← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6862

العاقبة في ذكر الموت

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (355 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وعرقوبيه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أدماه فَقلت من هَذَا الشَّاب قَالُوا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب يزْعم أَن الله أرْسلهُ قلت وَمن هَذَا الآخر وَرَاءه قَالُوا عَمه أَبُو لَهب وَسُوء حَال أبي لَهب أوضح من أَن يحْتَاج فِيهِ إِلَى شَاهد وَلَكِنِّي أردْت إِلَّا أخلي هَذَا الْبَاب من ذكره أَو ذكر مثله وليعلم أَيْضا أَن الْكَافِر لَا يُغني عَنهُ من الله شَيْء وَأَنه لَيْسَ لَهُ من دون الله ولي وَلَا نصير وَهَذَا التَّخْفِيف الَّذِي ذكر إِن كَانَ فَإِنَّمَا هُوَ فِي البرزخ وَأما فِي الْآخِرَة فَلَا تَخْفيف وَلَا تفتير وَلَا رَاحَة نَعُوذ بِاللَّه من عَذَابه يرْوى عَن بعض الصَّالِحين من أهل القيروان قَالَ كَانَ لي جَار يذكر أَنه لَيْسَ بِمُسلم فَمَاتَ فَرَأَيْت فِي النّوم حجرا ململما يتدحرج حَتَّى وصل إِلَى بَاب ذَلِك الرجل فدنوت مِنْهُ فَإِذا بِالْحجرِ قد انفرج فَخرج مِنْهُ رجل هُوَ ذَلِك الرجل فَقلت لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ هَكَذَا نَحن نعذب وَذكر سوء حَاله فَقلت لَعَلَّ الله أَن يغْفر لَك قَالَ وَكَيف يغْفر لي وَأَنا قد مت على غير الْإِسْلَام ويروى عَن هِشَام بن حسان قَالَ قَالَ مَاتَ ابْن لي شَاب فرأيته فِي النّوم وَهُوَ أشيب فَقلت لَهُ يَا بني مَا هَذَا الشيب قَالَ قدم فلَان فزفرت جَهَنَّم لقدومه زفرَة لم يبْق منا أحد إِلَّا شَاب ويروى أَن رجلا رئي فِي الْمَنَام شاحب اللَّوْن متغير الْوَجْه وَقد غلت يَدَاهُ إِلَى عُنُقه فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك فَأَنْشَأَ يَقُول تولى زمَان لعبنا بِهِ ... وَهَذَا زمَان بِنَا يلْعَب ويروى أَن دلف بن أبي دلف الْعجلِيّ رأى أَبَاهُ فِي النّوم وَكَأَنَّهُ فِي بَيت مظلم حيطانه وسقفه مسودة من الدُّخان وَهُوَ جَالس فِي صدر الْبَيْت فَقَالَ لَهُ يَا أَبَت كَيفَ حالك فَقَالَ يَا بني الْأَمر صَعب والحساب دَقِيق ثمَّ أنشأ يَقُول وَلَو أَنا إِذا متْنا تركنَا ... لَكَانَ الْمَوْت رَاحَة كل حَيّ

стр. 212

وَلَكنَّا إلذا متْنا بعثنَا ... ونسأل بعده عَن كل شي وَفِي رُؤْيا عمر بن عبد الْعَزِيز فَذكر الْقِيَامَة والبعث وَجمع النَّاس لفصل الْقَضَاء وَكَيف نُودي الْخُلَفَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد وحسابهم وكل وَاحِد مِنْهُم على مَنْزِلَته ثمَّ نَادَى الْمُنَادِي أَيْن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ فتصببت عرقا ثمَّ أخذت الْمَلَائِكَة بيَدي فأوقفتني بَين يَدي الله تَعَالَى فَسَأَلَنِي عَن الفتيل والنقير والقطمير وَعَن كل قَضِيَّة قضيتها حَتَّى ظَنَنْت أَنِّي لست بناج ثمَّ إِنَّه تفضل عَليّ برحمة مِنْهُ فغفر لي وَأمر بِي ذَات الْيَمين إِلَى الْجنَّة فمررت بجيفة ملقاة فَقلت للْمَلَائكَة من هَذَا قَالُوا كَلمه يكلمك فوكزته برجلي فَرفع رَأسه وَفتح عَيْنَيْهِ فَإِذا بِرَجُل أفطس أثرم شَدِيد الأدمة وَحش المنظر فَقَالَ لي من أَنْت فَقلت عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ مَا فعل الله بك فَقلت تفضل عَليّ برحمته فغفر لي وَأمر بِي ذَات الْيَمين إِلَى الْجنَّة قَالَ فَمَا فعل أَصْحَابك الْخُلَفَاء الَّذين مَعَك قلت أما الْأَرْبَعَة فغفر الله لَهُم وَأمر بهم ذَات الْيَمين إِلَى الْجنَّة وَأما الْبَاقُونَ فَلَا أَدْرِي مَا فعل الله بهم قَالَ وأخذني الْبكاء ثمَّ قَالَ هَنَّأَك الله بِمَا صرت إِلَيْهِ قلت من تكون قَالَ أَنا الْحجَّاج بن يُوسُف قدمت على رَبِّي فَوَجَدته شَدِيد الْعقَاب قتلني بِكُل قَتِيل قتلته قتلة وَهَا أنذا مَوْقُوف بَين يَدَيْهِ أنْتَظر مَا ينْتَظر الموجودون وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة أَيْضا

стр. 213

الْبَاب الثَّانِي عشر ذكر الْأَرْوَاح أَيْن يذهب بهَا وَمَا جَاءَ فِي عَذَاب الْقَبْر وَالسُّؤَال فِيهِ ذكر أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا احْتضرَ أَتَتْهُ الْمَلَائِكَة بحريرة فِيهَا مسك وضبائر ريحَان فتسل روحه كَمَا تسل الشعرة من الْعَجِين وَيُقَال أيتها النَّفس المطمئنة اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك إِلَى روح الله وكرامته فَإِذا خرج روحه وضع على ذَلِك الْمسك وَالريحَان وطويت عَلَيْهِ الحريرة وَذهب بِهِ إِلَى عليين وَإِن الْكَافِر إِذا احْتضرَ أَتَتْهُ الْمَلَائِكَة بمسح فِيهِ جَمْرَة فتنزع روحه انتزاعا شَدِيدا وَيُقَال أيتها النَّفس الخبيثة اخْرُجِي ساخطة مسخوطا عَلَيْك إِلَى هوان الله وعذابه فَإِذا خرجت روحه وضع على تِلْكَ الْجَمْرَة ويطوى عَلَيْهِ الْمسْح وَيذْهب بهَا إِلَى سِجِّين وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا حضر أَتَتْهُ الْمَلَائِكَة بحريرة بَيْضَاء فَيَقُولُونَ اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك إِلَى روح الله وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَتخرج كأطيب ريح مسك حَتَّى أَنه ليناوله بَعضهم بَعْضًا يشمونه حَتَّى يَأْتُوا بِهِ بَاب السَّمَاء فَيَقُولُونَ مَا أطيب هَذِه الرّيح الَّتِي جاءتكم من الأَرْض فَكلما أَتَوا سَمَاء قَالُوا لَهُم مثل ذَلِك حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَلهم أفرح بِهِ من أحدكُم بغائبه إِذا قدم فَيَقُولُونَ مَا فعل فلَان فَيَقُولُونَ دَعوه حَتَّى يستريح فَإِنَّهُ كَانَ فِي غم الدِّينَا فَإِذا أصبح واستراح قَالَ لَهُم أما أَتَاكُم فَإِنَّهُ قد مَاتَ فَيَقُولُونَ ذهب بِهِ إِلَى أمه الهاوية

стр. 214

وَأما الْكَافِر فَإِن مَلَائِكَة الْعَذَاب تَأتيه بمسح من شعر فَيَقُولُونَ اخْرُجِي ساخطة مسخوطا عَلَيْك إِلَى عَذَاب الله وَسخطه فَتخرج كأنتن ريح جيفة فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى بَاب الأَرْض فَيَقُولُونَ مَا أنتن هَذِه الرّيح كلما أَتَوا على أَرض قَالُوا ذَلِك حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاح الْكفَّار ذكره قَاسم بن أصبغ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا وَذكر مَالك فِي الْمُوَطَّأ من حَدِيث كَعْب بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة حَتَّى يرجعه الله إِلَى جسده يَوْم يَبْعَثهُ وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت عَمْرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخابني كَعْب وَهُوَ يجر قصبه فِي النَّار الْقصب الأمعاء وَذكر مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن زيد بن ثَابت قَالَ قَالَ أَبُو سعيد وَلم أشهده من رَسُول الله ﷺ وَلَكِن حَدَّثَنِيهِ زيد بن ثَابت قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ فِي حَائِط لبني النجار على بغلة وَنحن مَعَه إِذْ حادت بِهِ فَكَادَتْ تلقيه وَإِذا أقبر سِتَّة أَو خَمْسَة أَو أَرْبَعَة فَقَالَ من يعرف أَصْحَاب هَذِه الأقبر فَقَالَ رجل أَنا قَالَ فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ قَالَ مَاتُوا فِي الْإِشْرَاك فَقَالَ إِن هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها فلولا أَن لَا تدافنوا لَدَعَوْت الله أَن يسمعكم من عَذَاب الْقَبْر الَّذِي أسمع مِنْهُ ثمَّ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب النَّار فَقَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من عَذَاب النَّار قَالَ تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر فَقَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر قَالَ تعوذوا بِاللَّه من الْفِتَن مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن قَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من الْفِتَن مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن قَالَ تعوذوا بِاللَّه من فتْنَة الدَّجَّال قَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من فتْنَة الدَّجَّال

стр. 215

وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ بَعْدَمَا غربت الشَّمْس فَسمع صَوتا فَقَالَ يهود تعذب فِي قبورها وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَة من الْيَهُود وَهِي تَقول هَل شَعرت أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور قَالَت فارتاع رَسُول الله ﷺ وَقَالَ إِنَّمَا تفتن يهود قَالَت عَائِشَة فلبثنا ليَالِي ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَل شَعرت أَنه أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور قَالَت عَائِشَة فَسَمعته بعد يستعيذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر وَعَن عَائِشَة أَيْضا قَالَت دخلت عَليّ عجوزان من عجز يهود الْمَدِينَة فَقَالَتَا إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم قَالَت فكذبتهما وَلم أنعم أَن أصدقهما فخرجتا وَدخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَقلت لَهُ يَا رَسُول الله إِن عجوزين من عجز يهود الْمَدِينَة دخلتا عَليّ فزعمتا أَن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم فَقَالَ صدقتا إِنَّهُم يُعَذبُونَ عذَابا تسمعه الْبَهَائِم ثمَّ مَا رَأَيْته بعد فِي صلَاته إِلَّا يتَعَوَّذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر وَفِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة كَثِيرَة تَجِيء بعد إِن إشاء الله وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم واسألوا الله لَهُ التثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل وَقد تقدم وَذكر مُسلم من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت قَالَ نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر يُقَال لَهُ من رَبك فَيَقُول رَبِّي الله ونبيي مُحَمَّد فَذَلِك قَوْله يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة

