← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تمهيد عن مراحل العمر يمر الإنسان بمراحل متعددة في حياته وفي مرحلة الطفولة يقطع معظم هذه المراحل وذلك أنها مرحلة النمو النفسي والعقلي والجسمي. وإن مراحل النمو التي يمر بها الإنسان يمكن أن تقسم إلى ست: ١ - مرحلة الصبي غير المميز. ٢ - مرحلة المميز. ٣ - مرحلة المراهقة. ٤ - مرحلة البلوغ. ٥ - مرحلة الرشد. ٦ - مرحلة الأشد. ثم تبدأ مراحل الضعف والشيخوخة. والناظر في هذه المراحل يجد أنه حسَب تعريف الطفولة في الإسلام، وهو من كان دون الحلم؛ فإن المراحل الثلاث الأولى جزء من الطفولة، ثم تأتي مرحلة البلوغ كحد فاصل بين الطفولة وما بعدها، أي مرحلة التكليف. أما حسب التعريفات الطبية (١) للطفل فإن الفرد يبقى طفلًا إلى سن الحادية والعشرين أي ما زال جسمه ينمو. وفي أكثر البلدان يعنى طب الأطفال بالأشخاص منذ الولادة إلى سن الثامنة عشر أو الحادية والعشرين سنة. ونحن سنعرف بالمراحل السابقة للبلوغ باختصار قبل أن نبدأ في الكلام عن تحديد البلوغ

стр. 492

المرحلة الأولى: الصبي غير المميز وتبدأ هذه المرحلة بالولادة وتنتهي، عند أكثر الفقهاء (١)، ببلوغ سن السابعة. ولعل المقصود من تحديد سن السابعة هو تيسير القضاء ورفع المشاحنات، فإنه من المعلوم أن الأطفال يتفاوتون في نموهم، والفقهاء أولى من غيرهم بمعرفة ذلك، ولقد تنبهوا إليه بالفعل (٢)، ولكنهم أرادوا وضع ضابط معين مستقيم ينتهي إليه الحُكَّام، فكان أن اختاروا سن السابعة وهو اختيار موفق منهم ﵏ ويؤيده قوله ﷺ : «مُرُوا أولادَكم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ سِنين» (٣) وكذلك فأنت ترى موافقة ذلك للمعقول، ولقد اتفق أن الدراسة الإلزامية تبدأ في الغالب الأعم من بلاد العالم في سن السادسة فمع الاحتياط ومراعاة تأخر بعض الأطفال في إدراكهم يكون سن السابعة هو الفصل بين المرحلة الأولى من حياة الطفل والثانية، وينادي الكثير من المختصين بتأخير دخول الطلاب المدارس إلى السابعة. وفي المرحلة الأولى تكون للطفل أهلية وجوب، بل تبدأ وهو جنين وإن كانت عندئذٍ ناقصة. وأهلية الوجوب تعني أن الطفل تثبت له وعليه حقوق كثبوت الميراث له وضمان الغرم في ماله وغير ذلك (٤). ويكون الولي مسؤولًا عن أداء الحقوق الواجبة على الطفل ولا يُلزم الطفلُ نفسه بأدائها؛ وكذلك فإن الطفل في هذه المرحلة غير مكلف

стр. 493

بالإيمان ولا العبادات، ولا يعاقب بالحدود والتعزيرات (١). المرحلة الثانية: الصبي المميز وهو الذي أصبح له بصر عقلي يميز به بين الحسن والقبيح؛ وتبدأ بنهاية المرحلة السابقة أي عند بلوغ الصبي - أو الجارية - سن السابعة، وتنتهي بالبلوغ (٢). ويكون الصبي في هذه المرحلة كالسابقة مع بعض الاختلاف فتكون له أهلية وجوب مثل الصبي في المرحلة السابقة غير أنه أيضًا تثبت له أهلية أداء (أي تصرف) وإن كانت ناقصة. فإن تصرفاته إما نافعة نفعًا محضًا أو ضارة ضررًا محضًا أو مترددة بين النفع والضرر. فأما تصرفاته النافعة نفعًا محضًا - كقبول الهدية والصدقة والوصية - فجائزة بدون إذن الولي. وتصرفاته الضارة ضررًا محضًا -كأن يهب ماله أو يطلق زوجته- لا تصح حتى لو أذن الولي. وتصرفاته المترددة بين النفع والضرر - كالبيع والإجارة تصح عند الجمهور - خلافًا للشافعية - إن أذن الولي (٣). والصبي في هذه المرحلة كسابقتها غير مكلف بشيء عند جمهور العلماء - خلافًا لرواية مرجوحة عن أحمد (٤) - وإن كان يثاب على فعل الخير كما هو ثابت. بقي أن نقول إن التحديد بسن السابعة لبداية هذه المرحلة مفيد وجيه؛ بيد أنه قد يحتاج بعض القضاة التأكد من وصول الطفل المعين إلى مرحلة التمييز، وقد يقرر القاضي أن يستعين بطبيب الأطفال، وهنا يستطيع طبيب الأطفال عن طريق اختبارات النمو

стр. 494

والتي تشمَلُ النمو الحركي والعقلي والنفسي واللغوي أن يحدد ما إذا كان الطفل المعين قد وصل إلى هذه المرحلة التي يصل إليها غالبية أبناء السابعة أم لم يصل. المرحلة الثالثة: المراهقة (١): وهي مقاربة البلوغ، وهي الفترة التي تسبق البلوغ مباشرة وبعض الفقهاء جعل المراهق من بلغ العاشرة، ولم يبلغ حتى يبلغ، وعلى هذا يمكن أن نقول أن المراهقة هي ما بين العاشرة والخامسة عشر (٢) إلا أن يقطعها البلوغ. وتحديد العاشرة وجيه لقوله ﷺ : «مُرُوا أولادَكم بالصَّلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ سِنين واضرِبوهم عليها وهُم أبناءُ عشرٍ وفَرِّقُوا بينهُم في المضَاجِع» (٣) والمراهق كالصبي المميز في الأحكام مع اختلاف بسيط، وهو منعه من الاطلاع على عورات النساء (٤) بل ومعاملة المراهقين والمراهقات كالبالغين والبالغات في كل ما يتصل بالعورات والاختلاط بين الجنسين، إلا الاستئذان فإن الصحيح أنهم لا يستأذنون إلا في الأوقات الثلاثة، وذلك للنص حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. هذا الفرق البسيط في الأحكام بين المراهق والمميز لا ينبغي أن يجعلنا نهمل خطورة هذه المرحلة، بل إنه ينبهنا إلى خطورتها؛ فإن الفتى أو الفتاة الآن في مرحلة تمهيد للبلوغ، يحصل فيها نمو سريع، وتحصل تغييرات في البناء الجسمي والعضوي، تصاحبها تغيرات في

стр. 495

النمو العقلي والنفسي، مدفوعة بتغيرات كبيرة في الإفراز الهرموني، مما يجعل الطفل في مرحلة انتقال خطيرة، يحتاج فيها إلى فهمِ ودعمِ مَن حولَه من الآباء والمعلمين (١). المرحلة الرابعة: البلوغ وهو في اللغة: الوصول، وفي الاصطلاح: انتهاء حد الصغر في الإنسان ليكون أهلًا للتكاليف الشرعية (٢). وتنتقل إليه الولاية على نفسه - وماله إن كان رشد (٣) - وهذه المرحلة تبدأ مع الاحتلام أو الحيض، فهما أظهر علاماتها، وإن كانت هناك علامات أخرى ولا تنتهي إلا بموت الإنسان، والسبب في إضافة مراحل بعدها هو أن الطفل ببلوغه لا يحكم برشده حتى يختبر، وعلى ذلك فكل رشيد بالغ وليس العكس، وفي الكلام عن مرحلة الرشد نبين أنها قد تكون مصاحبة للبلوغ أو متأخرة عنه شيئًا يسيرًا. * * *

стр. 496

علامات البلوغ أولًا: في حق الذكر: ١ - الاحتلام: وهو أهم العلامات وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، وقال رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة ... وعن الصبي حتى يحتلم ... » (١). ٢ - نبات الشعر الخشن للشارب، وثقل الصوت، ونُتوء طرف الحُلْقُوم (٢) - وهي من العلامات التي يعتبرها الشافعية دون غيرهم - وهي علامات صحيحة لأن هذه التغيرات تحصل مرافقة للبلوغ، ولكن الأولى عدم اعتبارها في تحديد البلوغ؛ لأن الحكم عليها سيكون مضطربًا غير موضوعي، بل خاضع لفهم الحاكم وليست هناك ثمة معايير منضبطة. ٣ - الإحبال (٣): وهو لا شك من العلامات إذا تأكدنا من صحته، وذلك عزيز (٤)، ولذلك فإن أكثر الفقهاء يهملون ذكره.

