← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6862

العاقبة في ذكر الموت

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (355 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الْبَاب الْخَامِس مَا يُقَال عِنْد حُضُور الْمَيِّت وَمَا جَاءَ فِي الْبكاء عَلَيْهِ ذكر مُسلم بن الْحجَّاج عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا حضرتم الْمَرِيض أَو الْمَيِّت فَقولُوا خيرا فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا تَقولُونَ قَالَت فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة أتيت رَسُول الله ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله إِن أَبَا سَلمَة قد مَاتَ قَالَ قولي اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَله واعقبني مِنْهُ عُقبى حَسَنَة قَالَت فَفعلت فأعقبني الله من هُوَ خير لي مِنْهُ مُحَمَّدًا ﷺ وعنها قَالَت دخل رَسُول الله ﷺ على أبي سَلمَة وَقد شقّ بَصَره فأغمضه ثمَّ قَالَ لي إِن الرّوح إِذا قبض تبعه الْبَصَر فَضَجَّ نَاس من أَهله فَقَالَ لَا تدعوا على أَنفسكُم إِلَّا بِخَير فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا تَقولُونَ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لأبي سَلمَة وارفع دَرَجَته فِي المهديين واخلفه فِي عقبه فِي الغابرين واغفر لنا وَله يَا رب الْعَالمين وافسح لَهُ فِي قَبره وَنور لَهُ فِيهِ وَأَبُو سَلمَة هَذَا كَانَ زوج أم سَلمَة وَعَن أم سَلمَة قَالَت لما مَاتَ أَبُو سَلمَة قلت غَرِيب وَفِي أَرض غربَة لأبكينه بكاء يتحدث بِهِ عَنهُ فَكنت قد تهيأت للبكاء عَلَيْهِ إِذْ أَقبلت امْرَأَة من

стр. 142

الصَّعِيد تُرِيدُ أَن تسعدني فَاسْتَقْبلهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَن يدْخل الشَّيْطَان بَيْتا أخرجه الله مِنْهُ مرَّتَيْنِ قَالَ فكففت عَن الْبكاء فَلم أبك وَعَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ قَالَ لما طعن عمر أُغمي عَلَيْهِ فصيح عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أما علمْتُم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء الْحَيّ وَعَن عمر أَيْضا فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمعول عَلَيْهِ يعذب وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما مَاتَ عمر ذكرت ذَلِك لعَائِشَة يَعْنِي قَول عمر عَن رَسُول الله فِي الْبكاء على الْمَيِّت فَقَالَت يرحم الله عمر وَالله مَا حدث رَسُول الله ﷺ قطّ أَن الْمَيِّت يعب ببكاء أحد وَلكنه قَالَ إِن الله يزِيد الْكَافِر عذَابا ببكاء أَهله عَلَيْهِ وَقَالَت عَائِشَة حَسبك الْقُرْآن لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى قَالَ وَقَالَ ابْن عَبَّاس عِنْد ذَلِك وَالله أضْحك وأبكي وَعَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ ذكر لعَائِشَة أَن ابْن عمر يرفع إِلَى النَّبِي ﷺ إِن الْمَيِّت يعذب فِي قَبره ببكاء أَهله فَقَالَت إِنَّمَا قَالَ رَسُول الله إِنَّه ليعذب بخطيئته أَو بِذَنبِهِ وَإِن أَهله ليبكون عَلَيْهِ الْآن وَعَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن أَنَّهَا سَمِعت عَائِشَة ﵂ وَقد ذكر لَهَا أَن عبد الله بن عمر يَقُول إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء الْحَيّ فَقَالَت عَائِشَة يغْفر الله لأبي عبد الرَّحْمَن أما أَنه لم يكذب وَلكنه نسي أَو أَخطَأ إِنَّمَا مر رَسُول الله ﷺ بيهوديه يبكى عَلَيْهَا فَقَالَ إِنَّهُم ليبكون عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لتعذب فِي قبرها

стр. 143

قد صَحَّ حَدِيث عمر وَابْن عمر ﵄ فِي تَعْذِيب الْمَيِّت ببكاء الْحَيّ من حَدِيثهمَا وَصَحَّ أَيْضا من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من نيح عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يعذب بِمَا نيح عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَعَائِشَة ﵂ إِنَّمَا حدثت بِمَا سَمِعت وَأنْكرت مَا لم تسمع وَقَالَ بعض الْعلمَاء أَو أَكْثَرهم إِنَّمَا يعذب الْمَيِّت ببكاء الْحَيّ عَلَيْهِ إِذا كَانَ الْبكاء من سنة الْمَيِّت واختياره أَو يكون قد وَصِيّ بِهِ وَقد روى مَا يدل على أَن الْمَيِّت يُصِيبهُ عَذَاب مَا ببكاء الْحَيّ وَإِن لم يكن من سنته وَلَا من اخْتِيَاره وَلَا مِمَّا أوصى بِهِ ذكر ابْن أبي خَيْثَمَة من حَدِيث قيلة بنت مخرمَة وَذكرت عِنْد رَسُول الله ﷺ ولدا لَهَا مَاتَ ثمَّ بَكت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أيغلب أحدكُم أَن يصاحب صويحبه فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا فَإِذا حَال بَينه وَبَينه من هُوَ أولى بِهِ مِنْهُ اسْترْجع ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أثبني فِيمَا أمضيت وأعني على مَا أبقيت فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن أحدكُم ليبكي فيستعبر إِلَيْهِ صويحبه فيا عباد الله لَا تعذبوا إخْوَانكُمْ وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ ومساق هَذَا الحَدِيث يدل على أَن بكاء هَذِه لم يكن من اخْتِيَار ابْنهَا لِأَن ابْنهَا صَاحب من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَلَا كَانَ هَذَا الْبكاء الْمَعْرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة الَّذِي كَانَ من اخْتِيَار الْمَيِّت وَمِمَّا يُوصي بِهِ ذكر البُخَارِيّ من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير قَالَ أُغمي على عبد الله بن رَوَاحَة فَجعلت أُخْته تبْكي وَتقول واجبلاه واكذا واكذا تعدد عَلَيْهِ فَقَالَ حِين أَفَاق مَا قلت شَيْئا إِلَّا قيل لي أَأَنْت كَذَلِك فَلَمَّا مَاتَ لم تبك عَلَيْهِ وَهَذَا أَيْضا لم يكن من سنة عبد الله بن رَوَاحَة وَلَا من اخْتِيَاره وَلَا مِمَّا أوصى بِهِ لِأَن منصبه فِي الدّين أجل وَأَرْفَع من أَن كَانَ يَأْمر بِهَذَا أَو يُوصي بِهِ

стр. 144

وَفِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمَيِّت يعذب ببكاء الْحَيّ عَلَيْهِ إِذا قَالَت النائحة واعضداه واناصراه واكاسباه جذب الْمَيِّت وَقيل لَهُ أَأَنْت عضدها أَأَنْت ناصرها أَأَنْت كاسبها ذكره أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي الاستذكار وَأَيْضًا فَإِن الْبكاء عِنْد الْعَرَب يكون الْبكاء الْمَعْرُوف وَتَكون النِّيَاحَة وَقد يكون مَعهَا الصياح وَضرب الخدود وشق الْجُيُوب وَلَا أعلم خلافًا أَن ذَلِك حرَام وَقد ورد الْوَعيد على هَذَا كُله ذكر مُسلم بن الْحجَّاج ﵀ من حَدِيث أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ وجع أَبُو مُوسَى وجعا فَغشيَ عَلَيْهِ وَرَأسه فِي حجر امْرَأَة من أَهله فصاحت امْرَأَة من أَهله فَلم يسْتَطع أَن يرد عَلَيْهَا شَيْئا فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أَنا بَرِيء مِمَّن بَرِيء مِنْهُ رَسُول الله ﷺ فَإِن رَسُول الله بَرِيء من الصالقة والحالقة والشاقة وَفِي لفظ آخر عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد وَأبي بردة قَالَا أُغمي على أبي مُوسَى فَأَقْبَلت امْرَأَته أم عبد الله تصيح برنة ثمَّ أَفَاق فَقَالَ ألم تعلمي وَكَانَ يحدثها أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ انابريء مِمَّن حلق وصلق وخرق الصالقة هِيَ الَّتِي ترفع صَوتهَا بالعويل عِنْد الْمُصِيبَة والحالقة الَّتِي تحلق شعرهَا عِنْد الْمُصِيبَة والشاقة الَّتِي تشق ثوبها كل ذَلِك عِنْد الْمُصِيبَة ذكر مُسلم أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ منا من ضرب الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اثْنَتَانِ فِي النَّاس هما بهم كفر

стр. 145

الطعْن فِي النّسَب والنياحة على الْمَيِّت وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَربع فِي أمتِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة لَا يتركوهن الْفَخر فِي الاحساب والطعن فِي الْأَنْسَاب وَالِاسْتِسْقَاء بالنجوم والنياحة على الْمَيِّت وَقَالَ النائحة على الْمَيِّت إِذا لم تتب قبل مَوتهَا تُقَام يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهَا سربال من قطران وَدرع من جرب وَأما الْبكاء من غير نياحة فقد ورد فِيهِ الْإِبَاحَة وَهُوَ بكاء الرَّحْمَة والرأفة الَّتِي لَا يكَاد يَخْلُو مِنْهَا الْبشر وَلَا يُوجد قلب إِلَّا وَبِه مِنْهَا أثر وَقد قَالَ عمر ﵁ دَعْهُنَّ يبْكين على أبي سُلَيْمَان مَا لم يكن نقع أَو لقلقه وَالنَّقْع ارْتِفَاع الصَّوْت وَاللَّقْلَقَة تتَابع ذَلِك وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ بَعضهم يُرِيد عمر بالنقع وضع التُّرَاب على الرَّأْس قَالَ أَبُو عبيد وَلَيْسَ النَّقْع عِنْدِي فِي هَذَا الحَدِيث إِلَّا الصَّوْت الشَّديد وَاللَّقْلَقَة رفع الصَّوْت وَأما حَدِيث النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْبَاب فِي إِبَاحَة الْبكاء من غير نياحة وَلَا صياح فَصَحِيح مَشْهُور ذكر مُسلم بن الْحجَّاج عَن أُسَامَة بن زيد قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَأرْسلت إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاته تَدعُوهُ وَتُخْبِرهُ أَن صَبيا أَو ابْنا لَهَا فِي الْمَوْت فَقَالَ للرسول ارْجع إِلَيْهَا فَأَخْبرهَا أَن لله مَا أَخذ وَله مَا أعْطى وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار بِأَجل الْمُسَمّى فَمُرْهَا فَلتَصْبِر ولتحتسب فَعَاد الرَّسُول فَقَالَ إِنَّهَا قد أَقْسَمت لَتَأْتِيَنَّهَا قَالَ فَقَامَ الرَّسُول ﷺ وَقَامَ مَعَه سعد بن عبَادَة ومعاذ بن جبل وَأبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وَرِجَال وَانْطَلَقت مَعَهم فَرفع إِلَيْهِ الصَّبِي وَنَفسه تقَعْقع كَأَنَّهَا شن فَفَاضَتْ عَيناهُ فَقَالَ لَهُ سعد بن عبَادَة مَا هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ هَذِه رَحْمَة جعلهَا الله فِي قُلُوب الْعباد وَإِنَّمَا يرحم الله من