стр. 216

وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ قد أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور قَرِيبا أَو مثل فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَت أَسمَاء فَيُؤتى أحدكُم فَيُقَال لَهُ مَا علمك بِهَذَا الرجل فَأَما الْمُؤمن الموقن لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَت أَسمَاء فَيَقُول هُوَ مُحَمَّد هُوَ رَسُول الله ﷺ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهدى فأجبنا وأطعنا ثَلَاث مَرَّات فَيُقَال لَهُ نم قد كُنَّا نعلم أَنَّك لمُؤْمِن بِهِ فنم صَالحا وَأما الْمُنَافِق أَو المرتاب لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَت أَسمَاء فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فَقلت وَذكر النَّسَائِيّ عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وتولي عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه يسمع قرع نعَالهمْ أَتَاهُ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل مُحَمَّد فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَقْعَدك من النَّار قد أبدلك الله بِهِ مقْعدا من الْجنَّة قَالَ رَسُول الله ﷺ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأما الْكَافِر أَو الْمُنَافِق فَيُقَال لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول لَا أَدْرِي كنت أَقُول كَمَا يَقُول النَّاس فَيُقَال لَهُ لَا دَريت وَلَا تليت ثمَّ يضْرب ضَرْبَة بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ غير الثقلَيْن ذكره البُخَارِيّ وَقَالَ وَيضْرب بِمِطْرَقَةٍ من حَدِيد ضَرْبَة بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح وَذكر بَاقِي الحَدِيث وَذكر التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا قبر الْمَيِّت أَو قَالَ أحدكُم أَتَاهُ ملكان أسودان أزرقان يُقَال لأَحَدهمَا الْمُنكر وَللْآخر النكير فَيَقُولَانِ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول مَا كَانَ يَقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله

стр. 217

فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول هَذَا ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي سبعين ثمَّ ينور لَهُ فِيهِ ثمَّ يُقَال لَهُ نم فَيَقُول أرجع إِلَى أَهلِي فَأخْبرهُم فَيَقُولَانِ نم كنومة الْعَرُوس الَّذِي لَا يوقظه إِلَّا أحب أَهله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ الله تَعَالَى من مضجعه ذَلِك وَإِن كَانَ منافقا قَالَ سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فَقلت مثله لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول ذَلِك فَيُقَال للْأَرْض التئمي عَلَيْهِ فتلتئم عَلَيْهِ فتختلف فِيهَا أضلاعه فَلَا يزَال فِيهَا معذبا حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك وَذكر عبد بن حميد من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت جَاءَت يَهُودِيَّة فاستطعمت على بَابي فَقَالَت أَطْعمُونِي أعاذكم الله من فتْنَة عَذَاب الْقَبْر وَمن فتْنَة الدَّجَّال فَلم أزل أحبسها حَتَّى جَاءَ الرَّسُول ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله مَا تَقول هَذِه الْيَهُودِيَّة فَقَالَ وَمَا تَقول قلت تَقول أعاذكم الله من فتْنَة عَذَاب الْقَبْر وَمن فتْنَة الدَّجَّال قَالَت عَائِشَة فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فَرفع يَده مدا يستعيذ بِاللَّه من فتْنَة الدَّجَّال وَمن فتْنَة عَذَاب الْقَبْر قَالَت ثمَّ قَالَ أما فتْنَة الدَّجَّال فَإِنَّهُ لم يكن نَبِي إِلَّا وَقد حذر أمته وسأحذركموه تحذيرا لم يحذرهُ نَبِي أمته إِنَّه أَعور وَإِن الله لَيْسَ بأعور بَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب كَافِر يَقْرَؤُهُ كل مُؤمن وَأما فتْنَة الْقَبْر فَفِي تفتنون وعني تسْأَلُون فَإِذا كَانَ الرجل الصَّالح أَجْلِس فِي قَبره غير فزع وَلَا مشعوف فَيُقَال لَهُ فيمَ كنت فَيَقُول فِي الْإِسْلَام فَيُقَال لَهُ مَا هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُم فَيَقُول مُحَمَّد رَسُول الله جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد الله رَبنَا فَآمَنا بِهِ وصدقناه قَالَ فَيُقَال لَهُ هَل رَأَيْت الله فَيَقُول مَا يَنْبَغِي لأحد أَن يرى الله فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَا وقاك الله ثمَّ يفرج لَهُ فُرْجَة أُخْرَى قبل الْجنَّة فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك مِنْهَا وَيُقَال لَهُ على الْيَقِين كنت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله وَإِذا كَانَ الرجل السوء أَجْلِس فِي قَبره فَزعًا مشعوفا فَيُقَال لَهُ فيمَ كنت فَيَقُول لَا أَدْرِي فَيُقَال

стр. 218

لَهُ مَا هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُم فَيَقُول سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ قولا فَقلت كَمَا قَالُوا فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل الْجنَّة فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَا صرف الله عَنْك ثمَّ يفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك على الشَّك كنت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله ثمَّ يعذب وَقَالَ عبد بن حميد أَيْضا عَن ابْن أبي ذِئْب قَالَ مُحَمَّد بن عَمْرو فَحَدثني سعيد بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ إِن الْمَيِّت تحضره الْمَلَائِكَة فَإِذا كَانَ الرجل الصَّالح قَالُوا اخْرُجِي أيتها الرّوح الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب اخْرُجِي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج ويعرج بهَا إِلَى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان فَيَقُولُونَ مرْحَبًا بِالروحِ الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب ادخلي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا عليون وَإِذا كَانَ الرجل السوء قيل اخْرُجِي أيتها النَّفس الخبيثة كَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث اخْرُجِي ذميمة وَأَبْشِرِي بحميم وغساق وَآخر من شكله أَزوَاج فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج ويعرج بهَا إِلَى السَّمَاء فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان فَيُقَال لَا مرْحَبًا بِالنَّفسِ الخبيثة كَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث ارجعي ذميمة فَإنَّك لَا تفتح لَك أَبْوَاب السَّمَاء فَيُرْسل من السَّمَاء ثمَّ يصير إِلَى الْقَبْر فيجلس الرجل الصَّالح فَيُقَال لَهُ فَيرد بِمَا فِي حَدِيث عَائِشَة سَوَاء وَقد تقدم وَيجْلس الرجل السوء فَيُقَال لَهُ فَيرد بِمَا فِي حَدِيث عَائِشَة سَوَاء قَالَ عبد وَأَخْبرنِي عَمْرو بن عون أخبرنَا أَبُو عوَانَة عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن زادان أبي عمر عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر وَلما يلْحد فَجَلَسَ رَسُول الله ﷺ وَجَلَسْنَا حوله كَأَنَّمَا على رؤوسنا الطير قَالَ فَجعل النَّبِي ﷺ يرفع

стр. 219

بَصَره إِلَى السَّمَاء وينكت فِي الأَرْض وَيحدث نَفسه ثمَّ قَالَ تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ إِن الرجل إِذا كَانَ فِي قبل من الْآخِرَة وَانْقِطَاع من الدُّنْيَا أَتَاهُ ملك الْمَوْت فَجَلَسَ عِنْد رَأسه فَإِن كَانَ مُسلما قَالَ اخْرُجِي أيتها النَّفس المطمئنة إِلَى مغْفرَة من الله ورضوان قَالَ فَتخرج نَفسه تسيل كَمَا تسيل قَطْرَة السقاء وتنزل الْمَلَائِكَة من السَّمَاء بيض الْوُجُوه كَأَن وُجُوههم الشَّمْس مَعَهم أكفان من أكفان الْجنَّة وحنوط من حنوط الْجنَّة فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مد الْبَصَر فَإِذا أَخذهَا قَامُوا إِلَيْهِ فَلم يتركوها فِي يَده طرفَة عين فَذَلِك قَوْله حَتَّى إِذا جَاءَ أحدكُم الْمَوْت توفته رسلنَا وهم لَا يفرطون قَالَ فَتخرج مِنْهُ مثل أطيب ريح وجدت على وَجه الأَرْض قَالَ فيصعدون بِهِ فَلَا يَمرونَ على جند من الْمَلَائِكَة فِيمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا قَالُوا مَا هَذِه الرّوح الطّيبَة فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان بِأَحْسَن أَسْمَائِهِ قَالَ فتفتح لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء ويشيعه من كل سَمَاء مقربوها حَتَّى ينْتَهوا بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة قَالَ فَيُقَال اكتبوا كِتَابه فِي عليين وَمَا أَدْرَاك مَا عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون وأرجعوه إِلَى الأَرْض فَإِنِّي وعدتهم مِنْهَا خلقناهم وفيهَا نعيدهم وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة أُخْرَى قَالَ فَيرجع روحه إِلَى جسده قَالَ وَيبْعَث إِلَيْهِ ملكان شَدِيدا الِانْتِهَار فيجلسانه وينتهرانه ويقولان لَهُ من رَبك فَيَقُول رَبِّي الله فَيَقُولَانِ مَا هَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم فَيَقُول رَسُول الله فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا يدْريك فَيَقُول قَرَأت كتاب الله فآمنت بِهِ وصدقت بِهِ فَذَلِك قَوْله يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة وينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن قد صدق فألبسوه من الْجنَّة وافرشوا لَهُ من الْجنَّة وأروه منزله من الْجنَّة قَالَ فيلبس من الْجنَّة ويفرش لَهُ من

стр. 220

الْجنَّة وَيرى منزله من الْجنَّة ويفسح لَهُ فِي قَبره مد بَصَره قَالَ ويمثل لَهُ رجل حسن الْوَجْه حسن الثِّيَاب طيب الرّيح قَالَ فَيَقُول لَهُ أبشر بِمَا أعد الله لَك من الْكَرَامَة هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد قَالَ فَيَقُول لَهُ من أَنْت رَحِمك الله فوَاللَّه لوجهك الْوَجْه الَّذِي جَاءَنَا بِالْخَيرِ قَالَ فَيَقُول أَنا عَمَلك الصَّالح وَالله مَا علمت أَن كنت حَرِيصًا على طَاعَة الله بطيئا عَن مَعْصِيّة الله فجزاك الله عني خيرا قَالَ فَيَقُول رب أقِم السَّاعَة لكَي أرجع إِلَى أَهلِي وَمَالِي وَقَالَ الْأَعْمَش وَهُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان وحَدثني أَبُو صَالح قَالَ حَدثنِي بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يُقَال لَهُ نم فينام ألذ نومَة نامها نَائِم قطّ حَتَّى توقظه السَّاعَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ وَإِن كَانَ فَاجِرًا إِذا كَانَ فِي انْقِطَاع من الدُّنْيَا وإقبال من الْآخِرَة جَاءَهُ ملك الْمَوْت فَجَلَسَ عِنْد رَأسه فَيَقُول اخْرُجِي أيتها النَّفس الخبيثة إِلَى غضب وَسخط من الله قَالَ فَيَتَفَرَّق روحه فِي جسده قَالَ فيستخرجها يقطع مَعهَا الْعُرُوق كَمَا يسْتَخْرج الصُّوف المبلول بالسفود قَالَ وَينزل مَلَائِكَة من السَّمَاء سود الْوُجُوه مَعَهم المسوح فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مد الْبَصَر فَإِذا وَقعت فِي يَد ملك الْمَوْت قَامَت إِلَيْهِ الْمَلَائِكَة فَلم يتركوها فِي يَده طرفَة عين قَالَ وَيخرج مِنْهُ مثل أنتن ريح جيفة وجدت على وَجه الأَرْض فيصعدون بِهِ فَلَا يَمرونَ على جند من الْمَلَائِكَة فِيمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرّوح الْخَبيث فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان بِأَسْوَأ أَسْمَائِهِ قَالَ فَإِذا انتهي بِهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا أغلقت دونه وَلم يفتح لَهُ وينادي مُنَاد أَن اكتبوا كِتَابه فِي سِجِّين وأرجعوه إِلَى الأَرْض فَإِنِّي وعدتهم أَن مِنْهَا خلقتهمْ وفيهَا أعيدهم وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة أُخْرَى قَالَ فَيرمى بِهِ من السَّمَاء فَذَلِك قَوْله تَعَالَى وَمن يُشْرك بِاللَّه فَكَأَنَّمَا خر من السَّمَاء فتخطفه الطير أَو تهوي بِهِ الرّيح فِي مَكَان سحيق

