). ولكن الممكن نظريًا أن تحمل المرأة بتوأمين كل منهما من أب مختلف (٢)، وهذا الإمكان نظري، وإن لم يثبت حصول ذلك في البشر، ولكنه شائع في أنواع من الثدييات كالكلاب والأغنام والخيل (٣). • إن الطب الحديث عن طريق البصمة الوراثية يستطيع أن يحدد بدقة متناهية صاحب الولد، كما سنبين في مبحث البصمة الوراثية في باب القضاء. إن الطب الحديث قد دعم رأي من قال بأن الحمل لا يكون من ماءين، ولكنه لا

стр. 466

يحسم الخلاف في قضية الاشتراك في النسب، لأن القائلين بها لا يقولون بالضرورة بإمكان وقوع الحمل من ماءين - كما تقدم ... ولكن الطب الحديث عند توفره يمكن أن يحسم في دعاوى الأبوة ويحدد صاحب الولد بدقة متناهية عن طريق استعمال الحمض الأميني (١). * * *

стр. 467

المبحث الرابع: العدد وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: انقطاع الحيض وتباعده من وجهة نظر الطب المطلب الثاني: آراء الفقهاء في عدة من انقطع أو تباعد حيضها المطلب الثالث: أثر تطور المعارف والصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب

стр. 468

المبحث الرابع: العدد هناك عدة مسائل متعلقة بعدد النساء في الفقه يستطيع الطب الحديث أن يسهم في حل بعض معضلاتها، ومن أهم هذه المسائل عدة من انقطع أو تباعد حيضها، وكذلك عدة المستحاضة. ونحن سنناقش الحالة الأولى بالتفصيل ونكتفي في الثانية ببيان ما يمكن أن يقدمه الطب إزاءها. * * *

стр. 469

عدة من انقطع حيضها أو تباعد تفترق عدد النساء عن بعضها البعض من ثلاث جهات: ١ - الحرية والرق بالنسبة للمعتدة فعدة الأمة دون الحرة. ٢ - نوع الفراق، فعدة المتوفى عنها زوجها غير المطلقة؛ والمطلقة غير المدخول بها لا عدة عليها؛ وعدة المفقود زوجها غير الجميع. ٣ - حالة المرأة فهي قد تكون حاملًا، فعدتها وضع حملها؛ أو حائلًا، والحائل أنواع: فهناك الصغيرة التي لم تحض والكبيرة التي أيست من المحيض، فعدتهما في الطلاق ثلاثة أشهر وهناك المرأة صاحبة الأقراء، فعدتها ثلاثة أقراء على الخلاف المعروف في تفسير الأقراء بين الحيضات والأطهار. ولكن هناك نوعين من النساء يسببان إشكالًا في باب العدد، وهما المستحاضة وتلك التي انقطع أو تباعد حيضها. ونحن في هذا المبحث نعرض إلى عدة من تباعد حيضها، فنبدأ بعرض ملخص لقضية انقطاع الحيض أو تباعده من جهة الطب، وكذلك لما يمكن أن يقدمه الطب في حل هذا الإشكال. وهذا هو موضوع المطلب الأول. وفي المطلب الثاني نبين أقوال الفقهاء المختلفة في عدة من انقطع حيضها أو تباعد. وفي المطلب الثالث والأخير نناقش تأثير تطور المعارف والصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب. * * *

стр. 470

المطلب الأول: انقطاع الحيض وتباعده من وجهة نظر الطب • الطب ينظر إلى كل انقطاع غير متوقع للحيض على أنه مرض ينبغي أن تخضع صاحبته للفحوصات والعلاج إذا ما كان الانقطاع فوق ستة أشهر، وينصح الكثير من الأطباء بعمل الفحوصات قبل ذلك للتخفيف من توتر المريضة. • ويرى الطب أن انقطاع الحيض نوعان: انقطاع أولي: إذا لم يكن الحيض حصل مطلقا، ويكون مرضيًا إذا كان استمر إلى ما بعد الثامنة عشرة. انقطاع ثانوي: وهو إما طبيعي معروف السبب، أو مرضي يستأهل الفحص إذا جاوز ستة أشهر. • والأسباب الطبيعية لانقطاع الحيض هي الحمل والرضاعة وبلوغ سن الإياس. والأسباب المرضية كثيرة، من أهمها: حالات الأنيميا الشديدة والنحافة، بالذات المصاحبة بمرض فقدان الشهية العصبي، والسمنة المفرطة، والأمراض المزمنة، وممارسة الرياضة العنيفة، واستخدام أدوية كهرمونات الذكورة وأقراص منع الحمل، وكذلك اعتلال وظائف الغدد كغدة تحت المهاد؛ وقد يسببه شدة شغف المرأة بالحمل فتنقطع دورتها (الحمل الكاذب) واعتلال الغدة النخامية أو الدرقية بزيادة أو قلة نشاطها، واعتلال الغدة فوق الكُلْيَة، أو نتيجة وجود ورم بالمِبْيَض يفرز هرمون الذكورة، أو لقلة استجابة المِبْيَض للهرمونات المنبهة للغدة النخامية، أو أمراض متعلقة بالرحم كاستئصاله أو بعد عملية كحت جائرة أو نتيجة التصاقات الغشاء المبطن لجداره بسبب التهابات.