стр. 146

عباده الرُّحَمَاء وَعَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ولد لي اللَّيْلَة غُلَام سميته باسم أبي إِبْرَاهِيم وَذكر الحَدِيث وَفِيه فَدَعَا النَّبِي ﷺ بِالصَّبِيِّ فضمه إِلَيْهِ وَقَالَ مَا شَاءَ الله أَن يَقُول قَالَ أنس لقد رَأَيْته وَهُوَ يكيد بِنَفسِهِ بَين يَدي رَسُول الله ﷺ فَدَمَعَتْ عينا رَسُول الله فَقَالَ تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا وَالله يَا إِبْرَاهِيم إِنَّا بك لَمَحْزُونُونَ قَوْله يكيد بِنَفسِهِ يَعْنِي يَمُوت وَعَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ قَالَ اشْتَكَى سعد بن عبَادَة شكوى لَهُ فَأتى رَسُول الله ﷺ يعودهُ مَعَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وجده فِي غشية فَقَالَ أوقد قضى قَالُوا لَا يَا رَسُول الله قَالَ فَبكى رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا رأى الْقَوْم بكاءه بكوا فَقَالَ أَلا تَسْمَعُونَ إِن الله لَا يعذب بدمع الْعين وَلَا بحزن الْقلب وَإِنَّمَا يعذب بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه أَو يرحم وَذكر أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ مَاتَ رجل من آل رَسُول الله ﷺ فَاجْتمع النِّسَاء يبْكين عَلَيْهِ فَقَامَ عمر ينهاهن فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دَعْهُنَّ يَا عمر فَإِن الْعين دامعة والفؤاد مصاب والعهد قريب وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ قتل أبي يَوْم أحد فَجعلت أكشف الثَّوْب عَن وَجهه وأبكي وَجعل النَّاس ينهونني وَرَسُول الله لم ينهني وَجعلت عَمَّتي تبكيه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تبكيه أَو لَا تبكيه مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها حَتَّى رفعتموه

стр. 147

ويروى عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لما مَاتَ عُثْمَان بن مَظْعُون كشف رَسُول الله ﷺ الثَّوْب عَن وَجهه وَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَبكى بكاء طَويلا فَلَمَّا رفع على السرير قَالَ طُوبَى لَك يَا عُثْمَان لم تلبسك الدُّنْيَا وَلم تلبسها وبكاء النَّبِي ﷺ على عُثْمَان بن مَظْعُون مَشْهُور وَذكره أَبُو دَاوُد وَغَيره وَأما نعي الْمَيِّت والإعلام بِمَوْتِهِ إِذا قصد بذلك اجْتِمَاع النَّاس للصَّلَاة عَلَيْهِ لما يَنَالهُ من دُعَائِهِمْ لَهُ واستغفارهم ورغبتهم إِلَى الله تَعَالَى فِيهِ وسؤالهم وَلما ينالون أَيْضا من ثَوَاب الصَّلَاة عَلَيْهِ فَمِنْهُ مَفْرُوض ومندوب إِلَيْهِ وَمِنْه غير جَائِر وَقد نعى النَّبِي ﷺ النَّجَاشِيّ للنَّاس فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَقَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم وَخرج بِالنَّاسِ إِلَى الْمصلى فَصف بهم وَصلى عَلَيْهِ وَكبر أَربع تَكْبِيرَات وَكَانَ موت النَّجَاشِيّ بِبَلَد بعيد عَن مَدِينَة النَّبِي ﷺ ذكر نعي النَّجَاشِيّ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ مُسلم بن الْحجَّاج وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَغَيره وَقد نعى النَّبِي ﷺ زيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب وَعبد الله بن رَوَاحَة نعاهم قبل أَن يَجِيء خبرهم وَعَيناهُ تَذْرِفَانِ وَقد قَالَ ﵇ لَا يَمُوت فِيكُم ميت إِلَّا أعلمتموني بِهِ فَأمر بِأَن يعلم بِكُل ميت من الْمُسلمين ليُصَلِّي عَلَيْهِ لما فِي صلَاته ﷺ من الْبركَة وَالرَّحْمَة ولإقامة سنته أَيْضا فِي الصَّلَاة على موتى الْمُسلمين وَفِي صَلَاة الْمُسلمين بَعضهم على بعض وَدُعَاء بَعضهم لبَعض وَقَالَ ﷺ إِذا صليتم على الْمَيِّت فأخلصوا لَهُ الدُّعَاء ذكره أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَقَالَ ﵇ من صلى على جَنَازَة وَلم يتبعهَا فَلهُ قِيرَاط فَإِن

стр. 148

تبعها فَلهُ قيراطان قيل وَمَا القيراط قَالَ أصغرهما مثل أحد يُرِيد مثل جبل أحد ذكره مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَغَيره وَأما إِذا كَانَ نعي الْمَيِّت والإعلام بِمَوْتِهِ ليجمع النَّاس عَلَيْهِ على معنى التَّعْظِيم لَهُ والمصيبة بفقده والتفاخر بِمَا يجْتَمع لَهُ من النَّاس ويحضره من الْأَشْرَاف فَهَذَا لَا يجوز وعَلى هَذَا يخرج نهي النَّبِي ﷺ عَن النعي ذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ إِذا مت فَلَا تؤذنوا بِي أحدا إِنِّي أَخَاف أَن يكون نعيا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ ينْهَى عَن النعي وَأما الْمَفْرُوض من هَذَا الْبَاب فَهُوَ ان يدعى للصَّلَاة على الْمَيِّت من تقوم بِهِ سنة الصَّلَاة عَلَيْهِ

стр. 149

الْبَاب السَّادِس مَا يحذر من سوء الخاتمة وَمَا سبق من ذَلِك لأكْثر الْخلق فِي السَّابِقَة اعْلَم رَحِمك الله أَن هَذَا أَمر إِذا ذكر حَقِيقَة ذكره انفطرت لَهُ الْقُلُوب وتشققت وانصدعت لَهُ الأكباد وتقطعت وَلَوْلَا أَن الْآجَال محدودة والأنفاس مَعْدُودَة فَلَا يتَجَاوَز ذَلِك الْمَحْدُود وَلَا يُزَاد على ذَلِك الْمَعْدُود لزهقت الْأَنْفس عِنْد أول ذكره زهوقا لَا تَجِد لسرعته طعم وَفَاة بل تكَاد تنعدم مَعَه انعداما لَا تعود مَعَه إِلَى وجود وَلَا حَيَاة وَلكنهَا مربوية مُدبرَة مقهورة مصرفة تخرج إِذا أذن لَهَا فِي الْخُرُوج وتلج إِذا أذن لَهَا فِي الولوج وَقد كتب عَلَيْهَا الْوُجُود والبقاء فَلَا انعدام وَلَا مطمع لَهَا فِي ذَلِك وَلَا مرام وَمَا يمْنَع الْقُلُوب رَحِمك الله من الانشقاق والانصداع والانفطار والانقطاع وَالَّذِي يلقى الْمَخْتُوم لَهُ بِهَذِهِ الخاتمة عَذَاب لَا تقوم السَّمَوَات وَالْأَرْض لِشِدَّتِهِ وَلَا آخر لمدته وَمَا منا أحد إِلَّا وَيخَاف أَن يكون هُوَ وَمَا الَّذِي أَمنه مِنْهُ وَمَا الَّذِي حاد بِهِ عَنهُ والخاتمة مغيبة وَالْعَاقبَة مستورة والأقدار غالبة وَالنَّفس كَمَا تَدْرِي والشيطان مِنْهَا بِحَيْثُ تَدْرِي وَهِي مصغية إِلَيْهِ ملتفتة نَحوه مقبلة عَلَيْهِ

стр. 150

وأنشدوا فِي هَذَا الْمَعْنى هِيَ النَّفس إِن تنظر إِلَى الْحق نظرة ... فَإِن لَهَا فِي غَيره نظرات وَإِن نهضت يَوْمًا إِلَى الله نهضة ... فَإِن لَهَا عَنهُ غَدا نهضات إِلَى الله أشكوها فبالله حولهَا ... وَبِاللَّهِ تمْضِي فِي الْأُمُور وَتَأْتِي كَذَا جرت الأقلام وانبرمت الْأَحْكَام فقسم الْخلق إِلَى قسمَيْنِ وفرقهم إِلَى فريقين شقي وَسَعِيد غوي ورشيد قريب وبعيد ذميم وَحميد ارْتِفَاع واتضاع واتصال وَانْقِطَاع إِجَابَة وَامْتِنَاع وانت يَا هَذَا مَا تَدْرِي بِمَا جرى سهمك وَلَا كَيفَ ثَبت فِي هَذِه الْأَسْمَاء اسْمك قد حكم الله بِمَا شَاءَ من ... وضع لمن شَاءَ وإعلاء وَقدر الْأَمر على مَا يرى ... من منع أَقوام وَإِعْطَاء وأبرمت أَحْكَامه فِي الورى ... من قبل بإسعاد وإشقاء وَأَنت لَا تَدْرِي بِمَاذَا جرت ... طيرك فِي مُحكم الأجواء هَل بشفاء أَو بِسَعْد وَهل ... مرت برشد أَو بإغواء فاقدح زناد الْخَوْف بَين الحشا ... واقنع من النّوم بإغفاء وابك على نَفسك حَتَّى ترى ... مَا اسْمك فِي مُثبت الْأَسْمَاء ورد فِي الْخَبَر الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الرجل ليعْمَل عمل أهل الْجنَّة فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل عمل أهل النَّار فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل الْجنَّة وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بالخواتيم وَرُوِيَ أَيْضا من طَرِيق آخر لَيْسَ فِيهِ فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَصَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ جف الْقَلَم بِمَا أَنْت لَاق وَقَالَ ﷺ رفعت الأقلام وجفت الصُّحُف

стр. 151

ذكر هَذِه الْأَحَادِيث مُسلم وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَعند أحدهم مَا لَيْسَ عِنْد الآخر وَأنْشد بَعضهم قد جرت الأقلام فِي ذَا الورى ... بالختم من أَمر الْعَلِيم الْحَكِيم وخطت الشَّيْء على حكمه ... فِي علمه السَّابِق مِنْهُ الْقَدِيم فَمن سعيد وشقي وَمن ... مثر من المَال وعار عديم وَمن عَزِيز رَأسه فِي السهى ... وَمن ذليل وَجهه فِي التخوم وَمن صَحِيح شدت أَرْكَانه ... وَآخر واهي المباني سقيم كل على منهاجه سالك ... ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم فَانْظُر رَحِمك الله كَيفَ تقرعين عَاقل فِي هَذِه الدَّار وَكَيف يسْتَقرّ بِهِ فِيهَا قَرَار مَعَ هَذِه الْحَال وتوقع هَذَا الْمَآل واشتغال هَذَا الخاطر وتقسم هَذَا البال كلا لَا حُلُول لَهُ وَلَا قَرَار وَلَا ريع وَلَا دَار وَلَا قلب إِلَّا مستطار وَلَا نوم ينامه إِلَّا غرار حَتَّى يدْرِي أَيْن مسْقط رَأسه ومحط رجله وَمَا المورد والمنهل وَفِي أَي الْمحَال يحل وَفِي أَي الْمنَازل بعد الْمَوْت ينزل كَمَا قَالَ الأول وَكَيف تنام الْعين وَهِي قريرة ... وَلم تدر فِي أَي الْمنَازل تنزل وَقَالَ غَيره وَكَيف بِالنَّوْمِ على زأرة ... من أَسد تكشر أنيابه وانت فِي ذَا غير مستعتب ... فِي منزل قد كسرت أبوابه