стр. 221

قَالَ فيعاد روحه فِي جسده ويأتيه ملكان شَدِيدا الِانْتِهَار فيجلسانه وينتهرانه فَيَقُولَانِ لَهُ من رَبك فَيَقُول لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا النَّبِي الَّذِي بعث فِيكُم فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ ذَلِك لَا أَدْرِي قَالَ فَيَقُولَانِ لَهُ لَا دَريت قَالَ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء قَالَ وينادي مُنَاد من السَّمَاء إِن قد كذب فالبسوه من النَّار وافرشوا لَهُ من النَّار وأروه منزله من النَّار قَالَ فيكسى من النَّار ويفرش لَهُ من النَّار وَيرى مِنْهَا منزله قَالَ ويضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف أضلاعه قَالَ ويمثل لَهُ رجل قَبِيح الْوَجْه قَبِيح المنظر قَبِيح الثِّيَاب منتن الرّيح فَيَقُول أبشر بِالَّذِي يسوؤك أبشر بغضب من الله وَسخط هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت تكذب بِهِ قَالَ فَيَقُول لَهُ وَيلك فَمن أَنْت فوَاللَّه لوجهك وَجه جَاءَ بِالشَّرِّ قَالَ فَيَقُول أَنا عَمَلك الْخَبيث وَالله مَا علمت أَن كنت لبطيئا عَن طَاعَة الله حَرِيصًا على مَعْصِيّة الله فجزاك الله عني شَرّ الْجَزَاء فَيَقُول يَا رب لَا تقم السَّاعَة مِمَّا يرى مِمَّا أعد الله لَهُ وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ جَنَازَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَيهَا النَّاس إِن هَذِه الْأمة تسْأَل فِي قبورها فَإِذا الْإِنْسَان دفن وتفرق عَنهُ أَصْحَابه جَاءَهُ ملك بِيَدِهِ مطراق فأقعده فَقَالَ مَا تَقول فِي هَذَا الرجل يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ فَإِن كَانَ مُؤمنا قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله قَالَ فَيَقُول صدقت وَيفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار فَيَقُول هَذَا كَانَ مَنْزِلك لَو كفرت بِرَبِّك فَأَما إِذا آمَنت بِهِ فَهَذَا مَنْزِلك فَيفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة فيريد أَن ينْهض إِلَيْهِ فَيَقُول لَهُ اسكن ويفسح لَهُ فِي قَبره وَإِن كَانَ كَافِرًا أَو منافقا يَقُول لَهُ مَا تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول لَا أَدْرِي

стр. 222

سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فَقلت فَيَقُول لَهُ الْملك لَا دَريت وَلَا تليت وَلَا اهتديت ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة فَيَقُول هَذَا مَنْزِلك لَو آمَنت بِرَبِّك فَأَما إِذْ كفرت فَإِن الله قد أبدلك بِهِ هَذَا وَيفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار ثمَّ يقمعه قمعة بالمطراق يسْمعهَا خلق الله كلهم إِلَّا الثقلَيْن فَقَالَ رجل من الْقَوْم يَا رَسُول الله مَا من أحد يقوم عَلَيْهِ ملك فِي يَده مطرقة إِلَّا تهبل عِنْد ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء وَذكر أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يُسَلط على الْكَافِر فِي قَبره تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا تنهشه وتلدغه حَتَّى تقوم السَّاعَة وَلَو أَن تنينا مِنْهَا نفخ فِي الأَرْض لما أنبتت خضرًا وَذكر البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ مر رَسُول الله ﷺ على قبرين فَقَالَ إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير أما أَحدهمَا فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأما الآخر فَكَانَ لَا يستنثر من بَوْله قَالَ فَدَعَا بعسيب رطب فشقه بِاثْنَيْنِ ثمَّ غرس على هَذَا وَاحِدًا وعَلى هَذَا وَاحِدًا ثمَّ قَالَ لَعَلَّه أَن يُخَفف عَنْهُمَا مَا لم ييبسا وَذكر النَّسَائِيّ عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ هَذَا الَّذِي تحرّك لَهُ الْعَرْش وَفتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء وشهده سَبْعُونَ ألفا من الْمَلَائِكَة لقد ضم ضمة ثمَّ فرج عَنهُ وَهَذَا الَّذِي تحرّك لَهُ الْعَرْش هُوَ سعد بن معَاذ الْأنْصَارِيّ رمي بِسَهْم فِي غَزْوَة الخَنْدَق ثمَّ مَاتَ مِنْهُ بعد ذَلِك وَيَعْنِي بِالضَّمِّ ضمة الْقَبْر وَمن حَدِيث شُعْبَة بن الْحجَّاج بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله

стр. 223

عَنْهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن للقبر ضغطة لَو نجا مِنْهَا أحد لنجا مِنْهَا سعد بن معَاذ وَذكر مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار يُقَال هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله يَوْم الْقِيَامَة ويروى عرض على مَقْعَده وَهَذَا ضرب من الْعَذَاب كَبِير وَعِنْدنَا الْمِثَال فِي الدُّنْيَا بِمن يعرض عَلَيْهِ السَّيْف للْقَتْل أَو غَيره من آلَات الْعَذَاب أَو بِمَا يهدد بِهِ من غير أَن يرى الْآلَة ونعوذ بِاللَّه من عَذَابه وعقابه بكرمه وَرَحمته وَقد صحت الْأَحَادِيث عَن النَّبِي ﷺ فِي عَذَاب الْقَبْر على الْجُمْلَة وَلَا مطْعن فِيهَا وَلَا معَارض لَهَا وَإِنَّمَا اخْتلف النَّاس هَل تعذب الرّوح فِي الْقَبْر قبل أَن ترد إِلَى الْجَسَد أَو تعذب فِيهِ بَعْدَمَا ترد إِلَيْهِ لِأَن الرِّوَايَة فِي رد الرّوح إِلَى الْجَسَد فِي الْقَبْر لم تصح صِحَة عَذَاب الْقَبْر من غير ذكر رد الرّوح وَحَدِيث رد الرّوح إِلَى الْجَسَد فِي الْقَبْر ذكره أَبُو دَاوُد أَيْضا وكيفما كَانَ فالعذاب محسوس والألم مَوْجُود وَالْأَمر شَدِيد وَقد ضرب بعض الْعلمَاء لتعذيب الرّوح مثلا بالنائم فَإِن روحه تتنعم أَو تتعذب والجسد لَا يحس بِشَيْء من ذَلِك فتفكر أَيهَا الْإِنْسَان فِي نَفسك وتخيل حالك عِنْد حُلُول رمسك وَهل يكون أول سعدك أَو يكون أول نحسك وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر أَن الْقَبْر أول منزل من منَازِل الْآخِرَة فَإِن نجا مِنْهُ صَاحبه فَمَا بعده أيسر مِنْهُ وَإِن لم ينج مِنْهُ فَمَا بعده أَشد مِنْهُ

стр. 224

وَفِي الْخَبَر أَيْضا أَن الْقَبْر رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار وَقد تقدم الحديثان ٢ وَأَنت أعلم بحالك وَبِمَا قدمت من أعمالك فتخيل بَين عَيْنَيْك وثوب مُنكر وَنَكِير عَلَيْك وَفِي اسميهما مَا يدل على وصفيهما وقولهما وفعلهما وَقد بدا لَك بعض مَا يعذبان بِهِ ذَلِك الممتحن وَمَا يسومان بِهِ ذَلِك البائس الْمُرْتَهن وَاعْلَم أَن عَذَاب الْقَبْر لَيْسَ مُخْتَصًّا بالكافرين وَلَا مَوْقُوفا على الْمُنَافِقين بل يشاركهم فِيهِ طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ وكل على حَاله من عمله وَمَا استوجبه بخطيئته وزلله وَإِن كَانَت تِلْكَ النُّصُوص الْمُتَقَدّمَة فِي عَذَاب الْقَبْر إِنَّمَا جَاءَت فِي الْكَافِر وَالْمُنَافِق وَمن أَيْن لَك بالأمان من تِلْكَ الصّفة المذمومة والأعمال المشئومة وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بالخواتيم وَمَا ختم لَك بِهِ فَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْك وَاللَّازِم والطوق فِي عُنُقك الْمُقِيم الدَّائِم وَعَذَاب الْمُؤمن لَا يكون كعذاب الْكَافِر وَالْحَمْد لله قد يكون عَذَاب الْمُؤمن فِي ضمة الْقَبْر أَو ضيقه أَو صعوبة منظره أَو بِمَا يُصِيبهُ من الروعات عِنْد مُشَاهدَة تِلْكَ الزلات وبالحسرات على مَا سلف لَهُ من الجهالات وبالندامات على مَا مضى من السَّاعَات أَو بِمَا شَاءَ الله تَعَالَى فَيكون من ذَلِك مَا شَاءَ الله أَن يكون ويدوم ذَلِك مَا شَاءَ الله أَن يَدُوم فَإِن أمنت ذَلِك الْعَذَاب الْأَكْبَر فَمَا الَّذِي أمنك من هَذَا الَّذِي هُوَ بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ عَذَاب أَصْغَر فتفكر مَا دَامَ ينفعك التفكر وتخيل مَا دمت ترجو ثَمَرَة هَذَا التخيل إِذا طرحت فِي حُفْرَة من الأَرْض قَصِيرَة الطول ضيقَة الْعرض فاشتدت بهَا وحشتك واستبانت غربتك وانضمت عَلَيْك ضمة كسرت أَنْفك وشدخت رَأسك ورضت عظامك وسدت وَرَاءَك وأمامك وتحتك وفوقك وملأت ظلمَة أَرْضك وأفقك فيالك من قلب قد نكس وبدن قد هرس وَنَفس قد قصر وَحبس فَأَرَدْت أَن تَفِر فَلم تتْرك وَأَرَدْت أَن تستغيث فَلم تملك وَلَا تَدْرِي مَا يَدُوم وَلَا مَتى تدْرك أَن تقعد أَو تقوم

