A ... T ... C ... G ... G ... A
T ... A ... G ... C ... C ... T
[١٣] الحمض النووي (Credit: NIH)
• ويوجد في الخلية حوالي ثلاثة بلايين من هذه القواعد أو الحروف، ولذلك فإن مجرد الاختلاف في عشر في المائة من هذه الحروف يؤدي إلى الاختلاف في ثلاثة ملايين حرف كما يذكر ذلك Eric Londer D Phile مدير مركز بحوث المادة الوراثية الكلية (Genome) (١) .
وبأخذ عينة من الطفل - سواءٌ من الدم أو الشعر أو العظم أو غيره (٢) - تمكن التعرف على والده بتحليل بعض خلاياه أيضًا أو نفي أبوته إذا اختلف مخزونهما من
стр. 597
المورثات بحيث لا يمكن أن يكون ورث من هذا الرجل نصف مخزونه من المورثات.
إلا أن التحليل لا يتم بقراءة ثلاثة البلايين حرفًا التي تتكون منها المادة الوراثية الكلية، ولكنهم يحددون بعض مواضع تختلف بين الناس، وبعض المعامل تدرس ستة مواضع إلى خمسة عشر موضعًا، وكلما زاد عدد المواضع المدروسة على حاملات الجينات زادت دقة الاختبار.
نقاط مهمة عن الاختبار:
• أولًا: نسبة الدقة في تحديد الأبوة:
يتفق الباحثون والشركات التي تجري اختبار الأبوة على أنه من غير عنصر الخطأ البشري فإن نسبة الدقة في نفي الأبوة هي ١٠٠% أي أن الخطأ ٠%. أما في إثبات الأبوة فهي ٩٩. ٩٩٩% أي أن احتمال الخطأ هو واحد من كل مائة ألف.
ولتحديد دقة هذه التحليلات العملية أجرت المجموعة الناطقة بالإنجليزية بالتجمع الدولي لعلم الجينات المتعلق بالطب الشرعي اختبارًا لعدة معامل على مدى ثلاثة أعوام ما بين ١٩٩٧ إلى ١٩٩٩ ميلادية، ففي عام ١٩٩٧ قام ٢٤ معملًا باختبار أبوة واستطاعوا جميعًا الوصول إلى النتيجة الصحيحة وهي أن الأب المزعوم هو الأب الحقيقي.
وفي عام ١٩٩٨ قام ٣١ معملًا باختبار أبوة تمكنوا فيه جميعًا من الوصول إلى النتيجة الصحيحة وهي أن الأب المزعوم ليس الأب الحقيقي - لكن الأخ في هذه الحالة - وفي عام ١٩٩٩ زاد الاختبار صعوبة إذ إنه لم تقدم عينة من الحمض الأميني للأب المطلوب إثبات أبوته، ولكن قدمت العينة من الطفل وأمه ووالدي الأب المزعوم، وتمكنت كل المعامل إلا معملًا واحدًا من الوصول إلى النتيجة الصحيحة (١).
стр. 598
على أنه ينبغي أن يعلم أن هناك عامل الخطأ البشري والذي يجعل هذه التحليلات على دقتها عرضة لحصول الخطأ فيها.
ولقد نشرت جريدة (Cape Cod Times) (١) مقالًا عنوانه اختبار الـ (DNA) ليس معصومًا، ونقلوا فيه عن أحد الخبراء (٢) في علم الحيوانات الجزيئية والطب الشرعي قوله: «كباحث أستطيع أن أقول إنه عند الالتزام بجميع القواعد، والاختبار تحت ظروف محكمة ومع إعادة الاختبار للتأكد من حصول نفس النتائج عندها يكون اختبار الـ DNA معصومًا».
ونقلوا عن مؤسس جمعية تطبيقات الـ (DNA (٣) العملية في ولاية أوهايو قوله: «مثل أي شيء يتدخل فيه البشر هناك دائمًا احتمال الخطأ في اختبارات ال DNA».
• ثانيًا: هذه النتائج المنقولة آنفًا كانت من معامل في دول غربية وأخشى ألا تكون معاملنا في الدول الإسلامية على نفس القدر من الدقة، ولذلك ينبغي عمل دراسات كافية لمعرفة دقة التحليل في الواقع الذي سيمارس فيه.
• ثالثًا: حتى تتم الدراسات اللازمة في بلادنا فسأبني آرائي في المطلب القادم - المتعلق باعتماد البصمة كدليل على إثبات أو نفي الأبوة - على النتائج الصادرة في الغرب، والتي مفادها أن الاختبار - سيما عند تكراره في معملين لا تواطؤ بينهما - تصل نسبة دقته إلى ١٠٠% في النفي و ٩٩. ٩٩٩% في الإثبات.
стр. 599
المطلب الرابع: حكم اعتماد البصمة الوراثية
كدليل على ثبوت الأبوة أو نفيها
البصمة الوراثية لا تكاد تخطئ في تحديد نسبة الولد للوالدين، وإذا وضعت بعض الشروط لهذه الفحوص كما سنبين، فإن نتائجها تكون ١٠٠% أو قريبًا من ذلك.
ومن ثم، أرى أنه ينبغي المصير إلى القول بأنها أحد أدلة ثبوت النسب (١)، وأنها على أقل تقدير تقاس على القيافة بطريق الأولى، وهذا من وجهين:
الأول: أنها قطعية ونتائجها قريبة لليقين فشابهت دليل الحس، وإن كانت من نوع المعرفة الخاصة ببعض الناس دون بعض. وإنها إن لم تكن يقينية، فهي من الظن الغالب المقارب جدًّا لليقين، بخلاف القيافة التي تعتمد على الفراسة وبعض العلم والخبرة مما يجعلها من الظن الغالب، ولكنه لا يمكن أن يُزْعَم أنه أقرب لليقين منه إلى الشك (٢).
الثاني: أنها تعتمد على شبه خفي وهو مقدم على الشبه الظاهر، وبتقديمه قال بعض الفقهاء، ففي «تُحْفَة المُحْتاج»: «ولو ألحق قائف بشبه ظاهر وقائف بشبه خفي قدم؛ لأن معه زيادة حذق وبصيرة» (٣).
أما قول بعض المشاركين في بعض حلقات مناقشة مجلس المجمع الفقهي للرابطة: «لو حصل نقطة صغيرة ولو غبار في المعمل أتى على هذا الدم لخبط النتيجة كلها» (٤).
стр. 600
فالجواب عليه من جهتين:
أن التجربة تعاد أكثر من مرة كما أنه يمكن اشتراط تعدد المعامل، ولقد أظهرت الدراسات - كما تقدم - أنه مع التدقيق فإن النتيجة في النفي وإثبات الأبوة ١٠٠% ودون ذلك بقليل في الأنواع الأخرى من الإثبات.
أما من جهة الشرع، فإن تخلف الدليل عن دلالته على وجه الندرة لا يخرجه عن كونه دليلًا، وفي ذلك يقول الإمام ابن القَيِّم ﵀: «وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النادر لا يخرجه عن أن يكون دليلا عند عدم معارضة ما يقاومه؛ ألا ترى أن الفراش دليل على النسب والولادة وأنه ابنه؟ ويجوز - بل يقع كثيرا - تخلف دلالته؛ وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش، ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلًا؛ وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها؛ وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما» (١).
