← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6870

ذم الهوى

ابن الجوزي

Полный текст (671 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَلَوْلا الَّذِي قَدْ خِفْتُ مِنْ قَطْعِ كَفِّهِ ... لأَلْفَيْتُ فِي أَمْرٍ لَهُمْ غَيْرَ نَاطِقِ إِذَا مُدَّتِ الْغَايَاتُ فِي السَّبْقِ لِلْعُلا ... فَأَنْتَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَوَّلُ سَابِقِ فَأَرْسَلَ خَالِدٌ مَوْلًى لَهُ يَسْأَلْهُ عَنِ الْخَبَرِ وَيَتَجَسَّسْ عَنْ جَلِيَّةِ الأَمْرِ فَأَتَاهُ بِتَصْحِيحِ مَا قَالَ عَمْرٌو فِي شِعْرِهِ فَأَحْضَرَ الْجَارِيَةَ وَزَوَّجَهُ وَسَاقَ خَالِدٌ الْمَهْرَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن سلميان بْنِ دَاوُدَ الطُّوسِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ بَارِعَةَ الْجَمَالِ وَكَانَتْ تُدْعَى الْمَوْصُولَةَ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبَانِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبَانُ بْنُ مَرْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمَلِكِ فَرَآهَا فَأَخَذَتْ بِنَفْسِهِ فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهَا الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَأْمُرُهُ بِالشُّخُوصِ إِلَيْهِ فَشَخَصَ إِلَيْهِ فَنَزَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ يَحْيَى إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا بَعَثَ إِلَيْكَ لِتُزَوِّجَهُ أُخْتَكَ زَيْنَبَ فَهَلْ لَكَ فِي شَيْءٍ أَدْعُوكَ إِلَيْهِ قَالَ هَلُمَّ فَاعْرِضْ قَالَ أُعْطِيكَ لِنَفْسِكَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَلَهَا عَلَيَّ رِضَاهَا وَتُزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ مَا بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ذَلِكَ أَسِفَ عَلَيْهَا فَاصْطَفَى كُلَّ شَيْءٍ لِيَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ كَعْكَتَيْنِ وَزَيْنَب يُرِيد أَن يجتزىء بِكَعْكَتَيْنِ إِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ زَيْنَبُ

стр. 352

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ الصُّوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ الْحِيرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ الشِّيرَازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ الطَّبَرِيُّ الزَّاهِدُ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ الْقَاسِمِ الْخَوَّاصُ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مِلْكِيٍّ يَقُولُ كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ فَدَخَلْتُ بَعْضَ الأَحْيَاءِ أَطْلُبُ شَيْئًا آكُلُ فَرَأَيْتُ فَتًى عَلَى بَابِ الْحَيِّ مُسَجَّى فَقُلْتُ لَهُ مَا عِلَّتُكَ فَقَالَ سَلْ تِلْكَ الْقَائِمَةَ قُلْتُ وَأَيَّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنْكَ قَالَ هِيَ ابْنَةُ عَمِّي قُلْتُ فَهِيَ لَكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ فَمَا هَذَا النُّحُولُ فَقَالَ لِي أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْوِصَالِ عَلِمَ أَنَّ الْفِرَاقَ يَفْنَى وَمَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْفِرَاقِ عَلِمَ أَنَّ الْوِصَالَ يَبْقَى أخبرتنا شهدة بن بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ دَعَانِي فَتًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى جَارِيَةٍ تُغَنِّي فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهَا إِذَا أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَإِذَا بِهَا انْخِرَاطُ وَجْهٍ وَسَهْوٌ وَسُكُوتٌ فَجَعَلْنَا نَبْسُطُهَا بِالْمِزَاحِ وَالْكَلامِ وَيَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ مَا تُكَاتِمُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي وَاللَّهِ إِنَّ بِهَا لَهُيَامًا وَطَائِفًا مِنَ الْحُبِّ فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا فَقُلْتُ بِاللَّهِ لَتَصْدُقِينِي بِالَّذِي بِكِ فَقَالَتْ بَرْحُ الذِّكْرِ وَدَوَامُ الْفِكْرِ وَحُلُولُ النَّهَارِ وَالتَّشَوُّقُ إِلَى مَنْ سَارَ وَأَخَذَتِ الْعُودَ فَغَنَّتْ سُيُورِدُنِي التِّذْكَارُ خَوْضَ الْمَهَالِكِ ... وَلَسْتُ لِتِذْكَارِ الْحَبِيبِ بِتَارِكِ أَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ أَمُوتَ صَبَابَةً ... وَلَسْتُ لِمَا يَقْضِي الإِلَهُ بِمَالِكِ

