Полный текст (355 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
لَا تَظنن بُكَائِي لَهُم ... لَيْسَ وَالله لَهُم هَذَا البكا
إِنَّمَا أبْكِي لنَفْسي لَا لَهُم ... فَكَأَنِّي الْيَوْم فيهم أَو غَدا
هامد الْجَمْرَة موهون القوى ... دَائِم الْحَسْرَة مَقْطُوع العرى
رب يَا رب يَا رب الورى ... مَا ترى فِي عبد سوء مَا ترى
كفر الأحسان قدما وبغى ... وطغى ثمَّ طَغى ثمَّ طَغى
مَا ترى فِي أمره يَا من ترى ... كل شَيْء وَهُوَ رب لَا يرى
لَيْسَ إِلَّا عفوك المرجو أَو ... دفْعَة تنزله قَعْر لظى
وعياذا بك يَا مولَايَ أَن ... يلتوي فِي يَده حَبل الرجا
وَإِذا اسلمته رب فَمن ... يقْصد الْيَوْم لَهُ أَو يرتجى
ولعلك يَا هَذَا الباكي على ميته لَا تفرغ من بكائك عَلَيْهِ حَتَّى ينزل بك مَا نزل بِهِ فَتكون قد ضيعت وقتك بِسَبَبِهِ وَلم تشف صدرك من وصبه وَلَا قضيت ببكائك جَمِيع أربه كَمَا روى عَن عبد الْملك بن قريب الْأَصْمَعِي قَالَ رَأَيْت بالبادية امْرَأَة على رَاحِلَة تَطوف حول قبر تبْكي وتنشد وَتقول
يَا من بمقلته زها الدَّهْر ... قد كَانَ مِنْك تطاول الْأَمر
زَعَمُوا قتلت وَمَا لَهُم خبر ... كذبُوا وقبرك مَا لَهُم عذر
يَا قبر سيدنَا الْمِجَن سماحة ... صلى الْإِلَه عَلَيْك يَا قبر
مَا ضرّ لحدا أَنْت ساكنه ... أَلا يمر بأرضه الْقطر
فلينبعن سماح جودك فِي الثرى ... وليورقن بقبرك الصخر
وَإِذا غضِبت تصدعت فرقا ... مِنْك الْجبَال وخافك الذعر
وَإِذا رقدت فَأَنت منتبه ... وَإِذا انْتَبَهت فوجهك الْبَدْر
وَالله لَو بك لم أدع أحدا ... إِلَّا قتلت لفاتني الْوتر
стр. 177
قَالَ الْأَصْمَعِي فَأَعْجَبَنِي شعرهَا فدنوت مِنْهَا لأكلمها وأسألها عَن أمرهَا فَإِذا هِيَ قد سَقَطت ميتَة
وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان ﵀ خرجت مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْمَقَابِر فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا بَكَى ثمَّ قَالَ وَأَقْبل عَليّ يَا مَيْمُون هَذِه قُبُور آبَائِي بني أُميَّة كَأَن لم يشاركوا أهل الدُّنْيَا فِي لذاتهم وَطيب عيشهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلى وأصابت الْهَوَام فِي أجسامهم مقيلا ثمَّ بَكَى وَقَالَ وَالله لَا أعلم أحدا أنعم مِمَّن صَار إِلَى هَذِه الْقُبُور وَقد أَمن من عَذَاب الله وَقَالَ ثَابت الْبنانِيّ دخلت الْمَقَابِر فَلَمَّا أردْت الْخُرُوج مِنْهَا إِذا بِصَوْت يَقُول يَا ثَابت لَا يغرنك صموت أَهلهَا فكم من نفس معذبة فِيهَا
ويروى أَن فَاطِمَة بنت الْحسن بن عَليّ بن ابي طَالب ﵃ نظرت إِلَى جَنَازَة الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَت
وَكَانُوا رَجَاء ثمَّ عَادوا رزية ... لقد عظمت تِلْكَ الرزايا وجلت
ثمَّ ضربت على قَبره فسطاطا وأقامت عَلَيْهِ سنة فَلَمَّا مَضَت السّنة قلعوا الْفسْطَاط ليدخدلوا الْمَدِينَة فَسَمِعُوا صَوتا من جَانب البقيع يَعْنِي الْمَقَابِر يَقُول هَل وجدوا مَا طلبُوا فَسَمِعُوا صَوتا من الْجَانِب الآخر يجاوبه بل يئسوا فانقلبوا
ويروى أَن بعض المتعبدين أَتَى قبرا كَانَ يألف صَاحبه فَأَنْشَأَ يَقُول
مَالِي مَرَرْت على الْقُبُور مُسلما ... قبر الحبيب فَلَا يرد جوابي
فأجبت مَالك لَا تجيب مناديا ... أمللت بعدِي خلة الْأَصْحَاب
أكل التُّرَاب محاسني فنسيتكم ... وحجبت عَن أَهلِي وَعَن أحبابي
قَالَ فَهَتَفَ بِي هَاتِف يَقُول
стр. 178
قَالَ الحبيب وَكَيف لي بجوابكم ... وَأَنا رهين جنادل وتراب
فَعَلَيْكُم مني السَّلَام تقطعت ... مني ومنكم عقدَة الْأَسْبَاب
وَقَالَ أَبُو مُوسَى التَّيْمِيّ توفيت النوار امْرَأَة الفرزدق فَخرج فِي جنازتها وُجُوه أهل الْبَصْرَة وقراؤها وَفِيهِمْ الْحسن بن أبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ فَقَالَ الْحسن للفرزدق يَا أَبَا فراس مَا أَعدَدْت لهَذَا الْيَوْم
فَقَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُنْذُ سِتِّينَ سنة وَخمْس نَجَائِب لَا يدركن يَعْنِي الصَّلَوَات الْخمس فَلَمَّا دفنت النوار قَامَ الفرزدق على قبرها وَقَالَ
أَخَاف وَرَاء الْقَبْر إِن لم يعافني ... أَشد من الْقَبْر التهابا وأضيقا
إِذا قادني يَوْم الْقِيَامَة قَائِد ... عنيف وسواق يَسُوق الفرزدقا
لقد خَابَ من أَوْلَاد آدم من مَشى ... إِلَى النَّار مغلول القلادة أزرقا
يساق إِلَى نَار الْجَحِيم مسربلا ... سرابيل قطران لبوسا محرقا
إِذا شربوا فِيهَا الْحَمِيم رَأَيْتهمْ ... يذوبون من حر الْجَحِيم تمزقا
وَقَالَ مَالك بن دِينَار أتيت الْقُبُور يَوْمًا فَقلت فِيهَا بَيْتَيْنِ
أتيت الْقُبُور فناديتها ... وَأَيْنَ الْمُعظم والمحتقر
وَأَيْنَ المدل بسلطانه ... واين الْعَزِيز إِذا مَا افتخر
قَالَ فنوديت من بَينهَا أسمع صَوتا وَلَا أرى شخصا وَهُوَ يَقُول
تفانوا جَمِيعًا فَلَا مخبر ... وماتوا جَمِيعًا وَمَات الْخَبَر
وصاروا إِلَى مَالك قاهر ... عَزِيز مُطَاع إِذا مَا أَمر
تروح وتغدو بَنَات الثرى ... وتمحو محَاسِن تِلْكَ الصُّور
فيا سائلي عَن أنَاس مضوا ... أمالك فِيمَا ترى مُعْتَبر
لقد قلد الْقَوْم مَا قدمُوا ... فإمَّا نعيم وَإِمَّا سقر
قَالَ مَالك فَرَجَعت وَأَنا أبْكِي
وَأنْشد بَعضهم
قف بالقبور بأكباد مصدعة ... ودمعة من سَواد الْقلب تنبعث
стр. 179
وسل بهَا عَن أنَاس طالما رشفوا ... ثغر النَّعيم وَمَا فِي ظله مَكَثُوا
مَاذَا لقوا فِي خباياها وَمَا قدمُوا ... عَلَيْهِ فِيهَا وَمَا من أَجله ارتبثوا
وَعَن محاسنهم إِن كَانَ غَيرهَا ... طول الْمقَام بِبَطن الأَرْض واللبث
وَمَا لَهُم حشرات الأَرْض تنهشهم ... نهشا تَزُول لَهُ الْأَعْضَاء والنجث
وتلكم الفتيات إِذْ طرحن بهَا ... هَل كَانَ فِيهِنَّ ذَا التَّغْيِير والشعث
فَإِن يجبك على لأي مجيبهم ... وَلنْ يُجيب وأنى ينْطق الجدث
فَانْظُر مَكَانك فِي أفناء ساحتهم ... فَإِنَّهُ الْجد لَا هزل وَلَا عَبث
واعمل لمصرع يَوْم هال أَوله ... وَمن أمامك فِيهِ الروع والجأث
ولعك أَيْضا مِمَّن يرفع قبر وليه ويزخرفه ويشيده ويشتغل بِظَاهِرِهِ ويغفل عَن بَاطِنه وَلَا يدْرِي هَل أَبيض على من فِيهِ أَو أسود وَهل انفرج لَهُ أَو انسد وَمَا ساكنه اشقي أم سعيد غوي أَو رشيد وَأحسن عِنْده أَن يتَصَدَّق بِتِلْكَ النَّفَقَة عَنهُ لِيَزْدَادَ بهَا حَسَنَة أَو يحط عَنهُ بهَا سَيِّئَة
وأنشدوا
لَيْت شعري سَاكن الْقَبْر المشيد ... هَل وجدت الْيَوْم فِيهِ من مزِيد
وَهل الْبَاطِن فِيهِ مثل مَا ... هُوَ فِي الظَّاهِر تزويقا وشيد
وَهل الْأَركان مِنْهُ بالتقى ... نيرات أَو بأعمالك سود
وَهل المضجع فِيهِ لين ... أَو سعير مَا لَهَا فِيهِ خمود
لَيْت شعري سَاكن الْقَبْر المشيد ... أشقي أَنْت فِيهِ أم سعيد
أَقَرِيب أَنْت من رَحْمَة من ... وسع الْعَالم إحسانا وجود
أم بعيد أَنْت مِنْهَا فَلَقَد ... طرقت دَارك بِالْوَيْلِ الْبعيد
стр. 180
وَلَقَد حل بأرجائك مَا ... ضَاقَ عَنهُ كل مَا فِي ذَا الْوُجُود
أَيهَا الغافل مثلي وَإِلَى ... كم تعامى وتلوى وتحيد
ادن فاقرأ فَوق رَأْسِي أحرفا ... خرجت وَيحك من قلب عميد
صرعته فكرة صَادِقَة ... وهموم كلما تمْضِي تعود
وندامات لأيام مَضَت ... هُوَ مِنْهَا فِي قيام وقعود
وَغدا ترجع مثلي فاتعظ ... بِي وَإِلَّا فَامْضِ واعمل مَا تُرِيدُ
قد نصحناك فَإِن لم تره ... سيراه بصر مِنْك حَدِيد
وَاعْلَم رَحِمك الله أَن الشَّيْء الْمُمكن وجوده لَا يعرف مِقْدَاره على الْحَقِيقَة إِلَّا إِذا عدم وفقد وَطلب فَلم يُوجد كَمَا قَالَ الْقَائِل
مر الشَّبَاب وَلم أقدر أراجعه ... وَلم أحييه إِلَّا بَعْدَمَا انصرفا
والمرء يجهل قدر الشَّيْء يُمكنهُ ... حَتَّى إِذا فَاتَهُ إِمْكَانه عرفا
أَلا ترى رَحِمك الله أَن الصِّحَّة لَا يعرف مقدارها على الْحَقِيقَة إِلَّا المرضى والعافية لَا يعرف مقدارها إِلَّا الْمُبْتَلى فَكَذَلِك الْحَيَاة لَا يعرف مقدارها إِلَّا الْمَوْتَى لأَنهم قد ظَهرت لَهُم الْأُمُور وانكشفت لَهُم الْحَقَائِق وتبدت لَهُم الْمنَازل وَعَلمُوا مِقْدَار الْأَعْمَال الصَّالِحَة إِذْ لَيْسَ ينْفق هُنَاكَ إِلَّا عمل صَالح زكي وَلَا يرْتَفع هُنَاكَ إِلَّا عبد تَقِيّ وَكلما ازْدَادَ هُنَا عملا صَالحا كَانَ هُنَاكَ أرفع دَرَجَة واشرف رُتْبَة وَأكْثر وجاهة وَكلما ازْدَادَ فِي الدُّنْيَا فَضِيلَة كَانَ أقرب إِلَى الله وَسِيلَة
فَلَمَّا استبان لَهُم ذَلِك وَعَلمُوا مِقْدَار مَا ضيعوا وَقِيمَة مَا فِيهِ فرطوا ندموا وأسفوا وودوا لَو أَنهم إِلَى الدُّنْيَا رجعُوا وَإِلَى حالتهم الاولى ردوا وكل على حَاله فَالَّذِي عمل صَالحا يود أَن لَو رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فازداد من عمله الصَّالح وَأكْثر من متجره الرابح
والمقصر يود لَو رد فاستدرك مَا فَاتَ وَنظر فِيمَا فرط فِيهِ
فالمفرط المهمل بِالْجُمْلَةِ يكون تمنيه الرُّجُوع أَكثر وحرصه على الْإِقَالَة أَشد كل يتَكَلَّم عَن حَاله ويخبر عَمَّا هُوَ فِيهِ حَتَّى قَالَ الشَّهِيد الَّذِي قتل فِي
стр. 181
سَبِيل الله لما قيل لَهُ مَا تشْتَهي قَالَ أُرِيد أَن أرجع إِلَى الدُّنْيَا فأقاتل فأقتل مرّة أُخْرَى وَذَلِكَ لما يرى من فضل الشَّهَادَة وازدحام الْحور الْعين عَلَيْهِ حَال قَتله
وَقَالَ غَيره رب ارْجِعُونِ لعَلي أعمل صَالحا فِيمَا تركت وَقَالُوا يَا ليتنا نرد فنعمل غير الَّذِي كُنَّا نعمل
