← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6870

ذم الهوى

ابن الجوزي

Полный текст (671 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قَالَ أَنْتَ إِذَنْ مِنْ إِخْوَانِ الشَّيَاطِينِ لَوْ كُنْتَ مِنَ النَّصَارَى كُنْتَ مِنْ رُهْبَانِهِمْ إِنَّ سُنَّتَنَا النِّكَاحُ شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ وَأَرَاذِلُ مَوْتَاكُمْ عُزَّابُكُمْ أَبِالشَّيَاطِينِ تَمَرَّسُونَ مَا لِلشَّيَاطِينِ مِنْ سِلاحٍ أَبْلَغُ فِي الصَّالِحِينَ مِنَ النِّسَاءِ إِلا الْمُتَزَوِّجُونَ أُولَئِكَ الْمُطهرُونَ المبرؤون مِنَ الْخَنَا وَيْحَكَ يَا عَكَّافُ إِنَّهُنَّ صُوَاحِبُ أَيُّوبَ وَدَاوُدَ وَيُوسُفَ وَكُرْسُفَ فَقَالَ لَهُ بِشْرُ بْنُ عَطِيَّةَ وَمَنْ كُرْسُفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَجُلٌ كَانَ يَعْبُدُ الله بساحل الْبَحْر ثَلَاثمِائَة عَامٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ ثُمَّ إِنَّهُ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ فِي سَبَبِ امْرَأَةٍ عَشِقَهَا وَتَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِبَعْضِ مَا كَانَ فِيهِ فَتَابَ عَلَيْهِ وَيْحَكَ يَا عَكَّافُ تَزَوَّجْ وَإِلا فَأَنْتَ مِنَ الْمُذَبْذَبِينَ قَالَ زَوِّجْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قَدْ زَوَّجْتُكَ كَرِيمَةَ بِنْتَ كُلْثُومٍ الْحِمْيَرِيِّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلاءِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْلَمَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ مولى التَّوْأَمَة عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّمَا شَابٍّ تَزَوَّجَ فِي حَدَاثَةِ سِنِّهِ عَجَّ شَيْطَانُهُ يَا وَيْلَهُ عَصَمَ مِنِّي دِينَهُ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو إِسْحَق الْبَرْمَكِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بن بخيث قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا جُبَارَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مِنْدَلٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ لَبِيبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدْرَكَ لَهُ وَلَدٌ وَقَدْ بَلَغَ النِّكَاحَ وَعِنْدَهُ مَا يُزَوِّجُهُ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ فَأَحْدَثَ فَالإِثْمُ بَيْنَهُمَا

стр. 282

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمد ابْن جَعْفَرٍ الْخُتَّلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ الْمَرْأَةُ شَطْرُ دِينِ الرَّجُلِ قَالَ الْمَرْوَزِيُّ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لَيْسَ الْعُزُوبِيَّةُ مِنْ أَمْرِ الإِسْلامِ فِي شَيْءٍ النَّبِيُّ ﷺ تَزَوَّجَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ قَدْ تَزَوَّجَ كَانَ قَدْ تَمَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَوْ تَرَكَ النَّاسُ النِّكَاحَ لَمْ يَغْزُوا وَلَمْ يَحُجُّوا وَلَمْ يَكُنْ كَذَا وَلَمْ يَكُنْ كَذَا فَقَدْ كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَيُمْسِي وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ وَكَانَ يَخْتَارُ النِّكَاحَ وَيَحُثُّ عَلَيْهِ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّبَتُّلِ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَيَعْقُوبُ فِي حُزْنِهِ قَدْ تَزَوَّجَ وَوُلِدَ لَهُ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ قُلْتُ فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ يُحْكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَرَوْعَةُ صَاحِبِ عِيَالٍ فَمَا قَدَرْتُ أَنْ أُتِمَّ الْحَدِيثَ حَتَّى صَاحَ بِي وَقَالَ وَقَعْنَا فِي بُنِيَّاتِ الطَّرِيقِ انْظُرْ عَافَاكَ اللَّهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ وَقَالَ لَبُكَاءُ الصَّبِيِّ بَيْنَ يَدَيِ أَبِيهِ مُتَسَخِّطًا يَطْلُبُ مِنْهُ خُبْزًا أَفْضَلُ مِنْ كَذَا وَكَذَا أَيْنَ يَلْحَقُ الْمُتَعَبِّدُ الْعَزَبُ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد ابْن الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ

стр. 283

حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْخَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا زِلْتُ أَسْمَعُ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَطُوفُ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا إِذْ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ مُغَلِّقَةٍ عَلَيْهَا بَابَهَا وَهِيَ تَقُولُ تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ تَسْرِي كَوَاكِبُهْ ... وَأَرَّقَنِي أَنْ لَا ضَجِيعَ أُلاعِبُهْ أُلاعِبُهُ طَوْرًا وَطَوْرًا كَأَنَّمَا ... بَدَا قَمَرًا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَاجِبُهْ يُسَرُّ بِهِ مَنْ كَانَ يَلْهُو بِقُرْبِهِ ... لَطِيفُ الْحَشَا لَا تَحْتَوِيهِ أَقَارِبُهْ فَوَاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... لَنُفِّضَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ وَلَكِنَّنِي أَخْشَى رَقِيبًا مُوَكَّلا ... بِأَنْفُسِنَا لَا يَفْتُرُ الدَّهْرُ كَاتِبُهْ ثُمَّ تَنَفَّسَتِ الصَّعْدَاءَ وَقَالَتْ لَهَانَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَحْشَتِي وَغَيْبَةُ زَوْجِي عَنِّي وَعُمَرُ وَاقِفٌ يَسْتَمِعُ قَوْلَهَا فَقَالَ لَهَا يَرْحَمُكِ اللَّهُ يَرْحَمُكِ اللَّهُ ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهَا بِكُسْوَةٍ وَنَفَقَةٍ وَكَتَبَ فِي أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ النِّكَاحَ النَّظَرُ إِلَى الْمَنْكُوحَةِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلْيَنْظُرْ مِنْهَا مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَذَلِكَ أَحْرَى أَن يُؤْدم بَينهَا

стр. 284

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ صَاحِبَةَ الدِّينِ مَعَ الْحُسْنِ فَقَدْ قَالَ ﵊ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ فَأَمَّا مَنِ ابْتُلِيَ بِالْهَوَى فَأَرَادَ التَّزْوِيجَ فَلْيَجْتَهِدْ فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا إِنْ صَحَّ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَ وَإِلا فَلْيَخْتَرْ مَا يَظُنُّهُ مُسَلِّيًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَا يَقَعُ بِقَلْبِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَعَلامَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا رَأَى الشَّخْصَ تَشَبَّثَ بِقَلْبِهِ وَجَمُدَ نَظَرُهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكَدْ يُقْلِعُ عَنْهُ فَهَذِهِ عَلامَةُ الْمَحَبَّةِ وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَبِي عَامِرٍ السَّيْلَحِينِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَلامٍ الْخَثْعَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ كُلُّ تَزْوِيجٍ عَلَى غَيْرِ هَوًى حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

стр. 285

الْبَابُ الرَّابِعُ وَالثَّلاثُونَ فِي ذَمِّ مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ الْمُؤَذِّنُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو حَسَّانٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُزَكِّي قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْعَطَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنَّا أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَهْرَيَارَ قَالَ أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ سَهْلٍ السُّكَّرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ثُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ عَنْ أبي ظَبْيَة الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُول الله مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى مَوَالِيهِ فَلَيْسَ مِنَّا أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهبِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ ثَعْلَبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن يزِيد عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ وَمن خبب على امرىء زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا

стр. 286

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْعُكْبَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحْرِزٍ الأَدَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ أَفْسَدَ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ فَلَيْسَ مِنِّي أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَليّ التَّمِيمِي قَالَت أنبانا أَبُو بكر ابْنُ حَمْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ خَبَّبَ خَادِمًا عَلَى أَهْلِهَا فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنَّا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ التَّوَّزِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عُمَرَ بْنِ شَاهِينَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا يُونُسُ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ مَيْسَرَةَ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْمَلُ بِالْمِسْحَاةِ وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَبَلَغَ جَبَّارًا مِنْ جَبَابِرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَمَالُهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عَجُوزًا فَقَالَ خَبِّبِيهَا عَلَيْهِ وَقُولِي لَهَا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي عِنْدَ مِثْلِ هَذَا الَّذِي يَعْمَلُ بِالْمِسْحَاةِ وَلَوْ كُنْتِ عِنْدِي لَحَلَّيْتُكِ بِالذَّهَبِ وَكَسَوْتُكِ بِالْحَرِيرِ وَأَخْدَمْتُكِ الْخَدَمَ يَعْنِي فَقَالَتْ لَهَا وَكَانَتْ تُقَرِّبُ إِلَيْهِ فِطْرَهُ وَتَفْرِشُ لَهُ فِرَاشًا فَلَمْ تَفْعَلْ وَتَغَيَّرَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا هَنْتَاهُ مَا هَذَا الْخُلُقُ الَّذِي لَا أَعْرِفُهُ قَالَتْ هُوَ مَا تَرَى قَالَ فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا جَبَّارُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَأُرْخِيَتِ السُّتُورُ عَمِيَ وَعَمِيَتْ فَأَهْوَى بِيَدِهِ لَيَلْمَسَهَا فَجَفَّتْ يَدُهُ وَأَهْوَتْ بِيَدِهَا

стр. 287

تَلْمَسُهُ فَجَفَّتْ يَدُهَا وَصُمَّا وَخُرِسَا وَنُزِعَتْ مِنْهُمَا الشَّهْوَةُ فَلَمَّا أَصْبَحَا رُفِعَتِ السُّتُورُ فَإِذَا هُمْ صُمٌّ عُمْيٌ خُرْسٌ فَرُفِعَ خَبَرُهُمَا إِلَى نَبِي بني إِسْرَائِيلَ فَرَفَعَ خَبَرَهُمَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ إِنِّي لَسْتُ أَغْفِرُ لَهُمَا أَبَدًا ظَنَّا أَنْ لَيْسَ بِعَيْنِي مَا عَمِلا بِصَاحِبِ الْمِسْحَاةِ وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الأَمِيرُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْيَشْكُرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الشَّامِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلمَة عَن عَطاء ابْن السَّائِبِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ امْرَأَةٌ ذَاتُ جَمَالٍ وَكَانَتْ عِنْدَ رَجُلٍ يَعْمَلُ بِالْمِسْحَاةِ وَكَانَ إِذَا جَاءَ بِاللَّيْلِ قَدَّمَتْ طَعَامَهُ وَفَرَشَتْ لَهُ فِرَاشَهُ فَبَلَغَ خَبَرُهَا مَلِكَ ذَلِكَ الْعَصْرِ فَبَعَثَ إِلَيْهَا عَجُوزًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَتْ لَهَا مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا الَّذِي يَعْمَلُ بِالْمِسْحَاةِ لَوْ كُنْتِ عِنْدَ الْمَلِكِ لَكَسَاكِ الْحَرِيرَ وَفَرَشَكِ الدِّيبَاجَ فَلَمَّا وَقَعَ الْكَلامُ فِي مَسَامِعِهَا جَاءَ زَوْجُهَا بِاللَّيْلِ فَلَمْ تُقَدِّمْ لَهُ طَعَامَهُ وَلَمْ تَفْرِشْ لَهُ فِرَاشَهُ فَقَالَ لَهَا مَا هَذَا الْخُلُقُ يَا هَنْتَاهُ فَقَالَتْ هُوَ مَا تَرَى فَقَالَ أُطَلِّقُكِ قَالَتْ نَعَمْ فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا ذَلِكَ الْمَلِكُ فَلَمَّا زُفَّتْ إِلَيْهِ نَظَرَ إِلَيْهَا فَعَمِيَ وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا فَجَفَّتْ فَرَفَعَ نَبِيُّ ذَلِكَ الْعَصْرِ خَبَرَهُمَا إِلَى اللَّهِ فَأَوْحَى لله تَعَالَى إِلَيْهِ أعلمها أَنِّي غَيْرُ غَافِرٍ لَهُمَا أَمَا عَلِمَا أَنَّ بِعَيْنِي مَا عَمِلا بِصَاحِبِ الْمِسْحَاةِ أَخْبَرَنَا الْمُحَمَّدَانِ ابْنُ نَاصِرٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالا أَنْبَأَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَافِظِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

стр. 288

مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيُّ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى مَنْزِلِهِ كَبَّرَ عَلَى بَابِ مَنْزِلِهِ فَتُكَبِّرُ امْرَأَتُهُ فَإِذَا كَانَ فِي صَحْنِ دَارِهِ كَبَّرَ فَتُجِيبُهُ امْرَأَتُهُ فَإِذَا بَلَغَ بَابَ بَيْتِهِ كَبَّرَ فَتُجِيبُهُ امْرَأَتُهُ فَانْصَرَفَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَكَبَّرَ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَلَمَّا كَانَ فِي الصَّحْنِ كَبَّرَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَلَمَّا كَانَ فِي بَابِ بَيْتِهِ كَبَّرَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ وَكَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ أَخَذَتِ امْرَأَتُهُ رَدِاءَهُ وَنَعْلَيْهِ ثُمَّ أَتَتْهُ بِطَعَامِهِ قَالَ فَدَخَلَ فَإِذَا الْبَيْتُ لَيْسَ فِيهِ سِرَاجٌ وَإِذَا امْرَأَتُهُ جَالِسَةٌ فِي الْبَيْتِ مُنَكَّسَةٌ تَنْكُتُ بِعُودٍ مَعَهَا فَقَالَ لَهَا مَالَكِ فَقَالَتْ أَنْتَ لَكَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَلَيْسَ لَنَا خَادِمٌ فَلَوْ سَأَلْتَهُ فَأَخْدَمَنَا وَأَعْطَاكَ فَقَالَ اللَّهُمَّ مَنْ أَفْسَدَ عَلِيَّ امْرَأَتِي فَأَعْمِ بَصَرَهُ قَالَ وَقَدْ جَاءَتْهَا امْرَأَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَتْ زَوْجُكِ لَهُ مَنْزِلَةٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَلَوْ قُلْتِ لَهُ يَسْأَلُ مُعَاوِيَةَ يُخْدِمَهُ وَيَعْطِيَهُ عِشْتُمْ قَالَ فَبَيْنَا تِلْكَ الْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ فِي بَيْتِهَا إِذْ أَنْكَرَتْ بَصَرَهَا فَقَالَتْ مَا لِسِرَاجِكُمْ طُفِئَ قَالُوا لَا فَعَرَفَتْ ذَنْبَهَا فَأَقْبَلَتْ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ تَبْكِي تَسْأَلُهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهَا يَرُدَّ عَلَيْهَا بَصَرَهَا قَالَ فَرَحِمَهَا أَبُو مُسْلِمٍ فَدَعَا اللَّهَ لَهَا فَرَدَّ عَلَيْهَا بَصَرَهَا

