Полный текст (355 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الأمعاء وطلبوا الْفِرَار فَلَا فرار وطاروا لَو يصادفون مطارا وجثت الْأُمَم على الركب وأيقن المذنبون بِالْهَلَاكِ والعطب وَسُوء المنقلب
وينادي الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ والأولياء نَفسِي نَفسِي كل نفس قد أفردت لشأنها وَتركت لما بهَا وَظن كل إِنْسَان أَنه هُوَ الْمَأْخُوذ وَأَنه هُوَ الْمَقْصُود وذهلت الْعُقُول وطاشت الْأَلْبَاب وتحيرت الأذهان وفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ وصاحبته وبنيه واشتغل بِشَأْنِهِ الَّذِي يُغْنِيه وَسُئِلَ عَن جَمِيع أمره سره وجهره دقيقه وجليله كَثِيره وقليله وَسُئِلَ عَن أَعْضَائِهِ عضوا عضوا وجارحة جارحة وَعَن شكره عَلَيْهَا وَعَن أَدَاء حق الله فِيهَا
وَظَهَرت القبائح وَكَثُرت الفضائح وبدت المخازي واشتهرت الْمسَاوِي وتركك الْأَهْل وَالْأَقْرَبُونَ وَلم ينفعك مَال وَلَا بنُون وَأَقْبَلت تجَادل عَن نَفسك وتخاصم عَنْهَا وتطلب المعاذير لَهَا وَقد أسلمت وأفردت واشتغل كل إِنْسَان عَنْك بِنَفسِهِ وَترك مَا حل بك لما حل بِهِ
وأنشدوا
خليلي مَا أَقْْضِي وَمَا أَنا قَائِل ... إِذا جِئْت عَن نَفسِي بنفسي اجادل
وَقد وضع الرَّحْمَن فِي الْخلق عدله ... وسيق جَمِيع النَّاس وَالْيَوْم باسل
وجيىء بجرم النَّار خاضعة لَهُ ... وثلت عروش عِنْدهَا ومجادل
فيا لَيْت شعري ذَلِك الْيَوْم هَل أَنا ... أأغفر أم أجزى بِمَا أَنا فَاعل
فَإِن أك مجزيا فَعدل وَحجَّة ... وان يَك غفران ففضل ونائل
وَأعلم أَنه بِقدر مَا تيسسر على أَخِيك الْمُسلم فِي الدُّنْيَا ييسر عَلَيْك فِي ذَلِك الْيَوْم وبحسب مَا تلتمس لَهُ الْعذر فِي الدُّنْيَا يلْتَمس لَك الْعذر فِي ذَلِك الْيَوْم
стр. 282
وهبك يَا ابْن آدم أَنه قد غفر لَك وَستر عَلَيْك ألم تقم هَذَا الْمقَام وتشاهد هَذَا المشهد وقرع سَمعك هَذَا النداء وخلع قَلْبك هَذَا الروع أَقَامَ خوفك هَذَا بأمنك فِي الدُّنْيَا أَقَامَ حزنك هَذَا بفرحك فِي الدُّنْيَا أَقَامَ ذَلِك هَذَا بعزك فِي الدُّنْيَا أَيْن يَقع هَذَا مِنْهُ أَيْن يبلغ هَذَا مِنْهُ أيقوم تَعْظِيم الْخلق لَك فِي الدُّنْيَا باحتقار الله لَك فِي ذَلِك الْيَوْم أتقوم نِعْمَتك فِي الدُّنْيَا ببؤسك فِي ذَلِك الْيَوْم فَكيف إِن نوقشت الْحساب وَوَجَب عَلَيْك الْعَذَاب وَضرب بَيْنك وَبَين رَبك بحجاب وسد بَيْنك وَبَين رَحمته بِبَاب لَيْسَ كالأبواب
هُنَاكَ لَا دُعَاء يسمع وَلَا شَفَاعَة تَنْفَع وَلَا عَذَاب عَن البائس الْمُرْتَهن يرفع إِلَّا أَن تكون مِمَّن سبقت لَهُ الْعِنَايَة بِالْإِيمَان عِنْد الْمَوْت وتداركته الرَّحْمَة بِهِ قبل الْفَوْت فَإِن الشَّفَاعَة ستخلصك من ذَلِك الاسار وتستخرجك من سوء ذَلِك الْقَرار يكون مِنْك قبل ذَلِك مَا كَانَ ويدور عَلَيْك قبل ذَلِك مَا دَار
стр. 283
فصل ذكر أول مَا يحكم فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة وَأول من يدعى للخصومة
ذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أول مَا يقْضى بَين النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء
ويروى عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ أَنا أول من يجثو يَوْم الْقِيَامَة بَين يَدي الرَّحْمَن للخصومة يُرِيد قصَّته ومبارزته هُوَ وصاحباه مَعَ الثَّلَاثَة من كفار قُرَيْش وَذَلِكَ أَن عَليّ بن أبي طَالب وَحَمْزَة بن عبد الْمطلب وَعبيدَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ﵃ بارزوا يَوْم بدر من كفار قُرَيْش ثَلَاثَة شيبَة بن ربيعَة وَعتبَة بن ربيعَة والوليد بن عتبَة فبارز عَليّ الْوَلِيد فَقتله وبارز حَمْزَة شيبَة فَقتله وَاخْتلف بَين عُبَيْدَة وَبَين عتبَة ضربتان أثبت كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه فكر حَمْزَة وَعلي على عتبَة فأتما عَلَيْهِ واحتملا عُبَيْدَة فَمَاتَ من ضَربته فِي طَرِيق الْمَدِينَة فِي رُجُوع النَّبِي ﷺ من غزوته تِلْكَ وَنزلت فيهم هَذِه الْآيَة هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا وَالْخَبَر بهَا مَشْهُور صَحِيح
стр. 284
فصل الْخُصُومَة بَين الْمُسلمين ورد الْمَظَالِم والانتصاف مِنْهَا بِالْحَسَنَاتِ والسيئات
روى من حَدِيث عبد الله بن أنيس ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يحْشر الْعباد أَو قَالَ النَّاس وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّام حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما قُلْنَا مَا بهما قَالَ لَيْسَ مَعَهم شَيْء فيناديهم بِصَوْت يسمعهُ من بعد ويسمعه من قرب أَنا الْملك أَنا الديَّان لَا يَنْبَغِي لأحد من أهل النَّار أَن يدْخل النَّار وَأحد من أهل الْجنَّة يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى اللَّطْمَة قُلْنَا كَيفَ وَإِنَّمَا نأتي الله حُفَاة عُرَاة غرلًا قَالَ بِالْحَسَنَاتِ والسيئات ذكره الْحَارِث بن أبي أُسَامَة
وَقَوله غرلًا يُرِيد بِهِ غير مختونين
وَأما مُطَالبَة الْكَافِر الْمُؤمن فَإِنَّمَا تكون لمن ظلم من أهل الذِّمَّة والعهد أَو تكون فِيمَا لم يَأْذَن الله بِهِ من غَيرهم وَالله أعلم
قد تقدم لَك ذكر هول يَوْم الْموقف وخطره وغرره وَإنَّك لَا تَدْرِي إِلَى مَا تصدر عَنهُ وَلَا إِلَى أَي مَكَان تسير مِنْهُ فتفكر فِيهِ وأطل الفكرة فقد وجدت مَكَان التفكر ذَا سَعَة ومجال الْفَزع ممتدا وميدان الْخَوْف عريضا ثمَّ تفكر فِيك بَيْنَمَا أَنْت وَاقِف فِي تِلْكَ الْحَال الَّتِي حدثت عَنْهَا وَتقدم لَك ذكرهَا إِذْ وثب عَلَيْك خصماؤك وهجم عَلَيْك طالبوك وَأَحَاطُوا بك ومدوا أَيْديهم إِلَيْك فَهَذَا يَأْخُذ بِيَدِك وَهَذَا بشعرك وَهَذَا بِمَا أمكنه مِمَّا أذن الله تَعَالَى لَهُ أَن يَأْخُذهُ مِنْك فواحد يَقُول يَا رب هَذَا ضَرَبَنِي وثان يَقُول يَا رب هَذَا شَتَمَنِي وثالث يَقُول يَا رب هَذَا اغتابني هَذَا احتقرني هَذَا غصبني حَقي وظلمني هَذَا
стр. 285
قتلني هَذَا عاملني فغشني وَلم ينصحني هَذَا رَآنِي مَظْلُوما وَقدر على نصرتي فَلم ينصرني هَذَا علم أَنِّي جَائِع وَكَانَ قَدِيرًا على أَن يطعمني فَلم يطعمني
وَكَيف مَا كَانَت معاملتك مَعَ النَّاس وَكَيف مَا كَانَت معاشرتك لَهُم فَبينا أَنْت كَذَلِك لَا تَدْرِي مَا تَقول وَلَا تَدْرِي مَا تعْمل وَلَا تَدْرِي إِلَى أَيْن تَفِر وَلَا كَيفَ تتخلص وَقد أبهتك الْأَمر وأدهشك الْحَال إِذْ سَمِعت نِدَاء الْمُنَادِي الْيَوْم تجزي كل نفس بِمَا كسبت لَا ظلم الْيَوْم إِن الله سريع الْحساب فَلَا تسْأَل عَن انخلاع قَلْبك واضطراب صدرك وَقلة أنصارك وَعدم الدافعين عَنْك فَمَا شِئْت من ضلوع تنخرق وأكباد تحترق وأحشاء تَصْطَفِق وهموم تنبعث عَلَيْك وتندفق وَقد علمت أَن الْأَذَى لَا يرفع عَن نَفسك هُنَاكَ بالدينار وَلَا بالدرهم وَإِنَّمَا هِيَ حَسَنَاتك الَّتِي تعبت فِيهَا فِي الدُّنْيَا إِن كَانَت قد قبلت مِنْك تُعْطى مِنْك لخصمك وتدفع لمطالبيك وَإِن لم يكن لَك حَسَنَات أَخذ من سيئاتهم فَحملت عَلَيْك وألقيت على كاهلك
ولعلك جرأت مُسلما على مَعْصِيّة أَو حَملته على ارْتِكَاب خَطِيئَة أَو كنت لَهُ سَببا فِي ترك سنة واعتقاد بِدعَة فيجتمع ذَلِك كُله لَك ويناط بك وَيحمل على ظهرك قَالَ تَعَالَى وليحملن أثقالهم وأثقالامع أثقالهم
فَانْظُر وتدبر كَيفَ يكون حالك وَقد أضيفت إِلَى سيئاتك سيئات أخر وَإِلَى أوزارك أوزار أخر فاجتمعت عَلَيْك السَّيِّئَات وأحاطت بك الخطيئات وانكسر ظهرك من ثقلهَا وَلم تستطع النهوض بِسَبَبِهَا واستغثت فَلَا مغيث واستعنت فَلَا معِين وَإِلَى الله نرغب فِي المعونة فالتوفيق بِيَدِهِ وَالْفضل فَضله وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله لَا رب غَيره وَلَا معبود سواهُ
стр. 286
فصل فِي الموازين والكتب
أصلح بهذي الدَّار ميزانكا ... وَليكن الْعدْل بِهِ شانكا
فَإِن فِيهِ ربحك المرتجى ... فِي تلكمو الدَّار وخسرانكا
وَلَيْسَ خسرانك مَالا وَلَا ... اهلا فيضني السقم جثمانكا
لَكِنَّهَا نَفسك فَانْظُر لَهَا ... واجمع على ذَلِك أعوانكا
من عَزمَات صادقات وَمن ... صَبر يشد الْيَوْم إيمانكا
وَإِنَّمَا أَصبَحت فِي مهلة ... فاجمع إِلَى فرضك إحسانكا
واحم على قَلْبك نَار الأسى ... واغسل بِمَاء الدمع أجفانكا
فَرُبمَا أضْحك طول البكا ... وَبَردت نارك نيرانكا
ذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ سَأَلت النَّبِي ﷺ أَن يشفع لي يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ أَنا فَاعل إِن شَاءَ الله قلت فَأَيْنَ أطلبك قَالَ أول مَا تطلبني على الصِّرَاط قلت فَإِن لم ألقك على الصِّرَاط قَالَ فاطلبني عِنْد الْمِيزَان قلت فَإِن لم ألقك عِنْد الْمِيزَان قَالَ فاطلبني عَن الْحَوْض فَإِنِّي لَا أخطىء هَذِه الثَّلَاثَة مَوَاطِن قَالَ حدث حسن غَرِيب
وَذكر التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله سيخلص رجلا من أمتِي على رُؤُوس الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة فينشر عَلَيْهِ تِسْعَة وَتِسْعين سجلا كل سجل مثل مد الْبَصَر ثمَّ يَقُول أتنكر