وَقَالَ ﷺ مَا من أحد يَمُوت إِلَّا نَدم قَالُوا وَمَا ندامته يَا رَسُول الله قَالَ إِن كَانَ محسنا نَدم أَن لَا يكون ازْدَادَ وَإِن كَانَ مسيئا نَدم أَن لَا يكون نزع أخرجه التِّرْمِذِيّ
ويروى أَن رجلا جَاءَ إِلَى الْقُبُور وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ اضْطجع على شقَّه فَنَامَ فَرَأى صَاحب الْقَبْر فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّكُم تَعْمَلُونَ وَلَا تعلمُونَ وَنحن نعلم وَلَا نعمل وَلِأَن تكون ركعتاك فِي صحيفتي أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
وَقَالَ بعض الصَّالِحين مَاتَ أَخ لي فِي الله فرأيته فِي النّوم فَقلت لَهُ يَا فلَان مَا فعل الله بك عِشْت الْحَمد لله رب الْعَالمين قَالَ لي لِأَن أقدر يَعْنِي عَليّ أَن أَقُول الْحَمد لله رب الْعَالمين أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثمَّ قَالَ ألم تَرَ حَيْثُ كَانُوا يدفنونني فَإِن فلَانا جَاءَ فصلى رَكْعَتَيْنِ لِأَن أكون أقدر على أَن أصليهما أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
أَلا ترى رَحِمك الله إِلَى ندمهم على تفريطهم وتأسفهم على تضييعهم ندموا وَالله حَيْثُ لَا ينفع النَّدَم وطلبوا مَالا يُمكن وسألوا فِيمَا لَا يجوز فتركوا على حَالهم وَلم يسعفوا فِي سُؤَالهمْ وَبَقِي كل وَاحِد مِنْهُم فِيمَا هُوَ فِيهِ
وَلما أشرف بَعضهم على الْآخِرَة وَأخذ فِي الانحدار إِلَى أَوديتهَا والتدلي فِي مهاويها وَأَرَادَ التَّمَسُّك فَلم يُمكنهُ ذَلِك وَأَرَادَ التثبيت فَلم يقدر عَلَيْهِ وَالرُّجُوع فَلم يجد إِلَيْهِ سَبِيلا أَمر أَن يكْتب على قَبره كَذَا ويرسم عَلَيْهِ كَذَا ليَكُون تذكرة لمن رَآهُ وموعظة لمن مر بِهِ كَمَا قَالَ الْقَائِل
стр. 182
أَيهَا الْمَاشِي بَين الْقُبُور ... غافلا عَن حَقِيقَة المقبور
أَنا ميت كَمَا تراني طريح ... بَين أطباق رضمة وصخور
ادن مني أنبيك عني ... وَلَا ينبيك عني مثل خَبِير
أَنا فِي بَيت غربَة وانفراد ... مَعَ قربي من جيرتي وعشيرتي
لَيْسَ لي فِيهِ مؤنس غير سعي ... من صَلَاح سعيته أَو فجور
وَكَذَا أَنْت فاتعظ بِي وَإِلَّا ... فعذيري مِنْك الْغَدَاة عذير
فَمن رأى قبرا فَإِنَّمَا رأى واعظا يعظه ومذكرا يذكرهُ فَإِن كَانَ الْقَبْر ساكتا فَإِنَّهُ نَاطِق بِلِسَان الْحَال ومفصح بِمَا يكون مِنْك فِي الْمَآل فَكَأَنَّهُ إِنَّمَا يخاطبك إِنْسَان وَيبين لَك عاقبتك وَيَقُول لَك يَا هَذَا كنت حَيا مثلك وَقد مت وَكَذَلِكَ أَنْت تَمُوت فضيعت أَمر رَبِّي وندمت وَكَذَلِكَ إِن ضيعت أَمر رَبك ستندم كَمَا قَالَ الْقَائِل
أَلا قل لماش على قبرنا ... غفول عَن أَشْيَاء حلت بِنَا
سيندم يَوْمًا لتَفْرِيطه ... كَمَا قد ندمنا لتفريطنا
فويحك كف خطام الْهوى ... وَقدم جميلا تفز بالمنى
والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ والشقي من وعظ بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا هِيَ سَاعَة وَاحِدَة وَإِن طَال المدى وامتد الْعُمر واتصلت الْأَيَّام كَمَا قَالَ الْقَائِل
وَإِنَّمَا عمرك المرجى ... هَذَا الَّذِي نلته كساعة
وَقَالَ الْأَصْمَعِي أُصِيب حَصِير حول الْحيرَة أجرد فِيهِ رجل عَلَيْهِ خلقان وَعند رَأسه لوح مَكْتُوب فِيهِ أَنا عبد الْمَسِيح بن حَيَّان بن نفيلة
حلبت الدَّهْر أشطره حَياتِي ... ونلت من المنى فَوق الْمَزِيد
وكافحت الْأُمُور وكافحتني ... فَلم أخضع لمعضلة كؤود
وكدت أنال بالشرف الثريا ... وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى الخلود
стр. 183
وحَدثني أَبُو الطَّاهِر السلَفِي نزيل الْإسْكَنْدَريَّة فِيمَا أذن لي أَن أحدث بِهِ عَنهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى وهب بن مُنَبّه قَالَ أُصِيب على قبر إِبْرَاهِيم الْخَلِيل مَكْتُوبًا خَلفه على حجر
ألهى جهولا أمله ... يَمُوت من جَاءَ أَجله
وَكَيف يبْقى آخر ... قد مَاتَ عَنهُ أَوله
وَمن دنا من حتفه ... لم تغن عَنهُ حيله
وَوَقع فِي كتاب المجالسة لأبي بكر أَحْمد بن مَرْوَان الْمَالِكِي الدينَوَرِي وَوجد على قَبره مَكْتُوبًا
يَا أَيهَا النَّاس كَانَ لي أمل ... قصر بِي عَن بُلُوغه الْأَجَل
فليتق الله ربه رجل ... أمكنه فِي حَيَاته الْعَمَل
مَا أَنا وحدي نقلت حَيْثُ تروا ... كل إِلَى مثله سينتقل
وعَلى آخر مَكْتُوبًا
تناجيك أجداث وَهن سكُوت ... وسكانها تَحت التُّرَاب خفوت
أيا جَامع الدُّنْيَا لغير بلاغه ... لمن تجمع الدُّنْيَا وَأَنت تَمُوت
وَوجد على آخر مَكْتُوب
وقفت على الْأَحِبَّة حِين صفت ... قُبُورهم كأفراس الرِّهَان
فَلَمَّا أَن بَكَيْت وفاض دمعي ... رَأَتْ عَيْنَايَ بَينهم مَكَان
وَمِمَّا يذكر أَنه وجد شعر قديم بِالشَّام مَكْتُوبًا على قبر وَقيل إِنَّه على قصر من قُصُور الْيمن
مَاتُوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرِّجَال فَلم تمنعهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم ... وأنزلوا حُفْرَة يَا بئس مَا نزلُوا
ناداهم صارخ من بعد مَا دفنُوا ... أَيْن الأسرة والتيجان وَالْحلَل
أَيْن الْوُجُوه الَّتِي كَانَت منعمة ... من دونهَا تضرب الأستار والكلل
стр. 184
فأفصح الْقَبْر عَنْهُم حِين سَاءَ لَهُم ... تِلْكَ الْوُجُوه عَلَيْهَا الدُّود يقتتل
لطال مَا أكلُوا دهرا وَمَا نعموا ... فَأَصْبحُوا بعد طول الْأكل قد أكلُوا
قَالَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن سعد رَأَيْت قبرا فِي بُسْتَان كثير النّخل وَالرُّمَّان وأصناف الشّجر وَعَلِيهِ مَكْتُوب
كم سَاكن فِي حُفْرَة ... يبْلى جَدِيد جماله
ترك الْأَحِبَّة بعده ... يتلذذون بِمَالِه
وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الْمُسْتَمْلِي عَن أَبِيه قَرَأت على قبر
مَا حَال من سكن الثرى مَا حَاله ... أَمْسَى وَقد صرمت هُنَاكَ حباله
أَمْسَى وَلَا روح الْحَيَاة يُصِيبهُ ... يَوْمًا وَلَا لطف الحبيب يَنَالهُ
أضحى وحيدا موحشا متفردا ... متشتتا بعد الْجَمِيع عِيَاله
أَمْسَى وَقد درست محَاسِن وَجهه ... وَتَفَرَّقَتْ فِي قَبره أوصاله
واستبدلت مِنْهُ الْمجَالِس غَيره ... وتقسمت من بعده أَمْوَاله
هَل من قبيل تعلمُونَ مَكَانَهُ ... سلمت على حدث الزَّمَان رِجَاله
قَالَ وقرأت على قبر أَيْضا
يَا باكي الْمَيِّت على قَبره ... امْضِ ودعه سَوف تسلاه
من عاين الْمَوْت فَذَاك الَّذِي ... لم تَرَ مثل الْمَوْت عَيناهُ
كم من شَقِيق لم يجد غير أَن ... أغمض من يهوى وسجاه
وَكم محب لحبيب إِذا ... سوى عَلَيْهِ اللَّحْد خلاه
وَوجد على قبر مَكْتُوبًا
الْمَوْت أخرجني من بَيت مملكتي ... والترب مضطجعي من بعد تشريف
لله عبد رآى قَبْرِي فأعبره ... وَخَافَ من دهره ريب التصاريف
стр. 185
هَذَا مصير بني الدُّنْيَا وَإِن نعموا ... فِيهَا وغرهم طول التساويف
اسْتغْفر الله من جُرْمِي وَمن زللي ... وأسأل الله فوزا يَوْم تَوْقِيف
وَوجد على آخر مَكْتُوبًا
قف وَاعْتبر فَكَأَن قد ... حللت هَذَا المحلا
هَذَا مَكَان يُسَاوِي ... فِيهِ الْأَعَز الأذلا
مَا كَانَ لي من صديق ... إِلَّا جفاني وملا
وَمَا جفاني وَلَكِن ... طَال المدى فتسلى
وعَلى قبر أبي عَامر بن شَهِيد مَكْتُوب وَهُوَ مدفون بِإِزَاءِ صَاحبه أبي مَرْوَان الرِّجَال وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا يخاطبه وَقد دفنا فِي بُسْتَان كَانَا كثيرا مَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ
يَا صَاحِبي قُم فقد أطلنا ... أَنَحْنُ طول المدى هجود
فَقَالَ لي لن نقوم مِنْهَا ... مَا دَامَ من فَوْقنَا الصَّعِيد
تذكر كم لَيْلَة نعمنا ... فِي ظلها إِذْ الزَّمَان عيد
وَكم سرُور همى علينا ... سحابه ثرة يجود
كل كَأَن لم يكن تقضى ... وشؤمه حَاضر عتيد
حصله كَاتب حفيظ ... وضمه صَادِق شَهِيد
يَا حسرتا إِن نكبتنا ... رَحْمَة من بطشه شَدِيد
يَا رب عفوا فَأَنت مولى ... قصر فِي حَقه العبيد
وَرَأَيْت على قبر أحد بني حبيب بإشبيلية مَكْتُوبًا فِي لوح رُخَام
عمرت خمسين واثنتين ... فِي حَالَة لم تقر عَيْني
أطيع دنيا دفعت عَنْهَا ... إِلَى الَّتِي آذَنت بحيني
стр. 186
تركت فِي الْحَيّ أصفيائي ... وحيل مَا بَينهم وبيني
قد بنت عَنْهُم أُخْرَى اللَّيَالِي ... لَيْسَ كبين الْحَيَاة بيني
وسوف ينسونني وشيكا ... من بعد خمسين واثنتين
إِن كَانَ دين الْحَيَاة ديني ... فسرني أَن قضيت ديني
وَمِمَّا وجد على قبر مَكْتُوبًا
إِن الحبيب من الأحباب مختلس ... لَا يمْنَع الْمَوْت حجاب وَلَا حرس
وَكَيف تفرح بالدنيا ولذتها ... يَا من عَلَيْهِ يعد اللَّفْظ وَالنَّفس
أَصبَحت يَا غافلا فِي النَّقْص منغمسا ... وَأَنت دهرك فِي اللَّذَّات تنغمس
لَا يرحم الْمَوْت ذَا جهل لغرته ... وَلَا الَّذِي كَانَ مِنْهُ الْعلم يقتبس
كم أخرس الْمَوْت من قبر وقفت بِهِ ... عَن الْجَواب لِسَانا مَا بِهِ خرس
قد كَانَ قصرك معمورا لَهُ شرف ... فقبرك الْيَوْم فِي الأجداث مندرس
وَأمر أَبُو الْعَلَاء بن زُهَيْر وَكَانَ طَبِيب عصره أَن يكْتب على قَبره
ترحم بِفَضْلِك يَا وَاقِفًا ... وَأبْصر مَكَانا دفعنَا إِلَيْهِ
تُرَاب الضريح على صفحتي ... كَأَنِّي لم أَمْشِي يَوْمًا عَلَيْهِ
أداوي الْأَنَام حذار الْمنون ... فها أَنا قد صرت رهنا لَدَيْهِ
وَوجد على قبر مَكْتُوبًا
أَنا مَشْغُول بذنبي ... عَن ذنُوب العالمينا
وخطايا موبقات ... تركت قلبِي حَزينًا
وَلَقَد كنت جَلِيلًا ... فِي عُيُون الناظرينا