стр. 353

كَأَنَّ بِقَلْبِي حِينَ شَطَتْ بِهِ النَّوَى ... وَخَلَّفَنِي فَرْدًا صُدُورُ النِّيَازِكِ تَقَطَّعَتِ الأَخْبَارُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ... لِبُعْدِ النَّوَى وَانْسَدَ سُبُلُ الْمَسَالِكِ قَالَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ أُسْلَبَ عَقْلِي لَمَّا غَنَّتْ فَقُلْتُ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكِ وَهَذَا الَّذِي صَيَّرَكِ إِلَى مَا أَرَى يَسْتَحِقُّ هَذَا مِنْكِ فَوَاللَّهِ إِنَّ النَّاسَ لَكَثِيرٌ فَلَوْ تَسَلَّيْتِ بِغَيْرِهِ فَلَعَلَّ مَا بِكِ أَنْ يَسْكُنَ أَوْ يَخِفَّ فَقَدْ قَالَ الأَوَّلُ صَبَرْتُ عَلَى اللَّذَّاتِ حَتَّى تَوَلَّتِ ... وَأَلْزَمْتُ نَفْسِي صَبْرَهَا فَاسْتَمَرَّتِ وَمَا النَّفْسُ إِلا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى ... فَإِنْ أُطْمِعَتْ تَاقَتْ وَإِلا تَسَلَّتِ فَأَقْبَلَتْ عَلَيَّ وَقَالَتْ قَدْ وَاللَّهِ رُمْتُ ذَلِكَ فَكُنْتُ كَمَا قَالَ قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ وَلَمَّا أَبَى إِلا جِمَاحًا فُؤَادُهُ ... وَلَمْ يَسْلُ عَنْ لَيْلَى بِمَالٍ وَلا أَهْلِ تَسَلَّى بِأُخْرَى غَيْرِهَا فَإِذَا الَّتِي ... تَسَلَّى بِهَا تُغْرِي بِلَيْلَى وَلا تُسْلِي قَالَ فَأَسْكَتَنِي وَاللَّهِ تَوَاتُرُ حُجَجِهَا عَنْ مُحَاوَرَتِهَا وَمَا رَأَيْتُ كَمَنْطِقِهَا وَلا كَشَكْلِهَا وَأَدَبِهَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو المقرىء قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَوَّاصُ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّبِيعِيُّ قَالَ سَمِعْتُ صَالِحَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْعَبْدِيَّ يَقُولُ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزيات بتعشق جَارِيَةً مِنْ جَوَارِي الْقِيَانِ فَبِيعَتْ مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ فَأَخْرَجَهَا فَذُهِلَ عَقْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ حَتَّى خُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ

стр. 354

يَا طُولَ سَاعَاتِ لَيْلِ الْعَاشِقِ الدَّنِفِ ... وَطُولَ رَعْيَتِهِ لِلنَّجْمِ فِي السَّدَفِ مَاذَا تُوَارِي ثَيَابِي مِنْ أَخِي حَرَقٍ ... كَأَنَّمَا الْجِسْمُ مِنْهُ دَقَّةُ الأَلِفِ مَا قَالَ يَا أَسَفَا يَعْقُوبُ مِنْ كَمَدٍ ... إِلا لِطُولِ الَّذِي لاقَى مِنَ الأَسَفِ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَرَى مَيْتَ الْهَوَى دَنِفًا ... فَلْيَسْتَدِلَّ عَلَى الزَّيَّاتِ وَلْيَقِفِ وَبَلَغَنَا عَنْ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ فَصَارَ عَلَى عَشْرَةِ أَمْيَالٍ كَتَبَ إِلَى سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ زَوْجَتِهِ وَكَانَ عَزِيزًا أَنْ أَبِيتَ وَبَيْنَنَا ... حِجَابٌ فَقَدْ أَصْبَحْتِ مِنِّي عَلَى عَشْرِ وَأَبْكَاهُمَا لِلْعَيْنِ وَاللَّهِ فاعلمي ... إِذا ازددت مثليها صرت عَلَى شَهْرِ وَأَبْكَى لِقَلْبِي مِنْهُمَا الْيَوْمَ أَنَنِّي ... أَخَافُ بِأَنْ لَا نَلْتَقِي آخِرَ الدَّهْرِ