стр. 287
من هَذَا شَيْئا أظلمك كتبتي الحافظون فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول أَفَلَك عذر فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول الله تَعَالَى بلَى إِن لَك عندنَا حَسَنَة فَإِنَّهُ لَا ظلم عَلَيْك الْيَوْم فَتخرج بطاقة فِيهَا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَيَقُول احضر وزنك فَيَقُول يَا رب مَا هَذِه البطاقة مَعَ هَذِه السجلات فَيَقُول إِنَّك لَا تظلم قَالَ فتوضع السجلات فِي كفة والبطاقة فِي كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة وَلَا يثقل مَعَ اسْم الله شَيْء
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار من حَدِيث أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ملك مُوكل بالميزان فَيُؤتى بِابْن آدم فَيُوقف بَين كفتي الْمِيزَان فَإِن ثقل مِيزَانه نَادَى ملك بِصَوْت يسمع الْخَلَائق سعد فلَان سَعَادَة لَا يشقى بعْدهَا أبدا وَإِن خف مِيزَانه نَادَى ملك بِصَوْت يسمع الْخَلَائق شقي فلَان شقاوة لَا يسْعد بعْدهَا أبدا
وروى عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يعرض النَّاس يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاث عرضات فَأَما عرضتان فجدال ومعاريض وَأما الثَّالِثَة فَعِنْدَ ذَلِك تطير الصُّحُف فِي الْأَيْدِي فآخذ بِيَمِينِهِ وآخذ بِشمَالِهِ ذكره أَبُو بكر الْبَزَّار أَيْضا وَقَالَ التِّرْمِذِيّ جِدَال ومعاذير رَوَاهُ من حَدِيث الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة
وَذكر أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ من حَدِيث نعيم بن سَالم عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْكتب كلهَا تَحت الْعَرْش فَإِذا كَانَ الْموقف بعث الله ريحًا فتطيرها بالأيمان وَالشَّمَائِل أول خطّ فِيهَا أَقرَأ كتابك كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك حسيبا
وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت ذكرت النَّار فَبَكَيْت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا يبكيك قلت ذكرت النَّار فَبَكَيْت
стр. 288
فَهَل تذكرُونَ أهليكم يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن فَلَا يذكر أحد أحدا عِنْد الْمِيزَان حَتَّى يعلم أيخف مِيزَانه أم يثقل وَعند تطاير الصُّحُف حَتَّى يعلم أَيْن يَقع كِتَابه فِي يَمِينه أم فِي شِمَاله أم من وَرَاء ظَهره وَعند الصِّرَاط إِذا وضع بَين ظَهْري جَهَنَّم حَتَّى يجوز
وَذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى يَوْم نَدْعُو كل أنَاس بإمامهم قَالَ يدعى أحدهم فَيعْطى كِتَابه بِيَمِينِهِ ويمد لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعا ويبيض وَجهه وَيجْعَل على رَأسه تَاج من لُؤْلُؤ يتلألأ فَينْطَلق إِلَى أَصْحَابه فيرونه من بعيد فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ ائتنا بِهَذَا وَبَارك لنا فِي هَذَا فيأتيهم فَيَقُول أَبْشِرُوا لكل رجل مُسلم مثل هَذَا قَالَ وَأما الْكَافِر فيسود وَجهه ويمد فِي جسده سِتُّونَ ذِرَاعا على صُورَة آدم فيلبس تاجا من نَار فيراه أَصْحَابه فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه من شَرّ هَذَا اللَّهُمَّ لَا تأتنا بِهَذَا قَالَ فيأتيهم فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَخّرهُ فَيَقُول أبعدكم الله فَإِن لكل رجل مِنْكُم مثل هَذَا
وَقد تقدم تَقْرِير الْمُؤمن بذنوبه وتعريفه بهَا
وأنشدوا
أمدد يَمِينك من دنياك آخذة ... كتاب فوزك إِذْ تحتل أخراك
فلست تدْرك مَا هُنَاكَ من أمل ... إِلَّا بِوَاسِطَة من دَار دنياك
فَإِن تكاسلت أَو قصرت فِي طلب ... كنت المخيب وَالْمَطْلُوب إِذْ ذَاك
يَا نَائِم الْقلب عَن أَمر يُرَاد بِهِ ... نبهه وَيحك إِن الْأَمر حاذاك
وَاشْدُدْ حزيمك واكشف ساعديك لَهُ ... فَرُبمَا حمدت بالجد عقباك
كم رابح بِكِتَاب كَانَ أملاه ... هُنَا بِمَا شَاءَ برا أوآفاك
فظل مرتقبا أدراج مكرمَة ... فِي عدن أَو نازلا فِي النَّار ادراكا
وطلعة الْمَوْت تبدي عَن حَقِيقَة مَا ... تملي فإياك ان تنساه إياك
стр. 289
فصل ذكر مَا يتَكَلَّم من الْإِنْسَان وَمَا جَاءَ فِي شَهَادَة جوارح ابْن آدم عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة
ذكر أَبُو بكر بن أبي شيبَة من حَدِيث مُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ تجيئون يَوْم الْقِيَامَة على أَفْوَاهكُم الْفِدَام فَأول مَا يتَكَلَّم من الْإِنْسَان فَخذه وكفه
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالُوا يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة قَالَ هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الشَّمْس فِي الظهيرة لَيست فِي سَحَابَة قَالُوا لَا قَالَ فَهَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَيْسَ فِي سَحَابَة قَالُوا لَا قَالَ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تضَارونَ فِي رُؤْيَة ربكُم إِلَّا كَمَا تضَارونَ فِي رُؤْيَة أَحدهمَا قَالَ فَيلقى العَبْد فَيَقُول أَي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لَك الْخَيل وَالْإِبِل وأذرك ترأس وترتع فَيَقُول بلَى فَيَقُول أفظننت أَنَّك ملاقي فَيَقُول لَا فَيَقُول إِنِّي أنساك كَمَا نسيتني ثمَّ يلقى الثَّانِي فَيَقُول أَي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لَك الْخَيل وَالْإِبِل وأذرك ترأس وترتع فَيَقُول بلَى يَا رب فَيَقُول أفظننت أَنَّك ملاقي فَيَقُول لَا فَيَقُول إِنِّي أنساك كَمَا نسيتني ثمَّ يلقى الثَّالِث فَيَقُول لَهُ مثل ذَلِك فَيَقُول يَا رب آمَنت بك وبكتابك وبرسلك وَصليت وَصمت وتصدقت ويثني بِخَير مَا اسْتَطَاعَ فَيَقُول هَا هُنَا إِذا قَالَ ثمَّ يُقَال لَهُ الْآن نبعث شاهدنا عَلَيْك فيتفكر فِي نَفسه من ذَا الَّذِي يشْهد عَلَيْهِ فيختم على فِيهِ
стр. 290
وَيُقَال لفخذه ولحمه وعظامه انْطِقِي فَتَنْطِق فَخذه ولحمه وعظامه بِعَمَلِهِ وَذَلِكَ ليعذر من نَفسه وَذَلِكَ الْمُنَافِق وَذَلِكَ الَّذِي يسْخط الله عَلَيْهِ
وَذكر مُسلم من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ فَضَحِك فَقَالَ هَل تَدْرُونَ مِم أضْحك فَقُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ من مُخَاطبَة العَبْد ربه يَقُول يَا رب ألم تُجِرْنِي من الظُّلم قَالَ يَقُول بلَى قَالَ فَيَقُول فَإِنِّي لَا أُجِيز على نَفسِي إِلَّا شَاهدا مني قَالَ فَيَقُول كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك شَهِيدا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبين شُهُودًا قَالَ فيختم على فِيهِ وَيُقَال لِأَرْكَانِهِ انْطِقِي قَالَ فَتَنْطِق بِأَعْمَالِهِ قَالَ ثمَّ يخلى بَينه وَبَين الْكَلَام قَالَ فَيَقُول بعدا لَكِن وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كنت أُنَاضِل
وَذكر أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُسْنده عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَنِّي لأعْلم آخر رجل من أمتِي يجوز الصِّرَاط رجل يتلوى على الصِّرَاط كالغلام حِين يضْربهُ أَبوهُ تزل يَده مرّة فتصيبها النَّار وتزل رجله مرّة فتصيبها النَّار قَالَ فَتَقول لَهُ الْمَلَائِكَة أَرَأَيْت إِن بَعثك الله من مقامك هَذَا فمشيت سويا أتخبرنا بِكُل عمل عملته فَيَقُول أَي وعزته لَا أكتمكم من عَمَلي شَيْئا قَالَ فَيَقُولُونَ لَهُ قُم فامش سويا فَيقوم فَيَمْشِي حَتَّى يُجَاوز الصِّرَاط فَيَقُولُونَ لَهُ أخبرنَا بأعمالك الَّتِي عملت فَيَقُول فِي نَفسه إِن أَخْبَرتهم بِمَا عملت ردوني إِلَى مَكَاني فَيَقُول لَا وعزته مَا أذنبت ذَنبا قطّ فَيَقُولُونَ لَهُ إِن لنا عَلَيْك شُهُودًا قَالَ فيلتفت يَمِينا وَشمَالًا هَل يرى من الْآدَمِيّين أحدا مِمَّن كَانَ يشْهد عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَلَا يرى فَيَقُول هاتوا بينتكم فيختم الله على فِيهِ وتنطق يَدَاهُ وَرجلَاهُ وفخذاه بِعَمَلِهِ فَيَقُول أَي وَعزَّتك لقد عملتها وَإِن عِنْدِي للعظائم الْمُضْمرَات قَالَ فَيَقُول الله تَعَالَى لَهُ اذْهَبْ فقد غفرتها لَك
стр. 291
فصل ذكر الصِّرَاط ودرجات النَّاس فِي الْمُرُور عَلَيْهِ
ذكر أَبُو بكر بن أبي شيبَة من حَدِيث عَائِشَة قَالَت قلت يَا رَسُول الله أتذكرون أهاليكم يَوْم الْقِيَامَة قَالَ أما عِنْد ثَلَاث فَلَا عِنْد الْكتاب وَعند الْمِيزَان وَعند الصِّرَاط