صرت فِي ظلمَة قَبْرِي ... خَالِيا فِيهِ رهينا
فِي ثرى الأَرْض وحيدا ... فِي جوَار الهالكينا
وَتركت الْأَهْل والما ... ل لعمري والبنينا
стр. 187
ذ
وَلَقَد عمرت دهرا ... بعد أحقاب سنينا
فِي نعيم وسرور ... فَوق وصف الواصفينا
وملكت الشرق والغر ... ب وَكَانَ الْملك فِينَا
وَفتحت المدن قهرا ... وغلبت الغالبينا
فَأتى الْمَوْت علينا ... بعد هَذَا ففنينا
أَيهَا الْمَغْرُور بَادر ... لثواب الصالحينا
كل حَيّ سَوف يفنى ... غير محيي الميتينا
وَوجد على قبر مَكْتُوبًا
هذي منَازِل أَقوام عهدتهم ... فِي ظلّ عَيْش عَجِيب مَا لَهُ خطر
صاحت بهم حادثات الدَّهْر فانقلبوا ... إِلَى الْقُبُور فَلَا عين وَلَا أثر
وَمِمَّا يذكر أَنه وجد على قبر بطليلطلة إِذْ كَانَت للْمُسلمين مَكْتُوبًا
كَأَنَّك قد رحلت عَن المباني ... ووارتك الجنادل والصعيد
وناداك الحبيب فَلم تجبه ... وقربك مِنْهُ فِي الدُّنْيَا بعيد
وَأصْبح مَالك الْمَجْمُوع نهبا ... وعطل بعْدك الْقصر المشيد
وَصَارَ بنوك أيتاما صغَارًا ... وَعَانَقَ عرسك البعل الْجَدِيد
وأكبر مِنْهُ أَنَّك لست تَدْرِي ... شقي أَنْت وَيحك أم سعيد
وَوجد على بَاب مَقْبرَة مَكْتُوبًا
سَلام على أهل الْقُبُور الدوارس ... كَأَنَّهُمْ لم يجلسوا فِي الْمجَالِس
وَلم يشْربُوا من بَارِد المَاء شربة ... وَلم يطعموا من كل رطب يَابِس
وَلم يَك مِنْهُم فِي الْحَيَاة منافس ... طَوِيل المنى فِيهَا كثير الوساوس
أَلا لَيْت شعري أَيْن قبر خليلكم ... وقبر الْعَزِيز الشامخ المتشارس
стр. 188
لقد صرت فِي غَايَة الترب وَاحِدًا ... فهاهم بهَا مَا بَين راج ويائس
وَلَو عقل الْمَرْء المنافس فِي الَّذِي ... تركْتُم من الدُّنْيَا لَهُ لم ينافس
стр. 189
الْبَاب التَّاسِع فِي زِيَارَة الْقُبُور والبكاء عِنْدهَا وَمَا جَاءَ أَن الْمَيِّت يعرف من زَارَهُ ويبلغه دُعَاء من دَعَا لَهُ وَسَلام من سلم عَلَيْهِ وَفِي إِبَاحَة زِيَارَة قبر الْوَالِدين الْمُشْركين وَمَا جَاءَ أَن الْمَوْتَى يسْأَلُون عَن الْأَحْيَاء ويعرفون أَحْوَالهم وأعمالهم
ذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ زار النَّبِي ﷺ قبر أمه فَبكى وأبكى النَّاس من حوله وَقَالَ ﷺ اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي أَن أسْتَغْفر لَهَا فَلم يَأْذَن لي واستأذنته فِي أَن أَزور قبرها فَأذن لي فزوروا الْقُبُور فَإِنَّهَا تذكر بِالْمَوْتِ
وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث بُرَيْدَة بن حصيب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزورها فَإِن فِي زيارتها تذكرة
وَذكر النَّسَائِيّ عَن بُرَيْدَة أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أَرَادَ أَن يزور قبرا فليزره وَلَا تَقولُوا هجرا
وَذكر أَبُو عمر بن عبد الْبر من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من رجل يزور قبر أَخِيه الْمُؤمن كَانَ يعرفهُ وَيسلم عَلَيْهِ إِلَّا عرفه ورد ﵇
ويروى من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من رجل يزور قبر أَخِيه فيجلس عِنْده إِلَّا استأنس بِهِ حَتَّى يقوم
стр. 190
وَذكر النَّسَائِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله مَلَائِكَة سياحين يبلغونني من أمتِي السَّلَام
وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله عَليّ روحي حَتَّى أرد ﵇ وَقَالَ سُلَيْمَان بن نعيم رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم فَقلت يَا رَسُول الله هَؤُلَاءِ الَّذين يأتونك ويسلمون عَلَيْك أتفقه مِنْهُم قَالَ نعم وأرد عَلَيْهِم
وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَتَى الْمَقَابِر قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون أَنْتُم لنا فرط وَنحن لكم تبع أسأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة وَكَانَ ﵇ يعلمهُمْ مثل هَذَا أَن يقولوه إِذا دخلُوا الْمَقَابِر وَهَذَا يدل على أَن الْمَيِّت يعرف سَلام من يسلم عَلَيْهِ وَدُعَاء من دَعَا لَهُ
ويروى أَن الْفضل بن موفق قَالَ كنت آتِي قبر أبي الْمرة بعد الْمرة وَأكْثر من ذَلِك فَشَهِدت يَوْمًا جَنَازَة فِي الْمقْبرَة الَّتِي دفن فِيهَا فتعجلت بحاجتي وَلم آته فَلَمَّا كَانَ من اللَّيْل رَأَيْته فِي الْمَنَام فَقَالَ لي يَا بني لم لَا تَأتِينِي فَقلت لَهُ يَا أَبَت وَإنَّك لتعلم بِي إِذا أَتَيْتُك قَالَ أَي وَالله يَا بني وَإنَّك لتَأْتِيني فَمَا أَزَال أنظر إِلَيْك حَتَّى تطلع من القنطرة حَتَّى تصل إِلَيّ وتقعد عِنْدِي ثمَّ تقوم فَلَا أَزَال أنظر إِلَيْك حَتَّى تجوز القنطرة
وَكَذَلِكَ أبيحت زِيَارَة الْقُبُور للنِّسَاء كَمَا أبيحت للرِّجَال وأبيح لَهُنَّ الْبكاء عِنْد الْقُبُور كَمَا أُبِيح للرِّجَال
مر النَّبِي ﷺ بِامْرَأَة تبْكي عِنْد قبر صبي لَهَا فَقَالَ لَهَا اتقِي الله واصبري فَقَالَت إِلَيْك عني فَإنَّك لم تصب بمصيبتي وَلم تعرفه فَلَمَّا ذهب
стр. 191
قيل لَهَا إِنَّه النَّبِي ﷺ فَأَخذهَا مثل الْمَوْت فَأَتَت بَابه فَلم تَجِد على بَابه بوابين فَقَالَت يَا رَسُول الله لم أعرفك فَقَالَ إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى
والْحَدِيث صَحِيح مَشْهُور ذكره مُسلم وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا
وَلَو كَانَ بكاء النِّسَاء عِنْد الْقُبُور وزيارتهن لَهَا حَرَامًا لنهاها ﷺ ولزجرها زجرا يزْجر بِمثلِهِ من أَتَى محرما وارتكب مَنْهِيّا
وَمَا رُوِيَ من النَّهْي عَن زِيَارَة الْقُبُور للنِّسَاء فَغير صَحِيح وَالصَّحِيح مَا ذكرت لَك من الْإِبَاحَة إِلَّا أَن عمل النِّسَاء فِي خروجهن مَا لَا يجوز لَهُنَّ من تبرج أَو كَلَام أَو غَيره فَذَلِك هُوَ الْمنْهِي عَنهُ وَقد أُبِيح لَك أَن تبْكي على قبر ميتك حزنا عَلَيْهِ أَو رَحْمَة لَهُ مِمَّا بَين يَدَيْهِ فَإِن وجدت لَك بكاء فإبك وَمَعَ بكائك على ميتك فَلَا تغفل عَن بكائك على نَفسك وَعَن الفكرة فِيمَا عملته فِي يَوْمك وَأمْسك وَفِي مآلك عِنْد حُلُول رمسك
بل لَو أمكنك أَن تجْعَل بكاءك كُله عَلَيْك كَانَ الأولى بك والأحمد لَك
وأنشدوا
لمن جدث لَدَى بَاب البنود ... صدعت عَلَيْهِ أكباد العميد
نظرت إِلَيْهِ منتبذا بَعيدا ... فذكرني بمنتبذ بعيد
مَرَرْت بِهِ فحادثني حَدِيثا ... أعَاد عَليّ أحزاني وَعِيد
وأبكاني وأبكاني وأبكى ... ومثلي من بَكَى عِنْد اللحود
وَمَا بِي من ثوى فِيهَا وَلَكِن ... غَدَاة غَد سأدخل فِي العديد
وَفِي هَذَا الْمَعْنى
وَلما حللنا من بجاية جانبا ... تصان بِهِ هذي الجسوم وتكرم
وجدت لَهَا طيبا وروحا وراحة ... كَأَنِّي لأنفاس الصِّبَا اتنسم
فَقلت لصحبي مَا الَّذِي أمرجت لَهُ ... مَقَابِر مِنْهَا لاطيء ومسنم
стр. 192
فأوهمتهم أَنِّي جهلت وأنني ... لأدري بِذَاكَ الْأَمر مِنْهُم وَأفهم
فَقَالُوا طلبنا علم ذَاك فَلم نجد ... سوى رمم مِمَّن تحب وتعظم
تضوع بطن الأَرْض مِنْهَا كَأَنَّمَا ... تفتق من دارين مسك مختم
فَفَاضَتْ دموعي عِنْد ذَاك وَرُبمَا ... تشهر بالدمع السرَار المكتم
خليلي مَا بالي وبال نَوَائِب ... يراع لذكراها فُؤَادِي ويكلم
وَمِمَّا شجاني وَهُوَ أعظم أنني ... قذفت بِهِ مسودة الْجوف تلطم
وَلم أدر مَا كَانَت تَحِيَّة خَصمه ... لَهُ هَل ببشرى أم بشنعاء تقصم
وَأعظم مِنْهَا موقعا وأشده ... وَمَا خصني أدهى عَليّ وَأعظم
بِأَنِّي فِي تِلْكَ المسالك سالك ... أساق إِلَيْهَا أَن أَبيت وأرغم
وَمَا أَنا أَدْرِي مَا أُلَاقِي وَمَا الَّذِي ... عَلَيْهِ إِذا مَا كَانَ ذَلِك أقدم
فَهَل من دم أبكيه صرفا فَإِنَّمَا ... يبكى على هَذَا من المقلة الدَّم
وَقد تقدم أَن الْمَيِّت يتَأَذَّى ببكاء أَهله عَلَيْهِ وَفِيه حَدِيث ابْن أبي شيبَة يَقُول النَّبِي ﷺ يَا عباد الله لَا تعذبوا أمواتكم
وَرُبمَا يتَأَذَّى كَذَلِك أَو أَكثر من ذَلِك ببكاء غير أَهله وَيعْتَبر ذَلِك بالحي إِذا بَكَى عِنْده من لَيْسَ لَهُ غَرَض فِي بكائه وَلَا إِرَادَة فِي عويله
يرْوى عَن أبي بكر بن اللباد قَالَ حَدَّثتنِي عَائِشَة الأندلسية وَكَانَت عَائِشَة هَذِه من الصَّالِحَات قَالَت توفّي لي ولد بِمصْر فَقدمت القيروان فَكنت أخرج إِلَى الْمَقَابِر فِي بَاب سلم فأجلس عِنْد قبر وأبكي فَرَأَيْت ذَات لَيْلَة كَأَنِّي خرجت إِلَى بَاب سلم على عادتي وَإِذا أهل الْقُبُور قعُود على أفنية قُبُورهم الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان فَلَمَّا أَقبلت إِلَى الْموضع الَّذِي كنت أبْكِي عِنْده سَمِعت أهل الْقُبُور يَقُولُونَ قد جَاءَت هَذِه الْمَرْأَة ألها عندنَا قبر تبْكي عَلَيْهِ قَالُوا لَا قَالُوا فَلم تؤذينا ببكائها قَالَت ثمَّ لطمني مِنْهُم ميت فِي خدي الْأَيْمن قَالَت فَقلت لَهُم أتلطمون خدي وَقد مسست بِهِ الرُّكْن
стр. 193
وَالْحجر الْأسود فَقَالُوا لي قبرك بِمصْر وتؤذينا أَنْت هَا هُنَا قَالَت فانتبهت وَأثر اللَّطْمَة فِي خدي قَالَ أَبُو بكر وكشفت لي عَن وَجههَا فَرَأَيْت أثر اللَّطْمَة سوادا أَقَامَ نَحوا من أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ تقشر وَذهب