стр. 152

وثلمت بالروع حيطانه ... وَفرقت بالخوف حجابه لَكِن حجاب الْغَفْلَة الَّذِي غطى الْقُلُوب كثيف فَلَا يرى مَا وَرَاءه والوقر الَّذِي فِي الآذان عَظِيم فَلَا يسمع من نَاصح دعاءه روى فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يجاء بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح فَيُوقف بَين الْجنَّة وَالنَّار فَيُقَال يَا أهل الْجنَّة هَل تعرفُون هَذَا قَالَ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت ثمَّ يُقَال يَا أهل النَّار هَل تعرفُون هَذَا فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت فَيذْبَح ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود فَلَا موت وَيَا أهل النَّار خُلُود فَلَا موت ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر وهم فِي غَفلَة وهم لَا يُؤمنُونَ﴾ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا وَقَالَ البُخَارِيّ ﴿وهم فِي غَفلَة﴾ وَهَؤُلَاء فِي غَفلَة أهل الدُّنْيَا وهم لَا يُؤمنُونَ فَانْظُر رَحِمك الله إِلَى عَظِيم هَذِه الْغَفْلَة وكثافة حجابها وَكَيف منعت من النّظر فِي هَذَا الحَدِيث والفكرة فِيهِ وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَقد بَكَى أولو الْأَلْبَاب على هَذَا فَأَكْثرُوا وسهروا من أَجله اللَّيَالِي الطَّوِيلَة وأسهروا ورام عاذلوهم كفهم عَمَّا هم فِيهِ فَلم يقدروا وكلموهم فِي الإقصار فَلم يقصروا وَلم يسمعوا وَلم يبصروا وَذَلِكَ للْعلم الَّذِي لَاحَ لَهُم والتأييد الَّذِي شملهم والتوفيق الَّذِي قطع عَنْهُم مَا صدهم عَن طَرِيق الله وشغلهم وَرُبمَا هبت عَلَيْهِم نفحات الرَّجَاء فاستبشروا وَسَكنُوا من ذَلِك الهيجان وفتروا ثمَّ ذكرُوا مَا هم معرضون لَهُ فعادوا لما كَانُوا عَلَيْهِ من الِاجْتِهَاد وَرُبمَا زادوا عَلَيْهِ وَأَكْثرُوا وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُم لشدَّة خوفهم وَكَثْرَة جزعهم يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم ويظنون كل إِشَارَة إِنَّمَا يشار بهَا إِلَيْهِم

стр. 153

كَمَا روى أَن عمر بن الْخطاب ﵁ سمع قَارِئًا يقْرَأ ﴿وَالطور وَكتاب مسطور﴾ قَالَ هَذَا قسم حق فَلَمَّا بلغ القاريء إِلَى قَوْله ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع﴾ ظن أَن الْعَذَاب قد وَقع بِهِ فَغشيَ عَلَيْهِ وَسمع آخر قَارِئًا يقْرَأ ﴿خذوه فغلوه﴾ أَو آيَة نَحْوهَا فَغشيَ عَلَيْهِ وَمر آخر على رجل يَبِيع الْخِيَار وَهُوَ يَقُول الْخِيَار عشرَة بدانق فَغشيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قيل لَهُ مِم غشي عَلَيْك فَقَالَ أوما سمعته يَقُول الْخِيَار الْعشْرَة بدانق وَإِذا كَانَت قيمَة الْخِيَار هَذِه فكم تكون قيمتي وَقِيمَة أمثالي فَانْظُر إِلَى هَذَا لم يلق باله إِلَى أَنه الْخِيَار الْمَأْكُول لشدَّة خَوفه وَسُوء ظَنّه بِنَفسِهِ وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة فلتسلك رَحِمك الله على منهاج هَؤُلَاءِ الْعُقَلَاء ولتمش على آثَار هَؤُلَاءِ الْفُضَلَاء ولتتزين بزينة هَؤُلَاءِ الْحُكَمَاء وأدم حسرتك وأطل زفرتك وامزج بِدَم الْفُؤَاد عبرتك وابك ثمَّ ابك وصل الْبكاء بالبكاء والأسى بالأسى حَتَّى تنكشف لَك هَذِه الغشاوة وتنجلي عَنْك هَذِه العماية كَمَا قَالَ الأول وَقد دعِي إِلَى الْخلَافَة وَكَانَ قد تعرض لَهُ متعرض دونهَا رويدك حَتَّى تنظري عَم تنجلي ... عماية هَذَا الْعَارِض المتألق وَبكى سُفْيَان الثَّوْريّ لَيْلَة إِلَى الصَّباح فَقيل لَهُ أبكاؤك هَذَا على الذُّنُوب فَأخذ تبنة من الأَرْض وَقَالَ الذُّنُوب أَهْون من هَذِه إِنَّمَا أبْكِي خوف الخاتمة وَبكى سُفْيَان وَغير سُفْيَان لِأَنَّهُ الْأَمر الَّذِي يبكى عَلَيْهِ وَيصرف الاهتمام كُله إِلَيْهِ وَقَالَ الْقَائِل وَالَّذِي أبكى الجفون دَمًا ... فغدت من ذَاك فِي غدر

стр. 154

سَابق لم يدر كَيفَ جرى ... فِي الْقَضَاء الحتم وَالْقدر وَأُمُور فِي الورى خفيت ... عَن ذَوي الْأَلْبَاب وَالنَّظَر فدع الأنفاس صاعدة ... ودموع الْعين تنحدر وابك لَا جَفتْ دموعك مَا ... ضَاعَ من أيامك الْغرَر وَقد قيل لَا تكف دمعك حَتَّى ترى فِي الْمعَاد ربعك وَقيل لَا تكحل عَيْنك بنوم حَتَّى ترى حالك بعد الْيَوْم وَقيل لَا تبت وَأَنت مسرور حَتَّى تعلم عَاقِبَة الْأُمُور وَقيل لَا يخصب لَك الجناب وَلَا تأنس بكعاب حَتَّى ترى مَا خطّ لَك فِي أم الْكتاب وتستبين الْعَاقِبَة والمآب وَأنْشد حاسب النَّفس قبل يَوْم الْحساب ... وأذقها الْعَذَاب قبل الْعَذَاب وأصبها من الأسى بشواظ ... ينضج اللَّحْم قبل نضج الإهاب وَإِذا مَا بَكَيْت يَوْمًا بدمع ... فبدمع من الْفُؤَاد مشاب وحذار حذار أَن تتهنا ... بِطَعَام تناله أَو شراب أَو مَنَام تنام بِاللَّيْلِ حَتَّى ... تستبين الْمَآل يَوْم المآب وَقيل يَا ابْن آدم الأقلام عَلَيْك تجْرِي وَأَنت فِي غَفلَة لَا تَدْرِي يَا ابْن آدم دع المغاني والأوطار والمنازل والديار والتنافس فِي هَذِه الدَّار حَتَّى ترى مَا فعلت فِي أَمرك الأقدار وَسمع بعض الصَّالِحين منشدا ينشد أيا راهبي نَجْرَان مَا فعلت هِنْد

стр. 155

فَبكى ليلته كلهَا فَلَمَّا أصبح قيل لَهُ مَا كَانَ شَأْنك البارحة وَمَا الَّذِي أبكاك فَقَالَ سَمِعت منشدا ينشد ايا راهبي نَجْرَان مَا فعلت هِنْد فَقلت فِي نَفسِي مَا فعلت الأقدار فِي وماذا جرت بِهِ عَليّ وَقد علمت رَحِمك الله أَن النَّاس صنفان صنف مقرب مصان وَآخر مبعد مهان صنف نصبت لَهُ الأسرة والحجال وجمعت لَهُم الرغائب والآمال والأرائك والكلال وَآخَرُونَ أعدت لَهُم الأراقم والصلال والمقامع والأغلال وضروب الْأَهْوَال والأنكال وَأَنت لَا تعلم من أَيهمَا أَنْت وَلَا فِي أَي الْفَرِيقَيْنِ كتبت وأنشدوا نزلُوا بِمَكَّة من قبائل نَوْفَل ... وَنزلت بِالْبَيْدَاءِ أبعد منزل وتقلبوا فرحين تَحت ظلالهم ... وطرحت بالصحراء غير مظلل وَسقوا من الصافي الْمُعْتق رَبهم ... وسقيت دمعة واله متململ يَا قسْمَة قسمت وَلم يعلم بهَا ... وَقَضِيَّة ثبتَتْ لأمر الأول هَل فِيك للْملك الْمُهَيْمِن نظرة ... فتزيل من دَاء البعاد المعضل فَأجَاب يسمع نَفسه عَن نَفسه ... وَالْعقل يسْمعهَا إِذا لم تعقل هَيْهَات قد سبق الْقَضَاء بِمَا ترى ... فَاكْفُفْ سؤالك بعد ذَا أَو فاسأل الْبَيْت الأول قديم وَقيل من قعد بِهِ جده لم ينْهض بِهِ جده قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي كَانَ أَبُو عَليّ الدقاق كثيرا مَا ينشد مَا حيلتي تفعل الأقدار مَا أمرت ... وَالنَّاس مَا بَين ذِي غي وَذي رشد

стр. 156

وَقَالَ إِذا كَانَ الرِّضَا وَالْغَضَب صفة أزلية فَمَا تَنْفَع الأذيال المقصرة والأقدام المورمة وَالْوُجُوه المصفرة وَقيل يَا ابْن آدم أَي شَيْء يمنعك وَأي مَكَان يَعْصِمك إِذا كَانَت الأقدار تطلبك وَمر على بعض الصَّالِحين بِيَهُودِيٍّ ميت قد أوصى أَن يدْفن بِبَيْت الْمُقَدّس فَقَالَ أيكابر هَؤُلَاءِ الأقدار أما علمُوا أَنهم لَو دفنُوا فِي الفردوس الْأَعْلَى لجاءت لظى بأنكالها حَتَّى تَأْخُذهُ إِلَيْهَا وتنطلق بِهِ مَعهَا وَقَالَ آخر من حكم لَهُ بالسعادة لَا يشقى أبدا وَإِن ألح غاويه وَكثر معاديه وأحيط بِهِ من جَمِيع نواحيه وَمن حكم لَهُ بالشقاوة لَا يسْعد أبدا وَإِن عمر نَادِيه وأخصب واديه وَحسنت أواخره ومباديه كم من عَابِد ظَهرت عَلَيْهِ أنوار الْعِبَادَة وآثار الْإِرَادَة وبدت مِنْهُ مخايل السَّعَادَة وارتفع صيته وانتشر فِي الْآفَاق ذكره وَعظم فِي النَّاس شَأْنه وَقدره جمحت الأقدار بِهِ جمحة ردته على عَقِبَيْهِ وسلبته مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ وَأخذت بناءه من قَوَاعِده فألقته عَلَيْهِ فنعوذ بِاللَّه من دَرك الشَّقَاء وَجهد الْبلَاء وشماتة الْأَعْدَاء برحمته وَأعلم رَحِمك الله أَن لسوء الخاتمة أعاذنا الله مِنْهَا أسبابا وَلها طرق وأبواب أعظمها الإكباب على الدُّنْيَا والإعراض عَن الْأُخْرَى والإقدام بالمعصية على الله تَعَالَى وَرُبمَا غلب على الْإِنْسَان ضرب من الْخَطِيئَة وَنَوع من الْمعْصِيَة وجانب من الْإِعْرَاض وَنصِيب من الافتراء فَملك قلبه وسبى عقله وأطفأ نوره وَأرْسل عَلَيْهِ حجبه فَلم تَنْفَع فِيهِ تذكرة وَلَا نجعت فِيهِ موعظة فَرُبمَا جَاءَهُ الْمَوْت على ذَلِك فَسمع النداء من مَكَان بعيد فَلم يتَبَيَّن المُرَاد وَلَا علم مَا أَرَادَ وان أعَاد عَلَيْهِ وَأعَاد يرْوى أَن بعض رجال النَّاصِر بن علناس نزل بِهِ الْمَوْت فَجعل ابْنه يَقُول لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ النَّاصِر يَا مولَايَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَأَعَادَ هُوَ ثمَّ أَصَابَته

