← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6862

العاقبة في ذكر الموت

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (355 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أما تقلب الْقُلُوب فانتزاعها من أماكنها فتغص بهَا الْحَنَاجِر فَلَا هِيَ تخرج وَلَا هِيَ ترجع إِلَى موَاضعهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الآزفة إِذْ الْقُلُوب لَدَى الْحَنَاجِر كاظمين مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع﴾ وَأما تقلب الْأَبْصَار فَمن الْكحل إِلَى الزرق وَمن الْبَصَر إِلَى الْعَمى قَالَ الله تَعَالَى ﴿ونحشر الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ زرقا﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿ونحشرهم يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما مأواهم جَهَنَّم كلما خبت زدناهم سعيرا﴾ فتفكر فِي بهتك وحيرتك وانكسارك وذلتك وافتقارك وقلتك يَوْم لَا تَجِد إِلَّا عَمَلك الَّذِي عملت وسعيك الَّذِي سعيت قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا ويحذركم الله نَفسه﴾ وَأنْشد بَعضهم من قصيدة وَاذْكُر رقادك فِي الثرى ... فِي قَعْر مظْلمَة بهيم قد نحيت تِلْكَ الحلى ... واستبدلت تِلْكَ الرسوم واعتضت من حلل الْغنى ... وحلاه خلقان العديم وَتركت وَيحك مُفردا ... لَا أهل فِيهِ وَلَا حميم حيران تفزع للبكا ... لهفان تأنس بالغموم حَتَّى يُنَادى بالورى ... فتقوم أسْرع مَا تقوم عُرْيَان مصطفق الحشا ... هيمان مُجْتَمع الهموم وَالنَّاس قد رجفت بهم ... حَرْب هنالكم عقيم فِي مأزق تهفو بِهِ ... لفحات نيران السمُوم

стр. 247

وبدت هُنَاكَ سرائر ... قد كنت قبل لَهَا كتوم وَرَأَيْت فِي محصولها ... مَا شِئْت من خسر وشوم ان لم يجد بِالْعَفو من ... يعْفُو عَن الذَّنب الْعَظِيم وَاعْلَم أَنه كلما عظم قدر رجل فِي الدُّنْيَا صغر هُنَاكَ وَكلما كثر جاهه فِي الدُّنْيَا قل هُنَاكَ إِلَّا من كَانَ شعاره التَّقْوَى فِي الدُّنْيَا وطريقته المثلى وكل مَا ترَاهُ أَو تسمع بِهِ من ملك جَبَّار أَو عَزِيز قهار قد قاد الأجناد وَأكْثر الأمداد ودوخ الْبِلَاد وأذل الْعباد فَهُوَ فِي ذَلِك الْيَوْم كالذرة فِي الرغام تطؤه الْأَقْدَام ويمحقه ذَلِك الزحام كَمَا قَالَ الْقَائِل ألم تسمع عَن النبأ الْعَظِيم ... وَعَن خطب خلقت لَهُ جسيم وزلزال يهد الأَرْض هدا ... وَيَرْمِي فِي الحضيضة بالنجوم وأهوال كأطواد رواس ... تلاطم فِي ضلوع كالهشيم فَمن رَأس يشيب وَمن فؤاد ... يذوب وَمن هموم فِي هموم وسكران وَلم يشرب حميا ... وهيمان وَلم يعلق بريم ومرضعة قد أذهلها أساها ... فَمَا تَدْرِي الرَّضِيع من الفطيم ومؤتمة تولت عَن بنيها ... وَأَلْقَتْ باليتيمة واليتيم وحبلى اسقطت ذعرا وخوفا ... فيا لله لليوم الْعَقِيم وَهَذَا مشْهد لَا بُد مِنْهُ ... وَجمع للْحَدِيث وللقديم وَمَا كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي ... وَتبع والقروم بَنو القروم بِذَاكَ الْيَوْم إِلَّا فِي مقَام ... أذلّ من التُّرَاب لذِي السَّلِيم وَمَا للمرء إِلَّا مَا سعاه ... لدار الْبُؤْس أَو دَار النَّعيم وَأَنت كَمَا علمت وَرب أَمر ... يكون أَذَاهُ أوقع بالعليم فدع عَيْنَيْك تسبح فِي معِين ... وقلبك ذره يقلب فِي جحيم

стр. 248

وشق جُيُوب صبرك شقّ ثكلي ... تعلّقت ابْنهَا رجلا سهوم وماذا الْأَمر ذَلِكُم وَلَكِن ... تشبه بالبحار يَد الْكَرِيم وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ بموعظة فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفَاة عُرَاة غرلًا كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين أَلا وَإِن أول الْخَلَائق يكسى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم ﵇ أَلا وَإنَّهُ سيجاء بِرِجَال من أمتِي فَيُؤْخَذ بهم ذَات الشمَال فَأَقُول يَا رب أَصْحَابِي فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك فَأَقُول كَمَا قَالَ العَبْد الصَّالح ﴿وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فَيُقَال لي انهم لم يزَالُوا مُدبرين على أَعْقَابهم مُنْذُ فَارَقْتهمْ وروى شهر بن حَوْشَب عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة مدت الأَرْض مد الْأَدِيم ثمَّ ينقاض أهل السَّمَاء الدُّنْيَا على الأَرْض فَأهل السَّمَاء الدُّنْيَا وحدهم اكثر من جَمِيع أهل الأَرْض جنهم وإنسهم بالضعف فيفزعون إِلَيْهِم وَيَقُولُونَ أفيكم رَبنَا فَيَقُولُونَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِينَا وَهُوَ آتٍ ثمَّ اهل السَّمَاء الثَّانِيَة فينتشرون على وَجه الارض فَأهل السَّمَاء وحدهم أَكثر من أهل السَّمَاء الدُّنْيَا وَأهل الأَرْض من جنهم وإنسهم بالضعف فيفزعون أليهم فَيَقُولُونَ أفيكم رَبنَا فَيَقُولُونَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِينَا وَهُوَ آتٍ ثمَّ ينقاض أهل السَّمَوَات سَمَاء سَمَاء كلما انقاضت سَمَاء انْتَشَر أَهلهَا على وَجه الأَرْض فيكونون أَكثر من أهل السَّمَوَات الَّتِي تَحْتهم وَأهل الأَرْض جنهم وإنسهم بالضعف ويفزع إِلَيْهِم أهل الأَرْض فَيَقُولُونَ أفيكم رَبنَا فَيَقُولُونَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِينَا وَهُوَ آتٍ ثمَّ ينقاض أهل السَّمَاء السَّابِعَة فينتشر

стр. 249

أَهلهَا على وَجه الأَرْض فَلهم وحدهم أَكثر من أهل السَّمَوَات وَمن جَمِيع أهل الأَرْض جنهم وإنسهم بالضعف وَينزل الله ﵎ فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة فتفكر فِي هَذَا المشهد الْعَظِيم وَالْيَوْم الْعَقِيم يَوْم يجمع فِيهِ هَذَا الْخلق كلهم من الْمَلَائِكَة وَمن بني آدم من لدن آدم ﵇ إِلَى آخر الدُّنْيَا فتفكر فِي أَي أَرض تسعهم وَأي مَكَان يحملهم فَكيف وينضاف إِلَيْهِم جَمِيع الوحوش النافرة والهوام الشاردة إِلَى غير ذَلِك من الْمَخْلُوقَات الَّتِي ضمهَا ذَلِك الْموعد وحشرها ذَلِك المشهد فتفكر الْآن فيهم كَيفَ يساقون وَكَيف يجمعُونَ وَكَيف يحشرون من بَين مَحْمُول قد مدت ظلال الرَّحْمَة عَلَيْهِ وجمعت الْأَمَانِي فِي يَدَيْهِ وَبَين ساع على قَدَمَيْهِ وَآخر مجرور على خديه ومصروع لهول مَا بَين يَدَيْهِ كَمَا ورد فِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّكُم تحشرون إِلَى الله رجَالًا وركبانا وَتجرونَ على وُجُوهكُم ويروى ويجرون على وُجُوههم على أَرض بَيْضَاء قاع صفصف مستوية لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا لَا ربوة يسْتَتر بهَا وَلَا وهدة يختفى فِيهَا بل هُوَ صَعِيد وَاحِد لَيْسَ فِيهِ شَيْء قَائِم وَلَا علم مُرْتَفع قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الْجبَال فَقل ينسفها رَبِّي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة على أَرض بَيْضَاء عفراء كقرصة النقي لَيْسَ فِيهَا علم لأحد وَقَالَ ﷺ يجمع الله الْأَوَّلين والآخرين فِي صَعِيد وَاحِد فَيسْمعهُمْ الدَّاعِي وَينْفذهُمْ الْبَصَر ذكر الْحَدِيثين مُسلم من حَدِيث سهل وَأبي هُرَيْرَة يُرِيد ﷺ ارضا مستوية لَا جبل فِيهَا وَلَا أكمة وَلَا ربوة وَلَا وهدة

стр. 250

أَرض بَيْضَاء نقية لم يسفك عَلَيْهَا دم وَلَا عمل عَلَيْهَا خَطِيئَة وَلَا ارْتكب فِيهَا محرم قَالَ الله تَعَالَى يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات وبرزوا لله الْوَاحِد القهار وَفِي حَدِيث ثَوْبَان ان النَّبِي ﷺ سُئِلَ أَيْن يكون النَّاس يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات قَالَ هم فِي الظلمَة دون الجسر والجسر هُوَ الصِّرَاط وَفِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ أَنهم على الصِّرَاط ذكر هذَيْن الْحَدِيثين مُسلم بن الْحجَّاج فتفكر فِي هَذَا الْمُجْتَمع وَهَذَا الهول الأشنع والخطب الأقطع الأبشع وفيمن يضرّهُ ويشهده ويعانيه ويبصره وَكَيف يقومُونَ على أَقْدَامهم ويشخصون بِأَبْصَارِهِمْ وَأَنت مَعَهم فِي ضيق مقَام وَطول قيام قد جمعُوا جمع الدَّرَاهِم فِي الصرة المشدودة والنبل فِي الكنانة المشحونة وَقد انشقت السَّمَاء فَوْقهم وذابت عَلَيْهِم وسالت على رؤوسهم وطاشت الْأَلْبَاب وذهلت الأوهام وتحيرت الْعُقُول وتلجلجت الألسن فَلم يدر قَائِل مَا يَقُول وخشعت الْأَصْوَات للرحمن فَلَا تسمع إِلَّا همسا وضعفت الحركات فَلَا تسمع للأقدام حسا فيالك من هول تنهد مِنْهُ الْجبَال فَكيف الرِّجَال ويالك من خطب تَنْشَق مِنْهُ السَّمَاء فَكيف الأحشاء فتفكر فِيمَا يشق سَمعك من ذَلِك وَمَا يخلع قَلْبك من الروع الَّذِي هُنَالك وَكَيف بك إِذا رَأَيْت الشَّمْس قد كورت فَذهب ضوؤها والنجوم قد طمست فمحي نورها وزالت عَن موَاضعهَا وفقدت فِي مطالعها وانتثرت على من تحتهَا وعَلى من كَانَ من سمتها واشتبك النَّاس بَعضهم فِي بعض وتداخل الْخلق بَعضهم فِي بعض فصاروا كالفراش المبثوث وَقَامَت الْمَلَائِكَة على أرجاء السَّمَاء وأحاطت بالخلائق من كل الأرجاء وَالنَّاس حُفَاة عُرَاة