فَيَنْبَغِي لمن زار الْقُبُور أَن يسلم على أَهلهَا وَأَن يَدْعُو لَهُم وَيسْأل الله فيهم وَيتْرك الْكَلَام عِنْدهم بِمَا لَا يحل والْحَدِيث على رؤوسهم بِمَا لَا يحب فَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم لَا يدْرِي مِقْدَار مَا يَقُول فَإِن الْمَيِّت يدْرِي مِقْدَاره ويتحقق موقعه ويتبين ضَرَره فَوَاجِب عَلَيْك أَلا تؤذيه بِسَمَاع مَا لَا يُرِيد سَمَاعه وَألا تدخل عَلَيْهِ مَا لَا يُرِيد إِدْخَاله وَإِلَّا فَرُبمَا لم يَفِ لَك خير زيارتك إِيَّاه بشر مَا تنْقَلب بِهِ من عِنْده
كَانَ بقرطبة رجل من الزهاد المحتسبين يكنى بِأبي مَرْوَان وَكَانَ دينا فَاضلا طلب الْعلم وروى الحَدِيث وَسمع من مُحَمَّد بن وضاح وَسكن عِنْده إِلَى أَن مَاتَ وَصلى عَلَيْهِ ابْن وضاح وَدَفنه بمقبرة تعرف بمقبرة خلال وتعرف أَيْضا بمقبرة الْمَسَاكِين وَكَانَ ابْن وضاح بعد ذَلِك مَتى حضر جَنَازَة فِي تِلْكَ الْمقْبرَة مَشى إِلَى قبر أبي مَرْوَان هَذَا فَوقف بِهِ وَسلم عَلَيْهِ ودعا لَهُ فَحَضَرَ جَنَازَة فِي بعض الْأَيَّام فِي تِلْكَ الْمقْبرَة وأعجله أَمر عَن الْمَشْي إِلَيْهِ على عَادَته للسلام عَلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ قَالَ ابْن وضاح فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة المقبله رَأَيْت أَبَا مَرْوَان فِي نومي وَكَأَنَّهُ يَقُول لي يَا أَبَا عبد الله كن إِذا دخلت هَذِه الْمقْبرَة وقفت بِي وسلمت عَليّ ودعوت لي فأنست بك وفرحت بدعائك وَدخلت الْيَوْم فَلم تفعل شَيْئا من ذَلِك فَقلت لَهُ يَا أَبَا مَرْوَان وَإِنَّكُمْ لتعرفون من يقف بكم وَيسلم عَلَيْكُم فَقَالَ نعم وَلَقَد قعد ابْنك مُحَمَّد على قَبْرِي الْيَوْم مَعَ رجل مَا هُوَ إِلَّا يَهُودِيّ وَتكلم بِكَلَام مَا هُوَ إِلَّا كفر وَلَقَد تأذيت بقعودهما وكلامهما قَالَ ابْن وضاح فَلَمَّا أَصبَحت دَعَوْت ابْني مُحَمَّدًا فَقلت لَهُ أَيْن قعدت أمس إِذْ حَضَرنَا جَنَازَة فلَان قَالَ عِنْد قبر أبي مَرْوَان الزَّاهِد فَقلت مَعَ من قعدت فكتمني فَقلت لَهُ مَعَ من قعدت وعزمت عَلَيْهِ فَقَالَ لي مَعَ فلَان وأعلمني بالقاعد مَعَه فعرفته وَكَانَ ذَلِك الرجل مُولَعا بِبَعْض الْكَلَام وَقلت لَهُ فيمَ تكلمتم وفيم خضتم فَقَالَ تكلمنا فِي الْبَارِي ﵎ وَفِي الْقُرْآن وَغير ذَلِك فَقلت
стр. 194
لَهُ إياك أَن تقاعده أَو تَتَكَلَّم مَعَه أَو مَعَ غَيره فِي شَيْء من هَذَا فَإِن أَبَا مَرْوَان أَتَانِي البارحة فِي نومي فَأَعْلمنِي بِكَذَا وَكَذَا
وَهَذِه حِكَايَة صَحِيحَة عَن ابْن وضاح وَفِي بعض طرقها ان ابْنه قَالَ سُبْحَانَ الَّذِي جعل أَبَا مَرْوَان وَكيلا علينا فِي حَيَاته وَبعد مماته
وكما يتَأَذَّى الْمَيِّت رَحِمك الله بِمَا يسمع من الْكفْر فَكَذَلِك يتَأَذَّى بِمَا يسمع من الْفُحْش والهجر وَلكنه أَذَى دون أَذَى فَوَاجِب عَلَيْك أَلا تؤذيه بِقَلِيل وَلَا كثير وَإِن لم تَنْفَعهُ فَلَا تضره
وَاعْلَم أَن الْمَيِّت كالحي فِيمَا يعطاه وَيهْدِي إِلَيْهِ بل الْمَيِّت أَكثر وَأكْثر لِأَن الْحَيّ قد يسْتَقلّ بِمَا يهدى إِلَيْهِ ويستحقر مَا يتحف بِهِ وَالْمَيِّت لَا يستحقر شَيْئا من ذَلِك وَلَو كَانَ مِقْدَار جنَاح بعوضة أَو وزن مِثْقَال ذرة لِأَنَّهُ يعلم قِيمَته وَقد كَانَ يقدر عَلَيْهِ فضيعه
وَمِمَّا يدلك على صِحَة وُصُول مَا يهدي الْحَيّ إِلَى الْمَيِّت قَوْله ﷺ إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ
فدعاء الْوَلَد يصل إِلَى وَالِده وَينْتَفع بِهِ وَكَذَلِكَ أمره ﵇ بِالسَّلَامِ على أهل الْقُبُور وَالدُّعَاء لَهُم مَا ذَاك إِلَّا لكَون الدُّعَاء لَهُم وَالسَّلَام عَلَيْهِم يصل إِلَيْهِم ويأتيهم وَالله أعلم
ويروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمَيِّت كالغريق فِي قَبره ينْتَظر دَعْوَة تلْحقهُ من ابْنه أَو أَخِيه أَو صديق لَهُ فَإِذا لحقته كَانَت أحب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة
قَالَ بشر بن مَنْصُور كَانَ رجل زمن الطَّاعُون يخْتَلف إِلَى الْمَقَابِر ثمَّ يسْتَقْبل الْقُبُور فَيَقُول أَمن الله روعتكم آنس الله وحشتكم رحم الله غربتكم تقبل الله حسناتكم تجَاوز الله عَن سَيِّئَاتكُمْ لَا يزِيد على هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات قَالَ الرجل فَانْصَرَفت ذَات يَوْم وَلم أدع فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم خلقا
стр. 195
كثيرا قد جَاءُونِي فَقلت لَهُم من أَنْتُم قَالُوا أهل الْمَقَابِر قلت وَمَا حَاجَتكُمْ قَالُوا إِنَّك قد عودتنا مِنْك هَدِيَّة تهديها إِلَيْنَا عِنْد انصرافك قلت وَمَا هِيَ قَالُوا الدَّعْوَات الَّتِي كنت تَدْعُو بهَا لنا قلت فَإِنِّي أَعُود لما كنت أَدْعُو بِهِ قَالَ فَمَا تركت ذَلِك بعد
وَقَالَ بشار بن غَالب رَأَيْت رَابِعَة العدوية يَعْنِي العابدة فِي الْمَنَام وَكنت كثير الدُّعَاء لَهَا فَقَالَت يَا بشاء هديتك تَأْتِينَا فِي أطباق من نور عَلَيْهَا مناديل حَرِير وَهَكَذَا يَا بشار دُعَاء الْمُؤمنِينَ الْأَحْيَاء إِذا دعوا لأخوانهم الْمَوْتَى فاستجيب لَهُم يُقَال هَذِه هَدِيَّة فلَان إِلَيْك
وَرَأَيْت لبَعض من يوثق بِهِ قَالَ مَاتَت لي امْرَأَة فَقَرَأت فِي بعض اللَّيَالِي آيَات من الْقُرْآن فأهديتها لَهَا ودعوت الله واستغفرت وَسَأَلت فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي حَدَّثتنِي امْرَأَة تعرفنِي وتعرفها قَالَت لي رَأَيْت البارحة فُلَانَة فِي النّوم تَعْنِي الْميتَة الْمَذْكُورَة فِي مجْلِس حسن فِي دَار حَسَنَة وَقد أخرجت لي أطباقا من تَحت سَرِير كَانَ فِي الْبَيْت والأطباق مَمْلُوءَة قَوَارِير فَقَالَت لي يَا فُلَانَة هَذَا أهداه لي صَاحب بَيْتِي قَالَ وَمَا كنت أعلمت بِمَا أهديت من ذَلِك أحدا
وَقَالَ أَبُو قلَابَة أَقبلت من الشَّام إِلَى الْبَصْرَة فمررت على مَقَابِر فَنزلت الخَنْدَق فَتَوَضَّأت وَصليت رَكْعَتَيْنِ ثمَّ وضعت رَأْسِي على قبر فَنمت فَإِذا بِصَاحِب الْقَبْر فِي الْمَنَام قد وقف بِي ثمَّ قَالَ يَا هَذَا لقد آذيتني مُنْذُ اللَّيْلَة يَعْنِي بِوَضْع رَأسه على قَبره ثمَّ قَالَ جزى الله أهل الدُّنْيَا خيرا فَإِنَّهُم لَا يزَال يدْخل علينا من دُعَائِهِمْ أَمْثَال الْجبَال فأقرئهم مني السَّلَام
وحَدثني من أَثِق بِهِ قَالَ رأى فلَان وسمى رجلا موثوقا بِهِ فِي النّوم فُلَانَة وَكَانَت ميتَة قَالَ فَقَالَت لي يَا هَذَا إمض إِلَى ابْنَتي فُلَانَة الفاعلة الصانعة تسبها وَقل لَهَا أَهَذا من الصَّوَاب أَو من الْبر أَن أقعد مَعَ النِّسَاء فتأتيهن الطّرف والهدايا من عِنْد بناتهن وأخوانهن وأهليهن وأتطلع وَأَنا أنظر يَمِينا وَشمَالًا رَجَاء أَن يأتيني مِنْهَا شَيْء فَلَا يَأْتِي فأبقى خجلة عِنْد النِّسَاء خزيانة بَينهُنَّ وَقل لَهَا أَو لفلانة تمْضِي إِلَى مَوضِع كَذَا وَكَذَا فَإِن فِيهِ دَنَانِير مدفونة فتفعل بهَا كَذَا وَكَذَا قَالَ فَوجدت الدَّنَانِير كَمَا قَالَت
стр. 196
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة قَدِيما وحديثا فَيَنْبَغِي لمن دخل الْمَقَابِر أَن يتخيل أَنه ميت وَأَنه قد لحق بهم وَدخل فِي معسكرهم وَأَنه مُحْتَاج إِلَى مَا هم إِلَيْهِ محتاجون وراغب فِيمَا هم فِيهِ راغبون فليأت إِلَيْهِم بِمَا يحب أَن يُؤْتِي بِهِ إِلَيْهِ وليتحفهم بِمَا يحب أَن يتحف بِهِ وليتفكر فِي تَغْيِير أَحْوَالهم وألوانهم وتقطع أبدانهم وتنكر أَحْوَالهم وَكَيف صَارُوا بعد الْأنس بهم والتسلي بِحَدِيثِهِمْ إِلَى النفار من رُؤْيَتهمْ والوحشة من مشاهدتهم ويتفكر أَيْضا فِي انْشِقَاق الأَرْض وبعثرة الْقُبُور وَخُرُوج الْمَوْتَى وقيامهم بِمرَّة وَاحِدَة حُفَاة عُرَاة غرلًا مهطعين إِلَى الدَّاعِي مُسْرِعين إِلَى الْمُنَادِي
قَالَ مطرف بن أبي بكر الْهُذلِيّ كَانَت عَجُوز متعبدة فِي بني عبد قيس وَكَانَت إِذا جَاءَ اللَّيْل قَامَت فِي مِحْرَابهَا فَإِذا جَاءَ النَّهَار خرجت إِلَى الْقُبُور فعوتبت فِي كَثْرَة إتيانها إِلَى الْقُبُور فَقَالَت إِن الْقلب إِذا قسا وعتا لم يلينه إِلَّا زِيَارَة الْمَوْتَى وَالْوُقُوف على رسوم البلى فَإِنِّي لآتي الْقُبُور فأقف عَلَيْهَا وَأنْظر إِلَيْهَا وأعتبر بهَا وأتفكر فِيهَا فَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِم وَقد خَرجُوا من بَين أطباقها وانبعثوا من تَحت أحجارها فيا لَهَا من نظرة لَو أشربها الْعباد قُلُوبهم مَا أَشد نهكتها فِي الْأَجْسَام وَأعظم مرارتها فِي الْأَنْفس
وَأعلم أَن قُبُور الصَّالِحين لَا تَخْلُو من بركَة وَأَن زائرها وَالْمُسلم عَلَيْهَا والقاريء عِنْدهَا والداعي لمن فِيهَا لَا يَنْقَلِب إِلَّا بِخَير وَلَا يرجع إِلَّا بِأَجْر وَقد يُوجد لذَلِك أَمارَة ويبدو مِنْهَا بِشَارَة
روى أَن رَسُول الله ﷺ لما نزل يالمأزمين قَالَ لَهُ أَصْحَابه يَا رَسُول الله إِنَّا نجد هَاهُنَا ريح مسك فَقَالَ وَمَا يمنعكم وَهَا هُنَا قبر أبي مُعَاوِيَة وَأَبُو مُعَاوِيَة هُوَ عبَادَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ابْن عَم النَّبِي ﷺ قتل يَوْم بدر شَهِيدا وَكَانَ خرج ذَلِك الْيَوْم وَمَات هُنَاكَ شَهِيدا ﵁
وروى يحيى بن سعيد عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج قَالَ
فتن النَّاس بِقَبْر عبد الله بن غَالب كَانَ يُوجد ريح الْمسك مِنْهُ
قَالَ مَالك بن دِينَار ﵀ ذهبت إِلَى قبر عبد الله بن غَالب ﵁ فَأخذت من ترابه فَإِذا هُوَ مسك أَو كَأَنَّهُ مسك
стр. 197
وَقَالَ حَمَّاد بن زيد حَدثنِي سعيد بن زيد قَالَ أدخلت يَدي فِي قبر عبد الله بن غَالب إِلَى الْمرْفق فأخرجت مِنْهُ تُرَابا فَإِذا رِيحه ريح مسك