стр. 289

الْبَابُ الْخَامِسُ وَالثَّلاثُونَ فِي ذِكْرِ مَاهِيَّةِ الْعِشْقِ وَحَقِيقَتِهِ اخْتَلَفَ كَلامُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَأَكْثَرُهُمْ سَمَّوْهُ بَاسْمِ سَبَبِهِ أَوْ بِاسْمِ مَا يؤول إِلَيْهِ ذِكْرُ كَلامِ الأَوَائِلِ فِي ذَلِكَ قَالَ أَفْلاطُونُ الْعِشْقُ حَرَكَةُ النَّفْسِ الْفَارِغَةِ بِغَيْرِ فِكْرَةٍ وَسُئِلَ يُوذَجَانِسُ عَنِ الْعِشْقِ فَقَالَ سُوءُ اخْتِيَارٍ صَادَفَ نَفْسًا فَارِغَةً وَقَالَ أرسطاطا لَيْسَ الْعِشْقُ هُوَ عَمَى الْحِسِّ عَنْ إِدْرَاكِ عُيُوبِ الْمَحْبُوبِ وَقَالَ فِيثَاغُورسُ الْعِشْقُ طَمَعٌ يَتَوَلَّدُ فِي الْقَلْبِ وَيَتَحَرَّكُ وَيَنْمَى ثُمَّ يَتَرَبَّى وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ مَوَادُّ مِنَ الْحِرْصِ فَكُلَّمَا قَوِيَ ازْدَادَ صَاحِبُهُ فِي الاهْتِيَاجِ وَاللُّجَاجِ وَالتَّمَادِي فِي الطَّمَعِ وَالْفِكْرِ فِي الأَمَانِيِّ وَالْحِرْصِ عَلَى الطَّلَبِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى الْغَمِّ الْمُقْلِقِ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْمُتَنَبِّي وَمَا الْعِشْقُ إِلا غِرَّةٌ وَطَمَاعَةٌ ... يُعَرِّضُ قَلْبٌ نَفْسَهُ فَيُصَابُ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الأَزَجِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ قَالَ سُقْرَاطُ الْحَكِيمُ الْعِشْقُ جُنُونٌ وَهُوَ أَلْوَانٌ كَمَا أَنَّ الْجُنُونَ أَلْوَانٌ أَنْبَأَنَا ابْنُ خَيْرُونٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ

стр. 290

قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ قَالَ أَخْبَرَنِي الْمُظَفَّرُ بْنُ يَحْيَى قَالَ قَالَ بَعْضُ الْفَلاسِفَةِ لَمْ أَرَ حَقًّا أَشْبَهَ بِبَاطِلٍ وَلا بَاطِلا أَشْبَهَ بِحَقٍّ مِنَ الْعِشْقِ هَزْلُهُ جِدٌّ وَجِدُّهُ هَزْلٌ وَأَوَّلُهُ لَعِبٌ وَآخِرُهُ عَطَبٌ قَالَ ابْنُ عِمْرَانَ وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَيْنَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ قُلْتُ لِطَبِيبٍ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْحِذْقِ مَا الْعِشْقُ قَالَ شُغْلُ قَلْبٍ فَارِغٍ قُلْتُ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مَرَضٌ وُسْوَاسِيٌّ شَبِيهٌ بِالْمَالِيخُولِيَا ذِكْرُ كَلامِ الإِسْلامِيِّينَ فِي ذَلِكَ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الإِبَرِيِّ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ المقرىء قَالَ حَدثنَا أَحْمد ابْن يَحْيَى ثَعْلَبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ الشَّامِيُّ قَالَ سَأَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عَنِ الْعِشْقِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ سَوَانِحُ تَسْنَحُ لِلْمَرْءِ فَيَهْتَمُّ بِهَا قَلْبُهُ وَتُؤْثِرُهَا نَفْسُهُ قَالَ فَقَالَ لَهُ ثُمَامَةُ اسْكُتْ يَا يَحْيَى إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُجِيبَ فِي مَسْأَلَةِ طَلاقٍ أَوْ مُحْرِمٍ صَادَ ظَبْيًا أَوْ قَتَلَ نَمْلَةً فَأَمَّا هَذِهِ فَمَسَائِلُنَا نَحْنُ فَقَالَ لَهُ الْمأْمُونُ قُلْ يَا ثُمَامَةُ مَا الْعِشْقُ فَقَالَ لَهُ ثُمَامَةُ الْعِشْقُ جَلِيسٌ مُمْتِعٌ وَأَلِيفٌ مُؤْنِسٌ وَصَاحِبُ مُلْكٍ مَسَالِكُهُ لَطِيفَةٌ وَمَذَاهِبُهُ غَامِضَةٌ وَأَحْكَامُهُ جَائِرَةٌ مَلَكَ الأَبْدَانَ وَأَرْوَاحَهَا وَالْقُلُوبَ وَخَوَاطِرَهَا وَالْعُيُونَ وَنَوَاظِرَهَا وَالْعُقُولَ وَآرَاءَهَا وَأُعْطِيَ عَنَانَ طَاعَتِهَا وَقَوْدَ تَصَرُّفِهَا تَوَارَى عَنِ الأَبْصَارِ مَدْخَلُهُ وَعَمِيَ فِي الْقُلُوبِ مَسْلَكُهُ

стр. 291

فَقَالَ لَهُ الْمأْمُونُ أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ يَا ثُمَامَةُ وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عبد الله المقرىء قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بْنِ هَارُونَ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو رَوْقٍ الْهِزَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ لَمَّا اجْتَمَعَ ثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عِنْدَ الْمأْمُونِ قَالَ لِيَحْيَى خَبِّرْنِي عَنِ الْعِشْقِ مَا هُوَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سوانح تسنح العاشق يُؤْثِرُهَا وَيَهِيمُ بِهَا تُسَمَّى عِشْقًا فَقَالَ لَهُ ثُمَامَةُ يَا يَحْيَى أَنْتَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ أَبْصَرُ مِنْكَ بِهَذَا وَنَحْنُ بِهَذَا أَحْذَقُ مِنْكَ قَالَ الْمأْمُونُ فَهَاتِ مَا عِنْدَكَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا امْتَزَجَتْ جَوَاهِرُ النُّفُوسِ بِوَصْلِ الْمُشَاكَلَةِ نَتَجَتْ لَمْحَ نُورٍ سَاطِعٍ تَسْتَضِيءُ بِهِ بَوَاصِرُ الْعَقْلِ وَيُتَصَّوَرُ مِنْ ذَلِكَ اللَّمْحِ نُورٌ خَاصٌّ بِالنَّفْسِ مُتَصَّلٌ بِجَوَاهِرِهَا يُسَمَّى عِشْقًا فَقَالَ لَهُ الْمأْمُونُ هَذَا وَأَبِيكَ الْجَوَابُ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْبَنَّا قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا بُنْدَارٌ عَنِ الأَصْمَعِيِّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ فَقَالَ لِي يَا أَصْمَعِيُّ إِنِّي أَرِقْتُ لَيْلَتِي هَذِهِ فَقُلْتُ مِمَّ أَنَامَ اللَّهُ عَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ فَكَّرْتُ فِي الْعِشْقِ مِمَّ هُوَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فَصِفْهُ لِي حَتَّى أَخَالَهُ جِسْمًا مُجَسَّمًا

стр. 292

قَالَ الأَصْمَعِيُّ لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ عِنْدِي قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ شَيْءٌ فَأَطْرَقْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قُلْتُ نَعَمْ يَا سَيِّدِي إِذَا تَقَادَحَتِ الأَخْلاقُ الْمُتَشاكِلَةُ وَتَمَازَجَتِ الأَرْوَاحُ الْمُتَشَابِهَةُ أُلْهِبَتْ لَمْحَ نُورٍ سَاطِعٍ يَسْتَضِيءُ بِهِ الْعَقْلُ وَتَهْتَزُّ لإِشْرَاقِهِ طِبَاعُ الْحَيَاةِ وَيُتَصَّوَرُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ خَلْقٌ خَاصٌّ بِالنَّفْسِ مُتَصِّلٌ بِجَوْهَرِيَّتِهَا يُسَمَّى الْعِشْقُ فَقَالَ أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ يَا غُلامُ أَعْطِهِ وَأَعْطِهِ وَأَعْطِهِ فَأُعْطِيتُ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَلافِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الطوسي قَالَ حَدثنِي عَليّ ابْن عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدِينِيُّ قُلْتُ لأَبِي زُهَيْرٍ الْمَدِينِيُّ مَا الْعِشْقُ قَالَ الْجُنُونُ وَالذُّلُّ وَهُوَ دَاءُ أَهْلِ الظُّرْفِ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد ابْن الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْمَرْوَرُّوذِيُّ قَالَ وَصَفَ أَعْرَابِيٌّ الْحُبَّ فَقَالَ إِنْ لَمْ يَكُنْ جِنْسًا مِنَ الْجُنُونِ إِنَّهُ لَعُصَارَةٌ مِنَ السِّحْرِ وَرُوِيَ عَنِ الأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي الْعِشْقِ فَمَا سَمِعْتُ أَوْجَزَ وَلا أَجْمَلَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَسُئِلَتْ عَنِ الْعِشْقِ فَقَالَتْ ذُلٌّ وَجُنُونٌ قُلْتُ هَذِهِ صِفَةُ ثَمْرَةِ الْعِشْقِ وَمَآلِهِ

стр. 293

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعِشْقَ شِدَّةُ مَيْلِ النَّفْسِ إِلَى صُورَةٍ تُلائِمُ طَبْعِهَا فَإِذَا قَوِيَ فِكْرُهَا فِيهَا تَصَوَّرَتْ حُصُولَهَا وَتَمَنَّتْ ذَلِكَ فَيَتَجَدَّدُ مِنْ شِدَّةِ الْفِكْرِ مَرَضٌ فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَرَاتِبِ الْعِشْقِ أَوَّلُ مَا يُتَجَدَّدُ الاسْتِحْسَانُ لِلشَّخْصِ ثُمَّ يَجْلِبُ إِرَادَةَ الْقُرْبِ مِنْهُ ثُمَّ الْمَوَدَّةَ وَهُوَ أَنْ يَوَدَّ أَنْ لَوْ مَلَكَهُ ثُمَّ يَقْوَى الْوُدُّ فَيَصِيرُ مَحَبَّةً ثُمَّ يَصِيرُ خُلَّةً ثُمَّ يَصِيرُ هَوًى فَيَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي مَحَابِّ الْمَحْبُوبِ مِنْ غَيْرِ تَمَالُكٍ ثُمَّ يَصِيرُ عِشْقًا ثُمَّ يَصِيرُ تَتَيُّمًا وَالتَّتَيُّمُ حَالَةٌ يَصِيرُ بِهَا الْمَعْشُوقُ مَالِكًا لِلْعَاشِقِ لَا يُوجَدُ فِي قَلْبِهِ سِوَاهُ وَمِنْهُ تَيْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَزِيدُ التَّتَيُّمُ فَيَصِيرُ وَلَهًا وَالْوَلَهُ الْخُرُوجُ عَنْ حَدِّ التَّرْتِيبِ وَالتَّعَطُّلُ عَنِ أَحْوَالِ التَّمْيِيزِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْعِشْقِ الْمَيْلُ إِلَى الْمَحْبُوبِ ثُمَّ يَسْتَحْكِمُ الْهَوَى فَيَصِيرُ مَوَّدَةً ثُمَّ تَزِيدُ بِالْمُؤَانَسَةِ وَتَدْرُسُ بِالْجَفَاءِ وَالأَذَى ثُمَّ الْخُلَّةُ ثُمَّ الصَّبَابَةُ وَهِيَ رِقَّةُ الشَّوْقِ يُوَلِّدُهَا الأُلْفَةُ وَيَبْعَثُهَا الإِشْفَاقُ وَيُهَيِّجُهَا الذِّكْرُ ثُمَّ يَصِيرُ عِشْقًا وَهُوَ أَعْلَى ضَرْبٌ فَمُبَتْدَؤُهُ يُصَفِّي الْفَهْمَ وَيُهَذِّبُ الْعَقْلَ كَمَا قَالَ ذُو الرَّيَاسَتَيْنِ لأَصْحَابِهِ اعْشَقُوا وَلا تَعْشَقُوا حَرَامًا فَإِنَّ عِشْقَ الْحَلالِ يُطْلِقُ اللِّسَانَ الْعَيِيَّ وَيَرْفَعُ التَّبَلُّدَ وَيُسَخِّي كَفَّ الْبَخِيلِ وَيَبْعَثُ عَلَى النَّظَافَةِ وَيَدْعُو إِلَى الذَّكَاءِ فَإِذَا زَادَ مَرَضُ الْجَسَدِ فَإِذَا زَادَ جُرْحُ الْقَلْبِ وَأَزَالَ الرَّأْيَ وَاسْتَهْلَكَ الْعَقْلَ ثُمَّ يَتَرَقَّى فَيَصِيرُ وَلَهًا وَيُسَمَّى ذُو الْوَلَهِ مُدَلَّهًا وَمُسْتَهَامًا وَمُسْتَهْتِرًا وَحَيَرَانَ ثُمَّ