стр. 225

أتراك كنت مفتديا من هَذَا الْمقَام بِمَا كنت جمعت من حطام بل بِمَا جمعه جَمِيع الْأَنَام من حَلَال وَحرَام بل بِمَا لَا يحصر من أَضْعَاف ذَلِك وَلَا يحد وَلَا يجمع وَلَا يعد ولعلك يَا هَذَا قد كنت فِي الدُّنْيَا لَا ترْضى بمنزلك المتسع وَلَا بشملك الْمُجْتَمع وَلَا تقنع برزق رَبك المتدفق عَلَيْك المندفع فَانْظُر رَحِمك الله لنَفسك فادفع عَنْك جَوَانِب هَذِه الحفرة وَنَفس عَنْك من هَذِه الضمة وآنس من هَذِه الوحشة واعمل مَا وجدت سَبِيلا للْعَمَل وَمَا دمت فِي فسحة ومهل ومهد المضجع ووطيء لذَلِك المصرع وارغب وتوسل واضرع وتذلل فَلَعَلَّ الْإِلَه المعبود الَّذِي عَم جوده الْوُجُود وَكَرمه لَا مَحْصُور وَلَا مَعْدُود وفيض نعمه لَا مَقْطُوع وَلَا مَحْدُود سيرسل مِنْهُ قَطْرَة تغمر الْعَرْش والذرة فيصيبك مِنْهُ بِنَصِيب ويبلك مِنْهُ بذنوب ويعمك مِنْهُ بشؤبوب وَقد انْقَطع الرَّجَاء إِلَّا مِنْهُ وسدت الْأَبْوَاب إِلَّا عَنهُ جلّ وَعلا وتبارك وَتَعَالَى حَدثنِي الْفَقِيه أَبُو الحكم بن برجان وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْعَمَل ﵀ أَنهم دفنُوا مَيتا بقريتهم من شَرق إشبيلية فَلَمَّا فرغوا من دَفنه قعدوا نَاحيَة يتحدثون ودابة ترعى قَرِيبا مِنْهُم وَإِذا بالدابة قد أَقبلت مسرعة إِلَى الْقَبْر فَجعلت أذنها عَلَيْهِ كَأَنَّهَا تسمع ثمَّ ولت فارة ثمَّ عَادَتْ إِلَى الْقَبْر فَجعلت أذنيها عَلَيْهِ كَأَنَّهَا تسمع ثمَّ ولت كَذَلِك ثمَّ أعادت ذَلِك مرّة بعد أُخْرَى قَالَ أَبُو الحكم ﵀ فَذكرت عَذَاب الْقَبْر وَقَول النَّبِي ﷺ إِنَّهُم ليعذبون عذَابا تسمعه الْبَهَائِم وَالله أعلم بِمَا كَانَ من أَمر ذَلِك الْمَيِّت ذكر هَذِه الْحِكَايَة لما قَرَأَ القاريء هَذَا الحَدِيث فِي عَذَاب الْقَبْر وَنحن إِذْ ذَاك نسْمع عَلَيْهِ كتاب مُسلم بن الْحجَّاج ﵁ وَرُوِيَ أَن بعض النباشين نبش ذَات لَيْلَة قبرا فَلَمَّا كشف عَن الْمَيِّت إِذا بِنَار تحرق الْمَيِّت فأهوت إِلَيْهِ مِنْهَا شرارة فهرب وَتَابَ إِلَى الله عز وَجل

стр. 226

وروى عَن أبي بكر بن أبي الدُّنْيَا عَن بعض أَصْحَابه أَنه قَالَ لنباش بعد تَوْبَته مَا سَبَب توبتك ورجوعك إِلَى الله قَالَ نبشت إنْسَانا فَوَجَدته قد سمر بمسامير فِي جَمِيع جسده ومسمار كَبِير فِي رَأسه وَآخر فِي رجلَيْهِ وَقيل لآخر مَا سَبَب توبتك قَالَ رَأَيْت جمجمة إِنْسَان قد صب فِيهَا الرصاص وَقد رُوِيَ فِي الحَدِيث من اسْتمع إِلَى حَدِيث قوم وهم لَهُ كَارِهُون أَو يسرونه عَنهُ صب فِي أُذُنَيْهِ الآنك يَوْم الْقِيَامَة ذكره البُخَارِيّ وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ مِمَّن يفعل ذَلِك وَالله أعلم بِمَا كَانَ عَلَيْهِ

стр. 227

الْبَاب الثَّالِث عشر ذكر يَوْم الْقِيَامَة وأهواله يضْحك الْمَرْء والبكاء أَمَامه ... ويروم الْبَقَاء وَالْمَوْت رامه وَيَمْشي الحَدِيث فِي كل لَغْو ... ويخلي حَدِيث يَوْم الْقِيَامَة ولأمر بكاه كل لَبِيب ... وَنفي فِي الظلام عَنهُ مَنَامه صَاح حدث حَدِيثه وَاخْتَصَرَهُ ... فمحال بِأَن تطِيق تَمَامه عجز الواصفون عَنهُ وَقَالُوا ... لم نجيء من بحاره بكظامه فلتحدثه جملَة وشتاتا ... ودع الْآن شَرحه ونظامه وَاعْلَم رَحِمك الله أَن هَذَا الْيَوْم لَيْسَ عظمه مِمَّا يُوصف وَلَا هوله مِمَّا يكيف وَلَا يجْرِي على مِقْدَار مِمَّا يعلم فِي الدُّنْيَا وَيعرف بل لَا يعلم مِقْدَار عظمه وَلَا هُوَ لَهُ إِلَّا الله تَعَالَى وَمَا ظَنك بِيَوْم عبر الله ﵎ عَن بعض مَا يكون فِيهِ بِشَيْء عَظِيم قَالَ الله يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم يَوْم ترونها تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وتضع كل ذَات حمل حملهَا وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد وماذا عَسى أَن يَقُول الْقَائِل فِيهِ وماذا عَسى أَن يصفه الواصف بِهِ الْأَمر أعظم والخطب أكبر والهول أشنع كَمَا قَالَ الْقَائِل وَمَا عَسى أَن أَقُول أَو أقوم بِهِ ... الْأَمر أعظم مِمَّا قيل أَو وَصفا

стр. 228

وَالْأَمر مهما قد نظرت لَهُ ... ألفيته الْأَعْظَم الألفا يَوْم الْقِيَامَة وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ مَا أَدْرَاك مَا يَوْم الْقِيَامَة يَوْم الْحَسْرَة والندامة يَوْم يجد كل عَامل عمله أَمَامه يَوْم الدمدمة يَوْم الزلزلة يَوْم الصاعقة يَوْم الْوَاقِعَة يَوْم الراجفة يَوْم الرادفة يَوْم الغاشية يَوْم الداهية يَوْم الآرفة يَوْم الحاقة يَوْم الطامة يَوْم الصاخة يَوْم التلاق يَوْم الْفِرَاق يَوْم المساق يَوْم الإشفاق يَوْم الْقصاص يَوْم لات حِين مناص يَوْم التناد يَوْم الْإِشْهَاد يَوْم الميعاد يَوْم المرصاد يَوْم المساءلة يَوْم الْحساب يَوْم المناقشة يَوْم المآب يَوْم الْعَذَاب يَوْم الْقَرار إِمَّا فِي الْجنَّة وَإِمَّا فِي النَّار يَوْم الْقَضَاء يَوْم الْجَزَاء يَوْم الْبكاء يَوْم الْبلَاء يَوْم تمور السَّمَاء مورا وتسير الْجبَال سيرا يَوْم الْحَشْر يَوْم النشر يَوْم الْجمع يَوْم الْبَعْث يَوْم الْعرض يَوْم الْوزر يَوْم الْحق يَوْم الحكم يَوْم الْفَصْل يَوْم الْجَزَاء يَوْم عَظِيم يَوْم عقيم يَوْم عسير يَوْم قمطرير يَوْم النشور يَوْم الْمصير يَوْم الدّين يَوْم الْيَقِين يَوْم النفخة يَوْم الصَّيْحَة يَوْم الرجفة يَوْم الرجة يَوْم الزجرة يَوْم السكرة يَوْم الْفَزع يَوْم الْجزع يَوْم القلق يَوْم الْفرق يَوْم الْعرق يَوْم الْمِيقَات يَوْم يخرج الْأَمْوَات وَتظهر المخبآت يَوْم الانشقاق يَوْم الانكدار يَوْم الانتشار يَوْم الانفطار يَوْم الافتقار يَوْم الْوُقُوف يَوْم الْخُرُوج يَوْم الانصداع يَوْم الِانْقِطَاع يَوْم مَعْلُوم يَوْم مَوْعُود يَوْم مشهود

стр. 229

يَوْم تبلى السرائر يَوْم تخرج الضمائر يَوْم لَا تغنى نفس عَن نفس شَيْئا يَوْم لَا تملك نفس لنَفس شَيْئا يَوْم يدعى فِيهِ إِلَى النَّار يَوْم يسجن فِيهِ فِي النَّار يَوْم تقلب الْوُجُوه فِيهِ فِي النَّار يَوْم البروز إِلَى الله يَوْم الصُّدُور إِلَى الله يَوْم لَا تَنْفَع المعذرة يَوْم لَا يرتجى إِلَّا من الله الْمَغْفِرَة وأهول أَسْمَائِهِ وأشنع ألقابه يَوْم الخلود وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الخلود يَوْم لَا انْقِطَاع لعذابه وَلَا آخر لعقابه وَلَا يكْشف فِيهِ عَن كَافِر مَا بِهِ ونعوذ بِاللَّه ثمَّ نَعُوذ بِاللَّه من بلائه وَسُوء قَضَائِهِ بكرمه وَرَحمته وَاعْلَم أَن الْعَرَب قد تسمى الشَّيْء بأسماء كَثِيرَة وَتجْعَل لَهُ ألقابا عديدة تَعْظِيمًا لشأنه وإكثارا لأَمره وَقد سمي الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة بأسماء كَثِيرَة وَلَعَلَّه من هَذَا وَهُوَ ﵎ أعلم

стр. 230

الْبَاب الرَّابِع عشر ذكر النفخ فِي الصُّور النفخة الأولى وَالثَّانيَِة قد تقدم الْكَلَام فِي ذكر الْمَوْت وغصته وكربه وشدته وَعَذَاب الْقَبْر وفتنته وضيقه وظلمته ومنكر وَنَكِير ورؤيتهما وَسَمَاع كَلَامهمَا على فظاظتهما وغلظتهما وبشاعة منظرهما وتكلف جوابهما والتوقي من مقامعهما بالأقرار بالربوبية وَالشَّهَادَة بالرسالة لمن ثبته الله تَعَالَى بالْقَوْل الثَّابِت وأمده بِنور الْإِيمَان وألهمه حجَّته وَإِن فِي ذكر هَذَا لتنبيها من الْغَفْلَة وتنشيطا من الكسل وحلا من عقال البطالة وصرفا عَن اللَّذَّات وردعا عَن نيل الشَّهَوَات بل فِيهِ مَا يذهل النُّفُوس وَيُمِيت الْقُلُوب أَن تنَال من الدُّنْيَا حظها الَّذِي يكون بِهِ حَيَاتهَا وَيكون بِهِ قوامها وَيُقِيم بِهِ رمقها فَكيف أَن ينَال مِنْهَا غير ذَلِك فَكيف بِمَا وَرَاء هَذَا من جمع الْعباد ليَوْم التناد وَيَوْم يقوم الاشهاد وَحشر الْأُمَم لذَلِك الْيَوْم الْأَعْظَم وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان لَا يخرج من الدُّنْيَا حَتَّى يرى مَكَانَهُ من إِحْدَى الدَّاريْنِ وَصَحبه من أحد الْفَرِيقَيْنِ وَأَنه لَا تزَال نَفسه معذبة أَو منعمة إِلَى يَوْم الْجَزَاء والاجتماع لفصل الْقَضَاء وَبعد ذَلِك يَتَجَدَّد النَّعيم أَو الْعَذَاب على وَجه آخر وَصفَة أُخْرَى مِمَّا سَيَأْتِي مِمَّا أمكن ذكره مِنْهُ بعد هَذَا إِن شَاءَ الله وَاعْلَم أَن الله ﵎ خلق للجنة أَهلا وَخلق للنار خلقا وهم مَعَ السَّاعَات راحلون وَمَعَ الأنفاس ظاعنون إِلَى دَار البلى ومعسكر الْمَوْتَى