стр. 251

غرل كَمَا خلقُوا فيالك من يَوْم يخْتَلط فِيهِ الرِّجَال مَعَ النِّسَاء وَقد أمنُوا أَن ينظر بَعضهم إِلَى بعض أَو يحس بَعضهم بِبَعْض وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غرلًا قلت يَا رَسُول الله النِّسَاء وَالرِّجَال جَمِيعًا ينظر بَعضهم إِلَى بعض قَالَ يَا عَائِشَة الْأَمر أَشد من أَن ينظر بَعضهم إِلَى بعض وَذكر النَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تحشرون حُفَاة عُرَاة غرلًا فَقَالَت لَهُ زَوجته أَو يرى بَعْضنَا عَورَة بعض قَالَ يَا فُلَانَة لكل امرىء مِنْهُم يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه فيا لَك من هول مَا أعظمه وَمن كرب مَا أشده وَمن خطب مَا أبشعه وَإِيَّاك أَن تستبطىء هَذَا الْيَوْم وَأَن تستبعده فَمَا سيرك إِلَيْهِ ببطيء وَمَا هُوَ مِنْك بِبَعِيد وَإِن طَال المدى وامتدت الْغَايَة فَكل آتٍ قريب وكل مَا يكون سَيكون قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَوْم يحشرهم كَأَن لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من النَّهَار يَتَعَارَفُونَ بَينهم﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿كم لبثتم فِي الأَرْض عدد سِنِين قَالُوا لبثنا يَوْمًا أَو بعض يَوْم فاسأل العادين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونحشر الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ زرقا يتخافتون بَينهم إِن لبثتم إِلَّا عشرا نَحن أعلم بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُول أمثلهم طَريقَة إِن لبثتم إِلَّا يَوْمًا﴾ أَي يَقُول ذَلِك بَعضهم إِلَى بعض سرا فَيَقُول أعدلهم قولا وأرجحهم عقلا ان لبثتم إِلَّا يَوْمًا أَي مَا لبثتم فِي الْقُبُور إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا

стр. 252

ويروى عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ للْكفَّار هجعة قبل يَوْم الْقِيَامَة يَجدونَ فِيهَا طعم النّوم فَإِذا بعثوا قَالُوا يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا فَيَقُول لَهُم الْمُؤْمِنُونَ هَذَا مَا وعد الرَّحْمَن وَصدق المُرْسَلُونَ فَيخرج الْخَلَائق مذعورين خَائِفين وجلين وَإِذا الْمُنَادِي يُنَادي يَا عبَادي لَا خوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ فيطمع فِي هَذَا الْمُؤْمِنُونَ والكافرون فينادي الْمُنَادِي الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين فينكس الْكفَّار رؤوسهم وَيبقى الْمُسلمُونَ فينادي الْمُنَادِي الثَّالِثَة الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ فينكس أهل الْكَبَائِر رؤوسهم وَيبقى أهل التَّقْوَى رافعي رؤوسهم قد زَالَ عَنْهُم الْخَوْف وَذهب عَنْهُم الْحزن وغشيهم الْفَوْز والأمن ذَلِك يَوْمًا يَجْعَل الْولدَان شيبا وَلَا ترى فِيهِ إِلَّا حَزينًا كئيبا يَوْم تشقق السَّمَاء كَأَنَّهَا السَّحَاب وتسير الْجبَال كَأَنَّهَا السراب وَاعْلَم ان النَّاس يحشرون يَوْمئِذٍ على ثَلَاثَة أَصْنَاف ركبانا وَمُشَاة وعَلى وُجُوههم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا﴾ والوفد فِي اللُّغَة الْقَوْم المكرمون يفدون من بِلَادهمْ فِي جَمَاعَتهمْ وَإِلَى ملكهم فينزلهم ويكرمهم والورد العطاش يساقون كَمَا تساق الْإِبِل وَغَيرهَا من الْأَنْعَام تسوقهم الْمَلَائِكَة بسياط من النَّار إِلَى النَّار وَقوم يَمْشُونَ على وُجُوههم ذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة على ثَلَاثَة أَصْنَاف صنفا مشَاة وَصِنْفًا ركبانا وَصِنْفًا على وُجُوههم قيل يَا رَسُول الله وَكَيف يَمْشُونَ على وُجُوههم قَالَ إِن الَّذِي أَمْشَاهُم على أَقْدَامهم قَادر على أَن يُمشيهمْ على وُجُوههم أما إِنَّهُم يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كل حدب وَشَوْك وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث قَتَادَة عَن أنس بن مَالك أَن رجلا

стр. 253

قَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ يحْشر الْكَافِر على وَجهه يَوْم الْقِيَامَة قَالَ أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ على رجلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا على أَن يمْشِيه على وَجهه يَوْم الْقِيَامَة قَالَ قَتَادَة حِين بلغه بلَى وَعزة رَبنَا قَالَ أَبُو حَامِد وَذكر هَذَا الْفَصْل فِي طبع الْآدَمِيّ إِنْكَار كل مَا لم يأنس بِهِ وَلم يُشَاهِدهُ وَلَو لم يُشَاهد الْإِنْسَان الْحَيَّة وَهِي تمشي على بَطنهَا لأنكر الْمَشْي من غير رجل وَالْمَشْي بِالرجلِ أَيْضا مستبعد عِنْد من لم يُشَاهد ذَلِك فإياك أَن تنكر شَيْئا من عجائب يَوْم الْقِيَامَة لمخالفتها قِيَاس الدُّنْيَا فَإنَّك لَو لم تكن شاهدت عجائب الدُّنْيَا ثمَّ عرضت عَلَيْك قبل الْمُشَاهدَة لَكُنْت أَشد إنكارا لَهَا فأحضر رَحِمك الله فِي قَلْبك صُورَتك وَأَنت قد وقفت عَارِيا مكشوفا ذليلا مَدْحُورًا متحيرا مبهوتا منتظر لما يجْرِي عَلَيْك من الْقَضَاء بالسعادة أَو بالشقاء ذكر أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة بِإِسْنَادِهِ إِلَى لَقِيط بن عَامر الْعقيلِيّ قَالَ خرجت أَنا وَصَاحب لي حَتَّى قدمنَا على رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة لانسلاخ رَجَب فأتينا رَسُول الله ﷺ حِين انْصَرف من صَلَاة الْغَدَاة فَقَامَ فِي النَّاس خَطِيبًا فَقَالَ أَيهَا النَّاس أَلا إِنِّي قد خبأت لكم صوتي مُنْذُ أَرْبَعَة أَيَّام أَلا لأسمعكم الْيَوْم أَلا فَهَل من امرىء بَعثه قومه فَقَالُوا لَهُ اعْلَم مَا يَقُول لنا رَسُول الله ﷺ أَلا ثمَّ لَعَلَّه أَن يلهيه حَدِيث نَفسه أَو حَدِيث صَاحبه أَو يلهيه الضلال أَلا إِنِّي مسئول هَل بلغت أَلا اسمعوا تعوا أَلا اجلسوا أَلا اجلسوا فَجَلَسَ النَّاس وَقمت أَنا وصاحبي حَتَّى إِذا فرغ لنا فُؤَاده وبصره قلت يَا رَسُول الله مَا عنْدك من علم الْغَيْب قَالَ فَضَحِك لعَمْرو الله وهز رَأسه وَزعم أَنِّي ابْتغِي تسخطه فَقَالَ ضن رَبك بِخمْس من الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا الله وَأَشَارَ بِيَدِهِ قلت وَمَا هن يَا رَسُول الله قَالَ علم الْمنية قد علم مَتى منية

стр. 254

أحدكُم وَلَا تعلمونه وَعلم الْمَنِيّ مَتى يكون فِي الرَّحِم قد علمه وَلَا تعلمونه وَعلم مَا فِي غَد قد علم مَا أَنْت طاعم غَدا وَلَا تعلمونه وَعلم يَوْم الْغَيْث يشرف عَلَيْكُم أزلين مشفقين فيظل يضْحك قد علم أَن غوثكم قريب قَالَ لَقِيط لم نعدم من رب يضْحك خيرا قَالَ وَعلم يَوْم السعَة قلت يَا رَسُول الله إِنِّي سَائِلك عَن حَاجَتي فَلَا تعجلني قَالَ سل عَمَّا شِئْت قلت يَا رَسُول الله علمنَا مِمَّا لم يعلم النَّاس وَمَا تعلم قَالَ تلبثون مَا لبثتم ثمَّ يتوفى نَبِيكُم ثمَّ تلبثون مَا لبثتم ثمَّ تبْعَث الصَّيْحَة فلعمرو إلهك مَا تدع على ظهرهَا من شَيْء إِلَّا مَاتَ وَالْمَلَائِكَة الَّذين مَعَ رَبك فَأصْبح رَبك يطوف فِي الأَرْض قد خلت عَلَيْهِ الْبِلَاد فَأرْسل رَبك السَّمَاء بهضب من عِنْد الْعَرْش فلعمرو إلهك مَا تدع على ظهرهَا من مصرع قَتِيل وَلَا مدفن ميت إِلَّا شقَّتْ الْقَبْر عَنهُ حَتَّى تخلقه من قبل رَأسه حَتَّى يَسْتَوِي جَالِسا يَقُول رَبك مَهيم لما كَانَ فِيهِ فَيَقُول يَا رب أمتني أمس وأحييتني الْيَوْم لعهده بِالْحَيَاةِ يحسبه حَدِيثا بأَهْله فَقلت يَا رَسُول الله فَكيف يجمعنا بعد مَا تمزقنا الرِّيَاح والبلى وَالسِّبَاع قَالَ أنبئك بِمثل ذَلِك فِي إل الله الأَرْض أشرفت عَلَيْهَا وَهِي مَدَرَة بالية فَقلت لَا تحيا أبدا ثمَّ أرسل رَبك عَلَيْهَا السَّمَاء فَلم تلبث عَنْهَا إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى أشرفت عَلَيْهَا فَإِذا هِيَ شربة وَاحِدَة فلعمرو إلهك لَهو أقدر على أَن يجمعكم من المَاء على أَن يجمع نَبَات الأَرْض فتخرجون من الأضواء وَمن مصارعكم فتنظرون إِلَيْهِ سَاعَة وَينظر إِلَيْكُم قَالَ قلت يَا رَسُول الله وَنحن ملْء الأَرْض وَهُوَ شخص وَاحِد ينظر إِلَيْنَا وَنَنْظُر إِلَيْهِ قَالَ أنبئكم بِمثل ذَلِك فِي إل الله الشَّمْس وَالْقَمَر آيَة صَغِيرَة ترونهما سَاعَة وَاحِدَة ويريانكم لَا تضَامون فِي رُؤْيَتهمَا ولعمرو ألهك لَهو أقدر على أَن يراكم وترونه مِنْهُمَا أَو ترونهما ويريانكم وَلَا تضَامون فِي رُؤْيَتهمَا قلت يَا رَسُول الله فَمَا يفعل رَبنَا بِنَا إِذا لقيناه قَالَ