стр. 294

بَعْدَهُ التَّتَيُّمَ فَيُدْعَى مُتَيَّمًا وَالتَّتَيُّمُ نِهَايَةُ الْهَوَى وَآخِرُ الْعِشْقِ وَمِنَ التَّتَيُّمِ يَكُونُ الدَّاءُ الدَّوِيُّ وَالْجُنُونُ الشَّاغِلُ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ أَوَّلُ الْحُبِّ الْعَلاقَةُ وَهُوَ شَيْءٌ يُحْدِثُهُ النَّظَرُ أَوِ السَّمْعُ فَيَخْطُرُ بِالْبَالِ وَيَعْرِضُ لِلْفِكْرِ وَيَرْتَاحُ لَهُ الْقَلْبُ ثُمَّ يُنَمَّى بِالطَّبْعِ وَاللُّجَاجِ وَإِدْمَانِ الذِّكْرِ ثُمَّ يَقْوَى فَيَصِيرُ حُبًّا ثُمَّ يَصِيرُ هَوًى ثُمَّ خُلَّةً ثُمَّ عِشْقًا ثُمَّ وَلَهًا فَيُسَمَّى صَاحِبُهُ مُدَلَّهًا وَمُسْتَهَامًا وَمُسْتَهْتِرًا وَهَائِمًا وَحَيَرَانَ ثُمَّ يَصِيرُ تَتَيُّمًا وَهُوَ أَرْفَعُ مَنَازِلِ الْحُبِّ لأَنَّ التَّتَيُّمَ التَّعَبُّدُ وَالْوَجْدَ أَلَمُ الْحُبِّ وَالْهَيَمَانَ الذِّهَابُ فِي طَلَبِ غَرَضٍ لَا غَايَةَ لَهُ وَالْكَلَفُ وَالشَّغَفُ اللَّهَجُ بِطَلِبِ الْغَرَضِ قَالَ الْفَرَّاءُ اللَّوْعَةُ حُرْقَةُ الْقَلْبِ مِنَ الْحُبِّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ الْعَلاقَةُ الْحُبُّ الْمُلازِمُ لِلْقَلْبِ وَالْجَوَى الْهَوَى الْبَاطِنُ وَاللَّوْعَةُ حُرْقَةُ الْهَوَى وَالَّلاعِجُ الْهَوَى الْمُحْرِقُ وَالشَّغَفُ أَنْ يَبْلُغَ الْحُبُّ شَغَافَ الْقَلْبِ وَهُوَ جِلْدٌ دُونَهُ وَالتَّتَيُّمُ أَنْ يَسْتَعْبِدَهُ الْهَوَى وَمِنْهُ تَيْمُ اللَّهِ وَرَجُلٌ مُتَيَّمٌ وَالتَّبْلُ أَنْ يُسْقِمَهُ الْهَوَى يُقَالُ رَجُلٌ مَتْبُولٌ وَالتَّدْلِيهُ ذِهَابُ الْعَقْلِ مِنَ الْهَوَى يُقَالُ مُدَلَّهٌ وَالْهُيُومُ أَنْ يَذْهَبَ عَلَى وَجْهِهِ وَالشَّغَفُ إِحْرَاقُ الْحُبِّ الْقَلْبَ مَعَ لَذَّةٍ يَجِدُهَا وَهُوَ شَبِيهٌ بِاللَّوْعَةِ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ وَيُقَالُ اسْتَهْتَرَ الرَّجُلُ بِكَذَا إِذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ فِيهِ وَانْصَرَفَتْ هِمَّتُهُ إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَرَفَةَ الإِرَادَةُ قَبْلَ الْمَحَبَّةِ ثُمَّ الْمَحَبَّةُ ثُمَّ الْهَوَى ثُمَّ الْعِشْقُ ثُمَّ التَّتَيُّمُ وَأَنْشَدَ لِنَفْسِهِ يَا لَقَوْمٍ كَمْ يُعْذَلُ الْمُشْتَاقُ ... وَالْمُعَنَّى إِلَى الْهَوَى يَنْسَاقُ رَحْمَتِي رَأْفَةٌ وَحُبِّيَ عِشْقٌ ... وَاشْتِيَاقِي صَبَابَةٌ لَا تُطَاقُ

стр. 295

قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ الصَّبَابَةُ رِقَّةُ الْهَوَى وَاشْتِقَاقُ الْحُبِّ مِنْ أَحَبَّ الْبَعِيرُ إِذَا بَرَكَ مِنَ الإِعْيَاءِ فَصْلٌ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَحَبَّةَ جِنْسٌ وَالْعِشْقَ نَوْعٌ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَبَاهُ وَابْنَهُ وَلا يَبْعَثُهُ ذَلِكَ عَلَى تَلَفِ نَفْسِهِ بِخَلافِ الْعَاشِقِ وَقَدْ نُقِلَ أَنَّ بَعْضَ الْعُشَّاقِ نَظَرَ إِلَى جَارِيَةٍ كَانَ يَهْوَاهَا فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَغُشِيَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ مَا الَّذِي أَصَابَهُ فَقَالَ نَظَرٌ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ فَانْفَرَجَ قَلْبُهُ فَتَحَرَّكَ الْجِسْمُ لانْفِرَاجِ الْقَلْبِ فَقِيلَ لَهُ نَحْنُ نُحِبُّ أَهَالِينَا وَلا يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَقَالَ تِلْكَ مَحَبَّةُ الْعَقْلِ وَهَذِهِ مَحَبَّةُ الرُّوحِ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي البَّزَازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي الصُّوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُبَرِّدُ قَالَ سَمِعْتُ الْجَاحِظَ يَقُولُ كُلُّ عِشْقٍ يُسَمَّى حُبًّا وَلَيْسَ كُلُّ حُبٍّ يُسَمَّى عِشْقًا لأَنَّ الْعِشْقَ اسْمٌ لِمَا فَضَلَ عَنِ الْمَحَبَّةِ كَمَا أَنَّ السَّرْفَ اسْمٌ لِمَا جَاوَزَ الْجُودَ وَالْبُخْلَ اسْمٌ لِمَا نَقَصَ عَنِ الاقْتِصَادِ وَالْجُبْنُ اسْمٌ لِمَا فَضَلَ عَنْ شِدَّةِ الاحْتِرَاسِ وَالْهَوَجُ اسْمٌ لِمَا فَضَلَ عَنِ الشِّجَاعَةِ

стр. 296

الْبَابُ السَّادِسُ وَالثَّلاثُونَ فِي ذِكْرِ سَبَبِ الْحُبِّ وَالْعِشْقِ ذَكَرَ حُكَمَاءُ الأَوَائِلِ أَنَّ النُّفُوسَ ثَلاثٌ نَفْسٌ نَاطِقَةٌ وَمَحَبَّتُهَا مُنْصَرِفَةٌ إِلَى الْمَعَارِفِ وَاكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ وَنَفْسٌ حَيَوَانِيَّةٌ عَصَبِيَّةٌ فَمَحَبَّتُهَا مُنْصَرِفَةٌ نَحْوَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَالرِّيَاسَةِ وَنَفْسٌ شَهْوَانِيَّةٌ فَمَحَبَّتُهَا مُنْصَرِفَةٌ إِلَى الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَنَاكِحِ وَنَحْنُ الآنَ مُبْتَدِئُونَ لِنَشْرَحَ عِشْقَ هَذِهِ النَّفْسِ الشَّهْوَانِيَّةِ فَنَقُولُ سَبَبُ الْعِشْقِ مُصَادَفَةُ النَّفْسِ مَا يُلائِمُ طَبْعَهَا فَتَسْتَحْسِنُهُ وَتَمِيلُ إِلَيْهِ وَأَكْثَرُ أَسْبَابِ الْمُصَادَفَةِ النَّظَرُ وَلا يَكُونُ ذَلِكَ بِاللَّمْحِ بَلْ بِالتَّثَبُّتِ فِي النَّظَرِ وَمُعَاوَدَتُهُ فَإِذَا غَابَ الْمَحْبُوبُ عَنِ الْعَيْنِ طَلَبَتْهُ النَّفْسُ وَرَامَتِ الْقُرْبَ مِنْهُ ثُمَّ تَمَنَّتِ الاسْتِمْتَاعَ بِهِ فَيَصِيرُ فِكْرُهَا فِيهِ وَتَصْوِيرُهَا إِيَّاهُ فِي الْغَيْبَةِ حَاضِرًا وَشُغْلُهَا كُلُّهُ بِهِ فَيَتَجَدَّدُ مِنْ ذَلِكَ أَمْرَاضٌ لانْصِرَافِ الْفِكْرِ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَكُلَّمَا قَوِيَتِ الشَّهْوَةُ الْبَدَنِيَّةُ قَوِيَ الْفِكْرُ فِي ذَلِكَ فَصْلٌ وَمِنْ أَسْبَابِ الْعِشْقِ سَمَاعُ الْغَزَلِ وَالْغِنَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُصَوَّرُ فِي النُّفُوسِ نُقُوشَ صُوَّرٍ فَتَتَخَمَّرَ خَمِيرَةَ صُورَةٍ مَوْصُوفَةٍ ثُمَّ يُصَادِفُ النَّظَرُ مُسْتَحْسَنًا فَتَتَعَلَّقُ النَّفْسُ بِمَا كَانَتْ تَطْلُبُهُ حَالَةَ الْوَصْفِ

стр. 297

فَصْلٌ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْعِشْقُ إِلا لِمُجَانِسٍ وَأَنَّهُ يَضْعَفُ وَيَقْوَى عَلَى قَدْرِ التَّشَاكُلِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلْفَ قَالَ وَقَدْ كَانَتِ الأَرْوَاحُ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الأَجْسَامِ فَمَالَ الْجِنْسُ إِلَى الْجِنْسِ فَلَمَّا افْتَرَقَتْ فِي الأَجْسَادِ بَقِيَ فِي كُلِّ نَفْسٍ حُبُّ مَا كَانَ مُقَارِبًا لَهَا فَإِذَا شَاهَدَتِ النَّفْسُ مِنْ نَفْسٍ نَوْعَ مُوَافَقَةٍ مَالَتْ إِلَيْهَا ظَانَّةً أَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ قَرِينَتَهَا فَإِنْ كَانَ التَّشَاكُلُ فِي الْمَعَانِي كَانَتْ صَدَاقَةً وَمَوَّدَةً وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ كَانَ عِشْقًا وَإِنَّمَا يُوجَدُ الْمَلَلُ وَالإِعْرَاضُ فِي بَعْضِ النَّاسِ لأَنَّ التَّجْرِبَةَ أَبَانَتِ ارْتِفَاعَ الْمُجَانَسَةِ وَالْمُنَاسَبَةِ وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ وَقَائِلٌ كَيْفَ تَهَاجَرْتُمَا ... فَقُلْتُ قَوْلا فِيهِ إِنْصَافُ لَمْ يَكُ مِنْ شَكْلِي فَفَارَقْتُهُ ... وَالنَّاسُ أَشْكَالٌ وَأُلافُ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبْهَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ النِّعَالِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الذَّارِعُ قَالَ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ قَالَ قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَيُّ الْحُبِّ أَغْلَبُ قَالَ حُبُّ مُتَشَاكِلَيْنِ وَقَدْ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن ابْن أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَنَوِيُّ قَالَ خَرَجْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَجَاءَنِي ظُرَفَاؤُهَا فَقَالُوا هَا هُنَا فَتَيَانِ تَحَابَّا وَقَدِ اعْتَلَّ أَحَدُهُمَا فَنُرِيدُ أَنْ نَعُودَهُ

стр. 298

فَقُلْتُ خُذُونِي تَعُودُوا الْعَلِيلَ وَأَعُودُ الصَّحِيحَ فَمَضَيْنَا فَوَجَدْنَا فَتًى مُلْقًى عَلَى سَرِيرٍ وَفَتًى مُنْكَبًّا عَلَيْهِ يَذُبُّ عَلَيْهِ وَيَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ فَلَمَّا رَآنَا فَرَّجَ لَنَا عَنْ صَاحِبِهِ فَجَلَسَ أَصْحَابِي حَوْلَهُ وَجَلَسْتُ بِإِزَاءِ الصَّحِيحِ فَكَانَ الْعَلِيلُ إِذَا قَالَ أُوهْ مِنْ فَخْذِي قَالَ الصَّحِيحُ أُوهْ مِنْ فَخْذِي وَإِذَا قَالَ أُوهْ مِنْ يَدِي قَالَ الصَّحِيحُ أُوهْ مِنْ يَدِي إِلَى أَنْ قَالُوا قَدْ قَضَى ﵀ فَشَدَّ أَصْحَابِي لَحْيَ الْعَلِيلِ وَشَدَدْتُ لَحْيَ الصَّحِيحِ فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى دَفَنَّاهُمَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مَنْدَهْ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ قَالَ اشْتَرَى ابْنُ الْمُبَارَكِ جَارِيَةً فَأَحَبَّهَا فَحَجَّ فَكَتَبَ إِلَيْهَا هَبَّتِ الرِّيحُ مِنَ الشَّرْقِ ... فَجَائَتْنِي بِرِيحِكِ فَتَنَشَّقْتُ نَسِيمَ ... الْعَيْشِ مِنْ طِيبِ نُفُوحِكِ فَتَوَهَّمْتُكِ حَتَّى ... خِلْتُنِي بَيْنَ كُشُوحِكِ كَيْفَ أَنْسَاكِ وَرُوحِي ... صُنِعَتْ مِنْ جِنْسِ رُوحِكِ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبرنِي عَليّ بن صَالح ابْن نَصْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سُئِلَ ذُو الرَّيَاسَتَيْنِ عَنِ الْمَوَدَّةِ فَقَالَ إِذَا تَقَارَبَتْ جَوَاهِرُ النُّفُوسِ بَوَصْلِ الْمُشَاكَلَةِ ثَقَبَتْ لَمْحَةَ نُورٍ سَاطِعٍ فِي عَالِمِ الرُّوحِ فَبَثَّتْهُ فِي أَقْطَارِهَا تَسْتَضِيءُ بِهِ نَوَاظِرُ الْعَقْلِ وَتَهْتَزُّ لإِشْرَاقِهِ طَبَائِعُ الْحَيَاةِ فَيُتَصَوَّرُ مِنْ ذَلِكَ خَلْقٌ خَاصٌّ بِالنَّفْسِ يتَّصل بجورها يُسَمَّى الْوُدُّ قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدَةَ الْمَوَّدَةُ تَعَاطُفُ الْقُلُوبِ وَائْتِلافُ الأَرْوَاحِ