стр. 231

ومستقر الْأَرْوَاح وكل مطلع على مَكَانَهُ الَّذِي يصير إِلَيْهِ ومشرف على منزله الَّذِي ينزل بِهِ وَبِذَلِك يكون نعيمهم وعذابهم وَبِغير ذَلِك مِمَّا شَاءَ الله فَلَا يزالون هَكَذَا يرحلون وينتقلون ويظعنون إِلَى أَن يفرغ الْعدَد السعيد والفريق الْمُنعم وَيبقى من الْعدَد الشقي والفريق المقصى بَقِيَّة وخروجهم من الدُّنْيَا فِي دفْعَة وَاحِدَة لَا يحصيها إِلَّا الله تَعَالَى خَالِقهَا لكِنهمْ قَلِيل بِالْإِضَافَة إِلَى مَا رَحل مِنْهُم يكون ارتحال الْبَقِيَّة إِلَى الدَّار الْآخِرَة بِمرَّة وَاحِدَة وخروجهم من الدُّنْيَا فِي دفْعَة وَاحِدَة وهم الَّذين تبعثهم الصَّيْحَة وَتقوم عَلَيْهِم السَّاعَة قَالَ الله تَعَالَى يَسْأَلُونَك عَن السَّاعَة أَيَّانَ مرْسَاها قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد رَبِّي لَا يجليها لوَقْتهَا إِلَّا هُوَ ثقلت فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا تَأْتيكُمْ إِلَّا بَغْتَة يرْوى عَن الشّعبِيّ قَالَ لَقِي جِبْرِيل عِيسَى ﵇ فَقَالَ لَهُ عِيسَى مَتى السَّاعَة فنفض جِبْرِيل أجنحته وَقَالَ مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل ثقلت فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا تَأْتيكُمْ إِلَّا بَغْتَة وَأما تقريب وَقتهَا فَكل آتٍ قريب قَالَ تَعَالَى وَمَا أَمر السَّاعَة إِلَّا كلمح الْبَصَر أَو هُوَ أقرب إِن الله على كل شَيْء قدير وَقَالَ اقْترب للنَّاس حسابهم وهم فِي غَفلَة معرضون وَمَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث إِلَّا استمعوه وهم يَلْعَبُونَ لاهية قُلُوبهم وَقَالَ تَعَالَى اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر وكذبوا وَاتبعُوا أهواءهم وكل أَمر مُسْتَقر وَلَقَد جَاءَهُم من الأنباء مَا فِيهِ مزدجر حِكْمَة بَالِغَة فَمَا تغني النّذر وَقَالَ الله أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ

стр. 232

ويروى أَن النَّبِي ﷺ لما نزل عَلَيْهِ أَتَى أَمر الله وثب قَائِما فَلَمَّا نزل قَوْله فَلَا تستعجلوه جلس قَالَ بعض الْعلمَاء إِنَّمَا وثب ﷺ خوفًا مِنْهُ أَن تكون السَّاعَة قد قَامَت وَقَالَ ﷺ بعثت أَنا والساعة كهاتين وَقرن بَين أصبعيه السبابَة وَالْوُسْطَى ذكره مُسلم بن الْحجَّاج فِي كِتَابه وَذكر أَيْضا عَن النواس بن سمْعَان الْكلابِي عَن النَّبِي ﷺ وَذكر خُرُوج الدَّجَّال ونزول عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ وَقَتله الدَّجَّال ثمَّ خُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج عَلَيْهِ ثمَّ هلاكهم ثمَّ ذكر مَا يكون من بعد ذَلِك من البركات والخيرات قَالَ فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ بعث الله تَعَالَى ريحًا طيبَة فتأخذهم تَحت آباطهم فتقبض روح كل مُؤمن وكل مُسلم وَيبقى شرار النَّاس يتهارجون فِيهَا تهارج الْحمر فَعَلَيْهِم تقوم السَّاعَة وَاعْلَم أَن كل ميت مَاتَ فقد قَامَت قِيَامَته لَكِنَّهَا قِيَامَة صغرى وقيامة كبرى فالقيامة الصُّغْرَى هِيَ مَا يقوم على كل إِنْسَان فِي خاصته من خُرُوج روحه وفراق أَهله وَانْقِطَاع سَعْيه وحصوله على عمله إِن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر وَالْقِيَامَة الْكُبْرَى هِيَ الَّتِي تعم النَّاس وتأخذهم أَخْذَة وَاحِدَة وَالدَّلِيل على أَن كل ميت يَمُوت فقد قَامَت قِيَامَته قَول النَّبِي ﷺ لقوم من الْأَعْرَاب وَقد سَأَلُوهُ مَتى السَّاعَة فَنظر إِلَى أحدث إِنْسَان مِنْهُم فَقَالَ إِن يَعش هَذَا لم يُدْرِكهُ الْهَرم قَامَت عَلَيْكُم سَاعَتكُمْ ذكره مُسلم بن الْحجَّاج فِي كِتَابه وَالْقِيَامَة الَّتِي تعم الأَرْض إِنَّمَا تأتيهم بَغْتَة وتأخذهم على غَفلَة لما تقدم وَلكنهَا تقوم فِي يَوْم الْجُمُعَة فِي غير شهر مَعْرُوف وَلَا سنة مَعْرُوفَة وَالْملك الَّذِي وكل بِهَذِهِ النفخة وَجعل على يَدَيْهِ هَذِه الصعقة قد استعد لَهَا وتهيأ لإمضائها

стр. 233

وَذكر أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُسْنده بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن مَسْعُود قَالَ لما كَانَ لَيْلَة أسرى برَسُول الله ﷺ لَقِي إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ﵈ فتذاكروا السَّاعَة مَتى هِيَ فبدأوا بإبراهيم ﵇ فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَلم يكن عِنْده مِنْهَا علم فسألوا مُوسَى ﵇ فَلم يكن عِنْده مِنْهَا علم فَردُّوا الحَدِيث إِلَى عِيسَى ﵇ فَقَالَ عهد الله تَعَالَى إِلَيّ فِيمَا دون وجبتها فَأَما وجبتها فَلَا يعلمهَا إِلَّا الله وَيَعْنِي بوجبتها وقعتها قَالَ فَذكر من خُرُوج الدَّجَّال فأهبط فَأَقْتُلهُ فَيرجع النَّاس إِلَى بِلَادهمْ فيستقبلهم يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ لَا يَمرونَ بِمَاء إِلَّا شربوه وَلَا بِشَيْء إِلَّا أفسدوه فيجأرون إِلَيّ فأدعو الله فيميتهم فَيمْلَأ الأَرْض ريحهم فيجأرون إِلَيّ فأدعو الله فَيُرْسل من السَّمَاء مَاء فَيحمل أجسامهم فيلقيهم فِي الْبَحْر ثمَّ تنسف الْجبَال وتمد الأَرْض مد الْأَدِيم فعهد الله إِلَيّ أَنه إِذا كَانَ ذَلِك فَإِن السَّاعَة من النَّاس كالحامل المتم الَّتِي لَا يدْرِي أَهلهَا مَتى تفجؤهم بولادتها لَيْلًا أَو نَهَارا قَالَ النواس فَوجدت تَصْدِيق ذَلِك فِي كتاب الله وَقَرَأَ حَتَّى إِذا فتحت يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ واقترب الْوَعْد الْحق وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خير يَوْم طلعت فِيهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خلق الله آدم وَفِيه أهبط وَفِيه تيب عَلَيْهِ وَفِيه مَاتَ وَفِيه تقوم السَّاعَة وَمَا من دَابَّة إِلَّا وَهِي مصيخة يَوْم الْجُمُعَة من حِين تصبح حَتَّى تطلع الشَّمْس شفقا من السَّاعَة إِلَّا الْجِنّ وَالْإِنْس وفيهَا سَاعَة لَا يصادفها عبد مُسلم وَهُوَ يُصَلِّي يسْأَل الله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه

стр. 234

وَذكر النَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كَيفَ أنعم وَصَاحب الصُّور قد الْتَقم الْقرن وحنى جَبهته وأصغى سَمعه ينْتَظر أَن يُؤمر بالنفخ فينفخ قَالُوا يَا رَسُول الله وَكَيف نقُول قَالَ قُولُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل على الله توكلنا وَذكر التِّرْمِذِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا زَالَ صَاحب الصُّور مذ وكل بِهِ مستعدا ينظر نَحْو الْعَرْش أَن يُؤمر فينفخ قبل أَن يرْتَد إِلَيْهِ طرفه كَأَن عَيْنَيْهِ كوكبان دريان وَمن مُسْند الْبَزَّار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ ذكر رَسُول الله ﷺ صَاحب الصُّور فَقَالَ عَن يَمِينه جِبْرِيل وَعَن يسَاره مِيكَائِيل وَذكر التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ مَا الصُّور قَالَ قرن ينْفخ فِيهِ وَذكر أَبُو بشر الدولابي من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى نفخ فِي الصُّور فَقَالَ الصُّور كَهَيئَةِ الْقرن وَقَالَ بعض الْعلمَاء الصُّور أَيْضا جمع صُورَة وَذكر البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بَينهمَا مقتلة عَظِيمَة دعواهما وَاحِدَة وَحَتَّى يبْعَث دجالون كذابون قريب من ثَلَاثِينَ كل يزْعم أَنه رَسُول الله وَحَتَّى يقبض الْعلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزَّمَان وَتظهر الْفِتَن وَيكثر الْهَرج وَهُوَ الْقَتْل وَحَتَّى يكثر فِيكُم المَال فيفيض حَتَّى يهم رب المَال من يقبل صدقته وَحَتَّى يعرضه فَيَقُول الَّذِي يعرض عَلَيْهِ لَا أرب لي فِيهِ وَحَتَّى يَتَطَاوَل النَّاس فِي الْبُنيان وَحَتَّى يمر الرجل بِقَبْر الرجل فَيَقُول يَا لَيْتَني مَكَانَهُ وَحَتَّى تطلع

стр. 235

الشَّمْس من مغْرِبهَا فَإِذا طلعت وَرَآهَا النَّاس أمنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِك حِين لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقد نشر الرّجلَانِ ثوبهما بَينهمَا فَلَا يتبايعانه وَلَا يطويانه وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقد انْصَرف الرجل بِلَبن لقحته فَلَا يطعمهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَهُوَ يليط حَوْضه فَلَا يسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَة وَقد رفع أَكلته إِلَى فِيهِ فَلَا يطْعمهَا وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يتركون الْمَدِينَة على خير مَا كَانَت لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العوافي يُرِيد عوافي السبَاع وَالطير ثمَّ يخرج راعيان من مزينة يُريدَان الْمَدِينَة ينعقان بغنمهما فيجدانها ملئت وحوشا حَتَّى إِذا بلغا ثنية الْوَدَاع خرا على وُجُوههمَا وَسمعت فِي تَفْسِيره أَن هذَيْن الراعيين إِنَّمَا يخران على وُجُوههمَا من صَيْحَة يَوْم الْقِيَامَة فَعِنْدَ هَذِه الصَّيْحَة تخمد الْأَصْوَات وتسكن الحركات وتخلى من أَهلهَا الأرضون وَالسَّمَاوَات إِلَى يَوْم الْخُرُوج والميقات وَالْجَزَاء بِالْحَسَنَاتِ والسيئات إِلَّا أَن الله تَعَالَى ذكر عِنْد هَذِه الصَّيْحَة اسْتثِْنَاء سَيَأْتِي مَا قيل فِيهِ بعد إِن شَاءَ الله ثمَّ ينزل الله مَطَرا فتنبت مِنْهُ الْأَجْسَام ويحيا بِهِ الرفات من الْعِظَام ويستعد لقبُول الْأَرْوَاح عِنْد النفخة الثَّانِيَة قَالَ الله تَعَالَى وَنفخ فِي الصُّور فجمعناهم جمعا وَذكر مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يخرج الدَّجَّال فِي أمتِي فيمكث أَرْبَعِينَ لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَو أَرْبَعِينَ شهرا أَو أَرْبَعِينَ عَاما الشَّك من الرَّاوِي قَالَ فيبعث الله عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ كَأَنَّهُ عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ فيطلبه فيهلكه ثمَّ يمْكث النَّاس سبع سِنِين لَيْسَ بَين اثْنَيْنِ عَدَاوَة ثمَّ يُرْسل الله ريحًا بَارِدَة من قبل الشَّام فَلَا يبْقى أحد على وَجه الأَرْض فِي قلبه مِثْقَال ذرة من خير أَو إِيمَان إِلَّا قَبضته حَتَّى