стр. 471

وقد تعاني السيدة من أعراض سن اليأس مثل التوتر والشعور بسخونة وآلام بالمفاصل أو أعراض أخرى يتسبب فيها المرض الذي أدى إلى انقطاع الحيض (١). ولا شك أن فقهاءنا ﵏ قد أدركوا أن انقطاع الحيض قد يكون لسبب طبيعي أو مرضي والمرضي معروف وغير معروف. • والطب الحديث يستطيع أن يعين المرض الذي يرجى برؤه وذاك الذي لا يرجى برؤه، فهل تأخذ المريضة بما لا يرجى برؤه حكم الآيسة؟ والطب يستطيع أن يقطع بشغل الرحم أو براءته، فهل يؤثر ذلك على الخلاف في زمان العدة. والطب الحديث قد يساعد المرأة على إحداث الحيض بدواء، فهل يقبل الفقه ذلك؟ * * *

стр. 472

المطلب الثاني: آراء الفقهاء في عدة من انقطع أو تباعد حيضها من انقطع أو تباعد حيضها نوعان عند الفقهاء: ١ - النوع الأول من انقطع أو تباعد حيضها برضاع أو علة تعرف كمرض يرجى برؤه . ٢ - النوع الثاني من انقطع أو تباعد حيضها لعلة لا تعرف. النوع الأول: من انقطع أو تباعد حيضها برضاع أو علة تعرف كمرض يرجى برؤه: أما النوع الأول: فإنه قد نقل الإجماع (١) على أنها تتربص أقراءها مهما طال زمان ذلك، ولا يخفى أنها إن كانت ترضع، فيمكن لها أن تطلب لابنها مرضعًا غيرها حتى تعود حيضاتها إن كانت حريصة على انتهاء عدتها. ولكن ما بال التي مرضت أو مختلفة الأقراء (٢) التي تحيض مرة كل سنة، هل يصح نقل الإجماع على اعتدادها بالأقراء. إن الإمام ابن قُدامة يقول: «فإن كانت عادة المرأة أن يتباعد ما بين حيضتيها، لم تنقض عدتها حتى تحيض ثلاث حيض، وإن طالت؛ لأن هذه لم يرتفع حيضها، ولم تتأخر عن عادتها، فهي من ذوات القروء، باقية على عادتها، فأشبهت من لم يتباعد حيضها. ولا نعلم في هذا مخالفا» (٣).

стр. 473

ولكن الإمام ابن حَزْم، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه ابن قُدامة من ترجيح أنها تعتد بالأقراء مهما طال الزمان قد نقل في «المُحَلَّى» ما يأتي: * عن سعيد بن المُسَيَّب قال: إذا كانت في الأشهر مرة - يعني الحيض - فعدتها سنة عن جابر بن زيد قال: إذا كانت تحيض في كل سنة مرة يكفيها ثلاثة أشهر (١). وظاهر هذه الأقوال أنها في صاحبة العادة، وأما مختلفة الأقراء فالخلاف فيها أكثر، ففي «المُحَلَّى»: * عن طاووس (٢) قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا أجزأ عنها أن تعتد ثلاثة أشهر عن عِكْرِمَة قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا فإنها ريبة عدتها ثلاثة أشهر، قال قَتَادَة: تعتد المستحاضة ثلاثة أشهر (٣). إن المذاهب الأربعة تتفق على أن صاحبة الأقراء التي عادتها تباعد أقرائها فإنها تعتد بهذه الأقراء مهما طال الزمن (٤) ولكن من الإنْصَاف بيان وقوع الخلاف في الصدر الأول بهذا الشأن، وأنه كان أكثر في مختلفة الأقراء؛ أما المريضة بمرض يعرف ويرجى برؤه فلا