стр. 497

ثانيًا: في حق الأنثى: ١ - الحيض (١): وهو أهم العلامات في حق الأنثى وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةَ حائضٍ إلا بخِمار» (٢) وهذه العلامة متفق عليها. ٢ - الحمل (٣): وهو لاشك علامة، وقد يحصل قبل الحيض إذا اتفق أن جامعت المرأة عند أول دورة. ٣ - الاحتلام (٤): ويذكره الفقهاء كعلامة من العلامات المشتركة بين الرجل والمرأة وذكرته منفصلًا؛ وذلك أن الاحتلام في حق الرجل هو خروج الماء الدافق من القبل، وهذا الماء هو الذي يحتوي على النطفة، أما في حق المرأة فإن الفقهاء وإن سموه منيًّا فإنما يقصدون الإفرازات ا المَهْبِلية التي تحصل للمرأة عند وجود الشهوة، والله تعالى أعلم. ثالثًا: العلامات المشتركة بين الجنسين: ١ - الإنبات: والمقصود إنبات شعر العانة الخشن دون الزَّغَب الضعيف (٥). والتفريق من الفقهاء جيد موافق للصواب؛ فإن الشعر الخفيف يظهر في المراحل الأولى الممهدة للبلوغ ولكن الذي يصاحب البلوغ هو الشعر الخشن والذي يعرفه الأطباء بتانر ٤ - ٥ (٦).

стр. 498

* والجمهور على اعتبار الإنبات علامة على البلوغ، فقال به المالكية والحنابلة وهو رواية عن أبي يوسف ودليلهم ما روى أبو داود عن عطية القرظي قال: «كنت من سبي بني قريظة فكانوا ينظرون: فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت» (١). * والقول الثاني: هو قول أبي حنيفة ورواية عن مالك بعدم اعتبار الإنبات، والقول الثالث للشافعية هو اعتبار الإنبات في حق الكفار دون المسلمين قصرًا للحديث على مخرجه. • والصحيح قول الجمهور باعتبار الإنبات لموافقته للمنصوص والمعقول. والله تعالى أعلم. ٢ - نتن الإبط وفرق الأرنبة (٢) وغلظ الصوت (٣) مما اعتبره المالكية في حق الذكر والأنثى، والأولى تركه لعدم وجود المعيار المنضبط. * * *

стр. 499

اعتبار السن في تحديد البلوغ الفقهاء ﵏ حددوا لبداية البلوغ سنًا وكذلك لنهايته، ولا شك أن تحديد السن عند تأخر العلامات لنهاية البلوغ أمر معقول وقد أشارت إليه النصوص. أما كونه معقولًا فلأن المقصود بالبلوغ هو الوصول إلى مرحلة الإدراك، وهذه المرحلة يصل إليها الغالب الأعم من الناس عند الخامسة عشرة كما هو رأي الجمهور وذلك وإن كانت العلامات الأخرى قد تأخرت. ولما كنا ناقشنا بداية سن البلوغ عند الكلام عن أقل سنٍّ للحيض (١)، نشرع الآن في مناقشة الحد الأعلى له. * * *

стр. 500

الحد الأعلى لسن البلوغ • المعرفة الطبية: لا شك أن بداية البلوغ تختلف باختلاف الأجناس والبيئات، ولكن يبقى أن الأكثر من الأطفال سيكونون قد بلغوا بوصولهم إلى ما بين الثانية عشر والرابعة عشر. والإناث يسبقن الذكور بحوالي عام (١). وللبلوغ مراحل، فبين الشروع فيه والاحتلام أو الحيض مدة عام ونصف إلى عامين، وإذا لم تشرع الأنثى فيه عند الثانية عشر والذكر عند الرابعة عشر، فإن الحالة تعتبر مرضية (٢). أقوال الفقهاء: ذكرنا أنه قد أشارت النصوص على اعتبار سن معين كفارق بين الصغر والكبر وهو موافق للمعقول كما بينا من قبل. ونحن هنا ننقل الخلاف بين الفقهاء في الحد الأعلى من البلوغ: الجمهور من الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وأبو يوسف ومحمد من الحنفية (٥) وابن وَهْب

стр. 501

ومن وافقه من المالكية (١)، على أن البلوغ بالسن يكون بتمام خمس عشرة سنة للذكر والأنثى لخبر ابن عمر: «عُرِضت على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزني، ولم يَرَني بلَغْت، وعُرِضت عليه يومَ الخَندَقِ وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنةً فأجازني، ورآني بَلَغْت» (٢). والمالكية يرونه عند تمام ثماني عشرة سنة، وهناك خمسة أقوال في المذهب ... (٣). وأبو حنيفة يرى أن البلوغ بالسن للغلام يكون عند ثماني عشرة سنة، والجارية سبع عشرة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] قال ابن عباس ﵁: الأشد ثماني عشرة سنة. وهي أقل ما قيل فيه، فأخذ به احتياطًا، قال: هذا أشد الصبي، والأنثى أسرع بلوغًا فنقصت سنة (٤). • التوفيق بين أقوال الفقهاء والمعرفة الطبية: بالنسبة للبلوغ الحكمي، لعل تحديد أعلاه بسن الخامسة عشرة - وهو قول الجمهور - الأولى بالصواب من جهة المنقول كما جاء في خبر ابن عمر، والمعقول أيضًا، وذلك أنه ببلوغ سن الخامسة العشرة يكون الأغلب الأعم من الأطفال قد بلغوا، ولا عبرة بالنادر، مع الأخذ في الاعتبار أنه من لم تظهر عليه آثار البلوغ، ممن بلغ الخامسة عشرة، فإنه يكون معه من الإدراك ما يجعلنا نجري عليه أحكام البالغين والله تعالى أعلم.

стр. 502

المرحلة الخامسة: الرشد وهو كمال العقل وحسن تصريف الأمور فهو بذلك ضد السفه وسوء التدبير (١). ويكون مقارنًا للبلوغ أو متأخرًا عنه - شيئًا يسيرًا في العادة - ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] والجمهور - ومنهم محمد وأبو يوسف رحمهما الله - يعتبران حقيقة الرشد بامتحان أو تجريب البالغ، وقيل من ناهز البلوغ، لمعرفة ما إذا كان قد رشد (٢)، ووافقهم أبو حنيفة ﵀ في الامتحان إلا أنه جعل للرشد حدًّا أعلى، وهو بلوغ الخامسة والعشرين، يدفع المال بعدها لصاحبه، وإن لم يرشد (٣). • والجمهور أسعد حظًّا بالدليل لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾؛ إلا أنه لو تعذر امتحان كل البالغين أو تجريبهم فإنه يستأنس بقول أبي حنيفة ويضرب ولاة الأمر سنًا يجعلونه مظنة الرشد، وتدفع عنده الأموال إلى أصحابها، وذلك لتيسير أمور القضاء، والله تعالى أعلم. وببلوغ هذه السن يصير الإنسان كامل الأهلية والتصرف؛ إلا أن المرأة لا تتولى نكاح نفسها من غير وليها على الأصح من أقوال أهل العلم. ولم يؤثر تطور الطب على هذه المسألة. * * *

стр. 503

المبحث الثاني: تحديد جنس الخنثى وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أهمية تحديد الجنس المطلب الثاني: التعريف بالخنثى وحقيقته الطبية المطلب الثالث: اجتهاد الفقهاء في تمييز جنس الخنثى المطلب الرابع: التوفيق بين اجتهادات الفقهاء والمعارف الطبية