وقصة هَذَا الْقَبْر صَحِيحَة مَشْهُورَة وَلما خيف على النَّاس مِنْهُ الْفِتْنَة سوي
حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن افرند وَكَانَ هُوَ وَأَبوهُ صالحين معروفين قَالَ قَالَ أَبُو الْوَلِيد مَاتَ أبي رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَحَدثني بعض إخوانه مِمَّن يوثق بِهِ وبحديثه نسيت أَنا اسْمه قَالَ لي زرت قبر أَبِيك فَقَرَأت عَلَيْهِ حزبا من الْقُرْآن ثمَّ قلت لَهُ يَا فلَان هَذَا أهديته لَك فَمَاذَا لي قَالَ فَهبت عَليّ نفحة مسك غشيتني وأقامت معي سَاعَة ثمَّ انصرفت وَهِي معي فَمَا فارقتني إِلَّا وَقد مشيت نصف الطَّرِيق
وروى أَبُو مُحَمَّد عبد الله الْكُبْرَى وَيعرف بالمغاور وَكَانَ من الصَّالِحين وَالله أعلم مَشْهُورا بِالصّدقِ وَالْخَيْر قَالَ زرت قبر الزبير بن الْعَوام صَاحب النَّبِي ﷺ وقرابته وَهُوَ أحد الْعشْرَة وقبره بِأَرْض الْبَصْرَة قَالَ فَبَيْنَمَا أَنا على قَبره إِذْ رَأَيْتنِي قد صب عَليّ مَاء ورد من الجو فبلني حَتَّى بل مرقعتي رَأَيْت ذَلِك وَأَنا حَاضر الذِّهْن مَفْتُوح الْعين
وَغير بعيد أَن يخلق الله على رَأسه مَاء ورد يبله بل يبل الأَرْض كلهَا إِذا شَاءَ كَرَامَة لصَاحب نبيه ﷺ وبشرى لهَذَا بزيارته إِيَّاه وَلَا يلْزم أَن يكون هَذَا لكل زائر وَلَا عِنْد كل مزور بل يكون الزائر أفضل من هَذَا والمزور أفضل من ذَلِك وَلَا يكون شَيْء من هَذَا
وللكلام على هَذَا مَوضِع آخر
وَذكر ابْن إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لما مَاتَ النَّجَاشِيّ كَانَ يتحدث أَنه لَا يزَال يرى على قَبره نور
وَيسْتَحب لَك رَحِمك الله أَن تقصد بميتك قُبُور الصَّالِحين ومدافن أهل الْخَيْر فتدفنه مَعَهم وتنزله بإزائهم وتسكنه فِي جوارهم تبركا بهم وتوسلا إِلَى الله تَعَالَى بقربهم وَأَن تجتنب بِهِ قُبُور من سواهُم مِمَّن يخَاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدته فقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الْمَيِّت يتَأَذَّى بالجار السوء كَمَا
стр. 198
يتَأَذَّى بِهِ الْحَيّ
يرْوى أَنه دفنت امْرَأَة بقرطبة فَأَتَت أَهلهَا فِي النّوم فَجعلت تعاتبهم وتشكوهم وَتقول مَا وجدْتُم أَن تدفنوني إِلَّا إِلَى بَيت فرن جير فَبَحَثُوا وسألوا عَمَّن كَانَ مَدْفُونا بإزائها فوجدوه رجلا سيافا كَانَ لِابْنِ عَامر وقبره إِلَى قبرها فأخرجوها من جواره وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة حَال المقبور وَإِنَّمَا لنا مَا ظهر خَاصَّة وَللَّه مَا ظهر وَمَا بطن
стр. 199
الْبَاب الْعَاشِر ذكر منامات رئيت لبَعض الصَّالِحين تدل على مَا هم فِيهِ من الْخَيْر وَحسن الْعَاقِبَة
قَالَ ﷺ إِن الرسَالَة والنبوة قد انْقَطَعت فَلَا رَسُول بعدِي وَلَا نَبِي قَالَ فشق ذَلِك على النَّاس فَقَالَ لَكِن الْمُبَشِّرَات قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الْمُبَشِّرَات قَالَ رُؤْيا الْمُسلم وَهِي جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة
وَقد فسر قَوْله ﵎ لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا أَنَّهَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الْمُسلم أَو ترى لَهُ
ذكر الْحَدِيثين التِّرْمِذِيّ
وروى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة بشرى من الله
وَمن حَدِيث ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سبعين جُزْءا من النُّبُوَّة ذكر هَذَا الحَدِيث مُسلم وَغَيره
وَقَالَ ﷺ رُؤْيا الْمُؤمن جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة وَإِذا ثَبت صَلَاح العَبْد صدقت رُؤْيَاهُ وَإِلَّا فَهِيَ تسر وَلَا تضر وَالله أعلم بِمن يثبت صَلَاحه وبمن يصدق كل مَا يرَاهُ وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع الْكَلَام وسأذكر لَك جملا من هَذِه الْأَخْبَار
стр. 200
وَذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أم الْعَلَاء وَكَانَت مِمَّن بَايع رَسُول الله ﷺ قَالَت طَار لنا عُثْمَان بن مَظْعُون فِي السُّكْنَى حِين أقرعت الْأَنْصَار على سُكْنى الْمُهَاجِرين فاشتكى فمرضناه حَتَّى توفّي ثمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أثوابه فَدخل علينا رَسُول الله ﷺ فَقلت رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب شهادتي عَلَيْك لقد أكرمك الله فَقَالَ وَمَا يدْريك أَن الله أكْرمه قلت لَا أَدْرِي وَالله قَالَ أما هُوَ فقد جَاءَهُ الْيَقِين إِنِّي لأرجو لَهُ الْخَيْر من الله وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي وَلَا بكم قَالَت فوَاللَّه لَا أزكي أحدا بعده
قَالَت وأحزنني ذَلِك فَنمت فَرَأَيْت لعُثْمَان بن مَظْعُون فِي النّوم عينا تجْرِي فَجئْت رَسُول الله ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ ذَلِك عمله يجْرِي لَهُ
ويروى عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم أَنه قَالَ رَأَيْت معَاذ بن جبل بعد وَفَاته بِثَلَاث على فرس أبلق وَخَلفه كرجال أهل منى رجال بيض وَعَلَيْهِم ثِيَاب خضر على خيل بلق وَهُوَ قدامهم وَهُوَ يَقُول يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ بِمَا غفر لي رَبِّي وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين ثمَّ الْتفت يَمِينه وشماله يَقُول يَا ابْن رَوَاحَة يَا ابْن مَظْعُون الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده وأورثنا الأَرْض نتبوأ من الْجنَّة حَيْثُ نشَاء فَنعم أجر العاملين قَالَ ثمَّ صَافَحَنِي وَسلم عَليّ
معَاذ بن جبل وَعُثْمَان بن مَظْعُون وَعبد الله بن رَوَاحَة ﵃ تشهد لَهُم صُحْبَة رَسُول الله ﷺ بِمَا هم فِيهِ من الْخَيْر وَبِمَا صَارُوا إِلَيْهِ من الْكَرَامَة وَلَا يحْتَاج لَهُم إِلَى رُؤْيا وَلَكِن أردْت أَلا أخلي هَذَا الْبَاب من ذكر بعض الصَّحَابَة ﵃
قَالَ صَالح بن بشير المري رَأَيْت عَطاء السّلمِيّ فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ يَرْحَمك الله لقد كنت طَوِيل الْحزن فِي الدُّنْيَا فَقَالَ أما وَالله لقد أعقبني ذَلِك فَرحا طَويلا وسرورا دَائِما فَقلت فِي أَي الدَّرَجَات أَنْت قَالَ مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ
وَلما مَاتَ سُفْيَان الثَّوْريّ رئي فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ وضعت أول قدم على الصِّرَاط وَالثَّانِي فِي الْجنَّة وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن إِيَاس رَأَيْت سُفْيَان الثَّوْريّ فِي النّوم فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ أَنا مَعَ السفرة
стр. 201
قلت وَمَا السفرة قَالَ الْكِرَام البررة
وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك رَأَيْت الثَّوْريّ فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ لقِيت مُحَمَّدًا وَحزبه
وَقَالَ صَخْر بن رَاشد رَأَيْت عبد الله بن الْمُبَارك فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ أَلَيْسَ قد مت قَالَ بلَى قلت فَمَا صنع الله بك قَالَ غفر لي مغْفرَة أحاطت بِكُل ذَنْب قلت فسفيان الثَّوْريّ قَالَ بخ بخ ذَلِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا
وَعَن قبيصَة بن سُفْيَان قَالَ رَأَيْت سُفْيَان الثَّوْريّ فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ
نظرت إِلَى رَبِّي عيَانًا فَقَالَ لي ... هينئا رضائي عَنْك يَا ابْن سعيد
لقد كنت قواما إِذا لِليْل قد دجا ... بعبرة محزون وقلب عميد
فدونك فاختر أَي قصر تريده ... وزرني فَإِنِّي مِنْك عير بعيد
وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ رَأَيْت سُفْيَان الثَّوْريّ فِي النّوم وَقد مَاتَ كَأَنَّهُ يطير فِي الْجنَّة من شَجَرَة إِلَى نَخْلَة وَمن نَخْلَة إِلَى شَجَرَة وَهُوَ يَقُول لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ فَقيل لَهُ بِمَ دخلت الْجنَّة قَالَ بالورع فَقيل لَهُ فَمَا فعل عَليّ بن عَاصِم قَالَ مَا نرَاهُ إِلَّا مثل الْكَوْكَب
وَكَانَ شُعْبَة بن الْحجَّاج ومسعر بن كدام رحمهمَا الله رجلَيْنِ فاضلين جليلين وَكَانَا من ثِقَات الْمُحدثين وحفاظهم وَكَانَ شُعْبَة أكبر وَأجل فماتا قَالَ أَبُو أَحْمد اليزيدي فرأيتهما فِي النّوم وَكنت إِلَى شُعْبَة أميل مني إِلَى مسعر فَقلت لَهُ يَا أَبَا بسطَام مَا فعل الله بك قَالَ وفقك الله يَا بني لحفظ مَا أَقُول ثمَّ أنْشد
стр. 202
حباني إلهي فِي الْجنان بقبة ... لَهَا ألف بَاب من لجين مجوهرا
وَقَالَ لي الْجَبَّار يَا شُعْبَة الَّذِي ... تبحر فِي جمع الْعُلُوم فأكثرا
تنعم بقربي إِنَّنِي عَنْك ذُو رضَا ... وَعَن عَبدِي القوام فِي اللَّيْل مسعرا
كفى مسعرا عزا بِأَن سيزورني ... وأكشف عَن وَجْهي وَيَدْنُو لينظرا
فهذي فعالي بِالَّذِي تنسكوا ... وَلم يألفوا فِي سالف الدَّهْر مُنْكرا
وَذكر أَبُو الْحسن بن جَهْضَم عَن أبي بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحجَّاج قَالَ حَدثنِي رجل من أهل طرسوس قَالَ دَعَوْت الله أَن يريني أهل الْقُبُور حَتَّى أسألهم عَن أَحْمد بن حَنْبَل مَا فعل الله بِهِ فَرَأَيْت بعد عشر سِنِين فِيمَا يرى النَّائِم كَأَن أهل الْقُبُور قد قَامُوا على قُبُورهم فبادروني بالْكلَام وَقَالُوا يَا هَذَا كم تَدْعُو الله أَن يُرِيك إيانا