стр. 355

الْبَابُ الأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ الْحِيَلِ وَالْمُخَاطَرَاتِ بِالنُّفُوسِ وَإِلْقَائِهَا فِي الْهِلاكِ لأَجْلِ الْمَحْبُوبِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ عَبْدُ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَازِنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْكُرَيْمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا السُّلَيْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلاهُمْ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَحْمَدَ حَجَّابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَجْلِسُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمَيْنِ جُلُوسًا عَامًّا فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ فِي مُسْتَشْرَفٍ لَهُ وَقَدْ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْقِصَصُ إِذْ وَقَعَتْ فِي يَدِهِ قِصَّةٌ غَيْرَ مُتَرْجَمَةٍ فِيهَا إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْمُرَ جَارِيَتَهُ فُلانَةً أَنْ تُغَنِّي ثَلاثَةَ أَصْوَاتٍ ثُمَّ يُنَفِّذَ فِيَّ مَا شَاءَ مِنْ حُكْمِهِ فَعَلَ فَاسْتَشَاطَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا وَقَالَ يَا رَبَاحُ عَلَيَّ بِصَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَخَرَجَ النَّاسُ جَمِيعًا فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ غُلامٌ كَمَا عَذَّرَ كَأَهْيَإِ الْفِتْيَانِ وَأَحْسَنِهِمْ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ يَا غُلامُ أَهَذِهِ قِصَّتُكَ قَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ وَمَا الَّذِي غَرَّكَ مِنِّي وَاللَّهِ لأُمَثِّلَنَّ بِكَ وَلأَرْدَعَنَّ بِكَ نُظَرَاءَكَ مِنْ أَهْلِ الْجَسَارَةِ عَلَيَّ بِالْجَارِيَةِ فَجِيءَ بِجَارِيَةٍ كَأَنَّهَا فَلْقَةُ قَمَرٍ وَبِيَدِهَا عُودٌ فَطُرِحَ لَهَا كُرِسِيٌّ وَجَلَسَتْ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُرْهَا يَا غُلامُ فَقَالَ لَهَا غَنِّينِي يَا جَارِيَةُ بِشِعْرِ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ لَقَدْ كُنْتُ حَسْبَ النَّفْسِ لَوْ دَامَ وُدُّنَا ... وَلَكِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ وَكُنَّا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْهَوَى ... بِأَنْعَمِ حَالَيْ غِبْطَةٍ وَسُرُورِ فَمَا بَرِحَ الْوَاشُونَ حَتَّى بَدَتْ لَنَا ... بُطُونُ الْهَوَى مَقْلُوبَةً بِظُهُورِ

стр. 356

قَالَ فَخَرَجَ الْغُلامُ مِنْ جَمِيعِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ تَخْرِيقًا ثُمَّ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ مُرْهَا تُغَنِّيكَ الصَّوْتَ الثَّانِي فَقَالَ غَنِّينِي بِشِعْرِ جَمِيلٍ أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادِي الْقُرَى إِنِّي إِذَنْ لَسَعِيدُ إِذَا قُلْتُ مَا بِي يَا بُثَيْنَةُ قَاتِلِي ... مِنَ الْحُبِّ قَالَتْ ثَابِتٌ وَيَزِيدُ وَإِن قُلْتُ رُدِّي بَعْضَ عَقْلِي أَعِشْ بِهِ ... مَعَ النَّاسِ قَالَتْ ذَاكَ مِنْكَ بَعِيدُ فَلا أَنَا مَرْدُودٌ بِمَا جِئْتُ طَالِبًا ... وَلا حُبُّهَا فِيمَا يَبِيدُ يَبِيدُ يَمُوتُ الْهَوَى مِنِّي إِذَا مَا لَقِيتُهَا ... وَيَحْيَا إِذَا فَارَقْتُهَا فَيَعُودُ فَغَنَّتْهُ الْجَارِيَةُ فَسَقَطَ الْغُلامُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ مُرْهَا فَلْتُغَنِّكَ الصَّوْتَ الثَّالِثَ فَقَالَ يَا جَارِيَةُ غَنِّينِي بِشِعْرِ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ الْمَجْنُونِ وَفِي الْجِيرَةِ الْغَادِينَ مِنْ بَطْنِ وَجْرَةٍ ... غَزَالٌ غَضِيضُ الْمُقْلَتَيْنِ رَبِيبُ فَلا تَحْسَبِي أَنَّ الْغَرِيب الَّذِي نأى ... وَلَك مَنْ تَنْئِينَ عَنْهُ غَرِيبُ فَغَنَّتْهُ الْجَارِيَةُ فَطَرَحَ الْغُلامُ نَفْسَهُ مِنَ الْمُسْتَشْرَفِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَى الأَرْضِ حَتَّى تَقَطَّعَ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَيْحَهُ لَقَدْ عَجَّلَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَقَدْ كَانَ تَقْدِيرِي فِيهِ غَيْرَ الَّذِي فَعَلَ وَأَمَرَ فَأُخْرِجَتِ الْجَارِيَةُ عَنْ قَصْرِهِ ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الْغُلامِ فَقَالُوا غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إِلا أَنَّهُ مُنْذُ ثَلاثٍ يُنَادِي فِي الأَسْوَاقِ وَيَدُهُ عَلَى رَأْسِهِ غَدًا يَكْثُرُ الْوَاشُونَ مِنَّا وَمِنْكُمْ ... وَتَزْدَادُ دَارِي عَنْ دِيَارِكُمْ بُعْدَا قُلْتُ وَقَدْ رَوَى لَنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا جَرَى فِي مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَبَلَغَنَا عَنِ الْجَاحِظِ أَنَّهُ قَالَ قَعَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمًا لِلْمَظَالِمِ وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ الْقِصَصُ فَمَرَّتْ بِهِ قِصَّةٌ فِيهَا إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُخْرِجَ إِلَيَّ فُلانَةُ يَعْنِي إِحْدَى جَوَارِيهِ تُغَنِّي ثَلاثَةَ أَصْوَاتٍ فَعَلَ فَاغْتَاظَ سُلَيْمَانُ وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ إِلَيْهِ فَيَأْتِيَهُ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أُتْبِعَ الرَّسُولُ بِرَسُولٍ آخَرَ