стр. 299

وَحَنِينُ النُّفُوسِ إِلَى مُبَاثَّةِ الأَسْرَارِ وَالاسْتِرْوَاحُ بِالْمُسْتَكِنَّاتِ فِي الْغَرَائِزِ وَاسْتِيحَاشُ الأَشْخَاصِ لِتَبَايُنِ اللِّقَاءِ وَظُهُورُ السُّرُورِ بِكَثْرَةِ التَّزَاوُرِ وَعَلَى حَسْبِ مُشَاكَلَةِ الْجَوْهَرِ يَكُونُ الاتِّفَاقُ فِي الْخِصَالِ فصل وَقد ادعو مَيْلَ الْجِنْسِ إِلَى الْجِنْسِ فِيمَا لَا يُعْقَلُ فَأَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّوْزِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَكِيمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مَسْلَمَةَ الْمِنْقَرِيَّ يَقُولُ كَانَ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ نَخْلَةٌ وَذَكَرَ مِنْ حُسْنِهَا وَطِيبِ رُطَبِهَا قَالَ فَفَسَدَتْ حَتَّى شَيَّصَتْ قَالَ فَدَعَا صَاحِبُهَا شَيْخًا قَدِيمًا يَعْرِفُ النَّخْلَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا حَوْلَهَا مِنَ النَّخْلِ فَقَالَ هَذِهِ عَاشِقَةٌ لِهَذَا الْفَحْلُ الَّذِي بِالْقُرْبِ مِنْهَا فَلُقِّحَتْ مِنْهُ فَعَادَتْ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ فَصْلٌ فَإِنْ قِيلَ إِذَا كَانَ سَبَبُ الْعِشْقِ نَوْعَ مُوَافَقَةٍ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ فِي الطِّبَاعِ فَكَيْفَ يُحِبُّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَالآخَرُ لَا يُحِبُّهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَتَّفِقُ فِي طَبْعِ الْمَعْشُوقِ مَا يُوَافِقُ طَبْعَ الْعَاشِقِ وَلا يَتَّفِقُ فِي طَبْعِ الْعَاشِقِ مَا يُلائِمُ طَبْعَ الْمَعْشُوقِ

стр. 300

وَإِذَا كَانَ سَبَبُ الْعِشْقِ اتِّفَاقًا فِي الطِّبَاعِ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعِشْقَ لَا يَكُونُ إِلا لِلأَشْيَاءِ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعِشْقُ لِنَوْعٍ مُنَاسَبَةٍ وَمُلاءَمَةٍ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ حَسَنًا عِنْدَ شَخْصٍ غَيْرَ حَسَنٍ عِنْدَ آخَرَ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ ابْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ إِذْنًا وَحَدَّثَنَا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانَ أَدِيبًا ظَرِيفًا طَلابَةً لِلأَدَبِ وَالْمُلْحِ قَالَ كُنْتُ يَوْمًا فِي مَجْلِسِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ وَمَعَنَا قَيْنَةً ظَرِيفَةً حَسَنَةَ الصُّورَةِ لَهَا حُسْنٌ فَائِقٌ وَجَمَالٌ رَائِقٌ وَمَعَنَا فَتًى مِنْ أَقْبَحِ مَنْ رَأَتْهُ الْعَيْنُ وَأَحْمَقُهُ وَأَغْبَاهُ وَالْقَيْنَةُ مُقْبِلَةٌ عَلَيْهِ بِحَدِيثِهَا وَغِنَائِهَا فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا فَتًى أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَسْرَاهُ ثَوْبًا وَأَطْيَبَهُ رِيحًا فَأَقْبَلَ عَلَيَّ صَاحِبُ الْبَيْتِ فَقَالَ لِي إِنَّ فِي أَمْرِ هَذَيْنِ لَعَجَبًا قُلْتُ وَمَا ذَاكَ قَالَ هَذِهِ الْجَارِيَةُ تُحِبُّ هَذَا يَعْنِي الْقَبِيحَ الْوَجْهِ وَلَيْسَ لَهَا فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةٌ وَهَذَا الْحَسَنُ الْوَجْهِ يُحِبُّهَا وَلَيْسَ لَهُ فِي قَلْبِهَا مَحَبَّةٌ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى شَرَابِنَا إِذْ سُرَّ الْفَتَى الْحَسَنُ الْوَجْهَ فَتَغَنَّى بِيَدِ الَّذِي شَغَفَ الْفُؤَادَ بِكُمْ ... فَرَجُ الَّذِي أَلْقَى مِنَ السُّقْمِ فَاسْتَيْقِنِي أَنْ قَدْ كَلِفْتُ بِكُمْ ... ثُمَّ افْعَلِي مَا شِئْتِ عَنْ عِلْمِ فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ فَمَهْ ثُمَّ تَرَكَتْهُ وَأَقْبَلَتْ عَلَى الْقَبِيحِ فَلَبِثْنَا سَاعَةً فَغَنَّى الْفَتَى أَيْضًا أَلا لَيْتَنِي أَعْمَى أَصَمَّ تَقُودُنِي ... بُثَيْنَةُ لَا يَخْفَى عَلَيَّ كَلامُهَا قَالَ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ اعْطِ عَبْدَكَ مَا سَأَلَ فَغَاظَتْنِي جِدًّا وَلَمْ أَصْبِرْ فَقُلْتُ

стр. 301

لَهَا يَا فَاجِرَةُ تَخْتَارِينَ هَذَا وَهُوَ أَقْبَحُ مِنْ ذُنُوبِ الْمُصِرِّينَ عَلَى هَذَا الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ مِنْ تَوْبَةِ التَّائِبِينَ فَقَالَتْ لِي لَيْسَ الْهَوَى بِالاخْتِيَارِ ثُمَّ أَنْشَأَتْ تُغَنِّي وَلا تَلُمِ الْمُحِبَّ عَلَى هَوَاهُ ... فَكُلُّ مُتَيَّمٍ كَلِفٌ عَمِيدُ يَظُنُّ حَبِيبَهُ حَسَنًا جَمِيلا ... وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبُ مِنَ الْقُرُودِ فَقُلْتُ أَجَلْ إِنَّهُ كَمَا قُلْتِ وَلَيْسَ فِي هَذَا حِيلَةٌ وَذَكَرْتُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَتَضَاحَكْنَ وَقَدْ قُلْنَ لَهَا ... حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَا تَوَدُّ وَقَوْلَ آخَرَ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْحُبَّ يَسْتَعْبِدُ الْفَتَى ... وَيَدْعُوهُ فِي بَعْضِ الأُمُورِ إِلَى الْكُفْرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا عبد الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَعَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالا أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بن خلف ابْن الْمَرْزُبَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَسَّامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الأَدَبِ قَالَ كَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَامِعٍ قَدْ تَزَوَّجَ بِالْحِجَازِ جَارِيَةً سَوْدَاءَ مَوْلاةً لِقَوْمٍ يُقَالُ لَهَا مَرْيَمُ فَلَمَّا صَارَ مِنَ الرَّشِيدِ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي صَارَ بِهِ اشْتَاقَ إِلَى السَّوْدَاءِ فَقَالَ يَذْكُرُهَا وَيَذْكُرُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يَأْلَفُهَا فِيهِ ويجتمعان فِيهِ هَل لَيْلَتي يقفا الْحَصْحَاصِ عَائِدَةٌ ... فِي قُبَّةٍ ذَاتِ أَشْرَاجٍ وَأَزْرَارِ تَسْمُو مَجَامِرُهَا بِالْمُنْدَلِيِّ كَمَا ... تسموا بِحَنَّانَةٍ أَفْوَاجُ إِعْصَارِ الْمِسْكُ يَبْدُو إِلَيْنَا مِنْ غَلائِلِهَا ... وَالْعَنْبَرُ الْوَرْدُ يُذْكِيهِ عَلَى النَّارِ وَمَرْيَمٌ بَيْنَ أَثْوَابٍ مُنَعَّمَةٍ ... طَوْرًا وَطَوْرًا تُغَنِّينِي بِأَوْتَارِ

стр. 302

فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ وَقَدْ سَمِعَ بِشِعْرِهِ وَيْلَكَ مِنْ مَرْيَمِكَ هَذِهِ الَّتِي قَدْ وَصَفْتَهَا صِفَةَ حُورِ الْعِينِ قَالَ زَوْجَتِي فَوَصَفَهَا كَلامًا أَضْعَافَ مَا وَصَفَهَا شِعْرًا فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ إِلَى الْحِجَازِ حَتَّى حُمِلَتْ فَإِذَا هِيَ سَوْدَاءُ طُمْطُمَانِيَّةٌ ذَاتُ مَشَافِرٍ فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ هَذِهِ مَرْيَمُ الَّتِي مَلأَتَ الدُّنْيَا بِذِكْرِهَا عَلَيْكَ وَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ فَقَالَ يَا سَيِّدِي إِنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ يَقُولُ فَتَضَاحَكْنَ وَقَدْ قُلْنَ لَهَا ... حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَا تَوَدُّ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ قَالَ أَنْشَدَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْمَعْمَرِيُّ قَالَ أَنْشَدَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ قَالَ أَنْشَدَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي لأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْفَقِيهِ حَمَلْتُ جِبَالَ الْحُبِّ فِيكِ وَإِنَّنِي ... لأَعْجَزُ عَنْ حَمْلِ الْقَمِيصِ وَأَضْعَفُ وَمَا الْحُبُّ مِنْ حُسْنٍ وَلا مِنْ سَمَاحَةٍ ... وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ بِهِ النَّفْسُ تَكَلَّفُ فَصْلٌ وَقَدْ يَتَعَرَّضُ الإِنْسَانُ بِأَسْبَابِ الْعِشْقِ فَيَعْشَقُ فَإِنَّهُ قَدْ يُرَى الشَّخْصُ فَلا تُوجِبُ رُؤْيَتُهُ مَحَبَّتَهُ فَيُدِيمُ النَّظَرَ وَالْمُخَالَطَةَ فَيَقَعُ فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ تَوَلَّعَ بِالْعِشْقِ حَتَّى عَشِقْ ... فَلَمَّا اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يُطِقْ رَأَى لُجَّةً ظَنَّهَا مَوْجَةً ... فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهَا غَرِقْ وَفِي النَّاسِ مَنْ تُوجِبُ لَهُ الرُّؤْيَةُ نَوْعَ مَحَبَّةٍ فَيُعْرِضُ عَنِ الْمَحْبُوبِ فَيَزُولُ ذَلِكَ فَإِنْ دَاوَمَ النَّظَرَ نَمَتْ كَالْجَنَّةِ إِذَا زُرِعَتْ فَإِنَّهَا إِنْ أُهْمِلَتْ يَبَسَتْ وَإِنْ سُقِيَتْ نَمَتْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ

стр. 303

أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ الْقُمِّيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ قُلْتُ لأَبِي الْعَتَاهِيَةِ حَدِّثْنِي بِقِصَّتِكَ مَعَ عُتْبَةَ فَقَالَ لِي أُحَدِّثُكَ إِنَّا قَدِمْنَا مِنَ الْكُوفَةِ ثَلاثَةَ فِتْيَانٍ شُبَّانًا أُدَبَاءَ وَلَيْسَ لَنَا بِبَغْدَادَ مَنْ نَقْصِدُهُ فَنَزَلْنَا غُرْفَةً بِالْقُرْبِ مِنَ الْجِسْرِ فَكُنَّا نُبْكِرُ فَنَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَابِ الْجِسْرِ فِي كُلِّ غَدَاةٍ فَمَرَّتْ بِنَا يَوْمًا امْرَأَةٌ رَاكِبَةٌ مَعَهَا خَدَمٌ سُودَانُ فَقُلْنَا مَنْ هَذِهِ قَالُوا خَالِصَةُ فَقَالَ أَحَدُنَا قَدْ عَشِقْتُ خَالِصَةَ وَعَمِلَ فِيهَا شِعْرًا فَأَعَنَّاهُ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَرَّتْ بِنَا أُخْرَى رَاكِبَةً مَعَهَا خَدَمٌ بِيضَانُ فَقُلْنَا مَنْ هَذِهِ قَالُوا عُتْبَةُ فَقُلْتُ قَدْ عَشِقْتُ عُتْبَةَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَى أَنِ الْتَأَمَتْ لَنَا أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ فَرَفَعَ صَاحِبِي شِعْرَهُ إِلَى خَالِصَةَ وَرَفَعْتُ أَنَا شِعْرِي إِلَى عُتْبَةَ فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ وَأَلْحَحْنَا إِلْحَاحًا شَدِيدًا فَمَرَّةً تُقْبَلُ أَشْعَارُنَا وَمَرَّةً تُطْرَدُ إِلَى أَنْ جَدُّوا فِي طَرْدِنَا فَجَلَسَتْ عُتْبَةُ يَوْمًا فِي أَصْحَابِ الْجَوْهَرِ وَمَضَيْتُ فَلَبِسْتُ ثِيَابَ رَاهِبٍ وَدَفَعْتُ ثِيَابِي إِلَى إِنْسَانٍ كَانَ مَعِي وَسَأَلْتُ عَنْ رَجُلٍ كَبِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ فَدُلِلْتُ عَلَى شَيْخٍ فَجِئْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي الإِسْلامِ عَلَى يَدَيْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَقَامَ مَعِي وَجَمَعَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ السُّوقِ وَجَاءَهَا فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَاقَ إِلَيْكِ خَيْرًا هَذَا الرَّاهِبُ قَدْ رَغِبَ فِي الإِسْلامِ عَلَى يَدَيْكِ فَقَالَتْ هَاتُوهُ فَدَنَوْتُ مِنْهَا فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَقَطَعْتُ الزِّنَارَ وَدَنَوْتُ فَقَبَّلْتُ يَدَهَا فَلَمَّا فَعَلْتُ ذَلِكَ رَفَعْتُ الْبُرْنُسُ

