← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 685

أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء

حاتم الحاج

Полный текст (739 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

والجواب على الأثرين أن الناس قد علموا أن الحامل بلا زوج تحد وأن عمر إنما درأ عنها الحد للشبهة، ولكن هذه شبهة يمكن لكل أحد أن يدعيها! وقد يقال بحصر استعمال العلامات في حدي الخمر والزنا، ولكن لم؟ إن هذا قد ثبت من عمل الصحابة في هذين الحدين، ولو كانت هناك قرائن قاطعة في غيرهما لعملوا بها، سيما وأن حد الزنا يتشدد في إثباته بما لا يفعل في حد غيره. إننا إذا وسعنا دائرة استعمال القرائن في كل الحدود، لكنا موافقين لطريقة الصحابة ومنهجهم وإن كان عين الحكم بالقرائن إنما ثبت عنهم في هذين الحدين. بقِي أن الحدود مما يدرأ بالشبهات وقول الجمهور من المذاهب الأربعة بعدم اعتبار القرائن في الحدود يحدث شبهة قوية تدفع الحد ولكن لا تدفع التُّهْمَة إن ثبتت بالقرينة القاطعة ولا تدفع العقوبة الملائمة لهذه التُّهْمَة. هذا في القرائن التي لم يكن عليها العمل في زمان الصحابة، أما الحمل ورائحة الخمر وتقيؤها، فإن النفس تطمئن لمتابعة عمل الصحابة فيها سيما مع عدم وجود المنكر منهم لتلك الحدود التي أقيمت بمحْضَرِهم. ولكن تدرأ تلك الحدود بأدنى شبهة، كاستكراه النائمة، وتصدق دعواها -سيما مع عدم وجود التُّهْمَة - كما فعلوا ﵃. ١٠ - وعن السائب بن يزيد ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان [عبيد الله ابنه] ريح شراب فزَعَم أنه شَرابُ الطِّلاء وأنا سائلٌ عمَّا شرِبَ فإن كان يُسْكِر جَلَدته فجَلَدَه عمر بن الخطاب ﵁ الحدَّ تامًّا» (١).

стр. 562

١١ - وأُتي عثمان بن عفان بِالوليد بن عقبة فشهِد عليه حُمْرَانُ ورجل آخر؛ فشهد أحدهما أنه رآه شرِبها يعني الخمر وشهِد الآخَر أنه رآه يتقيَّأها فقال عثمان: «إنه لم يتقيأها حتى شَرِبَهَا فقال لِعَلِيٍّ ﵁ أَقِمْ عليه الْحَدَّ فقال على لِلْحَسَنِ أَقِمْ عليه الْحَدَّ فقال الْحَسَنُ وَلِّ حَارَّهَا من تَوَلَّى قَارَّهَا، فقال عَلِيٌّ لِعَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ أَقِمْ عليه الْحَدَّ، قال فَأَخَذَ السَّوْطَ فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ، فلما بَلَغَ أَرْبَعِينَ قال حَسْبُكَ جَلَدَ النبي ﷺ أَرْبَعِينَ أَحْسَبُهُ قال وَجَلَدَ أبو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إلي» (١). وهذا أمر حصل بمحضَر من الصحابة من غير نكير وورد مثله عن عمر - كما ذكرنا - وابن مسعود كذلك. ١٢ - عمل الفقهاء بالقرائن: لا شك أن أمثلة عمل فقهاء المذاهب الأربعة بالقرائن لا تنحصر وقد مثلنا من قبل لعمل فقهاء الحنفية - وهم أضيق المذاهب في اعتبار القرائن - بأمثلة تبين المقصود وتغني عن الإعادة. ولكن ينبغي أن ننوه على أنهم اتفقوا على قرينة الحيازة أو اليد (٢) وقرينة قبول الرجل التهنئة وشراء لوازم الولادة على أن الولد منه، وإهداء العروس يوم الزفاف على أنها امرأته التي عقد عليها (٣). وجمهورهم يأخذون بقرينة الاستعمال (٤)

стр. 563

والصَّلاحِيَة (١) وبالعلامة في بدن اللقيط ومكان وجده ووصف اللُّقَطَةِ (٢)، وبالآلة المستعملة في القتل على العمدية (٣)، وفتح أبواب دار والأذان فيه على وقفه مسجدًا (٤)، وغير ذلك كثير. ١٣ - أما استدلالهم بالمعقول، فلهم في هذا الحجة الظاهرة، وليس أجمع ولا أجمل من قول الإمام ابن القَيِّم ﵀ في ذلك حيث قال عن الحكم بالقرائن: «وهذا موضع مزَلَّة أقدام، ومضَلَّة أفهام، وهو مقام ضَنْك، ومُعْتَرَك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع. ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول ﷺ وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك:

стр. 564

نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرا طويلا، وفسادا عريضا فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه. فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات. فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها؛ بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له. فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات» (١). • الفرع السادس: الترجيح: إن الذي يظهر هو أن العمل بالقرائن مجمع عليه، والحنفية والشافعية يعملون بها ولكن في غير الحدود والقصاص وأخذهم بالقرائن الحسية والحالية أكثر وهم صرحوا

стр. 565

بالعمل بالقطعية منها. والأدلة شاهدة على العمل بالقرائن في غير الحدود والقِصاص، سيما فيما يتعلق بالخصومات بين العباد، وهذا الذي ينبغي المصير إليه، ولا يتحقق العدل من غيره، ولا يكون للقضاء والقانون هيبة إلا به، فإن أنواع الجريمة تتعدد وأساليبها ليست تنحصر وهي تزداد يومًا بعد يوم، فكيف نحصر أدلة الإثبات ونكبل أيدي القضاة؟ وإذا لم نأخذ بالدليل المادي، فكيف نتعامل مع جرائم الشبكة المعلوماتية؟ وكيف نطرح الطب الشرعي وأدواته التي تبلغ مبلغ اليقين في إثبات ما تتصدى لإثباته، كما هو الحال في البصمة الوراثية مثلا. أما الحدود والقصاص، فلابد من العمل بالقرائن فيهما في مرحلة التحقيق الجنائي للتضييق على المتهم (١) واستدراجه، ثم إنه إن كانت القرينة قاطعة، ولم تكن هناك بينة مما جرى العمل عليه مما في نصوص الوحيين وعمل الصحابة، دفع الحد بالشبهة، ولزمت العقوبة التعزيرية التي يقدرها القضاء. فإن درء الحد لا يعني المنع من العقوبة بالكلية (٢). وإذا أدى استعمال القرينة إلى الإقرار فالإقرار عندها هو الدليل. وإنما كان ذلك في الحدود لأنها تدرء بالشبهات وأكثرها حق لله ينبني على المسامحة. أما شرب الخمر، فيقضى فيها بالقرينة القاطعة سواءٌ التي جرى العمل بها أو ما يساويها أو يزيد عليها، فيحد شاربها بذلك، وهذا لما لها من خطر عظيم على المجتمع،

стр. 566

ولثبوت ذلك عن رهط من الصحابة، وذلك بالطبع إن لم يدفع المتهم الحد عن نفسه بشبهة (١) يقبلها القاضي. وفي السرقة يغرم السارق إن وجد عنده مال للمسروق منه ويعاقب بعقوبة رادعة دون الحد. أما القِصاص فيقضى فيه بالدِّيَة لعظيم حق الدماء، ويقضى بتعزير لائق عند قوة القرينة مراعاةً لحق المجني عليه والمجتمع. وليس من نافلة القول أن في توسيع دائرة التعزير تمكينًا للقضاء من ردع المجرمين الذين تنوعت أشكال ووسائل غيهم وإفسادهم في الأرض. والتعزير مما يتغير ليناسب الزمان والمكان والحال، وفي ذلك يقول ابن القَيِّم ﵀: «النوع الثاني: ما يتغير بحسَب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسَب المصلحة» (٢). * * *