стр. 504

المطلب الأول: التعريف بالخنثى في اللغة: الخُنْثَى: الذي لا يخلص لذكر ولا أنثى، والخنثى: الذي له ما للرجال والنساء جميعًا، والجمع خَنَاثَى، مثل الحَبَالَى. والانْخِناث: التثني والتكسر. وخَنِث الرجل خَنْثا، فهو خَنِث، وتخنث، وانخنث: تثنى وتكسر (١). ولعل التعريف الاصطلاحي لا يختلف عن التعريف اللغوي، فقد جاء في الموسوعة الفقهية: «الخنثى الذي خلق له فرج الرجل وفرج المرأة» (٢) وكذلك إذا لم يكن له أي منهما (٣). ولقد فرقوا في الموسوعة بين الخنثى والمُخَنَّث، فعرفوا المخنث بمن فيه تكسر وتَثَنٍّ وتشبه حركاته حركات النساء خَلْقًا أو تَخَلُّقا. وبذلك يكون المخنث أعم من الخنثى. والذي نبحثه هو المعنى الخاص أي عيب الخلق بفتح الخاء لا الخلق بضمها وننتقل الآن إلى حقيقته الطبية. الحقيقة الطبية للخنثى (٤): قبل أن أتعرض لكلام الفقهاء عن تمييز جنس الخنثى أعرض الحقيقة الطبية للخنثى في فقرتين حتى يكون القارئ على بينة من أمر الخنثى في الطب، ومن ثم قادرًا على الحكم على اجتهادات الفقهاء والترجيح بينها أو ربما رد بعضها.

стр. 505

الفقرة الأولى: التمايز الجنسي في مرحلة الجنين: أ- المستوى الصبغي (الكروموسومي) (Chromosomal Sex) : وهذا يتحدد - بأمر الله عندما يلقح حيوان منوي يحمل كروموسوم (Y) أو حيوان منوي يحمل كروموسوم (X) البُيَيْضَة التي تحمل دائمًا كروموسوم (X). فتكون البُيَيْضَة الملقحة إما (X Y) أي جنينًا ذكرًا أو (X X) أي جنينًا أنثى. ب- المستوى الغددي (Gonadal Sex): وهذا يتحدد - بإذن الله تعالى - في الأسبوع السادس والسابع من التلقيح. وهذه الغدد هي التي تفرز الهرمونات التي تتحكم في المستوى الأخير. ج- مستوى الأعضاء التناسلية: والأعضاء التناسلية ظاهرة وباطنة؛ والباطنة في الأنثى هي المِبْيَضان والرحم وقناتا الرحم والمَهْبِل، وأما الباطنة في الذكر فهي الحبل المنوي والحويصلة المنوية والبروستاتا. وتكون هذه الأعضاء غير متمايزة حتى الأسبوع التاسع، ثم يبدأ التمايز البطيء الخفي في الأسبوع التاسع، ثم يتضح وينجلي في الأسبوع الثاني عشر. ويسير خط نمو الأعضاء التناسلية الظاهرة والباطنة في اتجاه الأنثى إلا إذا وجدت كمية من هرمون الذكورة التستوسترون (Testosterone) الذي تفرزه الخُصْيَة، منذ أن تتكون أي منذ نهاية الأسبوع السادس، والذي يحدد مسار الأعضاء التناسلية الظاهرة والباطنة، ولذا فإن إزالة الخُصْيَة من جنين ذكر، أو عدم تكونها يؤدي إلى وجود جهاز تناسلي أنثوي رَغم أن جنس الجنين على مستوى الصبغيات ذكر (XY)، أما إزالة المِبْيَض أو عدم تكونه فإنه لا يؤثر على سير الأعضاء التناسلية التي تسير في اتجاه الأنثى، بل إنه عند وجود كروموسوم (X) واحد فقط كما في حالات ترنر (Turner Syndrome) فإن

стр. 506

الجهاز التناسلي الذي يتكون إنما يكون لأنثى. إذًا أساس الجهاز التناسلي الظاهر والباطن - عدا الغدة التناسلية - يترجح إلى الأنثى، فإذا وجدت الخُصْيَة أو هرمون التستوسترون فإن الجهاز التناسلي يتحول إلى أعضاء ذكرية. الفقرة الثانية: أنواع الخنثى: أولًا- الخنثى الحقيقية (True Hermaphrodite) : إن الخنثى الحقيقية في الإنسان التي تجمع في أجهزتها الخُصْيَة والمِبْيَض نادرة الوجود جدًّا، وقد نشرت مجلة ميديسن دايجست (١٩٨٠) حالة خنثى حقيقية في الولايات المتحدة، ولديها مِبْيَض واحد وخُصْيَة واحدة، ولقد مارست الجنس كرجل وامرأة بل وحملت ووضعت طفلًا ميتًا. ولم تنجب أطفالًا عندما كانت تقوم بدور الذكر، لأن مثل هذه الحالات في العادة لا تفرز حيوانات منوية إذ تكون الخُصْيَة ضامرة. ولا تعرف حالة غيرها حملت من غير تدخل جراحي. ثانيًا- الخنثى الكاذبة (Pseudo Hermaphrodite) : في هذه الحالات تكون الغدة التناسلية إما مِبْيَضًا، أو خُصْيَة، بينما تكون الأعضاء الظاهرة غامضة وعكس ما عليه الغدة التناسلية. وحالات الخنثى الكاذبة ليست شديدة الندرة؛ فهي توجد بنسبة مولود من كل خمسة وعشرين ألف ولادة. أنواع الخنثى الكاذبة: ١ - الخنثى التي أصلها أنثى وظاهرها ذكر (Female Pseudo Hermaphrodite). تكون هذه الحالة أنثى على مستوى الصبغيات (الكروموسومات) الجنسية أي (XX)، وعلى مستوى الغدة التناسلية أي أنها مِبْيَض، ولكن نتيجة إفراز هرمون الذكورة من الغدة الكظرية، أو استخدام هرمونات لها تأثير نحو الذكورة مثل هرمونات البناء (Anabolic Hormones) أو البروجسترون أو بسبب أورام تفرز الهرمونات الذكورية

стр. 507

تصاب بها الحامل (١)، فإن خط سير الأعضاء التناسلية الظاهرة يترجح نحو الذكورة، وذلك بنمو البظر نموًّا كبيرًا حتى يشبه القضيب، ويلتحم الشفران الكبيران مما يجعلهما يشبهان كيس الصفن، ولكن هذا الكيس ليس فيه خصيتان. ولهذا عندما تولد مثل هذه الأنثى، فإن الأهل يظنونها ذكرًا فينشئونها كذلك، فإذا جاءت مرحلة البلوغ ظهرت آثار الأنوثة، وعندئذ ينزعج الأهل ويذهبون بها إلى الأطباء، فيتبين الأمر، ويقوم الأطباء بتحويل أعضائها الظاهرة إلى ما عليه أعضاؤها الباطنة وهي أنثى. ٢ - الخنثى التي أصلها ذكر وظاهرها أنثى (Male Pseudo Hermaphrodite). قد يكون الجنين ذكرًا على مستوى الصبغيات ومستوى الغدة التناسلية ولكن الجنين يولد بشكل أنثى في أعضائه الظاهرة. وهذه الحالات أندر من سابقتها (الخنثى التي أصلها أنثى وظاهرها ذكر) وترجع هذه الحالات النادرة إلى أحد الأسباب التالية: أ- حالات تأنيث رَغم وجود الخُصْيَة (Testicular Feminization Syndrome): وسبب هذه الحالات الوراثية المتنحية عبر كروموسوم Recessive X Linked أو السائدة Autosomal Dominant أن الأعضاء لا تتأثر بوجود هرمون الذكورة (التستوسترون) الذي تفرزه خُصْيَة الجنين، فتسير الأعضاء في خطها المرسوم عند عدم وجود التستوسترون لتكون أعضاء تناسلية أنثوية خارجية، ولكن الرحم غير موجود أو هو ضامر. ومما يزيد في عسر تشخيص مثل هذه الحالة أنه عند البلوغ تظهر علامات الأنثوية الثانوية إلا أنها لا تحيض.