وإن فقهاء المسلمين - حفظهم الله - لم يردوا العمل بالبصمة الوراثية، بل أقروا بأن لها مكانًا في التحقيق الجنائي والقضاء، وعلى الأخص في مسألة التنازع في النسب.
ولقد جاء قرار مجلس المجمع الفقهي التابع للرابطة شاهدًا على ذلك، ونصه:
«البصمة الوراثية هي البُنية الجينية (نسبة إلى الجينات، أي المورثات)، التي تدل على هُوِيَّة كل إنسان بعينه. وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة، لتسهيل مهمة الطب الشرعي ويمكن أخذها من أي خلية (بشرية) من الدم، أو اللعاب، أو المني، أو البول، أو غيره وبعد الاطلاع على ما اشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلفها المجمع في الدورة الخامسة عشرة بإعداده من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة الوراثية، والاطلاع على البحوث التي قدمت في
стр. 601
الموضوع من الفقهاء، والأطباء، والخبراء، والاستماع إلى المناقشات التي دارت حوله، تبين من ذلك كله أن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين، أو نفيهم عنهما، وفي إسناد العينة (من الدم أو المني أو اللعاب) التي توجد في مسرح الحادث إلى صاحبها، فهي أقوى بكثير من القيافة العادية (التي هي إثبات النسب بوجود الشبه الجسماني بين الأصل والفرع)، وأن الخطأ في البصمة الوراثية ليس واردًا من حيث هي، وإنما الخطأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك، وبناء على ما سبق قرر ما يأتي: القرار.
أولًا: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص؛ لخبر (ادرؤوا الحدود بالشبهات)، وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة.
ثانيًا: إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لا بد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية
ثالثًا: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان.
رابعًا: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة؛ لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم.
خامسًا: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية:
أ- حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه.
стр. 602
ب- حالات الاشتباه في المواليد في المشافي، ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.
ج- حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين
سادسًا: لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس، أو لشعب، أو لفرد، لأي غرض، كما لا تجوز هبتها لأي جهة، لما يترتب على بيعها أو هبتها من مفاسد
سابعًا: يوصي المجمع بما يأتي:
أ- أن تمنع الدولة إجراء الفحص الخاص بالبصمة الوراثية إلا بطلب من القضاء؛ وأن يكون في مختبرات للجهات المختصة، وأن تمنع القطاع الخاص الهادف للربح من مزاولة هذا الفحص، لما يترتب على ذلك من المخاطر الكبرى.
ب- تكوين لجنة خاصة بالبصمة الوراثية في كل دولة، يشترك فيها المتخصصون الشرعيون، والأطباء، والإداريون، وتكون مهمتها الإشراف على نتائج البصمة الوراثية، واعتماد نتائجها.
ج- أن توضع آلية دقيقة لمنع الانتحال والغش، ومنع التلوث وكل ما يتعلق بالجهد البشري في حقل مختبرات البصمة الوراثية، حتى تكون النتائج مطابقة للواقع، وأن يتم التأكد من دقة المختبرات، وأن يكون عدد المورثات (الجينات المستعملة للفحص) بالقدر الذي يراه المختصون ضروريًّا دفعًا للشك والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد» (١).
стр. 603
• مجالات استعمال البصمة:
أما عن مجالات استعمال البصمة والفرق بينها وبين القيافة، فأبدأ هنا من حيث انتهت مجموعة من السادة الفقهاء والأطباء - حفظهم الله - (١) ذوي الخبرة بالأحكام الفقهية المتعلقة بالطب، فلقد اجتمعوا لمناقشة هذه القضية تحت مظلة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوة سميت «ندوة مدى حجية استخدام البصمة الوراثية لإثبات البنوة».
وقد انتهت مناقشاتهم التي تبعت تقديم الدكتور سعد الدين هلالي لبحثه عن الموضوع إلى التوصيات الآتية:
«١ - أن كل إنسان يتفرد بنمط خاص في التركيب الوراثي ضمن كل خلية من خلايا جسده، لا يشاركه فيه أي شخص آخر في العالم ويطلق على هذا النمط اسم «البصمة الوراثية»، والبصمة الوراثية من الناحية العلمية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية، والتحقق من الشخصية ولاسيما في مجال الطب الشرعي. وهي ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي يأخذ بها أكثر الفقهاء - في غير
стр. 604
قضايا الحدود الشرعية - وتمثل تطورًا عصريًّا عظيمًا في مجال القيافة الذي يذهب إليها جمهور الفقهاء في إثبات النسب المتنازع فيه، ولذلك ترى الندوة أن يؤخذ بها في كل ما يؤخذ فيه بالقيافة من باب أولى.
٢ - ترى حلقة النقاش أن يؤخذ بالبصمة الوراثية في حال تنازع أكثر من واحد في أبوة مجهول النسب إذا انتفت الأدلة أو تساوت.
٣ - استلحاق مجهول النسب حق للمستلحق إذا تم بشروطه الشرعية، وترتيبًا على ذلك فإنه لا يجوز للمستلحق أن يرجع في إقراره. ولا عبرة بإنكار أحد من أبنائه لنسب ذلك الشخص ولا عبرة بالبصمة الوراثية في هذا الصدد.
٤ - إقرار بعض الإخوة بأخوة مجهول النسب لا يكون حجة على باقي الإخوة ولا يثبت النسب، وآثار الإقرار قاصرة على المقر في خصوص نصيبه من الميراث، ولا يعتد في ذلك بالبصمة الوراثية.
٥ - عند عرض هذا الموضوع اختلفت وجهات النظر وتشعبت الآراء وطال النقاش في مضمون جواز استلحاق المرأة المجهول النسب على نحو رئي معه إعطاء هذه المسألة مزيدًا من الوقت للدراسة والتأمل.
٦ - لا تعتبر البصمة الوراثية دليلًا على فراش الزوجية؛ إذ الزوجية تثبت بالطرق الشرعية.
٧ - يرى المشاركون ضرورة توافر الضوابط الآتية عند إجراء تحليل البصمة الوراثية:
- أن لا يتم إجراء التحليل إلا بإذن من الجهة الرسمية المختصة.
- أن يجري التحليل في مختبرين على الأقل ومعترف بهما، على أن تؤخذ الاحتياطات اللازمة لضمان عدم معرفة أحد المختبرات التي تقوم بإجراء الاختبار بنتيجة المختبر الآخر.
стр. 605
- يفضل أن تكون هذه المختبرات تابعة للدولة، وإذا لم يتوافر ذلك يمكن الاستعانة بالمختبرات الخاصة الخاضعة لإشراف الدولة، ويشترط على كل حال أن تتوافر فيها الشروط والضوابط العملية المعتبرة محليًّا وعالميًّا في هذا المجال.
- يشترط أن يكون القائمون على العمل في المختبرات المنوطة بإجراء تحاليل البصمة الوراثية ممن يوثق بهم علمًا وخلقًا، وألا يكون أي منهم ذا صلة قرابة أو صداقة أو عداوة أو منفعة بأحد المتنازعين، أو حكم عليه بحكم مخل بالشرف أو الأمانة» (١).