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة قَالَا قَالَ رَسُول الله ﷺ يجمع الله النَّاس فَيقوم الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تزلف لَهُم الْجنَّة فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ يَا أَبَانَا استفتح لنا الْجنَّة فَيَقُول وَهل أخرجكم من الْجنَّة إِلَّا خَطِيئَة أبيكم آدم لست بِصَاحِب ذَلِك اذْهَبُوا إِلَى ابْني إِبْرَاهِيم خَلِيل الله قَالَ فَيَقُول إِبْرَاهِيم ﵇ لست بِصَاحِب ذَلِك إِنَّمَا كنت خَلِيلًا من وَرَاء وَرَاء اعمدوا إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلمه الله تكليما فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇ فَيَقُول لست بِصَاحِب ذَلِك اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كلمة الله وروحه فَيَقُول عِيسَى لست بِصَاحِب ذَلِك قَالَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيقوم وَيُؤذن لَهُ وَترسل الْأَمَانَة وَالرحم فتقومان جنبتي الصِّرَاط يَمِينا وَشمَالًا فيمر أولكم كالبرق قَالَ قلت بِأبي أَنْت وَأمي أَي شَيْء كالبرق قَالَ ألم تروا إِلَى الْبَرْق كَيفَ يمر وَيرجع فِي طرفَة عين ثمَّ كمر الرّيح ثمَّ كمر الطير وَشد الرِّجَال تجْرِي بهم أَعْمَالهم ونبيكم ﷺ قَائِم على الصِّرَاط يَقُول رب سلم سلم حَتَّى تعجز أَعمال الْعباد حَتَّى يَجِيء الرجل فَلَا يَسْتَطِيع السّير إِلَّا زحفا قَالَ وَفِي حافتي الصِّرَاط كلاليب معلقَة مأمورة تَأْخُذ من أمرت بِهِ فمخدوش نَاجٍ ومكدوس فِي النَّار وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ إِن قَعْر جَهَنَّم لسبعون خَرِيفًا
стр. 292
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ وَذكر الصِّرَاط ومرور النَّاس عَلَيْهِ قَالَ فيمر الْمُؤْمِنُونَ كطرف الْعين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الْخَيل والركاب فناج مُسلم ومخدوش مُرْسل ومكدوس فِي نَار جَهَنَّم
وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ وَذكر حَدِيث الشَّفَاعَة قَالَ وَيضْرب الصِّرَاط بَين ظهراني جَهَنَّم فَأَكُون أَنا وَأمتِي أول من يُجِيز وَلَا يتَكَلَّم يَوْمئِذٍ إِلَّا الرُّسُل وَدَعوى الرُّسُل يَوْمئِذٍ اللَّهُمَّ سلم سلم وَفِي جَهَنَّم كلاليب مثل شوك السعدان هَل رَأَيْتُمْ السعدان قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ فَإِنَّهَا مثل شوك السعدان غير أَنه لَا يعلم قدر عظمها إِلَّا الله تخطف النَّاس بأعمالهم فَمنهمْ الموبق بِعَمَلِهِ وَمِنْهُم الْمجَازِي حَتَّى يُنجى وَذكر الحَدِيث
قد سمع رَحِمك الله بِهَذَا الطَّرِيق الْحَرج والمسلك الشاق والقنطرة المضطربة الَّتِي لَا تثبت عَلَيْهَا الْأَقْدَام وَلَا تجوزها الأوهام إِلَّا قدم ثبتَتْ على التَّقْوَى وَوهم جَازَ فِي الملكوت الْأَعْلَى
ولعلك تظن أَن هَذَا الطَّرِيق من طرق الدُّنْيَا الصعبة وسبلها الوعرة بل هُوَ أحد من السَّيْف وأدق من الشعرة فَمَا ظَنك بك وَقد حملت عَلَيْهِ وكلفت الْمُرُور بِهِ ومهواه جَهَنَّم تَحْتك وَقد مَلأ زفيرها أُذُنك ومنظرها الهائل قَلْبك وعينك وَأَرَدْت الْمُرُور فَلم تقدر والنهوض فَلم تستطع واضطرب بك اضطرابا والتهب ذَلِك السعير تَحْتك التهابا وَلم تَجِد إِلَى النجَاة سَبِيلا وَلَا إِلَى الْخَلَاص بَابا وَلَا ينْهض بك إِلَّا سعيك الَّذِي سعيت وَلَا جرى بك إِلَّا عَمَلك الَّذِي عملت ومركوبك الَّذِي فِي الدُّنْيَا ركبت فلتتخير الْآن أَي المراكب تركبها وَأي الْأَبْوَاب تدْخلهَا وَأي الطّرق تَأْخُذ فِيهَا وتسكلها وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
وأنشدوا
اجنب جيادا من التَّقْوَى مضمرة ... للسبق يَوْم يفوز النَّاس بِالسَّبقِ
تمر مر الرِّيَاح الهوج عَاصِفَة ... أَو لمحة الْبَرْق إِذْ يجتاز بالأفق
واركض إِلَى الْغَايَة القصوى وخل لَهَا ... عنان صدق رمي فِي فتية صدق
стр. 293
فَإِن خَلفك أعمالا مثبطة ... وَلست تنهض إِلَّا ويك بالعنق
كم حل عزمك من دنيا معرجة ... بقصدك الْيَوْم عَن مسلوكة الطّرق
وفاز من فَازَ لَا حزن وَلَا فرق ... وخلفوك حَلِيف الْحزن وَالْفرق
يَا غافلا والمنايا مِنْهُ فِي ذكر ... وضاحكا والردى مِنْهُ على حنق
قطعت عمرك فِي سَهْو وَفِي سنة ... وَمن أمامك ليل دَائِم الأرق
وَرب رَأْي ترَاهُ الْيَوْم فِي سفه ... عقلا ترَاهُ غَدا فِي غَايَة الْخرق
стр. 294
فصل مَا جَاءَ فِي أَن بعث النَّار من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ
ذكر مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله يَا آدم فَيَقُول لبيْك وَسَعْديك وَالْخَيْر فِي يَديك قَالَ يَقُول لَهُ أخرج بعث النَّار قَالَ وَمَا بعث النَّار قَالَ من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين قَالَ فَذَلِك حِين يشيب الصَّغِير وتضع كل ذَات حمل حملهَا وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد قَالَ فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِم قَالُوا يَا رَسُول الله أَيّنَا ذَلِك الرجل فَقَالَ أَبْشِرُوا فَإِن من يَأْجُوج وَمَأْجُوج ألفا ومنكم رجل قَالَ ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأطمع أَن تَكُونُوا ربع أهل الْجنَّة فحمدنا الله وَكَبَّرْنَا ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأطمع أَن تَكُونُوا ثلث أهل الْجنَّة فحمدنا الله وَكَبَّرْنَا ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأطمع أَن تَكُونُوا شطر أهل الْجنَّة وَإِن مثلكُمْ فِي الْأُمَم كَمثل الشعرة الْبَيْضَاء فِي جلد الثور الْأسود أَو كالرقمة فِي ذِرَاع الْحمار
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث من الزِّيَادَة اللَّهُمَّ قد بلغت
وَفِي بعض طرقه من غير كتاب مُسلم وَذكر بعث النَّار فَقَالَ رجل وَمن النَّاجِي بعد ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا أَنْتُم فِي النَّاس إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي جنب الْبَعِير
стр. 295
فصل مَا جَاءَ فِي أهل الفترة
ذكر أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن الْأسود بن سريع عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يعرض على الله ﵎ الْأَصَم الَّذِي لَا يسمع شَيْئا والأحمق والهرم وَرجل مَاتَ فِي الفترة فَيَقُول الْأَصَم رب جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أسمع شَيْئا وَيَقُول الأحمق رب جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أَعقل شَيْئا وَيَقُول الَّذِي مَاتَ فِي الفترة رب مَا أَتَانِي لَك من رَسُول قَالَ أَبُو بكر وَذهب عني مَا قَالَ الرَّابِع قَالَ فَيَأْخُذ مواثيقهم ليطيعوه فَيُرْسل إِلَيْهِم ﵎ ادخُلُوا النَّار فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو دخلوها لكَانَتْ عَلَيْهِم بردا وَسلَامًا
قد جَاءَ هَذَا الحَدِيث وَهُوَ صَحِيح فِيمَا أعلم وَالْآخِرَة لَيست دَار تَكْلِيف وَلَا عمل وَلَكِن الله يخْتَص من شَاءَ بِمَا شَاءَ ويكلف من شَاءَ بِمَا شَاءَ وَحَيْثُ شَاءَ لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
стр. 296
فصل فِي سَعَة رَحْمَة الله وَأَنَّهَا تغلب غَضَبه
حدث عَن الْجُود وَعَن فيضه ... فَالْأَمْر مَبْنِيّ على الْجُود
وَاذْكُر لنا بعض أعاجيبه ... فلست تحصيه بتعديد
هَيْهَات ماجود مليك الورى ... وخالق الْخلق بمحدود
حدث عَن الْبَحْر وَمَا الْبَحْر ... فِي بعض أياديه بموجود
وَمن الَّذِي أَفَاضَ هَذِه البركات وأتى بِهَذِهِ الْخيرَات وَمن بِهَذِهِ النعم الَّتِي مَلَأت مَا بَين الْأَرْضين وَالسَّمَاوَات وَمن ذَا الَّذِي يسْتَخْرج من ظلمات الْكفْر ويستنقذ من غَمَرَات الْجَهْل وَيغْفر الذُّنُوب وَيسْتر الْعُيُوب وينفس عَن المكروب ويجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ وَلَا يُبَالِي أطاعه عَبده أم عَصَاهُ من هُوَ إِلَّا أرْحم الرَّاحِمِينَ وَأكْرم الأكرمين رب الْعَالمين إِلَه الْأَوَّلين والآخرين لَا إِلَه إِلَّا الله هُوَ الْملك الْحق الْمُبين
ذكر مُسلم عَن سعيد بن الْمسيب أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول جعل الله الرَّحْمَة مائَة جُزْء فَأمْسك عِنْده تِسْعَة وَتِسْعين وَأنزل فِي الأَرْض جزأ وَاحِدًا فَمن ذَلِك الْجُزْء يتراحم الْخَلَائق حَتَّى ترفع الدَّابَّة حافرها عَن وَلَدهَا خشيَة أَن تصيبه
وَلمُسلم فِي لفظ آخر كل رَحْمَة مِنْهَا طباق مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أكملها بِهَذِهِ الرَّحْمَة ذكره من حَدِيث سلمَان الْفَارِسِي
وَذكر مُسلم أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لما خلق الله
стр. 297
الْخلق كتب فِي كِتَابه فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش أَن رَحْمَتي تغلب غَضَبي
وَذكر الْبَزَّار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا خلق الله تَعَالَى من شَيْء إِلَّا وَقد خلق مَا يغلبه وَخلق رَحمته تغلب غَضَبه
وَمن مُسْند الْبَزَّار أَيْضا عَن عمر بن الْخطاب قَالَ بَلغنِي أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي بعض مغزيه فَبَيْنَمَا هم يَسِيرُونَ إِذْ أخذُوا فرخ طير فَأقبل أحد أَبَوَيْهِ حَتَّى سقط فِي أَيدي الَّذين أخذُوا الفرخ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا تعْجبُونَ لهَذَا الطير أَخذ فرخه فَأقبل حَتَّى سقط فِي أَيْديهم وَالله لله أرْحم بخلقه من هَذَا الطَّائِر بفرخه