стр. 567

المطلب الثاني: تطور الطب الشرعي الطب الشرعي هو فرع من فروع الطب مختص بمعالجة القضايا التي ينظرها رجال القانون من وجهة طبية (١)، فهو إذًا خادم للقضاء والشرع، ومن ثم التسمية بالطب الشرعي أو العدلي في بعض البلدان (٢). • ومن اختصاصات الطب الشرعي أو العدلي: ١ - فحص المتهمين للكشف عن حالتهم العقلية وأعمارهم (٣). ٢ - الكشف على المجني عليهم من المصابين لتحديد وسيلة الإصابة وحجمها ومدى خطورتها على حياة المجني عليه (٤). ٣ - فحص المشتبه فيهم للتعرف على الجناة ومدى علاقتهم بالجريمة وذلك عن طرق الآثار المادية في مسرح الجريمة أو على أجسامهم وملابسهم (٤)، كوجود شعر القتيل على ملابس أحد المشتبه فيهم مع ادعائه عدم رؤية القتيل، ووجود بصمات اليدين على آلة الجريمة، وكذلك التأكد من نسبة المني للمُغتصِب عن طريق البصمة الوراثية. ٤ - تشريح جثث الموتى لمعرفة سبب الوفاة ووقتها والآلة المستخدمة ووجود تسمم ... إلخ (٥).

стр. 568

وقد تطور الطب الشرعي في الآونة الأخيرة تطورًا مذهلا، فيكفي أن وسائل تحديد هُوِيَّة الأشخاص ومعرفتهم من آثارهم الآن تشمَلُ ما يأتي: أ- بصمات الأصابع: إن البصمات لا تتشابه من شخص لآخر حتى لدى التوائم المتطابقة، فسبحان القائل: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٣ - ٤]. لذا فقد مضى مائة عام علي اعتبار بصمات الأصابع كدليل جنائي أمام المحاكم. وهي كما سبق، تعني فقط أن إصبع المتهم لمست الشيء الذي وجدت عليه بصمته. ب- بصمة الدي إن آيه DNA: أهم وأدق وسائل تحديد هُوِيَّة الأشخاص. وهي دقيقة بنسبة ١٠٠% كما سنبين في بحث إثبات النسب بالبصمة الوراثية. ج- بصمة العرق: لكل شخص بصمة عرق خاصة به تميزه، وتعرف عن طريق التحليل الطيفي. د- المني: ولتحديده أهمية كبيرة في إثبات جرائم الاغتصاب وسائر الجرائم الجنسية. ويمكن تحديد صاحبه بواسطة البصمة الوراثية. هـ- بصمة الشعر: والشعر يبقى ولا يتلف فيستعمل في إثبات هُوِيَّة الجناة عن طريق مواد نادرة تكون فيه أو تحليل الحمض الأميني.

стр. 569

و- بصمات الصوت: ولقد بدأ العمل بإضافتها إلى أجهزة الحاسب الآلي لدقتها في التمييز بين الأشخاص. ز- بصمة حدقة العين: ويعمل بها في العديد من مطارات العالم الآن، وهي في منتهى الدقة. ومن اختصاصات الطب الشرعي فحص جثث الموتى. ويمكن للطبيب الشرعي أن يتعرف على عمر القتيل ووقت القتل تقريبًا عن طريق حساب مراحل التيبس والتلون والتعفن والتجبن الموتي (١). ويمكن التعرف على آلة القتل واتجاه الضرب أو اختراق الرصاص للجسم عن طريق اتجاه الأنسجة الممزقة وسعة المدخل وطوق المسح - وهو حَاشِيَة سوداء تحصل حول الفتحة الدخولية - وإلى حد ما يمكن تحديد مسافة الإطلاق (٢). • إن التطور الحاصل في الطب الشرعي إن هو إلا نتيجة طبيعية للتطور الحاصل في كافة أنواع الطب، وإن ما كان مستحيلا - عرفًا - في وقت مضى، كإعادة عضو مقطوع إلى صاحبه، صار اليوم ممكنًا. وكذلك فإن ما كان لا يتخيل في مجال دقة تحديد الهُوِيَّة ومعرفة ملابسات الجريمة، صار اليوم ممكنًا مع هذا التطور الباهر في علم وصناعة الطب الشرعي. * * *

стр. 570

المطلب الثالث: أثر تطور الطب الشرعي على أدلة الإثبات والعمل بالقرائن في القضاء الإسلامي إنه مما ينبغي التأكيد عليه أولًا أن الوحي وعمل الرسول وأصحابه يقضي باعتبار القرائن، وأنه ليس من شيء في الوحي وعمل خير القرون يثبت بالقطع أن أدلة الإثبات تنحصر في وسائل بعينها. ولما صارت الجرائم تتعدد وسائلها وطرقها، كان من فضل الله على الناس لإقامة العدل ونشر الأمن أن تتطور أدوات التحقيق الجنائي والإثبات في القضاء. ومن أهم هذه الوسائل الطب الشرعي الذي أدى تطوره الباهر إلى الكشف عن الكثير من الجرائم وحفظ الكثير من الحقوق. إن عدم اعتبار هذه الوسائل النافعة في إقامة العدل في القضاء الإسلامي سيرجع علينا بالضرر في مجتمعاتنا لعدم القدرة على ردع الجناة الذين زادت حيلهم وتعددت وسائلهم. وإنه من مضار ذلك التي لا ينبغي أن تغفل هو شماتة الأعداء بالإسلام وأهله وتشنيعهم على القضاء الإسلامي، ووصفه بالقصور عن تحقيق مصالح البلاد والعباد. وإن من أعظم الأضرار، بل أعظمها، تزهيد الحكام والسلاطين في القضاء الإسلامي إذا رأوا أنه لا يتعاطى مع الواقع الجديد، فينصرفون إلى وضع قوانينهم والحكم بسياساتهم دون الرجوع إلى الشريعة السمحاء. ولقد حدث ذلك في عصور غلب عليها التقليد والجمود، فانصرف الحكام إلى الحكم بالسياسة وتركوا الوحي المنزل. وهذا وايم الله الانسلاخ من الدين وخلع ربقته من الأعناق.

стр. 571

إن عدم اعتبار البصمة الوراثية في إثبات البنوة أو حتى جعلها كالقيافة لهو أمر ينبغي أن يراجع. إن جلد المغتصَبَة بالقذف ومني المغتصب في فرجها، والطب الشرعي يستطيع أن يؤكد نسبته إليه، لثُلْمة في جبين أهل الإسلام، يراها العدو فيشمت وأهل الملة فيتحسرون. إن القول الذي ينبغي المصير إليه هو اعتبار القرائن والحكم بالدليل المادي وقول الخبير (١)، فإن غير ذلك لا يصلح لزماننا، وإن هذا لهو الأولى بمقاصد الشريعة، بل والأسعد حظًا بنصوص الوحيين.