ولعله ليس هناك فرق كبير فيما توصلت إليه الهيئتان الموقرتان، ولكن ما توصلوا إليه ليس إجماعًا من الحضور، ولكن القرارات تصدر في المجامع بالتوافق أو بأغلبية الأعضاء، ومن هذا المنطلق، فإني أناقش في الصفحات القادمة هذه التوصيات، مستحضرًا خطر الموضوع وضعف عارضتي ولكن لا بد للباحث من أن يكون له رأي، فأقول:
التوصية بضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة.
أما التوصية بضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة فذلك أمر لا جدال فيه، وذلك لأن هذه الاختبارات المعملية يقوم بها بشر، وأن الاختبار نفسه وإن كان في غاية الدقة إلا أن الأخطاء البشرية قد تؤدي في مثل ما نحن بصدده إلى كوارث.
ولذلك يكون مناسبًا أخذ كل الاحتياطات المشار إليها من تعدد المختبرات وأهلية وأمانة العاملين فيها كما أنه يفضل أن تكون تابعة للدولة حتى لا يحصل تلاعب. وليس اشتراط التعدد هنا لكون الإعلان عن نتيجة التحليل من باب الشهادة، بل هو من باب الإخبار (الرواية)، ولكنه من أجل زيادة الاستيثاق من عدم حصول أي خطأ تقني أو فني في عملية الاختبار، وكذلك الاطمئنان إلى عدم وقوع تلاعب بالنتائج من قبل القائمين على أحد المعامل.
стр. 606
ومما يصنع في الغرب لضمان المصداقية هو ما يسمى بالتعمية، فلا يدري القائمون على العمل بالمختبرات شيئًا عن شخوص المفحوصة عيناتهم، بل تأتيهم العينات مرقمة من الجهات الطالبة للتحاليل.
تقرير دقة البصمة الوراثية في التحقق من الوالدية.
وأما التوصية الأولى وهي الخاصة بتقرير دقة البصمة الوراثية في التحقق من الوالدية، فأحب أن أضيف إليها أن التحقق بالنفي آكد من الإثبات فإنه دقيق - من غير عنصر الخطأ البشري - بنسبة ١٠٠%، فإذا اشترط تعدد المعامل كانت نسبة الدقة ١٠٠% كما أظهرت ذلك الدراسات المذكورة في المطلب السابق. ولذلك أتحفظ على وصف نتيجة الاختبار بالنفي بالقرينة القوية بل هي دليل قوي (١).
ويتبع هذا التحفظ أن الاقتصار على استعمال البصمة الوراثية فيما تستعمل فيه القيافة غير صحيح؛ فإن القيافة يستعملها الجمهور في إثبات النسب عند التنازع إذا لم يكن أحد المتنازعين الزوج وكان الطفل مجهول النسب (٢). ولكن الدائرة التي يمكن استعمال البصمة الوراثية بها أوسع بكثير من ذلك؛ لما بين الطريقتين من الفرق بين ما هو قائم على الظن
стр. 607
الغالب المقارب للشك وما هو قائم على القطع واليقين أو الظن الغالب المقارب لهما. وسواءٌ سميت البصمة دليلًا قياسًا على أدلة الإثبات الشرعية - وهو الأصوب - أو قرينة قوية، فإن من هذه القرائن ما هو أقوى من البينات؛ قال الإمام ابن القَيِّم ﵀: «ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المسروق مع المتهم، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار» (١). وسواء اتفقنا معه ﵀ على عين هذا المثال أو لم نتفق، فإن في تطبيقات الطب الشرعي العديد من الأمثلة التي تثبت سلامة منحاه كما تقدم عند الكلام على حجية الدليل المادي.
وقبل أن أذكر أمثلة لما يمكن استعمال البصمة الوراثية به ينبغي التأكيد على الآتي:
• أولًا: إذا كان النسب ثابتًا بأحد وسائل الثبوت الشرعية، ولم ينازع في ذلك الأب ولا الابن فلا يجوز بحال أن يلجأ أحد إلى البصمة الوراثية ولا غيرها لتغيير تلك الحال؛ لما يؤدي إليه ذلك من تفكك الأسر وقطيعة الأرحام وشيوع الريبة في المجتمع.
ولا يجوز لغير الزوج - قبل إقراره - التشكيك في صحة نسب ثبت بالفراش أو طلب التحقق منه. ومن شكك فيه، وإن كان الابن، فهو متعرض لسخط الله ومستحق لحد القذف.
• ثانيًا: لا يجوز للأب أن ينفي ابنه أو يطلب التحقق من نسبه لمجرد الظن الضعيف أو لكون ابنه على غير لونه مع عدم وجود قرينة أخرى، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود! فقال النبي ﷺ : هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما لونها؟ قال: حُمْر، قال: هل فيها من أوْرَق؟ قال: إن فيها لوُرْقًا، قال: فأنى أتاها؟ قال: عسى أن يكون نَزَعه عِرْق، قال: وهذا عسى أن يكون نَزَعَهُ عِرْقٌ» (٢).
стр. 608
أما إذا كانت هناك قرينة أخرى وصار ظنه غالبًا، فإن الحنابلة والشافعية (١) يجيزون له أن ينفي الولد، وفي حالتنا هذه فالاستيثاق ممكن قبل النفي.
• ثالثًا: لا يجوز للابن أن ينتفي من أبيه الذي ولد على فراشه؛ لأن الفراش أقوى الأدلة الشرعية على ثبوت النسب لقوله ﷺ : «الولد للفِراشِ» (٢) ولما يستتبعه ذلك - والذي يعرف بدعوى تصحيح النسب - من قطيعة للأرحام وعقوق وشيوع للريبة في المجتمع، ولكون الرغبة من التحقق من نسب ثابت بالفراش من الوسوسة وتتبع العورات، وقد نهينا عن ذلك كله كما نهينا عن الطعن في الأنساب.
أما إذا كان النسب ثبت بغير طريق الفراش من الأدلة الأخرى، وقام دليل آخر يعارضه أقوى منه، فعندها يمكن اعتماد البصمة الوراثية لحل النزاع متى كان صاحب الدعوى الوالد أو الولد، وإنَّ مَنْع الفقهاء من استخدام القيافة لتصحيح نسب مستقر راجع إلى ضعف القيافة كدليل، فلم تصلح لتعارض الأدلة الأقوى منها كالبينة والإقرار والاستفاضة، ولكن البصمة قد تصلح لمعارضة الإقرار مع عدم وجود الفراش وظهور ما يعارضه.
• رابعًا: لا يجوز لغير الزوجين والأبناء اللجوء إلى البصمة الوراثية لتحقيق نسب ثبت بأي من وسائل الإثبات الشرعية قوية كانت أو ضعيفة، فإن الشارع متشوف لإثبات النسب لا نفيه، متشوف إلى الستر لا هتكه. لذا فإن صاحب الدعوى لا بد أن يكون الوالد أو الولد مع كون الدعوى مما تسمح به الشريعة.
стр. 609
• خامسًا: لا يجوز التصحيح الجماعي للأنساب أو المسح العام للأنساب لما فيه من الفتنة وقطع الأرحام وفضح المستور وحصول البلبلة في المجتمع.