لَا نعلم لَهُ طَرِيقا غير هَذَا الطَّرِيق
وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج عَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يخرج من النَّار أَرْبَعَة فيعرضون على الله فيلتفت أحدهم فَيَقُول أَي رب إِذْ أخرجتني مِنْهَا فَلَا تعدني فِيهَا قَالَ فينجيه الله تَعَالَى مِنْهَا
ويروى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَن رجلَيْنِ مِمَّن يدْخل النَّار يشْتَد صياحهما فِيهَا فَيَقُول الرب أخرجوهما فَلَمَّا خرجا قَالَ لَهما لأي شَيْء اشْتَدَّ صياحكما فَيَقُولَانِ فعلنَا ذَلِك لترحمنا فَيَقُول إِن رَحْمَتي إياكما أَن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حَيْثُ كنتما فِي النَّار فينطلقان فيلقي أَحدهمَا نَفسه فِي النَّار فيجعلها الله عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا وَيقوم الآخر فَلَا يلقِي نَفسه فَيَقُول لَهُ الرب ﵎ مَا مَنعك أَن تلقي نَفسك كَمَا ألْقى صَاحبك نَفسه فَيَقُول رب إِنِّي لأرجو أَن لَا تعيدني فِيهَا بعد أَن أخرجتني مِنْهَا فَيَقُول الرب سُبْحَانَهُ لَك رجاؤك فيدخلان الْجنَّة مَعًا برحمة الله
وَهَذَا الحَدِيث ذكره التِّرْمِذِيّ وَغَيره
стр. 298
وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم وَجَاء بِقوم يذنبون فيستغفرون فَيغْفر لَهُم
ويروى عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم قَالَ طفت لَيْلَة بِالْبَيْتِ الْحَرَام وَكَانَت لَيْلَة مطيرة شَدِيدَة الظلمَة وَقد خلا الطّواف وَطَابَتْ نَفسِي فوقفت عِنْد الْمُلْتَزم أَدْعُو فَقلت اللَّهُمَّ اعصمني حَتَّى لَا أعصيك فَهَتَفَ بِي هَاتِف يَا إِبْرَاهِيم أَنْت تسأله الْعِصْمَة وكل عباده يسْأَله الْعِصْمَة فَإِذا عصمهم فعلى من يتفضل وَلمن يغْفر
стр. 299
فصل كَثْرَة أمة مُحَمَّد ﷺ
ذكر مُسلم بن الْحجَّاج عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا أول النَّاس يشفع فِي الْجنَّة وَأَنا أَكثر الْأَنْبِيَاء تبعا
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَأْتِي معي من أمتِي يَوْم الْقِيَامَة مثل اللَّيْل والسيل فيحطم النَّاس حطمة فَتَقول الْمَلَائِكَة جَاءَ مَعَ مُحَمَّد أَكثر مِمَّا جَاءَ مَعَ سَائِر الْأَنْبِيَاء
وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ فأسند ظَهره إِلَى قبَّة أَدَم فَقَالَ أَلا لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة اللَّهُمَّ هَل بلغت اللَّهُمَّ اشْهَدْ أتحبون أَن تَكُونُوا ربع أهل الْجنَّة قُلْنَا نعم يَا رَسُول الله قَالَ أتحبون أَن تَكُونُوا ثلث أهل الْجنَّة قُلْنَا نعم يَا رَسُول الله قَالَ فَإِنِّي لأرجو أَن تَكُونُوا شطر أهل الْجنَّة مَا أَنْتُم فِي أهل الشّرك إِلَّا كالشعرة الْبَيْضَاء فِي جلد الثور الْأسود أَو كالشعرة السَّوْدَاء فِي جلد الثور الْأَحْمَر
وَذكر التِّرْمِذِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أهل الْجنَّة عشرُون وَمِائَة صف ثَمَانُون من هَذِه الْأمة وَأَرْبَعُونَ من سَائِر الْأُمَم
стр. 300
فصل ذكر كم يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب
ذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ عرضت عَليّ الْأُمَم فَرَأَيْت النَّبِي وَمَعَهُ الرَّهْط وَالنَّبِيّ وَمَعَهُ الرجل وَالرجلَانِ وَالنَّبِيّ لَيْسَ مَعَه أحد إِذْ رفع لي سَواد عَظِيم فَظَنَنْت أَنهم أمتِي فَقيل لي هَذَا مُوسَى وَقَومه وَلَكِن انْظُر إِلَى الْأُفق فَنَظَرت فَإِذا سَواد عَظِيم فَقيل لي انْظُر إِلَى الْأُفق الآخر فَإِذا سَواد عَظِيم فَقيل لي هَذِه أمتك وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ ألفا يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَلَا عَذَاب ثمَّ نَهَضَ فَدخل منزله فَخَاضَ النَّاس فِي أُولَئِكَ الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَلَا عَذَاب فَقَالَ بَعضهم فلعلهم الَّذين صحبوا رَسُول الله ﷺ وَقَالَ بَعضهم فلعلهم الَّذين ولدُوا فِي الْإِسْلَام فَلم يشركوا بِاللَّه شَيْئا وَذكروا أَشْيَاء فَخرج عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مَا الَّذِي تخوضون فِيهِ فأخبروه فَقَالَ هم الَّذين لَا يرقون وَلَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ عكاشة بن مُحصن فَقَالَ ادْع الله ان يَجْعَلنِي مِنْهُم فَقَالَ أَنْت مِنْهُم ثمَّ قَامَ رجل آخر فَقَالَ ادْع الله أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم فَقَالَ سَبَقَك بهَا عكاشة
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار عَن الْحسن والْعَلَاء بن زِيَاد عَن عمرَان ابْن حُصَيْن عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ تحدثنا عِنْد رَسُول الله ﷺ ذَات لَيْلَة حَتَّى أكثرنا الحَدِيث ثمَّ تراجعنا إِلَى الْبيُوت فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غدونا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 301
عرضت عَليّ الْأَنْبِيَاء اللَّيْلَة بأتباعها من أممها فَجعل النَّبِي يمر مَعَه الثَّلَاثَة من قومه وَالنَّبِيّ وَمَعَهُ الْعِصَابَة من قومه وَالنَّبِيّ وَمَعَهُ النَّفر من قومه وَالنَّبِيّ لَيْسَ مَعَه من قومه اُحْدُ حَتَّى أَتَى عَليّ مُوسَى بن عمرَان فِي كوكبة من بني إِسْرَائِيل فَلَمَّا رَأَيْتهمْ أعجبوني فَقلت يَا رب من هَؤُلَاءِ فَقَالَ هَذَا أَخُوك مُوسَى بن عمرَان وَمن تبعه من بني إِسْرَائِيل قلت رب وَأَيْنَ أمتِي قيل انْظُر عَن يَمِينك فاذا الضراب ضراب مَكَّة قد سد بِوُجُوه الرِّجَال فَقلت يَا رب من هَؤُلَاءِ قيل لي أمتك فَقيل لي هَل رضيت فَقلت رب رضيت رب رضيت رب رضيت ثمَّ قيل لي انْظُر عَن يسارك فَإِذا الْأُفق قد سد بِوُجُوه الرِّجَال فَقلت رب من هَؤُلَاءِ قيل أمتك قَالَ فَقيل لي هَل رضيت فَقلت يَا رب رضيت ثمَّ قيل لي ان مَعَ هَؤُلَاءِ سبعين ألفا يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب فَأَنْشَأَ عكاشة بن مُحصن رجل من بني أَسد بن خُزَيْمَة فَقَالَ يَا رَسُول الله ادْع الله ان يَجْعَلنِي مِنْهُم فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُم ثمَّ أَتَى رجل آخر فَقَالَ يَا نَبِي الله ادْع الله أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم فَقَالَ سَبَقَك بهَا عكاشة
قَالَ رَسُول الله ﷺ فدى لكم أبي وَأمي إِن اسْتَطَعْتُم أَن تَكُونُوا من السّبْعين فكونوا وَإِن عجزتم أَو قصرتم فكونوا من أهل الضراب فَإِن عجزتم أَو قصرتم فكونوا من أهل الْأُفق فَإِنِّي رَأَيْت ثمَّ أُنَاسًا يتهوشون كثيرا ثمَّ قَالَ نَبِي الله ﷺ إِنِّي لأرجو أَن يكون من تَبِعنِي من أمتِي ربع أهل الْجنَّة قَالَ فكبرنا ثمَّ قَالَ إِنِّي لأرجو أَن تَكُونُوا الثُّلُث قَالَ فكبرنا ثمَّ قَالَ إِنِّي لأرجو ان تَكُونُوا الشّطْر فكبرنا فَتلا رَسُول الله ﷺ قلَّة من الْأَوَّلين وثلة من الآخرين فتراجع الْمُسلمُونَ من هَؤُلَاءِ لَا نراهم إِلَّا الَّذين ولدُوا فِي الْإِسْلَام وَلم يزَالُوا يعْملُونَ بِهِ حَتَّى مَاتُوا عَلَيْهِ قَالَ فنما حَدِيثهمْ إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ كَذَا وَلَكِن هم الَّذين لَا يسْتَرقونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ
وَذكر مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدْخل الْجنَّة من أمتِي زمرة هم سَبْعُونَ ألفا تضيء وُجُوههم إضاءة الْقَمَر لَيْلَة
стр. 302
الْبَدْر وَذكر الحَدِيث
كَذَا فِي هَذَا الحَدِيث يدْخل من أمتِي زمرة وَلم يقل الْجنَّة وَقَالَ الْجنَّة فِي طَرِيق آخر
وَقَالَ فِي حَدِيث سهل بن سعد عَن النَّبِي ﷺ متماسكون آخذ بَعضهم بِبَعْض لَا يدْخل أَوَّلهمْ حَتَّى يدْخل آخِرهم ووجوههم على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر
وَذكر أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث رِفَاعَة بن عرابة قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ حَتَّى إِذا كُنَّا بِقديد جعل رجال منا يستأذنون إِلَى أَهْليهمْ فَأذن لَهُم وَحمد الله ثمَّ قَالَ مَا بَال رجال شقّ الشَّجَرَة الَّتِي تلِي رَسُول الله ﷺ أبْغض إِلَيْهِم من الشق الآخر فَلم ير عِنْد ذَلِك من الْقَوْم إِلَّا باكيا فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله إِن الَّذِي يستأذنك بعد هَذَا لسفيه ويروى لشقي قَالَ فَحَمدَ الله وَقَالَ خيرا وَقَالَ أشهد عِنْد الله أَن لَا يَمُوت عبد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صدقا من قلبه ثمَّ يسدد إِلَّا سلك فِي الْجنَّة ثمَّ قَالَ وَعَدَني رَبِّي أَن يدْخل الْجنَّة من أمتِي سبعين ألفا لَا حِسَاب عَلَيْهِم وَلَا عَذَاب وَإِنِّي لأرجو أَن لَا يدخلوها حَتَّى تبوؤا أَنْتُم وَمن صلح من أزواجكم وذرياتكم مسَاكِن الْجنَّة
وَذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول وَعَدَني رَبِّي أَن يدْخل الْجنَّة من أمتِي سبعين ألفا لَا حِسَاب عَلَيْهِم وَلَا عَذَاب مَعَ كل ألف سَبْعُونَ ألفا وَثَلَاث حثيات من حثيات رَبِّي
