← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

العلاج بالجراحة، أم بالهرمونات؛ لأن هذا مرض، والعلاج يقصد به الشفاء منه، وليس تغييرا لخلق الله . وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسلميًا كثيرا والحمد لله رب العالمين». عند عدم وجود الأطباء الأكفاء: الإسلام دين الفطرة وهو صالح لكل زمان ومكان، وهذه عظمته. وإن وجود الأطباء الأكفاء القادرين على تحديد الجنس بطريقة دقيقة والعلاج، ومنه الجراحي أحيانًا، أمر لا يتيسر في كل زمان ومكان، حتى إنه في زماننا هذا ربما لا يتيسر ذلك في الأصقاع النائية عن الحواضر الكبيرة، وفي أواسط أفريقيا وغيرها من البلدان الفقيرة جدًّا. فينبغي أن تكون ثمة طرق لتحديد جنس المولود من غير حاجة إلى الأطباء؛ لأن الأحكام لابد من جريانها في كل الأحوال. ورسول الله ﷺ يقول: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» (١). يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. ومقصوده ﷺ أننا لا نعتمد في جريان أحكام ديننا على الكتابة والحساب بل الدين ميسر لكل أحد، كاتب وغير كاتب، حاسب وغير حاسب. وهذا لا يعني عدم الاستفادة بالعلوم في زيادة الدقة في الأحكام حيث توفرت فإن قال قائل: الحديث الذي ذكرت يفيد غير هذا، فإن الفقهاء - إلا قليلًا - لا يعتدون بالحساب في صيام رمضان قلت: إن رسول الله ﷺ قال: «صُومُوا لرُؤْيَتِه» فجعل سبب وجوب الصيام رؤية الهلال لا دخول الوقت، كما هو الحال في الصلاة التي جرى العمل فيها على الحساب لها؛ لأنها تجب عند دخول الوقت، ولم يحدد النبي ﷺ طريقة معينة لمعرفة ذلك ويربط الوجوب بها. وفي حالتنا هذه، الأمر فيها أوضح وأظهر؛ فإنه لم يأت أي نص من نصوص الوحي في تعيين طريقة تحديد الجنس والله تعالى أعلم.

стр. 527

بيد أن الفقهاء عند عدم وجود الأَكْفاء من الأطباء ينبغي أن يراعوا الحقائق الطبية التي وضحناها آنفًا وأهم ذلك: ١ - لا اعتبار باختلاف عدد الأضلاع بين النوعين فلا اختلاف أصلًا. ٢ - المبال من أضعف الطرق في تحديد الجنس فلا يستخدم إلا عند فقد العلامات الأخرى الأقوى. ٣ - تربية المشكِل من كل وجه على أنه امرأة حتى يتيسر - إن تيسر - عرضه على الطبيب، وذلك لأسباب أهمها: أ- إذا كان خنثى حقيقية فإنه من الأسهل قيامها بدور المرأة، وعند العلاج أيضًا من الأسهل التصرف في الأعضاء الظاهرة لجعلها أعضاء امرأة. ب- إذا كان خنثى مُشكِل، وأصله أنثى فإنه عند البلوغ ستظهر علامات الأنوثة. ج- إذا كان خنثى مُشكِل وأصله ذكر؛ فإما أنه سيستمر كأنثى عند البلوغ كما ذكرنا في بعض الحالات. أو أنه ستبدو عليه علامات الذكورة ولعله - شئنا أم أبينا- يكون وقع الصدمة على الأهل هنا دون الحالات العكسية. ٤ - نعم لا يكون ممكنًا بالنسبة للأحكام الشرعية اعتبارُ المُشكِل امرأةً لأن بعض هذه الأحكام تتعلق بحقوق، وهنا يأتي دور استخدام الأحكام المتعلقة بالخُنثى المشكِل. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 528

مسائل أخرى تستحق البحث في باب المعاملات من المسائل ذات التعلق بالموضوع في هذا الباب، ولم تبحث في هذه الرسالة: ١ - المرض المخوف وحد المريض الذي لا يرجى شفاؤه. إن المرض المخوف وذاك الذي لا يرجى شفاؤه من البديهي تغيره مع تغير الزمان والمكان، ولا ينبغي أن يكتب كتاب فقه في زماننا، وينقل هذه المسائل من كتب المتقدمين من غير رجوع إلى الأطباء. ولا يجوز للمفتي أو القاضي ألا يرجع في تحديد هذه الأمور إلى أطباء زمانه. ٢ - استعمال الأحماض الأمينية في تعيين محرمة النكاح إذا اختلطت بغيرها. من نعم الله علينا أن يسر لنا معرفة هُوِيَّة الأشخاص ونَسَبِهم عن طريق الأحماض الأمينية - كما سنبين في الباب الرابع - ومن ثم، فإن محرمة النكاح بالنسب التي اختلطت بغيرها يمكن تحديدها أو نفي أن تكون المرأة المعينة أختًا أو عمةً للراغب في نكاحها. ٣ - لبن الفحل في حالة تعاطي زوجة الرجل العقيم دواءً يدر لبنها. وهذه المسألة تخرج على اختلافهم فيما إذا حملت المرأة من زوج، ثم طلقها وتزوجت بآخر، وأرضعت هذا الولد وبنتًا أو ولدًا معه، هل تنتشر المحرمية للزوج الثاني وهو غير صاحب النطفة؟ وهل يصح توجيه من قال بانتشار المحرمية رأيهم بأن اللبن يزيد بوطء الزوج الثاني؟ * * *

стр. 529

الباب الرابع: مسائل من أبواب القضاء والحدود وفيه فصلان: الأول: القضاء الثاني: الحدود والجنايات

стр. 530

الفصل الأول: القضاء وفيه مبحثان: الأول: حجية الدليل المادي في الإثبات الثاني: تطبيقات استعمال الدليل المادي

стр. 531

المبحث الأول: حجية الدليل المادي في الإثبات وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: اختلاف الفقهاء في أدلة الإثبات والحكم بالقرائن المطلب الثاني: تطور الطب الشرعي المطلب الثالث: أثر تطور الطب الشرعي على أدلة الإثبات والعمل بالقرائن في القضاء الإسلامي

стр. 532

المبحث الأول: حجية الدليل المادي في الإثبات لقد اختلف الفقهاء قديمًا وحديثًا في طرق الإثبات في القضاء الإسلامي، فبعضهم حصرها فيما هو منصوص عليه أو مستنبط من الوحي، وبعضهم وسع دائرة الإثبات لتشمَلَ كل ما يَظهر به الحق ويُسفِر به طريق العدل. والحكم بالقرائن كان محَل خلاف بين الفقهاء لهذا السبب. والجديد، أن الطب الشرعي قد حصل له من التطور ما جعل أنظمة القضاء في العالم تعتمد عليه في الإثبات إلى حد بعيد جدًا؛ ويسمي خبراء القانون هذا النوع من أدلة الإثبات بالدليل المادي، وهو تعبير حادث، لكنه يدخل تحت القرينة. والسؤال هو: أين يقف القضاء الإسلامي من الطب الشرعي؟ وهل يستفيد منه؟ وهل هذه الاستفادة تقتصر على إرشاد المحقق الجنائي وتبصير القاضي بجوانب مهمة من ملابسات الجريمة، أم أن هذه الأدلة متى قويت جاز أن يقضي بها القاضي دون وجود شيء من أدلة الإثبات المألوفة في الفقه الإسلامي كالشهود والإقرار واليمين والنكول عنه؟ في هذا المبحث نناقش هذه القضية في ثلاثة مطالب: ١ - اختلاف الفقهاء في أدلة الإثبات والحكم بالقرائن. ٢ - تطور الطب الشرعي وحاجة القضاء الإسلامي للتعاطي مع الواقع الجديد. ٣ - أثر تطور المعارف الطبية على الخلاف في هذا الباب. * * *