стр. 474

تذكر الموسوعة الفقهية الكويتية في حقها خلافًا، وتذكر أنها تعتد بالأقراء وجوبًا مهما طالت (١). ثم ذكرت الخلاف فيمن ارتفع حيضها دون علة تعرف. ولكن المالكية يقولون: «وإن لم تميز أو تأخر بلا سبب، أو مرضت تربصت تسعة أشهر ثم اعتدت بثلاثة كعدة من لم تر الحيض واليائسة ولو برق، وتمم من الرابع في الكسر، ولغا يوم الطلاق. وإن حاضت في السنة انتظرت الثانية والثالثة، ثم إن احتاجت لعدة، فالثلاثة» (٢). فهم لا يفرقون بين مرض يرجى برؤه وآخر لا يُرجَى برؤه ومرض يعرف وآخر لا يعرف (٣). والاعتداد بالسنة في حال المرض هو الأقوى عندهم وهو اختيار مالك وأَصبَغ وابن القاسم (٤) بخلاف أشْهَب الذي رأى أنها تعتد بالأقراء (٥). إذًا فحاصل هذه الأقوال أن من ارتفع حيضها لسبب معروف ثلاثة أنواع: ١ - من كانت عادتها تباعد الحيض، فيكادون يتفقون على أنها تعتد بالأقراء إلا بعض ما روي عن بعض السلف كما تقدم. ٢ - المرضع، ولم أجد تصريحًا لأحد من أهل العلم بأنها تعتد بغير الأقراء. ٣ - المريضة بمرض معروف يرجى برؤه، وفيها الخلاف عن المالكية، والجمهور أنها تتربص أقراءها. وسنؤجل ذكر الأدلة إلى ما بعد الكلام عن النوع الثاني ممن انقطع حيضهن.

стр. 475

النوع الثاني: من انقطع أو تباعد حيضها لعلة لا تعرف دون سن الإياس: أما هذا الصنف فالاختلاف فيه أكثر، ففيه الأقوال الآتية: * عدتها ثلاثة أشهر وهو المفهوم من كلام جابر بن زيد وطاووس وعِكْرِمَة (١) ويخرج على كلام قَتَادَة كذلك (١). * عدتها ستة أشهر وثلاثة. وهي رواية مخرجة على قول للشافعي في القديم (٢). * عدتها سبعة أشهر تتربصهن ثم تعتد بالأشهر الثلاثة، وهو قول للشافعي في القديم (٣). * عدتها تسعة أشهر تتربصهن ثم تعتد بعدهن بثلاثة أشهر، وهو قول المالكية (٤) والمذهب عند الحنابلة (٥) والأوزاعِيّ (٦) ونسب إلى عمر (٧) وابن عباس (٨) وبه قال الحسن (٩) وسعيد بن المُسَيَّب (١٠).

стр. 476

* تتربص أربع سنين ثم تعتد بثلاثة أشهر، وهو قول في القديم (١) فتحصل للشافعي في القديم أربعة أقوال مدارها على أنها تتربص مدة الحمل، أكثره (٤ سنوات عنده) أو أغلبه (٩ أشهر) أو أقله (٦ أشهر) أو سبعة أشهر ثم تعتد بثلاثة أشهر بعد الاطمئنان إلى استبراء الرحم (٢). * تتربص أقراءها مهما طال الزمان حتى تنتهي أقراؤها أو تبلغ سن الإياس وهو قول الحنفية (٣) والشافعية في الجديد (٤) والظاهرية (٥) ونسب إلى علي وعثمان وزيد بن ثابت؛ (٦) ورواه ابن حَزْم عن إبراهيم والزُّهْرِيّ وعَطَاء والثَّورِيّ؛ وكقول ثانٍ عن الحسن وأبي الشعثاء جابر بن زيد (٧).

стр. 477

* مناقشة الأدلة * أما من قال بثلاثة الأشهر فدليله: أن مختلفة الأقراء التي يتباعد حيضها هي من المرتابات كما تقدم من قول عِكْرِمَة ﵀، والله يقول: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. ولكن الجمهور يرى أن الريبة هنا ريبة في الحكم لا في الحيض. ففي «سنن البَيْهَقِيّ»: «قال أبي بن كعب: يا رسول الله إن أناسا من أهل المدينة يقولون قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء قال: وما هو؟ قال: الصغار والكبار وذوات الحمل قال فنزلت ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾» (١). ورجح هذا التأويل الطَّبَرِيّ (٢) وقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال

стр. 478

عني بذلك إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهن وذلك أن معنى ذلك لو كان كما قاله من قال إن ارتبتم بدمائهن فلم تدروا أدم حيض أو استحاضة لقيل إن ارتبتن لأنهن إذا أشكل الدم عليهن فهن المرتابات بدماء أنفسهن لا غيرهن» (١). ولكن ما ذكره الطَّبَرِيّ ﵀ لا يخلو من اعتراض، فإن الريبة تصيب المرأة وزوجها والقاضي جميعًا ولو كان الأمر كما قال لقال إذ ارتبتم. ومن أجل ذلك فإن جمعًا من أهل التأويل ذهبوا إلى أن المقصود بالآية الريبة في الحيض لاختلافه. ففي أحْكَام القُرآن للجَصَّاص: «وروى مَعْمَر عن قَتَادَة عن عِكْرِمَة في التي تحيض في كل سنة مرة قال هذه ريبة عدتها ثلاثة أشهر وروى سفيان عن عمرو عن طاوس مثله» (٢). وقال القُرْطُبِيّ: «وقال عِكْرِمَة وقَتَادَة من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مرارا وفي الأشهر مرة» (٣). ونقل عن الزجاج قوله: «وقال الزجاج إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها» (٣). وقال الطَّبَرِيّ: «قال ابن زيد [هو جابر بن زيد] في قوله واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر قال إن ارتبت أنها لا تحيض وقد ارتفعت حيضتها أو ارتاب الرجال أو قالت هي تركتني الحيضة فعدتهن ثلاثة أشهر إن ارتاب» (٤).

стр. 479

* وأما القائلون بأنها تتربص تسعة أشهر ثم تعتد بثلاثة، فلهم: ١ - ما روي عن عمر ﵁ فيما جاء في «سنن البَيْهَقِيّ»: «عن ابن المُسَيَّب أنه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضة فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت» (١). وقد يجاب بأن سعيد بن المُسَيَّب لم يكن له سماع من عمر ﵁ إلا ما كان من سماعه نعي النعمان بن مقرن (٢). ولكن تصحيح سماع سعيد من عمر ﵁ قول جماعة من أهل الحديث كما انتصر له الحافظ ابن حَجَر (٣). ومراسيله عن عمر يقبلها من أهل الحديث من لا يقبل غيرها لقوتها، وهي بل ريب حجة على من يقبل المراسيل من الفقهاء كالحنفية ﵏. ٢ - وقالوا إن عمر قد حكم بهذا بمحضر من الصحابة ولم يخالفوه، فكان إجماعًا (٤). ولكن الشافعي أول من نقل الإجماع هو ذاته الذي تأول خبر عمر ﵁ فقد جاء في «الأم»: «(قال الشافعي) ﵀: في قول عمر ﵁ في التي رفعتها حيضتها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها حمل فذلك وإلا اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت يحتمل قوله في امرأة قد بلغت السن التي من بلغها من نسائها يئسن فلا يكون

стр. 480

مخالفا لقول ابن مسعود ﵁ وذلك وجه عندنا» (١). والظاهر من كلام عمر ﵁ غير ما ذكر الشافعي ﵀ فإنه ﵁ قال «أيما امرأة». ٣ - واستدلوا بأن المراد معرفة براءة الرحم، وقد علم بمضي تسعة الأشهر من غير ظهور الحمل، فاعتدت بعدها بثلاثة أشهر، ومطالبتها بالمزيد فيه من الحرج والمشقة ما فيه. قال ابن زيد في قوله واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ... «فلو كان الحمل انتظر الحمل حتى تنقضي تسعة أشهر فخاف وارتاب هو وهي أن تكون الحيضة قد انقطعت فلا ينبغي لمسلمة أن تحبس فاعتدت ثلاثة أشهر» (٢). وقال ابن قُدامة: «ولأن الغرض بالاعتداد معرفة براءة رحمها وهذا تحصل به براءة رحمها فاكتفي به ... ولأن عليها في تطويل العدة ضررًا فإنها تمنع من الأزواج وتحبس دائما ويتضرر الزوج بإيجاب السكنى والنفقة عليه وقد قال ابن عباس لا تطولوا عليها الشقة كفاها تسعة أشهر» (٣). * أما أقوال سيدنا الشافعي في القديم أنها تتربص ستة أو سبعة أشهر أو أربع سنين ثم تعتد بثلاثة أشهر، فإنه إنما ذهب إلى ذلك ليتأكد من براءة الرحم، وأغلب الحمل تسعة أشهر، والعبرة بالغالب وليس على هذه الأقوال دليل من نقل صحيح أو تعليل وجيه في ضوء المعارف الطبية المعاصرة.