стр. 157

غشية فَلَمَّا أَفَاق قَالَ النَّاصِر أمولاي ثمَّ قَالَ لِابْنِهِ يَا فلَان النَّاصِر إِنَّمَا يعرفك بسيفك فالقتل ثمَّ الْقَتْل ثمَّ مَاتَ وَقيل لآخر وَقد نزل بِهِ الْمَوْت قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ الدَّار الْفُلَانِيَّة أصلحوا فِيهَا كَذَا والجنان الْفُلَانِيّ افعلوا فِيهِ كَذَا هَذَا فِيمَا حدثت عَنهُ وَلم أشهده وَفِيمَا أذن لي أَبُو طَاهِر السلَفِي أَن أخطه فِي الدِّيوَان الَّذِي وَقع فِيهِ هَذَا الحَدِيث أَن رجلا نزل بِهِ الْمَوْت فَقيل لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَجعل يَقُول بِالْفَارِسِيَّةِ ده يازده دوازده تَفْسِيره عشرَة أحد عشر اثْنَا عشر كَانَ هَذَا الرجل من أهل الْعَمَل والديوان فغلب عَلَيْهِ الْحساب وَالْمِيزَان كَمَا رُوِيَ ان رجلا نزل بِهِ الْمَوْت فَقيل لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَجعل يَقُول أَيْن الطَّرِيق إِلَى حمام منْجَاب وَهَذَا الْكَلَام فِيهِ قصَّة وَذَلِكَ أَن رجلا كَانَ وَاقِفًا على بَاب دَاره وَكَانَ بَابهَا يسبه بَاب حمام فمرت بِهِ جَارِيَة لَهَا منظر وَهِي تَقول أَيْن الطَّرِيق إِلَى حمام منْجَاب فَقَالَ لَهَا هَذَا حمام منْجَاب وَأَشَارَ إِلَى دَاره فَدخلت الدَّار فَدخل وَرَاءَهَا فَلَمَّا رَأَتْ نَفسهَا مَعَه فِي دَاره وَلَيْسَت بحمام علمت أَنه خدعها فأظهرت لَهُ الْبشر والفرح باجتماعها مَعَه على تِلْكَ الْخلْوَة فِي تِلْكَ الدَّار وَقَالَت لَهُ يصلح أَن يكون عندنَا مَا يطيب بِهِ عيشنا وتقر بِهِ عيوننا فَقَالَ لَهَا السَّاعَة آتِيك بِكُل مَا تريدين وَبِكُل مَا تشتهين وَخرج فَتَركهَا فِي الدَّار وَلم يغلقها وَتركهَا مَفْتُوحَة على حَالهَا وَمضى فَأخذ مَا يصلح لَهما وَرجع وَدخل الدَّار فَوَجَدَهَا قد خرجت وَذَهَبت وَلم يجد لَهَا أثرا فهام الرجل بهَا وَأكْثر الذّكر لَهَا والجزع عَلَيْهَا وَجعل يمشي فِي الطّرق والأزقة وَهُوَ يَقُول يَا رب قائلة يَوْمًا إِذا بلغت ... أَيْن الطَّرِيق إِلَى حمام منْجَاب وَبعد اشهر مر فِي بعض الْأَزِقَّة وَهُوَ ينشد هَذَا الْبَيْت وَإِذا بِجَارِيَة تجاوبه من طاق وَهِي تَقول هلا جعلت لَهَا إِذْ ظَفرت بهَا ... حرْزا على الدَّار أَو قفلا على الْبَاب

стр. 158

فَزَاد هيمانه وَاشْتَدَّ هيجانه وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى كَانَ من أمره مَا ذكر فنعوذ بِاللَّه من المحن والفتن ويروى أَن رجلا عشق شخصا وَاشْتَدَّ كلفه بِهِ وَتمكن حبه من قلبه حَتَّى وَقع لما بِهِ وَلزِمَ الْفراش من أَجله وتمنع ذَلِك الشَّخْص وَاشْتَدَّ نفاره عَنهُ فَلم تزل الوسائط تمشي بَينهمَا حَتَّى وعد بِأَن يعودهُ فَأخْبر بذلك البائس ففرح وَاشْتَدَّ سروره وانجلى غمه وَجعل ينْتَظر الميعاد الَّذِي ضرب لَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ على ذَلِك إِذْ جَاءَهُ الْمَاشِي بَينهمَا وَقَالَ إِنَّه وصل معي إِلَى بعض الطَّرِيق وَرجع فرغبت إِلَيْهِ وكلمته فِي إنجاز وعده وَالْوَفَاء بعهده فَقَالَ إِنِّي أَخَاف الفضيحة وَلَا أَدخل مدَاخِل السوء والريب وَلَا أعرض نَفسِي لمواقع التهم وَسَأَلته فَأبى وَانْصَرف فَلَمَّا سمع اليائس هَذَا سقط فِي يَده وَعَاد إِلَى أَشد مِمَّا كَانَ بِهِ وبدت علائم الْمَوْت وأماراته عَلَيْهِ قَالَ الرَّاوِي فَسَمعته يَقُول وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال سَلام يَا رَاحَة العليل ... وبرء دَاء المدنف النحيل لقاك اشهى إِلَى فُؤَادِي ... من رَحْمَة الْخَالِق الْجَلِيل قَالَ فَقلت لَهُ يَا فلَان اتَّقِ الله فَقَالَ قد كَانَ فَقُمْت عَنهُ فَمَا جَاوَزت بَاب دَاره حَتَّى سَمِعت صَيْحَة الْمَوْت قد قَامَت عَلَيْهِ فنعوذ بِاللَّه من سوء الْعَاقِبَة وشؤم الخاتمة بكرمه وَاعْلَم أَن سوء الخاتمة أعاذنا الله مِنْهَا لَا يكون لمن استقام ظَاهره وَصلح بَاطِنه وَإِنَّمَا يكون ذَلِك لمن كَانَ لَهُ فَسَاد فِي الْعقل وإصرار على الْكَبَائِر وإقدام على العظائم فَرُبمَا غلب ذَلِك عَلَيْهِ حَتَّى ينزل بِهِ الْمَوْت قبل التَّوْبَة ويثب عَلَيْهِ قبل الْإِنَابَة وَيَأْخُذهُ قبل إصْلَاح الطوية فيصطلمه الشَّيْطَان عِنْد تِلْكَ الصدمة ويختطفه عِنْد تِلْكَ الدهشة وَالْعِيَاذ بِاللَّه ثمَّ العياذ بِاللَّه أَن يكون لمن كَانَ مُسْتَقِيمًا لم يتَغَيَّر عَن حَاله وَيخرج عَن سنته وَيَأْخُذ فِي غير طَرِيقه

стр. 159

فَيكون ذَلِك سَببا لسوء الخاتمة وشؤم الْعَاقِبَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال وَقد سَمِعت بِقصَّة بلعام بن باعوراء وَمَا كَانَ آتَاهُ الله من آيَاته وأطلعه عَلَيْهِ من بيناته وَمَا أرَاهُ من عجائب ملكوته أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ فسلبه الله سُبْحَانَهُ جَمِيع مَا أعطَاهُ وَتَركه مَعَ من استماله وأغواه ويروى أَنه كَانَ بِمصْر رجل يلْزم مَسْجِدا للأذان وَالصَّلَاة فِيهِ وَعَلِيهِ بهاء الطَّاعَة وأنوار الْعِبَادَة فرقي يَوْمًا المنارة على عَادَته للأذان وَكَانَ تَحت المنارة دَار لذِمِّيّ نَصْرَانِيّ فَاطلع فِيهَا فَرَأى ابْنة صَاحب الدَّار فَافْتتنَ بهَا فَترك الْأَذَان وَنزل إِلَيْهَا وَدخل الدَّار عَلَيْهَا فَقَالَت لَهُ مَا شَأْنك وَمَا تُرِيدُ فَقَالَ أَنْت أُرِيد قَالَت لماذا قَالَ لَهَا قد سلبت لبي وَأخذت بِمَجَامِع قلبِي قَالَت لَهُ لَا أجيبك إِلَى رِيبَة قَالَ لَهَا أتزوجك قَالَت أَنْت مُسلم وَأَنا نَصْرَانِيَّة وَأبي لَا يزوجني مِنْك قَالَ لَهَا أتنصر قَالَت إِن فعلت أفعل فَتَنَصَّرَ الرجل ليتزوجها وَأقَام مَعَهم فِي الدَّار فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاء ذَلِك الْيَوْم رقى إِلَى سطح كَانَ فِي الدَّار فَسقط مِنْهُ فَمَاتَ فَلَا هُوَ بهَا اتَّصل وَلَا هُوَ بِدِينِهِ حصل فنعوذ بِاللَّه ثمَّ نَعُوذ بِاللَّه

стр. 160

الْبَاب السَّابِع تلقين الْمَيِّت بعد الدّفن وَالدُّعَاء لَهُ وَقِرَاءَة الْقُرْآن عِنْده وَذكر محاسنه وَالسُّكُوت عَن مساوئه يرْوى عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا مَاتَ أحدكُم فسويتم التُّرَاب عَلَيْهِ فَليقمْ أحدكُم على رَأس قَبره ثمَّ يَقُول يَا فلَان ابْن فُلَانَة فَإِنَّهُ يسمع وَلَا يُجيب ثمَّ ليقل يَا فلَان ابْن فُلَانَة الثَّانِيَة فَإِنَّهُ يَسْتَوِي جَالِسا ثمَّ ليقل يَا فلَان ابْن فُلَانَة فَإِنَّهُ يَقُول أرشدنا يَرْحَمك الله وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْمَعُونَ فَيَقُول اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من دَار الدُّنْيَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ وَأَنَّك رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا فَإِن مُنْكرا ونكيرا يَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا بيد صَاحبه وَيَقُول انْطلق بِنَا مَا يقعدنا عِنْد هَذَا وَقد لقن حجَّته وَيكون الله حجيجهما دونه فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَإِن لم تعرف أمه قَالَ ينْسبهُ إِلَى أمه حَوَّاء ويروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه حضر جَنَازَة رجل فَلَمَّا دفن قَالَ سلوا الله لأخيكم التثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل وَعَن بعض الصَّالِحين أَنه قَالَ مَاتَ أَخ لي فرأيته فِي النّوم فَقلت يَا أخي مَا كَانَ حالك حِين وضعت فِي قبرك قَالَ أَتَانِي آتٍ بشهاب من نَار فلولا أَن دَاعيا دَعَا لي لهلكت

стр. 161

قَالَ شبيب بن أبي شيبَة أوصتني أُمِّي عِنْد مَوتهَا فَقَالَت لي يَا بني إِذا دفنتني فَقُمْ عِنْد قَبْرِي وَقل يَا أم شيبَة قولي لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ فَلَمَّا دفنتها قُمْت عِنْد قبرها فَقلت يَا أم شيبَة قولي لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ انصرفت فَلَمَّا كَانَ من اللَّيْل رَأَيْتهَا فِي الْمَنَام فَقَالَت لي يَا بني كدت أَن أهلك لَوْلَا أَن تداركني لَا إِلَه إِلَّا الله فَلَقَد حفظت وصيتي يَا بني وروى أَن رجلا قَالَ رَأَيْت رجلا وَقد ذكر رجلا مَعْرُوفا قَالَ رَأَيْته فِي النّوم وَكَأَنَّهُ قد مَاتَ وَحمل إِلَى قَبره وَكنت مِمَّن شهده فرأيته قد وضع فِي قَبره فَرَأَيْت بَابا قد فتح فِي جَانب الْقَبْر كَأَنَّهُ بَاب مغارة وَهِي مَمْلُوءَة ظلمَة فَخرج من ذَلِك الْبَاب أسدودان مهيبا المنظر فأخذا ذَلِك الْمَيِّت وَجعلا يجذبانه إِلَى المغارة وَالْمَيِّت سَاكِت فَبَيْنَمَا هما كَذَلِك إِذْ أقبل رجل كَانَ مَشْهُورا بِالْعبَادَة وَكَانَ ذَلِك الْمَيِّت يحسن إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ الْمَيِّت اسْتَغَاثَ بِهِ يَا فلَان فَقَالَ ذَلِك الرجل سَلام لَا بَأْس وَأخذ بِيَدِهِ واستنقذه الرجل ذَلِك الْمَيِّت ثمَّ صعد بِهِ إِلَى السَّمَاء قَالَ الرَّاوِي فَاسْتَيْقَظت فَوجدت ذَلِك الرجل المجذوب قد مَاتَ وَكنت مِمَّن شهد جنَازَته فَأول أهل الْعلم بالتأويل ان ذَلِك الجذب الَّذِي كَانَ النَّاس يجذبون ذَلِك الْمَيِّت دعاؤهم لَهُ ورغبتهم إِلَى الله فِيهِ وَأخذ ذَلِك الرجل بيد الْمَيِّت هُوَ دعاؤه لَهُ وثواب الْخَيْر الَّذِي كَانَ يعْمل مَعَه وروى مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن شماسَة الْمهْدي قَالَ حَضَرنَا عمر بن الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاق الْمَوْت فَبكى طَويلا ثمَّ حول وَجهه إِلَى الْجَار فَجعل ابْنه يَقُول مَا يبكيك يَا أبتاه أما بشرك رَسُول الله ﷺ بِكَذَا أما بشرك بِكَذَا قَالَ فَأقبل بِوَجْهِهِ وَقَالَ إِن أفضل مَا نعد شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله إِنِّي كنت على أطباق ثَلَاثَة لقد رَأَيْتنِي وَمَا أحد أَشد بغضا لرَسُول الله ﷺ مني وَلَا أحب إِلَيّ أَن أكون قد تمكنت مِنْهُ فَقتلته فَلَو مت على تِلْكَ الْحَال لَكُنْت من أهل النَّار