стр. 572

فرع: فائدة فيما يستطيع الطب الشرعي أن يقدمه في جرائم الاغتصاب: إن اغتصاب امرأة محصنة قد يكون أنكى وأشد وأكثر قساوة من قتل النفس. وتكون لهذه الجريمة من الآثار النفسية على المرأة وأهلها ما يفوق الوصف، وما لا تعبر عنه الكلمات، ولذا ناسب تطبيق حد الحرابة على الفاعل كما جرى في المملكة العربية السعودية ومصر، سيما عندما تكتمل جوانب الحرابة من الخطف واستعمال السلاح. والجمهور - خلافًا للأحناف - يرون أن الحرابة تكون داخل البلد كما تكون خارجها (١). ولكن هذا إما يكون عند إثبات جريمة الاغتصاب أو الحرابة والأولى يَعُوزها أربعةُ شهود عدول والثانية اثنان، إن لم يعمل بالقرائن. وإن هذا لما يتعذر في أكثر الأحوال. فإذا ما لم تثبت التهمة على الجاني، كانت عقوبة المدَّعِيةِ أن تُحَد للقذف على خلاف بين الفقهاء في بعض التفاصيل. ولعل ذكر جانب من أقوالهم يفيد في حسن تصور القضية، ولم أجد أوفى وأنفس في الباب مما جاء عند المالكية ﵏ حيث جاء في شرح ميارة على نظم ابن عاصم: «وَإِنْ يَكُنْ ذَا الْغَصْبُ بِالدَّعْوَى فَفِي ... تَفْصِيلِهِ بَيَانٌ حُكْمُهُ يَفِي فَحَيْثُمَا الدَّعْوَى عَلَى مَنْ قَدْ شُهِرْ ... بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ نُظِرْ فَإِنْ تَكُنْ بَعْدَ التَّرَاخِي زَمَنَا ... حُدَّتْ لِقَذْفٍ وَبِحَمْل لِلزِّنَا وَحَيْثُمَا رَحِمُهَا مِنْهُ بَرِي ... فَالْحَدُّ تَسْتَوْجِبُهُ فِي الأَظْهَرِ وَذَاكَ فِي الْمَجْهُولِ حَالًا إنْ جُهِلْ ... حَالٌ لَهَا أَوْ لَمْ تَحُزْ صَوْنًا نُقِلْ وَإِنْ تَكُنْ مِمَّنْ لَهَا صَوْنٌ فَفِي ... وُجُوبِهِ تَخْرِيجًا الْخُلْفُ قُفِي

стр. 573

وَحَيْثُ قِيلَ لَا تُحَدُّ إنْ نَكَلْ ... فَالْمَهْرُ مَعْ يَمِينِهَا لَهُ حَصَلْ وَمَا عَلى الْمَشْهُورِ بِالْعَفَافِ ... مَهْرٌ وَلَا حَلْفٌ بِلَا خِلَافِ وَحَيْثُ دَعْوَى صَاحَبَتْ تَعَلُّقَا ... حَدُّ الزِّنَا يَسْقُطُ عَنْهَا مُطْلَقَا وَالْقَذْفُ فِيهِ الْحَدُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ ... وَحَلْفُهُ لَدَيْهِ غَيْرُ لَازِمِ وَمَنْ نَفَى الْحَدَّ فَعِنْدَهُ يَجِبْ ... تَحْلِيفُهُ بِأَنَّ دَعْوَاهَا كَذِبْ وَمِنْ نُكُولِهِ لَهَا الْيَمِينُ ... وَتَأْخُذُ الصَّدَاقَ مَا يَكُونُ وَحَدُّهَا لَهُ اتِّفَاقًا إنْ تَكُنْ ... لَيْسَ لَهَا صَوْنٌ وَلَا حَالٌ حَسَنْ وَعَدَمُ الْحَدِّ كَذَا لِلْمُنْبَهِمْ ... حَالًا إذَا كَانَتْ تَوَقَّى مَا يَصِمْ وَإِنْ تَكُنْ لَا تَتَوَقَّى ذَلِكَا ... فَالْحَلْفُ تَخْرِيجًا بَدَا هُنَالِكَا وَفِي ادِّعَائِهَا عَلَى الْمُشْتَهِرِ ... بِالْفِسْقِ حَالَتَانِ لِلْمُعْتَبِرِ حَالُ تَشَبُّثٍ وَبِكْرٌ تَدْمَى ... فَذِي سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهَا عَمَّا فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَإِنْ حَمْلٌ ظَهَرْ ... وَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ حَلْفٌ مُعْتَبَرْ وَحَيْثُ قِيلَ إنَّهَا تَسْتَوْجِبُهْ ... فَبَعْدَ حَلْفٍ فِي الأَصَحِّ تَطْلُبُهْ وَإِنْ يَكُنْ مَجْهُولَ حَالٍ فَيَجِبْ ... تَحْلِيفُهُ وَمَعْ نُكُولٍ يَنْقَلِبْ وَحَالَةٌ بَعْدَ زَمَانِ الْفِعْلِ ... فَالْحَدُّ سَاقِطٌ سِوَى مَعْ حَمْلِ وَلَا صَدَاقَ ثَمَّ إنْ لَمْ يَنْكَشِفْ ... مِنْ أَمْرِهِ بِالسَّجْنِ شَيْءٌ فَالْحَلِفْ وَإِنْ أَبَى مِن الْيَمِينِ حَلَفَتْ ... وَلِصَدَاقِ الْمِثْلِ مِنْهُ اسْتَوْجَبَتْ» (١) وحاصل ما في الأبيات أن المرأة المدَّعِية للاغتصاب إما أن تكون ممن تَتَوقَّى الرذيلة وما يصِمُها أو لا. والرجل المدعَى عليه إما صالح الحال أو مجهولُه أو معروفٌ بالفسق. وهي إما أن تأتي إلى القضاء مباشرة بعد وقوع الجريمة أو بعدها بزمن. فهذه أحوال اثتنا عشرة.

стр. 574

فلو أن صالحة الحال أتت مباشرة - متشبثة به أو بكر تدمى - فلها حال من ثلاثة: ١ - أن تدعي على صالح الحال، فلا حد عليها في الزنا اتفاقًا وقال ابن القاسم تحد للقذف، وقال غيره لا تحد وهل لها عليه يمين؟ قولان. ٢ - أن تدعي على مجهول الحال، فلا حد عليها في الزنا أو القذف اتفاقًا ولها عليه اليمين. ٣ - أن تدعي على المعروف بالفسق، فلا حد عليها، وقال بعضهم لها الصداق بيمينها. ولو أنها أتت بعد زمان، فلها حال من ثلاثة كذلك: ١ - أن تدعي على صالح الحال، فتحد للقذف، وإن ظهر بها حمل للزنا (جريًا على قول المالكية). ٢ - أن تدعي على مجهول الحال، ففي حدها للقذف قولان. ٣ - أن تدعي على المعروف بالفسق، فلا تحد للقذف اتفاقًا. ولو أن المرأة التي لا تتوقى ما يصِم أتت مباشرة - متشبثة به أو بكر تدمى - فلها حال من ثلاثة: ١ - أن تدعي على صالح الحال، فتحد للقذف اتفاقًا.