стр. 236

لَو أَن أحدكُم دخل فِي كبد جبل لدخلته عَلَيْهِ حَتَّى تقبضه قَالَ سَمعتهَا من رَسُول الله ﷺ قَالَ فَيبقى شرار النَّاس فِي خفَّة الطير وأحلام السبَاع لَا يعْرفُونَ مَعْرُوفا وَلَا يُنكرُونَ مُنْكرا فيتمثل لَهُم الشَّيْطَان فَيَقُول لَهُم أما تستجيبون فَيَقُولُونَ فَمَا تَأْمُرنَا فيأمرهم بِعبَادة الْأَوْثَان وهم فِي ذَلِك دَار رزقهم حسن عيشهم ثمَّ ينْفخ فِي الصُّور فَلَا يسمعهُ أحد إِلَّا أصغى ليتا وَرفع ليتا قَالَ وَأول من يسمعهُ رجل يلوط حَوْض إبِله قَالَ فيصعق ويصعق النَّاس ثمَّ يُرْسل أَو قَالَ ينزل الله مَطَرا كَأَنَّهُ الطل أَو الظل الشَّك من الرَّاوِي فتنبت مِنْهُ أجساد النَّاس ثمَّ ينْفخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هم قيام ينظرُونَ ثمَّ يُقَال أَيهَا النَّاس هلموا إِلَى ربكُم وقفوهم إِنَّهُم مسئولون ثمَّ يُقَال أخرجُوا بعث النَّار فَيُقَال من كم فَيُقَال من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين قَالَ فَذَلِك يَوْم يَجْعَل الْولدَان شيبا وَذَلِكَ يَوْم يكْشف عَن سَاق ويروى أَن هَذَا الْمَطَر الَّذِي تنْبت مِنْهُ الأجساد أَنه كمني الرِّجَال وَقد أخبر الله أَن إنْشَاء الْأَجْسَام مثل إِخْرَاج النَّبَات من الأَرْض قَالَ الله سُبْحَانَهُ وَالله الَّذِي أرسل الرِّيَاح فتثير سحابا فسقناه إِلَى بلد ميت فأحيينا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا كَذَلِك النشور أَي كَمَا ينْبت نَبَات الأَرْض بِالْمَاءِ كَذَلِك تنْبت الأجساد بِهَذَا المَاء فَبَيْنَمَا روحك فِي البرزخ مَعَ الْأَرْوَاح وكل على عمله من فَسَاد أَو صَلَاح إِذْ أَمر الله بهَا أَن تجمع فَتقبل أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تتلألأ نورا وأرواح الْكَافرين

стр. 237

تسود ظلمَة فيقبضها جَمِيعًا فيجعلها فِي الصُّور ثمَّ ينْفخ إسْرَافيل فَتخرج الْأَرْوَاح كَأَنَّهَا النَّحْل قد مَلَأت مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ويروى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَقُول الله تَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي ليرجعن كل روح إِلَى جسده فَتدخل الْأَرْوَاح فِي الأَرْض إِلَى الأجساد فَتدخل الخياشيم حَتَّى تمشي مشي السم فِي اللديغ وَذكر مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا بَين النفختين أَرْبَعُونَ قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَة أَرْبَعُونَ عَاما قَالَ أَبيت قَالُوا أَرْبَعُونَ شهرا قَالَ أَبيت قَالُوا أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبيت ثمَّ ينزل الله من السَّمَاء مَاء فينبتون كَمَا ينْبت البقل قَالَ وَلَيْسَ شَيْء من الْإِنْسَان إِلَّا ويبلى إِلَّا عظما وَاحِدًا وَهُوَ عجب الذَّنب وَمِنْه يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة وَذكر أَبُو بكر بن أبي دَاوُد فِي كتاب الْبَعْث بِإِسْنَادِهِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَأْكُل التُّرَاب كل شَيْء من الْإِنْسَان إِلَّا عجب الذَّنب قيل وَمَا هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ مثل حَبَّة خَرْدَل مِنْهُ تنشأون وَذكر أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة بِإِسْنَادِهِ إِلَى لَقِيط بن عَامر عَن النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث طَوِيل قَالَ فِيهِ ثمَّ تلبثون مَا لبثتم ثمَّ تبْعَث الصَّيْحَة فلعمرو إلهك مَا تدع على ظهرهَا من شَيْء إِلَّا مَاتَ وَالْمَلَائِكَة الَّذين مَعَ رَبك فَأصْبح رَبك يطوف فِي الأَرْض وَقد خلت عَلَيْهِ الْبِلَاد فَأرْسل رَبك السَّمَاء بهضب من عِنْد الْعَرْش فلعمرو إلهك مَا تدع على ظهرهَا من مصرع قَتِيل وَلَا مدفن ميت إِلَّا شقَّتْ الْقَبْر عَنهُ حَتَّى يخلقه من قبل رَأسه وَذكر الحَدِيث وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله فَأصْبح رَبك يطوف فِي الأَرْض وَقد خلت عَلَيْهِ الْبِلَاد إِنَّمَا هُوَ تفهيم وتقريب إِلَى أَن جَمِيع من فِي الأَرْض يَمُوت وَأَن الأَرْض تبقى خَالِيَة

стр. 238

لَيْسَ يبْقى إِلَّا الله وَحده كَمَا قَالَ تَعَالَى كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام وَقَوله وَالْمَلَائِكَة الَّذين مَعَ رَبك فَإِنَّهُ قد جَاءَ فِي بعض التفاسير فِي قَوْله تَعَالَى وَنفخ فِي الصُّور فَصعِقَ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله هُوَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك وَملك الْمَوْت ثمَّ يُؤمر ملك الْمَوْت أَن يقبض روح جِبْرِيل ثمَّ روح مِيكَائِيل ثمَّ روح إسْرَافيل ثمَّ يُؤمر ملك الْمَوْت أَن يَمُوت فَيَمُوت وَلَا يبْقى إِلَّا الَّذِي لَهُ الْبَقَاء والعزة والكبرياء وَالْملك الَّذِي أَلا يَزُول وَلَا يفنى ﵎ فينادي ﷻ لمن الْملك الْيَوْم فَلَا يجِيبه مُجيب وَمن ذَا يجِيبه وَلم يبْق مَوْجُود إِلَّا الْوَاحِد المعبود فيجيب نَفسه فَيَقُول سُبْحَانَهُ لله الْوَاحِد القهار ثمَّ يمْكث النَّاس فِي البرزخ أَرْبَعِينَ عَاما ثمَّ يحيى الله إسْرَافيل فيأمره أَن ينْفخ النفخة الثَّانِيَة فَذَلِك قَوْله فَإِذا هم قيام ينظرُونَ قيام على أَرجُلهم ينظرُونَ إِلَى ذَلِك الْأَمر الْعَظِيم والهول الجسيم وَاعْلَم رَحِمك الله أَنَّك إِن كنت مِمَّن لَا يُشَاهد هَذِه الصعقة الْعَامَّة الَّتِي هِيَ قيام السَّاعَة فَلَا بُد لَك من أَن تشاهد صعقة نَفسك الَّتِي تخصك وَهِي صعقة موتك وَخُرُوج روحك وَلَا بُد من إنشائك وتسويتك ورد روحك إِلَى جسدك وإخراجك من الأَرْض الَّتِي خلقت مِنْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى وَقَالَ عز من قَالَ أولم ير الْإِنْسَان أَنا خلقناه من نُطْفَة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين وَضرب لنا مثلا وَنسي خلقه قَالَ من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة وَهُوَ بِكُل خلق عليم قَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ وَله الْمثل الْأَعْلَى فِي

стр. 239

السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم وَقَوله وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ أَي هُوَ هَين عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْد الله شَيْء أَهْون من شَيْء بل كل عَلَيْهِ هَين وَقَالَ ﵎ يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَلَقَد علمْتُم النشأة الأولى فلولا تذكرُونَ وَذكر النَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ قَالَ الله ﵎ كَذبَنِي ابْن آدم وَلم يكن يَنْبَغِي لَهُ أَن يكذبنِي وشمتني ابْن آدم وَلم يكن يَنْبَغِي لَهُ أَن يَشْتمنِي أما تَكْذِيبه إيَّايَ فَقَوله أَنِّي لَا أُعِيدهُ كَمَا بَدأته وَلَيْسَ آخر الْخلق بِأَعَز عَليّ من أَوله وَأما شَتمه إيَّايَ فَقَوله اتخذ الله ولدا وَأَنا الله أحد صَمد لم أَلد وَلم أولد وَلم يكن لي كفوا أحد وَقد أخرجه البُخَارِيّ بِمَعْنَاهُ وَالِاعْتِبَار الصَّحِيح يشْهد بِصِحَّة النشأة الْآخِرَة وَالْقُدْرَة متسعة لَهَا وَلكُل مَا شاءه الْحَكِيم الْقَدِير ﵎ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا فَجعله نسبا وصهرا وَكَانَ رَبك قَدِيرًا خلق سُبْحَانَهُ المَاء من لَا شَيْء وَأخرجه من غير شَيْء أخرجه من عدم إِلَى الْوُجُود فكونه بعد أَن لم يكن شَيْئا ثمَّ خلق مِنْهُ الْإِنْسَان فَجعله آيَة عجبا وعبرة ظَاهِرَة فِي شكله وتخطيطه وحركاته وسكناته وَمَا فِيهِ من الْحِكْمَة وَمَا أودعهُ من عجائب الصَّنْعَة مِمَّا يطول وَصفه ويتسع شَرحه فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ وأنشدوا أيا ابْن آدم والألاء سابغة ... ومزنة الْجُود لَا تنفك عَن ديم