стр. 162

فَلَمَّا جعل الله الْإِسْلَام فِي قلبِي أتيت النَّبِي ﷺ فَقلت ابْسُطْ يَمِينك أُبَايِعك فَبسط يَمِينه فقبضت يَدي قَالَ مَالك يَا عَمْرو قلت أردْت أَن اشْترط قَالَ تشْتَرط مَاذَا قلت أَن يغْفر لي قَالَ أما علمت أَن الْإِسْلَام يهدم مَا كَانَ قبله وَأَن الْهِجْرَة تهدم مَا كَانَ قبلهَا وَأَن الْحَج يهدم مَا كَانَ قبله وَمَا كَانَ أحد أحب إِلَيّ من رَسُول الله ﷺ وَلَا أجل فِي عَيْني مِنْهُ وَمَا كنت أُطِيق أَن أملأ عَيْني مِنْهُ إجلالا لَهُ فَلَو سُئِلت أَن أصفه لم أطق ذَلِك لِأَنِّي لم أكن أملأ عَيْني مِنْهُ إجلالا لَهُ فَلَو مت على تِلْكَ الْحَال لرجوت أَن أكون من أهل الْجنَّة ثمَّ ولينا أَشْيَاء وَمَا أَدْرِي مَا حَالي فِيهَا فَإِذا أَنا مت فَلَا تصحبني نائحة وَلَا نَار فَإِذا دفنتموني فَشُنُّوا عَليّ التُّرَاب شنا ثمَّ أقِيمُوا حول قَبْرِي قد مَا ينْحَر جزور وَيقسم لَحمهَا حَتَّى أستأنس بكم وَانْظُر مَاذَا أراجع بِهِ رسل رَبِّي قَوْله حَتَّى استأنس بكم يُرِيد أَن يسْتَأْنس بدعائهم لَهُ وبذكرهم الله عِنْده وروى أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ من حَدِيث معقل بن يسَار الْمُزنِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ اقرأوا يس على مَوْتَاكُم فَيحْتَمل أَن تكون هَذِه الْقِرَاءَة عِنْد مَوته وَيحْتَمل أَن تكون عِنْد قَبره ويروى عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ أَنه أَمر أَن يقْرَأ عِنْد قَبره سُورَة الْبَقَرَة وَقد روى إِبَاحَة الْقِرَاءَة عِنْد الْقَبْر الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن ويروى أَيْضا أَن أَحْمد بن حَنْبَل رَجَعَ إِلَى هَذَا بَعْدَمَا كَانَ يُنكره وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ اذْكروا محَاسِن مَوْتَاكُم وَكفوا عَن مساوئهم وَعَن عَائِشَة أَيْضا قَالَت ذكر عِنْد رَسُول الله ﷺ هَالك بِسوء فَقَالَ

стр. 163

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَذكرُوا هلكاكم إِلَّا بِخَير وروى البُخَارِيّ عَنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا

стр. 164

الْبَاب الثَّامِن ذكر الْقُبُور اعْلَم رَحِمك الله أَن فِي الْقَبْر وظلمته وضيقه ووحشته وَطرح الْمَيِّت فِيهِ غير موسد وَلَا ممهد قد بَاشر الثرى وواجه البلى وَترك دُنْيَاهُ للورى ونبذ مِنْهَا مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ بالعراء مَعَ حبيب تَركه وَقَرِيب أسلمه ونصير أفرده وَترك مَا كَانَ عَهده مَا يفطم النُّفُوس عَن الشَّهَوَات وَإِن كَانَت صعبة الْفِطَام ويقطعها عَن اللَّذَّات وَإِن كَانَ قطعهَا بعيد المرام إِذا بحث عَن الْحَقِيقَة وَنظر بِعَين البصيرة وَسمع النداء من قريب بَيْنَمَا الْمَرْء فِي بلهنية مرتكضا فِي أمْنِيته غافلا عَن يَوْم صرعته ومنيته قد فتح للهو بَابه وَأرْسل عَلَيْهِ حجابه وَلم يبال بِمن لامه فِي ذَلِك أَو عابه إِذْ هجمت عَلَيْهِ الْمنية فهتكت أستاره وكسفت أنواره وطمست أَعْلَامه وآثاره فَأَخْرَجته من ذَلِك الْقصر المشيد والمنزل المنجد وَالْمَتَاع المزخرف المنضد إِلَى حُفْرَة من الأَرْض سَوْدَاء ضيقَة الجوانب والأرجاء مَمْلُوءَة من القرع والرعب مَا شَاءَ فحذار رَحِمك الله حذار أَن تنْزع هَذَا المنزع وبدار عصمك الله بدار أَن تصرع هَذَا المصرع فيفت فِي عضدك وَيسْقط فِي يدك وَيَرْمِي بك عَن أهلك وولدك فِي مهواة تزدحم فِيهَا الْأَهْوَال وتنقطع فِيهَا الآمال قد جمعت فِيهَا جمعا ورصعت فِيهَا رصعا وَتركت للهوام والدود طعما ومرعى

стр. 165

وأنشدوا يَا نَائِما والمنون يقْضى ... وغائبا وَالْحمام أوفى جَاءَك أَمر وَأي أَمر ... طم على غَيره وَعفى هَل بعد هَذَا المشيب شَيْء ... غير تُرَاب عَلَيْك يحفى فَلَيْسَ ذَا الْأَمر بالهويني ... وَلَا بِشَيْء عَلَيْك يخفى من بَعْدَمَا الْمَرْء فِي براح ... يَهْتَز تيها بِهِ وظرفا سَاكن نفس قرير عين ... يرشف ثغر النَّعيم رشفا إِذْ عصفت فِي ذراه ري ... ح تقصف كل الظُّهُور قصفا فَبَاتَ فِي أَهله حصيدا ... قد جعفته الْمنون جعفا فَعَاد ذَاك النَّعيم بؤسا ... وَصَارَ ذَاك السّكُون رجفا وسيق سوقا إِلَى ضريح ... يرصف بالرغم فِيهِ رصفا وَبَات للدود فِيهِ طعما ... وللهوام العطاش رشفا وليته لم يكن رهينا ... بِكُل مَا قد هفا وأهفا ولعلك قد كنت فِي الدُّنْيَا مِمَّن يشكو تَبْدِيل الْمنَازل وَإِن كَانَت حسانا وَيكثر فِيهِ تلونا وافتنانا وَلَا ترى لِرَبِّك فِيهَا تفضلا وَلَا امتنانا فَانْظُر الْآن كم بَين المنزلتين وَكم قدر مَا بَين الوحشتين إِلَّا أَن يدركك فيض الرَّحْمَة وتغشاك رَوَائِح الْمِنَّة فتتسع من الْقَبْر أقطاره وتمتد أنواره وَيكثر مؤنسوه وزواره وأنشدوا فِي هَذَا الْمَعْنى من كَانَ يوحشه تَبْدِيل منزله ... وَأَن يُبدل مِنْهَا منزلا حسنا

стр. 166

مَاذَا يَقُول إِذا ضمت جوانبها ... عَلَيْهِ وَاجْتمعت من هَا هُنَا وَهنا مَاذَا يَقُول إِذا أَمْسَى بحفرته ... فَردا وَقد فَارق الأهلين والسكنا هُنَاكَ يعلم قدر الوحشتين وَمَا ... يلقاه من بَات باللذات مرتهنا يَا غَفلَة ورماح الْمَوْت شارعة ... والشيب ألْقى برأسي نَحوه الرسنا وَلم أعد مَكَانا للنزولا وَلَا ... أَعدَدْت زادا وَلَكِن غرَّة وَمنى إِن لم يجد من توالى جوده أبدا ... ويعف من عَفوه من طالبيه دنا فيا إلهي ومزن الْجُود واكفة ... سَحا فتمطرنا الأفضال والمننا آنس هُنَالك يَا رَحْمَن وحشتنا ... والطف بِنَا وترفق عِنْد ذَاك بِنَا نَحن العصاة وانت الله ملجؤنا ... وَأَنت مقصدنا الأسني ومطلبنا فَكُن لنا عِنْد بأساها وشدتها ... أولى فَمن ذَا الَّذِي بهَا يكون لنا وَكَانَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ إِذا وقف على قبر بَكَى حَتَّى يبل لحيته فَقيل لَهُ تذكر الْجنَّة وَالنَّار فَلَا تبْكي وتبكي من هَذَا فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْقَبْر أول منزل من منَازِل الْآخِرَة فَإِن نجا مِنْهُ صَاحبه فَمَا بعده أيسر مِنْهُ وَإِن لم ينبح مِنْهُ فَمَا بعده أَشد مِنْهُ وَسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا رَأَيْت منظر قطّ إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ ذكره التِّرْمِذِيّ وَذكر التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ دخل رَسُول الله ﷺ مُصَلَّاهُ فَرَأى أُنَاسًا كَأَنَّهُمْ يكثرون فَقَالَ أما أَنكُمْ لَو أَكثرْتُم ذكر هَادِم اللَّذَّات لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أرى أَكْثرُوا ذكر هَادِم اللَّذَّات الْمَوْت فَإِنَّهُ لم يَأْتِ على الْقَبْر يَوْم إِلَّا تكلم فِيهِ فَيَقُول أَنا بَيت الغربة أَنا بَيت الْوحدَة أَنا بَيت التُّرَاب أَنا بَيت الدُّود والهوام فَإِذا دفن العَبْد الْمُؤمن قَالَ لَهُ الْقَبْر مرْحَبًا وَأهلا أما إِن كنت لأحب من يمشي على ظَهْري إِلَيّ فإد وليتك الْيَوْم وصرت إِلَيّ

стр. 167

فسترى صنعي بك قَالَ فيفسح لَهُ مد بَصَره وَيفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة وَإِذا دفن العَبْد الْفَاجِر أَو الْكَافِر قَالَ لَهُ الْقَبْر لَا مرْحَبًا وَلَا أَهلا أما إِن كنت لمن أبْغض من يمشي على ظَهْري إِلَيّ فَإِذا وليتك الْيَوْم وصرت إِلَيّ فسترى صنعي بك قَالَ فيلتئم عَلَيْهِ حَتَّى يلتقي عَلَيْهِ وتختلف أضلاعه قَالَ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ بأصابع يَدَيْهِ فَأدْخل بَعْضهَا فِي بعض وَقَالَ ويقيض الله لَهُ سبعين تنينا لَو أَن وَاحِدًا مِنْهَا نفخ فِي الأَرْض مَا أنبتت شَيْئا مَا بقيت الدُّنْيَا فتنهشه وتخدشه حَتَّى يبْعَث إِلَى الْحساب قَالَ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا الْقَبْر رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار وروى أَبُو الْحجَّاج الثمالِي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الْقَبْر للْمَيت إِذا وضع فِيهِ وَيحك يَا ابْن آدم مَا غَرَّك بِي ألم تعلم أَنِّي بَيت الْفِتْنَة وَبَيت الظلمَة وَبَيت الْوحدَة وَبَيت الدُّود وَمَا غَرَّك بِي إِذْ كنت تمر بِي فدادا قَالَ فَإِن كَانَ مصلحا أجَاب عَنهُ مُجيب الْقَبْر فَيَقُول أَرَأَيْت إِن كَانَ مِمَّن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر قَالَ فَيَقُول الْقَبْر فَإِنِّي إِذن أَعُود عَلَيْهِ خضرًا وَيعود جسده نورا ويصعد روحه إِلَى رب الْعَالمين ذكر هَذَا الحَدِيث أَبُو أَحْمد الْحَاكِم فِي كتاب الكنى وَذكره أَيْضا قَاسم بن أصبغ قيل لأبي الْحجَّاج مَا الفداد قَالَ الَّذِي يقدم رجلا وَيُؤَخر أُخْرَى يَعْنِي الَّذِي يمشي مشْيَة المتبختر وَقَالَ مُجَاهِد أول مَا يكلم ابْن آدم حفرته تَقول أَنا بَيت الدُّود وَبَيت الْوحدَة وَبَيت الوحشة وَبَيت الظلمَة وَبَيت الغربة هَذَا مَا أَعدَدْت لَك يَا ابْن آدم فَمَاذَا أَعدَدْت لي وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أَرْبَعَة أبحر لأربعة الْمَوْت بَحر الْحَيَاة وَالنَّفس بَحر الشَّهَوَات والقبر بَحر الندامات وعفو الله بَحر الخطيئات