стр. 255

تعرضون عَلَيْهِ بادية صفحاتكم لَا تخفى عَلَيْهِ مِنْكُم خافية فَيَأْخُذ رَبك بِيَدِهِ غرفَة من المَاء فينضح بهَا قبلكُمْ فلعمرو إلهك مَا يخطيء وَجه وَاحِد مِنْكُم مِنْهَا قَطْرَة فَأَما الْمُسلم فتدع وَجهه مثل الريطة الْبَيْضَاء وَأما الْكَافِر فتحطمه مثل الْحَمِيم الْأسود أَلا ثمَّ ينْصَرف نَبِيكُم وَيفرق على أَثَره الصالحون فيسلكون جِسْرًا من النَّار يطَأ أحدكُم الْجَمْرَة فَتَقول حس يَقُول ربكُم أَوَانه أَلا فتطلعون على حَوْض الرَّسُول لَا يظمأ وَالله ناهله فلعمرو إلهك مَا يبسط وَاحِد مِنْكُم يَده إِلَّا وَقع عَلَيْهَا قدح يطهره من الطوف وَالْبَوْل والأذى وتحبس الشَّمْس وَالْقَمَر فَلَا ترَوْنَ مِنْهُمَا وَاحِدًا قَالَ قلت يَا رَسُول الله فَبِمَ نبصر الأَرْض قَالَ بِمثل سَاعَتكُمْ هَذِه وَذَلِكَ مَعَ طُلُوع الشَّمْس فِي يَوْم أسفرته الأَرْض وواجهته الْجبَال قَالَ قلت يَا رَسُول الله فَبِمَ نجزي من حَسَنَاتنَا أَو سيئاتنا قَالَ الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا والسيئة بِمِثْلِهَا إِلَّا أَن تغْفر قلت يَا رَسُول الله مَا الْجنَّة وَالنَّار قَالَ لعَمْرو ألهك إِن النَّار لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب مَا مِنْهَا بَابَانِ إِلَّا يسير الرَّاكِب بَينهمَا سبعين عَاما وَإِن للجنة ثَمَانِيَة أَبْوَاب مَا مِنْهَا بَابَانِ إِلَّا يسير الرَّاكِب بَينهمَا سبعين عَاما قَالَ قلت يَا رَسُول الله فعلى مَا نطلع من الْجنَّة قَالَ على أَنهَار من عسل مصفى وأنهار من كأس مَا بهَا صداع وَلَا ندامة وأنهار من لبن لم يتَغَيَّر طعمه وَمَاء غير آسن وَفَاكِهَة فلعمرو إلهك مَا تعلمُونَ وَخير من مثله مَعَه وَأَزْوَاج مطهرة قلت يَا رَسُول الله وَإِن لنا فِيهَا أَزْوَاجًا وَهن مصلحات قَالَ الصَّالِحَات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم فِي الدُّنْيَا ويلذذنكم غير إِن لَا تَوَالَدُوا وَذكر بَاقِي الحَدِيث

стр. 256

فصل دنو الشَّمْس من النَّاس يَوْم الْقِيَامَة ذكر مُسلم من حَدِيث الْمِقْدَاد بن الْأسود قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول تدنى الشَّمْس يَوْم الْقِيَامَة من الْخلق حَتَّى تكون مِنْهُم كمقدار ميل قَالَ سليم بن عَامر فوَاللَّه مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بالميل أمسافة الأَرْض أَو الْميل الَّذِي تكحل بِهِ الْعين قَالَ فَيكون النَّاس على قدر أَعْمَالهم فِي الْعرق فَمنهمْ من يكون إِلَى كعبيه وَمِنْهُم من يكون إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُم من يكون إِلَى حقْوَيْهِ وَمِنْهُم من يلجمه الْعرق الجاما وَأَشَارَ رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ تَدْنُو الشَّمْس يَوْم الْقِيَامَة على مِقْدَار ميل وَيُزَاد فِيهَا كَذَا وَكَذَا تغلى مِنْهَا الْهَوَام كَمَا تغلي الْقُدُور على الأثافي ذكره قَاسم بن أصيغ وَذكر مُسلم من حَدِيث ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين قَالَ يقوم أحدهم فِي رشحه إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ وَذكر مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الْعرق يَوْم الْقِيَامَة ليذْهب فِي الأَرْض سبعين باعا وَإنَّهُ ليبلغ إِلَى أَفْوَاه النَّاس أَو إِلَى آذانهم الشَّك من الرَّاوِي وروى عَن أنس أَنه قَالَ لم يلق ابْن آدم قطّ شَيْئا مُنْذُ خلقه الله أَشد عَلَيْهِ من الْمَوْت ثمَّ إِن الْمَوْت لأهون عَلَيْهِ مِمَّا بعده إِنَّهُم ليلقون من هول ذَلِك الْيَوْم وشدته حَتَّى يلجمهم الْعرق حَتَّى لَو أرْسلت فِيهِ السفن لجرت

стр. 257

وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن جَابر بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْعرق ليلزم الْمَرْء فِي الْموقف حَتَّى يَقُول يَا رب إرسالك بِي إِلَى النَّار أَهْون عَليّ مِمَّا أجد وَهُوَ يعلم مَا فِيهَا من شدَّة الْعَذَاب ثمَّ تفكر فِي ذَلِك الازدحام والانضمام والاتساق والالتصاق واجتماع الْإِنْس وَالْجِنّ وَمن يجمع من سَائِر أَصْنَاف الْحَيَوَان وانضغاطهم وتدافعهم واختلاطهم وَلَا فرار وَلَا انتصار وَلَا ملاذ وَلَا انتقاذ وَقربت الشَّمْس مِنْهُم قبل تكويرها وَكَانَت كمقدار ميل وَزيد فِي حرهَا وضوعف فِي وهجها وَلَا ظلّ إِلَّا ظلّ عرش رَبك بِمَا قَدمته من كسبك وَقد انضاف إِلَى حر الشَّمْس حر الأنفاس لتزاحم النَّاس واحتراق الْقُلُوب بِمَا غشيها من الكروب وَاشْتَدَّ الْفرق وَعظم القلق وسال من الْأَجْسَام الْعرق وانبعث من كل مَوضِع من الْجَسَد وانبثق وَكَانَ النَّاس فِيهِ على قدر أَعْمَالهم كَمَا تقدم فتفكر فِي نَفسك أَيهَا الْمِسْكِين وَقد ضَاقَ نَفسك وَزَاد قلقك وسال عرقك وَجرى من جَمِيع بدنك من قرنك إِلَى قدمك وَوصل مِنْك إِلَى حَيْثُ أوصلته بعملك إِمَّا إِلَى كعبك أَو صاعدا حَتَّى إِلَى أُذُنك فَانْظُر إِلَى هَذَا الْحَال وتفكر فِي هَذَا الوبال وَسُوء هَذَا الْمَآل وَاعْلَم رَحِمك الله أَنه لَو سَالَ عرقك فِي الدُّنْيَا طول عمرك وأضعافه فِي طَاعَة رَبك وَفِي رضَا سيدك على أَن لَا تعرق فِي ذَلِك الْيَوْم لَكَانَ ذَلِك يَسِيرا ولكنت بِهِ جَدِيرًا ولكانت سلامتك مِنْهُ غنما كثيرا وفوزا كَبِيرا وأنشدوا قدم لنَفسك نزلا ... وارفع لرأسك ظلا فِي يَوْم تضحى البرايا ... فِي شمسه تتقلى فَمن جسوم تصلى ... وَمن رُؤُوس تقلى وَلَا ملاذ هُنَاكُم ... إِلَّا سرائر تبلى

стр. 258

وكل مَا كَانَ مخفى ... هُنَاكَ لِلْخلقِ يجلى فَمن دم فِي دموع ... تهل فِي الخد هلا وَمن جوى فِي ضلوع ... قد حل فِيهَا المحلا فيا أخي والمنايا ... تثل عرشك ثلا وَهَذِه مفزعات ... تكفيك قولا وفعلا وَإنَّهُ الْأَمر جد ... وَلَيْسَ يَا صَاح هزلا فاعمل لَهُ فِي تراخ ... للعمر من قبل أَلا وَقد نَصَحْتُك فاقبل ... واسمع لنصحي وَإِلَّا

стр. 259

فصل طول يَوْم الْقِيَامَة أعلم رَحِمك الله أَن يَوْم يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ طوله كَمَا عهِدت من طول الْأَيَّام بل هُوَ آلَاف من الأعوام ينْصَرف فِيهِ هَذَا الْأَنَام على الْوُجُوه والأقدام حَتَّى ينفذ فيهم مَا كتب لَهُم وَعَلَيْهِم من الْأَحْكَام وَلَيْسَ يكون خلاصهم دفْعَة وَاحِدَة وَلَا فراغهم فِي مرّة وَاحِدَة بل يتخلصون ويفرغون بفراغ الْيَوْم لَكِن طول ذَلِك الْيَوْم خمسين ألف سنة فيفرغون بفراغ الْيَوْم ويفرغ الْيَوْم بفراغهم وَلَيْسَ أَيْضا هَذَا الْيَوْم مثل أَيَّام الدُّنْيَا الَّتِي تكون على حكم دوران الْفلك إِذا ذهب اللَّيْل جَاءَ النَّهَار وَإِذا ذهب النَّهَار جَاءَ اللَّيْل حِكْمَة الله الَّتِي حيرت الْعُقُول وأكلت الْأَبْصَار وأخرست الألسن لَيْسَ هُنَاكَ ليل إِنَّمَا هُوَ وَقت وَاحِد على صفة وَاحِدَة وَهَذَا الَّذِي يُسمى يَوْمًا انما هُوَ مِقْدَار من ذَلِك الْوَقْت يطوله الله مَا شَاءَ ويقصره مَا شَاءَ ويسمي مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من صَاحب ذهب وَلَا فضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صفحت لَهُ صَفَائِح من نَار فأحمي عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فيكوى بهَا جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أُعِيدَت لَهُم فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي بَين الْعباد فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار قيل يَا رَسُول الله فالإبل قَالَ وَلَا صَاحب إبل لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا وَمن حَقّهَا حلبها يَوْم وردهَا إِلَّا إِذا