стр. 575

٢ - أن تدعي على مجهول الحال، فاختلفوا في حدها لقذفه. ٣ - أن تدعي على المعروف بالفسق، فلا تحد. ولو أنها أتت بعد زمان، فلها حال من ثلاثة كذلك: ١ - أن تدعي على صالح الحال، فتحد للقذف اتفاقًا. ٢ - أن تدعي على مجهول الحال، فتحد للقذف اتفاقًا. ٣ - أن تدعي على المعروف بالفسق، فلا تحد. إن إقامة حد القذف على المدعية في بعض هذه الأحوال يراه البعض ظلمًا وهؤلاء قصر نظرهم عن إدراك كل جوانب الصورة، ولم ينظروا فقط إلا إلى حق المدعية، مع إهمالهم لاحتمال أن تفتري المرأة المأجورة أو المغرضة على الرجل الشريف لتهدم سمعته وتلحق الأذى به وبأهل بيته. إن رسول الله ﷺ قد علمنا التثبت والاحتياط في اتهام الناس، سيما بفاحشة تهدم سمعة الإنسان وقد تحطم أسرته، وترجع ببالغ الضرر على أولاده. ومن جوامع كلمه الطاهر قوله ﷺ : «لو يُعْطَى الناس بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ على الْمُدَّعَى عليه» (١). لكن يبقى أن للشارع مقصودًا في إقامة العدل وحفظ جميع الحقوق، ومنها حق المُغْتَصَبَة التي لا تجد بينة على استكراهها. وهذا المقصود ينبغي أن تبتغي إليه كل وسيلة ممكنة تحفظ للمدعية حقها ولا تَحِيف على المدعي عليه. فهل من وسائل حديثة يستطيع الطب الشرعي أن يقدمها لدعم القضاء في هذا الباب؟ الحق أن هناك عدة وسائل: فإن المرأة إذا أتت بعد استكراهها، تم فحصها وعمل التحاليل اللازمة فينظر إلى آثار المقاومة على جسدها ويجمع الشعر الملتصق بملابسها أو بدنها، كما تجمع التلوثات المنوية من بدنها وثيابها.

стр. 576

وبعد تحليل الشعر والمني المجموع عن طريق اختبار الحمض النووي، يمكن الجزم (١) بأن هذا الشعر والمني للمشتَبَه فيه أم لا. ويمكن تحديد نوع الشعر كذلك. إن تقرير هذا سيكون له بالغ الأثر في مجريات القضية، وسيكون نافعًا أيضًا فحص علامات المقاومة على بدن المدعية والمدعى عليه. أما إن ادعت المرأة اغتصابها بعد زمن وظهر حملها، فإن المقارنة بين البصمة الوراثية للجنين والمدعى عليه ستظهر ما لو كان المدعى عليه واقعها أم لا. ولكن ما فائدة كل ذلك؟ فقد يقال: إن دعوى المرأة على الرجل الصالح بعد زمن ومع عدم التعلق، لا تسمع وليس لها عليه يمين. والجواب أنهم إنما ذكروا ذلك لاستحالة إثبات كون الولد منه على وجه اليقين أو غلبه الظن المقاربة له. والحال في زماننا يختلف. إن إثبات كون المني أو الشعر للرجل ليس دليلا على حصول الزنا بمعنى الإيلاج بله الاغتصاب. والجواب: إن ذلك حق، حتى لو استخرج المني من فرجها، فقد يحتمل أنها دفعته بإصبعها. ولكن الذي ينبغي ألا نهمله أن المدعى عليه إما أن يقر بالاغتصاب، فيحد بالزنا، أو الحرابة فيحد لها، أو باتصاله بالمرأة من غير إيلاج، فيعزر بتعزير رادع. وقد ينكر أي اتصال بها أو معرفة لها، وهذا لا يستقيم مع وجود منيه على بدنها أو ثوبها أو كليهما. وعندما يظهر كذبه، يعزر بما يردعه وأمثاله.

стр. 577

ثم إن في إثبات ذلك ما يدفع عن المرأة حد القذف، وكيف لا والحدود تدرء بالشبهات. ولقد ذكر ابن القَيِّم ﵀ في «الطُّرق الحُكمية» قصة طريفة فقال: «وقال جعفر بن محمد: أُتي عمر بن الخطاب ﵁ بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار، وكانت تهواه، فلما لم يُساعِدها احتالت عليه، فأخذت بيضة فألقت صفارها، وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة، فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي، وفضحني في أهلي، وهذا أثر فعاله. فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني. فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث، ويقول: يا أمير المؤمنين، تثبت في أمري، فوالله ما أتيت فاحشة وما همَمْت بها، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت، فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما، فنظر علي إلى ما على الثوب ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجَمُد ذلك البياض، ثم أخذه واشتمه وذاقه، فعرَف طعم البيض وزجر المرأة، فاعترفت» (١). فانظر كيف أنهم على قلة الوسائل في زمانهم، كانوا يتحرون الحقيقة بكل وسيلة متاحة لهم، ولم يكن في قضائهم ﵃ ما يتعارض مع صريح المعقول، بل كان مفخرة للإسلام وأهله في كل زمان. أما عندما انعدمت الوسيلة لمعرفة الحقيقة، فحينها لم يكن الله ليكلفهم إلا وسعهم. فاللهم ارض عنهم، وأقمنا على طريقتهم، واجمعنا بهم حول حوض نبيك ﷺ . * * *

стр. 578

المبحث الثاني: تطبيقات استعمال الدليل المادي تحديد النسب باستعمال الأحماض الأمينية وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تعريف النسب وأدلة ثبوته المطلب الثاني: مسائل مهمة في أحكام النسب المطلب الثالث: التعريف بالبصمة الوراثية المطلب الرابع: حكم اعتماد البصمة الوراثية كدليل على ثبوت الأبوة أو نفيها

стр. 579

المبحث الثاني: تطبيقات استعمال الدليل المادي هناك العديد من تطبيقات الحكم بالقرائن وقول الخبير، سيما في باب الطب الشرعي. ومنها إثبات شرب الخمر بالتحاليل وكذلك الحمل، وتحديد هُوِيَّة الجناة عن طريق البصمات، سواءٌ بصمات الأصابع أو العرق أو الصوت أو غيرها. ومن هذه التطبيقات تحديد الأبوة عن طريق الحمض الأميني. ولما كان بحث كل تطبيقات استعمال الدليل المادي المتعلق بالطب الشرعي مما لا تتسع له رسالة واحدة، بله جزء من رسالة، رأيت الاكتفاء بضرب المثل بأحد هذه التطبيقات، واخترت إثبات النسب عن طريق البصمة الوراثية لما للموضوع من أهمية ولكون البصمة الوراثية من أحدث وأدق هذه التطورات الطبية التي أثرت على أحكام القضاء.

стр. 580

تحديد النسب عن طريق الحمض الأميني (البصمة الوراثية) البصمة فوت ما بين الخنصر والبنصر، وجعلها مجمع اللغة العربية اسمًا لأثر الختم بالإصبع (١). ولما ظهرت تحليلات الأحماض الأمينية التي تسمى بالمورثات كمحقق للهُوِيَّة أدق من غيره سميت تلك المورثات بالبصمة الوراثية. ونحن سنستعمل اختصارًا اسم البصمة بدل تحليل البصمة. وهناك جدل واسع حول قضية استعمال البصمة الوراثية كدليل في إثبات النسب. وهذه القضية واحدة من القضايا المتعلقة بالقضاء والفتيا، والتي أثر تطور الصناعة الطبية فيها بشكل بالغ. إن إثبات النسب لم يكن أبدًا ممكنًا عن طريق العلوم الطبيعية (٢) إلى زمن قريب. ومن ثم، كان إثبات ونفي النسب لا تعلق له بهذه العلوم ولا تعلق لها به، إلا ما كان من القيافة وهي من نوع العلوم الطبيعية، ولكنها غير منضبطة وقائمة على الظن المناسب للاستعمال في الترجيح فقط. أما البصمة الوراثية، والتي ظهرت في الآونة الأخيرة، فإنها معيرة منضبطة، وغلبة الظن فيها، عند تطبيق معايير صارمة، قريبة جدًا من اليقين إن لم تكنه. فهل تضاف هذه الوسيلة إلى وسائل إثبات النسب في الشريعة، وهل تكون دليلا أم قرينة قوية؟ فإن لم يتم اعتبارها دليلا أو قرينة يحكم على أساسها بثبوت النسب، فهل يستفيد منها القضاء الإسلامي في أي من أحكامه؟ وأنا هنا أبحث هذه القضية بغية الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح بشأنها.