أقول هذا، وإن كان على الفقهاء أن يتنبهوا إلى أن اليوم الذي تطبع فيه البصمة الوراثية على شهادة ميلاد كل طفل وتكون جزءًا من تحقيق هويته ربما لم يعد بعيدًا جدًّا، وستدفع إليه أنظمة الحكم لمصلحة الأمن ومنع الجريمة والاحتيال وانتحال شخصية الغير، فعلى المجتمع بكل شرائحه، وعلى رأسهم الفقهاء، أن يعدوا لمثل هذا اليوم.
• سادسًا: لا ينبغي في المجتمع المسلم - الذي يحرص على الستر وحفظ الأعراض وحرمة البيوت - أن يكون حق إجراء هذه التحليلات المعملية (١) متروكًا للأفراد، بل ينبغي أن يكون بيد القضاة الشرعيين وحدهم، وإلا حصل من الفتن والفساد الشيء العظيم.
• سابعًا: البصمة الوراثية لا ينبغي أن تكون دليلًا لثبوت النسب ابتداءً ولكن تستعمل عند التنازع أو ضياع النسب. وإن الحكم بالقيافة والقرعة إنما كان عند التنازع؛ والبصمة كذلك، وإن كانت تطبيقاتها أكثر لقوتها ولكنها ليست بديلًا منفردًا عن أدلة الثبوت المستقرة كالفراش والبينة والاستفاضة والإقرار، وإن صلحت لمعارضة بعضها عند التنازع. وعليه، فإنها تصلح لإثبات النسب مع الإقرار أو غيره من الأدلة، فإذا لم يكن ثمة فراش أو إقرار أو بينة، ضيق على الوالد حتى يقر، وإلا لم يثبت النسب بها وحدها.
стр. 610
• أما المواطن التي يمكن استخدام البصمة الوراثية فيها دون القيافة فهي فيما يظهر لي:
١ - نفي الوالد لولده:
إن العمل بالبصمة الوراثية لن يلغي حكم اللعان (١)، ولكنه سيساعد في تطبيقه.
إن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦].
فاللعان إذًا لا يلجأ إليه إلا عند تعذر البينات وعدم وجود الشهود. ولم يكن نفي الزوج الولد المولود على فراشه ممكنًا من غير شهود (٢) ولذلك شرع الله اللعان، أما وقد أنعم الله علينا بوسيلة أقرب إلى التوصل للحقيقة وإقامة العدل، فالواجب الأخذ بها، فيشترط القاضي على الملاعن الذي يريد أن ينتفي من ولده أن يجري فحوص البصمة، فإن أظهرت عدم أبوته للولد، فعندها يلاعن ووجه ذلك أنه حتى لو أقرت المرأة بالزنا من غير لعان، فإن الولد لا ينتفي إلا باللعان، وهذا الحكم لردع الرجال عن الانتفاء إلا عند أشد الظروف، فإن في اللعان أمام الخلق ما فيه مما يحجز أكثر الناس عنه. وإنه لو اكتفي بالبصمة في الانتفاء لاستسهل ذلك كثير من الناس.
стр. 611
أما إذا أثبتت البصمة أبوته للولد، فلا يجوز له أن ينتفي من الولد (١) وإن جاز أن يلاعن للتفريق بينه وبين زوجه وإسقاط حد القذف عن نفسه، وذلك لأنها ربما زنت ولكن الولد جاء من زوجها الذي جامعها في نفس الطهر الذي زنت فيه.
أما الملاعن لغرض تهمة الزوجة بالزنا دون الانتفاء من ولد فلا شأن للبصمة الوراثية به.
وهل يأمر القاضي الملاعن أثناء حمل امرأته بالتربص حتى تلد وتُجْرَى فحوص البصمة؟ لعل هذا لن يُحْتاج إليه عمليًّا، فإن عينة من المشيمة - والتي تؤخذ والجنين في الرحم - يمكن أن تُجْرى عليها تلك الفحوص. أما إذا تعذر ذلك، فلا يستبعد أن يأمر القاضي الملاعن بالتربص، فإن الحنفية لا يجيزون ملاعنة الحامل أصلًا وهو المشهور عند الحنابلة خلافًا للمالكية والشافعية (٢)، وهذا وإن كان القول الثاني هو الأقوى لأنه ظاهر من الحديث أن هلالا ﵁ لاعن وامرأته حامل، ولذا قال ﷺ : «انظروه فإن جاءت به ... » ولكن ولي الأمر له أن يمنع سماع بعض الدعاوى (٣)، وهو هنا لا يزيد على تأجيل سماع الدعوى.
стр. 612
والسؤال الآخر هنا هو ماذا لو ثبت أن الولد ليس ابن الزوج، هل يقام الحد على الزوجة؟
والجواب أن أمر البصمة الوراثية ليس متفقًا عليه بين الفقهاء، وكفى بذلك شبهةً تدرأ الحد عن المرأة، ولا يتصور أن يحصل الإجماع على مثل هذا؛ لأنه كأكثر قضايا النوازل التي ليس فيها نص صريح يتعذر أن يتفق الناس عليها، ولذلك ستبقى إقامة الحدود - دون درئها - خارج دائرة استعمال البصمة الوراثية فيما أراه والله تعالى أعلم.
أما لو اتفقوا على كون البصمة دليلًا، فيجوز أن يجري فيها الخلاف الجاري في الحمل يظهر على المرأة لا زوج لها هل تحد (١).
٢ - الاستلحاق:
أما قولهم - حفظهم الله - في التوصية الثالثة: إن استلحاق مجهول النسب حق للمستلحق إذا تم بشروطه الشرعية، فصحيح، ولكن إذا استلحق الولد رجلان فيعمل بالبصمة لأنها أقوى من القيافة؛ وكذلك إذا ظهرت قرائن كذب المستلحق أو كذبته زوجه يعمل بالبصمة لقطع التنازع؛ وإذا ادعى لقيطًا واحتاج إلى بينة - كما هو عند المالكية - احتكم إلى البصمة. وقد يسوغ اشتراط عمل فحوص البصمة عند الاستلحاق، فإن الفقهاء اشترطوا فيه ألا يكذبه العقل أو الحس (٢) أو الشرع (٣)، فإن
стр. 613
كذبته البصمة لم يثبت. وقد يعارض بأن الشارع متشوف لإثبات النسب والمستلحق له حق الاستلحاق ما كانت أبوته للولد ممكنة. ولكن يبقى أنه إن لم يكن الأب الحقيقي فإنه يدخل على قومه من ليس منهم ويكون هذا المُقَر له (١) محرمًا لزوجه وبناته وليس بينهم علاقة. وقد يسبق رجل أو امرأة إلى استلحاق طفل مجهول النسب كما في الحروب وغيرها من الكوارث، فيثبت بذلك النسب، ويحرم الوالد الحقيقي الذي تأخر في الدعوى من حقه في ولده (٢).