стр. 260

كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بطح لَهَا بقاع قرقر أوفر مَا كَانَت لَا يفقد مِنْهَا فصيلا وَاحِدًا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عَلَيْهِ أولاها رد عَلَيْهِ أخراها فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي بَين الْعباد فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار قيل يَا رَسُول الله فالبقر وَالْغنم قَالَ وَلَا صَاحب بقر وَلَا غنم لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بطح لَهَا بقاع قرقر لَا يفقد مِنْهَا شَيْئا لَيْسَ فِيهَا عقصاء وَلَا جلحاء وَلَا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عَلَيْهِ أولاها رد عَلَيْهِ أخراها فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي بَين الْعباد فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار كَذَا روى وَإِنَّمَا هُوَ كلما مر عَلَيْهِ اخراها رد عَلَيْهِ أولاها قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فَمَا ظَنك بِقوم قَامُوا على أَقْدَامهم مِقْدَار خمسين ألف سنة لم يَأْكُلُوا فِيهَا أَكلَة وَلم يشْربُوا فِيهَا شربة حَتَّى إِذا انْقَطَعت أَعْنَاقهم عطشا واحترقت أَجْوَافهم جوعا انْصَرف بهم إِلَى النَّار فسقوا من عين آنِية قد أَنى حرهَا وَاشْتَدَّ نضجها وَاعْلَم أَن هَذَا الْيَوْم يَتلون ألوانا ويستحيل حَال النَّاس فِيهِ أحوالا فينبعثون فِيهِ من قُبُورهم ويساقون فِيهِ إِلَى مَحْشَرهمْ وَمَكَان الْقَضَاء فيهم ويقفون فِيهِ مَا شَاءَ الله أَن يقفوا شاخصة أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء مبهوتين سكارى حيارى من عَظِيم مَا أَصَابَهُم وهول مَا نزل بهم ثمَّ يموج بَعضهم فِي بعض وَيدخل بَعضهم فِي بعض ويمشون من نَبِي إِلَى نَبِي يطْلبُونَ الشَّفَاعَة فِي الاستعجال والانفصال والتخلص من تِلْكَ الْأَهْوَال والأنكال وَلَيْسَ كل النَّاس يكلم الْأَنْبِيَاء وَلَيْسَ كل النَّاس يمشي إِلَيْهِم وَمن النَّاس من يكون بِمَنْزِلَة الرغام تطؤه الْأَقْدَام فِي ذَلِك الزحام وضيق ذَلِك الْمقَام وَيَأْتِي فِي هَذَا الْيَوْم وَقت مِنْهُ يتَكَلَّم فِيهِ الْمُشْركُونَ فَيَقُولُونَ وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين

стр. 261

وَيَأْتِي عَلَيْهِم مِنْهُ وَقت آخر لَا يَتَكَلَّمُونَ وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون وَفِيه تكون المحاسبة والمناقشة وَفِيه يتَعَلَّق النَّاس بَعضهم بِبَعْض وَيطْلب بَعضهم بَعْضًا ويخاصم بَعضهم بَعْضًا فَمن النَّاس من يُخَفف عَلَيْهِ الْيَوْم حَتَّى لَا يجد فِيهِ مشقة طول وَلَا يرد لَهُ فِيهِ رَغْبَة وَلَا سؤل وَذكر ابْن وهب من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَنه قَالَ للنَّبِي ﷺ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة مَا أطول هَذَا الْيَوْم فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّه ليخفف على الْمُؤمن حَتَّى يكون أخف عَلَيْهِ من صَلَاة مَكْتُوبَة كَانَ يُصليهَا فِي الدُّنْيَا فَمن النَّاس من يطول مقَامه وحبسه إِلَى آخر الْيَوْم وَمِنْهُم من يكون انْفِصَاله فِي ذَلِك الْيَوْم فِي مِقْدَار يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا وَفِي سَاعَة من ساعاته أَو فِيمَا شَاءَ الله من ذَلِك أَو يكون رائحا فِي ظلّ كَسبه وعرش ربه وَمِنْهُم من يُؤمر بِهِ إِلَى الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَلَا عَذَاب كَمَا أَن مِنْهُم من يُؤمر بِهِ إِلَى النَّار فِي أول الْأَمر من غير وقُوف وَلَا انْتِظَار أَو بعد يسير من ذَلِك النَّهَار وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ يتم ذَلِك الْيَوْم إِلَّا وَقد نزل كل إِنْسَان بداره وَاسْتقر فِي قراره من جنته أَو ناره فتفكر أَيهَا الْإِنْسَان فِي طول ذَلِك الْيَوْم وَفِي طول ذَلِك الْقيام فِيهِ مَعَ ذَلِك الْحَال الأخطر والفزع الْأَكْبَر والهول الَّذِي لَا يكيف وَلَا يقدر فاختر لنَفسك كم تُرِيدُ أَن تقف فِيهِ وَكَيف تُرِيدُ أَن تكون فِيهِ مَا دَامَ النّظر إِلَيْك وَالِاخْتِيَار بيديك مَعَ توفيق رَبك لَك ومعونته إياك وَأنْشد بَعضهم يَا آمن الساحة لَا يذعر ... بَين يَديك الْفَزع الْأَكْبَر وَإِنَّمَا أَنْت كمصبورة ... حم رداها وَهِي لَا تشعر والمرء مَنْصُوب لَهُ حتفه ... لَو أَنه من عَمه يبصر وَهَذِه النَّفس لَهَا حَاجَة ... والعمر عَن تَحْصِيلهَا يقصر

стр. 262

وَكلما تزجر عَن مطلب ... كَانَت بِهِ أهيم إِذْ تزجر وَإِنَّمَا تقصر مغلوبة ... كَالْمَاءِ عَن عنصره يقصر وَرُبمَا أَلْقَت معاذيرها ... لَو أَنَّهَا يَا ويحها تعذر وناظر الْمَوْت لَهَا نَاظر ... لَو أَنَّهَا تنظر إِذْ ينظر وزائر الْمَوْت لَهُ طلعة ... يبصرها الأكمه والمبصر وروعة الْمَوْت لَهَا سكرة ... مَا مثلهَا من روعة تسكر وَبَين أطباق الثرى منزل ... ينزله الْأَعْظَم والأحقر يتْرك ذُو الْفَخر بِهِ فخره ... وَصَاحب الْكبر بِهِ يصغر قد مَلَأت ارجاءه روعة ... نكيرها الْمَعْرُوف وَالْمُنكر وَبعد مَا بعد وَأعظم بِهِ ... من مشْهد مَا قدره يقدر يرجف مِنْهُ ذَا الورى رَجْفَة ... ينهد مِنْهَا الْمَلأ الْأَكْبَر وَلَيْسَ هَذَا الْوَصْف مُسْتَوْفيا ... كل الَّذِي من وَصفه يذكر وَإِنَّمَا ذَا قَطْرَة أرْسلت ... من أبحر تتبعها أبحر وَقد أَتَاك الثبت عَنهُ بِمَا ... أخْبرك الصَّادِق إِذْ يخبر فاعمل لَهُ ويك وَإِلَّا فَلَا ... عذر وَمَا مثلك من يعْذر وَاعْلَم أَنه كلما طَال قيامك فِي طَاعَة الله وانتصابك لَهُ قصر قيامك فِي ذَلِك الْيَوْم وَقل تعبك فِيهِ وَكلما كثر تصرفك فِي طَاعَة الله سُبْحَانَهُ وإقبالك وإدبارك فِي قَضَاء حَاجَة مُسلم ومشيك فِيهِ ومشاركتك لَهُ يقل مشيك فِي ذَلِك الْيَوْم ويقل تعبك فِيهِ وبقدر مَا تبذل تُعْطى وكما تدين تدان ولعلك يَا هَذَا تستطيل رَكْعَتَيْنِ تقْرَأ فيهمَا حزبا أَو حزبين تقوم بهما لِرَبِّك ﷻ ولعلك تعجز عَن مشي ميل فِي قَضَاء حَاجَة مُسلم أَو ميلين

стр. 263

وَبَين يَديك هَذَا الْيَوْم الطَّوِيل المديد وَالْكرب الْعَظِيم الشَّديد الَّذِي لَا يقصر إِلَّا على من أَطَالَ التَّعَب لله وَلَا يسهل إِلَّا على من تحمل الشدائد فِي ذَات الله ولعلك ان صليتهما لَيْلَة عجزت عَنْهُمَا لَيْلَة أُخْرَى ولعلك ان مشيت يَوْمًا فِي حَاجَة مُسلم برمت من ذَلِك يَوْمًا آخر وضجرت مِنْهُ وكسلت عَنهُ وَرُبمَا وقفت لسَمَاع حَدِيث فارغ يكون تَقْدِيره أَكثر من حزب أَو حزبين وَرُبمَا مشيت فِي فضول الْميل والميلين وَأكْثر من ذَلِك وَلَو تدبرت فِي أَمرك وَنظرت فِيمَا يُرَاد بك لسهل عَلَيْك من أَمرك العسير وَقرب عَلَيْك فِيهِ الْبعيد فاعمل رَحِمك الله فِي أَيَّام قصار وَعمر قصير لأيام طوال وَعمر طَوِيل

стр. 264

الْبَاب السَّادِس عشر ذكر الْحَوْض قد سَمِعت رَحِمك الله بعطش هَذَا الْيَوْم والتهابه وَمَا يصل إِلَى الْقُلُوب من أواره واحتراقه وَأَن المَاء فِي ذَلِك الْيَوْم أعز مَوْجُود وَأعظم مَفْقُود وَأَن لَا منهل مورود إِلَّا حَوْض صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود ﷺ وَلَا مشرب لأمته سواهُ وَلَا تبرد أكبادهم إِلَّا بِهِ وَأَن الشربة مِنْهُ تروي من الظمأ وتشفي من الصدى وَتذهب كل دَاء فَلَا يظمأ شاربها وَلَا يسقم بعْدهَا أبدا وَأَنَّهَا ترد الْعقل العازب والشباب الذَّاهِب ويؤوب مَعهَا من الزَّمن الصَّالح مَا لم يكن قبل بآيب وانه لَا يرد ذَلِك الْحَوْض إِلَّا من ورد فِي الدُّنْيَا حَوْض شرعته وَتمسك بسنته وَتُوفِّي على مِلَّته وَإِلَّا فيجلى عَنهُ وَلَا يدنو مِنْهُ وَلَا يكَاد وَيضْرب عَنهُ ضربا تتقطع لَهُ الجوانح والأكباد وَأَنا أذكر لَك من أَحَادِيث الْحَوْض مَا يسر الله ذكر مُسلم من حَدِيث ثَوْبَان أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنِّي لبعقر حَوْضِي أذود النَّاس عَنهُ لأهل الْيمن أضْرب بعصاي حَتَّى يرفض عَلَيْهِم فَسئلَ عَن عرضه فَقَالَ من مقَامي إِلَى عمان وَسُئِلَ عَن شرابه فَقَالَ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل يفت فِيهِ مِيزَابَانِ يمدانه من الْجنَّة أَحدهمَا من ذهب وَالْآخر من ورق وَعَن أبي ذَر قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا آنِية الْحَوْض قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لآنيته أَكثر من عدد نُجُوم السَّمَاء وكواكبها فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة المصحية آنِية الْجنَّة من شرب مِنْهَا لم يظمأ آخر مَا عَلَيْهِ يشخب فِيهِ مِيزَابَانِ من الْجنَّة من شرب مِنْهُ لم يظمأ عرضه مثل طوله مَا بَين عمان إِلَى أَيْلَة مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من

стр. 265

اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل وَمن حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ترى فِيهِ أَبَارِيق الذَّهَب وَالْفِضَّة عدد نُجُوم السَّمَاء وَذكر التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلام الحبشي قَالَ حَدثنِي ثَوْبَان عَن النَّبِي ﷺ قَالَ حَوْضِي من عدن إِلَى عمان البلقاء مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل أَكَاوِيبه عدد نُجُوم السَّمَاء من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ بعْدهَا أبدا أول النَّاس ورودا عَلَيْهِ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين الشعث رؤوسا الدنس ثيابًا الَّذين لَا ينْكحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ وَلَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السدد فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز قد نكحت الْمُنَعَّمَاتِ فَاطِمَة بنت عبد الْملك وَفتحت لي أَبْوَاب السدد لَا جرم لَا إغسل رَأْسِي حَتَّى يشعث وَلَا أغسل ثوبي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حَتَّى يتسخ وَذكر الْبَزَّار من حَدِيث أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ حَوْضِي من كَذَا إِلَى كَذَا فِيهِ من الْآنِية عدد النُّجُوم أطيب ريحًا من الْمسك وَأحلى من الْعَسَل وأبرد من الثَّلج وأبيض من اللَّبن من شرب مِنْهُ لم يظمأ أبدا وَمن لم يشرب لم يرو أبدا وَذكر مُسلم من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول وَهُوَ بَين ظهراني أَصْحَابه إِنِّي على الْحَوْض أنْتَظر من يرد عَليّ مِنْكُم فوَاللَّه ليقتطعن دوني رجال فلأقولن أَي رب مني وَمن أمتِي فَيَقُول إِنَّك لَا تَدْرِي مَا عمِلُوا بعْدك مازالوا يرجعُونَ على أَعْقَابهم وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ حَوْضِي مسيرَة شهر وزواياه سَوَاء وماؤه أَبيض من الْوَرق وريحه أطيب من الْمسك وكيزانه كنجوم السَّمَاء من شرب مِنْهُ فَلَا يظمأ بعْدهَا أبدا