стр. 481

* أما من قالوا إن صاحبة الأقراء المختلفة تتربص أقراءها ولا تعتد بغير الحيض مهما طال بها الزمان، فلهم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [سورة الطلاق: ٤]. وهذه لم تيأس وليست من اللائي لم يحضن، فلم يبق لها إلا الاعتداد بالأقراء. ٢ - ولهم ما رواه البَيْهَقِيّ: عن محمد بن يحيى بن حبان أنه قال كانت عند جده حبان امرأتان له هاشمية وأنصَارِيّة فطلق الأنصَارِيّة وهي ترضع فمرت بها سنة ثم هلك عنها ولم تحض فقالت أنا أرثه لم أحض فاختصما إلى عثمان ﵁ فقضى لها عثمان ﵁ بالميراث فلامت الهاشمية عثمان ﵁ فقال عثمان ﵁ ابن عمك هو أشار إلينا بهذا يعني علي بن أبي طالب ﵁. ٣ - وعن عبد الله بن أبي بكر أخبره أن رجلا من الأنصار يقال له حبان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي ترضع ابنته فمكثت سبعة عشر شهرا لا تحيض يمنعها الرضاع أن تحيض ثم مرض حبان بعد أن طلقها سبعة أشهر أو ثمانية فقيل له إن امرأتك تريد أن ترث فقال لأهله احملوني إلى عثمان ﵁ فحملوه إليه فذكر له شأن امرأته وعنده علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ﵄ فقال لهما عثمان ﵁ ما تريان فقالا نرى أنها ترثه إن مات ويرثها إن ماتت فإنها ليست من القواعد اللاتي قد يئسن من المحيض وليست من الأبكار اللاتي لم يبلغن المحيض ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل أو كثير فرجع حبان إلى أهله فأخذ ابنته فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة ثم حاضت حيضة أخرى ثم توفي حبان قبل أن تحيض الثالثة

стр. 482

فاعتدت عدة المتوفى عنها زوجها وورثت (١). وقال ابن المُلَقِّن: «وهذا الأثر صحيح» (٢). ٤ - وعن حَمَّاد والأعمش ومنصور عن إبراهيم عن علقمة بن قيس أنه طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم حاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع حيضها سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا ثم ماتت فجاء إلى بن مسعود ﵁ فسأله فقال حبس الله عليك ميراثها فورثه منها (٣). قال ابن حَزْم هذا في غاية الصحة عن ابن مسعود (٤). أما أثر حبان فهو في حالة خاصة وهي الرضاع وليس غيرها مثلها فإن الرضاع مع الحمل سببان طبيعيان لانقطاع الحيض. والمذاهب الأربعة متفقة على أن المرضع التي انقطع حيضها للرضاع تعتد بالأقراء. وأما خبر ابن مسعود مع علقمة فيحتمل أيضًا أن امرأته كانت ترضع فإن لم تكن فقد يكون رأيًا له ﵁ وليس رأيه بأولى من رأي عمر ﵁. مع أن أثر بن مسعود ليس حجة على من قال إنها تعتد سنة، فإنهم يقولون أنا لو حاضت تستأنف سنة جديدة وهكذا حتى تتم سنة بيضاء أو ثلاثة أقراء.

стр. 483

• الترجيح: لعل الأقوى هو قول من قال تعتد بسنة، إذ الاعتداد بأربع سنين لاستبراء الرحم لا أصل له من شرع ولا نظر صحيح، فالحمل لا يمكن أن يستمر أربع سنين وغالبه تسعة أشهر، واحتاطوا له بثلاثة أشهر تعتد فيها بعد التأكد من براءة رحمها. أما القول باعتدادها بالأقراء مهما طال الزمان حتى تيأس أو تتم ثلاثة الأقراء ففيه ما فيه من المشقة، والله يريد بعباده اليسر وما جعل عليهم في الدين من حرج، وهل من حرج أعظم من أن تحبس مسلمة عن الزواج، وربما لا يكون لها عائل، وتبقى كذلك عشرين أو ثلاثين سنة أو فوق ذلك حتى تكون آيسة. هل جاء حكم كهذا عن صاحب الوحي بل هل حكم به صحابي واحد على امرأة بعينها؟ ولا يخفى أن من قال باعتدادها بثلاثة الأشهر كطاووس وعِكْرِمَة ﵏ له وجه قوي إلا أن ترتاب في كونها حاملا، فيجب عندئذٍ اعتدادها حتى تستبين براءة رحمها. ولعل هذا القول هو الأرفق بالنساء ولا يخالف نصًّا صريحًا بل وجهه أصحابه بأن انقطاع الحيض لغير حمل ريبة، فتدخل هذه المرتابة في آية سورة الطلاق. وهذا القول الأخير هو الأقرب للصواب ولمقصود الشارع في زماننا، إذ أن العلة من إطالة العدة غلى سنة كانت استبراء الرحم وهذا ميسور بالتحاليل الطبية، ويبقى أن تعتد المرأة ثلاثة الأشهر وذلك لأن للعدة من الحكم والفوائد ما قد تقرر وليس استبراء الرحم إلا أحدها. * * *