стр. 508

وعند الفحص الطبي الدقيق يكتشف الطبيب أن التركيب الصبغي لهذه المرأة في ظاهرها هو تركيب الرجل (XY)، ثم يجد الخُصْيَة قد نزلت إلى الشفرين، أو في القناة الأربية (Inguinal Canal). ويكون العلاج في هذه الحالة هو إزالة الخُصْيَة التي لم يعد منها فائدة، ويحتمل تحولها إلى ورم خبيث. ولا يخبر الطبيب بأن هذه المرأة (في ظاهرها) هي ذكر في الأصل، بل يتركها على طبيعتها، تلك التي نمت وربيت عليها. ولكن على الطبيب أن يخبر تلك المرأة أن عليها أن لا تتوقع مجيء العادة الشهرية ولا الحمل. ب- حالات تأنيث بسبب نشاط هرموني من الغدة الكظرية (Feminizing Adrenal Tumor) : قد ينمو ورم خبيث في الغدة الكظرية، وتفرز فيه هذه الغدة هرمون الأنوثة الإستروجين، والذي قد يطغى ويسبب عدم نزول الخُصْيَة إلى كيس الصَّفَْن، وبالتالي انشقاق الكيس وعدم التحامه، مما يجعله أشبه بالشفرين الكبيرين. ولا ينمو القضيب كذلك، فيبدو وكأنه البظر. وهناك يبدو للأهل أن هذا الوليد إنما هو أنثى، فينمو كذلك ولكن تتغير الأمور عند البلوغ، فتظهر علامات الذكورة من غلظة الصوت ونمو شعر الوجه. ويذهب الأهل إلى الأطباء فيعرفون الحقيقة بعد إجراء مزيد من الفحوص، ويعيدون الفتى إلى وضعه الطبيعي بإجراء بعض العمليات الجراحية. ج- حالات تأنيث بسبب أخذ الأم لهرمونات الأنوثة أثناء الحمل: وهذه إذا أخذت الحامل هرمونات الإستروجين، أو مشتقاتها في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، فإن ذلك قد يؤدي إلى حصول حالة شبيهة بالسابقة. * * *

стр. 509

المطلب الثاني: أهمية تحديد جنس الخنثى خلق الله الناس على نوعين، فهم إما ذكور وإما إناث - في الغالب الأعم - ولا حاجة للطبيب لتمييزهما عندما يكون المولود أو الطفل ذكرًا ظاهر الذكورة أو أنثى ظاهرة الأنوثة. ولكن تظهر المشكلة، ومن ثم الحاجة إلى الطبيب، إذا حصل اللبس والاشتباه في جنس المولود أو الطفل نتيجة لعيب في الخِلقة، وهذه المشكلة هي ما يعرف بمشكلة الخنثى، وهي نادرة الحدوث، ولكن الإسلام، دين الله، يحكم كل مناحي الحياة في كل وقت وظرف وحالة، لذا اعتنى الفقهاء ببيان مشكلة الخنثى والتفصيل فيها. والسبب في أهمية تحديد جنس المولود أو الطفل هو تنشئته حسب الجنس الحقيقي حتى يأخذ دوره المناسب له في المجتمع، وحتى لا يحصل الاضطراب والعنت والحرج له ولأسرته عند بلوغه وظهور الخطأ في تحديد جنسه في الصغر. كذلك فإن الذكور والإناث، وإن كان الأصل اشتراكهم في جميع الحقوق والواجبات والأحكام الشرعية لقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ولقوله ﷺ : «إنَّما النِّسَاءُ شَقَائِق الرِّجَالِ» (١) إلا أن هناك من الأحكام والحقوق والواجبات ما يختص بالرجال دون النساء ومنها ما يختص بالنساء دون الرجال. وإن من أهم هذه الأحكام بالنسبة لمشكلة الخنثى التوريث، وذلك لأن الخنثى في الغالب الأعم من الحالات يزول إشكاله - كما سنبين - عند البلوغ، وعندئذ تصير التكاليف الشرعية لازمة له لا قبل، ولكن

стр. 510

توريثه، وكذلك ديته إن قتل، يجعل الأمر يحتاج إلى فصل قبل البلوغ. وقد يفكر الأولياء في تزويجه قبل البلوغ كذلك. ثم إن الخنثى المشكل الذي لا يمكن بحالٍ إلحاقه بأحد النوعين (الذكور أو الإناث) تكون له أحكام مختصة به كما هو مبسوط في كتب الفُرُوع. من أجل هذه الأهمية لتحديد الجنس، فإن السادة الفقهاء ﵏ لما لم يجدوا في الوحي (القرآن والسنة) بيانًا في تمييز نوع الخنثى، اجتهدوا في حدود المعارف الطبية لأهل زمانهم في تمييزه ومحاولة إلحاقه بأحد الجنسين. وإنهم لم يقصروا في التحري، ولكن علوم أهل زمانهم كانت محدودة فأفادوا منها بقدر الإمكان. والذي ينبغي علينا أن نسير على طريقهم فنفيد من علوم زماننا وهي أدق وأوسع كما هو ظاهر معلوم. ونحن هنا نناقش ما نقلوه من معارف أهل زمانهم الطبية ونبين ما يقره الطب الحديث منها وما يرده. * * *

стр. 511

المطلب الثالث: اجتهادات الفقهاء في تمييز جنس المولود أو الطفل تمهيد: بين يدي الكلام عن اجتهادات الفقهاء ينبغي أن نؤكد أمورًا هي: أولًا: عندما يجتهد الفقيه في طلب الحق فيخطئه فإن له أجرًا واحدًا فإن أصابه فله أجران قال رسول الله ﷺ : «إذا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فأصَابَ فلَهُ أجْرَانِ وإذا اجتَهَدَ فأخطَأ فله أَجْرٌ» (١). ثانيًا: لقد كان الفقهاء بحاجة إلى تمييز جنس المولود واستفرغوا وسعهم في الاستقراء والتحري في حدود إمكانات زمانهم. يقول ابن قُدامة ﵀ «وقد وجدنا في عصرنا شيئًا شبيهًا بهذا لم يذكره الفرضيون ولم يسمعوا به؛ فإنا وجدنا شخصين ليس لهما في قبلهما مخرج، لا ذكر ولا فرج، أما أحدهما: فذكروا أنه ليس في قبله إلا لحمة ناتئة كالربوة يرشح البول منها رشحًا على الدوام، والثاني: شخص ليس له إلا مخرج واحد بين المخرجين منه يتغوط ومنه يبول، وسألت من أخبرني عنه عن زيه، فأخبرني أنه إنما يلبس لباس النساء، ويخالطهن، ويغزل معهن، ويعد نفسه امرأة. وحدثت أن في بعض بلاد العجم شخصًا ليس له مخرج أصلًا لا قبل ولا دبر وإنما يتقيأ ما يأكله وما يشربه» (٢). وإن الطبيب الذي ينظر في كلام ابن قُدامة ﵀ يعرف دقته؛ غير أن الحالة التي ذكر أنه سمع بوقوعها في بلاد العجم لا يمكن أن تعيش طويلًا في زمانهم. أما بقية الأوصاف، فتدل على دقةٍ وسعةِ اطلاعٍ وتتبعٍ لمثل هذه الحالات النادرة وتحرٍّ ليس فقط