تسألنا عَن رجل لم يزل مُنْذُ فارقكم تحفه الْمَلَائِكَة تَحت شَجَرَة طُوبَى
وَهَذَا الْكَلَام من أهل الْقُبُور إِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن علو دَرَجَة أَحْمد بن حَنْبَل وارتفاع مكانته وَعظم مَنْزِلَته فَلم يقدروا أَن يعبروا عَن صفة حَاله وَعَما هُوَ فِيهِ إِلَّا بِهَذَا أَو بِمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ
وَقَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد الْكِنْدِيّ رَأَيْت أَحْمد بن حَنْبَل فِي النّوم فَقلت لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي ثمَّ قَالَ لي يَا أَحْمد ضربت فِي سِتِّينَ سَوْطًا قلت نعم يَا رب قَالَ هَذَا وَجْهي قد أبحتك فَانْظُر إِلَيْهِ
ويروى عَن عَبدة العابدة قَالَت لما حضرت الْوَفَاة رَابِعَة العدوية قَالَت لي يَا عَبدة لَا تؤذني بموتي أحدا وكفنيني فِي جبتي هَذِه وَهِي جُبَّة من شعر كَانَت تصلي بِاللَّيْلِ فِيهَا قَالَت فكفناها فِي تِلْكَ الْجُبَّة وَفِي خمار من صوف
стр. 203
كَانَت تلبسه قَالَت عَبدة فرأيتها فِي مَنَامِي بعد دَفنهَا وَعَلَيْهَا حلَّة استبرق خضراء وخمار من سندس أَخْضَر لم أر قطّ شَيْئا أحسن مِنْهُمَا قَالَت فَقلت لَهَا يَا رَابِعَة مَا فعلت تِلْكَ الْجُبَّة الَّتِي كُنَّا كفناك فِيهَا والخمار الصُّوف قَالَت إِنَّمَا وَالله نزعا مني واستبدلت بهما هَذَا الَّذِي تَرين عَليّ وطويا وَختم عَلَيْهِمَا ورفعا فِي عليين ليكمل ثوابهما إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قلت لَهَا فَمَا فعلت عُبَيْدَة بنت أبي كلاب قَالَت هَيْهَات هَيْهَات سبقتنا وَالله إِلَى الدَّرَجَات العلى قلت لَهَا وَبِمَ وَقد كنت أَنْت عِنْد النَّاس أكبر مِنْهَا قَالَت إِنَّهَا لم تكن تبالي على أَي حَال أَصبَحت من الدُّنْيَا وَلَا أمست قلت فَمَا فعل ضيغم بن مَالك قَالَت يزور الله مَتى شَاءَ قلت فَمَا فعل بشر بن مَنْصُور قَالَت بخ بخ أعطي وَالله فَوق مَا كَانَ يأمل
قَالَت فَقلت لَهَا فيمَ تأمرينني أَن أَتَقَرَّب إِلَى الله فَقَالَت عَلَيْك بِذكر الله فيوشك أَن تغتبطي بذلك فِي قبرك
وَقَالَ بعض الصَّالِحين رَأَيْت بشر بن مَنْصُور فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَأَعْرض عني فَقلت لَهُ فضيغم بن مَالك قَالَ ركب إِلَى الله السَّاعَة
وَقَالَ ابْن ثَعْلَبَة العابد رَأَيْت ضيغم بن مَالك فِي النّوم بعد وَفَاته فَقَالَ لي يَا ابْن ثَعْلَبَة أما صليت عَليّ فَذكرت لَهُ شَيْئا مَنَعَنِي فَقَالَ أما أَنَّك لَو صليت عَليّ لربحت رَأسك يَقُول لنجوت وَغفر لَك
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر السقاء صَاحب بشر بن الْحَارِث رَأَيْت بشر بن الْحَارِث ومعروفا الْكَرْخِي رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا وهما جائيان وكأنهما فِي قبَّة أَو كَمَا قَالَ فَقلت من أَيْن قَالَا من جنَّة الفردوس زرنا كليم الله مُوسَى ﵇
وَلما احْتضرَ حجاج الزَّاهِد قيل لَهُ مَا تشْتَهي قَالَ الله ثمَّ خرجت نَفسه فَرَآهُ بعض إخوانه فِي النّوم يمشي على حَائِط قَالَ فَرفعت رَأْسِي إِلَيْهِ وَأَنا أَمْشِي بِالْأَرْضِ فَقلت لَهُ أَبَا يُوسُف كَيفَ حالك وَكَيف أَنْت وعلام
стр. 204
قدمت قَالَ فَضَحِك وَقَالَ مَا الْأَمر إِلَّا سهل مَا رَأَيْت شَيْئا مِمَّا كنت أخافه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَعَن سعيد بن أَسد أَن رجلا كَانَ من دُعَائِهِ اللَّهُمَّ سهل عَليّ الْمَوْت وَيسر عَليّ الْحساب وَبَارك لي فِي اللِّقَاء وأعذني من جهد الْبلَاء فَمَاتَ فَرُئِيَ فِي النّوم فَقيل لَهُ مَا فعلت فَقَالَ لقِيت خيرا وكل شَيْء سَأَلت الله أَن يعطينيه أعطانيه
وَقَالَ بعض الصَّالِحين رَأَيْت بشر بن الْحَارِث فِي النّوم وَمَا كنت رَأَيْته فِي الْيَقَظَة وَلَا كَلمته قطّ فَرَأَيْت كَأَنِّي وَاقِف بَين يَدي الله أسمع كلَاما وَلَا أرى أحدا وَهُوَ يَقُول يَا بشر قد قبلناك وَقَبلنَا مَا كَانَ مِنْك فَسمِعت بشرا يَقُول وَمن تَبِعنِي يَا رب قَالَ قد غفرت لَهُم
وَقَالَ عَاصِم الْجَزرِي رَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي لقِيت بشر بن الْحَارِث فَقلت من أَيْن يَا أَبَا نصر فَقَالَ من عليين قَالَ فَقلت لَهُ مَا فعل أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ تركته السَّاعَة مَعَ عبد الْوَهَّاب الْوراق بَين يَدي الله تَعَالَى يأكلان ويشربان قلت لَهُ فَأَنت قَالَ علم الله قلَّة رغبتي فِي الطَّعَام فأباحني النّظر إِلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر السقاء رَأَيْت بشر بن الْحَارِث فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ يَا أَبَا نصر مَا فعل الله بك فَقَالَ ألطفني ورحمني وَقَالَ لي يَا بشر لَو سجدت لي فِي الدُّنْيَا على الْجَمْر مَا أدّيت شكر مَا حشوت قُلُوب عبَادي مِنْك وأباح لي نصف الْجنَّة فأسرح فِيهَا حَيْثُ شِئْت ووعدني أَن يغْفر لمن تبع جنازتي فَقلت لَهُ مَا فعل أَبُو نصر التمار قَالَ ذَاك فَوق النَّاس لِصَبْرِهِ على بلائه وَفَقره لَعَلَّه أَرَادَ بقوله أَبَاحَ لي نصف الْجنَّة نصف نعيم الْجنَّة لِأَن نعيم الْجنَّة نِصْفَانِ نصف روحاني وَنصف جسماني فيتنعمون أَولا بالروحاني ثمَّ إِذا ردَّتْ الْأَرْوَاح إِلَى الأجساد أضيف لَهُم النَّعيم الجسماني إِلَى النَّعيم الروحاني وَالله أعلم بِمَا أَرَادَ
стр. 205
وَذكر بعض الصَّالِحين قَالَ رئي بشر بن الْحَارِث فِي النّوم وَهُوَ يُهَرْوِل وَيَقُول السَّاعَة انطلقنا من السجْن
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَالِكِي صَحِبت خيرا النساج سِنِين كَثِيرَة فَقَالَ لي قبل مَوته بِثمَانِيَة أَيَّام أَنا أَمُوت يَوْم الْخَمِيس قبل الْمغرب وأدفن يَوْم الْجُمُعَة قبل الصَّلَاة وستنسى هَذَا فَلَا تنس قَالَ فَنسيته إِلَى يَوْم الْجُمُعَة فَلَقِيت من أَخْبرنِي بِمَوْتِهِ فَخرجت لأحضر جنَازَته فوحدت النَّاس قد أخرجُوا جنَازَته قبل الصَّلَاة كَمَا قَالَ فَسَأَلت من حضر وَفَاته فَقَالَ إِنَّه غشي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَالْتَفت إِلَى نَاحيَة الْبَيْت وَقَالَ قف عافاك الله فَإِنَّمَا أَنْت عبد مَأْمُور وَأَنا عبد مَأْمُور وَالَّذِي أمرت بِهِ أَنْت لَا يفوتك وَالَّذِي أمرت بِهِ أَنا يفوتني ثمَّ دَعَا بِمَاء فجدد الْوضُوء ثمَّ صلى ثمَّ تمدد وغمض عَيْنَيْهِ وَمَات ﵀ فَرُئِيَ فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ كَيفَ حالك فَقَالَ لَا تسْأَل وَلَكِنِّي تخلصت من دنياكم الوضرة
وَكَانَ من دُعَاء بعض الصَّالِحين اللَّهُمَّ يَا سَيِّدي حبست من شِئْت عَن خدمتك وأطلقت لَهَا من أَحْبَبْت من خلقك غير ظَالِم وَلَا مسئول عَن فعلك وَقد تقدّمت لي فِيك آمال فَلَا تجمع عَليّ الْمَنْع من الطَّاعَة وخيبة الأمل فِيك يَا كريم فَكَانَ هَذَا خَاتِمَة دُعَائِهِ فَلَمَّا مَاتَ رئي فِي الْمَنَام فِي الْجنَّة فَقيل لَهُ بِمَ نلْت هَذَا قَالَ بذلك التضرع والاستغاثة فِي الأسحار قيل ورئي عَلَيْهِ حلَّة قَالَ الرَّائِي فَمَا رَأَيْت شبها لَهَا وَعَلَيْهَا مَكْتُوب بِالذَّهَب انْعمْ فقد نلْت الأمل فَقلت لَهُ مَا هَذَا الْكتاب على ثِيَابك قَالَ هَذَا خَاتِمَة تضرعي وأملي الَّذِي كنت أؤمله من سَيِّدي
وَقَالَ بعض الصَّالِحين رَأَيْت أَبَا بكر الشبلي ﵀ فِي الْمَنَام وَكَأَنِّي قَاعد فِي مجْلِس الرصافة بالموضع الَّذِي كَانَ يقْعد فِيهِ وَإِذا بِهِ قد أقبل وَعَلِيهِ ثِيَاب حسان قَالَ فَقُمْت إِلَيْهِ وسلمت عَلَيْهِ وَجَلَست بَين يَدَيْهِ فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي من أقرب أَصْحَابك إِلَيْك فَقَالَ مسرعا ألهجهم بِذكر الله وأقومهم بِحَق الله وأسرعهم مبادرة فِي مرضاة الله
стр. 206
وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الساحلي رَأَيْت ميسرَة بن سلم فِي الْمَنَام بعد مَوته فَقلت لَهُ أصلحك الله طَالَتْ غَيْبَتِك فَقَالَ السّفر طَوِيل قلت فَمَا الَّذِي قدمت عَلَيْهِ فَقَالَ رخص لنا لأننا كُنَّا نفتي بالرخص فَقلت لَهُ فَمَا تَأْمُرنِي بِهِ فَقَالَ اتِّبَاع الْآثَار وصحبة الأخيار ينجيان من النَّار ويقربان من الْجَبَّار
وَرُوِيَ عَن شُعَيْب بن حَرْب قَالَ كَانَت بِمَكَّة امْرَأَة من الصَّالِحَات من أهل الْقُرْآن فرأت فِيمَا يرى النَّائِم حول الْكَعْبَة وصائف بأيديهن الرياحين وعليهن المعصفرات فَقَالَت سُبْحَانَ الله أَحول الْكَعْبَة يكون هَذَا فَقيل لَهَا أما علمت أَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد تزوج اللَّيْلَة قَالَت فَاسْتَيْقَظت فَإِذا عبد الْعَزِيز بن أبي رواد قد مَاتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة
قَالَ بعض الصَّالِحين رَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي فِي السَّمَاء وَلأَهل السَّمَاء ضجيج وحركة وهم يَقُولُونَ جَاءَ المحسن جَعْفَر بن الزبير فانتبهت فمشيت إِلَى منزله فَوَجَدته قد مَاتَ
ويروى عَن أبي جَعْفَر الضَّرِير أَنه قَالَ رَأَيْت عِيسَى بن زادان فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَأَنْشَأَ يَقُول
لَو رَأَيْت الحسان فِي الْخلد حَولي ... وأكاويبها بصافي الشَّرَاب
يترنمن بِالْقُرْآنِ جَمِيعًا ... يتمشين مسبلات الثِّيَاب