стр. 533

المطلب الأول: اختلاف الفقهاء في أدلة الإثبات والحكم بالقرائن اعتنى الإسلام عناية عظيمة بموضوع الإثبات وأدلته، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : «لو يُعطَى الناسُ بدَعْواهم لادَّعى رجالٌ أموالَ قومٍ ودماءَهم ولكنَّ البَيِّنة على المُدَّعِي واليَمينَ على مَن أنْكَر» (١). ولفظ البخاري: «لو يُعْطَى الناس بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُم» (٢). ولفظ مسلم: «لو يُعْطَى الناس بِدَعْوَاهُم لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُم ولَكِنَّ الْيَمِينَ على الْمُدَّعَى عليه» (٣). ونحن في هذا المطلب نناقش أدلة الإثبات وأقوال الفقهاء بصددها وقولهم في حكم العمل بالقرائن. ونجعل ذلك في ثلاثة فروع: الفرع الأول: التعريف. الفرع الثاني: أدلة الإثبات بين القضاء الوضعي والشرعي. الفرع الثالث: اختلاف الفقهاء في حصر أدلة الإثبات أو عدمه وفي العمل بالقرائن. * * *

стр. 534

* الفرع الأول: التعريف: الأدلة: جمع دليل وهو في اللغة: ما يُستَدَلُّ بِه (١). وفي الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري قطعي أو ظني (٢). والإثبات في اللغة: من الإقرار والتصحيح. ويقال أثبت الحق: أقام حجته (٣). وفي الاصطلاح: الحكم بثبوت شيء لآخر (٤)، ويعني في القضاء إقامة الدليل على صحة الادعاء أمام القاضي (٥). والقرينة: في اللغة: من جمع الشيء إلى الشيء، ويقال لنفس الإنسان: قرينة وللزوجة: قرينة (٦). وفي الاصطلاح: أمر يشير إلى المطلوب وهي إما حالية أو معنوية أو لفظية (٧). ووجه التسمية أنها أمارة ظاهرة تقارن شيئًا خفيًّا فتدل عليه.

стр. 535

وفي «الموسوعة الفقهية»: «القرينة لغةً: مأخوذة من قَرَن الشيء بالشيء، أي شَدَّه إليه ووصله به، كجَمْع البعيرين في حبل واحد، وكالقَرْن بين الحج والعمرة، أو كالجمع بين التمرتين أو اللقمتين عند الأكل، وتأتي المقارنة بمعنى المرافقة والمصاحبة، ومنه ما يطلق على الزوجة قرينة، وعلى الزوج قرين. وفي الاصطلاح: ما يدل على المراد من غير كونه صريحًا» (١). ومن أسمائها الأمارة والعلامة. وهي أنواع، وتقسم (٢) تبعًا لمصدرها وقوتها. أما من حيث المصدر، فهي إما مستمدة من الشرع أو غير مستمدة والمستمدة منه، إما مستنبطة أو منصوصة. فالمنصوصة كقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧] فكان قد القميص من الدبر قرينة منصوصة على هربه منها وطلبها له. وغير المستمدة من الشرع هي كافة العلامات التي تُظهر للقاضي وجه الحق وطريق العدل دون أن تكون لها أصول في الوحي أو عمل الصحابة.

стр. 536

والقرائن باعتبار قوتها تنقسم إلى قوية وضعيفة. فالقوية كما جاء في «مجلة الأحكام»: «القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حد اليقين؛ مثلا إذا خرج أحد من دار خالية خائفا مدهوشا، وفي يده سكين ملوثة بالدم، فدخل في الدار ورئي فيها شخص مذبوح في ذلك الوقت، فلا يشتبه في كونه قاتل ذلك الشخص ولا يلتفت إلى الاحتمالات الوهمية الصرفة كأن يكون ذلك الشخص المذكور ربما قتل نفسه» (١). ولا شك أن استعمالهم للفظ اليقين فيه شيء من التجوز، والمقصود غلبة الظن المقاربة جدًا لليقين. ولكن هذا التجوز متكرر في عبارات الفقهاء ويقصدون ما ذكرت. وهناك قرائن ضعيفة كأثر الأقدام وتردد الأجنبي على مُغِيبة ليلا كقرينة على حصول الزنا وغيرها. ومن قرائن الطب الشرعي القوية البصمة الوراثية كدليل على ثبوت النسب أو نفيه، وتحليل الدم كدليل على شرب الخمر. * * *

стр. 537

* الفرع الثاني: الإثبات في القضاء الوضعي: هناك عدة مدارس للإثبات في القضاء الوضعي. ولقد اختلف القانونيون في بلاد العالم على ثلاثة مذاهب: ١ - الأول: الإثبات المطلق، ويذهب إلى عدم تقييد القاضي بطرق معينه للإثبات تاركًا له الحرية الكاملة في اعتماد ما يطمئن له من الأدلة، وهذا النظام متبع في الكثير من القوانين الوضعية الحديثة. ووجه ترجيح هذا النظام عند أصحابه هو اختلاف طرق الجريمة، وتعدد أساليبها، والأحوال المصاحبة لها، مما يجعل تقييد القاضي بأدلة إثبات محصورة مما يعيقه عن إقامة العدل، ورد الحقوق إلى أصحابها. ويعاب عليه أنه يؤدي إلى الاضطراب والاختلاف بين قاض وآخر، وكذلك لا يراعي كون القاضي بشرًا قد يحيف في حكمه إذا لم تكن ثمة ضوابط تحكمه. ٢ - الثاني: الإثبات المقيد، ويذهب إلى تحديد أدلة الإثبات للقاضي، وعدم السماح له بتجاوزها. وذلك لضبط العمل القضائي، ودفع التناقض والحيف عنه. ولكن يعاب على هذه الطريقة تحجيمها للقاضي، وتكبيل يديه في وقت تتعدد فيه وسائل الجريمة وطرق التحايل على القانون، بالإضافة إلى جعل وظيفة القاضي آلية حتى أنه قد يقضي بالشيء وهو يغلب على ظنه خطؤه. ٣ - الثالث: الإثبات المختلِط: وهو يحدد أدلة الإثبات غير أنه يوسع دائرتها ويجعل للقاضي حق الترجيح بين مختلف الأدلة والقرائن، وقد يقيده في بعض الأحوال أكثر من بعض. ويرمي هذا المذهب إلى الجمع بين حسنات المذهبين السابقين.