стр. 512

للتكوين العضوي للحالة، بل وما يسمى في الطب الحديث بجنس التنشئة (١) حيث أنه سأل عن تصرف وسلوك المريضة، فأخبر أنها تتصرف تصرف النساء. وإنك ستجد في تفصيل كلام الفقهاء الشيء الكثير مما أشرنا إليه، فرحم الله فقهاء الإسلام الأعلام وجزاهم خير الجزاء. ثالثًا: إن الإشكال بين الفقهاء في تحديد جنس الخنثى يكون قبل البلوغ غالبًا، حيث إنه بالبلوغ في الأغلب الأعم من الحالات تتضح الحالة، وعندئذ فإن الفقهاء لا يهملون خصائص التأنيث والتذكير الثانوية (٢) وهم أيضًا يعتدون بالمَيْل وبالحيض والإمناء وغيرها من العلامات. وقد أشار إلى هذا المعنى السَّرَخْسي في «المَبسُوط» حيث قال: «قلنا: لا يبقى الإشكال فيه بعد البلوغ وإنما يكون ذلك في صغره إذا مات قبل أن يبلغ» (٣) وإن كان تعقبه الزَّيْلَعِيّ في «تَبْيين الحَقَائق» حيث قال: «قال بعضهم في هذا المقام: لا يتصور بقاؤه مشكلا بعد البلوغ. قلت: هذا كلام بلا فكر لأنه بعد البلوغ إذا لم تظهر إحدى العلامات أو تعارضت كان مشكلًا، وبه صرح القُدورِيُّ وصاحب «الهِدَايَة»» (٤). وكل واحد منهما أصاب الحق من وجه، فكلام السَّرَخْسي يحمل على الغالب الأعم من الحالات، وكلام الزَّيْلَعِيّ يحمل على النادر كمثل حالات الخنثى الحقيقية أو حالات التأنيث رَغم وجود الخُصْيَة (٥).

стр. 513

أما أقوال الفقهاء في تحديد جنس الخنثى، فالحقيقة أنني لم أجد تفصيلًا في هذه المسألة أوسع وأحسن مما فصل فيها الإمام العلامة النَّوَوِيّ في «المَجْمُوع»، ولذلك أنقل مقالته مقطعةً إلى أجزاء، ثم أعلق على ما ورد في كل جزء من معلومات متعلقة بالطب مبينًا صوابها من خطئها، وكذلك أذكر آراء أصحاب المذاهب الأخرى، وأناقش الآراء مع بيان أولاها بالصواب في ظني. قال النَّوَوِيّ ﵀: «واعلم أن الخنثى ضربان: (أحدهما): وهو المشهور أن يكون له فرج المرأة وذكر الرجل. (والضرب الثاني): أن لا يكون له واحد منهما، بل له ثقبة يخرج منها الخارج ولا تشبه فرج واحد منهما ... قال البَغَوِيّ: وحكم هذا الثاني أنه مشكِل يوقَف أمرُه حتى يبلغَ فيختارَ لنفسِه ما يميل إليه طبعه من ذكورة وأنوثة، فإن أمنى على النساء ومال إليهن، فهو رجل وإن كان عكسه، فامرأة، ولا دلالة في بول هذا. وأما الضرب الأول فهو الذي فيه التفريع، فمذهبنا أنه إما رجل وإما امرأة وليس قسمًا ثالثًا» (١). التعليق: أما الضرب الأول الذي أشار إليه فإما أن يكون الخنثى الحقيقية وهذه الحالات شديدة الندرة - كما تقدم - وعندها لا يصح قوله «فمذهبنا أنه إما رجل وإما امرأة»، وإما أن يكون الخنثى الكاذبة، وعندها يصح قوله «فمذهبنا أنه إما رجل وإما امرأة وليس قسمًا ثالثًا». إذًا فالقول صحيح في الغالب الأعم. وأما كلامه عن الضرب الثاني الذي لا يكون له فرج المرأة ولا ذكر الرجل، فإنه يتحدث عن أنواع من الحالات يكون فيها عيوب شديدة في المجاري البولية والجيب

стр. 514

البولي التناسلي (١). وهذه الحالات يصعب أن تطول حياتها سيما في أزمنتهم. وهذه الحالات لا يعدها الأطباء من أحوال الخنثى، بل يناقشونها ضمن عيوب تكوين المثانة والمستقيم. والفقهاء معنيون بتمييز الجنس، وهذه الحالات تؤدي إلى صعوبة في ذلك، فاتجه أن يعدوها من أنواع الخنثى. وأما ما ذكره من كلام البَغَوِيّ عن هذا الصنف وأنه يكون مشكلًا، فهو صحيح في زمانهم، وليس كذلك في زماننا إلا عند غِيَاب الأطباء الأكْفَاء. ويبقى كذلك حتى يبلغ فتظهر عليه العلامات الثانوية للجنس (٢) ويحصل منه الميل المذكور. ولكن عند وجود الأطباء، فإن الكشف عن هذه الحالات عن طريق التحليل الكروموسومي، ثم الكشف الإشعاعي لمعرفة المستوى الغددي للجنس وتكوين الأعضاء الجنسية الداخلية، يؤدي إلى إلحاق المولود أو الطفل بأحد الجنسين وإجراء العلاجات والجراحات اللازمة له. ثم قال ﵀: «والطريق إلى معرفة ذكورته وأنوثته من أوجه: منها: البول، فإن بال بآلة الرجال فقط فهو رجل، وإن بال بآلة المرأة فقط فهو امرأة، وهذا لا خلاف فيه، فإن كان يبول بهما جميعًا نظر: إن اتفقا في الخروج والانقطاع والقدر، فلا دلالة فيه؛ وإن اختلفا في ذلك، ففيه وجهان: أحدهما: لا دلالة في البول فهو مشكل إن لم تكن علامة أخرى. والثاني: وهو الأصح أنهما إن كانا ينقطعان معًا، ويتقدم أحدهما في الابتداء فهو للمتقدم، وإن استويا في التقدم وتأخر انقطاع أحدهما فهو للمتأخر وإن تقدم أحدهما وتأخر الآخر فهو للسابق على أصح الوجهين، وقيل لا دلالة، وإن استويا في الابتداء والانقطاع وكان أحدهما أكثر وزنًا فوجهان .. » (٣).

стр. 515

التعليق: هنا يبدأ التفصيل في الكلام عن تحديد جنس الخنثى. ويبدأ بالكلام عن المبال. والحقيقية الطبية في زماننا تبين أن الاعتماد على المبال قد يؤدي إلى الخطأ؛ فإن الطفل الذكر قد تكون فتحة البول عنده أسفل القضيب (١)، فيبول كما المرأة فيحكم عليه بالأنوثة وهو ذكر، وإن كان التشوه الحاصل له علامة على ضعف في الذكورة. ولكن قد لا يكون هناك في بعض الأزمنة أو الأمكنة الطبيب الكفء، لذا فإن اعتماد المبال يأخذ حكم الضرورة عند حاجتهم لتحديد الجنس قبل البلوغ - أو بعده في حالات نادرة جدًا - أما عند وجود الأطباء الأكفاء، فإنه لا ينبغي قطعًا الحكم على جنس المولود دون مراجعتهم؛ فإن الظن لا يغني من الحق شيئًا. ويحسن التنبيه هنا إلى أن الفقهاء على شتى مذاهبهم يعتبرون المبال على اختلاف بينهم في التفاصيل؛ جاء في «المَبسُوط»: «فإن ما يقع به الفصل بين الذكر والأنثى عند الولادة الآلة ... وعند انفصال الولد من الأم منفعة تلك الآلة خروج البول منها ... فإذا كان يبول من مبال الرجل عرفنا أن آلة الفصل في حقه هذا وأن الآخر زيادة خرق في البدن، فإذا كان يبول من مبال النساء عرفنا أن الآلة هذا وأن هذا بمنزلة مبالين في البدن ... وإن كان يبول منهما جميعًا معًا قال أبو حنيفة ﵀ لا علم لي بذلك، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يورث بأكثرهما ... وتوقف [أبو حنيفة] في الجواب لأنه لا طريق للتمييز بالرجوع إلى المعقول، ولم يجد فيه نصًّا فتوقف وقال: لا أدري، وهذا من علامة فقه الرجل وورعه أن لا يخبط في الجواب ... وكذلك أبو يوسف ومحمد قالا: إذا استويا في المقدار لا علم لنا بذلك ولم ينقل عن أحد منهم أنه علم ذلك أو وقف فيه على دليل .. » (٢).