стр. 266

وَقَالَت أَسمَاء بنت أبي بكر قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي على الْحَوْض حَتَّى أنظر من يرد عَليّ مِنْكُم وسيؤخذ أنَاس من دوني فَأَقُول يَا رب مني وَمن أمتِي فَيُقَال أما شَعرت مَا عمِلُوا بعْدك وَالله مَا برحوا بعْدك يرجعُونَ على أَعْقَابهم قَالَ فَكَانَ ابْن أبي مليكَة يَقُول اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك أَن نرْجِع على أعقابنا أَو أَن نفتن عَن ديننَا وَعَن عبد الله بن رَافع مولى أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ عَن أم سَلمَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَيهَا النَّاس إِنِّي لكم فرط على الْحَوْض فإياي لَا يَأْتِين أحدكُم فيذب عني كَمَا يذب الْبَعِير الضال فَأَقُول فيمَ هَذَا فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك فَأَقُول سحقا وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي هَذَا الحَدِيث يَا أَيهَا النَّاس بَينا أَنا على الْحَوْض إِذْ مر بكم زمرا فَيذْهب بكم الطّرق فأناديكم أَلا هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيق فينادي مُنَاد من ورائي إِنَّهُم بدلُوا بعْدك فَأَقُول أَلا سحقا سحقا وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ أَتَى الْمقْبرَة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون وددت أَنِّي رَأَيْت إِخْوَاننَا قَالُوا أولسنا أخوانك يَا رَسُول الله قَالَ بل أَنْتُم أَصْحَابِي وأخواننا الَّذين لم يَأْتُوا بعد قَالُوا كَيفَ تعرف من لم يَأْتِ بعْدك من أمتك يَا رَسُول الله قَالَ أَرَأَيْت لَو أَن رجلا لَهُ خيل غر محجلة بَين ظَهْري خيل دهم بهم أَلا يعرف خيله قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ فَإِنَّهُم يأْتونَ غرا محجلين من الْوضُوء وَأَنا فرطهم على الْحَوْض أَلا ليذادن رجال عَن حَوْضِي كَمَا يذاد الْبَعِير الضال أناديهم أَلا هَلُمَّ هَلُمَّ فَيُقَال إِنَّهُم قد بدلُوا بعْدك فَأَقُول سحقا سحقا وَذكر البُخَارِيّ من حَدِيث سهل بن سعد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي فرط لكم على الْحَوْض من مر يشرب وَمن شرب لم يظمأ أبدا ليردن أَقوام أعرفهم ويعرفونني ثمَّ يُحَال بيني وَبينهمْ زَاد أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ

стр. 267

قَالَ فَأَقُول أمتِي فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك فَأَقُول سحقا سحقا لمن غير بعدِي وَذكر من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَينا إِنَّا قَائِم إِذا زمرة حَتَّى إِذا عرفتهم خرج رجل من بيني وَبينهمْ فَقَالَ هَلُمَّ فَقلت أَيْن فَقَالَ إِلَى النَّار وَالله قلت وَمَا شَأْنهمْ قَالَ إِنَّهُم ارْتَدُّوا بعْدك الْقَهْقَرَى على أدبارهم ثمَّ إِذا زمرة حَتَّى إِذا عرفتهم خرج رجل من بيني وَبينهمْ فَقَالَ هَلُمَّ فَقلت أَيْن فَقَالَ إِلَى النَّار وَالله قلت وَمَا شَأْنهمْ قَالَ إِنَّهُم ارْتَدُّوا بعْدك على أدبارهم الْقَهْقَرَى فَلَا أرَاهُ يخلص مِنْهُم إِلَّا مثل همل النعم قَوْله ﷺ بَينا أَنا قَائِم يُرِيد على الْحَوْض كَمَا ورد فِي حَدِيث آخر وَذكر أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُسْنده من حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي مُمْسك بِحُجزِكُمْ عَن النَّار وتغلبونني وتقتحمون فِيهَا تَقَاحم الْفراش وَالْجَنَادِب وأوشك أَن أرسل حُجُزكُمْ وأفرط لكم عَن أَو على الْحَوْض الشَّك من الرَّاوِي وتردون عَليّ مَعًا وأشتاتا فأعرفكم بأسمائكم وسيماكم كَمَا يعرف الرجل الغريبة من الْإِبِل فِي إبِله وَيذْهب بكم ذَات الشمَال وأناشد فِيكُم رب الْعَالمين فَأَقُول أَي رب رهطي أَي رب أمتِي فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك إِنَّهُم كَانُوا يَمْشُونَ بعْدك الْقَهْقَرَى فلأعرفن أحدكُم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يحمل شَاة لَهَا ثُغَاء يُنَادي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فَأَقُول لَا أملك لَك من الله شَيْئا قد بلغت ولأعرفن أحدكُم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يحمل بَعِيرًا لَهُ رُغَاء فينادي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فَأَقُول لَا

стр. 268

أملك لَك من الله شَيْئا قد بلغت ولأعرفن أحدكُم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يحمل فرسا لَهُ حَمْحَمَة يُنَادي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فَأَقُول لَا أملك لَك من الله شَيْئا قد بلغت ولأعرفن أحدكُم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يحمل قشعا من أَدَم يُنَادي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فَأَقُول لَا أملك لَك من الله شَيْئا قد بلغت وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار عَن جَابر بن عبد الله قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَنا فرط بَين أَيْدِيكُم فَإِن لم تجدوني فَإِنِّي على الْحَوْض وَسَيَأْتِي أَقوام رجال وَنسَاء ثمَّ لَا يذوقون مِنْهُ شَيْئا وَذكر ابْن السكن من حَدِيث سُوَيْد بن جبلة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لتزدحمن هَذِه الْأمة على الْحَوْض ازدحام واردات الْحمر وَذكر مُسلم من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ بَين أظهرنَا ذَات يَوْم إِذْ أغفى إغفاءه ثمَّ رفع رَأسه مُبْتَسِمًا فَقُلْنَا مَا أضْحكك يَا رَسُول الله قَالَ نزلت عَليّ أنفًا سُورَة فَقَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر فصل لِرَبِّك وانحر إِن شانئك هُوَ الأبتر﴾ ثمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَر فَقُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِنَّهُ نهر وعدنيه رَبِّي عَلَيْهِ خير كثير هُوَ حَوْض ترد عَلَيْهِ أمتِي يَوْم الْقِيَامَة آنيته عدد النُّجُوم فيختلج العَبْد فَأَقُول يَا رب إِنَّه من أمتِي فَيَقُول مَا تَدْرِي مَا أحدث بعْدك وَفِي طَرِيق آخر عَن أنس أَيْضا نهر وعدنيه رَبِّي فِي الْجنَّة عَلَيْهِ حَوْضِي ويروى عَلَيْهِ حَوْض وَفِي حَدِيث لَقِيط وَذكر الْبَعْث قَالَ تسلكون جِسْرًا من النَّار يطَأ أحدكُم الْجَمْرَة فَيَقُول حس أَلا فتطلعون على حَوْض الرَّسُول لَا يظمأ وَالله ناهله فلعمرو إلهك مَا يبسط وَاحِد مِنْكُم يَده إِلَّا وَقع عَلَيْهَا قدح يطهره من الطوف وَالْبَوْل والأذى رَوَاهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 269

وَذكر فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْحَوْض بعد الجسر وَمَا تقدم فِي الْحَوْض من الْأَحَادِيث الَّتِي لم يحد لَهُ فِيهَا مَوضِع هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور وَذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لكل نَبِي حوضا وَإِنَّهُم يتباهون أَيهمْ أَكثر وَارِدَة وَإِنِّي لأرجو أَن أكون أَكْثَرهم وَارِدَة وَهَذَا يرْوى عَن الْحسن عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لي حوضا مَا بَين بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة أَبيض من اللَّبن فِيهِ عدد الْكَوَاكِب أنية وَأَنا فَرَطكُمْ على الْحَوْض وَلكُل نَبِي حَوْض وكل نَبِي يَدْعُو أمته فَمنهمْ من يرد عَلَيْهِ فِئَام من النَّاس وَمِنْهُم من يرد عَلَيْهِ مَا هُوَ دون ذَلِك وَمِنْهُم من ترد عَلَيْهِ الْعِصَابَة وَمِنْهُم من يرد عَلَيْهِ الرّجلَانِ وَالرجل وَفِيهِمْ من لَا يرد عَلَيْهِ أحد فَيَقُول اللَّهُمَّ قد بلغت ثَلَاثًا وَذكر بَاقِي الحَدِيث

стр. 270

الْبَاب السَّابِع عشر ذكر الشَّفَاعَة الأولى الَّتِي تكون لفصل الْقَضَاء بَين النَّاس وَهِي المختصة بنبينا ﷺ فَلَا تكون إِلَّا لَهُ وَلَا يشركهُ فِيهَا أحد غَيره ذكر البُخَارِيّ من حَدِيث آدم بن عَليّ قَالَ سَمِعت ابْن عمر يَقُول ان النَّاس يصيرون يَوْم الْقِيَامَة جثى كل أمة تتبع نبيها يَقُولُونَ يَا فلَان اشفع لنا يَا فلَان اشفع حَتَّى تَنْتَهِي الشَّفَاعَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَذَلِك يَوْم يَبْعَثهُ الله الْمقَام الْمَحْمُود رَوَاهُ حَمْزَة بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ وَذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي دَعْوَة فَدفع إِلَيْهِ الذِّرَاع وَكَانَت تعجبه فنهش مِنْهَا نهشة ثمَّ قَالَ أَنا سيد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة وَهل تَدْرُونَ مِم ذَاك يجمع الله الْأَوَّلين والآخرين فِي صَعِيد وَاحِد فَيسْمعهُمْ الدَّاعِي وَينْفذهُمْ الْبَصَر وتدنو الشَّمْس فَيبلغ النَّاس من الْغم وَالْكرب مَالا يُطِيقُونَ وَلَا يحْتَملُونَ فَيَقُول النَّاس أَلا ترَوْنَ إِلَى مَا قد بَلغَكُمْ أَلا تنْظرُون من يشفع لكم إِلَى ربكُم فَيَقُول بعض النَّاس لبَعض عَلَيْكُم بِآدَم فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْت أَبُو الْبشر خلقك الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيك من روحه وَأمر الْمَلَائِكَة فسجدوا لَك اشفع لنا إِلَى رَبك أَلا ترى إِلَى مَا نَحن فِيهِ أَلا ترى مَا قد بلغ بِنَا فَيَقُول آدم إِن رَبِّي قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغْضب مثله قبله وَلنْ يغْضب مثله بعده وَإنَّهُ قد نهاني عَن الشَّجَرَة فعصيته