стр. 581

المطلب الأول: تعريف النسب وأدلة ثبوته أولًا: في اللغة: يأتي النسب في اللغة على معانٍ كثيرة ترجع في أصلها كما قال ابن فارس إلى اتصال شيء بشيء (١). ولعل المعنى الذي يعنينا هو القرب، قال في «مختار الصحاح»: «نَسَب: النَّسَب واحد الأنساب والنِّسْبَة بكسر النون وضمها مثله ... وفلان يناسب فلانًا، فهو نسيبُه أي قريبُه» (٢). ثانيًا: في الاصطلاح: لم يعتن الفقهاء بتعريفه لظهوره واكتفوا بذكر أسبابه، وعرفه بعض المعاصرين على أنه: «حالة حكمية إضافية بين شخص وآخر، من حيث أن الشخص انفصل عن رحمِ امرأةٍ هي في عصمةِ زواجٍ شرعيٍ أو ملكٍ صحيحٍ ثابتين أو مُشبِهَين للثابت، للذي يكون الحَبَل من مائه» (٣). * * *

стр. 582

أدلة ثبوت النسب في الإسلام اعتنى الإسلام عناية عظيمة بحقوق الأولاد ومنها صيانة النسب بل جعل الفقهاء حفظ النسل والعِرض من الضروريات كما تقدم في مباحث عدة. والإسلام حريص على إثبات نسب كل مولود وجعل لثبوت النسب أدلة اتفق الفقهاء على أكثرها وهي الفراش (١) والبينة (٢) والإقرار (٣) والاستفاضة (٤) - على بعض خلافٍ في التفاصيل.

стр. 583

ثم إن الفقهاء اختلفوا في اعتماد القِيافة (١) في إثبات النسب عند الاستلحاق والتنازع، فأنكرها الحنفية وعمل بها الجمهور. فمثلًا عند التنازع في نسبة ولد - كأن يكون رجلان وطئا امرأةً في طهر واحد بشبهة - ذهب الجمهور إلى العمل بالقيافة وذهب الحنفية إلى نسبته إليهما جميعًا (٢). ثم إن الجمهور لا يقفون عند العمل بالقيافة فحسب، فإنه عند العجز عن تحديد النسب بالقيافة يلجؤون إلى الإقراع أو تخيير الولد إذا كان بالغًا (٣). ملحوظة: القيافة والإقراع يلجأ إليهما عند التنازع وليسا أدلة على ثبوت النسب ابتداءً كباقي الأدلة. والناظر في هذه الأدلة يرى أنها ليست كلها توقيفية بنص صريح، ولكن المقصود منها حصول غلبة الظن أن فلانًا ابن فلان، فإن أيًّا من هذه الأدلة لا يفيد اليقين، والعمل بها هو الحق، لأنها تفيد غلبة الظن مع تعذر حصول اليقين، والعقل يقتضي العمل بذلك وجاء الشرع بإقراره. * * *

стр. 584

المطلب الثاني: مسائل مهمة في أحكام النسب نحاول في الصفحات القادمة أن نتعرض لعدة مسائل في باب ثبوت النسب كتمهيد للكلام عن حكم اعتماد البصمة الوراثية في ثبوته. ونحن هنا لن نتكلم عن أدلة ثبوت النسب على التفصيل؛ لأن ذلك يقتضي بحثًا منفصلًا، وإنما نعرض المسائل التي نحتاج إلى فهمها قبل الشروع في الكلام عن اعتماد البصمة الوراثية: ١ - حرص الإسلام على إثبات نسبٍ لكل مولود: وذلك لأن الإسلام يعتبر النسب حقًّا من حقوق الأولاد، ولذلك يلجأ عند اللبس إلى مثل الإقراع في إثبات النسب، ودليله ما رواه أبو داود عن زيد بن أرقم ﵁ قال: «كنت جالسًا عند النبي ﷺ فجاء رجل من اليمن، فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طُهر واحد، فقال لاثنين منهما: طِيبا بالولد لهذا، فَغَلَيَا (١)، ثم قال لاثنين: طِيبا بالولد لهذا، فَغَلَيَا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فَغَلَيَا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مُقرعٌ بينكم، فمن قُرِعَ فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدِّيَة، فأقرع بينهم، فجعله لمن قُرِعَ، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أضراسُه أو نَواجِذُه» (٢).

стр. 585

ولقد قال في هذا الشأن الإمام ابن القَيِّم ﵀: «إنه إذا تعذرت القافة وأشكل الأمر عليها، كان المصير إلى القرعة أولى من ضياع نسب الولد وتركه هملا لا نسب له، وهو ينظر إلى ناكح أمه وواطئها، فالقرعة ههنا أقرب الطرق إلى إثبات النسب فإنها طريق شرعي، وقد سدت الطرق سواها. وإذا كانت صالحة لتعيين الأملاك المطلقة وتعيين الرقيق من الحر وتعيين الزوجة من الأجنبية، فكيف لا تصلح لتعيين صاحب النسب من غيره، والمعلوم أن طرق حفظ الأنساب أوسع من طرق حفظ الأموال والشارع إلى ذلك أعظم تشوفًا» (١). ٢ - تغليب جانب الإثبات: من أجل حرص الإسلام على إثبات نسب لكل مولود فإنه يغلِّب جانب الإثبات على جانب النفي: قال ابن مُفْلِح: «لأن النسب يحتاط لإثباته لا لنفيه» (٢). ثم قال: «ثبوت النسب مبني على التغليب وهو يثبت بمجرد الإمكان وإن لم يثبت الوطء ولا ينتفي لإمكان النفي» (٢). ٣ - الإسلام حريص على ثبوت النسب الحقيقي: فهو لا يرقع الواقع على حساب الحقيقة (٣) ولذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. ومن أجل ذلك شرع نفي

стр. 586

الولد إذا غلب على ظن الزوج أنه ليس منه؛ بل إنه يجب على الزوج أن يقذف امرأته وينفي ابنه إذا رآها تزني في طهر لم يطأها فيه. قال ابن قُدامة ﵀: «فَصْلٌ والقذف على ثلاثة أضرب: واجب: وهو أن يرى امرأته تزني في طهر لم يطأها فيه، فإنه يلزمه اعتزالها حتى تنقضي عدتها، فإذا أتت بولد لستة أشهر من حين الزنا وأمكنه نفيه عنه لزمه قذفها ونفي ولدها، ولأن ذلك يجري مجرى اليقين في أن الولد من الزاني، فإذا لم ينفه لحقه الولد وورثه وورث أقاربه وورثوا منه ونظر إلى بناته وإخوته، وليس ذلك بجائز، فيجب نفيه لإزالة ذلك. ولو أقرت بالزنا ووقع في قلبه صدقها فهو كما لو رآها» (١). ٤ - العمل بالقيافة هو قول الجمهور: وهو دليل على تشوف الإسلام لإثبات النسب الحقيقي في حدود الإمكانات المتاحة، والتي كانت في الأزمنة القديمة محدودة. والقيافة هي أمثل الطرق العلمية للتحقق من النسب الحقيقي بطريقة حسية في تلك الأزمنة. ثم هم لم يكونوا يكتفون بأي قائف، بل قال الغَزالِيّ ﵀ في أركان الإلحاق (٢): «الركن الثاني: المُلحِق وهو كل مُدْلِجي (٣) مجرب أهل للشهادة ... وأما المجرب فنعني به أن من كان مدلجيًا أو ادعى علم القافة لم يقبل قوله حتى يجرب ثلاثًا بأن يرى صبيًّا بين نسوة ليس فيهن أمه فإن لم يلحق أحضرت نسوة أخر فيهن أمه فإن ألحق علمنا أنه بصير» (٤).