стр. 516

ولقد آثرت إيراد كلام السَّرَخْسِيّ ﵀ لما فيه من فوائد، فإن توقف أبي حنيفة فيه ورعٌ منه ودليلٌ أنهم ﵏ لم يكن عندهم تسرع في الفتيا ولا طيش. وكذلك فإن هناك فائدة في قول السَّرَخْسِيّ: «وتوقف بالجواب لأنه لا طريق للتمييز بالرجوع إلى المعقول، ولم يجد فيه نصًّا فتوقف» قلت: ليس من نص في هذا ولا السابق من الكلام عن المبال، وسيأتي (١) ضعف ما روي فيه عن رسول الله ﷺ ، أما المعقول، فمتحقق في زماننا بالإحالة إلى الأطباء. وجاء في «المُدَوَّنَة»: «القول في الخنثى قلت: أرأيت الخنثى ما قول مالك فيها ... قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا وما اجترأنا على شيء من هذا. قلت: فهل سمعته يقول في ميراثه شيئًا؟ قال: لا ما سمعناه يقول في ميراثه شيئًا، وأحب إلى أن ينظر في مباله فإن كان يبول من ذكره فهو غلام، وإن كان يبول من فرجه فهي جارية؛ لأن النسل إنما يكون من موضع المبال وفيه الوطء، فيكون ميراثه وشهادته وكل أمره على ذلك» (٢). وجاء في «الفُرُوع»: «فإن بال أو سبق بوله من ذكره فهو ذكر، نص عليه، وعكسه أنثى، وإن خرج منهما معًا اعتبر أكثرهما، فإن استويا فمشكل، وقيل: لا يعتبر أكثرهما» (٣). وإن ما يظهر من اتفاقهم على اعتبار المبال إنما يكون عند حصول الإشكال والاشتباه. وإنه من توفيق الله لهم أن اعتمدوا على هذا المعيار لأنه الأقرب إلى تحديد الجنس الصواب في أزمنتهم، لأنه كلما ضعفت ذكورة الجنين الذكر، تراجعت فتحة البول إلى الخلف، وكلما زادت هرمونات الذكورة في الأنثى، كبر البظر وتقدمت فتحة

стр. 517

البول إلى الأمام بالجهة السفلية منه (١). وسنبين أنه عند وجود الأكْفَاء من الأطباء في زماننا فلا إشكال بحمد الله، ولا حاجة للاعتماد على المبال. ثم قال النَّوَوِيّ ﵀ في علامات التأنيث والتذكير: «ومنها المني والحيض، فإن أمنى بفرج الرجل فهو رجل، وإن أمنى بفرج المرأة أو حاض به فهو امرأة، وشرطه في الصور الثلاث أن يكون في زمن إمكان خروج المني والحيض، وأن يتكرر خروجه ليتأكد الظن به ولا يتوهم كونه اتفاقًا. ولو أمنى بالفرجين فوجهان، أحدهما: لا دلالة، وأصحهما: أنه إن أمنى منهما بصفة مني الرجل فرجل، وإن أمنى بصفة مني النساء فامرأة، لأن الظاهر أن المني بصفة مني الرجال ينفصل من رجل وبصفة مني النساء ينفصل من امرأة، ولو أمنى من فرج النساء بصفة مني الرجال أو من فرج الرجال بصفة مني النساء، أو أمنى من فرج الرجال بصفة منيهم ومن فرج النساء بصفة منيهن فلا دلالة» (٢). التعليق: لابد من اعتبار المني أو الحيض عند عدم اجتماعهما. والمقصود من مني المرأة هو الإفرازات المَهْبِلية. ولا يمكن للخنثى الكاذبة - وهي الأعم الأغلب - أن يحصل منها الإمناء ووجود الإفرازات المَهْبِلية؛ إذ إن هذا النوع من الخَناثى له أعضاء باطنة لجنس واحد، وإنما حصل اللبس لعيب في الأعضاء الظاهرة، إلا في حالات نادرة كحالات التأنيث رَغم وجود الخُصْيَة (٣)، والتي تكون الأعضاء الباطنة مخالفة للجنس الكروموسومي، فيكون لها مَهْبِل - من غير رحمٍ أو برحمٍ ضامرٍ - ولكن هذه الحالات

стр. 518

لا قضيب لها، ولا تمني كالرجال، والصواب أن تبقى امرأة -كما تقدم- ولا يتصور حدوث المني والحيض معًا إلا في حالات الخنثى الحقيقية. وإن كان المني هنا خاليًا من الحيوانات المنوية، ولم يحصل في أي من هذه الحالات أن صار الخنثى أبًا ولكن حملت بعض الحالات -كما تقدم. وقد يلجأ إلى هذه العلامات عند غِيَاب الأطباء الأكْفاء ووصول الطفل إلى مرحلة البلوغ. ثم قال ﵀: «ولو تعارض بول وحيض فبال من فرج الرجل وحاض من فرج المرأة فوجهان، أصحهما: لا دلالة للتعارض والثاني: يقدم البول لأنه دائم متكرر، قال إمام الحرمين: كان شيخي يميل إلى البول، قال: والوجه عندي القطع بالتعارض» (١). التعليق: قد يحصل هذا أيضًا في حالة الخنثى الحقيقية، أما في حالات الخنثى الكاذبة فتلك التي أصلها أنثى تحيض ولكن بولها لا يكون تمامًا كبول الذكر. وحالات الخنثى التي أصلها ذكر لا تحيض البتة. ومن ثم فينبغي تقديم الحيض كعلامة. ثم قال: «ولو تعارض المني والحيض فثلاثة أوجه ذكرها البَغَوِيّ وغيره. أحدهم: وهو قول أبي إسحاق: إنه امرأة لأن الحيض مختص بالنساء والمني مشترك، والثاني: وهو قول أبي بكر الفارسي إنه رجل؛ لأن المني حقيقة وليس دم الحيض حقيقة، والثالث: لا دلالة للتعارض وهو الأصح الأعدل (٢) ... وصححه الرَّافِعِيّ» (٣). التعليق: ويتصور هذا في حالة الخنثى الحقيقية - شديدة الندرة - وإن كان المني خاليًا من الحيوانات المنوية كما أسلفنا. وسنبين أن الأصلح لهذه الحالات أن تمارس دور الأنثى ويتم علاجها لتثبيت الجنس الأنثى.

стр. 519

ثم قال ﵀: «ومنها الولادة وهي تفيد القطع بالأنوثة وتقدم على جميع العلامات المعارضة لها لأن دلالتها قطعية. قال القاضي أبو الفتوح في كتابه (كتاب الخناثى): لو ألقى الخنثى مضغة، وقال القوابل: إنها مبدأ خلق آدمي حكم بأنها امرأة، وإن شككن دام الإشكال، قال: ولو انتفخ بطنه فظهرت أمارات حمل لم يحكم بأنه امرأة حتى يتحقق الحمل» (١). التعليق: قد تلد الخنثى الحقيقية - كما تقدم - وإن كان نادرًا جدًّا فوق ندرة الخنثى الحقيقية نفسها، ولكن عند حصوله ينبغي مساعدتها على قبول جنس الأنثى والثبات عليه. ثم قال ﵀: «أما نبات اللحية ونهود الثدي ففيهما وجهان: (أحدهما) يدل النبات على الذكورة والنهود على الأنوثة لأن اللحية لا تكون غالبًا إلا للرجال والثدي لا يكون غالبًا إلا للنساء (والثاني) وهو الأصح لا دلالة لأن ذلك قد يختلف، ولأنه لا خلاف أن عدم اللحية في وقته لا يدل للأنوثة ولا عدم النهود في وقته للذكورة، فلو جاز الاستدلال بوجوده عملًا بالغالب لجاز بعدمه عملًا بالغالب. قال إمام الحرمين: ولا يعارض نبات اللحية والنهود شيئًا من العلامات المتفق عليها» (١). التعليق: الوجه الأول هو الأصح، فإن الهرمونات التي يتم إفرازها عند البلوغ هي التي تؤدي إلى ظهور علامات الجنس الثانوية، وحتى في حالة الخنثى الأنثى التي أصلها ذكر المعروفة بالتأنيث رَغم وجود الخُصْيَة، والتي يظهر فيها الثديان وبقية الصفات الجنسية الثانوية للنساء رَغم أن المريض ذكر، فإن هذه الحالة ينبغي أن تبقى أنثى؛ فإنه لا سبيل إلى علاجها أو إجراء جراحات لها لتثبيتها في جنس الرجال، وتكون قد تربت بالفعل على أنها أنثى، وكما ذكر الدكتور البار في الكلام عن أنواع الأنثى، لا ينبغي للطبيب أن يخبرها بحقيقة جنسها، ولكن يخبرها بأنها لن تحيض ولن تلد. ويحسن أيضًا أن يضاف إلى الكلام عن نبات شعر اللحية وتوزيع شعر العانة عند البالغين، فإنه يمكن