стр. 484

المطلب الثالث: أثر تطور المعارف والصناعة الطبية على الفتوى في هذا الباب • الطب الحديث يستطيع أن يسهم في حل بعض إشكالات هذا الباب عن طريق. ١ - تحديد سبب انقطاع الحيض والتفريق بين العارض والمستمر. ٢ - إثبات أو نفي وجود الحمل وتأكيد براءة الرحم. ٣ - مداواة المرأة ليرجع حيضها. أما التفريق بين العارض من الأمراض والمستمر، فإن له أهمية فقهية، فإنه إن حكم الطبيب الثقة أن انقطاع الحيض نهائي، وأنها لن تعود للحيض أبدًا، فيتوجه - في تقديري (١) - أن تعامل معاملة الآية وتعتد بالشهور. • أما قدرة الطب على الحكم ببراءة الرحم، فيستطيع الطب الحديث أن يجزم بوجود الحمل أو عدمه بعد مرور عدة أيام على آخر جماع. وقد يحتاط ويكرر الكشف والفحص أكثر من مرة في خلال الأشهر الأولى بعد الفراق لزيادة التأكيد، فهل يكون لذلك أثرٌ على العدة؟ ولنبدأ بالتأكيد على أن العدة ليست فقط لاستبراء الرحم، ولو كانت كذلك لما اعتدت الآيسة والصغيرة والمتوفى عنها زوجها قبل الدخول ومن مات زوجها بعد سفره وتركه معاشرتها بعشر سنين. ولما كان هناك فرق بين عدة الحرة والأمة والمطلقة والمتوفى عنها زوجها ولما اعتدت من عُلِّق طلاقُها على وضع حملها.

стр. 485

إن للاعتداد حِكمًا عظيمة، ذكرها - أو بعضها - الإمام ابن القَيِّم فقال: « ... ففي شرع العدة عدة حكم: منها العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب وتفسد وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة. ومنها تعظيم خطر هذا العقد، ورفع قدره، وإظهار شرفه. ومنها تطويل زمان الرجعة للمطلق؛ إذ لعله أن يندم ويفيء فيصادف زمنا يتمكن فيه من الرجعة. ومنها قضاء حق الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل، ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد. ومنها الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه؛ ففي العدة أربعة حقوق، وقد أقام الشارع الموت مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه؛ فإن النكاح مدته العمر، ولهذا أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق، وفي تحريم الربيبة عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها» (١). وبخلاف من تمسك بأن التي انقطع حيضها تعتد بالأقراء مهما طال الزمن - على ما في هذا القول من المشقة والحرج - فإن باقي أهل العلم كالمالكية والحنابلة وقديم الشافعية وهو اختيار ابن تَيمِيَّة يطيلون في عدتها استبراءً لرحمها ولذلك اجتمع للشافعي في القديم ١ - ستة أشهر ثم ثلاثة و ٢ - تسعة أشهر ثم ثلاثة و ٣ - أربع سنين ثم ثلاثة أشهر. فالستة أقل الحمل والتسعة غالبه والأربع سنين أكثره عنده ﵀ ومن أجل ذلك أمرها عمر وابن عباس ﵄ بالتربص تسعة أشهر.

стр. 486

• الترجيح: إننا لو تأكدنا من براءة رحمها بالوسائل الطبية الحديثة وأمرناها أن تعتد الأشهر الثلاثة كالصغيرة والآيسة لكنا على طريق هؤلاء السلف وسنتهم، ولما كان في ذلك تبديل للدين أو تحريف - في تقديري - والله أعلى وأعلم. إن هذا القول ليس خروجًا على الإجماع، فإن من السلف من خالف في أصل كل المسائل التي نقل عليها الإجماع، حتى صاحبة العادة التي تأتيها أقراؤها مرة في السنة. • فعن سعيد بن المُسَيَّب قال: إذا كانت في الأشهر مرة - يعني الحيض - فعدتها سنة. • وعن جابر بن زيد قال: إذا كانت تحيض في كل سنة مرة يكفيها ثلاثة أشهر (١) وأما مختلفة الأقراء، فالخلاف فيها أكثر. • فعن طاوس قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا أجزأ عنها أن تعتد ثلاثة أشهر. وعن عِكْرِمَة قال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا فإنها ريبة عدتها ثلاثة أشهر، قال قَتَادَة: تعتد المستحاضة ثلاثة أشهر (١). وقد يتمكن الطب الحديث من إعطاء المرأة دواءً لتستعيد حيضها، وعندها لا يجري هنا الخلاف فيمن شربت دواءً لتعجيل حيضها، فإن هذه إنما شربت الدواء للعلاج لا لتعجيل الحيض. فالأولى أرادت معاندة مقصود الشارع وأن تضيق حق الرجعة على الزوج، والثانية أرادت علاج نفسها من مرض عَرَض لها. ملحوظة: في حالة عدم توافر الأكْفَاء من الأطباء، فإن القول الأقوى هو السنة (٩+٣) والله أعلم.