стр. 538

والذي ينبغي الإشارة إليه أن الإثبات المطلق والمختلِط هما اللذان يجري العمل بهما في أغلب الأنظمة القضائية (١)، وأن التقدم في الإثبات بالخبرة، سواءٌ عن طريق الطب الشرعي أو خبراء التحقيق الجنائي في شتى التخصصات، جعل نظام الإثبات المقيد يتراجع أمام المطلق والمختلِط اللذين يراعى فيهما رأي الخبير. وليس الإثبات المطلق رخصة للقاضي أن يحكم بما يشتهي، فإن أحكامه تراجع وقد تنقض إذا كان قد خالف في حكمه المنطق السليم في النظر في الأدلة والترجيح بينها. وقد يكون نظام الإثبات المختلِط الذي توضع فيه ضوابط للقاضي تمنعه من الشَّطَط من غير تكبيل يديه هو الأقرب إلى المنطق السليم (٢). * * *

стр. 539

* الفرع الثالث: اختلاف الفقهاء في حصر أدلة الإثبات والعمل بالقرائن: لعله من الصعوبة بمكان تحرير رأي المذاهب والفقهاء في مسألة العمل بالقرائن، فإن هناك اضطرابًا في تحديد المانع والمجيز، وهو ناتج عن عدة عوامل، أهمها: أن القرائن تختلف، فمنها المنصوصة والمستنبطة وغيرها، ولذلك فإن البعض قد يعمل بالقرينة لعمل الصحابة بها ثم لا يعمل بغيرها وإن كانت أظهر منها لأنها لم يجر عليها العمل ولم ينطق بها الشرع. وكذلك تختلف القرائن في القوة والضعف. وكما أن القرائن تختلف، فإن القضايا تختلف، فهناك من يرى اعتبار القرائن في غير الحدود، ومنهم من يضيف إلى الحدود القِصاص، ثم هم يجيزون العمل بها في غير ذلك. وكذلك فإن هناك من يعمل بالقرائن في الترجيح، فيُظَنُّ أنهم يعملون بها وإن كانوا لا يعتبرونها مُنفرِدة. وقد يعملون بها في التحقيق واستدراج المتهم دون الحكم بها عليه. ولعل الأقرب عند التقسيم أن يقال إن أوسع الناس في العمل بالقرائن ابن القَيِّم (١) ثم ابن تَيمِيَّة (٢) وابن فَرْحُون (٣) ثم بقية المالكية على تفاوت بينهم وابن الغَرْس (٤) (٥)

стр. 540

من الحنفية وبعض الحنابلة. والعمل بها في بعض الحدود رواية عن أحمد. ثم الشافعية ثم الحنفية على تفاوت بينهم أيضًا. ولقد نقل البعض اتفاق الفقهاء على مبدأ العمل بالقرائن. • قال علاء الدين الطَّرابُلُسِيّ الحنفي ﵀: «قال بعض العلماء: على الناظر أن يلحظ الأَمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهو قوة التُّهَمة، ولا خلاف في الحكم بها، وقد جاء العمل بها في مسائل اتفق عليها الطوائف الأربع من الفقهاء. الأولى: أن الفقهاء كلهم يقولون بجواز وطء الرجل المرأة إذا أُهديت إليه ليلة الزفاف وإن لم يشهد عنده عَدلان من الرجال أن هذه فلانة بنت فلان التي عَقَدت عليها، وإن لم يستنطق النساء أن هذه امرأته اعتمادًا على القرينة الظاهرة المنزلة منزلة الشهادة» (١). وهذا العالم الذي قال ذلك هو ابن العَرَبِيّ المالكي ﵀ (٢). • وجاء في «الموسوعة الفقهية»: «القضاء بالقرينة القاطعة: ... ولا خلاف بين فقهاء المذاهب في بناء الحكم على القرينة القاطعة» (٣). ولكن بماذا يجاب عن تصريح بعض الأئمة بإنكار العمل بالقرائن كالقَرَافِيّ والجَصَّاص -رحمهما الله- حيث قال الأول: «ألا ترى أن قرائن الأحوال لا تثبت بها الأحكام والفتاوى، وإن حصَّلت ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد لأن الشرع لم يجعلها مَدرَكا للفتوى والقضاء» (٤).

стр. 541

وقال الثاني: «وقال النبي ﷺ : «البينة على المدعي» واليمين على المدعى عليه وكون الذي في يده ملتقطا لا يخرج المدعي من أن يكون مدعيا فلا يصدق على دعواه إلا ببينة إذ ليست له يد والعلامة ليست ببينة» (١). إن الذي يظهر أنه وإن أنكر البعض العمل بالقرائن، فإن تتبع فتاواهم وأقضيتهم - كما سنبين - يظهر اتفاقهم على اعتبارها، حتى قال الشيخ محمود شلتوت: (ومما ينبغي المسارعة إليه، أن الناظر في كتب الأئمة يجد أنهم مجمعون على مبدأ الأخذ بالقرائن في الحكم والقضاء، وأن أوسع المذاهب في الأخذ بها هو مذهب المالكية ثم الحنابلة ثم الشافعية ثم الحنفية، ولا يكاد مذهب من المذاهب الإسلامية يخلو من العمل بالقرائن حتى بالنسبة لمن أنكرها) (٢). إن المعارضة لاعتبار القرائن في المعاملات بين الناس والقضايا المالية شديدة الضعف - كما سنبين - ولكن الجمهور يمنع من اعتبار القرائن في الحدود، وهم الحنفية (٣) والشافعية (٤) والمشهور عند الحنابلة (٥).

стр. 542

ويعمل بها المالكية (١) في إثبات حد الخمر بقرينة الرائحة والقيء، وحد الزنا بقرينة الحمل، وهذا هو رأي ابن تَيمِيَّة (٢). * وزاد ابن القَيِّم (٣) فاعتبر القرينة في كل الحدود، ولا شك أنه إنما يعني القرينة القوية دون غيرها. القصاص: أما القِصاص، فالجمهور على منع اعتبار القرائن فيه، وهم الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧). وخالف في ذلك ابن الغَرْس (٨) من الحنفية، وابن فَرْحُون (٩) من المالكية، واختار قولهما الكثير من المعاصرين وأيدته «مجلة الأحكام» (١٠).