وَذكر أَبُو بكر الشَّافِعِي من حَدِيث حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ غَابَ عَنَّا رَسُول الله ﷺ يَوْمًا فَلم يخرج حَتَّى ظننا أَن لن يخرج فَلَمَّا خرج سجد سَجْدَة ظننا أَن نَفسه قد قبضت فَلَمَّا رفع رَأسه قَالَ إِن رَبِّي عز وَجل
стр. 303
استشارني فِي أمتِي مَاذَا أفعل بهم قلت مَا شِئْت يَا رب هم خلقك وعبادك فاستشارني الثَّانِيَة فَقل لَهُ كَذَلِك ثمَّ استشارني الثَّالِثَة فَقلت لَهُ كَذَلِك فَقَالَ إِنِّي لم أخزك فِي أمتك وبشرني أَن أول من يدْخل الْجنَّة زمرة من أمتِي سَبْعُونَ ألفا مَعَ كل ألف سَبْعُونَ ألفا لَيْسَ عَلَيْهِم حِسَاب ثمَّ أرسل إِلَيّ رَبِّي ادْع تجب وسل تعطه فَقلت لرَسُوله أَو معطي رَبِّي سؤلي قَالَ مَا أرسل إِلَيْك إِلَّا ليعطيك وَلَقَد أَعْطَانِي رَبِّي من غير فَخر أَنه غفر لي مَا تقدم وَمَا تَأَخّر وَشرح صَدْرِي وَأَعْطَانِي ان لَا تجوع أمتِي وَلَا تغلب وَأَنه أَعْطَانِي الْكَوْثَر نَهرا فِي الْجنَّة يسيل فِي حَوْضِي وَأَنه أَعْطَانِي الْعِزَّة والنصر والرعب وَأَنه أَعْطَانِي بِأَنِّي أول الْأَنْبِيَاء دُخُولا الْجنَّة وَطيب لي ولأمتي الْغَنِيمَة وَأحل لنا كثيرا مِمَّا شدد على من كَانَ قبلنَا وَلم يَجْعَل علينا فِي الدّين من حرج فَلم أجد شكرا إِلَّا هَذِه السَّجْدَة
قَوْله ﵇ أَعْطَانِي أَن لَا تجوع أمتِي وَلَا تغلب أَي لَا تجوع كلهَا وَلَا تغلب كلهَا إِنَّمَا هُوَ إِن جاعت فِي أَرض شبعت فِي أُخْرَى وَإِن غلبت فِي مَوضِع غلبت فِي مَوضِع آخر
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يدْخل الْجنَّة من أمتِي سَبْعُونَ ألفا مَعَ كل وَاحِد من السّبْعين ألفا سَبْعُونَ ألفا
وَعَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق ﵁ ان رَسُول الله ﷺ قَالَ ان رَبِّي أَعْطَانِي سبعين ألفا من أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب فَقَالَ عمر بن الْخطاب فَهَلا استزدته فَقَالَ استزدته فَأَعْطَانِي مَعَ كل رجل سبعين ألفا قَالَ فَهَلا استزدته فَقَالَ أَعْطَانِي هَكَذَا وَبسط بَاعه فَقَالَ هَذَا من الله تَعَالَى لَا يدْرِي مَا عدده
стр. 304
الْبَاب التَّاسِع عشر الشَّفَاعَة الثَّانِيَة فِي الْخُرُوج من النَّار وَذكر خُرُوج من يدخلهَا من الْمُوَحِّدين
أعلم رَحِمك الله أَنه قد وَجب فِي الحكم الأول والقضية السَّابِقَة دُخُول النَّار على طوائف من الْمُؤمنِينَ مِمَّن أوبقتهم سيئاتهم وأحاطت بهم خطيئاتهم فَلم تمحها عَنْهُم عقوبات الدُّنْيَا وَلَا عَذَاب الْقَبْر وَلَا أهوال يَوْم الْحَشْر وكل إِنْسَان مِنْهُم تنَال مِنْهُ النَّار بِمِقْدَار عمله وَتَأْخُذ مِنْهُ إِلَى الْحَد الَّذِي أمرت بِهِ
ثمَّ إِن الله تَعَالَى بفضله وَرَحمته يقبل فيهم شَفَاعَة الشافعين ورغبة الراغبين وسؤال السَّائِلين من الْأَنْبِيَاء وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاء العاملين وكل من لَهُ عِنْد الله جاه ومنزلة قد بلغَهَا بِعَمَلِهِ ونالها بِصَالح سَعْيه فَإِن لَهُ شَفَاعَة فِي أَهله وبنيه وأقربائه وأوليائه بل رُبمَا فِي الرجل كَانَ يعرفهُ فِي الدُّنْيَا وَلم يكن بَينهمَا صُحْبَة وَلَا كثير معرفَة
وَاعْلَم أَن الجاه الَّذِي تكون بِهِ الشَّفَاعَة وَيقبل بِهِ السُّؤَال وتقضى بِهِ الْحَوَائِج وَتحصل بِهِ الْمنزلَة عِنْد الله تَعَالَى إِنَّمَا يكون اكتسابه فِي الدُّنْيَا وتحصيله هُنَا بِالْعَمَلِ الصَّالح على الْحَد الَّذِي حد لَهُ فِيهِ وَالطَّرِيق الَّذِي أَمر أَن يسلكه إِلَيْهِ
وَمن ذَلِك الْعَمَل التَّوَاضُع للْمُسلمين ولين الْجنَاح لَهُم وَاحْتِمَال الْأَذَى مِنْهُم وَالصَّبْر عَلَيْهِم وَإِسْقَاط الْمنزلَة عِنْدهم وطلبها عِنْد خالقهم ﷻ
وَقد تقدم حَدِيث مُسلم بِإِسْنَادِهِ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا أول النَّاس يشفع فِي الْجنَّة وَأَنا أَكثر الْأَنْبِيَاء تبعا
وَذكر أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله
стр. 305
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي
ويروى عَن أبي أُمَامَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم الرجل أَنا لشرار أمتِي قَالُوا فَكيف أَنْت لخيارها قَالَ أما خِيَارهَا فَيدْخلُونَ الْجنَّة بأعمالهم وَأما شرار أمتِي فَيدْخلُونَ الْجنَّة بشفاعتي
ذكره أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ
وَذكر أَبُو بكر بن أبي شيبَة بِإِسْنَادِهِ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَحْرُسهُ أَصْحَابه قَالَ فَقُمْت ذَات لَيْلَة فَلم أره فِي مَنَامه فأخذني مَا حدث وَمَا قدم فَقُمْت أنظر فَإِذا معَاذ بن جبل قد لَقِي مثل الَّذِي لقِيت فَسمِعت صَوتا مثل هزيز الرحاوين تجررهما فوقفا على مكانيهما فجَاء رَسُول الله ﷺ من قبل الْبيُوت فَقَالَ هَل تدريان أَيْن كنت أَو فيمَ كنت قَالَا أَيْن كنت قَالَ أَتَانِي آتٍ من رَبِّي يخيرني بَين أَن يدْخل شطر أمتِي الْجنَّة وَبَين الشَّفَاعَة فاخترت الشَّفَاعَة فَقَالَا يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يجعلنا فِي شفاعتك قَالَ أَنْتُم فِي شَفَاعَتِي فَدَعَا لَهما فَأقبل وأقبلا مَعَه فَكلما لقِيه رجل سَأَلَهُ حَتَّى استقبله مُعظم النَّاس فَأخْبرهُم فَقَالُوا يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يجعلنا فِي شفاعتك قَالَ أَنْتُم فِي شَفَاعَتِي وَمن لَقِي الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا فَهُوَ فِي شَفَاعَتِي
وَذكر التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الطُّفَيْل بن أبي عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا كَانَ يَوْم لَا الْقِيَامَة كنت إِمَام النَّبِيين وخطيبهم وَصَاحب شفاعتهم من غير فَخر
وَذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث يزِيد الْفَقِير قَالَ كنت قد شغفني رَأْي من رَأْي الْخَوَارِج فخرجنا فِي عِصَابَة ذَوي عدد نُرِيد أَن نحج ثمَّ نخرج على النَّاس فمررنا بِالْمَدِينَةِ فَإِذا جَابر بن عبد الله يحدث النَّاس جَالِسا إِلَى سَارِيَة عَن رَسُول الله ﷺ فَإِذا هُوَ قد ذكر الجهنميين قَالَ فَقلت يَا صَاحب رَسُول الله مَا هَذَا الَّذِي تحدثون وَالله يَقُول إِنَّك من تدخل النَّار
стр. 306
فقد أخزيته وَكلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا أعيدوا فِيهَا فَمَا هَذَا الَّذِي تحدثون قَالَ أَتَقْرَأُ الْقُرْآن قلت نعم قَالَ فَهَل سَمِعت بمقام مُحَمَّد ﷺ الَّذِي بَعثه الله قَالَ فَإِنَّهُ مقَام مُحَمَّد ﷺ الْمَحْمُود الَّذِي يخرج الله بِهِ من يخرج قَالَ ثمَّ نعت وضع الصِّرَاط وَمر النَّاس عَلَيْهِ قَالَ وأخاف أَن لَا أكون أحفظ ذَلِك إِلَّا أَنه قد زعم أَن قوما يخرجُون من النَّار بعد أَن يَكُونُوا فِيهَا قَالَ فَيخْرجُونَ كَأَنَّهُمْ عيدَان السماسم فَيدْخلُونَ نَهرا من أَنهَار الْجنَّة فَيخْرجُونَ كَأَنَّهُمْ الْقَرَاطِيس فرجعنا فَقُلْنَا وَيحكم أَتَرَوْنَ الشَّيْخ يكذب على رَسُول الله ﷺ فَلَا وَالله مَا خرج منا غير رجل وَاحِد أَو كَمَا قَالَ
أَرَادَ بِالرَّأْيِ الَّذِي شغفه من رَأْي الْخَوَارِج تكذيبهم بالشفاعة وَقَوْلهمْ إِنَّه من دخل النَّار من المذنبين فَلَنْ يخرج مِنْهَا
وَذكر مُسلم أَيْضا عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن قوما يخرجُون من النَّار يحترقون فِيهَا إِلَّا دارت وُجُوههم حَتَّى يدخلُوا الْجنَّة
وَذكر البُخَارِيّ عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يخرج قوم من النَّار بشفاعة مُحَمَّد ﷺ فَيدْخلُونَ الْجنَّة ويسمون الجهنميين
وَعَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ليصيبن أَقْوَامًا سفع من النَّار بذنوب أصابوها عُقُوبَة ثمَّ يدخلهم الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم فَيُقَال لَهُم الجهنميون
وَذكر أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة بن الْيَمَان عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ليخرجن أَقوام من النَّار منتنون قد امتحشوا فَيدْخلُونَ الْجنَّة برحمة الله وشفاعة الشافعين فيسمون الجهنميين
стр. 307
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أما أهل النَّار الَّذين هم أَهلهَا فَلَا يموتون فِيهَا وَلَا يحيون وَأما الَّذين يُرِيد الله إخراجهم فتميتهم النَّار ثمَّ يخرجُون مِنْهَا فيلقون على نهر الْحَيَاة فيرش عَلَيْهِم من مَائِهَا فينبتون كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي حميل السَّيْل ويدخلون الْجنَّة فيسميهم أهل الْجنَّة الجهنميين فَيدعونَ الله تَعَالَى فَيذْهب ذَلِك الِاسْم عَنْهُم