стр. 487

فرع: فائدة في عدة المستحاضة: اختلف العلماء في عدة المستحاضة ففريق يقول عدتها بالأقراء إن كانت معروفة، وقال بعضهم بالتمييز وآخرون بالشهور وآخرون سنة. ولن نفصل في عرض أقوال الفقهاء ﵏ ومناقشتها اكتفاء بما ذكرنا في عدة من انقطع حيضها، لكن ننبه على أن الطب الحديث إذا توفر يستطيع أن يساعد هواتي النساء بأحد طريقين: ١ - المداواة حتى تنتظم الدورة إن كان ممكنًا، وعندها يزول الإشكال. ٢ - تحديد الأقراء للمريضة عن طريق فحوصات معملية، بالإضافة إلى التمييز الإكلينيكي للدم، والذي يمكن أحيانًا. * * *

стр. 488

الفصل الثاني: أحكام متعلقة بالحجر والمواريث وفيه مبحثان: الأول: تحديد البلوغ الثاني: تحديد جنس الخنثى

стр. 489

المبحث الأول: تحديد البلوغ

стр. 490

المبحث الأول: تحديد البلوغ لجأ الصحابة رضوان الله عليهم إلى اعتبار إنبات شعر العانة في الحكم بالبلوغ، فهل ساهمت المعارف الطبية الحديثة في تحقيق قدر أكبر من الدقة في الحكم ببلوغ الطفل؟ وهل يتسع الفقه الإسلامي لقبول هذا التطور في صناعة الطب؟ هذا ما نحن بصدده في هذا المبحث (١). * * *

стр. 491

تمهيد عن مراحل العمر يمر الإنسان بمراحل متعددة في حياته وفي مرحلة الطفولة يقطع معظم هذه المراحل وذلك أنها مرحلة النمو النفسي والعقلي والجسمي. وإن مراحل النمو التي يمر بها الإنسان يمكن أن تقسم إلى ست: ١ - مرحلة الصبي غير المميز. ٢ - مرحلة المميز. ٣ - مرحلة المراهقة. ٤ - مرحلة البلوغ. ٥ - مرحلة الرشد. ٦ - مرحلة الأشد. ثم تبدأ مراحل الضعف والشيخوخة. والناظر في هذه المراحل يجد أنه حسَب تعريف الطفولة في الإسلام، وهو من كان دون الحلم؛ فإن المراحل الثلاث الأولى جزء من الطفولة، ثم تأتي مرحلة البلوغ كحد فاصل بين الطفولة وما بعدها، أي مرحلة التكليف. أما حسب التعريفات الطبية (١) للطفل فإن الفرد يبقى طفلًا إلى سن الحادية والعشرين أي ما زال جسمه ينمو. وفي أكثر البلدان يعنى طب الأطفال بالأشخاص منذ الولادة إلى سن الثامنة عشر أو الحادية والعشرين سنة. ونحن سنعرف بالمراحل السابقة للبلوغ باختصار قبل أن نبدأ في الكلام عن تحديد البلوغ

стр. 492

المرحلة الأولى: الصبي غير المميز وتبدأ هذه المرحلة بالولادة وتنتهي، عند أكثر الفقهاء (١)، ببلوغ سن السابعة. ولعل المقصود من تحديد سن السابعة هو تيسير القضاء ورفع المشاحنات، فإنه من المعلوم أن الأطفال يتفاوتون في نموهم، والفقهاء أولى من غيرهم بمعرفة ذلك، ولقد تنبهوا إليه بالفعل (٢)، ولكنهم أرادوا وضع ضابط معين مستقيم ينتهي إليه الحُكَّام، فكان أن اختاروا سن السابعة وهو اختيار موفق منهم ﵏ ويؤيده قوله ﷺ : «مُرُوا أولادَكم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ سِنين» (٣) وكذلك فأنت ترى موافقة ذلك للمعقول، ولقد اتفق أن الدراسة الإلزامية تبدأ في الغالب الأعم من بلاد العالم في سن السادسة فمع الاحتياط ومراعاة تأخر بعض الأطفال في إدراكهم يكون سن السابعة هو الفصل بين المرحلة الأولى من حياة الطفل والثانية، وينادي الكثير من المختصين بتأخير دخول الطلاب المدارس إلى السابعة. وفي المرحلة الأولى تكون للطفل أهلية وجوب، بل تبدأ وهو جنين وإن كانت عندئذٍ ناقصة. وأهلية الوجوب تعني أن الطفل تثبت له وعليه حقوق كثبوت الميراث له وضمان الغرم في ماله وغير ذلك (٤). ويكون الولي مسؤولًا عن أداء الحقوق الواجبة على الطفل ولا يُلزم الطفلُ نفسه بأدائها؛ وكذلك فإن الطفل في هذه المرحلة غير مكلف