стр. 543

* ومقتضى عموم كلام ابن القَيِّم أنه يراه، وإن كان لم يصرح بذلك في القِصاص، بل رأى أن يحكم عند اللوث بالقَسامة (١) ولم يذكر القرائن. أما مطلق العمل بالقرائن، فكما تقدم، لا يكاد يخلو مذهب من العمل بها في الكثير من التطبيقات، لذا فإن العلامة القَرَافِيّ الذي صرح بعدم اعتبارها - فيما تقدم - يقول في مسالك الحكم والقضاء: «الحِجاج التي يقضي بها الحاكم سبعَ عشرةَ حجةً الشاهدان، والشاهدان واليمين، والأربعة في الزنا، والشاهد واليمين والمرأتان، واليمين والشاهد والنكول، والمرأتان والنكول، واليمين والنكول، وأربعة أيمان في اللعان، وخمسون يمينا في القسامة، والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة بالنساء، واليمين وحدها بأن يتحالفا، ويقسم بينهما فيقضي لكل واحد منهما بيمينه والإقرار، وشهادة الصبيان، والقافة، وقُمْط الحيطان (٢)، وشواهدها، واليد. فهذه هي الحجاج التي يقضي بها الحاكم؛ وما عداه لا يقضي به عندنا وفيها شبهات واختلاف بين العلماء» (٣). لاحظ أنه ذكر القافة وقمط الحيطان واليد، وكل ذلك من باب العمل بالقرائن. والحنفية الذين هم أضيق المذاهب في اعتبار القرائن، ترى محقق المتأخرين منهم يقول: «طريق القاضي إلى الحكم يختلف بحسَب اختلاف المحكوم به، والطريق فيما يرجع إلى حقوق العباد المحضة عبارة عن الدعوى والحجة، وهي إما البينة أو الإقرار أو

стр. 544

اليمين أو النكول عنه أو القسامة أو علم القاضي بما يريد أن يحكم به أو القرائن الواضحة التي تصير الأمر في حيز المقطوع به» (١). ويحاول الجَصَّاص ﵀ أن يُخَرِّج عملهم بالقرائن على أنه للترجيح بين أدلة متعارضة فيقول: « ... والعلامة ليست ببينة ... وأما قول أصحابنا في الرجلين يدعيان لقيطا كل واحد يدعي أنه ابنه ووصف أحدهما علامة في جسده فإنما جعلوه أولى استحسانا من قبل أن مدعي اللقيط يستحقه بدعواه من غير علامة ويثبت النسب منه بقوله وتزول يد من هو في يده فلما تنازعه اثنان صار كأنه في أيديهما لأنهما قد استحقا أن يقضى بالنسب لهما لو لم يصف أحدهما علامة في جسده فلما زالت يد من هو في يده صار بمنزلته لو كان في أيديهما من طريق الحكم جميعه في يد هذا وجميعه في يد هذا فيجوز حينئذ اعتبار العلامة ونظيره الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت لما كان لكل واحد يد في الجميع اعتبر أظهرهما تصرفا وآكدهما يدا (٢) ... فهذه المواضع التي اعتبروا فيها العلامة إنما اعتبروها مع ثبوت اليد لكل واحد من المدعيين في الجميع فصارت العلامة من حجة اليد دون استحقاق الملك بالعلامة» (٣). إننا لا نسلم بتوجيه الجَصَّاص ﵀، وذلك أن اليد قائمة لكل من الزوجين فلما تعارضتا تساقطتا، وحكم بالقرينة. وليست تطبيقات استعمال القرائن عند الحنفية محصورة في بضعة أمثلة بل هي كثيرة جدًّا منها: تجويزهم في حال ظهورِ أمارةٍ حبسَ

стр. 545

المتهمِ بالقتل أو بالجرائم الأخرى؛ وللشخص الذي يُسلَّم بنتًا ليلة زفافه أن يجتمع بها باعتبار أنها مَنكوحته، ولو لم يشهد له شاهدان عدلان على ذلك؛ وإذا اختلف اثنان في مُلكية حائط فيحكم بالحائط لمن جذوعه موضوعة على ذلك الحائط؛ ويحق لمن شاهد فَلُوًّا يتبع فرس شخص، وهو يرضع من تلك الفرس أن يشهد أن ذلك الفَلُوَّ هو ملك صاحب الفرس؛ ولا تُسمَع دعوى من يرى قريبه يبيع مالا من آخر ويسكت، ومن يرى بيع أحد من الأجانب مالا ويشاهد تصرف المشتري فيه ويسكت؛ وللضيف أن يأكل من الطعام الذي وضع أمامه بلا إذن صريح (١). من أجل ذلك، جاء في «الموسوعة الفقهية» عن مذهب الحنفية: «ومما يؤخذ من كتبهم أنهم يعملون القرائن - إن اعتبروها عاملة - في خصوص حقوق العباد، ولا يعملونها في القِصاص والحدود، فاعتبروا مثلا سكوت البكر أو صمتها قرينة على الرضا، وقبض الهبة والصدقة بحضرة المالك مع سكوته إذنا بالقبض، ووضع اليد والتصرف قرينة على ثبوت الملكية، وقبول التهنئة في ولادة المولود أيام التهنئة المعتادة قرينة على ثبوت النسب منه، واعتبروا علامة الكنز، وقالوا إن كانت دالة على الإسلام كانت لقطة، وإن كانت دالة على الكفر ففيها الخمس» (٢). قلت: فإن كان الحنفية - وهم أضيق المذاهب بصدد ما نحن فيه - يعملون بالقرائن في كل هذه الأمور، فلا تصح نسبة عدم العمل بالقرائن للقضاء الإسلامي بحال. ومن ثم، فإن القول بحصر أدلة الإثبات في مطلق القضايا لا تصح نسبته للقضاء الإسلامي أيضًا. وإن الذين حصروا الأدلة قد اختلفوا فيما بينهم داخل المذهب الواحد

стр. 546

والخلاف بين المذاهب أوسع، فقد مر معنا قول القَرَافِيّ ﵀ في الحِجاج وجعلها سبعَ عشرةَ وابن رُشْد ﵀ يقول: «والقضاء يكون بأربعٍ: بالشهادة وباليمين وبالنكول وبالإقرار أو بما تركب من هذه» (١). وفي قواعد الفقه، ينقِل عن ابن نُجَيْم: «الحجة ما استدل به على صحة الدعوى وهي بينة عادلة أو إقرار أو نكول عن يمين أو بيمين أو قَسامة أو علم القاضي بعد توليته أو قرينة قاطعة كذا في الأشباه» (٢). ولعله يُعتذَر عن ذلك بأنهم قصدوا بعض القضايا دون بعض أو أجملوا في مواضع تاركين التفصيل لأخرى، ولكن الذي لا يخفى أن القول بحصر أدلة الإثبات في كل القضايا بما شهد له الشرع نصًا أو استنباطًا محل نظر وليس عليه عملهم وإن صرح به البعض. وقبل أن نشرع في بيان أدلة القائلين بحصر أدلة الإثبات وعدم اعتبار القرائن، نبين أن البعض حصر أدلة الإثبات، ولكن عمل بالقرائن حتى في الحدود كالمالكية، وذلك أنهم عملوا فيها بقضاء الصحابة-رضوان الله عليهم.