стр. 520

أن يفرق به بين الذكر والأنثى؛ فإنه في حال الذكر يصل إلى السرة وليس كذلك في حال الأنثى (١). إن هذه الصفات هي التي تحدد نظرة المجتمع للفرد فلا يسوغ إهمالها. وهذا الذي ذكرته هو مذهب الحنابلة، جاء في الفُرُوع: «ويوقف الباقي حتى يبلغ فيعمل بما ظهر من علامة رجل أو امرأة، كنبات لحيته أو تفلك ثدييه، والمنصوص: أو سقوطهما» (٢) وكذلك هو مذهب الحنفية (٣). ثم قال ﵀: «وأما نزول اللبن من الثدي فقطع البَغَوِيّ بأنه لا دلالة فيه للأنوثة، وذكر غيره فيه وجهين الأصح لا دلالة» (٤). التعليق: بل ينبغي المصير إليه - وهو مذهب الحنفية (٥) - في الحالات المشكلة، وعند عدم وجود الأطباء الأكفاء، فإن نزول اللبن من ثدي الرجل لا يكون إلا في حالات شديدة الندرة ولا عبرة بالنادر. ثم قال ﵀: «وأما عدد الأضلاع ففيه وجهان (أحدهما) يعتبر، فإن كانت أضلاعه من الجانب الأيسر ناقصة ضلعًا فهو رجل وإن تساوت من الجانبين فامرأة ... (والثاني) لا دلالة فيه وهو الصحيح وبه قطع صاحب الحاوي والأكثرون وصححه الباقون: لأن هذا لا أصل له في الشرع ولا في كتب التشريح. قال إمام الحرمين: هذا الذي قيل من تفاوت الأضلاع لست أفهمه ولا أدري فرقًا بين الرجال والنساء، قال صاحب

стр. 521

«الحاوي»: لا أصل لذلك، لإجماعهم على تقديم المبال عليه، يعني ولو كان له أصل لقدم على المبال، لأن دلالته حسية كالولادة» (١). التعليق: رحم الله إمام الحرمين، فإن الفرق بين الأضلاع خطأ فاحش من جهة الطب، فإنه لا خلاف اليوم بين الأطباء أن الأضلاع اثنا عشر في الناحيتين في الرجل والمرأة. ولذلك فلا عبرة بهذا في تحديد الجنس على الرَّغم من انتشار هذا القول في كتب الفُرُوع (٢). ثم قال ﵀: «قال أصحابنا: ومن العلامات شهوته، وميله إلى النساء أو الرجال، فإن قال: أشتهي النساء ويميل طبعي إليهن، حكم بأنه رجل، وإن قال: أميل إلى الرجال، حكم بأنه امرأة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بميل الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل. وإن قال: أميل إليهما ميلًا واحدًا أو لا أميل إلى واحد منهما فهو مشكل» (٣). التعليق: ويتصور أن يميل إليهما إذا كان الخنثى المشكل وإن كان الأكثر أن يميل إلى الرجال؛ فإن الخُصْيَة في هذه الحالة تكون ضامرة، وهرمونات الذكورة تكون قليلة، بينما يمكن لمثل هذه الحالات أن تحيض بل وأن تحمل، على وجه الندرة، كما تقدم. وهذا الذي ذكر هو مذهب الفقهاء الحنفية والحنابلة (٤). وفي هذا الكلام فائدة عظيمة، وهي حرص فقهائنا ﵏ على تقدير الجانب الشعوري العاطفي في هذا الشأن المعقد. * * *

стр. 522

المطلب الرابع: التوفيق بين أقوال الفقهاء والمعارف الطبية تمهيد: أقوال الفقهاء في هذا الباب هي اجتهاد لهم وليس مرجعها إلى نص من نصوص الوحي، فإنه لم يأت بيان الطريقة التي يحدد بها جنس المولود في كتاب ولا سنة؛ وما روي في ذلك الشأن عن رسول الله ﷺ فلا يصح عنه من أي وجه. فإنه قد روى ذلك البَيْهَقِيّ بسنده عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ سئل عن مولود ولد له قبل وذكر من أي يورث فقال النبي ﷺ : يوَرَّث من حيث يَبول». ثم قال ﵀ محمد بن السائب [أحد رواة الحديث]: لا يُحتَج به (١). وضعف الحديث النووي في «المَجْمُوع»، بل قال: ضعيف بالاتفاق (٢). وقال الألبَانِيّ (٣) في «الإرواء» (٤): موضوع. والحديث له طريق أخرى في الكامل لابن عدي ﵀ بسنده عن ابن عباس عن النبي

стр. 523

- ﷺ قال: «الخُنُثى يَرث مِن قِبل مَباله» ثم قال ابن عدي ﵀: وسليمان بن عمرو [أحد رواة الحديث] اجتمعوا على أنه يضع الحديث» (١). وأرجى ما في الباب من الآثار ما جاء موقوفًا على علي ﵁ في الخنثى، قال: «يوَرَّث مِن قِبل مَبالِه» (٢)، وقال الألبَانِيّ ﵀ في «الإرواء»: «والصحيح في هذا عن عليٍّ موقوفًا» (٣). وعلي ﵁ يفتي باجتهاده ولو كان ثَمَّ نصٌّ لبينه. وليست هذه المسألة من المسائل التي يشيع العلم بها، فيقول قائل: إنه قول صحابي لا يعرف له مخالف من الصحابة، فيكون إجماعًا. وحاصل ما ذكرنا أن الوحي (الكتاب والسنة) لم يأتِ بطريقة لتحديد جنس المولود والخنثى، وأن آراء الفقهاء مردها إلى الاجتهاد وهذا غير ملزم؛ فإنه مبني على علوم ومعارف أهل تلك الأزمنة، وما قصروا ﵏ في البحث والتحري والاستقراء والتتبع. أما في زماننا هذا، فإن تطور العلوم مكَّن الأطباء من معرفة نوع المولود أو الطفل على نحوٍ أكثرَ دقةً، والمقصود إصابة الحق. ويبقى اجتهاد الفقهاء - أو بعضه - نافعًا في حالة عدم وجود الأطباء الأكفاء - كما سنبين - أما في حالة وجودهم، فيرتفع الإشكال بحمد الله. والآن نعرض ما نراه التوفيق الملائم بين آراء الفقهاء (المتقدمين) والطب الحديث.