стр. 168

وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء أَلا أخْبركُم بِيَوْم فقري يَوْم أنزل قَبْرِي وَكَانَ جَعْفَر بن مُحَمَّد يَأْتِي الْقُبُور لَيْلًا وَيَقُول يَا أهل الْقُبُور مالكم إِذا دعوتكم لَا تُجِيبُونِي ثمَّ يَقُول حيل بَينهم وَالله وَبَين الْجَواب وَكَأَنِّي أكون مثلهم وَأدْخل فِي جُمْلَتهمْ ثمَّ يسْتَقْبل الْقبْلَة وَيُصلي حَتَّى يطلع الْفجْر وأنشدوا يَا نَائِما بالضريح هبا ... هاك نسيم الصَّباح هبا وكل من نَام قد تشفى ... وَقَامَ من نَومه وهبا قُم تروحه النَّهَار طلقا ... وصدره للأنام رحبا وَالنَّاس كل إِلَى هَوَاهُ ... حرك طرفا وسل عضبا قُم ويك طَال ذَا هجوع ... وَطَالَ حزني لَهُ وأربي كم ذَا أنادي وَلَا مُجيب ... يُجيب دامي الْفُؤَاد صبا وَلَو أنادي جماد صَخْر ... لرق لي لوعة ولبى فَقَالَ لي ينْطق اعْتِبَارا ... تفهمه الْفتية الألبا يَمْنعنِي أَن أُجِيب خطب ... صير سلم الخطوب حَربًا أخرس مني أَلد خصما ... وقاد مني أَشمّ صعبا فَخَل عني وَعَن جوابي ... فبحر همي يعب عبا ولتبك إِن كنت ذَا بكاء ... نَفسك ذَنبا أَتَت فذنبا فيا إلهي وَمن إِلَيْهِ ... مددت كفي رهبا ورغبا بدد لحمي ورض عظمي ... وردني للهوام نهبا وروعة للنشور عظمى ... قدت فُؤَادِي خوفًا ورعبا رحماك فِي بائس فَقير ... قد طَاف شرقا وَطَاف غربا فَلم يجد حَاجَة تقضي ... وَلَا رأى دَعْوَة تلبى

стр. 169

إِلَّا وَمن أفقكم حياها ... تسكب فَوق الْأَنَام سكبا فَاغْفِر إلهي ذنُوب عبد ... تبت يَدَاهُ بِهن تَبًّا إِن لم ينل من رضاك حظا ... وَلم يصب من جداك شربا فَالْحَمْد فِي ذاكم وَفِي ذَا ... نَالَ أجاجا أَو نَالَ عذبا قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لبَعض جُلَسَائِهِ يَا فلَان لقد أرقت البارحة تفكرا فِي الْقَبْر وساكنه أَنَّك لَو رَأَيْت الْمَيِّت فِي قَبره بعد ثَلَاث لاستوحشت مِنْهُ بعد طول الْأنس بِهِ ولرأيت بَيْتا تجول فِيهِ الْهَوَام وَيجْرِي فِيهِ الصديد وتخترقه الديدان مَعَ تغير الرّيح وتقطع الأكفان وَكَانَ ذَلِك بعد حسن الْهَيْئَة وَطيب الرّيح ونقاء الثَّوْب ثمَّ شهق شهقة ثمَّ خر مغشيا عَلَيْهِ حَدثنَا سُلَيْمَان بن أَحْمد قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا العلائي قَالَ أخبرنَا معدي بن سَابق البهدلي قَالَ بلغنَا أَن عمر بن عبد الْعَزِيز شيع جَنَازَة فَلَمَّا انصرفوا تَأَخّر عمر عَنْهَا وَأَصْحَابه فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت لم تَأَخَّرت عَنْهَا وتركتها فَقَالَ نعم ناداني الْقَبْر من خَلْفي يَا عمر بن عبد الْعَزِيز ألم تَسْأَلنِي مَا صنعت بالأحبة قلت بلَى قَالَ خرقت الأكفان ومزقت الْأَبدَان ومصصت الدَّم وأكلت اللَّحْم أَلا تَسْأَلنِي مَا صنعت بالأوصال قلت بلَى قَالَ نزعت الْكَفَّيْنِ من الكوعين وَكَذَلِكَ الفخذين من الرُّكْبَتَيْنِ والركبتين من السَّاقَيْن والساقين من الْقَدَمَيْنِ ثمَّ بَكَى عمر وَقَالَ أَلا إِن الدُّنْيَا بَقَاؤُهَا قَلِيل وعزيزها ذليل وغنيها فَقير شابها يهرم وحيها يَمُوت وَلَا يغركم إقبالها مَعَ معرفتكم بِسُرْعَة إدبارها والمغرور من اغْترَّ بهَا أَيْن سكانها الَّذين بنوا مرابعها وشققوا أنهارها وغرسوا أشجارها وَأَقَامُوا فِيهَا أَيَّامًا يسيرَة وغرتهم بصحبتهم وغروا بنشاطهم فَرَكبُوا الْمعاصِي إِنَّهُم كَانُوا وَالله فِي الدُّنْيَا مغبوطين بِالْمَالِ على كَثْرَة الْمَنْع عَلَيْهِ محسودين على جمعه مَا صنع التُّرَاب بأبدانهم والرمل بأجسامهم والديدان بعظامهم وأوصالهم وَإِذا مَرَرْت فنادهم إِن كنت مناديا وادعهم إِن كنت لَا بُد

стр. 170

دَاعيا وَمر بعسكرهم وَانْظُر إِلَى تقَارب مَنَازِلهمْ وسل غنيهم مَا بَقِي من غناهُ وسل فقيرهم مَا بَقِي من فقره وأسألهم عَن الألسن الَّتِي كَانُوا بهَا يَتَكَلَّمُونَ وَعَن الْأَعْين الَّتِي كَانُوا بهَا ينظرُونَ وسلهم عَن الْأَعْضَاء الرقيقة وَالْوُجُوه الْحَسَنَة والأجساد الناعمة مَا صنعت بهَا الديدان محت الألوات وأكلت اللحمان وعفرت الْوُجُوه ومحت المحاسن وَكسرت الفقار وأبانت الْأَعْضَاء ومزقت الأشلاء قد حيل بَينهم وَبَين الْعَمَل وفارقوا الْأَحِبَّة فكم من ناعم وناعمة أَصبَحت وُجُوههم بالية وأجسادهم من أَعْنَاقهم بَائِنَة وأوصالهم متمزقة وَقد سَالَتْ الحدق على الوجنات وامتلأت الأفواه دَمًا وصديدا ودبت دَوَاب الأَرْض فِي أجسامهم وَتَفَرَّقَتْ أعضاؤهم ثمَّ لم يَلْبَثُوا وَالله إِلَّا يَسِيرا حَتَّى عَادَتْ الْعِظَام رميما قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعَة إِلَى المضايق قد تزوجت نِسَاؤُهُم وترددت فِي الطّرق أبناؤهم فَمنهمْ وَالله الموسع لَهُ فِي قَبره الغض الناعم فِيهِ المتنعم بلذته فيا سَاكن الْقَبْر مَا الَّذِي غَرَّك فِي الدُّنْيَا هَل تظن أَنَّك تبقى أَو تبقى لَك أَيْن دَارك الفيحاء نهرك المطرد وَأَيْنَ ثمرتك الْحَاضِر ينعها وَأَيْنَ رقاق ثِيَابك وَأَيْنَ كسوتك لصيفك وشتائك هَيْهَات هَيْهَات يَا مغمض الْوَالِد وَالْأَخ وغاسله يَا مكفن الْمَيِّت وحامله يَا مدليه فِي قَبره وراحل عَنهُ لَيْت شعري كَيفَ نمت على خشونة الثرى يَا لَيْت شعري بِأَيّ خديك بَدَأَ البلى يَا مجاور الهلكى صرت فِي محلّة الْمَوْتَى لَيْت شعري مَا الَّذِي يلقاني بِهِ ملك الْمَوْت عِنْد خروجي من الدُّنْيَا وَمَا يأتيني بِهِ من رِسَالَة رَبِّي ثمَّ أنْشد تغر بِمَا يفني وتشغل بالصبا ... لقد غر باللذات فِي النّوم حالم نهارك يَا مغرور سَهْو وغفلة ... وليلك نوم والردى لَك لَازم

стр. 171

وتعمل فِيمَا سَوف تكره حبه ... كَذَلِك فِي الدُّنْيَا تعيش الْبَهَائِم ثمَّ انْصَرف فَمَا بَقِي بعد ذَلِك إِلَّا جُمُعَة حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْحَضْرَمِيّ قَالَ أخبرنَا أَسد بن زيد قَالَ كُنَّا مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز فِي جَنَازَة فَلَمَّا أَن دفن الْمَيِّت ركب بغلة لَهُ صَغِيرَة ثمَّ جَاءَ إِلَى قبر فَرَكزَ عَلَيْهِ المقرعة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا صَاحب الْقَبْر قَالَ عمر فناداني مُنَاد من خَلْفي عَلَيْك السَّلَام يَا عمر بن عبد الْعَزِيز عَم تسْأَل فَقلت عَن ساكنك وجارك قَالَ أما الْبدن فعندي وَأما الرّوح فعرج بِهِ إِلَى الله عزوجل وَمَا أَدْرِي أَي شَيْء حَاله قلت أَسأَلك عَن ساكنك وجارك قَالَ أسلت المقلتين على الْخَدين ومزقت الأكفان وأكلت الْأَبدَان ثمَّ ذكر نَحوه وَزَاد فَلَمَّا ذهبت أقفي ناداني ياعمر عَلَيْك بكفن لَا يبْلى قلت وَمَا كفن لَا يبْلى قَالَ اتقاء الله وَالْعَمَل الصَّالح وَفِي بعض الْخطب المروية يَا ابْن آدم لَا يغرنك ارْتِفَاع ذكرك ونفاذ أَمرك وتشييد قصرك مَعَ مَا جمعت فِيهِ من الظباء الشرد والأوانس النهد وَالْمَتَاع المزخرف المنجد فَإنَّك تخرج مِنْهُ بالرغم وَالْأَمر الْجَزْم إِلَى بَيت الْحِجَارَة والرضم فتغتسل فِيهِ بصديدك وتأنس فِيهِ بحشراتك ودودك إِلَى أَن تبلغك الرجفة لهلاك هَذَا الْمَعْمُور ثمَّ الصَّيْحَة ليَوْم النشور وبعثرة الْقُبُور فَتخرج بِالْأَمر الْكِبَار إِلَى دَارك دَار الْقَرار إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار وَأنْشد بَعضهم من كَانَ مَسْكَنه قصرا يشيده ... فَإِن مَسْكَنه من بعد ذَا جدث وَمن تكن فرشه فِيهَا مرقشة ... ففرشه فِي ضريح بعْدهَا الرثث وَمن تكن آنسوه خردا لعبا ... فآنسوه هُنَاكَ الدُّود والعثث وَمن غَدا وسط نَار شعره جزل ... فَإِن آخِره التمزيق والشعث