وَذكر مُسلم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يدْخل الله أهل الْجنَّة الْجنَّة يدْخل من يَشَاء برحمته وَيدخل أهل النَّار النَّار ثمَّ يَقُول انْظُرُوا من وجدْتُم فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل من إِيمَان فأخرجوه فَيخْرجُونَ مِنْهَا حمما قد امتحشوا فيلقون فِي نهر الْحَيَاة فينبتون فِيهِ كَمَا تنْبت الْحبَّة إِلَى جَانب السَّيْل ألم تَرَوْهَا كَيفَ تخرج صفراء ملتوية
وَذكر التِّرْمِذِيّ عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يعذب نَاس من أهل التَّوْحِيد فِي النَّار حَتَّى يَكُونُوا فِيهَا حمما ثمَّ تُدْرِكهُمْ الرَّحْمَة فَيخْرجُونَ ويطرحون على أَبْوَاب الْجنَّة قَالَ فيرش عَلَيْهِم أهل الْجنَّة المَاء فينبتون كَمَا ينْبت الغثاء فِي حمالَة السَّيْل ثمَّ يدْخلُونَ الْجنَّة
وَفِي مُسْند أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَمْرو بن مَيْمُون أَن ابْن مَسْعُود حَدثهمْ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يكون قوم فِي النَّار مَا شَاءَ الله ثمَّ يرحمهم الله فيخرجهم فيكونون فِي أدنى الْجنَّة فيغتسلون فِي نهر الْحَيَاة يسميهم أهل الْجنَّة الجهنميين لَو أضَاف أحدهم أهل الأَرْض لأطعمهم وسقاهم وَأَحْسبهُ قَالَ وزودهم لَا ينقصهُ ذَلِك شَيْئا
وَذكر أَبُو بكر الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن من الْمُؤمنِينَ من يدْخل بِشَفَاعَتِهِ الْجنَّة أَكثر من ربيعَة وَمُضر
стр. 308
وَذكر الْبَزَّار عَن ثَابت أَنه سمع أنس بن مَالك يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل ليشفع للرجلين وَالثَّلَاثَة
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن من أمتِي لمن يشفع فِي الفئام من النَّاس وَمِنْهُم من يشفع للقبيلة وَمِنْهُم من يشفع للْعصبَةِ وَمِنْهُم من يشفع للرجل وَأهل بَيته حَتَّى يدخلُوا الْجنَّة
وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمع الله أهل الْجنَّة صُفُوفا وَأهل النَّار صُفُوفا فَينْظر الرجل من صُفُوف أهل النَّار إِلَى الرجل من صُفُوف أهل الْجنَّة فَيَقُول لَهُ يَا فلَان أَلا تذكر يَوْم اصطنعت مَعْرُوفا إِلَيْك فِي الدُّنْيَا فَيَقُول اللَّهُمَّ إِن هَذَا اصْطنع إِلَيّ مَعْرُوفا فِي الدُّنْيَا قَالَ فَيُقَال لَهُ خُذ بِيَدِهِ فَأدْخلهُ الْجنَّة برحمة الله قَالَ أنس أشهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُوله
وَذكر الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ أصبح رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم فَذكر حَدِيثا طَويلا من حَدِيث يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ ذكر فِيهِ شَفَاعَة الشُّهَدَاء وَقَالَ ثمَّ يَقُول الله أَنا أرْحم الرَّاحِمِينَ انْظُرُوا فِي النَّار هَل فِيهَا من أحد عمل خيرا قطّ فيجدون فِي النَّار رجلا فَيُقَال لَهُ هَل عملت خيرا قطّ فَيَقُول لَا غير أَنِّي قد أمرت وَلَدي إِذا أنامت فاحرقوني بالنَّار ثمَّ اطحنوني حَتَّى إِذا كنت مثل الْكحل فاذهبوا بِي إِلَى الْبَحْر فاذروني فِي الرّيح فوَاللَّه لَا يقدر عَليّ رب الْعَالمين أبدا فيعاقبني إِذا عَاقَبت نَفسِي فِي الدُّنْيَا عَلَيْهِ قَالَ الله تَعَالَى لم فعلت ذَلِك قَالَ من مخافتك فَيُقَال انْظُر ملكا أعظم ملك فَإِن لَك مثله وَعشرَة أَمْثَاله
وَذكر أَبُو بكر النجار من حَدِيث أبي بكرَة الثَّقَفِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 309
قَالَ يحمل النَّاس يَوْم الْقِيَامَة على الصِّرَاط فتتقادع بهم جنبتا الصِّرَاط تقادع الْفراش فِي النَّار ثمَّ يُؤذن للْمَلَائكَة والنبيين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ فيشفعون وَيخرجُونَ من كَانَ فِي قلبه مَا يزن ذرة من إِيمَان
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن نَاسا فِي زمن رَسُول الله ﷺ قَالُوا يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة قَالَ رَسُول الله ﷺ نعم فَهَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الشَّمْس بالظهيرة صحوا لَيْسَ مَعهَا سَحَاب وَهل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر صحوا لَيْسَ فِيهَا سَحَاب قَالُوا لَا يَا رَسُول الله قَالَ فَمَا تضَارونَ فِي رُؤْيَة الله ﵎ يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا كَمَا تضَارونَ فِي رُؤْيَة أَحدهمَا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أذن مُؤذن لتتبع كل أمة مَا كَانَت تعبد فَلَا يبْقى أحد كَانَ يعبد غير الله من الْأَصْنَام والأنصاب إِلَّا يتساقطون فِي النَّار حَتَّى لم يبْق إِلَّا من كَانَ يعبد الله من بر وَفَاجِر وغبر أهل الْكتاب فيدعى الْيَهُود فَيُقَال لَهُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ قَالُوا كُنَّا نعْبد عَزِيزًا ابْن الله فَيُقَال كَذبْتُمْ مَا اتخذ الله من صَاحِبَة وَلَا ولد فَمَاذَا تبغون قَالُوا عطشنا يَا رب فاسقنا فيشار إِلَيْهِم أَلا تردون فيحشرون إِلَى النَّار كَأَنَّهَا سراب يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فيتساقطون فِي النَّار ثمَّ يدعى النَّصَارَى فَيُقَال لَهُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ قَالُوا كُنَّا نعْبد الْمَسِيح ابْن الله فَيُقَال لَهُم كَذبْتُمْ مَا اتخذ الله من صَاحِبَة وَلَا ولد فَيُقَال لَهُم مَاذَا تبغون فَيَقُولُونَ عطشنا يَا رَبنَا فاسقنا فيشار إِلَيْهِم أَلا تردون فيحشرون إِلَى جَهَنَّم كَأَنَّهَا سراب يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فيتساقطون فِي النَّار حَتَّى إِذا لم يبْق إِلَّا من كَانَ يعبد الله من بر وَفَاجِر أَتَاهُم الله فِي أدنى صُورَة من الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا قَالَ فَمَا تنْظرُون تتبع كل أمة مَا كَانَت تعبد قَالُوا يَا رَبنَا فارقنا النَّاس فِي الدُّنْيَا أفقر مَا كُنَّا إِلَيْهِم وَلم نصاحبهم فَيَقُول أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا حَتَّى إِن بَعضهم ليكاد أَن يَنْقَلِب فَيَقُول هَل بَيْنكُم وَبَينه آيَة فتعرفونه بهَا فَيَقُولُونَ نعم فَيكْشف عَن سَاق فَلَا يبْقى أحد مِمَّن كَانَ يسْجد
стр. 310
لله من تِلْقَاء نَفسه إِلَّا أذن لَهُ بِالسُّجُود وَلَا يبْقى أحد مِمَّن كَانَ يسْجد اتقاء ورياء إِلَّا جعل الله ظَهره طبقَة وَاحِدَة كلما أَرَادَ أَن يسْجد خر على قَفاهُ ثمَّ يرفعون رؤوسهم وَقد تحول فِي صورته الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أول مرّة فَيَقُول أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ أَنْت رَبنَا ثمَّ يضْرب الجسر على جَهَنَّم وَتحل الشَّفَاعَة وَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ سلم سلم قيل يَا رَسُول الله وَمَا الجسر قَالَ دحض مزلة فِيهِ خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بِنَجْد فِيهَا شويكة يُقَال لَهَا السعدان فيمر الْمُؤْمِنُونَ كطرف الْعين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الْخَيل والركاب فناج مُسلم ومخدوش مُرْسل ومكدوس فِي نَار جَهَنَّم حَتَّى إِذا خلص الْمُؤْمِنُونَ من النَّار فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا من أحد مِنْكُم بأشد مناشدة لله فِي اسْتِيفَاء الْحق من الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة لإخوانهم الَّذين فِي النَّار فَيَقُولُونَ رَبنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعنا وَيصلونَ ويحجون فَيُقَال لَهُم أخرجُوا من عَرَفْتُمْ فَتحرم صورهم على النَّار فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا قد أخذت النَّار إِلَى نصف سَاقه وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ ثمَّ يَقُولُونَ رَبنَا لم نذر فِيهَا أحدا مِمَّن أمرتنا بِهِ ثمَّ يَقُول ارْجعُوا فَمن وجدْتُم فِي قلبه مِثْقَال دِينَار من خير فأخرجوه فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا ثمَّ يَقُولُونَ رَبنَا لم نذر فِيهَا أحدا مِمَّن أمرتنا ثمَّ يَقُول ارْجعُوا فَمن وجدْتُم فِي قلبه مِثْقَال نصف دِينَار من خير فأخرجوه فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا ثمَّ يَقُولُونَ رَبنَا لم نذر فِيهَا مِمَّن أمرتنا أحدا ثمَّ يَقُول ارْجعُوا فَمن وجدْتُم فِي قلبه مِثْقَال ذرة من خير فأخرجوه فَيخْرجُونَ خلقا كثيرا ثمَّ يَقُولُونَ رَبنَا لم نذر فِيهَا خيرا
وَكَانَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول إِن لم تصدقوني بِهَذَا الحَدِيث فاقرؤا ان شِئْتُم إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما
стр. 311