стр. 357

فَأَمَرَ أَنْ يُدْخَلَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ فَأُدْخِلَ فَلَمَّا مَثَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ الثِّقَةُ بِحِلْمِكَ وَالاتِّكَالُ عَلَى عَفْوِكَ فَأَمَرَهُ بِالْقُعُودِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَحَدٌ أَمَرَ فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِ الْجَارِيَةُ وَمَعَهَا عُودٌ ثُمَّ قَالَ لَهُ اخْتَرْ فَقَالَ تُغَنِّي بِقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ تَعَلَّقَ رُوحِي رُوحَهَا قَبْلَ خَلْقِنَا ... وَمن بعد مَا كُنَّا فطاما وَفِي الْمَهْدِ فَعَاشَ كَمَا عِشْنَا فَأَصْبَحَ نَامِيًا ... وَلَيْسَ وَإِنْ مِتْنَا بِمُنْتَقِضِ الْعَهْدِ وَلَكِنَّهُ بَاقٍ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ ... وَزَائِرُنَا فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ يَكَادُ فَضِيضَ الْمَاءِ يَخْدُشُ جِلْدَهَا ... إِذَا اغْتَسَلَتْ بِالْمَاءِ مِنْ رِقَّةِ الْجِلْدِ وَإِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى رِيحِ جِيبِهَا ... كَمَا اشْتَاقَ إِدْرِيسُ إِلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ فَغَنَّتْ ثُمَّ قَالَ تَأْمُرُ لِي بِرَطْلٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ قَالَ تُغَنِّي بِقَوْلِ جَمِيلٍ عَلَقْتُ الْهَوَى مِنْهَا وَلِيدًا فَلَمْ يَزَلْ ... إِلَى الْيَوْمِ يُنْمَى حُبُّهَا وَيَزِيدُ وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي بِانْتِظَارِ نُوَالِهَا ... وَنِلْتُ بِذَاكَ الدَّهْرَ وَهُوَ جَدِيدُ فَلا أَنَا مَرْدُودٌ بِمَا جِئْتُ طَالِبًا ... وَلا حُبُّهَا فِيمَا يُبِيدُ يَبِيدُ إِذَا قُلْتُ مَا بِي يَا بُثَيْنَةُ قَاتِلِي ... مِنَ الْحبّ قَالَت ثَابت وَيزِيد وَإِنِّي قُلْتُ رُدِّي بَعْضَ عَقْلِي أَعِشْ بِهِ ... مَعَ النَّاسِ قَالَتْ ذَاكَ مِنْكَ بَعِيدُ فَغَنَّتْ فَقَالَ لَهُ سلميان قُلْ مَا تُرِيدُ قَالَ تَأْمُرُ لِي بِرَطْلٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ قَالَ تُغَنِّي بِقَوْلِ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ لَقَدْ كُنْتُ حَسْبَ النَّفْسِ لَوْ دَامَ وُدُّنَا ... وَلَكِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ وَكُنَّا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ الْهَوَى ... بِأَحْسَنِ حَالِي غِبْطَةٍ وَسُرُورِ فَمَا بَرِحَ الْوَاشُونَ حَتَّى بَدَتْ لَنَا ... بُطُونُ الْهَوَى مَقْلُوبَةً بِظُهُورِ