стр. 547

* الفرع الرابع: أدلة القائلين بعدم اعتبار القرائن: ١ - أن الحكم لله وأن طرائقه منه، فهي أيضًا تستمد من الشرع وقد قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]. ٢ - عن ابن عباسٍ ﵁ «أَن هِلالَ بن أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النبي ﷺ بِشَرِيكِ بن سَحْمَاءَ فقال النبي ﷺ : الْبَيِّنَةُ أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ فقال: يا رَسُولَ اللهِ إذا رَأَى أَحَدُنَا على امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ فَجَعَلَ يقول: الْبَيِّنَةَ وَإِلا حَدٌّ في ظَهْرِكَ» (١). والشاهد من الحديث أنه لم يرض بغير البينة وهي ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] وقد يجاب بأن الرجل لم يقم الدليل القاطع على صدق ما يقول فلزمه الحد. وقد يجاب بأن هذا في حد الزنا دون غيره لتشوف الشارع للستر. ويمكن أن يجاب بأن هذا في الحدود كافة دون غيرها لأنها تدرأ بالشبهات، ويستوثق في إقامتها بما لا يكون في غيرها كقضايا الأموال التي قضي فيها بأهون من ذلك بكثير. ٣ - عن الأَشْعَث بن قَيْسٍ قال: «كانت لي بِئْرٌ في أَرْضِ ابن عَمٍّ لي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فقال: بَيِّنَتُكَ أو يَمِينُهُ قلت: إِذًا يَحْلِفُ عليها يا رَسُولَ اللهِ فقال رسول اللهِ ﷺ : من حَلَفَ على يَمِينِ صَبْرٍ وهو فيها فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ يوم الْقِيَامَةِ وهو عليه غَضْبَانُ» (٢).

стр. 548

ويجاب بأنه لا دليل له، وقوله ليس أولى من قول ابن عمه ولم يأت لا بشهود ولا بأي دليل على دعواه، وهذا غير الحكم بالقرائن التي يكون بعضها قاطعًا. ٤ - عن الْقَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ قال: «ذكر ابن عَبَّاسٍ المُتَلاعِنَينِ فقال عبد اللهِ بن شَدَّادٍ هِيَ التي قال رسول اللهِ ﷺ : لو كنت رَاجِمًا امْرَأَةً عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ قال [أي ابن عباس] لا تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ» (١). والشاهد أنه لا يرجم من غير بينة، وإن كانت هناك قرينة على الزنا. ويجاب عليه بالأجوبة على حديث هلال، وبأن القرينة كانت ضعيفة، فقد جاء بيانها فيما رواه ابن ماجه عن ابن عَبَّاسٍ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : «لو كنت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ فُلَانَةَ فَقَدْ ظَهَرَ منها الرِّيبَةُ في مَنْطِقِهَا وَهَيْئَتِهَا وَمَنْ يَدْخُلُ عليها» (٢) والهيئة والمنطق ودخول الأجانب على المرأة قرينة ضعيفة بلا شك على الزنا. ٥ - وعن ابن عبَّاس ﵁: «شَرِبَ رَجُلٌ فَسَكِرَ فَلُقِيَ يَمِيلُ في الْفَجِّ فَانْطُلِقَ بِهِ إلى النبي ﷺ فلما حَاذَى بِدَارِ الْعَبَّاسِ انْفَلَتَ فَدَخَلَ على الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ فَذُكِرَ ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ وقال: أَفَعَلَهَا ولم يَأْمُرْ فيه بِشَيْءٍ» (٣). والشاهد عدم قضائه ﷺ بحده رَغم قرينة السكر، وقد يجاب بأن قرينة الرائحة والتقيؤ مع وجود السكر أقوى من السكر وحده. والجواب الأقوى هو ما أجاب به الحافظ ﵀ في الفتح حيث قال: «وأخرج الطَّبَرِيّ من وجه آخر عن ابن عباس ما ضرب رسول الله ﷺ في الخمر إلا أخيرًا ولقد غزا تبوك فغشى حجرته من الليل سكران

стр. 549

فقال ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله. والجواب أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد لأن أبا بكر تحرى ما كان النبي ﷺ ضرب السكران فصيره حدًّا واستمر عليه وكذا استمر من بعده وإن اختلفوا في العدد. وجمع القُرْطُبِيّ بين الأخبار بأنه لم يكن أولا في شرب الخمر حد وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس. ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها ثم شرع الحد» (١). ٦ - روي أنه أُتي برجل وُجِد في خَرِبة بيده سِكِّين ملطخةٌ بدم، وبين يديه قتيل يتشحَّط في دمه، فسأله علي ﵁ فقال: «أنا قتلته»، قال علي: «اذهبوا به فاقتلوه»، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعًا، فقال: «يا قوم لا تعجلوا ردّوه إلى علي»، فردوه، فقال الرجل: «يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته» فقال علي للأول: «ما حملك على أن قلت: أنا قتلته ولم تقتله؟» قال: «يا أمير المؤمنين وما أستطيع أن أصنع وقد وقف العَسَس على الرجل يتشحَّط في دمه وأنا واقف وفي يدي سكين وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خَربة، فخفت ألا يُقبَل مني وأن يكون قَسَامة فاعترفت بما لم أصنع واحتسبت نفسي عند الله»، فقال علي: «بئسما صنعت فكيف كان حديثك؟» قال: «إني رجل قصَّاب وخرجت إلى حانوتي في الغَلَس فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أصلحها والسكين في يدي أخذني البول فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه، فراعني أمره فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا وأخذوني فقال الناس: «هذا قتل هذا ما له قاتل سواه»، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه»، فقال علي للمقر الثاني: «فأنت كيف قصتك؟» فقال: «أغواني

стр. 550

الشيطان فقتلت الرجل طمعًا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصَفَ فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس فأخذوه وأتَوك به، فلما أمرتَ بقتله علمتُ أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق». فقال للحسين ﵁: «ما الحكم في هذا؟» قال: «يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فخلّى عليّ عنهما، وأخرج دِيَة القتيل من بيت المال» (١) والشاهد أن هذه القصة فيها طعن فيما يعده الفقهاء القائلون بالحكم بالقرائن من القرائن القطعية، فإن الرجل قد قبض عليه، وفي يده آلة الجريمة، وهو خارج من الخربة التي فيها القتيل. ولكن في القصة إشكالا، قال ابن القَيِّم «وهذا إن كان صلحا وقع برضا الأولياء فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم فالمعروف من أقوال الفقهاء أن القِصاص لا يسقط بذلك؛ لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه ولم يوجد ما يسقطه فيتعين استيفاؤه، وبعد فلحكم أمير المؤمنين وجه قوي» (١). والرد على هذه القصة -إن صحت- أنها من النادر الذي لا حكم له ولو تتبع لتعطلت مصالح العباد، ثم إن القصة لا تبين خطأ القرينة فحسب، بل خطأ الإقرار أيضًا؛ فهل نطعن في حجية الإقرار؟ وقد يكذب الشاهدان، فهل يطعن ذلك على العمل بالشاهدين؟ ولكن يستفاد من القصة ضرورة التحري والتدقيق لأن إشاطة الدماء من غير ذلك مما لا يليق بالمؤمنين. ٧ - وعن علقمة بن وائل عن أبيه: «أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه من نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم

стр. 551

مرّ ذوو عَدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر فأتوا به النبي ﷺ فقال الرجل: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني فقالت: كذب، هو الذي وقع عليَّ .. فقال رسول الله ﷺ : انطلقوا به فارجموه فقام رجل فقال: لا ترجموه فارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل واعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ : الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة. فقال ﷺ : أما أنت فقد غفر لك، وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر ﵁: ارجم الذي اعترف بالزنا، فأبى رسول الله ﷺ وقال: لا، لأنه قد تاب». وفي رواية فقالوا: «يا رسول الله ارجمه، فقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم». وعند التِّرْمِذِيّ أمر برجمه، فقال: «ارجموه لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم» (١). ولكن في الرواية اضطرابًا وهو ورود روايتين أحدهما أنه أمر برجمه والأخرى أنه لم يأمر، ولذا قال ابن القَيِّم: «وهذا الحديث إسناده على شرط مسلم، ولعله تركه لهذا الاضطراب في متنه» وإن سلم الحديث، فليس احتجاج المانع من اعتبار القرائن به بأولى من احتجاج القائل بها، قال ابن القَيِّم ﵀: «فيقال: -والله أعلم- إن هذا مثال إقامة الحد باللوث الظاهر القوي، فإنه أدرك وهو يشتد هاربًا بين أيدي القوم، واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى أنه كان مغيثا لها، وقالت المرأة: «هو هذا» وهذا لوث ظاهر، وقد أقام

стр. 552

الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه وهو الحمل والرائحة ... ولما انكشف الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه، كما لو شهد أربعة بزنا المرأة لم يحكم برجمها إذا ظهر أنها عذراء أو ظهر كذبهم» (١). فابن القَيِّم هنا يقول إنه ﷺ أمر برجم الرجل الذي وجد عند المرأة وليس هناك ما يدعوه إلى إصدار هذا الحكم بالرجم إلا القرائن الظاهرة. وابن العَرَبِيّ يجعل الأمر بالرجم لاستخراج الحق ولا يجوزه لغير الرسول ﷺ (٢). وجوابه ﵀ لا يخلو من نظر، ففيه تحكم، والتخصيص لا يظهر، ودعواه مفتقرة إلى الدليل، والأصل في فعله التأسي. ولكن اضطراب الرواية يجعل الحديث مما لا ينبغي أن يستدل به أي من الفريقين. ٨ - قد توجد المسروقات لدى بريء كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٦٩] وهذا صحيح ولكن القاضي لا يأخذ القرائن بمعزل عن غيرها من السياق والسباق والأحوال والشواهد والملابسات، ولكنْ يُعمل ذِهنَه في طلب الحقيقة، آخذًا في اعتباره كل ما لديه من أدوات الوصول إليها، ومنها القرائن. وأساليب التحقيق الجنائي الحديثة قد حققت من التقدم ما لا ينبغي التغافل عنه. وإن هذا الوزير نافذ الأمر قد يأمر عشرة من غير أقاربه وأعوانه لا اثنين أن يشهدوا له على خصمه إن شاء.

стр. 553

٩ - أنه لا يؤمن على الناس من حيف الظلمة من القضاة والحكام إن أطلقنا ولم نحصر أدلة الإثبات. ويجاب على ذلك أن هؤلاء الظلمة لن تُعْوزهم الحيلة على الظلم، وإن استشهاد اثنين أو ثلاثة من غير المعروفين بالتُّهْمة مما يقدرون عليه. كذلك، فإن القاضي ليس حكمه نهائيًا، بل يُرفع الأمر إلى من هو أرفع منه إن كان ثمَّةَ حيفٌ ظاهر، ويُنقض حكمه إن خالف صريح النصوص أو الإجماع أو صحيح النظر.

стр. 554

* الفرع الخامس: أدلة القائلين باعتبار القرائن: ١ - قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قال ابن العَرَبِيّ ﵀: «قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ... الآية فيها ثلاث مسائل المسألة الأولى أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم فروي في الإسرائيليات أن الله تعالى قرن بهذه العلامة علامة تعارضها وهي سلامة القميص في التلبيب والعلامات إذا تعارضت تعين الترجيح فيقضى بجانب الرجحان وهي قوة التُّهْمَة لوجوه تضمنها القرآن منها طلبهم إياه شفقة ولم يكن من فعلهم ما يناسبها فيشهد بصدقها بل كان سبق ضدها وهي تبرمهم به ومنها أن الدم محتمل أن يكون في القميص موضوعا ولا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس للقميص ويسلم القميص من تخريق وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات وتعارضها» (١). وقال القُرْطُبِيّ ﵀: «استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه كالقَسامة وغيرها وأجمعوا على أن يعقوب ﵇ استدل على كذبهم بصحة القميص وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهي قوة التُّهْمَة ولا خلاف بالحكم بها قاله ابن العَرَبِيّ» (٢).

стр. 555

٢ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥ - ٢٨]. قال محمد الأمين الشِّنْقِيطِيّ ﵀: «يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين وكذب الآخر، لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب، لأن كون القميص مشقوقًا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب جعلوا على قميصه دم سخلة ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها وهي عدم شق القميص فقال سبحان الله متى كان الذئب حليمًا كيسًا يقتل يوسف ولا يشق قميصه ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن» (١).

стр. 556

والقرينة في هذه الآية لا تسلم من الاعتراض ولا تفيد القطع وحدها، فإن المرأة ربما أنكرت على غلامها قصدها لفعل الفاحشة فهرب منها وأدركته من الدبر. واعترض عليها بأن الشاهد كان صبيًا في المهد فيكون كلامه هو الدليل لا القرينة وبأن ذلك من شرع من قبلنا. ويجيب على هذه الاعتراضات الدكتور عوض عبد الله فيقول: «القرائن كانت كثيرة وكفيلة بصرف هذه التُّهْمَة عنه، أما القرينة المذكورة في الآية إنما جاءت دليلا مرجحا ومقويا لتلك القرائن، ومن هذه القرائن التي ذكرها المفسرون أن يوسف ﵇ كان عبدا في ظاهر الأمر والعبد لا يمكن أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، كما أنهم رأوا أن المرأة زيّنت نفسها على أكمل الوجوه، ولم يكن على يوسف ﵇ آثار للتزين. ثم إنّ أحوال يوسف ﵇ في المدة الطويلة تدل على براءته ... » ويقول مجيبًا على الاعتراض الثاني: «وقد دفع هذا الاعتراض بأنه يستبعد أن يكون الشاهد صبيا بل كان رجلا حكيما وهو الذي يناسب سياق الآية، فلو أنطق الله الطفل لكان كافيا قوله: «إنها كاذبة» ولما احتاج إلى نصب العلامة، ثم قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] ليكون أولى بالقبول في حق المرأة ولو كان صبيا لا يتفاوت الحال كونه من أهلها أو من غير أهلها. كما أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف إلا لمن تقدمت معرفته بالواقعة وإحاطته بها. وقيل: إنه لا تعارض بين كونه صبيًّا تكلم في المهد وبين الأمارة المنصوبة، فقد يتكلم الصبي، ومع ذلك ينبههم إلى الدليل الذي غفلوا عنه وهي أمارة القميص» (١).