٣ - الولد يستلحقه إنسان ثم يبلغ ويظهر له أنه ليس أباه وأن أباه غيره:
فقد يكون له أن يطلب الاستيثاق بالبصمة الوراثية. وذلك أن هذا الولد الذي بلغ وظهر له أنه نسب إلى غير أبيه بين مفسدتين: الأولى نقض نسب قد ثبت بطريقة شرعية، الثانية أن يدعي إلى غير أبيه وهو يعلم ذلك. قال رسول الله ﷺ : «مَن ادَّعَى إِلى غَيْرِ أَبِيهِ أَو انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجمَعِين لا يَقْبَلُ اللهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا» (٣).
فإن كان ظنه غالبًا أنه ليس ابن ذاك الرجل الذي استلحقه، فله أن يطالب بتصحيح النسب (سبق أن بينا أن هذا إذا لم يكن النسب قد ثبت بالفراش، فإن النسب الثابت بالفراش لا يحل الطعن فيه من قبل الولد ولا أحد سوى صاحب الفراش).
стр. 614
٤ - تفيد البصمة الوراثية في تحديد أنساب مجهولي النسب من اللقطاء:
فيسهل على السلطات التعرف على آباء الطفل اللقيط الذي ترك بجانب مسجد أو دار أيتام أو غيرها، وفي ذلك حفظ لحق الطفل وتحميل المسؤولية للوالدين ورفع العبء عن كاهل المجتمع في تربية هذا العدد الكبير من الأطفال، إلى غير ذلك من الفوائد. على أن النسب سيثبت بالفعل للولد ببينة أو إقرار.
٥ - إذا تنازع رجل وزوجه في ولد:
فادعت أنه ولدها من غيره وادعى أنه ولده من غيرها - وذلك في ولد سابق على زواجهما - ولم تكن لأحدهما بينة قضي بينهما بالبصمة. أو ادعى الزوج على امرأته أنها حملت بالولد قبل الزواج أو بعد الطلاق.
٦ - في حالة وطء امرأة متزوجة بشبهة:
فيمكن عندها للبصمة أن تنسب الولد إلى الزوج أو الواطئ بشبهة (١).
أما قولهم - حفظهم الله - في التوصية الرابعة:
«إقرار بعض الإخوة بأخوة مجهول النسب لا يكون حجة على باقي الإخوة ولا يثبت النسب، وآثار الإقرار قاصرة على المقر بخصوص نصيبه من الميراث، ولا يعتد في ذلك بالبصمة الوراثية».
فإن المرء يتردد في ذلك، وقد يكون ذلك وجيهًا، فإن الإقرار حجة قاصرة على المُقِر دون غيره، وحتى مع وجود البصمة وإمكان التثبت فقد يقال إن الحقوق الاجتماعية لا تفرض
стр. 615
على الناس بالوسائل التقنية مجردة من الاعتبارات الأخرى، فإن مجهول النسب هذا الذي لا يمكن إلحاقه بأبيه بأحد الأدلة الشرعية السابق ذكرها كالفراش والبينة والاستفاضة والإقرار، وقد مات أبوه فلا نستطيع أن نلزمه بمسؤوليته الآن تجاه الولد، والورثة نشؤوا وهم لا يعرفون أن لهم أخًا آخر حتى مات أبوهم وجاء وقت قسمة الميراث، فإن ظهور أخ أو إخوة الآن فجأة، مع عدم كون أمه فراشًا أو عدم القدرة على إثبات ذلك أمر يؤدي إلى اضطراب في العلاقات الاجتماعية، ولا يمكن أن يجبر هؤلاء على قبول ذاك الأخ أو أولئك الإخوة إلا عن رضى نفس، ولكن يقال إنهم إذا أرادوا التحقق من النسبة الطبيعية (البيولوجية) لهذا الأخ المزعوم بأبيهم فإن لهم طلب الاستيثاق عن طريق البصمة الوراثية.
وقد يعارض ذلك بأن بعض الفقهاء يجعلون إقرار أخوين أو أخ وشخص آخر بينة على النسب، فهل إقرار أخ وتأييد البصمة له يعامل كبينة؟ وهل ادعاء الولد البنوة وتأييد البصمة للدعوى يثبت النسب؟ لا شك أنه محتمل جدًّا سيما عند من يرى أن نسب ولد الزنا يثبت للزاني ما لم تكن الأم فراشًا لغيره.
أما توقفهم - حفظهم الله - في التوصية الخامسة في جواز استلحاق المرأةِ المجهولَ النسب، فلا شك أن هذا الموضوع متشعب وأهل العلم قد اختلفوا فيه قديمًا، قال الغَزالِيّ ﵀: «وفي استلحاق المرأة ثلاثة أوجه [أي عند الشافعية] أحدها الصحة كالرجل، والثاني لا لأن الولادة يمكن إثباتها بالشهادة بخلاف الأب، والثالث أنها إن كانت خلية من الزوج لحقها وإن كانت ذات زوج فلا يمكن الإلحاق بها دون الزوج، ولا يمكن الإلحاق بالزوج مع إنكاره» (١).
стр. 616
• والذي يظهر لي أن المرأة قد تعجِز في بعض الأحيان عن إثبات الوِلادة بالشهادة؛ كأن تكون وَلَدَت من غير حضور أحدٍ أو ماتت القابلة أو حصل لُبس في المستشفى أو غير ذلك. وعندها فإن استعمال البصمة الوراثية يكون مناسبًا؛ (١) فإن كانت المرأة خَلِية من الزوج جرى في حقها الخلاف الحاصل في المرأة تحمل ولا زوج لها (٢) وإن كانت ذات زوج فإن هذا الزوج إما أن يقر بالطفل أو ينفيه، وفي حالة نفيه فإنه يلجأ أيضًا إلى البصمة الوراثية لنفيه ولا تلزمه للإقرار.
• إن التقدم الطبي قد يسر لنا سبلًا ووسائل للتوصل إلى الحقيقة وإقامة العدل، مثل بصمات الأصابع التي تستخدم ضمن الأدلة الجنائية في كل أنحاء العالم. والبصمة الوراثية توصلنا إلى التأكد من صاحب النطفة التي كان منها الولد، ومن ثم يلحق به الولد الذي لا والد له غيره أو المتنازع فيه بين متساويين في الحق. وإن مقصود الشارع هو إقامة العدل والتوصل إلى الحقيقة فأيما وسيلة أوصلت إلى ذاك المقصود فحكمها حكمه (٣) ما لم تكن حرامًا أو ملغاة بدليل من الوحي. وفي نفس الوقت فإن ثبوت النسب بالفراش هو أقوى أنواع الثبوت، والنصوص ظاهرة على عدم التعرض لهذا النسب بالتشكيك. وإن التمسك بذلك ليس لترقيع الواقع
стр. 617
على حساب الحقيقة، بل هو من موافقة حكمة الشارع في الحفاظ على سلامة المجتمع والأسرة وطرح الوسوسة والريبة.
هذا ما ترجح لدي بشأن الاستفادة من التطور الطبي المتعلق بالبصمة الوراثية في تحقيق مقصود الشارع بحفظ الأنساب وعدم اختلاطها، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 618
الفصل الثاني: الحدود والجنايات
وفيه مبحثان:
الأول: استيفاء القِصاص
الثاني: حكم الإجهاض
стр. 619
المبحث الأول: استيفاء القِصاص في العظام
والجروح والشجاج وإذهاب المنافع
المطلب الأول: أقوال الفقهاء في تحديد ضابط الأمن من الحيف في استيفاء القِصاص فيما دون النفس.