стр. 493

بالإيمان ولا العبادات، ولا يعاقب بالحدود والتعزيرات (١). المرحلة الثانية: الصبي المميز وهو الذي أصبح له بصر عقلي يميز به بين الحسن والقبيح؛ وتبدأ بنهاية المرحلة السابقة أي عند بلوغ الصبي - أو الجارية - سن السابعة، وتنتهي بالبلوغ (٢). ويكون الصبي في هذه المرحلة كالسابقة مع بعض الاختلاف فتكون له أهلية وجوب مثل الصبي في المرحلة السابقة غير أنه أيضًا تثبت له أهلية أداء (أي تصرف) وإن كانت ناقصة. فإن تصرفاته إما نافعة نفعًا محضًا أو ضارة ضررًا محضًا أو مترددة بين النفع والضرر. فأما تصرفاته النافعة نفعًا محضًا - كقبول الهدية والصدقة والوصية - فجائزة بدون إذن الولي. وتصرفاته الضارة ضررًا محضًا -كأن يهب ماله أو يطلق زوجته- لا تصح حتى لو أذن الولي. وتصرفاته المترددة بين النفع والضرر - كالبيع والإجارة تصح عند الجمهور - خلافًا للشافعية - إن أذن الولي (٣). والصبي في هذه المرحلة كسابقتها غير مكلف بشيء عند جمهور العلماء - خلافًا لرواية مرجوحة عن أحمد (٤) - وإن كان يثاب على فعل الخير كما هو ثابت. بقي أن نقول إن التحديد بسن السابعة لبداية هذه المرحلة مفيد وجيه؛ بيد أنه قد يحتاج بعض القضاة التأكد من وصول الطفل المعين إلى مرحلة التمييز، وقد يقرر القاضي أن يستعين بطبيب الأطفال، وهنا يستطيع طبيب الأطفال عن طريق اختبارات النمو

стр. 494

والتي تشمَلُ النمو الحركي والعقلي والنفسي واللغوي أن يحدد ما إذا كان الطفل المعين قد وصل إلى هذه المرحلة التي يصل إليها غالبية أبناء السابعة أم لم يصل. المرحلة الثالثة: المراهقة (١): وهي مقاربة البلوغ، وهي الفترة التي تسبق البلوغ مباشرة وبعض الفقهاء جعل المراهق من بلغ العاشرة، ولم يبلغ حتى يبلغ، وعلى هذا يمكن أن نقول أن المراهقة هي ما بين العاشرة والخامسة عشر (٢) إلا أن يقطعها البلوغ. وتحديد العاشرة وجيه لقوله ﷺ : «مُرُوا أولادَكم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ سِنين واضرِبوهم عليها وهُم أبناءُ عشرٍ وفَرِّقُوا بينهُم في المضَاجِع» (٣) والمراهق كالصبي المميز في الأحكام مع اختلاف بسيط، وهو منعه من الاطلاع على عورات النساء (٤) بل ومعاملة المراهقين والمراهقات كالبالغين والبالغات في كل ما يتصل بالعورات والاختلاط بين الجنسين، إلا الاستئذان فإن الصحيح أنهم لا يستأذنون إلا في الأوقات الثلاثة، وذلك للنص حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. هذا الفرق البسيط في الأحكام بين المراهق والمميز لا ينبغي أن يجعلنا نهمل خطورة هذه المرحلة، بل إنه ينبهنا إلى خطورتها؛ فإن الفتى أو الفتاة الآن في مرحلة تمهيد للبلوغ، يحصل فيها نمو سريع، وتحصل تغييرات في البناء الجسمي والعضوي، تصاحبها تغيرات في

стр. 495

النمو العقلي والنفسي، مدفوعة بتغيرات كبيرة في الإفراز الهرموني، مما يجعل الطفل في مرحلة انتقال خطيرة، يحتاج فيها إلى فهمِ ودعمِ مَن حولَه من الآباء والمعلمين (١). المرحلة الرابعة: البلوغ وهو في اللغة: الوصول، وفي الاصطلاح: انتهاء حد الصغر في الإنسان ليكون أهلًا للتكاليف الشرعية (٢). وتنتقل إليه الولاية على نفسه - وماله إن كان رشد (٣) - وهذه المرحلة تبدأ مع الاحتلام أو الحيض، فهما أظهر علاماتها، وإن كانت هناك علامات أخرى ولا تنتهي إلا بموت الإنسان، والسبب في إضافة مراحل بعدها هو أن الطفل ببلوغه لا يحكم برشده حتى يختبر، وعلى ذلك فكل رشيد بالغ وليس العكس، وفي الكلام عن مرحلة الرشد نبين أنها قد تكون مصاحبة للبلوغ أو متأخرة عنه شيئًا يسيرًا. * * *
следующие страницы →