فَيَقُول الله شفعت الْمَلَائِكَة وشفع النَّبِيُّونَ وشفع الْمُؤْمِنُونَ وَلم يبْق إِلَّا أرْحم الرَّاحِمِينَ فَيقبض قَبْضَة من النَّار فَيخرج مِنْهَا قوما لم يعملوا خيرا قطّ قد عَادوا حمما فيلقيهم فِي نهر فِي أَفْوَاه الْجنَّة يُقَال لَهُ نهر الْحَيَاة فَيخْرجُونَ كَمَا تخرج الْحبَّة فِي حميل السَّيْل أَلا ترونها كَيفَ تكون إِلَى الشّجر أَو الْحجر فَمَا يكون إِلَى الشَّمْس أصيفر وأخيضر وَمَا يكون مِنْهَا إِلَى الظل يكون أَبيض فَقَالُوا يَا رَسُول الله كَأَنَّك كنت ترعى بالبادية قَالَ فَيخْرجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رقابهم الخواتيم يعرفهُمْ أهل الْجنَّة هَؤُلَاءِ عُتَقَاء الله الَّذين أدخلهم الْجنَّة بِغَيْر عمل عملوه وَلَا خير قدموه ثمَّ يَقُول ادخُلُوا الْجنَّة فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لكم فَيَقُولُونَ رَبنَا أَعطيتنَا مَا لم تعط احدا من الْعَالمين فَيَقُول لكم عِنْدِي أفضل من هَذَا فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا أَي شَيْء أفضل من هَذَا فَيَقُول رضاي فَلَا أَسخط عَلَيْكُم أبدا
قَالَ مُسلم قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ بَلغنِي أَن الجسر أدق من الشعرة وَأحد من السَّيْف
стр. 312
وَذكر مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن نَاسا قَالُوا يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر قَالُوا لَا يَا رَسُول الله قَالَ هَل تضَارونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دونهَا سَحَاب قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّكُم تَرَوْنَهُ كَذَلِك يجمع الله النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول من كَانَ يعبد شَيْئا فليتبعه فَيتبع من كَانَ يعبد الشَّمْس الشَّمْس وَيتبع من كَانَ يعبد الْقَمَر الْقَمَر وَيتبع من كَانَ يعبد الطواغيت الطواغيت وَتبقى هَذِه الْأمة فِيهَا منافقوها وَذكر الحَدِيث
قَالَ وَيضْرب الصِّرَاط بَين ظهراني جَهَنَّم فَأَكُون أَنا وَأمتِي أول من يُجِيز وَلَا يتَكَلَّم يَوْمئِذٍ إِلَّا الرُّسُل وَدَعوى الرُّسُل يَوْمئِذٍ اللَّهُمَّ سلم سلم وَفِي جَهَنَّم كلاليب مثل شوك السعدان هَل رَأَيْتُمْ السعدان قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ فَإِنَّهَا مثل شوك السعدان غير أَنه لَا يعلم مَا قدر عظمها إِلَّا الله تخطف النَّاس بأعمالهم فَمنهمْ الموبق بِعَمَلِهِ وَمِنْهُم المجازى حَتَّى يُنجى حَتَّى إِذا فرغ الله من الْقَضَاء بَين الْعباد وَأَرَادَ أَن يخرج برحمته من أَرَادَ من أهل النَّار أَمر الْمَلَائِكَة أَن يخرجُوا من النَّار من كَانَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا مِمَّن أَرَادَ أَن يرحمه مِمَّن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فيعرفونهم فِي النَّار يعرفونهم بأثر السُّجُود تَأْكُل النَّار من ابْن آدم إِلَّا أثر السُّجُود حرم الله على النَّار أَن تَأْكُل أثر السُّجُود فَيخْرجُونَ من النَّار قد امتحشوا فَيصب عَلَيْهِم مَاء الْحَيَاة فينبتون كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي حميل السَّيْل ثمَّ يفرغ الله من الْقَضَاء بَين الْعباد وَيبقى رجل مقبل بِوَجْهِهِ على النَّار وَهُوَ آخر أهل الْجنَّة فَيَقُول أَي رب اصرف وَجْهي عَن النَّار فانه قد قشبني رِيحهَا وأحرقني ذكاؤها فيدعو الله مَا شَاءَ أَن يَدعُوهُ ثمَّ يَقُول الله ﵎ هَل عَسَيْت إِن فعلت ذَلِك بك أَن تسْأَل غَيره فَيَقُول لَا أَسأَلك غَيره وَيُعْطِي ربه من عهود ومواثيق مَا شَاءَ الله فَيصْرف الله وَجهه عَن النَّار فَإِذا أقبل على الْجنَّة وَرَآهَا سكت مَا شَاءَ الله أَن يسكت ثمَّ يَقُول أَي رب قدمني إِلَى بَاب الْجنَّة فَيَقُول الله لَهُ أَلَيْسَ قد أَعْطَيْت
стр. 313
عهودك ومواثيقك أَن لَا تَسْأَلنِي غير الَّذِي أَعطيتك وَيلك يَا ابْن آدم مَا إغدرك فَيَقُول أَي رب وَيَدْعُو الله حَتَّى يَقُول لَهُ فَهَل عَسَيْت أَن أَعطيتك ذَلِك أَن تسْأَل غَيره فَيَقُول لَا وَعزَّتك فيعطي ربه مَا شَاءَ من عهود ومواثيق فَيقدمهُ إِلَى بَاب الْجنَّة فَإِذا قَامَ على بَاب الْجنَّة انفهقت لَهُ الْجنَّة فَرَأى مَا فِيهَا من الْخَيْر وَالسُّرُور فيسكت مَا شَاءَ الله أَن يسكت ثمَّ يَقُول أَي رب ادخلني الْجنَّة فَيَقُول الله ﵎ أَلَيْسَ قد أَعْطَيْت عهودك ومواثيقك أَن لَا تسْأَل غير مَا أَعْطَيْت وَيلك يَا ابْن آدم مَا أغدرك فَيَقُول أَي رب لَا أكون أَشْقَى خلقك فَلَا يزَال يَدْعُو الله حَتَّى يضْحك الله ﵎ مِنْهُ فَإِذا ضحك الله تَعَالَى مِنْهُ قَالَ ادخل الْجنَّة فَإِذا دَخلهَا قَالَ الله لَهُ تمنه فَيسْأَل ربه ويتمنى حَتَّى أَن الله ليذكره من كَذَا وَكَذَا حَتَّى إِذا انْقَطَعت بِهِ الْأَمَانِي قَالَ الله تَعَالَى لَك ذَلِك وَمثله مَعَه
قَالَ عَطاء بن يزِيد وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ مَعَ أبي هُرَيْرَة لَا يرد عَلَيْهِ من حَدِيثه شَيْئا حَتَّى إِذا حدث أَبُو هُرَيْرَة أَن الله تَعَالَى قَالَ لذَلِك الرجل وَمثله مَعَه قَالَ أَبُو سعيد وَعشرَة أَمْثَاله مَعَه يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ أَبُو هُرَيْرَة مَا حفظت إِلَّا قَوْله ذَلِك لَك وَمثله مَعَه قَالَ أَبُو سعيد أشهد أَنِّي حفظت من رَسُول الله ﷺ قَوْله ذَلِك لَك وَعشرَة أَمْثَاله قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَذَلِكَ الرجل آخر أهل النَّار دُخُولا الْجنَّة
وَذكر عَن عبد الله بن مَسْعُود أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ آخر من يدْخل
стр. 314
الْجنَّة رجل فَهُوَ يمشي مرّة ويكبو مرّة وتسفعه النَّار مرّة فَإِذا مَا جاوزها الْتفت إِلَيْهَا وَقَالَ تبَارك الَّذِي نجاني مِنْك لقد أَعْطَانِي الله شَيْئا مَا أعطَاهُ أحدا من الْأَوَّلين والآخرين فَترفع لَهُ شَجَرَة فَيَقُول أَي رب أدنني من هَذِه الشَّجَرَة فلأستظل بظلها وأشرب من مَائِهَا فَيَقُول الله يَا ابْن آدم لعَلي إِن اعطيتكها سَأَلتنِي غَيرهَا فَيَقُول لَا يَا رب ويعاهده أَن لَا يسْأَله غَيرهَا وربه يعذرهُ لِأَنَّهُ يرى مَالا صَبر لَهُ عَلَيْهِ فيدنيه مِنْهَا فيستظل بظلها وَيشْرب من مَائِهَا ثمَّ ترفع لَهُ شَجَرَة هِيَ أحسن من الأولى فَيَقُول أَي رب أدنني من هَذِه فلأستظل بظلها وأشرب من مَائِهَا لَا أَسأَلك غَيرهَا فَيَقُول يَا ابْن آدم ألم تعاهدني أَن لَا تَسْأَلنِي غَيرهَا فَيَقُول لعَلي إِن أدنيتك مِنْهَا تَسْأَلنِي غَيرهَا فيعاهده أَن لَا يسْأَله غَيرهَا وربه تَعَالَى يعذرهُ لِأَنَّهُ يرى مَا لَا صَبر لَهُ عَلَيْهِ فيدنيه مِنْهَا فيستظل بظلها وَيشْرب من مَائِهَا ثمَّ ترفع لَهُ شَجَرَة عِنْد بَاب الْجنَّة وَهِي أحسن من الْأَوليين فَيَقُول أَي رب أدنني من هَذِه لأستظل بظلها وأشرب من مَائِهَا لَا أَسأَلك غَيرهَا فَيَقُول يَا ابْن آدم ألم تعاهدني أَن لَا تَسْأَلنِي غَيرهَا قَالَ بلَى يَا رب هَذِه لَا أَسأَلك غَيرهَا وربه يعذرهُ لِأَنَّهُ يرى مَا لَا صَبر لَهُ عَلَيْهِ فيدنيه مِنْهَا فَإِذا أدناه مِنْهَا سمع أصوات أهل الْجنَّة فَيَقُول أَي رب أدخلنيها فَيَقُول يَا ابْن آدم مَا يصريني مِنْك أيرضيك أَن أُعْطِيك الدُّنْيَا وَمثلهَا مَعهَا قَالَ يَا رب أتستهزيء بِي وَأَنت رب الْعَالمين فَضَحِك ابْن مَسْعُود وَقَالَ أَلا تَسْأَلُونِي مِم أضْحك قَالُوا مِم تضحك قَالَ هَكَذَا ضحك رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا مِم تضحك يَا رَسُول الله قَالَ من ضحك رب الْعَالمين حِين قَالَ أتستهزيء بِي وَأَنت رب الْعَالمين فَيَقُول إِنِّي لَا استهزئ بك وَلَكِنِّي على كل شَيْء قدير
стр. 315
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ فِيهِ ويذكره الله تَعَالَى سل كَذَا وَكَذَا فَإِذا انْقَطَعت بِهِ الْأَمَانِي قَالَ الله هُوَ لَك وَعشرَة أَمْثَاله قَالَ ثمَّ يدْخل بَيته فَتدخل عَلَيْهِ زوجتاه من الْحور الْعين فتقولان الْحَمد لله الَّذِي أحياك لنا وَأَحْيَانا لَك قَالَ فَيَقُول مَا أعطي أحد مثل مَا أَعْطَيْت
وَذكر مُسلم من حَدِيث معبد بن هِلَال الْعَنزي قَالَ انطلقنا إِلَى أنس ابْن مَالك وتشفعنا بِثَابِت فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى فَاسْتَأْذن لنا ثَابت فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وأجلس ثَابتا مَعَه على سَرِيره فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا حَمْزَة إِن إخوانك من أهل الْبَصْرَة يَسْأَلُونَك أَن تحدثهم حَدِيث الشَّفَاعَة فَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد ﷺ قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ماج النَّاس بَعضهم إِلَى بعض فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ اشفع لذريتك فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بإبراهيم فَإِنَّهُ خَلِيل الله فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيم فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بمُوسَى فَإِنَّهُ كليم الله فَيُؤتى مُوسَى فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بِعِيسَى فَإِنَّهُ روح الله وكلمته فَيُؤتى عِيسَى فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بِمُحَمد ﷺ فأوتى فَأَقُول أَنا لَهَا ثمَّ أَنطلق فَاسْتَأْذن على رَبِّي فَيُؤذن لي فأقوم بَين يَدَيْهِ فأحمده بِمَحَامِد لَا أقدر عَلَيْهَا إِلَّا أَن يلهمنيها الله ثمَّ أخر لَهُ سَاجِدا فَيَقُول يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل يسمع لَك وسل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيَقُول انْطلق من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من برة أَو شعيرَة من إِيمَان فَأخْرجهُ مِنْهَا فَانْطَلق فأفعل ثمَّ أرجع إِلَى رَبِّي فأحمده بِتِلْكَ المحامد ثمَّ أخر لَهُ سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل يسمع لَك وسل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيُقَال لي انْطلق فَمن كَانَ فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من إِيمَان فَأخْرجهُ مِنْهَا فأنطلق فأفعل ثمَّ أَعُود إِلَى رَبِّي فأحمده بِتِلْكَ المحامد ثمَّ أخر لَهُ سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل يسمع لَك وسل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيُقَال
стр. 316
انْطلق فَمن كَانَ فِي قلبه أدنى أدنى أدنى من مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من إِيمَان فَأخْرجهُ من النَّار فأنطلق فأفعل
هَذَا حَدِيث أنس الَّذِي أَنبأَنَا بِهِ فخرجنا من عِنْده فَلَمَّا كُنَّا بِظهْر الجبان قُلْنَا لَو ملنا إِلَى الْحسن فسلمنا عَلَيْهِ وَهُوَ مستخف فِي دَار أبي خَليفَة قَالَ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فسلمنا عَلَيْهِ فَقُلْنَا يَا أَبَا سعيد جِئْنَا من عِنْد أَخِيك أبي حَمْزَة فَلم نسْمع بِمثل حَدِيث حدّثنَاهُ فِي الشَّفَاعَة قَالَ هيه فَحَدَّثنَاهُ الحَدِيث فَقَالَ هيه قُلْنَا مَا زادنا قَالَ قد حَدثنَا بِهِ مُنْذُ عشْرين سنة وَهُوَ يَوْمئِذٍ جَمِيع وَلَقَد ترك شَيْئا مَا أَدْرِي أنسي الشَّيْخ أم كره أَن يُحَدثكُمْ فتتكلوا قُلْنَا لَهُ حَدثنَا فَضَحِك وَقَالَ خلق الْإِنْسَان من عجل وَمَا ذكرت لكم هَذَا إِلَّا وَأَنا أُرِيد أَن أحدثكموه قَالَ ثمَّ أرجع إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَة فأحمده بِتِلْكَ المحامد ثمَّ أخر سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل يسمع لَك وسل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب ائْذَنْ لي فِيمَن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ فَلَيْسَ ذَلِك لَك أَو قَالَ لَيْسَ ذَلِك إِلَيْك وَلَكِن وَعِزَّتِي وكبريائي وعظمتي لأخْرجَن مِنْهَا من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ فَأشْهد على الْحسن أَنه حَدثنَا بِهِ أَنه سمع أنس بن مَالك أرَاهُ قَالَ قبل عشْرين سنة وَهُوَ يَوْمئِذٍ جَمِيع
стр. 317
فصل ذكر من يخرج من النَّار برحمة الله من غير شَفَاعَة أحد
قد تقدم حَدِيث مُسلم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ وَذكر خُرُوج من يخرج من النَّار بشفاعة الْمَلَائِكَة والنبيين وَغَيرهم قَالَ فَيَقُول الله قد شفعت الْمَلَائِكَة وشفع النَّبِيُّونَ وشفع الْمُؤْمِنُونَ وَلم يبْق إِلَّا أرْحم الرَّاحِمِينَ فَيقبض قَبْضَة من النَّار فَيخرج مِنْهَا قوما لم يعملوا خيرا قطّ
وَذكر الحَدِيث
وَقَوله فِي الحَدِيث قبل هَذَا وَعِزَّتِي وكبريائي وعظمتي وكبريائي لأخْرجَن من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله
وروى سِنَان بن حَرْب الْعَبْسِي أَنه سمع ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اشتكت النَّار إِلَى رَبهَا ضيقها بِمَا فِيهَا من أَهلهَا وحرها وزمهريرها فغمزها فَقَالَ حس على عبَادي فَأخْرج مِنْهَا عدد الْجَرَاد والذباب ذكره أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ
ذكر أَبُو بكر الْبَزَّار عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ يَأْتِي على جَهَنَّم زمَان تخفق أَبْوَابهَا لَيْسَ فِيهَا أحد يَعْنِي من الْمُوَحِّدين هَكَذَا رَوَاهُ مَوْقُوفا من قَول عبد الله بن عَمْرو وَلَيْسَ فِيهِ ذكر النَّبِي ﷺ
وروى عَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة أحد إِلَّا بِجَوَاز بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا كتاب من الله لفُلَان بن فلَان أدخلوه جنَّة عالية قطوفها دانية
وروى فِي مُسْند أَحْمد بن خَالِد
стр. 318
فصل مَا أول طَعَام أهل الْجنَّة
ذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أنس بن مَالك أَن عبد الله بن سَلام بلغه مقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة فَأَتَاهُ يسْأَله عَن أَشْيَاء فَقَالَ إِنِّي سَائِلك عَن ثَلَاث لَا يعلمهُنَّ إِلَّا نَبِي مَا أول أَشْرَاط السَّاعَة وَمَا أول طَعَام يَأْكُلهُ أهل الْجنَّة وَمَا بَال الْوَلَد ينْزع إِلَى أَبِيه أَو إِلَى أمه
قَالَ أَخْبرنِي جِبْرِيل بِهن آنِفا قَالَ ابْن سَلام ذَاك عَدو الْيَهُود من الْمَلَائِكَة قَالَ أما أول أَشْرَاط السَّاعَة فَنَار تَحْشُرهُمْ من الْمشرق إِلَى الْمغرب وَأما أول طَعَام يَأْكُلهُ أهل الْجنَّة فَزِيَادَة كبد الْحُوت وَأما الْوَلَد فَإِذا سبق مَاء الرجل مَاء الْمَرْأَة نزع الْوَلَد إِلَيْهِ وَإِذا سبق مَاء الْمَرْأَة مَاء الرجل نزع الْوَلَد إِلَيْهَا قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله قَالَ يَا رَسُول الله إِن الْيَهُود قوم بهت فسلهم عني قبل أَن يعلمُوا بِإِسْلَامِي فجَاء الْيَهُود وَدخل عبد الله الْبَيْت فَقَالَ ﷺ أَي رجل عبد الله فِيكُم قَالُوا خيرنا وَابْن خيرنا وأفضلنا وَابْن أفضلنا فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَرَأَيْتُم إِن أسلم عبد الله بن سَلام قَالُوا أَعَاذَهُ الله من ذَلِك فَأَعَادَ عَلَيْهِم فَقَالُوا مثل ذَلِك فَخرج إِلَيْهِم عبد الله فَقَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالُوا شَرنَا وَابْن شَرنَا ونقصوه قَالَ هَذَا كنت أخافه يَا رَسُول الله
стр. 319
الْبَاب الْعشْرُونَ فِي صفة الْجنَّة وَمَا أعد الله لأَهْلهَا
قَالَ الله وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أَن لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار كلما رزقوا مِنْهَا من ثَمَرَة رزقا قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل وَأتوا بِهِ متشابها وَلَهُم فِيهَا أَزوَاج مطهرة وهم فِيهَا خَالدُونَ وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سندخلهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا لَهُم فِيهَا أَزوَاج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات وعيون ادخلوها بِسَلام آمِنين
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا على سرر مُتَقَابلين لَا يمسهم فِيهَا نصب وَمَا هم مِنْهَا بمخرجين
﴿وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن إِن رَبنَا لغَفُور شكور الَّذِي أحلنا دَار المقامة من فَضله لَا يمسنا فِيهَا نصب وَلَا يمسنا فِيهَا لغوب﴾
﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي مقَام أَمِين فِي جنَّات وعيون يلبسُونَ من سندس وإستبرق مُتَقَابلين كَذَلِك وزوجناهم بحور عين يدعونَ فِيهَا بِكُل فَاكِهَة آمِنين لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى ووقاهم عَذَاب الْجَحِيم فضلا من رَبك ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾
стр. 320
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عَلَيْهَا مُتَقَابلين يطوف عَلَيْهِم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معِين لَا يصدعون عَنْهَا وَلَا ينزفون وَفَاكِهَة مِمَّا يتخيرون وَلحم طير مِمَّا يشتهون وحور عين كأمثال اللُّؤْلُؤ الْمكنون جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا تأثيما إِلَّا قيلا سَلاما سَلاما وَأَصْحَاب الْيَمين مَا أَصْحَاب الْيَمين فِي سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود وَمَاء مسكوب وَفَاكِهَة كَثِيرَة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة وفرش مَرْفُوعَة إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء فجعلناهن أَبْكَارًا عربا أَتْرَابًا لأَصْحَاب الْيَمين﴾
... إِن لِلْمُتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أَتْرَابًا وكأسا دهاقا لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا كذابا جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا
إِن الْأَبْرَار لفي نعيم على الأرائك ينظرُونَ تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بهَا المقربون
وُجُوه يَوْمئِذٍ ناعمة لسعيها راضية فِي جنَّة عالية لَا تسمع فِيهَا لاغية فِيهَا عين جَارِيَة فِيهَا سرر مَرْفُوعَة وأكواب مَوْضُوعَة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ خلق الله ﵎ الْجنَّة لبنة من ذهب ولبنة من فضَّة وملاطها الْمسك الأذفر وَقَالَ لَهَا تكلمي فَقَالَت قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ فَقَالَت الْمَلَائِكَة طُوبَى لَك منزل الْمُلُوك
وَذكر الْبَزَّار أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ خلق الله الْجنَّة
следующие страницы →