وَقَالَ عبود الْمعلم وَكَانَ يعرف بِوَجْه الْجنَّة رَأَيْت أَبَا عبد الله الْفَزارِيّ الْمعلم فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ كَيفَ وجدت الْأَمر قَالَ أسهل مِمَّا تذكرُونَ وأصعب مِمَّا تصفون فَقلت لَهُ صَاحبك سهل الْوراق أَمَعَك هُوَ قَالَ يَدي فِي يَده وَيَده فِي يَدي يَعْنِي فِي الْجنَّة وَلكنه أطول مني قامة
وَقَوله أطول مني قامة يُرِيد أرفع مني مرتبَة وَكَانَ قد رَآهُ بعد مَوته
ويروى عَن معوذ بن دَاوُد الباكرتي وَكَانَ من الصَّالِحين أَنه قَالَ رَأَيْت أَبَا حَفْص عمر بن عبادل الرعيني الزَّاهِد بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك
стр. 207
فَقَالَ لَو كنت أعلم الْغَيْب لاستكثرت من الْخَيْر وَهَذَا يدل على أَنه فعل مَعَه خير فَأَرَادَ الزِّيَادَة مِنْهُ
وَعَن يعلي بن عبيد قَالَ جَاءَ رجل إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن ملكا نزل من السَّمَاء إِلَى الشَّام فاقتلع رَيْحَانَة ثمَّ صعد بهَا إِلَى السَّمَاء فَقَالَ لَهُ سُفْيَان إِن صدقت رُؤْيَاك فقد مَاتَ الْأَوْزَاعِيّ فحفظ ذَلِك الْيَوْم فجَاء نعيه أَنه مَاتَ فِيهِ
ويروى عَن حَمَّاد بن زيد عَن هِشَام بن حسان عَن حَفْصَة قَالَت كَانَ مَرْوَان المحلمي لنا جارا وَكَانَ عابدا مُجْتَهدا فَمَاتَ فحزنت عَلَيْهِ حزنا شَدِيدا فرأيته فِي النّوم فَقلت لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَا صنع بك رَبك
قَالَ أدخلني الْجنَّة قلت ثمَّ مَاذَا قَالَ رفعت إِلَى أَصْحَاب الْيَمين قلت ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ رفعت إِلَى المقربين قلت فَمن رَأَيْت ثمَّ من أَصْحَابك قَالَ رَأَيْت الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمَيْمُون بن سياه قَالَ حَمَّاد قَالَ هِشَام فحدثتني أم عبد الله وَكَانَت من خِيَار نسَاء أهل الْبَصْرَة قَالَت رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي دخلت بستانا فَذكرت من حسنه مَا شَاءَ الله أَن تذكر فَإِذا أَنا بِرَجُل متكيء على سَرِير من ذهب وَحَوله الوصائف بأيديهن الأكاويب قَالَت فَأَنا متعجبة من حسن مَا أرى إِذْ أَتَى ذَلِك الرجل فَقيل لَهُ هَذَا مَرْوَان المحلمي قد أقبل فَوَثَبَ فَاسْتَوَى جَالِسا على سَرِيره قَالَت فَاسْتَيْقَظت من مَنَامِي فَإِذا بِجنَازَة مَرْوَان المحلمي قد مر بهَا على بَابي تِلْكَ السَّاعَة
ويروى عَن عبد الْوَاحِد بن زيد وَكَانَ من الصَّالِحين قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام لَيْلَة مَاتَ الْحسن الْبَصْرِيّ كَأَن أَبْوَاب السَّمَاء قد فتحت وَكَأن الْمَلَائِكَة صُفُوف فَقلت مَا هَذَا إِلَّا لأمر عَظِيم فَسمِعت مناديا يُنَادي أَلا إِن الْحسن بن أبي الْحسن قدم على الله وَهُوَ عَنهُ رَاض
ويروى أَن امْرَأَة قَالَت لِابْنِ سِيرِين وَهُوَ يَأْكُل رَأَيْت كَأَن شَجَرَة ياسمين قلعت من الأَرْض وَرفعت إِلَى السَّمَاء وَكَأن الثريا سَقَطت من السَّمَاء
стр. 208
فِي دَارك قَالَ فَرفع ابْن سِيرِين يَده من الطَّعَام وَقَالَ أعظم الله أجري فِي نَفسِي وَإِن كثر الْبَقَاء فَإلَى سبع فَكَانَ كَذَلِك
ويروى عَن عَمْرو بن عمر بن صَفْوَان عَن بعض مشيخته قَالَ رَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي جِئْت إِلَى هَذِه الْمقْبرَة الَّتِي بِمَكَّة فَرَأَيْت على عامتها سرادقات وَرَأَيْت مِنْهَا قبرا عَلَيْهِ سرادق وفسطاط وسدرة فَجئْت حَتَّى دخلت وَإِذا مُسلم بن خَالِد الزنْجِي فَسلمت عَلَيْهِ وَقلت يَا أَبَا خَالِد مَا بَال هَذِه الْقُبُور عَلَيْهَا سرادق وقبرك عَلَيْهِ سرادق وفسطاط وَفِيه سِدْرَة فَقَالَ إِنِّي كنت كثير الصّيام فَقلت لَهُ يَا أَبَا خَالِد أَيْن قبر ابْن جريج دلَّنِي عَلَيْهِ فقد كنت أجالسه وَأَنا أحب أَن أسلم عَلَيْهِ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ هَيْهَات وأدار أُصْبُعه السبابَة وَقَالَ وَأَيْنَ قبر ابْن جريج رفعت صَحِيفَته فِي عليين
ويروى عَن بعض الصَّالِحين قَالَ رَأَيْت بعض جيراني فِي النّوم فَقلت لَهُ مَا حالك فَذكر شَيْئا قلت فَمَا حَال عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ ذَلِك مَشْهُور فِي الْجنَّة
ورئي حَمَّاد بن سَلمَة فِي النّوم فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ أوقفني بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لي طَال مَا كددت نَفسك فِي الدُّنْيَا فاليوم أطيل راحتك وراحة المتعبين
وَعَن أسلم بن زرْعَة الْعَبادَانِي قَالَ كَانَ عندنَا بالسَّاحل رجل لَهُ فضل بارع كَانَ يعذب لَهُ المَاء المالح قَالَ قَالَ لي يَوْمًا رَأَيْت البارحة فِيمَا يرى النَّائِم كَأَن رجلا يَقُول لي قد فَرغْنَا من بِنَاء دَارك وَلَو رَأَيْتهَا لقرت عَيْنَاك وَقد أمرنَا أَن ننجزها لَك والفراغ مِنْهَا إِلَى سَبْعَة أَيَّام وَاسْمهَا السرُور فأبشر بِخَير قَالَ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم السَّابِع بكر للْوُضُوء وَنزل للنهر وَقد هدأ فزلق فغرق فَمَاتَ فأخرجناه فدفناه قَالَ فأريته بعد ثَالِثَة وَهُوَ يكبر وَعَلِيهِ حلل خضر فَقَالَ لي يَا أَبَا الرضى أنزلني الْكَرِيم دَار السرُور وماذا أعد لي فِيهَا فَقلت صف لي هَذَا فَقَالَ هَيْهَات يعجز الواصفون أَن تنطق ألسنتهم بِمَا فِيهَا فيا لَيْت عيالي
стр. 209
يعلمُونَ أَنه قد هيء لَهُم منَازِل معي فِيهَا كل مَا اشتهت أنفسهم ولذت أَعينهم نعم وإخواني وَأَنت مَعَهم إِن شَاءَ الله قَالَ ثمَّ انْتَبَهت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد اللباد الْفَقِيه ﵀ رَأَيْت ربيعا الْعَطَّار فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ فِي الْجنَّة فَقلت وَكَيف حالكم فِيهَا قَالَ تَارَة تزخرف لنا الْجنان وَتارَة تشرف علينا الْحور الْعين وَتارَة تصطك لنا الْحجب قَالَ فَقلت لَهُ فَمن أَعلَى منزلَة أَنْت أم فلَان وَسمي لَهُ رجلا مَعْرُوفا عِنْدهم قَالَ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ كلنا جَمعنَا فِي حديقة وَاحِدَة يَعْنِي فِي جنَّة وَاحِدَة
وَرَأى بعض من يوثق بِهِ رجلا كَانَ يعرف بِالْخَيرِ والعفاف بعد مَوته وَعَلِيهِ عِمَامَة خَز فأنكرها عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أتلبسها ولباس الْخَزّ مَكْرُوه فَقَالَ لَهُ هُوَ عندنَا فِي هَذِه الدَّار مُبَاح
ورئي غَيره شَابًّا وَكَانَ فِي الدُّنْيَا أشيب فَقيل لَهُ نرَاك دون شيب فَقَالَ لَا يشيب أحد فِي هَذِه الدَّار
وَقَالَ بعض الصَّالِحين كَانَ لي ولد فاستشهد فرأيته فِي النّوم لَيْلَة مَاتَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَقلت لَهُ يَا بني أَلَسْت مَيتا قَالَ لَا وَلَكِنِّي حَيّ أرزق فَقلت فَمَا جَاءَ بك قَالَ نُودي فِي أهل السَّمَاء لَا يبْقى نَبِي وَلَا صديق وَلَا شَهِيد إِلَّا ويحضر الصَّلَاة على عمر بن عبد العزيز فَحَضَرت ثمَّ جِئْت لأسلم عَلَيْكُم وأراكم
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب لَا تحصى
стр. 210
الْبَاب الْحَادِي عشر ذكر منامات رئيت لرجال تدل على مَا هم فِيهِ من سوء الْحَال
روى عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁ قَالَ كنت مؤاخيا لأبي لَهب فَلَمَّا مَاتَ أخبر الله عَنهُ بِمَا أخبر وحزنت عَلَيْهِ وأهمني أمره فَسَأَلت الله حولا كَامِلا أَن يرينيه فِي الْمَنَام قَالَ فرأيته يلتهب نَارا فَسَأَلته عَن حَاله فَقَالَ صرت إِلَى النَّار وَالْعَذَاب لَا يُخَفف عني وَلَا يروح إِلَّا لَيْلَة الِاثْنَيْنِ فِي كل اللَّيَالِي وَالْأَيَّام قلت وَكَيف ذَلِك قَالَ ولد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مُحَمَّد ﷺ فجاءتني أُمَيْمَة فبشرتني بِوِلَادَة أمه إِيَّاه فَفَرِحت وأعتقت وليدة فَرحا بِهِ فأثابني الله بذلك أَن يرفع عني الْعَذَاب فِي كل لَيْلَة الِاثْنَيْنِ
ويروى أَيْضا أَن أَبَا لَهب كَانَ قد أعتق أمة لَهُ يُقَال لَهَا ثويبة وَكَانَت ثويبة قد أرضعت رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهب أريه بعض أَهله فِي مَنَامه بشر خيبة أَي بشر حَال فَقَالَ لَهُ مَاذَا لقِيت فَقَالَ لم ألق بعدكم خيرا غير أَنِّي سقيت فِي هَذِه لعتاقتي ثويبة
وَمعنى سقيت فِي هَذِه يُرِيد النقرة الَّتِي بَين الْإِبْهَام والسبابة ذكر هَذِه الْحِكَايَة البُخَارِيّ
أَبُو لَهب كَانَ عَم النَّبِي ﷺ وَكَانَ كثير الإذاية للرسول بَعْدَمَا جَاءَتْهُ النُّبُوَّة شَدِيد الْعَدَاوَة لَهُ
ويروى عَن طَارق بن عبد الله الْمحَاربي قَالَ رَأَيْت بسوق عكاظ رجلا شَابًّا جميل الْوَجْه يَقُول أَيهَا النَّاس قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله تُفْلِحُوا ووراءه رجل أَعور قَبِيح يَقُول أَيهَا النَّاس لَا تُصَدِّقُوهُ فَإِنَّهُ كَذَّاب وَقد رمى كعبيه
стр. 211
وعرقوبيه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أدماه فَقلت من هَذَا الشَّاب قَالُوا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب يزْعم أَن الله أرْسلهُ قلت وَمن هَذَا الآخر وَرَاءه قَالُوا عَمه أَبُو لَهب
وَسُوء حَال أبي لَهب أوضح من أَن يحْتَاج فِيهِ إِلَى شَاهد وَلَكِنِّي أردْت إِلَّا أخلي هَذَا الْبَاب من ذكره أَو ذكر مثله