стр. 304

فَعَرَفَتْنِي فَقَالَتْ نَحُّوهُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالُوا لَا تَلْعَنِيهِ فَقَدْ أَسْلَمَ فَقَالَتْ إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِقَذَرِهِ فَعَرَضُوا عَلَيَّ كُسْوَةً فَقُلْتُ لَيْسَ بِي حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ وَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَشْرُفَ بِوَلائِهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلِيَّ بِحُضُورِكُمْ فَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَنِي الْحَمْدَ وَصَلَّيْتُ معَهُمُ الْعَصْرَ وَأَنَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْهَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا لَا تَقْدِرُ لِي عَلَى حِيلَةٍ فَلَمَّا انْصَرَفَتْ لَقِيَتْ خَالِصَةَ فَشَكَتْ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَيْسَ يَخْلُو هَذَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَا عَاشِقَيْنِ أَوْ مُسْتَأْكِلَيْنِ فَصَحَّ عَزْمُهُمَا عَلَى امْتِحَانِنَا بِمَالٍ عَلَى أَنْ نَدَعَ التَّعَرُّضَ لَهُمَا فَإِنْ قَبْلِنَا الْمَالَ فَنَحْنُ مُسْتَأْكِلانِ وَإِنْ لَمْ نَقْبَلْهُ فَنَحْنُ عَاشِقَانِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مَرَّتْ خَالِصَةُ فَعَرَضَ لَهَا صَاحِبِي فَقَالَ الْخَدَمُ اتْبَعْنَا فَاتَّبَعَهُمْ ثُمَّ لَمْ نَلْبَثْ أَنْ مَرَّتْ عُتْبَةُ فَقَالَ لِي الْخَدَمُ اتْبَعْنَا فَاتَّبَعْتُهُمْ فَمَضَتْ بِي إِلَى مَنْزِلٍ خَلِيطٍ لَهَا بَزَّازٌ فَلَمَّا جَلَسَتْ دَعَتْ بِي فَقَالَتْ لِي يَا هَذَا إِنَّكَ شَابٌّ وَأَرَى بِكَ أَدَبًا وَأَنَا حُرْمَةُ خَلِيفَةٍ وَقَدْ تَأَبَّيْتُكَ فَإِنْ أَنْتَ كَفَفْتَ وَإِلا أَنْهَيْتُ ذَلِكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ لَمْ آمَنْ عَلَيْكَ قُلْتُ فَافْعَلِي بِأَبِي أَنْتِ وَأُمِّي وَإِنَّكِ إِنْ سَفَكْتِ دَمِي أَرَحْتِينِي فَأَسْأَلُكِ بِاللَّهِ إِلا فَعَلْتِ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِي فِيكِ نَصِيبٌ فَأَمَّا الْحَبْسُ وَالْحَيَاةُ وَلا أَرَاكِ فَأَنْتِ فِي حَرَجٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ لَا تَفْعَلْ يَا هَذَا وَأَبْقِ عَلَى نَفْسِكَ وَخُذْ هَذِه الْخَمْسمِائَةِ دِينَارٍ وَاخْرُجْ عَنْ هَذَا الْبَلَدِ فَلَمَّا سَمِعْتُ ذِكْرَ الْمَالِ وَلَّيْتُ هَارِبًا فَقَالَتْ رُدُّوهُ فَلَمْ تَزَلْ تُرَادُّنِي فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكِ مَا أَصْنَعُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَنَا لَا أَرَاكِ وَإِنَّكِ لَتُبَطِّئِينَ يَوْمًا وَاحِدًا عَنِ الرِّكُوبِ فَتَضِيقُ بِيَ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَهِيَ تَأَبَى إِلا ذِكْرَ الْمَالِ حَتَّى جَعَلَتْ لِي أَلْفَ دِينَارٍ فَأَبَيْتُ وَجَاذَبْتُهَا مُجَاذَبَةً شَدِيدَةً وَقُلْتُ لَوْ أَعْطَيْتِينِي جَمِيعَ مَا يَحْوِيهِ الْخَلِيفَةُ مَا كَانَتْ لِي فِيهِ حَاجَةً وَأَنَا لَا أَرَاكِ بَعْدَ أَنْ أَجِدَ السَّبِيلَ إِلَى رُؤْيَتِكِ

стр. 305

وَخَرَجْتُ فَجِئْتُ الْغُرْفَةَ الَّتِي كُنَّا نَنْزِلُهَا وَإِذَا صَاحِبِي مُوَرَّمُ الأُذُنَيْنِ وَقَدِ امْتُحِنَ بِمِثْلِ مِحْنَتِي فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَالِ صَفَّعُوهُ وَحَلَفَتْ خَالِصَةُ لَئِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتُودِعَنَّهُ الْحَبْسَ فَاسْتَشَارَنِي فِي الْمُقَامِ فَقُلْتُ اخْرُجْ وَإِيَّاكَ أَنْ تَقْدِرَ عَلَيْكَ ثُمَّ الْتَقَتَا فَأَخْبَرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَاحِبَتَهَا الْخَبَرَ وَأَحْمَدَتْنِي عُتْبَةُ وَصَحَّ عِنْدَهَا أَنِّي مُحِبٌّ مُحِقٌّ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ دَعَتْنِي فَقَالَتْ بِحَيَاتِي عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تُعِزُّهَا إِلا أَخَذْتَ مَا يُعْطِيكَ الْخَادِمُ فَأَصْلَحْتَ بِهِ مِنْ شَأْنِكَ فَقَدْ غَمَّنِي سُوءُ حَالِكَ فَامْتَنَعْتُ فَقَالَتْ لَيْسَ هَذَا مِمَّا تَظُنُّ وَلَكِنْ لَا أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ فِي هَذَا الزِّيِّ فَقُلْتُ لَوْ أَمْكَنَنِي أَنْ تَرَيْنِي فِي زِيِّ الْمَهْدِيِّ لَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ فَأَخَذْتُ الصُّرَّةَ فَإِذَا فِيهَا ثَلَاثمِائَة دِينَارٍ فَاكْتَسَيْتُ كُسْوَةً حَسَنَةً وَاشْتَرَيْتُ حِمَارًا فَصْلٌ وَيَتَأَكَّدُ الْعِشْقُ بِإِدْمَانِ النَّظَرِ وَكَثْرَةِ اللِّقَاءِ وَطُولِ الْحَدِيثِ فَإِنِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مُعَانَقَةٌ أَوْ تَقْبِيلٌ فَقَدْ تَمَّ اسْتِحْكَامُهُ وَقَدْ ذَكَرَ حُكَمَاءُ الأَوَائِلِ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْقُبَلُ بَيْنَ الْمُتَحَابَّيْنَ وَوَصَلَتْ بَلَّةٌ مِنْ رِيقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى مَعِدَةِ الآخَرِ اخْتَلَطَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ وَوَصَلَ إِلَى جِرْمِ الْكَبِدِ وَهَكَذَا إِذَا تَنَفَّسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وَجْهِ صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مَعَ ذَلِكَ النَّفَسِ شَيْءٌ مِنْ نَسِيمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَخْتَلِطُ بِأَجْزَاءِ الْهَوَاءِ فَإِذَا اسْتَنْشَقَا مِنْ ذَلِكَ الْهَوَاءِ دَخَلَ فِي الْخَيَاشِيمِ وَوَصَلَ بَعْضُهُ إِلَى الدِّمَاغِ فَسَرَى فَهِيَ كسريان النُّور فِي جرم البللور وَوَصَلَ بَعْضُهُ إِلَى جِرْمِ الرِّئَةِ ثُمَّ إِلَى الْقَلْبِ فَيَدُبُّ فِي الْعُرُوقِ الضَّوَارِبِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ فَيَنْعَقِدُ مِنْ بَدَنِ هَذَا مَا تحلل من بدن هَذَا فيصيرمزاجا بِهِ يَتَوَلَّدُ الْعِشْقُ وَيَنْمَى

стр. 306

الْبَابُ السَّابِعُ وَالثَّلاثُونَ فِي ذِكْرِ ذَمِّ الْعِشْقِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعِشْقِ هَلْ هُوَ مَمْدُوحٌ أَوْ مَذْمُومٌ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ مَمْدُوحٌ لأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلا مِنْ لَطَافَةِ الطَّبْعِ وَلا يَقَعُ عِنْدَ جَامِدِ الطَّبْعِ حَبِيسِهِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مِنْهُ شَيْئًا فَذَلِكَ مِنْ غِلَظِ طَبْعِهِ فَهُوَ يَجْلُو الْعُقُولَ وَيُصَفِّي الأَذْهَانَ مَا لَمْ يُفَرِّطْ فَإِذَا أَفْرَطَ عَادَ سُمًّا قَاتِلا وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هُوَ مَذْمُومٌ لِأَنَّهُ يستأمر الْعَاشِقُ وَيَجْعَلُهُ فِي مَقَامِ الْمُسْتَعْبَدِ قُلْتُ وَفَصْلُ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنْ نَقُولَ أَمَّا الْمَحَبَّةُ وَالْوُدُّ وَالْمَيْلُ إِلَى الأَشْيَاءِ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَالْمُلائِمَةِ فَلا يُذَمُّ وَلا يُعْدَمُ ذَلِكَ إِلا الْحَبِيسُ مِنَ الأَشْخَاصِ فَأَمَّا الْعِشْقُ الَّذِي يَزِيدُ عَلَى حَدِّ الْمَيْلِ وَالْمَحَبَّةِ فَيَمْلِكُ الْعَقْلَ وَيَصْرِفُ صَاحِبَهُ عَلَى غَيْرِ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ فَذَلِكَ مَذْمُومٌ وَيَتَحَاشَى مِنْ مِثْلِهِ الْحُكَمَاءُ وَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ فَقَدْ وَقَعَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الأَكَابِرِ وَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا فِي حَقِّهِمْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ قَالَ أَنْبَأَنَا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهُذَلِيُّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدْرِ مَا الْهَوَى ... فَأَنْتَ وَعَيْرٌ بِالْفَلاةِ سَوَاءُ وَقَدْ رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ أَنَّ أَبَا نَوْفَلٍ سُئِلَ هَلْ يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنَ الشعق

стр. 307

فَقَالَ نَعَمْ الْجِلْفُ الْجَافِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ فَضْلٌ وَلا عِنْدَهُ فَهْمٌ وَأَمَّا مَنْ فِي طَبْعِهِ أَدْنَى ظُرْفٌ أَوْ مَعَهُ دَمَاثَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَرِقَّةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَهَيْهَاتَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن عبد الرَّحْمَن ابْن أَحْمَدَ الْمَازِنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدثنَا عِيسَى ابْن مُحَمَّدٍ أَبُو نَاظِرَةَ السَّدُوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي قُبَيْصَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْيَمَانُ بْنُ عَمْرٍو مَوْلَى ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ قَالَ كَانَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ يَبْعَثُنِي وَيَبْعَثُ أَحْدَاثًا مِنْ أَحْدَاثِ أَهْلِهِ إِلَى شَيْخٍ بِخُرَاسَانَ لَهُ أَدَبٌ وَحُسْنُ مَعْرِفَةٍ بِالأُمُورِ وَيَقُولُ لَنَا تَعَلَّمُوا مِنْهُ الْحِكْمَةَ فَإِنَّهُ حَكِيمٌ فَكُنَّا نَأْتِيهِ فَإِذَا انْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِهِ سَأَلْنَا ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ وَاعْتَرَضَ مَا حَفِظْنَاهُ فَيُخْبِرُونَهُ فَقَصَدْنَا ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الشَّيْخِ فَقَالَ أَنْتُمْ أُدَبَاءٌ وَقَدْ سَمِعْتُمْ وَلَكُمْ جِدَّاتٌ وَنِعَمٌ فَهَلْ فِيكُمْ عَاشِقٌ فَقُلْنَا لَا فَقَالَ اعْشَقُوا فَإِنَّ الْعِشْقَ يُطْلِقُ اللِّسَانَ الْعَيِّ وَيَفْتَحُ حِيلَةَ الْبَلِيدِ وَالْمُخْتَلِّ وَيَبْعَثُ عَلَى التَّنْظِيفِ وَتَحْسِينِ اللِّبَاسِ وَتَطْيِيبِ الْمَطْعَمِ وَيَدْعُو إِلَى الْحَرَكَةِ وَالذَّكَاءِ وَتَشَرُّفِ الْهِمَّةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْحَرَامَ فَانْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِهِ إِلَى ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ فَسَأَلَنَا عَمَّا أَخَذْنَا فِي يَوْمِنَا ذَلِكَ فَهُبْنَاهُ أَنْ نُخْبِرَهُ فَعَزَمَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا إِنَّهُ أَمَرَنَا بِكَذَا وَكَذَا قَالَ صَدَقَ وَاللَّهِ تعلمُونَ من أَيْن أَخذ هَذَا قُلْنَا لَا قَالَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ إِنَّ بُهْرَامَ جُورَ كَانَ لَهُ ابْنُ وَكَانَ قَدْ رَشَّحَهُ لِلأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ فَنَشَأَ الْفَتَى نَاقِصَ الْهِمَّةِ سَاقِطَ الْمُرُوءَةِ خَامِلَ النَّفْسِ سَيِّءَ الأَدَبِ فَغَمَّهُ ذَلِكَ وَوَكَّلَ بِهِ الْمُؤَدِّبِينَ وَالْحُكَمَاءَ وَمَنْ يُلازِمُهُ وَيُعَلِّمُهُ وَكَانَ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ فَيَحْكُونَ لَهُ مَا يَغُمُّهُ مِنْ سُوءِ فَهْمِهِ وَقِلَّةِ أَدَبِهِ إِلَى أَنْ سَأَلَ بَعْضَ مُؤَدِّبِيهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ الْمُؤَدِّبُ قَدْ كُنَّا نَخَافُ