стр. 524

عند وجود الأطباء الأكْفاء: ينبغي في هذه الحالة - كما أكدنا - أن يعرض المولود أو الطفل على الطبيب الذي يقرر نوع المولود. وفي هذه الحالة فإن الطبيب أمام عدة اعتباراتٍ: منها حقيقة الجنس الكروموسومي، والغددي، وإمكان التوفيق بين الأعضاء الظاهرة والحقيقة الكروموسومية والغددية للجنس. فإن كان التوفيق ممكنًا، فعندئذ يربى الطفل على هذا الأساس، وتتم العلاجات والجراحات اللازمة ليحصل التوافق بين هذه المستويات الثلاثة. أما عند تعذر التوفيق كما في حالة الخنثى الذكر الذي ظاهره أنثى نتيجة لحالة التأنيث رَغم وجود الخُصْيَة، فإنه ينبغي على الطبيب مراعاة تعذر جعل الأعضاء التناسلية الظاهرة موافقة للجنس الكروموسومي، وكذلك يراعي الطبيب أن الصفات الثانوية ستكون كلها في اتجاه المرأة فيتوزع الدُّهْن ويبرز الثديان كما في النساء، وكذلك يكون الصوت كصوت النساء. وكل هذا سيجعل من الأنسب لهذه الحالات أن تنشأ على أنها امرأة - كما ذكرنا -، وتنبه إلى أنها لن تحيض أو تلد. وقد سبق فيما ذكرنا مراعاة الفقهاء للصفات الثانوية وتصرف الخنثى. أما في حالة الخنثى الحقيقية، فإن الطبيب سيجتهد في العلاج حتى تأخذ دور الأنثى كاملًا، فإن تثبيتها في هذا الجنس وتعديل الأعضاء الظاهرة لمناسبته أيسر من العكس. وكذلك فقد سبق أن بينا أن من هذه الحالات من حاضت، بل وحملت وولدت كذلك. بينما لم يعرف صيرورة أحد الخَناثى الحقيقيين أبًا. ثم إنه لابد للطبيب ألا يكون جاهلًا بالفقه أو بمعزل عن الفقهاء، وألا ينفرد دونهم بالبت في هذه الحالات، ولابد قبل ذلك، على مستوى المجتمع، من اضطلاع المجامع

стр. 525

الفقهية والهيئات العلمية بدورها في هذا الشأن، وتفصيل الأحكام فيه على ضوء العلوم والمعارف الحديثة والله تعالى أعلم. أما بالنسبة لجواز إجراء العلاجات والجراحات اللازمة لتثبيت أحد الجنسين، فقد صدر بهذا الصدد قرار من المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وأنا أنقله هنا بنصه للفائدة: «الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩ م قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى أنثى، وبالعكس. وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه قرر ما يلي: أولًا: الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها: لا يحل تحويل أحدهما إلي النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحق فاعلها العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق الله، وقد حرم سبحانه هذا التغيير، بقوله تعالى، مخبرا عن قول الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فقد جاء في «صحيح مسلم»، عن ابن مسعود أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله ، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله، وهو في كتاب الله يعني قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]». ثانيًا: أما من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة جاز علاجه طبيًّا بما يزيل الاشتباه في ذكورته، ومن غلبت عليه علامات الأنوثة، جاز علاجه طبيا، بما يزيل الاشتباه في أنوثته، سواء أكان

стр. 526

العلاج بالجراحة، أم بالهرمونات؛ لأن هذا مرض، والعلاج يقصد به الشفاء منه، وليس تغييرا لخلق الله . وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسلميًا كثيرا والحمد لله رب العالمين». عند عدم وجود الأطباء الأكفاء: الإسلام دين الفطرة وهو صالح لكل زمان ومكان، وهذه عظمته. وإن وجود الأطباء الأكفاء القادرين على تحديد الجنس بطريقة دقيقة والعلاج، ومنه الجراحي أحيانًا، أمر لا يتيسر في كل زمان ومكان، حتى إنه في زماننا هذا ربما لا يتيسر ذلك في الأصقاع النائية عن الحواضر الكبيرة، وفي أواسط أفريقيا وغيرها من البلدان الفقيرة جدًّا. فينبغي أن تكون ثمة طرق لتحديد جنس المولود من غير حاجة إلى الأطباء؛ لأن الأحكام لابد من جريانها في كل الأحوال. ورسول الله ﷺ يقول: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» (١). يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. ومقصوده ﷺ أننا لا نعتمد في جريان أحكام ديننا على الكتابة والحساب بل الدين ميسر لكل أحد، كاتب وغير كاتب، حاسب وغير حاسب. وهذا لا يعني عدم الاستفادة بالعلوم في زيادة الدقة في الأحكام حيث توفرت فإن قال قائل: الحديث الذي ذكرت يفيد غير هذا، فإن الفقهاء - إلا قليلًا - لا يعتدون بالحساب في صيام رمضان قلت: إن رسول الله ﷺ قال: «صُومُوا لرُؤْيَتِه» فجعل سبب وجوب الصيام رؤية الهلال لا دخول الوقت، كما هو الحال في الصلاة التي جرى العمل فيها على الحساب لها؛ لأنها تجب عند دخول الوقت، ولم يحدد النبي ﷺ طريقة معينة لمعرفة ذلك ويربط الوجوب بها. وفي حالتنا هذه، الأمر فيها أوضح وأظهر؛ فإنه لم يأت أي نص من نصوص الوحي في تعيين طريقة تحديد الجنس والله تعالى أعلم.

стр. 527

بيد أن الفقهاء عند عدم وجود الأَكْفاء من الأطباء ينبغي أن يراعوا الحقائق الطبية التي وضحناها آنفًا وأهم ذلك: ١ - لا اعتبار باختلاف عدد الأضلاع بين النوعين فلا اختلاف أصلًا. ٢ - المبال من أضعف الطرق في تحديد الجنس فلا يستخدم إلا عند فقد العلامات الأخرى الأقوى. ٣ - تربية المشكِل من كل وجه على أنه امرأة حتى يتيسر - إن تيسر - عرضه على الطبيب، وذلك لأسباب أهمها: أ- إذا كان خنثى حقيقية فإنه من الأسهل قيامها بدور المرأة، وعند العلاج أيضًا من الأسهل التصرف في الأعضاء الظاهرة لجعلها أعضاء امرأة. ب- إذا كان خنثى مُشكِل، وأصله أنثى فإنه عند البلوغ ستظهر علامات الأنوثة. ج- إذا كان خنثى مُشكِل وأصله ذكر؛ فإما أنه سيستمر كأنثى عند البلوغ كما ذكرنا في بعض الحالات. أو أنه ستبدو عليه علامات الذكورة ولعله - شئنا أم أبينا- يكون وقع الصدمة على الأهل هنا دون الحالات العكسية. ٤ - نعم لا يكون ممكنًا بالنسبة للأحكام الشرعية اعتبارُ المُشكِل امرأةً لأن بعض هذه الأحكام تتعلق بحقوق، وهنا يأتي دور استخدام الأحكام المتعلقة بالخُنثى المشكِل. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 528

مسائل أخرى تستحق البحث في باب المعاملات من المسائل ذات التعلق بالموضوع في هذا الباب، ولم تبحث في هذه الرسالة: ١ - المرض المخوف وحد المريض الذي لا يرجى شفاؤه. إن المرض المخوف وذاك الذي لا يرجى شفاؤه من البديهي تغيره مع تغير الزمان والمكان، ولا ينبغي أن يكتب كتاب فقه في زماننا، وينقل هذه المسائل من كتب المتقدمين من غير رجوع إلى الأطباء. ولا يجوز للمفتي أو القاضي ألا يرجع في تحديد هذه الأمور إلى أطباء زمانه. ٢ - استعمال الأحماض الأمينية في تعيين محرمة النكاح إذا اختلطت بغيرها. من نعم الله علينا أن يسر لنا معرفة هُوِيَّة الأشخاص ونَسَبِهم عن طريق الأحماض الأمينية - كما سنبين في الباب الرابع - ومن ثم، فإن محرمة النكاح بالنسب التي اختلطت بغيرها يمكن تحديدها أو نفي أن تكون المرأة المعينة أختًا أو عمةً للراغب في نكاحها. ٣ - لبن الفحل في حالة تعاطي زوجة الرجل العقيم دواءً يدر لبنها. وهذه المسألة تخرج على اختلافهم فيما إذا حملت المرأة من زوج، ثم طلقها وتزوجت بآخر، وأرضعت هذا الولد وبنتًا أو ولدًا معه، هل تنتشر المحرمية للزوج الثاني وهو غير صاحب النطفة؟ وهل يصح توجيه من قال بانتشار المحرمية رأيهم بأن اللبن يزيد بوطء الزوج الثاني؟ * * *

стр. 529

الباب الرابع: مسائل من أبواب القضاء والحدود وفيه فصلان: الأول: القضاء الثاني: الحدود والجنايات

стр. 530

الفصل الأول: القضاء وفيه مبحثان: الأول: حجية الدليل المادي في الإثبات الثاني: تطبيقات استعمال الدليل المادي
следующие страницы →