стр. 358

فَغَنَّتْ فَقَالَ سُلَيْمَانُ قُلْ مَا تَشَاءُ قَالَ تَأْمُرُ لِي بِرَطْلٍ فَمَا اسْتَتَمَّهُ حَتَّى وَثَبَ فَصَعَدَ إِلَى أعلا قُبَّةٍ ثُمَّ زَجَّ نَفْسَهُ عَلَى دِمَاغِهِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أَتَرَاهُ تَوَهَّمَ الْجَاهِلُ أَنِّي أُخْرِجُ إِلَيْهِ جَارِيَتِي وَأَرُدَّهَا إِلَى مُلْكِي يَا غُلامُ خُذْ بِيَدِهَا فَانْطَلِقْ بِهَا إِلَى أَهْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ وَإِلا فَبِيعُوهَا وَتَصَدَّقُوا بِثَمَنِهَا عَنْهُ فَلَمَّا انْطَلَقُوا بِهَا نَظَرَتْ إِلَى حُفَيْرَةٍ فِي دَارِ سُلَيْمَانَ قَدْ أُعِدَّتْ لِلْمَطَرِ فَجَذَبَتْ يَدَيْهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَجَعَلَتْ تَقُولُ مَنْ مَاتَ عِشْقًا فَلْيَمُتْ هَكَذَا ... لَا خَيْرَ فِي عِشْقٍ بِلا مَوْتِ فَزَجَّتْ نَفْسَهَا فِي الْحُفَيْرَةِ عَلَى دِمَاغِهَا فَمَاتَتْ قُلْتُ وَبَلَغَنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا جرى فِي ملجس الرَّشِيدِ فَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَخْرَمِيُّ قَالَ اشْتَرَيْتُ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ جَارِيَةً مَدَنِيَّةً فَأُعْجِبَ بِهَا وَأَمَرَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ أَنْ يَبْعَثَ فِي حَمْلِ أَهْلِهَا وَمَوَالِيهَا لَيَنْصَرِفُوا بِجَوَائِزَهَا وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَشْرِيفَهَا فَوَفَدَ إِلَى مَدِينَةِ السَّلامِ ثَمَانُونَ رَجُلا وَوَفَدَ مَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ اسْتَوْطَنَ الْمَدِينَةَ كَانَ يَهْوَى الْجَارِيَةَ فَلَمَّا بَلَغَ الرَّشِيدُ خَبَرَهُمْ أَمَرَ الْفَضْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَيَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَحَاجَتِهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الْعِرَاقِيِّ قَالَ لَهُ مَا حَاجَتُكَ فَقَالَ لَهُ إِنْ أَنْتَ كَتَبْتَهَا وَضَمِنْتَ لِي عَرْضَهَا مَعَ مَا تَعْرِضُ أَنْبَأْتُكَ بِهَا فَقَالَ أَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَ حَاجَتِي أَنْ أَجْلِسَ مَعَ فُلانَةَ حَتَّى تُغَنِّيَنِي بِثَلاثَةِ أَصْوَاتٍ وَأَشْرَبَ ثَلاثَةَ أَرْطَالٍ وَأَخْبَرَهَا بِمَا تُجِنُّ ضُلُوعِي مِنْ حُبِّهَا