المطلب الثاني: أقوال الفقهاء في الرجوع إلى الأطباء وأهل الخبرة والرأي.
المطلب الثالث: رأي الطب الحديث في إمكانية استيفاء القِصاص من غير حيف أو سراية.
المطلب الرابع: أثر تطور الصناعة الطبية على الفتوى
بشأن استيفاء القِصاص.
стр. 620
المبحث الأول: استيفاء القِصاص في العظام
والجروح والشجاج وإذهاب المنافع
شرع الله ﵎ القِصاص ليكون رحمة للمجتمع من بغي وعدوان من لا وازع من دين أو خلق في نفوسهم يحجزهم عن سفك الدماء والعدوان على أبدان الناس.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]
أي أن قتل من قتل وقطع من قطع جدير بأن يردع المجرمين عن الاستطالة في دماء وأبدان الناس، ومن ثم يحفظ حياة الناس وطمأنينتهم والسلام في مجتمعاتهم.
ومن حِكَم القِصاص أن المعتدَى عليه قلما يشفي غل صدره وضعُ المجرم المعتدي في السجن بضعة أشهرٍ أو أعوامٍ، وقد قطع عضوًا من أعضائه أو أذهب منفعة من منافعه كالبصر مثلا.
إن هذا المظلوم لا يشفي صدره سوى أن يرى الجاني وقد فُعِل به قصاصا مثل ما فَعَل به عدوانًا.
ولما كان العدل مقصودًا في القِصاص، فإن هذه القاعدة روعيت حتى مع الجاني فلا يجار عليه في القِصاص، فمن قطع يدًا من الرسغ، فلا يجوز أن تقطع يده من المرفق وهكذا، بل يتوخى العدل الكامل؛ قال تعالى:
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]
стр. 621
وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]
وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]
وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]
من أجل ذلك اشترط الفقهاء لاستيفاء القِصاص الأمن من الحيف مع شروط أخرى، كالمماثلة في الاسم والموضع، والاستواء في الصحة والكمال، بالإضافة إلى كون مستحق القِصاص مكلفًا عامدًا مكافئًا للمجني عليه.
ولم يخالف في اشتراط الأمن من الحيف إلا الإمام ابن حَزْم ﵀ (١) الذي استدل بعمومات الأمر بالقصاص من غير استثناء، فنوقش بأن هذه العمومات إنما هي مع المماثلة المأمور بها، وهي متعذرة في بعض الأحوال، فلا يكون فيها قصاص.
ولا يُتصوَّر أن شيئًا من المستجدات الطبية قد يغير أيا من هذه الشروط، ولكن تطبيقات الفقهاء للشرط الأول هي التي قد تتغير.
إن الفقهاء ﵏ قد اتفقوا على إمكان استيفاء القِصاص من غير حيف في بعض الجروح والشجاج، وعلى عدم إمكانه في بعضها - باستثناء ما كان من إنكار ابن حَزْم لأصل الشرط- واختلفوا في بعض التطبيقات.
стр. 622
والطب الحديث مع تطور علم وصناعة الجراحة يوسع دائرة الممكن في استيفاء القِصاص توسيعًا مذهلًا، وإن بقيت بعض الجروح خارج دائرة الإمكان لتعذر أمن الحيف أو إمكان حصول السراية (١).
ونحن في هذا المبحث نتناول أقوال أهل العلم في إمكان القِصاص في أنواع الجروح والشجاج وإذهاب المنافع، وإبانة الأعضاء وكسر العظام ثم نعرض رأي الطب الحديث ونبين المواطن التي وسعت فيها الصناعة الطبية الحديثة دائرة الإمكان في استيفاء القِصاص.
* * *
стр. 623
المطلب الأول: أقوال الفقهاء في تحديد ضابط الأمن من الحيف
في استيفاء القِصاص فيما دون النفس
قبل الكلام عن تفاصيل ما اتفقوا عليه واختلفوا فيه ﵏، ينبغي أن نذكر أن المالكية هم أوسع المذاهب في استيفاء القِصاص بعد الظاهرية، لأنهم وإن أقروا بأصل اشتراط الأمن من الحيف، إلا أن الحيف عندهم الذي ينبغي تجنبه هو ما يعظم فيه الخطر فيؤدي إلى هلاك الجاني، وليست الزيادة البسيطة الممكنة عند استيفاء القِصاص من الحيف الذي ينبغي أن يجتنب (١).
* ولكن الجمهور يشترطون الأمن من الزيادة (٢) وإن لم يكن خوف على حياة الجاني.
* أما الظاهرية فلا يعتبرون شرط الأمن من الحيف الذي يعتبره الجمهور، والذين يعتبر أكثرهم كل زيادة حيفًا، بينما يقتصر المالكية على اعتبار الزيادة المخوفة دون غيرها.
إذا عرف ذلك، فماذا عن تطبيقات تلك القواعد في فتاواهم-﵏؟
أما الظاهرية فقالوا: «القِصاص واجب في كل ما كان بعمد من جُرح أو كَسر لإيجاب القرآن ذلك في كل تعدٍ وفي كل حرمة وفي كل عقوبة وفي كل سيئة وورود السنن الثابتة
стр. 624
عن رسول الله ﷺ وبقي الكلام هل في ذلك العمد دية يتخير المجني عليه فيها أو في القِصاص أم لا» (١).
واتفقوا على وجوب القِصاص في:
١ - القطع من مفصل (٢) كالرسغ والركبة.
٢ - الشجاج والجروح التي تنتهي إلى عظم (٣).
٣ - كل قطع له حد ينتهي إليه كالذكر ومارن الأنف (٤) وقلع السن (٥).
٤ - إذهاب منفعة البصر (٦).
واتفقوا على عدم القِصاص في:
١ - زوال بعض المنافع كبعض السمع أو البصر لتعذر التماثل وعدم الحيف قال القُرْطُبِيّ ﵀ «ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قود في بعض البصر إذ غير ممكن الوصول إليه» (٧).
стр. 625
٢ - ما فوق الموضحة من الشجاج قال ابن قُدامة ﵀: «فأما ما فوق الموضحة فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القِصاص إلا ما روي عن ابن الزبير أنه أقاد من المُنَقِّلة وليس بثابت عنه» (١).
الجائفة، وهي الجرح في البدن يصل إلى الجَوْف، ونقل ابن قُدامة ﵀ الإجماع على عدم القِصاص فيها (٢).
واختلفوا ﵏ في إمكانية المماثلة والأمن من الحيف في:
١ - القطع من غير مفصل .
٢ - ما دون الموضحة من الشجاج والجروح التي لا تنتهي إلى عظم.
٣ - قطع بعض المارن والأذن واللسان والشفة وشفري المرأة.
٤ - كسر العظام من غير قطع اللحم وكسر السن دون قلعها.
القطع من غير مفصل:
أما القطع من غير مَفصِل، كالقطع من نصف الساعد أو الساق، فاختلف فيه الفقهاء:
* فذهب الجمهور من الحنفية (٣) والحنابلة (٤) والشافعية (٥) إلى عدم القِصاص فيه لتعذر المماثلة والأمن من الحيف.