стр. 587

فانظر كيف كانوا يحرصون على ابتغاء الدقة والتحري قدر المستطاع وفي حدود الممكن (١). غير أن القيافة كما ذكرنا في التعريف من قبل تعتمد على غلبة الظن المقارب للشك لا اليقين، ولذلك فلقد اعتبروها أضعف الأدلة - سوى الإقراع - ولم يلجؤوا إليها إلا عند التنازع وانعدام ما هو أقوى منها. ولقد وافق الجمهور الصواب بالعمل بالقيافة حيث إنها أفضل المتاح وتحصل بها غلبة الظن التي تنبني عليها الأحكام في العادة. ولهم دليلهم من السنة، فلقد عمل بها رسول الله ﷺ ؛ فعن ابن عباس ﵁ «أن هلال بن أمية ﵁ قذف امرأته عند النبي ﷺ بشَريك بن سَحْماءَ، فقال النبي ﷺ : البينة أو حدٌّ في ظهرك، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا رجُلًا على امرأته يلتمسُ البينة؟! فجعل النبي ﷺ يقول: البينةُ أو حَدٌّ في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق نبيًّا إني لصادق، وليُنزِلنَّ الله في أمري ما يُبَرّئُ ظهري من الحدّ، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] قرأ حتى بلغ ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أُمية فشهد والنبيُّ ﷺ يقول: الله يعلم أن أحدَكما كاذب، فهل منكما من تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، وقالوا لها: إنها مُوجِبة، قال ابن عباس: فتلكأَت وَنَكَصت حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: لا أفضحُ قومي سائرَ اليوم، فمضتْ، فقال النبي ﷺ : أَبْصِروها فإنْ جاءتْ به أكْحَلَ العينين سابغ الألْيَتَيْن خَدَلَّجَ الساقين فهو لشَرِيكِ بن سَحْماَء فجاءت به كذلك، قال النبي ﷺ : لَوْلا مَا مَضَى من كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لي ولهَا شَأنٌ» (٢).

стр. 588

ولذلك أنكر ابن القَيِّم ﵀ في «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» على من أنكر العمل بالقافة فقال: «فَصْلٌ: الحكم بالقافة: ومن ذلك حكم رسول الله ﷺ وخلفائه من بعده ﵃ بالقافة وجعلها دليلًا من أدلة ثبوت النسب، وليس ههنا إلا مجرد الأمارات والعلامات. قال بعض الفقهاء: ومن العجب إنكار لحوق النسب بالقافة التي اعتبرها رسول الله ﷺ وعمل بها الصحابة من بعده وحكم بها عمر بن الخطاب ﵁، وإلحاق النسب في مسألة من تزوج بأقصى المغرب امرأة بأقصى المشرق، ثم جاءت بعد العقد بأكثر من ستة أشهر بولد أو تزوجها ثم قال عقيب العقد: هي طالق ثلاثًا، ثم أتت بولد أنه يكون ابنه لأنها فراش، وأعجب من ذلك أنها تصير فراشًا بهذا العقد بمجرده، ولو كانت له سرية يطؤها ليلًا ونهارًا فأتت بولد لم يلحقه نسبه، لأنها ليست فراشًا ولا يلحقه حتى يدعيه، فيلحقه بالدعوى لا بالفراش» (١). ٥ - الفراش سبب في ثبوت النسب ودليل عليه وهو الأصل في هذا الباب، ولكن هذا الأصل ليس يسلم من بعض الاستثناءات. لاشك أن الفراش السبب الرئيس في ثبوت النسب والدليل الأظهر عليه؛ قال رسول الله ﷺ : «الولد للفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» (٢). وعلى ذلك اتفق الفقهاء (٣).

стр. 589

ولكن هذا الأمر إنما جعل كذلك لأن العَلاقة الزوجية قائمةٌ على الستر، فجعل الفراش، الذي هو مظِنَّة الوطء مكان الوطء، الذي هو السبب الحقيقي الطبيعي لحصول الولد (١). بيد أن الأمر ليس على إطلاقه، فإنه كذلك حتى يقوم دليل أقوى على أن الفراش لم يكن السبب الحقيقي في حصول الولد، والدليل على ذلك: اتفاق الفقهاء على أنه لو جاءت المرأة بولد دون ستة أشهر من النكاح لم يحكم به للفراش (٢). اتفاقهم على أن الصغير الذي لا يولد لمثله لا يلحق به الولد وإن كان زوجًا (٣). إن اللعان قد شرع فيما شرع للانتفاء من الولد الذي يجب الانتفاء منه في بعض الأحيان على الزوج الذي يصل إلى قرب اليقين أن الولد ليس منه (٤)، وليست الرؤية (أي رؤية المرأة تزني) شرطًا عند الحنفية والشافعية (٥).

стр. 590

وكذلك فإن الفراش يشترط له عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إمكان الدخول، وعند ابن تَيمِيَّة يشترط الدخول، وهي رواية عن أحمد (١). تبين من كل ما تقدم أن الفراش دليل على ثبوت النسب إلا إذا امتنع عقلًا أو حسًا، أو دل دليل أقوى على أنه لم يكن السبب الحقيقي في حصول الولد. ٦ - الصواب أن عدم ثبوت النسب للزاني ليس على إطلاقه: الذي يظهر أن عدم ثبوت النسب للزاني ليس على إطلاقه، فإن الدليل من السنة هو قول الرسول ﷺ : «الولد للفِراشِ ولِلْعاهِر الحَجَرُ» (٢). ولكن فهم بساط الحال وملابسات القصة التي ورد فيها قوله ذاك مهم للتعرف على مراده ﷺ فعن عائشة ﵂ قالت: «كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة وقال عتبة: إنه ابني، فلما قدم رسول الله ﷺ وأقبل معه عبد بن زمعة فقال سعد بن أبي وقاص: هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه قال عبد بن زمعة: يا رسول الله، هذا أخي هذا ابن زمعة ولد على فراشه. فنظر رسول الله ﷺ إلى ابن وليدة زمعة فإذا أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ : احتَجِبي منه يا سَوْدة لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص. قال ابن شهاب قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : الولد للفِراشِ ولِلْعاهِر الحَجَرُ». والحديث هنا يصف حالة معينة يتنازع فيها نسب مولود، والمتنازعان أحدهما ابن صاحب الفراش والآخر الزاني، وكلاهما يريد الولد، ولا بينة إلا قرينة الشبه.