стр. 271

نَفسِي نَفسِي نَفسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نوح فَيَأْتُونَ نوحًا فَيَقُولُونَ يَا نوح إِنَّك أَنْت أول الرُّسُل إِلَى أهل الأَرْض وَقد سماك الله عبدا شكُورًا أشفع لنا إِلَى رَبك أَلا ترى مَا نَحن فِيهِ فَيَقُول إِن رَبِّي قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغْضب مثله قبله وَلنْ يغْضب بعده مثله وَإنَّهُ قد كَانَت لي دَعْوَة دعوتها على قومِي نَفسِي نَفسِي نَفسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيم فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيم فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيم أَنْت نَبِي الله وخليله من أهل الأَرْض اشفع لنا إِلَى رَبك الا ترى مَا نَحن فِيهِ فَيَقُول لَهُم إِن رَبِّي قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغْضب مثله قبله وَلنْ يغْضب بعده مثله وَإِنِّي قد كنت كذبت ثَلَاث كذبات فَذَكرهنَّ أَبُو حَيَّان فِي الحَدِيث نَفسِي نَفسِي نَفسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْت رَسُول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على النَّاس اشفع لنا إِلَى رَبك أَلا ترى مَا نَحن فِيهِ فَيَقُول إِن رَبِّي قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغْضب قبله مثله وَلنْ يغْضب بعده مثله وَإِنِّي قد قتلت نفسا وَلم أُؤمر بقتلها نَفسِي نَفسِي نَفسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْت رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ وَكلمت النَّاس فِي المهد اشفع لنا إِلَى رَبك أَلا ترى مَا نَحن فِيهِ فَيَقُول عِيسَى إِن رَبِّي قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغْضب قبله مثله وَلنْ يغْضب بعده مثله وَلم يذكر ذَنبا نَفسِي نَفسِي نَفسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّد فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّد أَنْت رَسُول الله ﷺ وَخَاتم الْأَنْبِيَاء وَقد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر اشفع لنا إِلَى رَبك ألاترى إِلَى مَا نَحن فِيهِ فَانْطَلق فَآتي تَحت الْعَرْش فأقع سَاجِدا لرَبي ثمَّ يفتح الله عَليّ من محامده وَحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ شَيْئا لم يَفْتَحهُ على أحد قبلي ثمَّ يُقَال يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك سل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فأرفع رَأْسِي فَأَقُول أمتِي يَا رب أمتِي يَا رب

стр. 272

ثَلَاثًا فَيُقَال يَا مُحَمَّد أَدخل من أمتك من لَا حِسَاب عَلَيْهِ من الْبَاب الْأَيْمن من أَبْوَاب الْجنَّة وهم شُرَكَاء النَّاس فِيمَا سوى ذَلِك من الْأَبْوَاب ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن مَا بَين مصراعين من مصاريع الْجنَّة كَمَا بَين مَكَّة وحمير أَو كَمَا بَين مَكَّة وَبصرى أَو كَمَا بَين مَكَّة وهجر

стр. 273

الْبَاب الثَّامِن عشر المساءلة والتقرير والمحاسبة وَالْقصاص قَالَ الله تَعَالَى فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَوضع الْكتاب فترى الْمُجْرمين مشفقين مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا ويلتنا مَا لهَذَا الْكتاب لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها ووجدوا مَا عمِلُوا حَاضرا وَلَا يظلم رَبك أحدا وَقَالَ ﷻ وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا وَوضع الْكتاب وَجِيء بالنبيين وَالشُّهَدَاء وَقضي بَينهم بِالْحَقِّ وهم لَا يظْلمُونَ ووفيت كل نفس مَا عملت وَهُوَ أعلم بِمَا يَفْعَلُونَ ذكر قَاسم بن أصبغ من حَدِيث سعيد بن عبد الله عَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تَزُول قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع عَن عمره فِيمَا أفناه وَعَن علمه مَا عمل بِهِ وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن جِسْمه فِيمَا أبلاه ذكره التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَذكر مُسلم من حَدِيث صَفْوَان بن مُحرز قَالَ قَالَ رجل لِابْنِ عمر كَيفَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى قَالَ سمعته يَقُول يدنى الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة من ربه تَعَالَى حَتَّى يضع عَلَيْهِ كنفه فيقرره بذنوبه فَيَقُول هَل تعرف ذَنْب كَذَا وَكَذَا فَيَقُول رب أعرف قَالَ فَإِنِّي سترتها عَلَيْك فِي الدُّنْيَا

стр. 274

وَإِنِّي أغفرها لَك الْيَوْم ثمَّ تطوى صحيفَة حَسَنَاته وَأما الْكفَّار والمنافقون فينادى بهم على رُؤُوس الْخَلَائق هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم أَلا لعنة الله على الظَّالِمين وَذكر مُسلم أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ من حُوسِبَ يَوْم الْقِيَامَة عذب فَقلت أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا قَالَ لَيْسَ ذَلِك الْحساب وَإِنَّمَا ذَلِك الْعرض من نُوقِشَ الْحساب يَوْم الْقِيَامَة عذب وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار من حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ يخرج لِابْنِ آدم يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة دواوين ديوَان فِيهِ الْعَمَل الصَّالح وديوان فِيهِ ذنُوبه وديوان فِيهِ النعم الَّتِي من الله عَلَيْهِ فَيَقُول الله تَعَالَى لأصغر نعْمَة أَحْسبهُ قَالَ فِي ديوَان النَّعيم خذي ثمنك من عمله الصَّالح فتستوعب عمله الصَّالح ثمَّ تتنحى فَتَقول وَعزَّتك مَا استوفيت وَتبقى الذُّنُوب وَالنعَم وَقد ذهب الْعَمَل فَإِذا أَرَادَ الله أَن يرحم عَبده قَالَ يَا عَبدِي قد ضاعفت لَك حَسَنَاتك وتجاوزت عَن سيئاتك وَأَحْسبهُ قَالَ ووهبت لَك نعمي وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يُؤْتى بالمالك والمملوك وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة حَتَّى يُقَال للرجل شربت يَوْم كَذَا وَكَذَا على لَذَّة وَيُقَال للزَّوْج خطبت يَوْم كَذَا فُلَانَة مَعَ خطاب فزوجتكها وتركتهم وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور أَن أَبَا بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب ﵄ أكلا تَمرا وبسرا ورطبا ثمَّ أكلا خبْزًا وَلَحْمًا أطعمهما رجل من الْأَنْصَار وأكلاه على جوع فَقَالَ لَهما النَّبِي ﷺ لتسألن عَن هَذَا النَّعيم يَوْم الْقِيَامَة والْحَدِيث ذكره مُسلم

стр. 275

وَذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه قَالَ لما نزلت ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم تختصمون قَالَ الزبير يَا رَسُول الله أتكرر علينا الْخُصُومَة بعد الَّذِي كَانَ بَيْننَا فِي الدُّنْيَا قَالَ نعم قَالَ إِن الْأَمر إِذن لشديد وَذكر النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أسلم العَبْد فَحسن إِسْلَامه كتب الله لَهُ كل حَسَنَة كَانَ أزلفها ومحيت عَنهُ كل سَيِّئَة كَانَ أزلفها ثمَّ كَانَ بعد ذَلِك الْقصاص الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف والسيئة بِمِثْلِهَا إِلَّا أَن يتَجَاوَز الله عَنْهَا وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفلس قَالُوا الْمُفلس فِينَا من لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع فَقَالَ إِن الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاة وَصِيَام وَزَكَاة وَيَأْتِي قد شتم هَذَا وَقذف هَذَا وَأكل مَال هَذَا وَسَفك دم هَذَا وَضرب هَذَا فيعطي هَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْضِي مَا عَلَيْهِ أَخذ من خطاياهم فطرحت عَلَيْهِ ثمَّ طرح فِي النَّار وَذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يخلص الْمُؤْمِنُونَ من النَّار فَيَجْلِسُونَ على قنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار فيقتص لبَعْضهِم من بعض مظالم كَانَت بَينهم فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذا هذبوا ونقوا أذن لَهُم فِي دُخُول الْجنَّة فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لأَحَدهم أهْدى لمنزله فِي الْجنَّة مِنْهُ بمنزله الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لتؤدن الْحُقُوق

стр. 276

إِلَى أَهلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد للشاة الجلحاء من الشَّاة القرناء وَذكر أَبُو بكر الشَّافِعِي من حَدِيث أبي ذَر قَالَ رأى رَسُول الله ﷺ شَاتين تنتطحان فَقَالَ يَا أَبَا ذَر هَل تَدْرِي فيمَ تنتطحان قلت لَا أَدْرِي قَالَ لَكِن الله يدْرِي وَيَقْضِي بَينهمَا يَوْم الْقِيَامَة وَذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ان رَسُول الله ﷺ قَالَ من كَانَت عِنْده مظْلمَة لِأَخِيهِ فليتحلله مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثمَّ دِينَار وَلَا دِرْهَم من قبل أَن يُؤْخَذ لِأَخِيهِ من حَسَنَاته فَإِن لم يكن لَهُ حَسَنَات أَخذ من سيئات أَخِيه فطرحت عَلَيْهِ وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الظُّلم ثَلَاثَة فظلم لَا يغفره الله وظلم يغفره وظلم لَا يتْركهُ فاما الظُّلم الَّذِي لَا يغفره فالشرك قَالَ الله ﵎ إِن الشّرك لظلم عَظِيم وَأما الظُّلم الَّذِي يغفره فظلم الْعباد لأَنْفُسِهِمْ فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم وَأما الظُّلم الَّذِي لَا يتْركهُ الله فظلم الْعباد بَعضهم بَعْضًا حَتَّى يدين بَعضهم من بعض وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي ذَر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي لأعْلم آخر أهل الْجنَّة دُخُولا الْجنَّة وَآخر أهل النَّار خُرُوجًا مِنْهَا رجل يُؤْتى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال اعرضوا عَلَيْهِ صغَار ذنُوبه وارفعوه عَنهُ كِبَارهَا فَيعرض عَلَيْهِ صغَار ذنُوبه فَيُقَال أعملت يَوْم كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيَقُول نعم لَا يَسْتَطِيع أَن يُنكر وَهُوَ مُشفق من كبار ذنُوبه أَن تعرض عَلَيْهِ فَيُقَال لَهُ فَإِن لَك مَكَان كل سَيِّئَة حَسَنَة فَيَقُول رب قد عملت أَشْيَاء لَا أَرَاهَا هَا هُنَا فَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه

стр. 277

وَذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يجاء بِابْن آدم يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُ بذج فَيُوقف بَين يَدي الله فَيَقُول الله لَهُ أَعطيتك وخولتك وأنعمت عَلَيْك فَمَاذَا صنعت فَيَقُول يَا رب جمعته وثمرته فتركته أَكثر مَا كَانَ فارجعني آتِك بِهِ فَيَقُول لَهُ أَرِنِي مَا قدمت فَيَقُول يَا رب جمعته وثمرته وَتركته أَكثر مَا كَانَ فارجعني آتِك بِهِ فَإِذا عبد لم يقدم خيرا فيمضى بِهِ إِلَى النَّار فتفكر أَيهَا الْمِسْكِين فِي نَفسك بَيْنَمَا أَنْت فِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي وصف لَك وَفِي هَذَا الْحَال الَّذِي حدثت عَنهُ وَقد جيىء بجهنم كَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيح تقاد بسبعين ألف زِمَام مَعَ كل زِمَام سَبْعُونَ ألف ملك يجرونها حَتَّى تكون بمرأى من الْخلق ومسمع يرَوْنَ لهيبها ويسمعون زفيرها اذ أَخذ بضبعيك وَقبض على عضديك وَجِيء بك تَتَخَطَّى الرّقاب وتخترق الصُّفُوف وَالْخَلَائِق ينظرُونَ إِلَيْك حَتَّى إِذا وقفت بَين يَدي الله تَعَالَى فَسُئِلت عَن الْقَلِيل وَالْكثير والنقير والقطمير وَلَا تَجِد أحدا يُجَاوب عَنْك بِلَفْظَة وَلَا يعينك بِكَلِمَة وَلَا يرد عَنْك جَوَابا فِي مَسْأَلَة وَأَنت قد شاهدت من عظم الْأَمر وجلالة الْقدر وهيبة الحضرة مَا أذهب بيانك وأخرس لسَانك وأذهل جنانك وَنظرت يَمِينا وَشمَالًا وَبَين يَديك فَلم تَرَ إِلَّا النَّار وعملك الَّذِي كنت تعْمل وكلمك رب الْعِزَّة ﷻ بِغَيْر حجاب يحجبك وَلَا ترجمان يترجم لَك كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر الصَّحِيح وسئلت عَن كل شَيْء كَانَ مِنْك فِي حق نَفسك وَحقّ غَيْرك وَقيل لَك مَالك من أَيْن اكتسبته وَمن أَيْن جمعته وفيم أنفقته فَمَا ظَنك بِنَفْسِك فِي ذَلِك الْيَوْم وَكَيف يكون فزعك وجزعك

стр. 278

وَكَيف تكون حيرتك ودهشتك إِذا قيل لَك عاملت فلَانا يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي كَذَا وَكَذَا وَأخذت مِنْهُ كَذَا وَكَذَا وغبنته فِي كَذَا وَكَذَا وَتركت نصيحته فِي كَذَا وَكَذَا وَفِي هَذِه السّلْعَة وَلم تبين لَهُ هَذَا الْعَيْب أَو غصبت فلَانا أَو ظلمت فلَانا أَو غششت فلَانا أَو قتلت فلَانا أَو فعلت كَذَا وَكَذَا وَقيل لَك أدل بِحجَّة قُم بِبَيِّنَة ائْتِ ببرهان انفذ بسُلْطَان فَأَرَدْت الْكَلَام فَلم تبين وَجئْت بِعُذْر فَلم يستبن هَيْهَات أَنى لَك الْكَلَام وَلم تنقحه وأنى لَك بالعذر وَفِي الدُّنْيَا لم تصححه قَالَ الله تَعَالَى يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صَوَابا ذَلِك الْيَوْم الْحق فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه مآبا إِنَّا أنذرناكم عذَابا قَرِيبا يَوْم ينظر الْمَرْء مَا قدمت يَدَاهُ وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا وَقَالَ الْحَارِث بن أَسد المحاسبي فِي موعظة لَهُ أحذرك يَا أخي وَنَفْسِي يَوْمًا إِلَى الله فِيهِ على نَفسه أَلا يتْرك عبدا أمره فِي الدُّنْيَا وَنَهَاهُ حَتَّى يسْأَله عَن عمله كُله دقيقه وجليله سره وعلانيته فَانْظُر بِأَيّ بدن تقف بَين يَدَيْهِ وَبِأَيِّ لِسَان تجيبه فأعد للسؤال جَوَابا وللجواب صَوَابا فتفكر الْآن وَانْظُر بِأَيّ قدم تقف فِي ذَلِك الْمقَام وَبِأَيِّ أذن تسمع ذَلِك الْكَلَام فَمَا شِئْت من قلب يخلع وكبد تصدع ولسان يتلجلج وأحشاء تتموج وَنَفس تُرِيدُ أَن تخرج فَلَا تتْرك أَن تخرج فَانْظُر مَا أشأم تِلْكَ الأرباح الَّتِي ربحتها وأخسر تِلْكَ الْمُعَامَلَات الَّتِي عاملت بهَا انْظُر كَيفَ ذهبت عَنْك مسراتها وَبقيت حسراتها والشهوات الَّتِي فِي ظلم الْعباد انفدتها كَيفَ ذهب عَنْك الْفَرح بهَا وَبقيت تبعتها وَانْظُر الْآن بكم تَفْتَدِي من ذَلِك الْموقف وبكم تتخلص من ذَلِك السُّؤَال أَتَقول لَو كَانَ لَك نصف الدُّنْيَا أَكنت تعطيه فِي التَّخَلُّص من ذَلِك الْمقَام أَي لعَمْرو الله وَالدُّنْيَا وأضعافها مَرَّات فَكيف وَلم يحصل لَك من عمرك الا دريهمات يسيرَة أنفقتها فِي أَيَّام يسيرَة وَرُبمَا لم تنفقها ولعلك كنت أَنْت جَامعهَا والمتعب فِيهَا وَكَانَ الْمُنفق لَهَا سواك والمتلذذ بهَا غَيْرك إِمَّا زوج ابْنَتك أَو زَوْجَة

стр. 279

ابْنك أَو غَيرهمَا من وَرثتك وَأَنت إِنَّمَا حصل لَك مِنْهَا مَا أنفقته فِي الْحَال لَا مَا اعددته للمآل وَتركت ذَلِك لمن لَا يحمدك وَلَا يشكرك وَلَعَلَّه ينفقها فِي مَعْصِيّة فَتكون أَنْت السَّبَب فِيهَا وَيكون مَالك العون عَلَيْهَا أَو ينفقها فِي طَاعَة فترى مَالك فِي ميزَان غَيْرك تشقى أَنْت بِهِ وينعم بِهِ سواك وان كنت قد أنفقتها فِي مَعْصِيّة رَبك وَمُخَالفَة مَوْلَاك وَاتِّبَاع هَوَاك واطلقت فِيهَا شهوتك وَأرْسلت فِيهَا لذتك فيا وَيلك ثمَّ يَا وَيلك من أَسِير شدّ خناقه وَأحكم وثَاقه وَثبتت على عُنُقه أرباقه وطولب بِمَا جناه وَأخذ بِمَا كسبت يَدَاهُ وَقيل لَهُ لَا تلم فِيمَا أنضج من جسمك وطبخ فيداك اوكتا وفوك نفخ وَلَا تبك من سهم أنفذك وأصماك فطرفك أَشَارَ إِلَيْك وساعدك رماك وَإِن أخذت ذَلِك بِالْغَصْبِ وَالظُّلم وَسَائِر أَنْوَاع الْمُحرمَات والأمور الْمَحْظُورَات فقد علمت مَا أعد الله للظالمين وَمَا تواعدهم فِي كِتَابه الْمُبين وَأعلم أَن فِي هَذَا الْيَوْم يصدق الله تَعَالَى قَوْله فلنسألن الَّذين أرسل اليهم ولنسألن الْمُرْسلين فلنقصن عَلَيْهِم بِعلم وَمَا كُنَّا غائبين فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ فَيبْدَأ بالأنبياء ﵈ فَيَقُول مَاذَا أجبتم قيل فِي تَفْسِيرهَا كَانُوا قد علمُوا وَلَكِن ذهبت عُقُولهمْ وعزبت أفهامهم ونسوا من شدَّة الهول وَعظم الْخطب وصعوبة الْأَمر فَقَالُوا لَا علم لنا إِنَّك أَنْت علام الغيوب ثمَّ يقربهُمْ الله فيدعى نوح ﵇ وَذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يدعى نوح ﵇ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول لبيْك وَسَعْديك يَا رب فَيَقُول هَل بلغت فَيَقُول نعم فَيَقُول لأمته هَل بَلغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا من نَذِير فَيَقُول من يشْهد لَك فَيَقُول مُحَمَّد وَأمته فَيَشْهَدُونَ أَنه بلغ وَيكون الرَّسُول عَلَيْهِم شَهِيدا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا وَالْوسط الْعدْل

стр. 280

وروى ابْن أنعم عَن حبَان بن أبي جبلة قَالَ أول من يدعى يَوْم الْقِيَامَة إسْرَافيل فَيَقُول الله جلّ ثَنَاؤُهُ هَل بلغت عهدي فَيَقُول نعم يَا رب قد بلغته جِبْرِيل فيدعى جِبْرِيل فَيُقَال هَل بلغت إسْرَافيل عهدي فَيَقُول نعم يَا رب فيخلي عَن إسْرَافيل وَيَقُول لجبريل مَا صنعت بعهدي فَيَقُول بلغته الرُّسُل فيدعى الرُّسُل فَيَقُول هَل بَلغَكُمْ جِبْرِيل عهدي فَيَقُولُونَ نعم فيخلى عَن جِبْرِيل وَيُقَال للرسل هَل بَلغْتُمْ عهدي فَيَقُولُونَ نعم قد بلغناه الْأُمَم فَتُدْعَى الْأُمَم فَيُقَال لَهُم هَل بَلغَكُمْ الرُّسُل عهدي فمصدق ومكذب فَتَقول الرُّسُل لنا عَلَيْهِم شُهَدَاء فَيَقُول ﵎ من فَيَقُولُونَ أمة مُحَمَّد ﷺ فَيُقَال لَهُم أتشهدون أَن الرُّسُل قد بلغت الْأُمَم فَيَقُولُونَ نعم فَتَقول الْأُمَم يَا رب كَيفَ يشْهد علينا من لم يدركنا فَيَقُول الله تَعَالَى كَيفَ تَشْهَدُون عَلَيْهِم وَلم تدركوهم فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا وأنزلت علينا كتابا فقصصت علينا فِيهِ أَن قد بلغُوا قَالَ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا وَالْوسط الْعدْل ثمَّ يدعى غَيره من الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ثمَّ يُنَادي كل انسان باسمه وَاحِدًا وَاحِدًا ويسألون وَاحِدًا وَاحِدًا وَتعرض أَعْمَالهم على رب الْعِزَّة ﷻ قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها وَفِي بعض الْأَخْبَار يتَمَنَّى رجال أَن يبْعَث بهم إِلَى النَّار وَلَا تعرض قبائحهم على الله تَعَالَى وَلَا تكشف مساوئهم على رُؤُوس الْخَلَائق فَمَا ظَنك بِهَذَا الْمقَام وَبِهَذَا السُّؤَال وَبِهَذَا النكال والوبال وَمَا ظَنك بِنَفْسِك وق جييء بجهنم على الْوَصْف الَّذِي تقدم وَقد دنت من الْخَلَائق وشهقت وزفرت وثارت وَفَارَتْ وانتهض خزانها والموكلون بهَا والمعدون لتعذيب أَهلهَا متسارعين إِلَى أَخذ مَا أمروا بِأَخْذِهِ ساحبين لَهُ على بَطْنه وحر وَجهه سَامِعين مُطِيعِينَ لَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون فتمثل حالك وَكَيف أَنْت وَقد امْتَلَأت الْقُلُوب خوفًا وجزعا ورعبا وفزعا وارتعدت الفرائص وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر واصطفقت الأحشاء وتقطعت