стр. 626
* وذهب المالكية (١) والظاهرية (٢) إلى وجوب القِصاص فيه، إلا أن المالكية استثنوا ما كان مخوفًا.
* أما الجمهور فدليلهم العمومات الناهية عن التعدي.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]
وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]
وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠].
واستدلوا بما رواه البَيْهَقِيّ وابن ماجه عن نِمْرَان بن جارية عن أبيه «أَنَّ رَجُلا ضَرَبَ رَجُلا على سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا من غَيْرِ مَفْصِلٍ فَاسْتَعْدَى عليه النبي ﷺ فَأَمَرَ له بِالدِّيَةِ فقال: يا رَسُولَ اللهِ إني أُرِيدُ الْقِصَاصَ فقال: خُذ الدِّيَةَ بَارَكَ الله لك فيها ولم يَقْضِ له بِالْقِصَاصِ» (٣).
стр. 627
والحديث ضعيف ضعفه جمع من أهل العلم بجهالة نمران بن جارية وضَعفِ دهثم ابن قران.
واستدلوا من التعليل بكون الجاني معصومًا إلا في قدر جنايته وما زاد عليها يبقى على العصمة فعند عدم أمان الزيادة فلا يحل الاستيفاء لأنها من لوازمه (١).
* أما ابن حَزْم ﵀ فإنه يبطل شرط أمان الزيادة ويستدل بعمومات القرآن والسنة القاضية بوجوب القِصاص، ولم تستثن من ذلك شيئًا.
قال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ولم يصح شيء عن الرسول ﷺ في الاستثناء.
وقال إن ما ورد عن الصحابة في استثناء بعض الجروح والكسور ليس إجماعًا منهم، وقد اختلفوا فلا يكون عندها قول أحدهم حجة (٢).
* أما المالكية فقد توسطوا فجعلوا القِصاص واجبًا في كل جرح وقطع إلا أن يكون مخوفًا أو يؤدي إلى جائفةٍ كأعلى الفخذ.
• الترجيح:
ولعل الراجح هو ما ذهب إليه المالكية وذلك للآتي:
١ - عموم الأدلة على وجوب القِصاص في الجروح وعدم ثبوت الاستثناء. أما استثناء ما كان مخوفًا، فلابد منه إذ إن للنفس حرمة فوق حرمة الأعضاء، وبذلك يقر الإمام
стр. 628
ابن حَزْم ﵀ (١) فمتى خيف على الجاني الهلاك، فلا مسوغ لاستيفاء القِصاص إلا أن يهلك المجني عليه فتكون عندها نفس بنفس.
٢ - ليست العظام والجروح في الجسم سواءً، بل منها المخوف وغيره فيكون القِصاص المأمور به في الآيات في غير المخوف.
٣ - القول باشتراط الأمن من مطلق الزيادة ووجوب تحقق المماثلة المطلقة يؤدي إلى إسقاط القِصاص بالكلية فإن ذلك متعذر حتى فيما اتفقوا عليه كقطع مارن الأنف والذكر والقطع من المَفصِل. لذا، فيجتنب الحيف الظاهر المتعمد ولا يشترط اجتناب كل زيادة.
٤ - قضى رسول الله ﷺ بالقِصاص في كَسْرِ السن فقد روى أنس ابن مالك «أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا النبي ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فقال أَنَسُ بن النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يا رَسُولَ اللهِ لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فقال يا أَنَسُ كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا ... » (٢) والمماثلة المطلقة هنا غير ممكنة ولا يُؤْمَن مطلق الزيادة.
ما دون الموضحة من الشجاج، والجروح التي لا تنتهي إلى عظم:
أما الشِّجاج فهي جروح الرأس والوجه دون اللَّحْي الأسفل.
وهي عشرة أنواع:
١ - الحارصة بالحاء والصاد المهملتين التي تحرص الجلد أي تشقه قليلا ولا تدميه وتسمى أيضا القاشرة.
стр. 629
٢ - البازلة أو الدامية أو الدامعة بالعين المهملة لقلة سيلان الدم منها تشبيها بخروج الدمع من العين وهي التي يسيل منها الدم.
٣ - الباضعة وهي التي تبضع اللحم أي تشقه بعد الجلد ومنه سمي البُضع.
٤ - المتلاحمة وهي الغائصة في اللحم.
٥ - السِّمحاق وهي التي ما بينها وبين العظم قشرة رقيقة تسمى السمحاق.
٦ - المُوضِحة وهي ما توضح اللحم.
٧ - الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه.
٨ - المُنَقِّلة وهي ما توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها.
٩ - المأمُومَة وهي التي تصل إلى جلدة الدِّمَاغ وتسمى الآمة وأم الدِّمَاغ.
١٠ - الدَّامغة بالغين المعجمة وهي التي تخزق الجلدة المحيطة بالدِّمَاغ.
وأسماء جراح الجسد توافق الشجاج في الثمانية الأولى وتختص الرأس بالمأمومة والدامغة بينما يختص الجسد بالجائفة وهي التي تصل إلى بطن الجَوْف كبطن وظهر وصدر وعنق ومثانة وبين خُصيتين (١).
ولا خلاف بين الفقهاء سوى ابن حَزْم في عدم القِصاص فيما فوق الموضحة في الرأس:
ولم يقل به أحد من السلف إلا روايات عن ابن الزبير أنه أقاد من مأمومة ومن منقلة (٢).
стр. 630
وقال ابن عبد البر في «الاسْتِذْكَار»: «ولعل ابن الزبير لم يخف من المنَقِّلة التي أقاد منها ولا من المأمومة تلفًا ولا موتًا فأقاد منهما على عموم قول الله تعالى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]» (١).
فإن ثبتت هذه الروايات عن ابن الزبير (٢) فلا حجة في فعله مع إنكار الناس عليه ﵁.
ووجه عدم الاستيفاء فيما فوق الموضحة ظاهر في أزمنتهم للخطر وعدم أمان الحيف البالغ والسِّراية التي قد تؤدي إلى هلاك النفس.
ما فوق الموضحة في البدن:
أما ما فوق الموضحة في البدن، فإن المالكية يرون استيفاء القِصاص فيها. قال الخَرَشِيّ ﵀: «فالمنقلة الكائنة في الرأس لا قصاص فيها وأما المنقلة في الجسد فقد مر أنه يقتص منها» (٣).
والجمهور على منع القِصاص في البدن والرأس (٤).
أما ما دون الموضحة من الشجاج والجراح، فقد اختلفوا في وجوب القِصاص فيها:
فذهب الجمهور إلى عدم وجوب ذلك وهم الحنفية - على خلاف عندهم - والشافعية - على خلاف عندهم فيما فوق ودون الموضحة (٥) - والحنابلة (٦).
стр. 631
* بينما ذهب المالكية (١) والظاهرية (٢) إلى القِصاص فيها.
* ودليل القول الأول عدم إمكان المماثلة لأن الجُرح أو الشَّجَّة لا ينتهيان إلى عظم. وروي عن النبي ﷺ : «لا طلاق قبل ملك ولا قصاص فيما دون الموضحة من الجراحات» (٣). والحديث فيه انقطاع فلا يصح.