стр. 359

فَقَالَ الْفَضْلُ أَنْتَ مُوَسْوَسٌ مَدْخُولٌ عَلَيْكَ فِي عَقْلِكَ فَقَالَ يَا هَذَا قَدْ أُمْرِتَ أَنْ تَكْتُبَ مَا يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فَاكْتُبْ مَا أَقُولُ وَاعْرِضْهُ فَإِنْ أُجِبْتَ إِلَيْهِ وَإِلا فَأَنْتَ فِي أَوْسَعِ الْعُذْرِ فَدَخَلَ الْفَضْلُ مُغَضَّبًا فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ مَا كَتَبَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِمْ وَاحِدٌ مَجْنُونٌ سَأَلَ مَا أَجِلَّ مَجْلِسَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ التَّفَوُّهِ بِهِ فَقَالَ قُلْ وَلا تَجْزَعَنَّ فَقَالَ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِ وَقل لَهُ إِذا كَانَ بعد ثَلَاث فَاحْضُرْ لننجز لَك مَا سَأَلت وَكن أَنْت تتولى الاسْتِئْذَان لَهُ ودعا بخادم فَقَالَ امْضِ إِلَى فُلَانَة فَقل لَهَا قد حضر رجل سَأَلَ كَذَا وَكَذَا وَقد أجبناه إِلَى مَا سَأَلَ فكوني على أهبة ثمَّ خرج الْفضل إِلَى الْفَتى فَأدى إِلَيْهِ مَا قَالَ الرَّشِيدُ فَانْصَرَفَ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَضَرَ وَعَرَفَ الرَّشِيدُ خَبَرَهُ فَقَالَ يُلْقَى لَهُ بِحَيْثُ أُرِيَ كُرِسِيٌّ مِنْ فِضَّةٍ وَلِلْجَارِيَةِ كُرِسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ وَلْيَخْرُجْ إِلَيْهِ ثَلاثَةُ أَرْطَالٍ فَجَلَسَ الْفَتَى عَلَى الْكُرِسِيِّ وَالْجَارِيَةُ بِإِزَائِهِ يُحَدِّثُهَا وَالرَّشِيدُ يَرَاهُمَا فَقَالَ الْخَادِم لم تدخل لِتَشْتَوِي وَتُصَيِّفِ فَأَخَذَ رَطْلا وَخَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ إِذَا شِئْتِ أَنْ تُغَنِّي فَغَنِّي خَلِيلَيَّ عُوجَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ... وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِنْدٌ بِأَرْضِكُمَا قَصْدَا وَقُولا لَهَا لَيْسَ الضَّلالُ أَجَازَنَا ... وَلَكِنَّمَا جُزْنَا لِنَلْقَاكُمْ عَمْدَا غَدًا يَكْثُرُ الْبَاكُونَ مِنَّا وَمِنْكُمْ ... وَتَزْدَادُ دَارِي مِنْ دِيَارِكُمْ بُعْدَا فَغَنَّتْ ثُمَّ شَرِبَ الرَّطْلَ وَحَادَثَهَا سَاعَةً فَاسْتَحَثَّهُ الْخَادِمُ فَأَخَذَ الرَّطْلَ بَيَدِهِ وَقَالَ غَنِّي جعلني الله فدك تَكَلَّمُ مِنَّا فِي الْوُجُوهِ عُيُونَنَا ... فَنَحْنُ سُكُوتٌ وَالْهَوَى يَتَكَلَّمُ وَنَغْضَبُ أَحْيَانًا وُنَرْضَى بِطَرْفِنَا ... وَذَلِكَ فِيمَا بَيْنَنَا لَيْسَ يُعْلَمُ

стр. 360

فَغَنَّتْهُ فَشَرِبَ الرَّطْلَ الثَّانِي وَحَادَثَهَا سَاعَةً فَاسْتَعْجَلَهُ الْخَادِمُ فَخَرَّ سَاجِدًا يَبْكِي وَأَخَذَ الرَّطْلَ بِيَدِهِ وَاسْتَوْدَعَهَا اللَّهَ وَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ وَدُمُوعِهِ تَسْتَبِقُ اسْتِبَاقَ الْمَطَرِ وَقَالَ إِذَا شِئْتِ أَنْ تُغَنِّي فَغَنِّي أَحْسَنَ مَا كَنَّا تَفَرَّقْنَا ... وَخَانَنَا الدَّهْرُ وَمَا خُنَّا فَلَيْتَ ذَا الدَّهْرِ لَنَا مَرَّةً ... عَادَ لَنَا يَوْمًا كَمَا كُنَّا فغنته الصَّوْت فَقلت الْفَتَى طَرْفَهُ فَبَصَرَ بِدَرَجَةٍ فَأَمَّهَا فَاتَّبَعَهُ الْخَدَمُ لِيَهْدُوهُ الطَّرِيقَ فَفَاتَهُمْ وَصَعَدَ الدَّرَجَةَ فَأَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى الأَرْضِ عَلَى رَأْسِهِ فَخَرَّ مَيِّتًا فَقَالَ الرَّشِيدُ عَجِلَ الْفَتَى وَلَوْ لَمْ يَعْجَلْ وَهَبْنَاهَا لَهُ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْحَافِظُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْيَزِيدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ حَسَنُ بْنُ الأَشْكُرِيُّ الْمِصْرِيُّ قَالَ كُنْتُ مِنْ جُلَّاسِ الأَمِيرِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ وَمِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ جِدًّا قَالَ فَبَعَثَ إِلَيَّ بَغْدَادَ فَاشْتَرَيْتُ لَهُ جَارِيَةً رَائِعَةً مِنْ أَفْضَلِ مَا وُجِدَ فِي الْحسن والغناء فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ أَقَامَ دَعْوَة لجلسائه قَالَ وَأَنَا فِيهِمْ ثُمَّ وُضِعَتِ السِّتَارَةُ فَأَمَرَهَا بِالْغِنَاءِ فَغَنَّتْ وَبَدَا لَهُ مِنْ بَعْدِ مَا انْدَمَلَ الْهَوَى ... بَرْقٌ تَأَلَّقَ مَوْهِنًا لَمَعَانُهُ يَبْدُو كَحَاشِيَةِ الرِّدَاءِ وَدُونَهُ ... صَعْبُ الذُّرَى مَتَمَنِّعٌ أَرْكَانُهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ هَذَانِ الْبَيْتَانِ فَبَدَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ لاحَ فَلَمْ يُطِقْ ... نظرا إِلَيْهِ وصده سحانه