стр. 240

هَل أَنْت ذَاكر مَا أوليت من حسن ... وشاكر كل مَا خولت من نعم براك باريء هَذَا الْخلق من عدم ... بحت ولولاه لم تخرج من الْعَدَم أنشاك من حمأ وَلَا حراك بِهِ ... فَجئْت منتصبا تمشي على قدم مكمل الأدوات آيَة عجبا ... موفر الْعقل من حَظّ وَمن فهم ترى وَتسمع كلا قد حبيت بِهِ ... فضلا وتنطق بالتبيين وَالْحكم هداك بِالْعلمِ سبل الصَّالِحين لَهُ ... وَكنت من غَمَرَات الْجَهْل فِي ظلم مَاذَا عَلَيْك لَهُ من نعْمَة غمرت ... كل الْجِهَات وَلم تَبْرَح وَلم ترم غراء كَالشَّمْسِ قد أَلْقَت أشعتها ... حَتَّى ليبصرها عَلَيْك كل عمي فاشكر وَلست مطيقا شكرها أبدا ... وَلَو جهدت فسدد ويك وَالْتزم رزق وَأمن وإيمان وعافية ... مَتى تقوم بشكر هَذِه النعم هَذَا خلق الله فأروني مَاذَا خلق الَّذين من دونه إِن رَبك هُوَ الخلاق الْعَلِيم فَمن آمن بِهَذَا لم يضق صَدره عَن الْإِيمَان بالنشأة الثَّانِيَة وَكَانَ منتظرا لَهَا مشتغلا بالفكرة فِيهَا وَإِنَّهَا لموْضِع الِانْتِظَار وَمَوْضِع الِاشْتِغَال آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار لَكِن حب العاجل والاشتغال بالحاضر وَالنَّظَر إِلَى هَذَا الخيال الْقَائِم صرف وَجه الْقلب عَن اسْتِعْمَال الْحَقِيقَة فِي هَذَا الْأَمر وطمس عينه عَن النّظر إِلَيْهَا وسد مجاري فكره عَن التَّصَرُّف فِيهَا فَلَو اشْتغل وَنظر وتفكر لأذهله ذَلِك عَن الْأَهْل وَالْمَال وشغله عَن قيل وَقَالَ وَصَرفه عَن لَذَّة الْحَال إِلَى الْمَآل لكنه إِن لم ينظر الْآن فسينظر فِي وَقت لَا يَنْفَعهُ فِيهِ النّظر وَلَا يَنْقَضِي لَهُ بِهِ وطر وسيقدم فَيعلم

стр. 241

الْبَاب الْخَامِس عشر فِي انبعاث النَّاس من قُبُورهم وَصفَة الأَرْض الَّتِي يحشرون عَلَيْهَا وَكَيف يحشرون وَذكر أول من ينشق عَنهُ الْقَبْر يَوْم الْقِيَامَة وَمَا جَاءَ أَنهم يبعثون على نياتهم وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ ذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ يعوذ عَائِذ بِالْبَيْتِ فيبعث الله بعثا فَإِذا كَانُوا ببيداء من الأَرْض خسفت بهم قلت يَا رَسُول الله فَكيف بِمن كَانَ كَارِهًا قَالَ يخسف بِهِ مَعَهم وَلكنه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة على نِيَّته وَعَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أَرَادَ الله بِقوم عذَابا أصَاب الْعَذَاب من كَانَ فيهم ثمَّ بعثوا على أَعْمَالهم وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول يبْعَث كل عبد على مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَأما أول من ينشق عَنهُ الْقَبْر يَوْم الْقِيَامَة فنبينا مُحَمَّد ﷺ كَمَا ذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَأول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَأول شَافِع وَأول مُشَفع

стр. 242

وَذكر البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنِّي أول من يرفع رَأسه بعد النفخة الْآخِرَة فَإِذا أَنا بمُوسَى مُتَعَلق بالعرش فَلَا أَدْرِي أَكَذَلِك كَانَ أم بعد النفخة الْآخِرَة ويروى فَأَكُون أول من يفِيق وَهُوَ الْأَكْثَر وَقَالَ البُخَارِيّ أَيْضا فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فَإِذا أَنا بمُوسَى أَخذ بقائمة من قَوَائِم الْعَرْش فَلَا أَدْرِي أَقَامَ قبلي أم جوزي بصعقة الطّور لم يكن عِنْده ﷺ علم حَتَّى يُعلمهُ الله فقد أخبر ﷺ أَنه أول من ينشق عَنهُ الْقَبْر وَهُوَ حَدِيث صَحِيح مَشْهُور وَاعْلَم رَحِمك الله أَنه إِن لم تشق سَمعك النفخة الأولى فِي الصُّور لهلاك هَذَا الْمَعْمُور فَلَا بُد أَن تشق سَمعك النفخة الثَّانِيَة لبعثرة الْقُبُور وَقيام الْخَلَائق ليَوْم النشور وَتَحْصِيل مَا فِي الصُّدُور إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا وأخرجت الأَرْض أثقالها وَقَالَ الْإِنْسَان مَالهَا يَوْمئِذٍ تحدث أَخْبَارهَا بِأَن رَبك أوحى لَهَا يَوْمئِذٍ يصدر النَّاس أشتاتا ليروا أَعْمَالهم فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره ﴿إِذا وَقعت الْوَاقِعَة لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة خافضة رَافِعَة إِذا رجت الأَرْض رجا وبست الْجبَال بسا فَكَانَت هباء منبثا﴾ ﴿فَإِذا نفخ فِي الصُّور نفخة وَاحِدَة وحملت الأَرْض وَالْجِبَال فدكتا دكة وَاحِدَة فَيَوْمئِذٍ وَقعت الْوَاقِعَة وانشقت السَّمَاء فَهِيَ يَوْمئِذٍ واهية وَالْملك على أرجائها وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة يَوْمئِذٍ تعرضون لَا تخفى مِنْكُم خافية﴾ ﴿إِذا الشَّمْس كورت وَإِذا النُّجُوم انكدرت وَإِذا الْجبَال سيرت وَإِذا العشار عطلت وَإِذا الوحوش حشرت﴾

стр. 243

فناهيك من صَيْحَة يقوم لَهَا الاموات وتحيا بهَا الْعِظَام الرفات وحسبك من هدة تنهد لَهَا الْجبَال وتعود كالكثيب المهيل من الرمال كَمَا قَالَ ﴿يَوْم ترجف الأَرْض وَالْجِبَال وَكَانَت الْجبَال كثيبا مهيلا﴾ ﴿يَوْم يكون النَّاس كالفراش المبثوث وَتَكون الْجبَال كالعهن المنفوش﴾ ﴿فَإِذا انشقت السَّمَاء فَكَانَت وردة كالدهان﴾ وَهَذِه أهوال لَا بُد لَك من مكابدتها وأحوال لَا بُد لَك من مشاهدتها يخرج سهمك فِيهَا بِمَا خرج ويلج بك سعيك مِنْهَا فِيمَا يلج فإمَّا بنزول فِي دَرك وَإِمَّا بارتقاء فِي درج وَقد صَحَّ هَذَا عنْدك فَمَاذَا أَعدَدْت لَهُ وَثَبت فِي نَفسك فبماذا تستقبله وماذا تَقوله وماذا تَفْعَلهُ لطال مَا دعَاك الدَّاعِي فتصاممت ونصحك النصيح فتعاميت وذكرك الْمُذكر فتناسيت فقد وقفت على العيان مِمَّا كَانَ عرضه عَلَيْك بالْأَمْس الْبُرْهَان وجاءك بِهِ الرَّسُول وخاطبك بِهِ الْقُرْآن فَهَل من رَجْعَة أَو سَبِيل الْيَوْم إِلَى استعمالك تِلْكَ الدعْوَة هَيْهَات طمعت فِي غير مطمع وَسمعت مَالا يسمع إِن كنت تُرِيدُ أَن تعود إِلَى الدُّنْيَا أَو ترجع فتفكر الْآن فِي نَفسك وكونك فِي قبرك إِذا سَمِعت انْشِقَاق الأَرْض من فَوْقك وَوَقع ذَلِك الصَّوْت الهائل فِي سَمعك صَوت تتصدع لَهُ الأكباد لَو أذن لَهَا فِي الانصداع وتتقطع لَهُ الْقُلُوب لَو أذن لَهَا فِي الِانْقِطَاع قَالَ الله تَعَالَى واستمع يَوْم يُنَادي الْمُنَادِي من مَكَان قريب يَوْم يسمعُونَ الصَّيْحَة بِالْحَقِّ ذَلِك يَوْم الْخُرُوج وَفِي الحَدِيث أَن هَذَا الإجتماع يكون بِالشَّام روى أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث أبي ذَر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الشَّام أَرض الْمَحْشَر والمنشر

стр. 244

ويروى أَن الْمُنَادِي يُنَادي على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس أيتها الْعِظَام البالية والأوصال المتقطعة إِن الله يأمركن أَن تجتمعن لفصل الْقَضَاء وَهَذَا النداء خلاف الصَّيْحَة الْعُظْمَى فتفكر وأطل فكرك فِي عَظِيم تِلْكَ الصَّيْحَة وَشدَّة تِلْكَ النفخة وتخيل قيام النَّاس وثورانهم من قُبُورهم دفْعَة وَاحِدَة وانبعاثهم بِمرَّة وَاحِدَة وَأَنت بَينهم وَفِي جُمْلَتهمْ منكسفا وَجهك متغيرا لونك متعثرا قدمك قد مَلأ قَلْبك الْفَزع وقصم ظهرك ذَلِك المستمع وانت حيران عطشان سَكرَان شاخص الْبَصَر نَحْو النداء مستمعا إِلَى ذَلِك الدُّعَاء وَلَو وجدت مطارا لطرت ومفرا لفررت ﴿كلا لَا وزر إِلَى رَبك يَوْمئِذٍ المستقر ينبأ الْإِنْسَان يَوْمئِذٍ بِمَا قدم وَأخر﴾ يَا معشر معشر الْجِنّ وَالْإِنْس إِن اسْتَطَعْتُم أَن تنفذوا من أقطار السَّمَاوَات وَالْأَرْض فانفذوا لَا تنفذون إِلَّا بسُلْطَان فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ ويروى عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن بِلَال بن سعد أَنه قَالَ إِن للنَّاس جَوْلَة يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَقُول الْإِنْسَان يَوْمئِذٍ أَيْن المفر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ فزعوا فَلَا فَوت وَأخذُوا من مَكَان قريب﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم يَوْم التناد يَوْم تولون مُدبرين مَا لكم من الله من عَاصِم﴾ وأنشدوا نَاد فِي الْقَوْم بِيَوْم التناد ... وَأعد فيهم حَدِيث الْمعَاد فَالْحَدِيث الْيَوْم فِي غير هَذَا ... مُحدث فِي الْقلب صدع الْفُؤَاد وخلو الْقلب عَن ذكر يَوْم ... ذكره أذهب طيب الرقاد

стр. 245

غبن فِي الرَّأْي لِلْعَقْلِ باد ... وَمن الْغبن خَفِي وباد ولأمر مَا بكاه رجال ... فِي الدياجي كبكاء العهاد أَي يَوْم ضَاقَ عَن حالتيه ... وصف وصاف بليغ وشاد مشْهد تبيض فِيهِ وُجُوه ... ووجوه قد طليت بالحداد يَجْعَل الْولدَان شيبا وَيَرْمِي ... بالجبال الشم وسط الوهاد وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم ... بسكارى غير سكر التناد فدع الدَّار وَمَا دَار فِيهَا ... من تليد كَانَ أَو من تلاد واقطع الأَرْض على ظهر طود ... نازلا مِنْهُ إِلَى بطن وَاد طَالبا كَهْف نجاة لتنجو ... رائحا فِي نيل ذاكم وغاد واقدح النَّار بجفن مروع ... جَانب الْأَمْن ولين المهاد رام أمرا فشتتته أُمُور ... وعدته عَن هَوَاهُ عواد فطوى كشحا على محرقات ... نشرت شعلاتها فِي الْبِلَاد وأفض دمعة باك حَزِين ... مزجت دمعته بالجساد وَإِذا مَا أَرَادَ ذكرى لذنب ... بَات من كربته فِي ازدياد وَقَلِيل كل هَذَا قَلِيل ... لأمور بَين أَيدي الْعباد وكروب عِنْد مَا أَنْت فِيهِ ... كالبحار السَّبع عِنْد الثماد فاجهد النَّفس وجاهد هَواهَا ... فمراد الْحق ترك المُرَاد وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يخَافُونَ يَوْمًا تتقلب فِيهِ الْقُلُوب والأبصار﴾