* ودليل أصحاب القول الثاني هو عموم الأمر بالقِصاص في الجروح وإمكان المماثلة، فالخلاف بينهم أكثره في تصور الواقع المحكوم عليه، وليس من نصٍّ صريحٍ صحيحٍ يحسم الخلاف.
ثم إن السبب الآخر للخلاف هو الفرق بين فهم المالكية وفهم الجمهور لشرط الأمن من الحيف الذي اتفقوا جميعًا عليه كما قدمنا.
أما اختلافهم في قطع بعض المارن والأذن واللسان والشفة والجَفْن والألْية وشفري المرأة فراجع أيضًا إلى إمكان المماثلة كونها تنتهي إلى حد أو لا؛ فمن رأى إمكانها قضى بالقِصاص وإلا فلا.
كسر العظام:
أما كسر العظام:
فالجمهور على عدم القِصاص في عظام البدن، وهم الحنفية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦).
стр. 632
بينما يرى المالكية القِصاص فيها (١). واتفقوا مع الجمهور على عدم الاستيفاء في كسر عظام الرأس (٢) وما يعظُم فيه الخطر كعظام الصدر والصُّلب والعنق وما أشبه ذلك (٣).
واحتج الجمهور بعدم إمكان المماثلة، وأن الكسر لا يكون إلا إذا أصاب ما حوله من اللحم ضرر لا يمكن تقديره. واستدلوا على المالكية باتفاقهم على عدم الاستيفاء في عظام الرأس فكذلك البدن (٤).
والجواب هو الفارق بين عظام الرأس وسائر البدن وأن المالكية لا يستثنون الرأس فقط بل والصدر والصلب والعنق وما أشبه ذلك مما في كسره خطر على حياة المستوفى منه، وكل ذلك جريًا على قاعدتهم في الاستيفاء ما أمكن ما لم يؤد إلى خطر الهلاك على الجاني فلم يتناقضوا.
أما عدم إمكان المماثلة المطلقة فإن المطلوب مطلق المماثلة وإلا تعطل القِصاص فيما دون النفس جملةً.
* واستدل المانعون من القِصاص في العظام بآثار منها:
ما رواه عبد الرزاق عن عِكْرِمَة يبلغ به النبي ﷺ قال: «لا قود في الشلل ولا في العرج ولا في الكسر وفيه العقل» (٥).
وما رواه ابن أبي شَيْبَة:
• «عن عَطَاء عن عمر قال إنا لا نُقيد من العظام ...
стр. 633
• وعن ابن عباس قال ليس في العظام قصاص ...
• وعن حُصَين قال كتب عمر بن عبد العزيز ما كان من كسرٍ في عظم فلا قصاص فيه ...
• وعن الشَّعْبِيّ قال ليس في شيء من العظام قصاص إلا الوجه والرأس ...
• وعن الزُّهْرِيّ قال ليس في الآمة ولا في الجائفة ولا في كسر العظام قصاص» (١).
أما ما روَوْه عن رسول الله ﷺ فلا يثبت للانقطاع وكذلك ما روَوا عن عمر وابن عباس (٢) وأما ما رووا عن التابعين فلا حجة فيه وإن صلَح للاستئناس والاعتضاد.
* ومتمسَّك المالكيةِ عمومُ الأمر بالقِصاص في الجروح وما في معناها من الشجاج وإبانة الأعضاء وإذهاب المنافع ما أمكن مُطلَق المماثلة وما أُمِن الهلاك. وهو الظاهر من مقصود الشرع والأقرب إلى العدل.
• ظهر مما سبق أنهم جميعًا متفقون على وجوب القِصاص إذا أمكن، بل حكى ابن قُدامة الإجماع عليه (٣) وليس في الوحيين استثناءٌ لشيءٍ إلا ما كان من استثناء ما لا يمكن فيه مُطلق المماثلة أو لا يؤمن فيه من هلاك المستوفى منه لما تقدم من أمره تعالى بالمماثلة ومن عصمة الجاني إلا بقدر جنايته وأن الشريعة مبناها على العدل.
• بقي أن كثيرًا من اختلافهم في التطبيق راجع إلى الخلاف في الإمكان، فمن الذي يرد إليه هذا الأمر؟ هذا موضوع المطلب الآتي.
стр. 634
المطلب الثاني: أقوال الفقهاء في الرجوع إلى الأطباء وأهل الخبرة
قرر الفقهاء ﵏ أن معرفة إمكان الاستيفاء واحتمال السراية والمماثلة وإمكان عودة المنفعة للمعتدى عليه وتقدير الجناية وغيرها مما يختص به أهل الخبرة من الأطباء والجراحين، وكانوا يحيلون عليهم ما يتعلق بذلك كله.
قال ابن مُفْلِح: «ولا قَوَد وَلا دِيَة لما رُجِي عودُه من عَيْنٍ أو منفعةٍ في مدةٍ يقولها أهلُ الخبرة» (١)
وقال: «وإِن اختلفا في ذَهاب بصره أُرِي أهلَ الخبرة» (٢).
وفي «الكافي»: «وإن قطعها من الكَتِف فقال أهل الخبرة يمكن الاقتصاص من غير جائفة فله ذلك لأنه متصل وليس له أن يقتص مما دونه وإن قالوا نخاف الجائفة فلا قصاص منها لأنه يخاف الزيادة» (٣).
وفيه: «ولا تؤخذ صحيحة بشلاء لأنها فوق حقه فأما الشلاء بالصحيحة أو بالشلاء فإن قال أهل الخبرة لا يخاف عليه اقتص لأنه يأخذ حقه أو دونه» (٣).
وفي «المُغْنِي»، قال ابن قُدامة: «خلعَ عظمَ المَنْكِب ويقال له مُشْط الكتف، فيرجع فيه إلى اثنين من ثقات أهل الخبرة، فإن قالوا يمكن الاستيفاء من غير أن تصير جائفة، استوفي وإلا صار الأمر إلى الدِّيَة» (٤).
стр. 635
وفي «إعَانَة الطَّالِبِين»، قال الدِّمْياطِيّ (١) ﵀: «نعم إن أمكن في كسر السن بقول أهل الخبرة وجب كأن يكون أصل الجناية بنحو مِنشار أو مبرد فتنشر سنُّ الجاني كذلك» (٢).
وفي «الطُّرُق الحُكمِيَّة»، قال ابن القَيِّم: «ومنها ما يختص بمعرفة أهلِ الخبرة والطب كالمُوضِحَة وشبهها» (٣).
وفي «مجمع الأنهر»، قال شَيْخِي زَادَه (٤) ﵀: «وقيل ذَهاب البصر يعرفه الأطباء، فيكون قول رجلين منهم عدلين حجةً فيه» (٥).
وهذا الذي ذكروا من الرجوع إلى الأطباء في معرفة قدر الجناية وإمكانية عود المنفعة أو العين وإمكانية المماثلة والأمن من الزيادة أو الهلاك بالسراية وغير ذلك يقودنا إلى المطلب القادم وهو معرفة ما أسهم به تطور المعارف والصناعة الطبية في تغير الفتوى في باب استيفاء القِصاص.