стр. 361

فَالنَّارُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ضُلُوعُهُ ... وَالْمَاءُ مَا سَمَحَتْ بِهِ أَجْفَانُهُ قَالَ فَأَحْسَنَتْ مَا شَاءَتْ وَطَرِبَ تَمِيمٌ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ ثُمَّ غَنَّتْ سَيُسْلِيكَ عَمَّا فَاتَ دَوْلَةُ مُفْضِلٍ ... أَوَائِلُهُ مَحْمُودَةٌ وَأَوَاخِرُهُ ثَنَى الله غطفيه وَأَلَّفَ شَخْصُهُ ... عَلَى الْبِرِّ مُذْ شُدَّتْ عَلَيْهِ مَآزِرُهُ فَطَرَبَ الأَمِيرُ تَمِيمٌ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ طَرَبًا شَدِيدًا ثُمَّ غَنَّتْ أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ فِي بَغْدَادَ لِي قَمَرًا ... بِالْكَرْخِ مِنْ فَلَكِ الأَزْرَارِ مَطْلَعُهُ فَاشْتَدَّ طَرَبُ الأَمِيرِ تَمِيمٌ وَأَفْرَطَ جِدًّا ثُمَّ قَالَ لَهَا تَمَنِّي مَا شِئْتِ فَلَكِ مُنَاكِ فَقَالَتْ أَتَمَنَّى عَافَيَةَ الأَمِيرِ وَبَقَاءَهُ فَقَالَ وَاللَّهِ لَا بُدَّ لَكَ أَنْ تَتَمَنِّي فَقَالَتْ عَلَى الْوَفَاءِ أَيُّهَا الأَمِيرُ بِمَا أَتَمَنَّى فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَتْ لَهُ أَنْ أُغَنِّي هَذِهِ النَّوْبَةَ بِبَغْدَادَ قَالَ فَاسْتَنْقَعَ لَوْنُ تَمِيمٍ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَتَكَدَّرَ الْمَجْلِسُ وَقَامَ وَقُمْنَا كُلُّنَا قَالَ ابْنُ الأَشْكُرِيُّ فَلَحِقَنِي بَعْضُ خَدَمِهِ وَقَالَ لِي ارِجِعْ فَالأَمِيرُ يَدْعُوكَ فَرَجَعْتُ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا يَنْتَظِرُنِي فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ وَيْحَكَ أَرَأَيْتَ مَا امْتُحِنَّا بِهِ قُلْتُ نَعَمْ أَيُّهَا الأَمِيرُ فَقَالَ لَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ لَهَا وَمَا أَثِقُ فِي هَذَا بِغَيْرِكَ فَتَأَهَّبْ لِتَحْمِلَهَا إِلَى بَغْدَادَ فَإِذَا غَنَّتْ هُنَاكَ فَاصْرِفْهَا فَقُلْتُ سَمْعًا وَطَاعَةً