стр. 557

٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ قال: «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جاء الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فقالت هذه لِصَاحِبَتِهَا إنما ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ وَقَالَتْ الأُخْرَى إنما ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إلى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا على سُلَيْمَانَ بن دَاوُدَ ﵉ فَأَخْبَرَتَاهُ فقال ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا فقالت الصُّغْرَى لا؛ يَرْحَمُكَ الله، هو ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» (١). والشاهد أنه استدل بشفقة إحداهما دون الأخرى على أمومتها. ٤ - عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النبي ﷺ قال: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» (٢) فجعل ﷺ صماتها قرينة على الرضا. والشاهد أنه ﷺ جعل سكوت البكر قرينة على رضاها وأقر العمل بها. ٥ - وحين أجليت بنو النَّضِير قال رسول اللهِ ﷺ لعم حُيَيِّ بن أَخْطَب: «ما فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الذي جاء بِهِ من النَّضِيرِ قال: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ قال: الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ من ذلك فَدَفَعَهُ رسول اللهِ ﷺ إلَى الزُّبَيْرِ فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ وقد كان قبل ذلك دخل خَرِبَةً فقال قد رَأَيْت حُيَيًّا يَطُوفُ في خَرِبَةٍ ههنا فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ في الْخَرِبَةِ فَقَتَلَ رسول اللهِ ﷺ ابْنَيْ أبي الْحُقَيْقِ وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيَّةَ بِالنَّكْثِ الذي نَكَثُوا» (٣).

стр. 558

والشاهد أنه ما كان ليمسه بعذاب إلا لأنه اقتنع بكذبه بناءً على شواهد الأحوال (العهد قريب والمال كثير). ٦ - وعن زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال: «عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بها فَإِنْ جاء رَبُّهَا فَأَدِّهَا إليه» (١). فجعل ﷺ وصفه لها قرينة على ملكيته. ٧ - وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: «بَيْنَا أنا وَاقِفٌ في الصَّفِّ يوم بَدْرٍ نَظَرْتُ عن يَمِينِي وَشِمَالِي فإذا أنا بين غُلَامَيْنِ من الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ لو كنت بين أَضْلَعَ مِنْهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فقال يا عَمِّ هل تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ قال قلت نعم وما حَاجَتُكَ إليه يا بن أَخِي قال أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَئِنْ رَأَيْتُهُ لا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حتى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا قال فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الآخَرُ فقال مِثْلَهَا قال فلم أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إلى أبي جَهْلٍ يَزُولُ في الناس فقلت ألا تَرَيَانِ، هذا صَاحِبُكُمَا الذي تَسْأَلانِ عنه. قال: فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حتى قَتَلاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلى رسول اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فقال: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ فقال كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أنا قَتَلْتُ. فقال هل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قالا لا. فَنَظَرَ في السَّيْفَيْنِ فقال كِلاكُمَا قَتَلَهُ وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بن عَمْرِو بن الْجَمُوحِ وَالرَّجُلانِ مُعَاذُ بن عَمْرِو بن الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بن عَفْرَاء» (٢). والشاهد أنه حكم بالسلَب لمن كان سيفه أعمق في جسد أبي جهل بدلالة الدم الذي عليه.

стр. 559

٨ - أنه ﷺ وأصحابه حكموا بالقافة وليست إلا علامة. ٩ - وقال عمر بن الخطابِ وهو جالس على منبرِ رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ قد بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عليه الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عليه آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رسول اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إن طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله وَإِنَّ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ حَقٌّ على من زَنَى إذا أَحْصَنَ من الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أو كان الْحَبَلُ أو الِاعْتِرَافُ» (١). وهذا صحيح صريح من قوله ﵁ وجاء فعله مطابقًا لذلك وليس الحمل إلا علامة على حصول الزنا. وعمر يعرف خطر هذا الحد فهو الذي حد بالقذف ثلاثة من أصحاب محمد ﷺ شهدوا بالزنا مع رابع ثم نكل هذا الرابع عن شهادته (٢). وروى سعيد بن منصور: «أتي عثمان فى امرأة ولدت فى ستة أشهر فأمر برجمها فقال ابن عباس أدنوني منه فأدنوه فقال إنها تخاصمك بكتاب الله يقول الله ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ويقول فى آية أخرى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فردها عثمان وخلى سبيلها» (٣). وصحح الحافظ ﵀ الحديث من رواية ابن وَهْب وذكر اختلافهم فيمن وقعت له الحادثة بين عمر وعثمان ومن ناظره بين علي وابن عباس-رضي الله عن الجميع (٤).

стр. 560

وعنِ عبد الرحمن بن حاطبٍ عن أبيه: «أَنّ حَاطِبًا تُوُفِّيَ وَأَعْتَقَ من صلى من رَقِيقِهِ وَصَامَ. وَكَانَتْ له وَلِيدَةٌ نُوبِيَّةٌ قد صَلَّتْ وَصَامَتْ وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ لم تَفْقَهْ فلم يَرُعْهُ إِلاَّ حَمْلُهَا. فَذَهَبَ إلَى عُمَرَ فَزِعًا، فقال له عُمَرُ أنت الرَّجُلُ الذي لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا عُمَرُ أَحَبَلْتِ؟ فقالت نعم من مَرْعُوشٍ بِدِرْهَمَيْنِ؛ فإذا هِيَ تَسْتَهِلُّ بِهِ. وَصَادَفَتْ عِنْدَهُ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بن عَفَّانَ وَعَبْدَ الرحمن بن عَوْفٍ، فقال أَشِيرُوا عَلي وَعُثْمَانُ جَالِسٌ فَاضْطَجَعَ فقال عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرحمن قد وَقَعَ عليها الْحَدُّ. قال أَشِرْ عَلَيَّ يا عُثْمَانُ. قال قد أَشَارَ عَلَيْك أَخَوَاك. قال أَشِرْ عَلي أنت. قال أَرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لَا تَعْلَمُهُ، وَلَيْسَ الْحَدُّ إِلاَّ على من عَلِمَهُ، فَأَمَرَ بها فَجُلِدَتْ مِائَةً وَغَرَّبَهَا (١)» (٢). وقد يجاب عن هذه الآثار بأن عمر ﵁ لم يحد كل حامل فقد روى عبد الرزاق عن طارق بن شهاب قال: بلغ عمر أن امرأة مُتعبِّدَة حمَلَت فقال عُمَر أراها قامت من الليل تُصلي فخَشَعَت فسَجَدَت فأتاها غاوٍ مِن الغُواة فتَجثَّمَها، فأتته فحدثته بذلك سواء فخلي سبيلها (٣). وروى ابن أبي شَيْبَة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزَّال بن سبرة قال بينما نحن بمنى مع عمر إذا امرأة ضخمة على حمارة تبكي؛ قد كاد الناس أن يقتلوها من الزحام، يقولون زنيت. فلما انتهت إلى عمر قال ما يبكيك؟ إن امرأة ربما استكرهت! فقالت كنت امرأة ثقيلة الرأس وكان الله يرزقني من صلاة الليل فصليت ليلة ثم نمت فوالله ما أيقظني إلا الرجل قد ركبني فرأيت إليه مُقَفِّيا ما أدري من هو من خلق الله فقال عمر لو قتلت هذه خَشِيت على الأخشبين النار ثم كتب إلى الأمصار ألا تقتل نفس دونه» (٤).