стр. 591

وحكم رسول الله ﷺ هنا بغلق الباب أمام فساد عظيم وشر مستطير إذا انتشر مثل هذا التنازع في المجتمع، وتجرأ الزناة بل والمفترون على نسبة الأولاد إليهم من نساءٍ هن فُرشٌ لأزواج. ولكن إذا كانت المرأة خلية من الزوج، فإن الأقرب للسنة هو نسبة الولد إلى الزاني، وهو قول بعض المالكية والحسن وابن سيرين والنَّخْعِيّ وإسحاق وعُرْوَة وسليمان بن يسار واختيار ابن تَيمِيَّة، كما ذهب إليه الحنفية بشرط الزواج منها (١). والذي يشهد لهذا القول أدلة منها: ١ - حديث إقراع علي ﵁: عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ ، فجاء رجل من اليمن، قال: إن ثلاثةَ نَفَر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد، قال لاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا، فغَلَيا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغليا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغَلَيا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مُقْرِعٌ بينكم، فمن قرَع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدِّيَة، فأقرع بينهم، فجعله لمن قَرَع، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أضراسُه أو نَواجِذُه (٢). والشاهد أنه لم يسألهم إن كانوا جميعًا وطئوها بشبهة، مع كونه أيضًا احتمالًا بعيدًا جدًّا.

стр. 592

٢ - حديث إلحاق الولد بشريك بن سحماء: فعن ابن عباس ﵁ «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشَرِيك بن سَحْماءَ، فقال النبي ﷺ : البينة أو حدٌّ في ظهرك، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا رجُلًا على امرأته يلتمسُ البينة؟! فجعل النبي ﷺ يقول: البينةُ أو حَدٌّ في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق نبيًّا إني لصادق، وليُنزِلنَّ الله في أمري ما يُبَرّئُ ظهري من الحدّ، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] قرأ حتى بلغ ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أُمية فشهد والنبيُّ ﷺ يقول: الله يعلم أن أحدَكما كاذب، فهل منكما من تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، وقالوا لها: إنها مُوجِبة، قال ابن عباس: فتلكأَت وَنَكَصت حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: لا أفضحُ قومي سائرَ اليوم، فمضتْ، فقال النبي ﷺ : أَبْصِروها فإنْ جاءتْ به أكْحَلَ العينين سابغ الألْيَتَيْن خَدَلَّجَ الساقين فهو لشَرِيكِ بن سَحْماَء فجاءت به كذلك، قال النبي ﷺ : لَوْلا مَا مَضَى من كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لي ولهَا شَأنٌ» (١). والشاهد هنا هو إلحاق النبي ﷺ الولد بشريك بن سحماء بالشبه، رَغم أن المرأة فراش لزوج، ولكن الزوج لاعنها ونفى الولد، فكان ذلك مع الشبه يورث الاطمئنان إلى أن الولد ابن شريك. وهذا الحديث قد يستدل به على أنه لا يلحق بالزاني ابنه من الخلية من الزوج فقط بل أيضًا ابنه من المتزوجة إن نفى زوجها الولد، ولكن المعارض قد يقول أن في ذلك

стр. 593

حرمانًا للملاعن من حقه في استلحاق الولد (١). وقد يجاب على ذلك بأن المستلحِق لم يضم إليه إلا من لا نسب له لنفي صاحب الفراش إياه، فلو أراده لكان له، وإن لاعن أمه على الزنى. ٣ - إلحاق عمر أولاد الجاهلية من الزنى بمن ادعاهم: روى البَيْهَقِيّ بسنده - وصححه - عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن رجلين تداعيا ولدا فدعا له عمر ﵁ القافة فقالوا: لقد اشتركا فيه فقال له عمر ﵁: «والِ أيَّهما شِئت» (٢). ٤ - عدم وجود الدليل المانع من الإلحاق وتقدم أن حديث « ... وللعاهر الحَجَر» يختص بحالة معينة يكون فيها الزوج غير نافٍ للولد (٣).

стр. 594

٥ - وأكثر الفقهاء يجيزون إلحاق مجهول النسب بمدعيه دون استفصال من طالب الإلحاق، شريطة أن يكون ذلك ممكنًا عقلًا (١). وهم لا يشترطون أن يكون المستلحق سبق له زواج، ولكنهم يشترطون عدم تصريحه بالزنا. إن الذي يظهر من هذه الأدلة وغيرها هو أن ولد الزنا يلحق بأبيه إذا كانت الأم خلية من الزوج، وقد يسوغ إلحاقه مع كون الأم صاحبة زوج، وذلك إذا انتفى منه الزوج. إن ذلك القول أولى بالنصوص إذا فهمت مجتمعة وأدعى لحفظ حقوق هؤلاء الأطفال وأقرب لمقصد الشارع. ٧ - ليس الانتفاء من الولد ممكنًا على الدوام بل إن هناك أحوالا لا يستطيع فيها الرجل، عند بعضهم، أن يلاعن المرأة، كمثل نكاح الشبهة عند الحنفية (٢)، لأنها لا يصدق عليها أنها زوجته، فلا ينطبق عليه - عندهم وإن كان خلاف الصواب - قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]. ومن ثم فإن هذا الرجل قد نلزمه بنسب ولدٍ قد يكون على يقين أنه ليس ولده رَغم إمكان التثبت في زماننا هذا عن طريق استعمال البصمة الوراثية. * * *

стр. 595

المطلب الثالث: التعريف بالبصمة الوراثية • كان من أبرز مجالات التقدم العلمي في العقود الأخيرة هو التقدم في علم الوراثة أو الوراثيات (Genetics) ولقد توصل هذا العلم إلى أن جسم الإنسان الذي يحتوي على حوالي مائة مليون خلية تتحدد صفاته عن طريق المورثات (Genes) والتي هي عبارة عن خيوط رفيعة مجدولة مما يسمى بالحمض النووي وهو بروتين يتكون من أربعة قواعد نيتروجينية هي: ١ - الأدينين Adenine ٢ - الجوانين Guanine ٣ - السيتوزين Cytosine ٤ - الثيامين Thymine وهناك حوالي مائة ألف من الجينات محمولة على ثلاثة وعشرين زوجًا من الكروموسومات (Chromosomes) أو حاملات الجينات. وكل خلية من جسم الإنسان تحتوي على ما يقارب ذلك العدد من الجينات. ولكن كيف تنقل الجينات الصفات المختلفة؟ كما ذكرنا، فإن هذه الجينات مكونة من تتابع هذه القواعد الأربعة (A-G-C-T) وكل حمض أميني يكون من شريطين وكل جين يتصل بالجين المقابل له على الشريط الآخر برابطة فوسفورية. وهذه القواعد الأربعة تختلف تتابعاتها من شخص إلى آخر.