стр. 246

أما تقلب الْقُلُوب فانتزاعها من أماكنها فتغص بهَا الْحَنَاجِر فَلَا هِيَ تخرج وَلَا هِيَ ترجع إِلَى موَاضعهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الآزفة إِذْ الْقُلُوب لَدَى الْحَنَاجِر كاظمين مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع﴾ وَأما تقلب الْأَبْصَار فَمن الْكحل إِلَى الزرق وَمن الْبَصَر إِلَى الْعَمى قَالَ الله تَعَالَى ﴿ونحشر الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ زرقا﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿ونحشرهم يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما مأواهم جَهَنَّم كلما خبت زدناهم سعيرا﴾ فتفكر فِي بهتك وحيرتك وانكسارك وذلتك وافتقارك وقلتك يَوْم لَا تَجِد إِلَّا عَمَلك الَّذِي عملت وسعيك الَّذِي سعيت قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا ويحذركم الله نَفسه﴾ وَأنْشد بَعضهم من قصيدة وَاذْكُر رقادك فِي الثرى ... فِي قَعْر مظْلمَة بهيم قد نحيت تِلْكَ الحلى ... واستبدلت تِلْكَ الرسوم واعتضت من حلل الْغنى ... وحلاه خلقان العديم وَتركت وَيحك مُفردا ... لَا أهل فِيهِ وَلَا حميم حيران تفزع للبكا ... لهفان تأنس بالغموم حَتَّى يُنَادى بالورى ... فتقوم أسْرع مَا تقوم عُرْيَان مصطفق الحشا ... هيمان مُجْتَمع الهموم وَالنَّاس قد رجفت بهم ... حَرْب هنالكم عقيم فِي مأزق تهفو بِهِ ... لفحات نيران السمُوم

стр. 247

وبدت هُنَاكَ سرائر ... قد كنت قبل لَهَا كتوم وَرَأَيْت فِي محصولها ... مَا شِئْت من خسر وشوم ان لم يجد بِالْعَفو من ... يعْفُو عَن الذَّنب الْعَظِيم وَاعْلَم أَنه كلما عظم قدر رجل فِي الدُّنْيَا صغر هُنَاكَ وَكلما كثر جاهه فِي الدُّنْيَا قل هُنَاكَ إِلَّا من كَانَ شعاره التَّقْوَى فِي الدُّنْيَا وطريقته المثلى وكل مَا ترَاهُ أَو تسمع بِهِ من ملك جَبَّار أَو عَزِيز قهار قد قاد الأجناد وَأكْثر الأمداد ودوخ الْبِلَاد وأذل الْعباد فَهُوَ فِي ذَلِك الْيَوْم كالذرة فِي الرغام تطؤه الْأَقْدَام ويمحقه ذَلِك الزحام كَمَا قَالَ الْقَائِل ألم تسمع عَن النبأ الْعَظِيم ... وَعَن خطب خلقت لَهُ جسيم وزلزال يهد الأَرْض هدا ... وَيَرْمِي فِي الحضيضة بالنجوم وأهوال كأطواد رواس ... تلاطم فِي ضلوع كالهشيم فَمن رَأس يشيب وَمن فؤاد ... يذوب وَمن هموم فِي هموم وسكران وَلم يشرب حميا ... وهيمان وَلم يعلق بريم ومرضعة قد أذهلها أساها ... فَمَا تَدْرِي الرَّضِيع من الفطيم ومؤتمة تولت عَن بنيها ... وَأَلْقَتْ باليتيمة واليتيم وحبلى اسقطت ذعرا وخوفا ... فيا لله لليوم الْعَقِيم وَهَذَا مشْهد لَا بُد مِنْهُ ... وَجمع للْحَدِيث وللقديم وَمَا كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي ... وَتبع والقروم بَنو القروم بِذَاكَ الْيَوْم إِلَّا فِي مقَام ... أذلّ من التُّرَاب لذِي السَّلِيم وَمَا للمرء إِلَّا مَا سعاه ... لدار الْبُؤْس أَو دَار النَّعيم وَأَنت كَمَا علمت وَرب أَمر ... يكون أَذَاهُ أوقع بالعليم فدع عَيْنَيْك تسبح فِي معِين ... وقلبك ذره يقلب فِي جحيم

стр. 248

وشق جُيُوب صبرك شقّ ثكلي ... تعلّقت ابْنهَا رجلا سهوم وماذا الْأَمر ذَلِكُم وَلَكِن ... تشبه بالبحار يَد الْكَرِيم وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ بموعظة فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفَاة عُرَاة غرلًا كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين أَلا وَإِن أول الْخَلَائق يكسى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم ﵇ أَلا وَإنَّهُ سيجاء بِرِجَال من أمتِي فَيُؤْخَذ بهم ذَات الشمَال فَأَقُول يَا رب أَصْحَابِي فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك فَأَقُول كَمَا قَالَ العَبْد الصَّالح ﴿وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فَيُقَال لي انهم لم يزَالُوا مُدبرين على أَعْقَابهم مُنْذُ فَارَقْتهمْ وروى شهر بن حَوْشَب عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مدت الأَرْض مد الْأَدِيم ثمَّ ينقاض أهل السَّمَاء الدُّنْيَا على الأَرْض فَأهل السَّمَاء الدُّنْيَا وحدهم اكثر من جَمِيع أهل الأَرْض جنهم وإنسهم بالضعف فيفزعون إِلَيْهِم وَيَقُولُونَ أفيكم رَبنَا فَيَقُولُونَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِينَا وَهُوَ آتٍ ثمَّ اهل السَّمَاء الثَّانِيَة فينتشرون على وَجه الارض فَأهل السَّمَاء وحدهم أَكثر من أهل السَّمَاء الدُّنْيَا وَأهل الأَرْض من جنهم وإنسهم بالضعف فيفزعون أليهم فَيَقُولُونَ أفيكم رَبنَا فَيَقُولُونَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِينَا وَهُوَ آتٍ ثمَّ ينقاض أهل السَّمَوَات سَمَاء سَمَاء كلما انقاضت سَمَاء انْتَشَر أَهلهَا على وَجه الأَرْض فيكونون أَكثر من أهل السَّمَوَات الَّتِي تَحْتهم وَأهل الأَرْض جنهم وإنسهم بالضعف ويفزع إِلَيْهِم أهل الأَرْض فَيَقُولُونَ أفيكم رَبنَا فَيَقُولُونَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِينَا وَهُوَ آتٍ ثمَّ ينقاض أهل السَّمَاء السَّابِعَة فينتشر

стр. 249

أَهلهَا على وَجه الأَرْض فَلهم وحدهم أَكثر من أهل السَّمَوَات وَمن جَمِيع أهل الأَرْض جنهم وإنسهم بالضعف وَينزل الله ﵎ فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة فتفكر فِي هَذَا المشهد الْعَظِيم وَالْيَوْم الْعَقِيم يَوْم يجمع فِيهِ هَذَا الْخلق كلهم من الْمَلَائِكَة وَمن بني آدم من لدن آدم ﵇ إِلَى آخر الدُّنْيَا فتفكر فِي أَي أَرض تسعهم وَأي مَكَان يحملهم فَكيف وينضاف إِلَيْهِم جَمِيع الوحوش النافرة والهوام الشاردة إِلَى غير ذَلِك من الْمَخْلُوقَات الَّتِي ضمهَا ذَلِك الْموعد وحشرها ذَلِك المشهد فتفكر الْآن فيهم كَيفَ يساقون وَكَيف يجمعُونَ وَكَيف يحشرون من بَين مَحْمُول قد مدت ظلال الرَّحْمَة عَلَيْهِ وجمعت الْأَمَانِي فِي يَدَيْهِ وَبَين ساع على قَدَمَيْهِ وَآخر مجرور على خديه ومصروع لهول مَا بَين يَدَيْهِ كَمَا ورد فِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّكُم تحشرون إِلَى الله رجَالًا وركبانا وَتجرونَ على وُجُوهكُم ويروى ويجرون على وُجُوههم على أَرض بَيْضَاء قاع صفصف مستوية لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا لَا ربوة يسْتَتر بهَا وَلَا وهدة يختفى فِيهَا بل هُوَ صَعِيد وَاحِد لَيْسَ فِيهِ شَيْء قَائِم وَلَا علم مُرْتَفع قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الْجبَال فَقل ينسفها رَبِّي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة على أَرض بَيْضَاء عفراء كقرصة النقي لَيْسَ فِيهَا علم لأحد وَقَالَ ﷺ يجمع الله الْأَوَّلين والآخرين فِي صَعِيد وَاحِد فَيسْمعهُمْ الدَّاعِي وَينْفذهُمْ الْبَصَر ذكر الْحَدِيثين مُسلم من حَدِيث سهل وَأبي هُرَيْرَة يُرِيد ﷺ ارضا مستوية لَا جبل فِيهَا وَلَا أكمة وَلَا ربوة وَلَا وهدة

стр. 250

أَرض بَيْضَاء نقية لم يسفك عَلَيْهَا دم وَلَا عمل عَلَيْهَا خَطِيئَة وَلَا ارْتكب فِيهَا محرم قَالَ الله تَعَالَى يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات وبرزوا لله الْوَاحِد القهار وَفِي حَدِيث ثَوْبَان ان النَّبِي ﷺ سُئِلَ أَيْن يكون النَّاس يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات قَالَ هم فِي الظلمَة دون الجسر والجسر هُوَ الصِّرَاط وَفِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ أَنهم على الصِّرَاط ذكر هذَيْن الْحَدِيثين مُسلم بن الْحجَّاج فتفكر فِي هَذَا الْمُجْتَمع وَهَذَا الهول الأشنع والخطب الأقطع الأبشع وفيمن يضرّهُ ويشهده ويعانيه ويبصره وَكَيف يقومُونَ على أَقْدَامهم ويشخصون بِأَبْصَارِهِمْ وَأَنت مَعَهم فِي ضيق مقَام وَطول قيام قد جمعُوا جمع الدَّرَاهِم فِي الصرة المشدودة والنبل فِي الكنانة المشحونة وَقد انشقت السَّمَاء فَوْقهم وذابت عَلَيْهِم وسالت على رؤوسهم وطاشت الْأَلْبَاب وذهلت الأوهام وتحيرت الْعُقُول وتلجلجت الألسن فَلم يدر قَائِل مَا يَقُول وخشعت الْأَصْوَات للرحمن فَلَا تسمع إِلَّا همسا وضعفت الحركات فَلَا تسمع للأقدام حسا فيالك من هول تنهد مِنْهُ الْجبَال فَكيف الرِّجَال ويالك من خطب تَنْشَق مِنْهُ السَّمَاء فَكيف الأحشاء فتفكر فِيمَا يشق سَمعك من ذَلِك وَمَا يخلع قَلْبك من الروع الَّذِي هُنَالك وَكَيف بك إِذا رَأَيْت الشَّمْس قد كورت فَذهب ضوؤها والنجوم قد طمست فمحي نورها وزالت عَن موَاضعهَا وفقدت فِي مطالعها وانتثرت على من تحتهَا وعَلى من كَانَ من سمتها واشتبك النَّاس بَعضهم فِي بعض وتداخل الْخلق بَعضهم فِي بعض فصاروا كالفراش المبثوث وَقَامَت الْمَلَائِكَة على أرجاء السَّمَاء وأحاطت بالخلائق من كل الأرجاء وَالنَّاس حُفَاة عُرَاة
следующие страницы →