стр. 561

والجواب على الأثرين أن الناس قد علموا أن الحامل بلا زوج تحد وأن عمر إنما درأ عنها الحد للشبهة، ولكن هذه شبهة يمكن لكل أحد أن يدعيها! وقد يقال بحصر استعمال العلامات في حدي الخمر والزنا، ولكن لم؟ إن هذا قد ثبت من عمل الصحابة في هذين الحدين، ولو كانت هناك قرائن قاطعة في غيرهما لعملوا بها، سيما وأن حد الزنا يتشدد في إثباته بما لا يفعل في حد غيره. إننا إذا وسعنا دائرة استعمال القرائن في كل الحدود، لكنا موافقين لطريقة الصحابة ومنهجهم وإن كان عين الحكم بالقرائن إنما ثبت عنهم في هذين الحدين. بقِي أن الحدود مما يدرأ بالشبهات وقول الجمهور من المذاهب الأربعة بعدم اعتبار القرائن في الحدود يحدث شبهة قوية تدفع الحد ولكن لا تدفع التُّهْمَة إن ثبتت بالقرينة القاطعة ولا تدفع العقوبة الملائمة لهذه التُّهْمَة. هذا في القرائن التي لم يكن عليها العمل في زمان الصحابة، أما الحمل ورائحة الخمر وتقيؤها، فإن النفس تطمئن لمتابعة عمل الصحابة فيها سيما مع عدم وجود المنكر منهم لتلك الحدود التي أقيمت بمحْضَرِهم. ولكن تدرأ تلك الحدود بأدنى شبهة، كاستكراه النائمة، وتصدق دعواها -سيما مع عدم وجود التُّهْمَة - كما فعلوا ﵃. ١٠ - وعن السائب بن يزيد ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان [عبيد الله ابنه] ريح شراب فزَعَم أنه شَرابُ الطِّلاء وأنا سائلٌ عمَّا شرِبَ فإن كان يُسْكِر جَلَدته فجَلَدَه عمر بن الخطاب ﵁ الحدَّ تامًّا» (١).

стр. 562

١١ - وأُتي عثمان بن عفان بِالوليد بن عقبة فشهِد عليه حُمْرَانُ ورجل آخر؛ فشهد أحدهما أنه رآه شرِبها يعني الخمر وشهِد الآخَر أنه رآه يتقيَّأها فقال عثمان: «إنه لم يتقيأها حتى شَرِبَهَا فقال لِعَلِيٍّ ﵁ أَقِمْ عليه الْحَدَّ فقال على لِلْحَسَنِ أَقِمْ عليه الْحَدَّ فقال الْحَسَنُ وَلِّ حَارَّهَا من تَوَلَّى قَارَّهَا، فقال عَلِيٌّ لِعَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ أَقِمْ عليه الْحَدَّ، قال فَأَخَذَ السَّوْطَ فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ، فلما بَلَغَ أَرْبَعِينَ قال حَسْبُكَ جَلَدَ النبي ﷺ أَرْبَعِينَ أَحْسَبُهُ قال وَجَلَدَ أبو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إلي» (١). وهذا أمر حصل بمحضَر من الصحابة من غير نكير وورد مثله عن عمر - كما ذكرنا - وابن مسعود كذلك. ١٢ - عمل الفقهاء بالقرائن: لا شك أن أمثلة عمل فقهاء المذاهب الأربعة بالقرائن لا تنحصر وقد مثلنا من قبل لعمل فقهاء الحنفية - وهم أضيق المذاهب في اعتبار القرائن - بأمثلة تبين المقصود وتغني عن الإعادة. ولكن ينبغي أن ننوه على أنهم اتفقوا على قرينة الحيازة أو اليد (٢) وقرينة قبول الرجل التهنئة وشراء لوازم الولادة على أن الولد منه، وإهداء العروس يوم الزفاف على أنها امرأته التي عقد عليها (٣). وجمهورهم يأخذون بقرينة الاستعمال (٤)

стр. 563

والصَّلاحِيَة (١) وبالعلامة في بدن اللقيط ومكان وجده ووصف اللُّقَطَةِ (٢)، وبالآلة المستعملة في القتل على العمدية (٣)، وفتح أبواب دار والأذان فيه على وقفه مسجدًا (٤)، وغير ذلك كثير. ١٣ - أما استدلالهم بالمعقول، فلهم في هذا الحجة الظاهرة، وليس أجمع ولا أجمل من قول الإمام ابن القَيِّم ﵀ في ذلك حيث قال عن الحكم بالقرائن: «وهذا موضع مزَلَّة أقدام، ومضَلَّة أفهام، وهو مقام ضَنْك، ومُعْتَرَك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول ﷺ وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك:

стр. 564

نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرا طويلا، وفسادا عريضا فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه. فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات. فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها؛ بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له. فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات» (١). • الفرع السادس: الترجيح: إن الذي يظهر هو أن العمل بالقرائن مجمع عليه، والحنفية والشافعية يعملون بها ولكن في غير الحدود والقصاص وأخذهم بالقرائن الحسية والحالية أكثر وهم صرحوا

стр. 565

بالعمل بالقطعية منها. والأدلة شاهدة على العمل بالقرائن في غير الحدود والقِصاص، سيما فيما يتعلق بالخصومات بين العباد، وهذا الذي ينبغي المصير إليه، ولا يتحقق العدل من غيره، ولا يكون للقضاء والقانون هيبة إلا به، فإن أنواع الجريمة تتعدد وأساليبها ليست تنحصر وهي تزداد يومًا بعد يوم، فكيف نحصر أدلة الإثبات ونكبل أيدي القضاة؟ وإذا لم نأخذ بالدليل المادي، فكيف نتعامل مع جرائم الشبكة المعلوماتية؟ وكيف نطرح الطب الشرعي وأدواته التي تبلغ مبلغ اليقين في إثبات ما تتصدى لإثباته، كما هو الحال في البصمة الوراثية مثلا. أما الحدود والقصاص، فلابد من العمل بالقرائن فيهما في مرحلة التحقيق الجنائي للتضييق على المتهم (١) واستدراجه، ثم إنه إن كانت القرينة قاطعة، ولم تكن هناك بينة مما جرى العمل عليه مما في نصوص الوحيين وعمل الصحابة، دفع الحد بالشبهة، ولزمت العقوبة التعزيرية التي يقدرها القضاء. فإن درء الحد لا يعني المنع من العقوبة بالكلية (٢). وإذا أدى استعمال القرينة إلى الإقرار فالإقرار عندها هو الدليل. وإنما كان ذلك في الحدود لأنها تدرء بالشبهات وأكثرها حق لله ينبني على المسامحة. أما شرب الخمر، فيقضى فيها بالقرينة القاطعة سواءٌ التي جرى العمل بها أو ما يساويها أو يزيد عليها، فيحد شاربها بذلك، وهذا لما لها من خطر عظيم على المجتمع،
следующие страницы →