стр. 308

سُوءَ أَدَبِهِ فَحَدَثَ مَا جَرَّنَا إِلَى الْيَأْسِ مِنْ إِفْلاحِهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ الَّذِي حَدَثَ قَالَ رَأَى ابْنَةَ فُلانٍ الْمَرْزُبَانِ فَعَشِقَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَيْهِ فَهُوَ لَا يَهْدَى إِلا بِهَا وَلا يَتَشَاغَلُ إِلَّا بذكرهاز فَقَالَ بُهْرَامُ الآنَ رَجَوْتُ فَلاحَهُ ثُمَّ دَعَا بِأَبِي الْجَارِيَةِ فَقَالَ لَهُ إِنِّي مُسِرٌّ إِلَيْكَ سِرًّا فَلا يَعْدُونَكَ فَضَمِنَ لَهُ سِتْرَهُ فَأَعْلَمَهُ أَنَّ ابْنَهُ قَدْ عَلِقَ ابْنَتَهُ وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُنْكِحَهَا إِيَّاهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهَا بِإِطْمَاعِهِ فِي نَفْسِهَا وَمُرَاسَلَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهَا وَتَقَعْ عَيْنُهُ عَلَيْهَا فَإِذَا اسْتَحْكَمَ طَمَعُهُ فِيهَا تَجَنَّتْ عَلَيْهِ وَهَجَرَتْهُ فَإِنِ اسْتَعْتَبَهَا أَعْلَمَتْهُ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ إِلا لِمَلِكٍ وَمَنْ هِمَّتُهُ هِمَّةُ مَلِكٍ وَأَنَّهُ يَمْنَعُهَا مِنْ مَوَاصَلَتِهِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ ثُمَّ لِيُعْلِمُهُ خَبَرَهَا وَخَبَرَهُ وَلا يُطْلِعُهَا عَلَى مَا أَسَرَّ إِلَيْهِ فَقَبِلَ أَبُوهَا ذَلِكَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ لِلْمُؤَدِّبِ الْمُوَكَّلِ بِهِ خَوِّفْهُ وَشَجِّعْهُ عَلَى مُرَاسَلَةِ الْمَرْأَةِ فَفَعَلَ ذَلِكَ وَفَعَلَتِ الْمَرْأَةُ مَا أَمَرَهَا بِهِ أَبُوهَا فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَى التَّجَنِّي عَلَيْهِ وَعَلِمَ الْفَتَى السَّبَبَ الَّذِي كَرِهَتْهُ لَهُ أَخَذَ فِي الأَدَبِ وَطَلَبِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفُرُوسِيَّةِ وَالرِّمَايَةِ وَضَرْبِ الصَّوَالِجَةِ حَتَّى مُهِرَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَفَعَ إِلَى أَبِيهِ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ مِنَ الدَّوَابِّ وَالآلاتِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَلابِسِ وَالنُّدَمَاءِ إِلَى فَوْقِ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمَلِكُ وَأَمَرَ لَهُ بِهِ ثُمَّ دَعَا مُؤَدِّبَهُ فَقَالَ إِنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي وَضَعَ بِهِ ابْنِي نَفْسَهُ مِنْ حُبِّ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لَا يُزْرِي بِهِ فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيَّ أَمْرَهَا وَيَسْأَلُنِي أَنْ أُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا فَفَعَلَ فَرَفَعَ الْفَتَى ذَلِكَ إِلَى أَبِيهِ فَدَعَا بِأَبِيهَا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ وَأَمَرَ لَهُ بِتَعْجِيلِهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِذَا اجْتَمَعْتَ وَهِيَ فَلا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى أَصِيرَ إِلَيْكَ فَلَمَّا اجْتَمَعَا صَارَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا بُنَيَّ لَا يَضَعَنَّ عِنْدَكَ مِنْهَا مُرَاسَلَتُهَا إِيَّاكَ وَلَيْسَتْ فِي حِبَالِكَ فَإِنِّي أَنَا أَمَرْتُهَا بِذَلِكَ وَهِيَ أَعْظَمُ النَّاسِ مِنْهُ عَلَيْكَ بِمَا دَعَتْكَ إِلَيْهِ مِنْ طَلَبِ

стр. 309

الْحِكْمَةِ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلاقِ الْمُلُوكِ حَتَّى بَلَغْتَ الْحَدَّ الَّذِي تَصْلُحُ مَعَهُ لِلْمُلْكِ مِنْ بَعْدِي فَزِدْهَا مِنَ التَّشْرِيفِ وَالإِكْرَامِ بِقَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّ مِنْكَ فَفَعَلَ الْفَتَى ذَلِكَ وَعَاشَ مَسْرُورًا بِالْجَارِيَةِ وَعَاشَ أَبُوهُ مَسْرُورًا بِهِ وَأَحْسَنَ ثَوَابَ أَبِيهَا وَرَفَعَ مَرْتَبَتَهُ وَشَرَّفَهُ بِصِيَانَتِهِ سِرَّهُ وَطَاعَتِهِ وَأَحْسَنَ جَائِزَةَ الْمُؤَدِّبِ بِامْتِثَالِهِ أَمْرَهُ وَعَقَدَ لابْنِهِ عَلَى الْمُلْكِ بَعْدَهُ قَالَ الْيَمَانُ مَوْلَى ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَنَا ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ سَلُوا الشَّيْخَ الآنَ لِمَ حَمَلَكُمْ عَلَى الْعِشْقِ فَسَأَلْنَاهُ فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثِ بُهْرَامِ جُورَ وَابْنَهُ فَصْلٌ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْعِشْقِ فَمَذْمُومٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَبَيَانُ ذَمِّهِ أَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُعْرَفُ مَمْدُوحًا أَوْ مَذْمُومًا بِتَأَمُّلِ ذَاتِهِ وَفَوَائِدِهِ وَعَوَاقِبِهِ وَذَاتُ الْعِشْقِ لَهَجٌ بِصُورَةٍ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ فَضِيلَةٌ فَيُمْدَحَ وَلا فَائِدَةٌ فِي الْعِشْقِ لِلْنَفْسِ النَّاطِقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ أَثَرُ غَلَبَةِ النَّفْسِ الشَّهْوَانِيَّةِ لأَنَّهَا لَمَّا قَوِيَتْ أَحَبَّتْ مَا يَلِيقُ بِهَا أَلا تَرَى أَنَّ الصِّبْيَانَ يُحِبُّونَ التَّمَاثِيلَ وَاللِّعْبَ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ لِلنَّاسِ لِضَعْفِ نُفُوسِهِمْ وَكَوْنِهَا مُمَاثِلَةٌ لِلْصُوَرِ لِخُلُوِهَا عَنْ رِيَاضَةٍ فَإِذَا ارْتَاضَتْ نُفُوسُهُمُ ارْتَفَعَتْ هِمَمُهُمْ إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى وَهُوَ حُبُّ الصُّوَرِ النَّاطِقَةِ فَإِذَا ارْتَاضَتْ نُفُوسُهُمْ بِالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ ارْتَفَعَتْ عَنْ حُبِّ الذَّوَاتِ ذَوَاتِ اللَّحْمِ وَالدَّمِّ إِلَى مَا هُوَ أَشْرَفُ مِنْهَا وَأَتَمُّ أَحْوَالِ النف الشَّهْوَانِيَّةِ وُجُودُهَا مَعَ شَهَوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ مُنَغِّصٍ وَأَتَمُّ أَحْوَالِ النَّفْسِ الْحَيَوَانِيَّةِ وُجُودُ غَرَضِهَا مِنَ الْقَهْرِ وَالرَّيَاسَةِ وَأَتَمُّ أَحْوَالِ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ وُجُودُهَا مُدْرِكَةٌ لِحَقَائِقِ الأَشْيَاءِ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ

стр. 310

وَهَذِهِ النَّفْسُ لَا يَسْتَأْسِرُهَا الْهَوَى فَإِنَّ أَمَالَهَا طَبْعُهَا أَقَامَهَا فِكْرُهَا وَانْتَاشَهَا مِنْ يَدِهِ عَقْلُهَا وَفَهْمُهَا لأَنَّهَا تَتَفَكَّرُ فِيمَا قَدْ نَابَهَا فَتَتَلَمَّحُ مُنْتَهَاهُ وَتَرَى غَايَتَهُ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا الْوُقُوفُ لأَنَّهَا فِي السَّيْرِ أَبَدًا تَتَرَقَّى مِنْ عِلْمٍ إِلَى عِلْمٍ وَالْعَاشِقُ وَاقِفٌ مَعَ صُورَةٍ جَامِدَةٍ عَنِ التَّحَرُّكِ وَالْعَارِفُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي السَّيْرِ لَا يَفْتُرُ وَلا يُنْكِرُ أَنْ يَقْوَى طَبْعُهُ عَلَيْهِ فِي حَالٍ وَتَمِيلُ بِهِ الْمَحَبَّةُ لِلْصُوَرِ أَحْيَانًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ أَسِيرًا إِنَّمَا يَمِيلُ يَسِيرًا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ لَيْسَ الْعِشْقُ مِنْ أَدْوَاءِ الْحُصَفَاءِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَمْرَاضِ الْخُلَعَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا دَأْبَهَمْ وَلَهْجَهُمْ مُتَابَعَةَ النَّفْسِ وَإِرْخَاءَ عَنَانِ الشَّهْوَةِ وَإِمْرَاجَ النَّظَرِ فِي مُسْتَحْسَنَاتِ الصُّوَرِ فَهُنَالِكَ تَتَقَيَّدُ النَّفْسُ بِبَعْضِ الصُّوَرِ فَتَأْنَسَ ثُمَّ تَأْلَفَ ثُمَّ تَتُوقُ ثُمَّ تَلْمَحُ فَيُقَالُ عَشِقَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الْحُكَمَاءِ لأَنَّ الْحَكِيمَ مَنِ اسْتَطَالَ رَأْيُهُ عَلَى هَوَاهُ وَتَسَلَّطَتْ حِكْمَتُهُ عَلَى شَهْوَتِهِ فَرْعُونَاتُ طَبْعِهِ مُقَيَّدَةٌ أَبَدًا كَصَبِيٍّ بَيْنَ يَدَيِ مُعَلِّمِهِ أَوْ عَبْدٍ بِمَرْأَى سَيّده وَمَا كَانَ الشعق قَطُّ إِلا لأَرْعَنَ بَطَّالٍ وَقَلَّ أَنْ يَكُونَ لِمَشْغُولٍ بِصِنَاعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ فَكَيْفَ لِمَشْغُولٍ بِالْعُلُومِ وَالْحِكَمِ فَإِنَّهَا تصرفه ذَلِك وَلِهَذَا لاتكاد تَجِدْهُ فِي الْحُكَمَاءِ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ قَالَ قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ هَلْ تَعْرِفُونَ فِيكُمُ الْمَجْنُونَ الَّذِي قَتَلَهُ الْحُبُّ فَقَالَ إِنَّمَا يَمُوتُ مِنَ الْحُبِّ هَذِهِ الْيَمَانِيَّةُ الضِّعَافُ الْقُلُوبِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْعِشْقُ مَرَضٌ يَعْتَرِي النُّفُوسَ الْعَاطِلَةَ وَالْقُلُوبَ الْفَارِغَةَ وَالْمُتَلَمِحَةَ لِلصُّوَرِ لِدَوَاعٍ مِنَ النَّفْسِ وَيُسَاعِدُهَا إِدْمَانُ الْمُخَالَطَةِ فَتَتَأَكَّدَ الأُلْفَةُ