стр. 172

وليته مَعَ هَذَا لَو أَقَامَ غَدا ... لكنه لمهول بعد ينبعث وَلَيْسَ ذَا الْأَمر مِمَّا يُسْتَطَاع لَهُ ... وصف وَلكنهَا الْأَمْثَال تعترث فالبحر مضربه لذِي الندى مثل ... وَالنَّار تذكرها إِذْ يذكر الغرث وَقيل لبَعض الزهاد مَا أبلغ العظات فَقَالَ النّظر إِلَى محلّة الْأَمْوَات يرْوى أَن الاسكندر مر بِمَدِينَة قد ملكهَا عدَّة مُلُوك وبادوا فَقَالَ هَل بَقِي من نسل هَؤُلَاءِ الْمُلُوك أحد فَقيل لَهُ مَا بَقِي مِنْهُم إِلَّا رجل وَاحِد يكون فِي هَذَا الْمَقَابِر فَدَعَا بِهِ فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ مَا الَّذِي حملك على لُزُوم الْمَقَابِر قَالَ أردْت أَن أميز عِظَام الْمُلُوك من عِظَام عبيدهم فَوجدت الْكل سَوَاء فَقَالَ لَهُ الاسكندر هَل لَك أَن تتبعني فأحيي بك شرف أبائك إِن كَانَت لَك همة فَقَالَ إِن لي همة عَظِيمَة فَإِن كَانَ بغيتي عنْدك تبعتك قَالَ مَا بغيتك قَالَ حَيَاة لَا موت فِيهَا وشباب لَيْسَ مَعَه هرم وغنى لَيْسَ مَعَه فقر وسرور لَيْسَ مَعَه مَكْرُوه قَالَ لَيْسَ ذَلِك عِنْدِي فَقَالَ وَأي خير أرجوه عنْدك إِن لم يكن عنْدك هَذِه الْأَشْيَاء فَامْضِ لشأنك وَدعنِي أطلب ذَلِك مِمَّن يملكهُ وَمِمَّنْ هُوَ عِنْده ثمَّ عَاد إِلَى مَكَانَهُ وَمر رجل مُسَافر بِغُلَام فِي صحراء فَقَالَ لَهُ يَا غُلَام أَيْن الْعمرَان فَقَالَ لَهُ اصْعَدْ الرابية تشرف على الْعمرَان فَصَعدَ فَأَشْرَف على قُبُور فَرجع إِلَيْهِ فَقَالَ سَأَلتك عَن الْعمرَان فدللتني على الْقُبُور فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت أهل هَذِه الدُّنْيَا ينقلون إِلَى تِلْكَ وَلم أر أحدا من تِلْكَ ينْقل إِلَى هَذِه وَإِنَّمَا ينْتَقل من الخراب إِلَى الْعمرَان وَلَو سَأَلتنِي عَمَّا يواريك ويواري دابتك لدللتك عَلَيْهِ وَكَانَ يزِيد الرقاشِي ﵀ يَقُول أَيهَا المقبور فِي حفرته المستخلي فِي الْقَبْر بوحدته المستأنس فِي بطن الأَرْض بِعَمَلِهِ لَيْت شعري بِأَيّ أعمالك استبشرت وَبِأَيِّ أحوالك اغتبطت ثمَّ يبكي حَتَّى يبل عباءته ثمَّ يَقُول

стр. 173

استبشر وَالله بِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَة واغتبط بإخوانه المعاونين لَهُ على طَاعَة الله وَكَانَ إِذا رأى الْقُبُور يخور كَمَا يخور الثور وَمر دَاوُد الطَّائِي ﵀ بِامْرَأَة تبْكي على قبر وَهِي تَقول عدمت الْحَيَاة فَلَا نلتها ... إِذا أَنْت فِي الْقَبْر قد وسدوكا وَكَيف ألذ بطعم الْكرَى ... وَهَا أَنْت فِي الْقَبْر قد أفردوكا ثمَّ قَالَت يَا أبناه بِأَيّ خديك بَدَأَ الدُّود أَولا قَالَ فَخر دَاوُد مغشيا عَلَيْهِ وَقَالَ حَاتِم الْأَصَم من مر بِفنَاء الْقُبُور وَلم يتفكر فِي نَفسه وَلم يدع لَهُم فقد خَان نَفسه وخانهم وَعَن صلَة بن أَشْيَم أَنه دفن أَخا لَهُ ثمَّ وقف على قَبره وَقَالَ فَإِن تنج مِنْهُ تنج من ذِي عَظِيمَة ... وَإِلَّا فَإِنِّي لَا أخالك ناجيا وَكَانَ بكر العابد يَقُول لأمه يَا أُمَّاهُ ليتك كنت بِي عقيما وَإِن لابنك فِي الْقَبْر حبسا طَويلا وَإِن لَهُ من بعد ذَلِك رحيلا وَقَالَ يحيى بن معَاذ ﵀ يَا ابْن آدم دعَاك رَبك إِلَى دَار السَّلَام فَانْظُر من أَيْن تجيبه إِن أَجَبْته من دنياك دَخَلتهَا وَإِن أَجَبْته من قبرك منعتها وَكَانَ الْحسن بن صَالح إِذا أشرف على الْقُبُور قَالَ مَا أحسن ظواهرك إِنَّمَا الدَّوَاهِي فِي بواطنك وَكَانَ عَطاء السّلمِيّ إِذا جن اللَّيْل يخرج إِلَى الْقُبُور فَيَقُول يَا أهل الْقُبُور متم فواماتاه وعاينتم أَعمالكُم فواعملاه ثمَّ يَقُول غَدا يكون عَطاء فِي الْقُبُور فَلَا يزَال ذَلِك دأبه إِلَى الصُّبْح وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ من أَكثر ذكر الْقَبْر وجده رَوْضَة من رياض الْجنَّة

стр. 174

وَمن غفل عَن ذكره وجده حُفْرَة من حفر النَّار وَقَالَ أَحْمد بن حَرْب ﵀ تتعجب الأَرْض مِمَّن يمهد مضجعه وَيُسَوِّي فرَاشه للنوم تَقول يَا ابْن آدم أَلا تذكر طول رقادك فِي جوفي وَمَا بيني وَبَيْنك شَيْء وَأنْشد بَعضهم يَا لَيْتَني والأماني غير طائلة ... إِلَّا تعلل مشغوف بهَا شغلا علمت أَي بِلَاد الله مضطجعي ... إِذا تبَاين عني الرّوح وانفصلا لعلني أَن أشوب أدمعي بدمي ... فِيهِ واشرح من حزني بِهِ جملا وَأَن أسوي من تربائه بيَدي ... حَتَّى يكون وثير الْمس معتدلا هَيْهَات هَيْهَات مَا للقبر تَسْوِيَة ... إِلَّا الْيَقِين وَإِلَّا القَوْل والعملا وَمر عَليّ بن أبي طَالب ﵁ بالمقابر فَوقف عَلَيْهَا فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة أَنْتُم لنا سلف وَنحن لكم تبع وبكم عَمَّا قَلِيل لاحقون اللَّهُمَّ اغْفِر لنا وَلَهُم وتجازو عَنَّا وعنهم طُوبَى لمن ذكر الْمعَاد وَعمل لِلْحسابِ وقنع بالكفاف وَرَضي فِي جَمِيع أَحْوَاله عَن الله تَعَالَى ثمَّ قَالَ يَا أهل الْقُبُور أما الزَّوْجَات فقد نكحت وَأما الديار فقد سكنت وَأما الْأَمْوَال فقد قسمت هَذَا خير مَا عندنَا فَمَا خير مَا عنْدكُمْ ثمَّ الْتفت إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ أما أَنهم لَو تكلمُوا لقالوا وجدنَا خير الزَّاد التَّقْوَى ويروى أَن رجلا دخل على عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ فَرَآهُ قد تغير لَونه من كَثْرَة الْعِبَادَة واستحالت صفته فَجعل يتعجب من تغير لَونه فَقَالَ لَهُ عمر يَا ابْن أخي وَمَا تعجبك مني فَكيف لَو رَأَيْتنِي بعد دُخُول قَبْرِي بِثَلَاث وَقد خرجت الحدقتان فسالتا على الْخَدين وتقلصت الشفتان عَن

стр. 175

الْأَسْنَان وَخرج الصديد والدود من المناخر والفم وانتفخ الْبَطن فعلا على الصَّدْر وَخرج الصلب عَن الدبر لرأيت إِذْ ذَاك مني أعجب مِمَّا رَأَيْت الْآن وَاعْلَم رَحِمك الله أَنه من أَقَامَ هَذَا الخيال نصب عَيْنَيْهِ وتفكر فِي الْمَيِّت وَمَا يؤول إِلَيْهِ ثمَّ نظر فِيمَا يقدم بعد ذَلِك عَلَيْهِ وَعلم أَن جِسْمه الغض وبدنه اللين سيطرح فِي حُفْرَة تقطع أوصاله وَتغَير أَحْوَاله ثمَّ يتَبَيَّن بعد ذَلِك مآله وَيطْلب بِكُل مَا عمله وَقَالَهُ لم يشغل بميت باله وَلم يبك إِلَّا لنَفسِهِ لَا لَهُ وأنشدوا لمن جدث أبصرته فشجاني ... وَأرْسل فِي شجو الهموم عناني سفكت عَلَيْهِ أدمعي فسقيته ... كَمَا هُوَ من كأس الشجون سقاني وقفت بِهِ حيران وَقْفَة هائم ... أعالج قلبا دَائِم الخفقان وَمَا بِي من فِي الْقَبْر لَكِن رَأَيْته ... على حَالَة فِيهَا وشيك أَرَانِي وأنشدوا أَيْضا لمن الأقبر فِي تِلْكَ الربى ... مَلَأت صَدْرِي شجوا وأسى لمن الْأَوْجه فِيهَا كسفت ... بعد حسن وجمال وضيا لمن الْأَجْسَام فِيهَا بليت ... بعد زهو وشباب وانتشا وَمن الفرسان فِيهَا قد نسوا ... روعة الْحَرْب بروعات الثرى ورموا إِذْ هتف الْمَوْت بهم ... بسيوف الْهِنْد رعْبًا والقنا وَمن الخرد فِيهَا شدّ مَا ... فتكت قبل بآساد الشرى نظر الْمَوْت إِلَيْهَا فغدت ... تنفر الْأَنْفس مِنْهَا إِذْ ترى لمن الأقبر فِي تِلْكَ الربى ... ألبست جسمي أَثوَاب الضنا يَا جفونا أرْسلت أدمعها ... مَا بذا بَأْس لَو ارسلت الدما صَاح يَا صَاح ونيران الجوى ... علقت مني بأثناء الحشا

стр. 176

لَا تَظنن بُكَائِي لَهُم ... لَيْسَ وَالله لَهُم هَذَا البكا إِنَّمَا أبْكِي لنَفْسي لَا لَهُم ... فَكَأَنِّي الْيَوْم فيهم أَو غَدا هامد الْجَمْرَة موهون القوى ... دَائِم الْحَسْرَة مَقْطُوع العرى رب يَا رب يَا رب الورى ... مَا ترى فِي عبد سوء مَا ترى كفر الأحسان قدما وبغى ... وطغى ثمَّ طَغى ثمَّ طَغى مَا ترى فِي أمره يَا من ترى ... كل شَيْء وَهُوَ رب لَا يرى لَيْسَ إِلَّا عفوك المرجو أَو ... دفْعَة تنزله قَعْر لظى وعياذا بك يَا مولَايَ أَن ... يلتوي فِي يَده حَبل الرجا وَإِذا اسلمته رب فَمن ... يقْصد الْيَوْم لَهُ أَو يرتجى ولعلك يَا هَذَا الباكي على ميته لَا تفرغ من بكائك عَلَيْهِ حَتَّى ينزل بك مَا نزل بِهِ فَتكون قد ضيعت وقتك بِسَبَبِهِ وَلم تشف صدرك من وصبه وَلَا قضيت ببكائك جَمِيع أربه كَمَا روى عَن عبد الْملك بن قريب الْأَصْمَعِي قَالَ رَأَيْت بالبادية امْرَأَة على رَاحِلَة تَطوف حول قبر تبْكي وتنشد وَتقول يَا من بمقلته زها الدَّهْر ... قد كَانَ مِنْك تطاول الْأَمر زَعَمُوا قتلت وَمَا لَهُم خبر ... كذبُوا وقبرك مَا لَهُم عذر يَا قبر سيدنَا الْمِجَن سماحة ... صلى الْإِلَه عَلَيْك يَا قبر مَا ضرّ لحدا أَنْت ساكنه ... أَلا يمر بأرضه الْقطر فلينبعن سماح جودك فِي الثرى ... وليورقن بقبرك الصخر وَإِذا غضِبت تصدعت فرقا ... مِنْك الْجبَال وخافك الذعر وَإِذا رقدت فَأَنت منتبه ... وَإِذا انْتَبَهت فوجهك الْبَدْر وَالله لَو بك لم أدع أحدا ... إِلَّا قتلت لفاتني الْوتر