стр. 596

A ... T ... C ... G ... G ... A T ... A ... G ... C ... C ... T [١٣] الحمض النووي (Credit: NIH) • ويوجد في الخلية حوالي ثلاثة بلايين من هذه القواعد أو الحروف، ولذلك فإن مجرد الاختلاف في عشر في المائة من هذه الحروف يؤدي إلى الاختلاف في ثلاثة ملايين حرف كما يذكر ذلك Eric Londer D Phile مدير مركز بحوث المادة الوراثية الكلية (Genome) (١) . وبأخذ عينة من الطفل - سواءٌ من الدم أو الشعر أو العظم أو غيره (٢) - تمكن التعرف على والده بتحليل بعض خلاياه أيضًا أو نفي أبوته إذا اختلف مخزونهما من

стр. 597

المورثات بحيث لا يمكن أن يكون ورث من هذا الرجل نصف مخزونه من المورثات. إلا أن التحليل لا يتم بقراءة ثلاثة البلايين حرفًا التي تتكون منها المادة الوراثية الكلية، ولكنهم يحددون بعض مواضع تختلف بين الناس، وبعض المعامل تدرس ستة مواضع إلى خمسة عشر موضعًا، وكلما زاد عدد المواضع المدروسة على حاملات الجينات زادت دقة الاختبار. نقاط مهمة عن الاختبار: • أولًا: نسبة الدقة في تحديد الأبوة: يتفق الباحثون والشركات التي تجري اختبار الأبوة على أنه من غير عنصر الخطأ البشري فإن نسبة الدقة في نفي الأبوة هي ١٠٠% أي أن الخطأ ٠%. أما في إثبات الأبوة فهي ٩٩. ٩٩٩% أي أن احتمال الخطأ هو واحد من كل مائة ألف. ولتحديد دقة هذه التحليلات العملية أجرت المجموعة الناطقة بالإنجليزية بالتجمع الدولي لعلم الجينات المتعلق بالطب الشرعي اختبارًا لعدة معامل على مدى ثلاثة أعوام ما بين ١٩٩٧ إلى ١٩٩٩ ميلادية، ففي عام ١٩٩٧ قام ٢٤ معملًا باختبار أبوة واستطاعوا جميعًا الوصول إلى النتيجة الصحيحة وهي أن الأب المزعوم هو الأب الحقيقي. وفي عام ١٩٩٨ قام ٣١ معملًا باختبار أبوة تمكنوا فيه جميعًا من الوصول إلى النتيجة الصحيحة وهي أن الأب المزعوم ليس الأب الحقيقي - لكن الأخ في هذه الحالة - وفي عام ١٩٩٩ زاد الاختبار صعوبة إذ إنه لم تقدم عينة من الحمض الأميني للأب المطلوب إثبات أبوته، ولكن قدمت العينة من الطفل وأمه ووالدي الأب المزعوم، وتمكنت كل المعامل إلا معملًا واحدًا من الوصول إلى النتيجة الصحيحة (١).

стр. 598

على أنه ينبغي أن يعلم أن هناك عامل الخطأ البشري والذي يجعل هذه التحليلات على دقتها عرضة لحصول الخطأ فيها. ولقد نشرت جريدة (Cape Cod Times) (١) مقالًا عنوانه اختبار الـ (DNA) ليس معصومًا، ونقلوا فيه عن أحد الخبراء (٢) في علم الحيوانات الجزيئية والطب الشرعي قوله: «كباحث أستطيع أن أقول إنه عند الالتزام بجميع القواعد، والاختبار تحت ظروف محكمة ومع إعادة الاختبار للتأكد من حصول نفس النتائج عندها يكون اختبار الـ DNA معصومًا». ونقلوا عن مؤسس جمعية تطبيقات الـ (DNA (٣) العملية في ولاية أوهايو قوله: «مثل أي شيء يتدخل فيه البشر هناك دائمًا احتمال الخطأ في اختبارات ال DNA». • ثانيًا: هذه النتائج المنقولة آنفًا كانت من معامل في دول غربية وأخشى ألا تكون معاملنا في الدول الإسلامية على نفس القدر من الدقة، ولذلك ينبغي عمل دراسات كافية لمعرفة دقة التحليل في الواقع الذي سيمارس فيه. • ثالثًا: حتى تتم الدراسات اللازمة في بلادنا فسأبني آرائي في المطلب القادم - المتعلق باعتماد البصمة كدليل على إثبات أو نفي الأبوة - على النتائج الصادرة في الغرب، والتي مفادها أن الاختبار - سيما عند تكراره في معملين لا تواطؤ بينهما - تصل نسبة دقته إلى ١٠٠% في النفي و ٩٩. ٩٩٩% في الإثبات.

стр. 599

المطلب الرابع: حكم اعتماد البصمة الوراثية كدليل على ثبوت الأبوة أو نفيها البصمة الوراثية لا تكاد تخطئ في تحديد نسبة الولد للوالدين، وإذا وضعت بعض الشروط لهذه الفحوص كما سنبين، فإن نتائجها تكون ١٠٠% أو قريبًا من ذلك. ومن ثم، أرى أنه ينبغي المصير إلى القول بأنها أحد أدلة ثبوت النسب (١)، وأنها على أقل تقدير تقاس على القيافة بطريق الأولى، وهذا من وجهين: الأول: أنها قطعية ونتائجها قريبة لليقين فشابهت دليل الحس، وإن كانت من نوع المعرفة الخاصة ببعض الناس دون بعض. وإنها إن لم تكن يقينية، فهي من الظن الغالب المقارب جدًّا لليقين، بخلاف القيافة التي تعتمد على الفراسة وبعض العلم والخبرة مما يجعلها من الظن الغالب، ولكنه لا يمكن أن يُزْعَم أنه أقرب لليقين منه إلى الشك (٢). الثاني: أنها تعتمد على شبه خفي وهو مقدم على الشبه الظاهر، وبتقديمه قال بعض الفقهاء، ففي «تُحْفَة المُحْتاج»: «ولو ألحق قائف بشبه ظاهر وقائف بشبه خفي قدم؛ لأن معه زيادة حذق وبصيرة» (٣). أما قول بعض المشاركين في بعض حلقات مناقشة مجلس المجمع الفقهي للرابطة: «لو حصل نقطة صغيرة ولو غبار في المعمل أتى على هذا الدم لخبط النتيجة كلها» (٤).

стр. 600

فالجواب عليه من جهتين: أن التجربة تعاد أكثر من مرة كما أنه يمكن اشتراط تعدد المعامل، ولقد أظهرت الدراسات - كما تقدم - أنه مع التدقيق فإن النتيجة في النفي وإثبات الأبوة ١٠٠% ودون ذلك بقليل في الأنواع الأخرى من الإثبات. أما من جهة الشرع، فإن تخلف الدليل عن دلالته على وجه الندرة لا يخرجه عن كونه دليلًا، وفي ذلك يقول الإمام ابن القَيِّم ﵀: «وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النادر لا يخرجه عن أن يكون دليلا عند عدم معارضة ما يقاومه؛ ألا ترى أن الفراش دليل على النسب والولادة وأنه ابنه؟ ويجوز - بل يقع كثيرا - تخلف دلالته؛ وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش، ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلًا؛ وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها؛ وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما» (١). وإن فقهاء المسلمين - حفظهم الله - لم يردوا العمل بالبصمة الوراثية، بل أقروا بأن لها مكانًا في التحقيق الجنائي والقضاء، وعلى الأخص في مسألة التنازع في النسب. ولقد جاء قرار مجلس المجمع الفقهي التابع للرابطة شاهدًا على ذلك، ونصه: «البصمة الوراثية هي البُنية الجينية (نسبة إلى الجينات، أي المورثات)، التي تدل على هُوِيَّة كل إنسان بعينه. وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة، لتسهيل مهمة الطب الشرعي ويمكن أخذها من أي خلية (بشرية) من الدم، أو اللعاب، أو المني، أو البول، أو غيره وبعد الاطلاع على ما اشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلفها المجمع في الدورة الخامسة عشرة بإعداده من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة الوراثية، والاطلاع على البحوث التي قدمت في
следующие страницы →