стр. 311

وَيَتَمَكَّنَ الأُنْسُ فَيَصِيرُ بِالإِدْمَانِ شَغَفًا وَمَا عَشِقَ قَطُّ إِلا فَارِغٌ فَهُوَ مِنْ عِلَلِ الْبَطَّالِينَ وَأَمْرَاضِ الْفَارِغِينَ مِنَ النَّظَرِ فِي دَلائِلِ الْعِبَرِ وَطَلَبِ الْحَقَائِقِ الْمُسَتَدَلِّ بِهَا عَلَى عِظَمِ الْخَالِقِ وَلِهَذَا قَلَّ مَا تَرَاهُ إِلا فِي الرُّعْنِ الْبَطْرَى وَأَرْبَابِ الْخَلاعَةِ النَّوْكَى وَمَا عَشِقَ حَكِيمٌ قَطُّ لأَنَّ قُلُوبَ الْحُكَمَاءِ أَشَدُّ تَمَنُّعًا عَنْ أَنْ تَقِفَهَا صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْكَوْنِ مَعَ شِدَّةٍ تَطْلُبُهَا فَهِيَ أَبَدًا تَلْحَظُ وَتَخْطَفُ وَلا تَقِفُ وَقَلَّ أَنْ يَحْصُلَ عِشْقٌ مِنْ لَمْحَةٍ وَقَلَّ أَنْ يَضِيفَ حَكِيمٌ إِلَى لَمْحَةٍ نَظْرَةً فَإِنَّهُ مَارٌّ فِي طَلَبِ الْمَعَانِي وَمَنْ كَانَ طَالِبًا لمعْرِفَة الله لاتقفه صُورَةٌ عَنِ الطَّلَبِ لأَنَّهَا تَحْجِبُهُ عَنِ الْمُصَوَّرِ وَحُوشِيَتْ قُلُوبُ الْحُكَمَاءِ الطَّالِبِينَ فَضْلا عَنِ الْوَاصِلِينَ الْعَارِفِينَ مِنْ أَنْ تَحْبِسْهُمُ الصُّوَرُ أَوْ تَفْتِنُهُمُ الأَشْكَالُ عَنِ التَّرَقِّي فِي مَعَارِجِ مَقَاصِدِهِمْ أَوْ تَحُطُهُمْ عَنْ مَرَاكِزِهِمْ إِلَى مَحَلِّ الأَثْقَالِ الرَّاسِيَةِ بَلْ هُمْ أَبَدًا فِي التَّرَقِّي هَاتِكُونَ لِلْحُجُبِ وَالأَسْتَارِ بِقُوَّةِ النَّظَرِ فَصْلٌ وَقَدْ بَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مُرَادَ النَّفْسِ الشَّهْوَانِيَّةِ اللَّذَّةُ فَلْنَقْدَحْ فِي اللَّذَّاتِ مُطْلَقًا بِمَا يَبِينُ بِهِ عَيْبَ الْعِشْقِ ثُمَّ نَخُصُّهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ فَنَقُولُ اعْلَمْ أَنَّ اللَّذَّةَ الْحَسَنَةَ لَيْسَتْ شَيْئًا مَطْلُوبًا فِي ذَاتِهَا إِنَّمَا هِيَ دَفْعُ حَادِثٍ مُؤْذٍ لِيَعُودَ الإِنْسَانُ إِلَى حَالَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْحَادِثِ وَمِثَالُ هَذَا كَرَجُلٍ خَرَجَ مِنْ مَكَانٍ ظَلِيلٍ فَسَارَ فِي الشَّمْسِ فَمَسَّهُ الْحَرُّ ثُمَّ عَادَ إِلَى الظِّلِّ فَإِنَّهُ يَلْتَذُّ بِذَلِكَ الْمَكَانِ إِلَى أَنْ يَعُودَ إِلَى حَالَتِهِ الأُولَى ثُمَّ يَفْقِدُ الالْتِذَاذَ وَيَكُونُ اشْتِدَادُ اللَّذَّةِ عَلَى قَدْرِ اشْتِدَادِ بُلُوغِ أَذَى الْحَرِّ إِلَيْهِ وَقَدْ يَتَصَوَّرُ صَاحِبُ اللَّذَّةِ أَنَّهَا حَصَلَتْ مِنْ غَيْرِ أَذًى سَابِقٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ لَذَّةٌ حَسَنَةٌ إِلا بِمِقْدَارِ التَّأَذِّي بِالْخُرُوجِ

стр. 312

عَنِ الطَّبِيعَةِ كَمَا أَنَّهُ بِمِقْدَارِ أَذَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ يَكُونُ الالْتِذَاذُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِذَا عَادَ الْجَائِعُ وَالْعَطْشَانُ إِلَى حَالَتِهِ الأُولَى كَانَ إِكْرَاهُهُ عَلَى تَنَاوُلِهِمَا أَبْلَغُ شَيْءٍ فِي أَذَاهُ وَأَرْبَابُ الطَّلَبِ لِلْمَلْذُوذِ لَا يَرَوْنَ إِلا صُورَةَ بُلُوغِ الْغَرَضِ وَهُمْ عَمُونَ بِحِجَابِ الْهَوَى الَّذِي قَدَّمْنَا ذَمَّهُ عَنْ فَهْمِ مَا قُلْنَا غَافِلُونَ عَمَّا تَنْطَوِي عَلَيْهِ اللَّذَّةُ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ بِالنُّفُوسِ وَانْكِسَارِ الْجَاهِ وَحُصُولِ الإِثْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَوْ قَدْ كَشَفَ فَجْرُ التَّيَقُظِ سِجَافَ لَيْلِ الْهَوَى فَرَأَوْا بِأَعْيُنِ الْبَصَائِرِ مَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ الْهَوَى مِنَ الآفَاتِ لَهَانَ عَلَيْهِمْ غَرَضُهُمْ قَالَ سُقْرَاطُ اللَّذَّةُ مِشْنَاقٌ مِنْ عَسَلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ اللَّذَّةُ مَشُوبَةٌ بِالْقُبْحِ فَتَفَكَّرُوا فِي انْقِطَاعِ اللَّذَّةِ وَبَقَاءِ ذِكْرِ الْقُبْحِ وَقَالَ آخَرُ عَارُ الْفَضِيحَةِ كَدْرُ لَذَّتِهَا فَصْلٌ وَإِذَا ثَبَتَ عَيْبُ اللَّذَّاتِ عِنْدَ الْعُقُولِ النَّيِّرَةِ بِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فَهَذَا الْعَيْبُ لازِمٌ فِي بَابِ الْعِشْقِ بَلْ هُوَ بِهِ أَجْدَرُ فَإِنَّ إِعْمَالَ الْبَصَرِ فِي تِكْرَارِ النَّظَرِ حَقَنَ فِي نَفْسِ الْعَاشِقِ طَلَبَ الالْتِذَاذِ فَكُلَّمَا نَالَ لَذَّةً بِنَظْرَةٍ دَفَعَ بَعْضَ الأَذَى الَّذِي جَلَبَهُ لِنَفْسِهِ إِلا أَنَّهُ يَجْتَلِبُ بِتِلْكَ النَّظْرَةِ مِنَ الشَّرِّ أَضْعَافَ مَا دَفَعَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تِكْرَارَ النَّظَرِ يُقَوِّي الْقَلَقَ إِلَى الْحَبِيبِ وَلا شِفَاءَ لِذَلِكَ إِلا أَنْ يَنْتَهِي إِلَى غَايَتِهِ الْمَطْلُوب مِنَ الْمُتْعَةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي تَمْتَدُّ إِلَى بِدَايَةِ الْمَلَلِ وَبَعْضُ ذَلِكَ قَدْ يُوجِبُ خِزْيَ الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ

стр. 313

فَصْلٌ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُشَّاقَ قَدْ جَاوَزُوا حَدَّ الْبَهَائِمِ فِي عَدَمِ مَلَكَةِ النَّفْسِ فِي الانْقِيَادِ إِلَى الشَّهَوَاتِ لأَنَّهُمْ لَمْ يَرْضُوا أَنْ يُصِيبُوا شَهْوَةَ الْوَطْءِ وَهِيَ أَقْبَحُ الشَّهَوَاتِ عِنْدَ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ حَتَّى أَرَادُوهَا مِنَ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ فَضَمُّوا شَهْوَةً إِلَى شَهْوَةٍ وَذُلُّوا لِلْهَوَى ذُلا عَلَى ذُلٍّ وَالْبَهِيمَةُ إِنَّمَا تَقْصُدُ دَفْعَ الأَذَى عَنْهَا فَحَسْبُ وَهَؤُلاءِ اسْتَخْدَمُوا عُقُولَهُمْ فِي تَدْبِيرِ نَيْلِ شَهَوَاتِهِمْ فَصْلٌ فَقَدْ بَانَ لَكَ بِمَا ذَكَرْنَا عَيْبُ اللَّذَّاتِ وَعَيْبُ الْعِشْق من حهة مُشَابَهَتِهِ لِلَّذَّاتِ وَبَيَّنَّا أَنَّهُ يَزِيدُ عَيْبُهُ عَلَى عَيْبِ اللَّذَّاتِ مُطْلَقًا ونزيد ذَلِك شرحا هَا هُنَا فَنَقُولُ الْعِشْقُ بَيْنَ الضَّرَرِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا أَمَا فِي الدِّينِ فَإِنَّ الْعِشْقَ أَوَّلا يَشْغَلُ الْقَلْبَ عَنِ الْفِكْرِ فِيمَا خُلِقَ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الإِلَهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ وَالْقُرْبِ إِلَيْهِ ثُمَّ بِقَدْرِ مَا يَنَالُ مِنْ مُوَافَقَةِ غَرَضِهِ الْمُحَرَّمِ يَكُونُ خُسْرَانُ آخِرَتِهِ وَتَعَرُّضُهُ لِعُقُوبَةِ خَالِقِهِ فَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْ هَوَاهُ بَعُدَ مِنَ مَوْلاهُ وَلا يَكَادُ الْعِشْقُ يَقْعُ فِي الْحَلالِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ فَإِنْ وَقَعَ فَيَا سُرْعَانَ زَوَالِهِ قَالَ الْحُكَمَاءُ كُلُّ مَمْلُوكٍ مَمْلُولٍ وَقَالَ الشَّاعِرُ وَزَادَنِي شَغَفًا بِالْحُبِّ أَنْ مُنِعْتُ ... وَحِبُّ شَيْءٍ إِلَى الإِنْسَانِ مَا مُنِعَا فَإِذَا كَانَ الْمَعْشُوقُ لَا يُبَاحُ اشْتَدَّ الْقَلَقُ وَالطَّلَبُ لَهُ فَإِنْ نِيلَ مِنْهُ غَرَضٌ

стр. 314

فَالْعَذَابُ الشَّدِيدُ فِي مُقَابَلَتِهِ عَلَى أَنَّ بُلُوغَ الْغَرَضِ يَزِيدُهُ أَلَمًا فَتُرْبِي مَرَارَةُ الْفِرَاقِ عَلَى لَذَّةِ الْوِصَالِ كَمَا قَالَ قَائِلِهُمْ كُلُّ شَيْءٍ رَبَحْتُهُ فِي التَّلاقِي ... وَالتَّدَانِي خَسِرْتُهُ فِي الْفِرَاقِ وَإِنْ مَنَعَهُ خَوْفُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ نَيْلِ غَرَضٍ فَالامْتِنَاعُ عَذَابٌ شَدِيدٌ فَهُوَ مُعَذَّبٌ فِي كُلِّ حَالٍ فَصْلٌ وَأَمَّا ضَرَرُ الْعِشْقِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يُورِثُ الْهَمَّ الدَّائِمَ وَالْفِكْرَ الَّلازِمَ وَالْوِسْوَاسَ وَالأَرَقَ وَقِلَّةَ الْمَطْعَمِ وَكَثْرَةَ السَّهَرِ ثُمَّ يَتَسَلَّطُ عَلَى الْجَوَارِحِ فَتَنْشَأُ الصُّفْرَةُ فِي الْبَدَنِ وَالرَّعْدَةُ فِي الأَطْرَافِ وَاللَّجْلَجَةُ فِي اللِّسَانِ وَالنُّحُولُ فِي الْجَسَدِ فَالرَّأْيُ عَاطِلٌ وَالْقَلْبُ غَائِبٌ عَنْ تَدْبِيرِ مَصْلَحَتِهِ وَالدُّمُوعُ هَوَاطِلٌ وَالْحَسَرَاتُ تَتَابُعٌ والزفرت تَتَوَالَى وَالأَنْفَاسُ لَا تَمْتَدُّ وَالأَحْشَاءُ تَضْطَرِمُ فَإِذَا غُشِيَ عَلَى الْقَلْبِ إِغْشَاءً تَامًّا أُخْرِجَتْ إِلَى الْجُنُونِ وَمَا أَقْرَبُهُ حِينَئِذٍ مِنَ التَّلَفِ هَذَا وَكَمْ يَجْنِي مِنْ جِنَايَةٍ عَلَى الْعِرْضِ وَوَهْنِ الْجَاهِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَرُبَّمَا أَوْقَعَ فِي عُقُوبَاتِ الْبَدَنِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ وَقَدْ أَنْشَدُوا وَمَا عَاقِلٌ فِي النَّاسِ يُحْمَدُ أَمْرُهُ ... وَيُذْكَرُ إِلا وَهُوَ فِي الْحُبِّ أَحْمَقُ وَمَا مِنْ فَتًى ذَاقَ بُؤْسَ مَعِيشَةٍ ... مِنَ النَّاسِ إِلا ذَاقَهَا حِينَ يَعْشَقُ قَالَ جَالِينُوسُ الْعِشْقُ مِنْ فَعْلِ النَّفْسِ وَهِيَ كَامِنَةٌ فِي الدِّمَاغِ وَالْقَلْبِ وَالْكَبِدِ وَفِي الدِّمَاغِ ثَلاثَةُ مَسَاكِنٍ مَسْكَنٌ لِلْتَخَيُّلِ وَهُوَ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَمَسْكَنٌ لِلْفِكْرِ وَهُوَ فِي وَسَطِهِ وَمَسْكَنٌ لِلْذِكْرِ وَهُوَ فِي مُؤَخِرِهِ وَلا يُسَمَّى عَاشِقًا إِلا مَنْ إِذَا فَارَقَ مَعْشُوقَهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ تَخَيُّلِهِ فَيَمْتَنِعُ عَنِ الطَّعَام وَالشرَاب عَن بِاشْتِغَالِ الْكَبِدِ وَمِنَ النَّوْمِ بِاشْتِغَالِ الدِّمَاغِ بِالتَّخَيُلِ وَالْفِكْرِ وَالذِّكْرِ فَتَكُونُ جَمِيعُ مَسَاكِنِ النَّفْسِ قَدِ اشْتَغَلَتْ بِهِ