стр. 177

قَالَ الْأَصْمَعِي فَأَعْجَبَنِي شعرهَا فدنوت مِنْهَا لأكلمها وأسألها عَن أمرهَا فَإِذا هِيَ قد سَقَطت ميتَة وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان ﵀ خرجت مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْمَقَابِر فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا بَكَى ثمَّ قَالَ وَأَقْبل عَليّ يَا مَيْمُون هَذِه قُبُور آبَائِي بني أُميَّة كَأَن لم يشاركوا أهل الدُّنْيَا فِي لذاتهم وَطيب عيشهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلى وأصابت الْهَوَام فِي أجسامهم مقيلا ثمَّ بَكَى وَقَالَ وَالله لَا أعلم أحدا أنعم مِمَّن صَار إِلَى هَذِه الْقُبُور وَقد أَمن من عَذَاب الله وَقَالَ ثَابت الْبنانِيّ دخلت الْمَقَابِر فَلَمَّا أردْت الْخُرُوج مِنْهَا إِذا بِصَوْت يَقُول يَا ثَابت لَا يغرنك صموت أَهلهَا فكم من نفس معذبة فِيهَا ويروى أَن فَاطِمَة بنت الْحسن بن عَليّ بن ابي طَالب ﵃ نظرت إِلَى جَنَازَة الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَت وَكَانُوا رَجَاء ثمَّ عَادوا رزية ... لقد عظمت تِلْكَ الرزايا وجلت ثمَّ ضربت على قَبره فسطاطا وأقامت عَلَيْهِ سنة فَلَمَّا مَضَت السّنة قلعوا الْفسْطَاط ليدخدلوا الْمَدِينَة فَسَمِعُوا صَوتا من جَانب البقيع يَعْنِي الْمَقَابِر يَقُول هَل وجدوا مَا طلبُوا فَسَمِعُوا صَوتا من الْجَانِب الآخر يجاوبه بل يئسوا فانقلبوا ويروى أَن بعض المتعبدين أَتَى قبرا كَانَ يألف صَاحبه فَأَنْشَأَ يَقُول مَالِي مَرَرْت على الْقُبُور مُسلما ... قبر الحبيب فَلَا يرد جوابي فأجبت مَالك لَا تجيب مناديا ... أمللت بعدِي خلة الْأَصْحَاب أكل التُّرَاب محاسني فنسيتكم ... وحجبت عَن أَهلِي وَعَن أحبابي قَالَ فَهَتَفَ بِي هَاتِف يَقُول

стр. 178

قَالَ الحبيب وَكَيف لي بجوابكم ... وَأَنا رهين جنادل وتراب فَعَلَيْكُم مني السَّلَام تقطعت ... مني ومنكم عقدَة الْأَسْبَاب وَقَالَ أَبُو مُوسَى التَّيْمِيّ توفيت النوار امْرَأَة الفرزدق فَخرج فِي جنازتها وُجُوه أهل الْبَصْرَة وقراؤها وَفِيهِمْ الْحسن بن أبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ فَقَالَ الْحسن للفرزدق يَا أَبَا فراس مَا أَعدَدْت لهَذَا الْيَوْم فَقَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُنْذُ سِتِّينَ سنة وَخمْس نَجَائِب لَا يدركن يَعْنِي الصَّلَوَات الْخمس فَلَمَّا دفنت النوار قَامَ الفرزدق على قبرها وَقَالَ أَخَاف وَرَاء الْقَبْر إِن لم يعافني ... أَشد من الْقَبْر التهابا وأضيقا إِذا قادني يَوْم الْقِيَامَة قَائِد ... عنيف وسواق يَسُوق الفرزدقا لقد خَابَ من أَوْلَاد آدم من مَشى ... إِلَى النَّار مغلول القلادة أزرقا يساق إِلَى نَار الْجَحِيم مسربلا ... سرابيل قطران لبوسا محرقا إِذا شربوا فِيهَا الْحَمِيم رَأَيْتهمْ ... يذوبون من حر الْجَحِيم تمزقا وَقَالَ مَالك بن دِينَار أتيت الْقُبُور يَوْمًا فَقلت فِيهَا بَيْتَيْنِ أتيت الْقُبُور فناديتها ... وَأَيْنَ الْمُعظم والمحتقر وَأَيْنَ المدل بسلطانه ... واين الْعَزِيز إِذا مَا افتخر قَالَ فنوديت من بَينهَا أسمع صَوتا وَلَا أرى شخصا وَهُوَ يَقُول تفانوا جَمِيعًا فَلَا مخبر ... وماتوا جَمِيعًا وَمَات الْخَبَر وصاروا إِلَى مَالك قاهر ... عَزِيز مُطَاع إِذا مَا أَمر تروح وتغدو بَنَات الثرى ... وتمحو محَاسِن تِلْكَ الصُّور فيا سائلي عَن أنَاس مضوا ... أمالك فِيمَا ترى مُعْتَبر لقد قلد الْقَوْم مَا قدمُوا ... فإمَّا نعيم وَإِمَّا سقر قَالَ مَالك فَرَجَعت وَأَنا أبْكِي وَأنْشد بَعضهم قف بالقبور بأكباد مصدعة ... ودمعة من سَواد الْقلب تنبعث

стр. 179

وسل بهَا عَن أنَاس طالما رشفوا ... ثغر النَّعيم وَمَا فِي ظله مَكَثُوا مَاذَا لقوا فِي خباياها وَمَا قدمُوا ... عَلَيْهِ فِيهَا وَمَا من أَجله ارتبثوا وَعَن محاسنهم إِن كَانَ غَيرهَا ... طول الْمقَام بِبَطن الأَرْض واللبث وَمَا لَهُم حشرات الأَرْض تنهشهم ... نهشا تَزُول لَهُ الْأَعْضَاء والنجث وتلكم الفتيات إِذْ طرحن بهَا ... هَل كَانَ فِيهِنَّ ذَا التَّغْيِير والشعث فَإِن يجبك على لأي مجيبهم ... وَلنْ يُجيب وأنى ينْطق الجدث فَانْظُر مَكَانك فِي أفناء ساحتهم ... فَإِنَّهُ الْجد لَا هزل وَلَا عَبث واعمل لمصرع يَوْم هال أَوله ... وَمن أمامك فِيهِ الروع والجأث ولعك أَيْضا مِمَّن يرفع قبر وليه ويزخرفه ويشيده ويشتغل بِظَاهِرِهِ ويغفل عَن بَاطِنه وَلَا يدْرِي هَل أَبيض على من فِيهِ أَو أسود وَهل انفرج لَهُ أَو انسد وَمَا ساكنه اشقي أم سعيد غوي أَو رشيد وَأحسن عِنْده أَن يتَصَدَّق بِتِلْكَ النَّفَقَة عَنهُ لِيَزْدَادَ بهَا حَسَنَة أَو يحط عَنهُ بهَا سَيِّئَة وأنشدوا لَيْت شعري سَاكن الْقَبْر المشيد ... هَل وجدت الْيَوْم فِيهِ من مزِيد وَهل الْبَاطِن فِيهِ مثل مَا ... هُوَ فِي الظَّاهِر تزويقا وشيد وَهل الْأَركان مِنْهُ بالتقى ... نيرات أَو بأعمالك سود وَهل المضجع فِيهِ لين ... أَو سعير مَا لَهَا فِيهِ خمود لَيْت شعري سَاكن الْقَبْر المشيد ... أشقي أَنْت فِيهِ أم سعيد أَقَرِيب أَنْت من رَحْمَة من ... وسع الْعَالم إحسانا وجود أم بعيد أَنْت مِنْهَا فَلَقَد ... طرقت دَارك بِالْوَيْلِ الْبعيد

стр. 180

وَلَقَد حل بأرجائك مَا ... ضَاقَ عَنهُ كل مَا فِي ذَا الْوُجُود أَيهَا الغافل مثلي وَإِلَى ... كم تعامى وتلوى وتحيد ادن فاقرأ فَوق رَأْسِي أحرفا ... خرجت وَيحك من قلب عميد صرعته فكرة صَادِقَة ... وهموم كلما تمْضِي تعود وندامات لأيام مَضَت ... هُوَ مِنْهَا فِي قيام وقعود وَغدا ترجع مثلي فاتعظ ... بِي وَإِلَّا فَامْضِ واعمل مَا تُرِيدُ قد نصحناك فَإِن لم تره ... سيراه بصر مِنْك حَدِيد وَاعْلَم رَحِمك الله أَن الشَّيْء الْمُمكن وجوده لَا يعرف مِقْدَاره على الْحَقِيقَة إِلَّا إِذا عدم وفقد وَطلب فَلم يُوجد كَمَا قَالَ الْقَائِل مر الشَّبَاب وَلم أقدر أراجعه ... وَلم أحييه إِلَّا بَعْدَمَا انصرفا والمرء يجهل قدر الشَّيْء يُمكنهُ ... حَتَّى إِذا فَاتَهُ إِمْكَانه عرفا أَلا ترى رَحِمك الله أَن الصِّحَّة لَا يعرف مقدارها على الْحَقِيقَة إِلَّا المرضى والعافية لَا يعرف مقدارها إِلَّا الْمُبْتَلى فَكَذَلِك الْحَيَاة لَا يعرف مقدارها إِلَّا الْمَوْتَى لأَنهم قد ظَهرت لَهُم الْأُمُور وانكشفت لَهُم الْحَقَائِق وتبدت لَهُم الْمنَازل وَعَلمُوا مِقْدَار الْأَعْمَال الصَّالِحَة إِذْ لَيْسَ ينْفق هُنَاكَ إِلَّا عمل صَالح زكي وَلَا يرْتَفع هُنَاكَ إِلَّا عبد تَقِيّ وَكلما ازْدَادَ هُنَا عملا صَالحا كَانَ هُنَاكَ أرفع دَرَجَة واشرف رُتْبَة وَأكْثر وجاهة وَكلما ازْدَادَ فِي الدُّنْيَا فَضِيلَة كَانَ أقرب إِلَى الله وَسِيلَة فَلَمَّا استبان لَهُم ذَلِك وَعَلمُوا مِقْدَار مَا ضيعوا وَقِيمَة مَا فِيهِ فرطوا ندموا وأسفوا وودوا لَو أَنهم إِلَى الدُّنْيَا رجعُوا وَإِلَى حالتهم الاولى ردوا وكل على حَاله فَالَّذِي عمل صَالحا يود أَن لَو رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فازداد من عمله الصَّالح وَأكْثر من متجره الرابح والمقصر يود لَو رد فاستدرك مَا فَاتَ وَنظر فِيمَا فرط فِيهِ فالمفرط المهمل بِالْجُمْلَةِ يكون تمنيه الرُّجُوع أَكثر وحرصه على الْإِقَالَة أَشد كل يتَكَلَّم عَن حَاله ويخبر عَمَّا هُوَ فِيهِ حَتَّى قَالَ الشَّهِيد الَّذِي قتل فِي
следующие страницы →