стр. 281

الأمعاء وطلبوا الْفِرَار فَلَا فرار وطاروا لَو يصادفون مطارا وجثت الْأُمَم على الركب وأيقن المذنبون بِالْهَلَاكِ والعطب وَسُوء المنقلب وينادي الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ والأولياء نَفسِي نَفسِي كل نفس قد أفردت لشأنها وَتركت لما بهَا وَظن كل إِنْسَان أَنه هُوَ الْمَأْخُوذ وَأَنه هُوَ الْمَقْصُود وذهلت الْعُقُول وطاشت الْأَلْبَاب وتحيرت الأذهان وفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ وصاحبته وبنيه واشتغل بِشَأْنِهِ الَّذِي يُغْنِيه وَسُئِلَ عَن جَمِيع أمره سره وجهره دقيقه وجليله كَثِيره وقليله وَسُئِلَ عَن أَعْضَائِهِ عضوا عضوا وجارحة جارحة وَعَن شكره عَلَيْهَا وَعَن أَدَاء حق الله فِيهَا وَظَهَرت القبائح وَكَثُرت الفضائح وبدت المخازي واشتهرت الْمسَاوِي وتركك الْأَهْل وَالْأَقْرَبُونَ وَلم ينفعك مَال وَلَا بنُون وَأَقْبَلت تجَادل عَن نَفسك وتخاصم عَنْهَا وتطلب المعاذير لَهَا وَقد أسلمت وأفردت واشتغل كل إِنْسَان عَنْك بِنَفسِهِ وَترك مَا حل بك لما حل بِهِ وأنشدوا خليلي مَا أَقْْضِي وَمَا أَنا قَائِل ... إِذا جِئْت عَن نَفسِي بنفسي اجادل وَقد وضع الرَّحْمَن فِي الْخلق عدله ... وسيق جَمِيع النَّاس وَالْيَوْم باسل وجيىء بجرم النَّار خاضعة لَهُ ... وثلت عروش عِنْدهَا ومجادل فيا لَيْت شعري ذَلِك الْيَوْم هَل أَنا ... أأغفر أم أجزى بِمَا أَنا فَاعل فَإِن أك مجزيا فَعدل وَحجَّة ... وان يَك غفران ففضل ونائل وَأعلم أَنه بِقدر مَا تيسسر على أَخِيك الْمُسلم فِي الدُّنْيَا ييسر عَلَيْك فِي ذَلِك الْيَوْم وبحسب مَا تلتمس لَهُ الْعذر فِي الدُّنْيَا يلْتَمس لَك الْعذر فِي ذَلِك الْيَوْم

стр. 282

وهبك يَا ابْن آدم أَنه قد غفر لَك وَستر عَلَيْك ألم تقم هَذَا الْمقَام وتشاهد هَذَا المشهد وقرع سَمعك هَذَا النداء وخلع قَلْبك هَذَا الروع أَقَامَ خوفك هَذَا بأمنك فِي الدُّنْيَا أَقَامَ حزنك هَذَا بفرحك فِي الدُّنْيَا أَقَامَ ذَلِك هَذَا بعزك فِي الدُّنْيَا أَيْن يَقع هَذَا مِنْهُ أَيْن يبلغ هَذَا مِنْهُ أيقوم تَعْظِيم الْخلق لَك فِي الدُّنْيَا باحتقار الله لَك فِي ذَلِك الْيَوْم أتقوم نِعْمَتك فِي الدُّنْيَا ببؤسك فِي ذَلِك الْيَوْم فَكيف إِن نوقشت الْحساب وَوَجَب عَلَيْك الْعَذَاب وَضرب بَيْنك وَبَين رَبك بحجاب وسد بَيْنك وَبَين رَحمته بِبَاب لَيْسَ كالأبواب هُنَاكَ لَا دُعَاء يسمع وَلَا شَفَاعَة تَنْفَع وَلَا عَذَاب عَن البائس الْمُرْتَهن يرفع إِلَّا أَن تكون مِمَّن سبقت لَهُ الْعِنَايَة بِالْإِيمَان عِنْد الْمَوْت وتداركته الرَّحْمَة بِهِ قبل الْفَوْت فَإِن الشَّفَاعَة ستخلصك من ذَلِك الاسار وتستخرجك من سوء ذَلِك الْقَرار يكون مِنْك قبل ذَلِك مَا كَانَ ويدور عَلَيْك قبل ذَلِك مَا دَار

стр. 283

فصل ذكر أول مَا يحكم فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة وَأول من يدعى للخصومة ذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أول مَا يقْضى بَين النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء ويروى عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ أَنا أول من يجثو يَوْم الْقِيَامَة بَين يَدي الرَّحْمَن للخصومة يُرِيد قصَّته ومبارزته هُوَ وصاحباه مَعَ الثَّلَاثَة من كفار قُرَيْش وَذَلِكَ أَن عَليّ بن أبي طَالب وَحَمْزَة بن عبد الْمطلب وَعبيدَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ﵃ بارزوا يَوْم بدر من كفار قُرَيْش ثَلَاثَة شيبَة بن ربيعَة وَعتبَة بن ربيعَة والوليد بن عتبَة فبارز عَليّ الْوَلِيد فَقتله وبارز حَمْزَة شيبَة فَقتله وَاخْتلف بَين عُبَيْدَة وَبَين عتبَة ضربتان أثبت كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه فكر حَمْزَة وَعلي على عتبَة فأتما عَلَيْهِ واحتملا عُبَيْدَة فَمَاتَ من ضَربته فِي طَرِيق الْمَدِينَة فِي رُجُوع النَّبِي ﷺ من غزوته تِلْكَ وَنزلت فيهم هَذِه الْآيَة هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا وَالْخَبَر بهَا مَشْهُور صَحِيح

стр. 284

فصل الْخُصُومَة بَين الْمُسلمين ورد الْمَظَالِم والانتصاف مِنْهَا بِالْحَسَنَاتِ والسيئات روى من حَدِيث عبد الله بن أنيس ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يحْشر الْعباد أَو قَالَ النَّاس وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّام حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما قُلْنَا مَا بهما قَالَ لَيْسَ مَعَهم شَيْء فيناديهم بِصَوْت يسمعهُ من بعد ويسمعه من قرب أَنا الْملك أَنا الديَّان لَا يَنْبَغِي لأحد من أهل النَّار أَن يدْخل النَّار وَأحد من أهل الْجنَّة يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى اللَّطْمَة قُلْنَا كَيفَ وَإِنَّمَا نأتي الله حُفَاة عُرَاة غرلًا قَالَ بِالْحَسَنَاتِ والسيئات ذكره الْحَارِث بن أبي أُسَامَة وَقَوله غرلًا يُرِيد بِهِ غير مختونين وَأما مُطَالبَة الْكَافِر الْمُؤمن فَإِنَّمَا تكون لمن ظلم من أهل الذِّمَّة والعهد أَو تكون فِيمَا لم يَأْذَن الله بِهِ من غَيرهم وَالله أعلم قد تقدم لَك ذكر هول يَوْم الْموقف وخطره وغرره وَإنَّك لَا تَدْرِي إِلَى مَا تصدر عَنهُ وَلَا إِلَى أَي مَكَان تسير مِنْهُ فتفكر فِيهِ وأطل الفكرة فقد وجدت مَكَان التفكر ذَا سَعَة ومجال الْفَزع ممتدا وميدان الْخَوْف عريضا ثمَّ تفكر فِيك بَيْنَمَا أَنْت وَاقِف فِي تِلْكَ الْحَال الَّتِي حدثت عَنْهَا وَتقدم لَك ذكرهَا إِذْ وثب عَلَيْك خصماؤك وهجم عَلَيْك طالبوك وَأَحَاطُوا بك ومدوا أَيْديهم إِلَيْك فَهَذَا يَأْخُذ بِيَدِك وَهَذَا بشعرك وَهَذَا بِمَا أمكنه مِمَّا أذن الله تَعَالَى لَهُ أَن يَأْخُذهُ مِنْك فواحد يَقُول يَا رب هَذَا ضَرَبَنِي وثان يَقُول يَا رب هَذَا شَتَمَنِي وثالث يَقُول يَا رب هَذَا اغتابني هَذَا احتقرني هَذَا غصبني حَقي وظلمني هَذَا

стр. 285

قتلني هَذَا عاملني فغشني وَلم ينصحني هَذَا رَآنِي مَظْلُوما وَقدر على نصرتي فَلم ينصرني هَذَا علم أَنِّي جَائِع وَكَانَ قَدِيرًا على أَن يطعمني فَلم يطعمني وَكَيف مَا كَانَت معاملتك مَعَ النَّاس وَكَيف مَا كَانَت معاشرتك لَهُم فَبينا أَنْت كَذَلِك لَا تَدْرِي مَا تَقول وَلَا تَدْرِي مَا تعْمل وَلَا تَدْرِي إِلَى أَيْن تَفِر وَلَا كَيفَ تتخلص وَقد أبهتك الْأَمر وأدهشك الْحَال إِذْ سَمِعت نِدَاء الْمُنَادِي الْيَوْم تجزي كل نفس بِمَا كسبت لَا ظلم الْيَوْم إِن الله سريع الْحساب فَلَا تسْأَل عَن انخلاع قَلْبك واضطراب صدرك وَقلة أنصارك وَعدم الدافعين عَنْك فَمَا شِئْت من ضلوع تنخرق وأكباد تحترق وأحشاء تَصْطَفِق وهموم تنبعث عَلَيْك وتندفق وَقد علمت أَن الْأَذَى لَا يرفع عَن نَفسك هُنَاكَ بالدينار وَلَا بالدرهم وَإِنَّمَا هِيَ حَسَنَاتك الَّتِي تعبت فِيهَا فِي الدُّنْيَا إِن كَانَت قد قبلت مِنْك تُعْطى مِنْك لخصمك وتدفع لمطالبيك وَإِن لم يكن لَك حَسَنَات أَخذ من سيئاتهم فَحملت عَلَيْك وألقيت على كاهلك ولعلك جرأت مُسلما على مَعْصِيّة أَو حَملته على ارْتِكَاب خَطِيئَة أَو كنت لَهُ سَببا فِي ترك سنة واعتقاد بِدعَة فيجتمع ذَلِك كُله لَك ويناط بك وَيحمل على ظهرك قَالَ تَعَالَى وليحملن أثقالهم وأثقالامع أثقالهم فَانْظُر وتدبر كَيفَ يكون حالك وَقد أضيفت إِلَى سيئاتك سيئات أخر وَإِلَى أوزارك أوزار أخر فاجتمعت عَلَيْك السَّيِّئَات وأحاطت بك الخطيئات وانكسر ظهرك من ثقلهَا وَلم تستطع النهوض بِسَبَبِهَا واستغثت فَلَا مغيث واستعنت فَلَا معِين وَإِلَى الله نرغب فِي المعونة فالتوفيق بِيَدِهِ وَالْفضل فَضله وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله لَا رب غَيره وَلَا معبود سواهُ
следующие страницы →