стр. 315

فَصْلٌ وَلَقَدْ وَصَفَ الْحُكَمَاءُ قُبْحَ مَا فِيهِ الْعُشَّاقُ فَأَبْلَغُوا وَكَانَتْ تَأْتِي عَلَى عُقَلاءِ الْعُشَّاقِ أَحْيَانًا إِفَاقَةً فَيَصِفُونَ قُبْحَ مَا هُمْ فِيهِ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ نَبْهَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ دُومَا قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ نَصْرُ الذَّارِعُ قَالَ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا الْجَاحِظُ قَالَ ذَكَرَ لِي عَنْ بَعْضِ حُكَمَاءِ الْهِنْدِ أَنَّهُ قَالَ إِذَا ظَهَرَ الْعِشْقُ عِنْدَنَا فِي رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ غَدَوْنَا عَلَى أَهْلِهِ بِالتَّعْزِيَةِ قَالَ الْجَاحِظُ وَبَلَغَنِي أَنَّ عَاشِقًا مَاتَ بِالْهِنْدِ عِشْقًا فَبَعَثَ مَلِكُ الْهِنْدِ إِلَى الْمَعْشُوقِ يَقْتُلُهُ بِهِ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبْعِيُّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْهِنْدِ إِذَا ظَهَرَ الْعِشْقُ عِنْدَنَا فِي أَحَدٍ غَدَوْنَا عَلَيْهِ بِالتَّعْزِيَّةِ قَالَ الرَّبَعِيُّ وَسَمِعْتُ أَعْرَابِيَّةٌ تَقُولُ مِسْكِينٌ الْعَاشِقُ كُلُّ شَيْءٍ عَدُوُّهُ هُبُوبُ الرِّيَاحِ يُقْلِقُهُ وَلَمَعَانُ الْبَرْقِ يُؤَرِّقُهُ وَرُسُومُ الدِّيَارِ تُحْرِقُهُ وَالْعَذْلُ يُؤْلِمُهُ وَالتَّذَكُّرُ يُسْقِمُهُ وَالْبُعْدُ يُنْحِلُهُ وَالْقُرْبُ يُهَيِّجُهُ وَاللَّيْلُ يُضَاعِفُ بَلاهُ وَالرُّقَادُ يَهْرَبُ مِنْهُ وَلَقَدْ تَدَاوَيْتُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فَلَمْ يَنْجَحْ فِيهِ دَوَاءٌ وَلا عَزَّى فِيهِ عَزَاءٌ وَلَقَدْ أَحْسَنَ الَّذِي يَقُولُ وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمُحِبَّ إِذَا دَنَا ... يَمَلُّ وَأَنَّ النَّأْيَ يُشْفِي مِنَ الْوِجْدِ بِكُلٍّ تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يَشْفِ مَا بِنَا ... عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَنْشَدَنِي الْمَارِسْتَانِيُّ

стр. 316

إِذَا قَرُبَتْ دَارٌ كَلِفْتُ وَإِنْ نَأَتْ ... أَسِفْتُ فَلا بِالْقُرْبِ أَسْلُو وَلا الْبُعْدِ وَإِنْ وَعَدَتْ زَادَ الْهَوَى لانْتِظَارِهَا ... وَإِنْ بَخِلَتْ بِالْوَعْدِ مِتُّ عَلَى الْوَعْدِ فَفِي كُلِّ حُبّ لَا مَحَالَةَ فَرْحَةٌ ... وَحُبُّكِ مَا فِيهِ سِوَى مُحْكَمِ الْجَهْدِ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَبْرِيَّةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَوْهُوبُ بْنُ رَشِيدٍ قَالَ وَقَفَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ عَلَى أُخْتٍ لَهَا فَقَالَتْ لَهَا يَا فُلانَةُ كَيْفَ أَصْبَحْتِ مِنْ حُبِّ فُلانٍ قَالَتْ قَلْقَلَ وَاللَّهِ حُبُّهُ السَّاكِنَ وَسَكَّنَ الْمُتَحَرِّكَ ثُمَّ أَنْشَدَتْهَا وَلَوْ أَنَّ مَا بِالْحَصَى فُلِقَ الْحَصَى ... وَبِالرِّيحِ لَمْ يُسْمَعْ لَهُنَّ هُبُوبُ وَلَوْ أَنَّنِي اسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّمَا ... ذَكَرْتُكَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيَّ ذُنُوبُ فَقَالَتْ لَا جَرَمَ وَاللَّهِ لَا أَقْفُ حَتَّى أَسْأَلَهُ كَيْفَ أَصْبَحَ مِنْ حُبِّكِ فَجَاءَتْهُ فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ إِنَّمَا الْهَوَى هَوَانٌ وَإِنَّمَا خُولِفَ بِاسْمِهِ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ مَا أَقُولُ مَنْ كَانَ مِثْلِي أَبْكَتْهُ الْمَعَارِفُ وَالطُّلُولُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ عَنِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بكرالعامري وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْدَبٍ الْهُذَلِيُّ قَالَ خَرَجْتُ أَنَا وَزُبَانُ السَّوَّاقُ إِلَى الْعَقِيقِ فَلَقِينَا نِسْوَةٌ نَازِلاتٌ مِنَ الْعَقِيقِ ذَوَاتُ جَمَالٍ وَفِيهِنَّ جَارِيَةٌ حَسْنَاءُ الْعَيْنَيْنِ فَأَنْشَدَ زُبَانُ قَوْلَ أَبِي أَلا يَا عِبَادَ اللَّهِ هَذَا أُخُوكُمْ ... قَتِيلا فَهَلْ فِيكُمْ لَهُ الْيَوْمَ ثَائِرُ خُذُوا بِدَمِي إِنْ مِتُّ كُلَّ خَرِيدَةٍ ... مَرِيضَةِ جَفْنِ الْعَيْنِ وَالطَّرْفُ سَاحِرُ

стр. 317

قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَأَشَارَ إِلَيْهَا فَقَالَ يَابْنَ الْكِرَامِ دَمُ أَبِيكَ وَاللَّهِ فِي أَثْوَابِهَا فَلا تَطْلُبُ أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ قَالَ فَأَقَبَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مَعَهَا جَمِيلَةٌ أَجْمَلُ مِنْ تِيكَ فَقَالَتْ أَنْتَ ابْنُ جُنْدَبٍ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَتْ إِنَّ أَسِيرَنَا لَا يُفَكُّ وَقَتِيلُنَا لَا يُدَى فَاحْتَسِبْ أَبَاكَ وَاغْتَنِمْ نَفْسَكَ وَمَضَيْنَ فَصْلٌ فِيهِ أَشْعَارٌ قِيلَتْ فِي ذَمِّ الْعِشْقِ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ نَبْهَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ دُومَا قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الذَّارِعُ قَالَ أَنْبَأَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ قَالَ سُئِلَ أَعْرَابِيٌّ عَنِ الْحُبِّ فَقَالَ وَمَا الْحُبُّ وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَلْ هُوَ إِلا سِحْرٌ أَوْ جُنُونٌ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ هَلِ الْحُبُّ إِلا زَفْرَةٌ بَعْدَ زَفْرَةٍ ... وَحَرٌّ عَلَى الأَحْشَاءِ لَيْسَ لَهُ بَرْدُ وَفَيْضُ دُمُوعٍ مِنْ جُفُونِي كُلَّمَا ... بَدَا عَلَمٌ مِنْ أَرْضِكُمْ لَمْ يَكُنْ يَبْدُو قَالَ الأَصْمَعِيُّ وَقُلْتُ لأَعْرَابِيٍّ مَا الْحُبُّ فَقَالَ الْحُبُّ مَشْغَلَةٌ عَنْ كُلِّ صَالِحَةٍ ... وَسَكْرَةُ الْحُبِّ تَنْفِي سَكْرَةَ الْوَسَنِ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْعَلافِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَنْشَدَنِي الصَّيْدَلانِيُّ قَالَتْ جُنِنْتُ عَلَى رَأْسِي فَقُلْتُ لَهَا ... الْعِشْقُ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ الْعِشْقُ لَيْسَ يَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ ... وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ

стр. 318

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْيَزِيدِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ لأَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْيَزِيدِيِّ كَيْفَ يَطِيقُ النَّاسُ وَصْفَ الْهَوَى ... وَهُوَ جَلِيلُ مَا لَهُ قَدْرُ بَلْ كَيْفَ يَصْفُو لِحَلِيفِ الْهَوَى ... عَيْشٌ وَفِيهِ الْبِينُ وَالْهَجْرُ وَلَهُ أَيْضًا وَالْهَوَى أَمْرٌ عَجِيبٌ شَأْنُهُ ... تَارَةً يَأْسٌ وَأَحْيَانًا رَجَا لَيْسَ مِمَّنْ مَاتَ مِنْهُ عَجَبٌ ... إِنَّمَا يُعْجَبُ مِمَّنْ قَدْ نَجَا أَخْبَرَنَا الْمُحَمَّدَانِ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَيْرُونٍ قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ الْفَلْوَةِ صَبَّتْ عَلَى كَبِدِي مِنْ حُبِّهَا حُرُقًا ... لَوْ أَنْ أُبَرِّدُهَا بِالْمَاءِ مَا شُرِبَا لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ قَلْبِي أَوْ يُطَاوِعُنِي ... لَصُنْتُهُ وَكَفَانِي أَنْ يُقَالَ صَبَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنَاذِرَ مَنْ فَتًى أَصْبَحَ فِي الْحُبِّ ... م سَقَاهُ الْحُبُّ سُمَّا كُلَّمَا أَخْفَى جوى الْحبّ ... م عَلَيْهِ الدَّمْعُ نَمَّا سَاهِرٌ لَا يَطْعَمُ النَّوْمَ ... إِذَا اللَّيْلُ ادْلَهَمَّا كُلَّمَا رَاقَبَ نَجْمًا ... فَهَوَى رَاقَبَ نَجْمَا أَنْتُمُ هَمِّي فَإِنْ لَمْ ... تَصِلُونِي مِتُّ غَمَّا يَا ثِقَاتِي خطم الْحبّ ... م لَكُمْ أَنْفِي وَزَمَّا يَا أَخِي دائي جوى الْحبّ ... م وَدَاءُ النَّاسِ جُمَّا لَا تَلُمْ مُفْتَضَحًا فِي الْحُبِّ ... إِنَّ الْحُبَّ أَعْمَى وَلِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ

стр. 319

فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَمِنْ لَوْعَةِ الْهَوَى ... صَبَرْتُ عَلَى التَّقْصِيرِ أَمْ لَيْسَ لِي قَلْبُ أُقَبِّحُ أَمْرًا وَالْفُؤَادُ يُحِبُّهُ أَجُنَّ فُؤَادِي فِي الْهَوَى بَلْ هُوَ الْحُبُّ وَلَهُ حِيَاضُ الْحُبِّ مُتْرَعَةُ مَنَايَا ... مُطَوَّقَةٌ بِلَذَّاتِ النَّعِيمِ قَرِينُ الْحُبِّ يَأْنَسُ بِالْهُمُومِ ... وَيُكْثِرُ فِكْرَةَ الْقَلْبِ السَّلِيمِ وَأَعْظَمُ مَا يَكُونُ بِهِ اغْتِبَاطًا ... عَلَى خَطَرٍ وَمُطَّلَعٍ عَظِيمِ وَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ قَالَ بُطْلا وَأَمَالَ الرَّأْيَ من ... لم يقل إِن المنايا فِي الحدق إِن تكن محتسبا من قد ثوى ... بحمام فاحتسب من قد عشق وَقَالَ أَبُو تَمام أما الْهوى فَهُوَ الْعَذَاب فَإِن جرت ... فِيهِ النَّوَى فأليم كل أَلِيم وَلابْن أبي حَصِينَة والعشق يجتذب النُّفُوس إِلَى الردى ... بالطبع واحسدي لمن لم يعشق طرق الخيال فهاج لِي بِطُرُوقِهِ ... وَلَهًا فَلَيْتَ خَيَالَهَا لَمْ يَطْرُقِ وَلابْنِ الرُّومِيِّ قَبَحَ الْهَوَى مَلِكُ السَّمَاءِ فَلَمْ يَزَلْ ... دِينًا يَدِينُ قَوِّيُهُ لِضَعِيفِهِ وَلَحَى الصَّبَا بَعْدَ الْمَشِيبِ فَإِنَّهُ ... شَأْوٌ يُرِيكَ الْحُرَّ خلف وصيفه وَله الْحبّ دَاء عياء لَا دَوَاءَ لَهُ ... تَضِلُّ فِيهِ الأَطِبَاءُ النَّحَارِيرُ قَدْ كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ الْعَاشِقِينَ غَلَوْا ... فِي وَصْفِهِ فَإِذَا بِالْقَوْمِ تَقْصِيرُ وَلِصَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْقُدُوسِ

стр. 320

عَاصِ الْهَوَى إِنَّ الْهَوَى مَرْكَبٌ ... يَصْعَبُ بَعْدَ اللَّينِ مِنْهُ الذَّلِيلُ إِنْ يَجْلِبِ الْيَوْمَ الْهَوَى لَذَّةً ... فَفِي غَدٍ مِنْهُ الْبُكَا وَالْعَوِيلُ وَلابْنِ الْمُعْتَزِّ لَقَدْ كُنْتُ دَهْرًا عَسُوفًا جَلِيدًا ... عَلَى مَا يَنُوبُ قَوِيًّا جَلِيدَا فَصَيَّرَنِي الْحُبُّ لَا أَسْتَطِيعُ ... أَقِيلُ بِكَفِّي مِنَ الأَرْضِ عُودَا وَلَهُ أَيُّهَا الرَّكْبُ بَلِّغُوهَا سَلامِي ... وَاتَّقُوا لَحْظَ طَرْفِهَا السَّحَّارَا إِنَّ مَسَّ الْهَوَى خَفِيٌّ كَدَاءِ ... الْعُرِّ يُعْدِي فَيُفْسِدُ الأَبْرَارَا وَلَهُ وَالْحُبُّ سُلْطَانٌ لَهُ عُبَيْدٌ ... مَجَّانٌ لَمْ يُشْرَوْا بِأَثْمَانِ وَلَهُ كَمْ قَدْ رَأَيْنَا قَاهِرًا سُلْطَانُهُ ... لَبِسَ الْهَوَى فَأَذَلَّهُ سُلْطَانُهُ وَلَهُ وَكَأَنَّ الْهَوَى امْرُؤٌ عَلَوِيٌ ... ظَنَّ أَنِّي وَلِيتُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ وَكَأَنِّي لَدَيْهِ نَجْلُ زِيَادٍ ... فَهُوَ يَخْتَارُ أَوْجَعَ الْقَتْلَيْنِ وَلَهُ أَيَا قَلْبُ ذُقْ خَالَفْتَنِي وَعَصِيتَا ... نَهَيْتُكَ عَمَّا ضَرَّنِي فَأَبَيْتَا عَصَيْتَ مَقَالِي فِي التَّسَرُّعِ فِي الْهَوَى ... وَخَالَفْتَنِي فِيهِ فَكَيْفَ رأيتا أخبرتنا شهدة بن أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ
следующие страницы →