وليعلم أَيْضا أَن الْكَافِر لَا يُغني عَنهُ من الله شَيْء وَأَنه لَيْسَ لَهُ من دون الله ولي وَلَا نصير وَهَذَا التَّخْفِيف الَّذِي ذكر إِن كَانَ فَإِنَّمَا هُوَ فِي البرزخ وَأما فِي الْآخِرَة فَلَا تَخْفيف وَلَا تفتير وَلَا رَاحَة نَعُوذ بِاللَّه من عَذَابه
يرْوى عَن بعض الصَّالِحين من أهل القيروان قَالَ كَانَ لي جَار يذكر أَنه لَيْسَ بِمُسلم فَمَاتَ فَرَأَيْت فِي النّوم حجرا ململما يتدحرج حَتَّى وصل إِلَى بَاب ذَلِك الرجل فدنوت مِنْهُ فَإِذا بِالْحجرِ قد انفرج فَخرج مِنْهُ رجل هُوَ ذَلِك الرجل فَقلت لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ هَكَذَا نَحن نعذب وَذكر سوء حَاله فَقلت لَعَلَّ الله أَن يغْفر لَك قَالَ وَكَيف يغْفر لي وَأَنا قد مت على غير الْإِسْلَام
ويروى عَن هِشَام بن حسان قَالَ قَالَ مَاتَ ابْن لي شَاب فرأيته فِي النّوم وَهُوَ أشيب فَقلت لَهُ يَا بني مَا هَذَا الشيب قَالَ قدم فلَان فزفرت جَهَنَّم لقدومه زفرَة لم يبْق منا أحد إِلَّا شَاب
ويروى أَن رجلا رئي فِي الْمَنَام شاحب اللَّوْن متغير الْوَجْه وَقد غلت يَدَاهُ إِلَى عُنُقه فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك فَأَنْشَأَ يَقُول
تولى زمَان لعبنا بِهِ ... وَهَذَا زمَان بِنَا يلْعَب
ويروى أَن دلف بن أبي دلف الْعجلِيّ رأى أَبَاهُ فِي النّوم وَكَأَنَّهُ فِي بَيت مظلم حيطانه وسقفه مسودة من الدُّخان وَهُوَ جَالس فِي صدر الْبَيْت فَقَالَ لَهُ يَا أَبَت كَيفَ حالك فَقَالَ يَا بني الْأَمر صَعب والحساب دَقِيق ثمَّ أنشأ يَقُول
وَلَو أَنا إِذا متْنا تركنَا ... لَكَانَ الْمَوْت رَاحَة كل حَيّ
стр. 212
وَلَكنَّا إلذا متْنا بعثنَا ... ونسأل بعده عَن كل شي
وَفِي رُؤْيا عمر بن عبد الْعَزِيز فَذكر الْقِيَامَة والبعث وَجمع النَّاس لفصل الْقَضَاء وَكَيف نُودي الْخُلَفَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد وحسابهم وكل وَاحِد مِنْهُم على مَنْزِلَته ثمَّ نَادَى الْمُنَادِي أَيْن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ فتصببت عرقا ثمَّ أخذت الْمَلَائِكَة بيَدي فأوقفتني بَين يَدي الله تَعَالَى فَسَأَلَنِي عَن الفتيل والنقير والقطمير وَعَن كل قَضِيَّة قضيتها حَتَّى ظَنَنْت أَنِّي لست بناج ثمَّ إِنَّه تفضل عَليّ برحمة مِنْهُ فغفر لي وَأمر بِي ذَات الْيَمين إِلَى الْجنَّة فمررت بجيفة ملقاة فَقلت للْمَلَائكَة من هَذَا قَالُوا كَلمه يكلمك فوكزته برجلي فَرفع رَأسه وَفتح عَيْنَيْهِ فَإِذا بِرَجُل أفطس أثرم شَدِيد الأدمة وَحش المنظر فَقَالَ لي من أَنْت فَقلت عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ مَا فعل الله بك فَقلت تفضل عَليّ برحمته فغفر لي وَأمر بِي ذَات الْيَمين إِلَى الْجنَّة قَالَ فَمَا فعل أَصْحَابك الْخُلَفَاء الَّذين مَعَك قلت أما الْأَرْبَعَة فغفر الله لَهُم وَأمر بهم ذَات الْيَمين إِلَى الْجنَّة وَأما الْبَاقُونَ فَلَا أَدْرِي مَا فعل الله بهم قَالَ وأخذني الْبكاء ثمَّ قَالَ هَنَّأَك الله بِمَا صرت إِلَيْهِ قلت من تكون قَالَ أَنا الْحجَّاج بن يُوسُف قدمت على رَبِّي فَوَجَدته شَدِيد الْعقَاب قتلني بِكُل قَتِيل قتلته قتلة وَهَا أنذا مَوْقُوف بَين يَدَيْهِ أنْتَظر مَا ينْتَظر الموجودون
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة أَيْضا
стр. 213
الْبَاب الثَّانِي عشر ذكر الْأَرْوَاح أَيْن يذهب بهَا وَمَا جَاءَ فِي عَذَاب الْقَبْر وَالسُّؤَال فِيهِ
ذكر أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا احْتضرَ أَتَتْهُ الْمَلَائِكَة بحريرة فِيهَا مسك وضبائر ريحَان فتسل روحه كَمَا تسل الشعرة من الْعَجِين وَيُقَال أيتها النَّفس المطمئنة اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك إِلَى روح الله وكرامته فَإِذا خرج روحه وضع على ذَلِك الْمسك وَالريحَان وطويت عَلَيْهِ الحريرة وَذهب بِهِ إِلَى عليين
وَإِن الْكَافِر إِذا احْتضرَ أَتَتْهُ الْمَلَائِكَة بمسح فِيهِ جَمْرَة فتنزع روحه انتزاعا شَدِيدا وَيُقَال أيتها النَّفس الخبيثة اخْرُجِي ساخطة مسخوطا عَلَيْك إِلَى هوان الله وعذابه فَإِذا خرجت روحه وضع على تِلْكَ الْجَمْرَة ويطوى عَلَيْهِ الْمسْح وَيذْهب بهَا إِلَى سِجِّين
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا حضر أَتَتْهُ الْمَلَائِكَة بحريرة بَيْضَاء فَيَقُولُونَ اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك إِلَى روح الله وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَتخرج كأطيب ريح مسك حَتَّى أَنه ليناوله بَعضهم بَعْضًا يشمونه حَتَّى يَأْتُوا بِهِ بَاب السَّمَاء فَيَقُولُونَ مَا أطيب هَذِه الرّيح الَّتِي جاءتكم من الأَرْض فَكلما أَتَوا سَمَاء قَالُوا لَهُم مثل ذَلِك حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَلهم أفرح بِهِ من أحدكُم بغائبه إِذا قدم فَيَقُولُونَ مَا فعل فلَان فَيَقُولُونَ دَعوه حَتَّى يستريح فَإِنَّهُ كَانَ فِي غم الدِّينَا فَإِذا أصبح واستراح قَالَ لَهُم أما أَتَاكُم فَإِنَّهُ قد مَاتَ فَيَقُولُونَ ذهب بِهِ إِلَى أمه الهاوية
стр. 214
وَأما الْكَافِر فَإِن مَلَائِكَة الْعَذَاب تَأتيه بمسح من شعر فَيَقُولُونَ اخْرُجِي ساخطة مسخوطا عَلَيْك إِلَى عَذَاب الله وَسخطه فَتخرج كأنتن ريح جيفة فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى بَاب الأَرْض فَيَقُولُونَ مَا أنتن هَذِه الرّيح كلما أَتَوا على أَرض قَالُوا ذَلِك حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاح الْكفَّار
ذكره قَاسم بن أصبغ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا
وَذكر مَالك فِي الْمُوَطَّأ من حَدِيث كَعْب بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة حَتَّى يرجعه الله إِلَى جسده يَوْم يَبْعَثهُ
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت عَمْرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخابني كَعْب وَهُوَ يجر قصبه فِي النَّار
الْقصب الأمعاء
وَذكر مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن زيد بن ثَابت قَالَ قَالَ أَبُو سعيد وَلم أشهده من رَسُول الله ﷺ وَلَكِن حَدَّثَنِيهِ زيد بن ثَابت قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ فِي حَائِط لبني النجار على بغلة وَنحن مَعَه إِذْ حادت بِهِ فَكَادَتْ تلقيه وَإِذا أقبر سِتَّة أَو خَمْسَة أَو أَرْبَعَة فَقَالَ من يعرف أَصْحَاب هَذِه الأقبر فَقَالَ رجل أَنا قَالَ فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ قَالَ مَاتُوا فِي الْإِشْرَاك فَقَالَ إِن هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها فلولا أَن لَا تدافنوا لَدَعَوْت الله أَن يسمعكم من عَذَاب الْقَبْر الَّذِي أسمع مِنْهُ
ثمَّ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب النَّار فَقَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من عَذَاب النَّار قَالَ تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر فَقَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر قَالَ تعوذوا بِاللَّه من الْفِتَن مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن قَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من الْفِتَن مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن قَالَ تعوذوا بِاللَّه من فتْنَة الدَّجَّال قَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من فتْنَة الدَّجَّال
стр. 215
وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ بَعْدَمَا غربت الشَّمْس فَسمع صَوتا فَقَالَ يهود تعذب فِي قبورها
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَة من الْيَهُود وَهِي تَقول هَل شَعرت أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور قَالَت فارتاع رَسُول الله ﷺ وَقَالَ إِنَّمَا تفتن يهود قَالَت عَائِشَة فلبثنا ليَالِي ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَل شَعرت أَنه أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور قَالَت عَائِشَة فَسَمعته بعد يستعيذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر
وَعَن عَائِشَة أَيْضا قَالَت دخلت عَليّ عجوزان من عجز يهود الْمَدِينَة فَقَالَتَا إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم قَالَت فكذبتهما وَلم أنعم أَن أصدقهما فخرجتا وَدخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَقلت لَهُ يَا رَسُول الله إِن عجوزين من عجز يهود الْمَدِينَة دخلتا عَليّ فزعمتا أَن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم فَقَالَ صدقتا إِنَّهُم يُعَذبُونَ عذَابا تسمعه الْبَهَائِم ثمَّ مَا رَأَيْته بعد فِي صلَاته إِلَّا يتَعَوَّذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر
وَفِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة كَثِيرَة تَجِيء بعد إِن إشاء الله
وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم واسألوا الله لَهُ التثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل وَقد تقدم
وَذكر مُسلم من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت قَالَ نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر يُقَال لَهُ من رَبك فَيَقُول رَبِّي الله ونبيي مُحَمَّد فَذَلِك قَوْله يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة
следующие страницы →