стр. 362

قَالَ ثُمَّ قُمْتُ وَتَأَهَّبْتُ وَأَمَرَ لَهَا بِالتَّأَهُّبِ وَأَصْحَبَهَا جَارِيَةً سَوْدَاءَ تُعَادِلُهَا وَتَخْدُمُهَا وَأَمَرَ بِنَاقَةٍ وَمَحْمَلٍ فأدخلت فِيهِ وَجعلهَا معي ثمَّ سرت إِلَى مَكَّة مَعَ الْقَافِلَة فقضينا حجنا ثمَّ دَخَلنَا فِي قافلة الْعرَاق وسرنا قَالَ فَلَمَّا وَرَدْنَا الْقَادِسِيَّةَ أَتَتْنِي السَّوْدَاء عَنْهَا فَقَالَت تَقول لَك سيدتي أَيْن نَحن فَقلت لَهَا نَحن نزُول بالقادسية فَانْصَرَفت إِلَيْهَا وأخبرتها فَلم ألبث أَنْ سَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ بِالْغِنَاءِ لَمَّا وَرَدْنَا الْقَادِسِيَّةَ ... حَيْثُ مُجْتَمَعِ الرِّفَاقِ وَشَمَمْتُ مِنْ أَرْضِ الِعْرَاقِ ... نَسِيمَ أَنْفَاسِ الْعِرَاقِ أيقنت لي وَلمن أحب م ... بَجَمْعِ شَمْلٍ وَاتِّفَاقِ وَضَحِكْتُ مِنْ فَرَحِ اللِّقَاءِ ... كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الْفِرَاقِ فَتَصَايَحَ النَّاسُ مِنْ أَقْطَارِ الْقَافِلَةِ أَعِيدِي بِاللَّهِ أَعِيدِي بِاللَّهِ قَالَ فَمَا سَمِعَ لَهَا كَلِمَةً قَالَ ثُمَّ نَزَلْنَا بِالْيَاسِرِيَّةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ بَغْدَادَ قَرِيبٌ فِي بَسَاتِينٍ مُتَّصِلَةٌ يَنْزِلُ النَّاسُ بِهَا فَيَبِيتُونَ لَيْلَتَهُمْ ثُمَّ يُبْكِرُونَ لِدُخُولِ بَغْدَادَ فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الصَّبَاحِ إِذَا أَنَا بِالسَّوْدَاءِ قَدْ أَتَتْنِي مَذْعُورَةً فَقُلْتُ مَالَكِ قَالَتْ إِنَّ سَيَّدَتِي لَيْسَتْ حَاضِرَةً فَقُلْتُ وَأَيْنَ هِيَ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي قَالَ فَلَمْ أَحُسْ لَهَا أَثَرًا بَعْدُ وَدَخَلْتُ بَغْدَادَ وَقَضَيْتُ حَوَائِجِي بِهَا وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاغْتَمَّ لَهُ ثُمَّ مَا زَالَ ذَاكِرًا لَهَا وَاجِمًا عَلَيْهَا

стр. 363

أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْفَرَجِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ النَّرْسِيُّ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا بِحَضْرَةِ أَبِي وَأَنَا حَدَثٌ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ فَحَدَّثَنِي حَدِيثَ وُصُولِ النِّعَمِ إِلَى النَّاس بالألوان الظريفة وَكَانَ مِمَّن حضر صديق لأبي فَسَمعته يُحَدِّثُ أَبِي قَالَ حَضَرْتُ عِنْدَ صَدِيقٍ لِي مِنَ التُّجَارِ كَانَ يُحْزَرُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ فِي دَعْوَةٍ وَكَانَ حَسَنَ الْمُرُوءَةِ فَقَدَّمَ مَائِدَتَهُ وَقَدَّمَ عَلَيْهَا دنكيريكة فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا فَامْتَنَعْنَا فَقَالَ كُلُوا فَإِنِّي أَتَأَذَّى بِأَكْلِ هَذَا اللَّوْنِ فَقُلْنَا فَنُسَاعِدُكَ عَلَى تَرْكِهِ فَقَالَ بَلْ أُسَاعِدُكُمْ عَلَى الأَكْلِ وَاحْتَمَلَ الأَذَى فَأَكَلَ فَلَمَّا أَرَادَ غَسْلَ يَدِهِ أَطَالَ فَعَدَدْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ غَسَلَهَا أَرْبَعِينَ مَرَّةً فَقُلْتُ يَا هَذَا أَوَسْوَسْتَ فَقَالَ هَذِهِ الأَذَيَّةِ الَّتِي فَرَقَتُ مِنْهَا قُلْتُ وَمَا سَبَبُهَا فَامْتَنَعَ مِنْ ذِكْرِهَا فَأَلْحَحْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَاتَ أَبِي وَسِنِّي عِشْرُونَ سَنَةً وَخَلَّفَ لِي نِعْمَةً صَغِيرَةً وَرَأْسَ مَالٍ وَمَتَاعًا فِي دُكَّانِهِ وَكَانَ دُكَّانُنَا فِي الْكَرْخِ فَقَالَ لِي لَمَّا حَضرته الْوَفَاة يابني إِنَّهُ لَا وَارِثَ لِي غَيْرُكَ وَلا دَيْنَ عَلَيَّ وَلا مَظْلَمَةَ فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْسِنْ جِهَازِي وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِكَذَا وَكَذَا وَأَخْرِجْ عَنِّي حَجَّةً بِكَذَا وَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي الْبَاقِي وَلَكِنِ احْفَظْ وَصِيَّتِي فَقُلْتُ قُلْ قَالَ لَا تُسْرِفْ فِي مَالِكَ فَتَحْتَاجَ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَلا تَجِدْهُ وَاعْلَمْ

стр. 364

أَنَّ الْقَلِيلَ مَعَ الإِصْلاحِ كَثِيرٌ وَالْكَثِيرُ مَعَ الْفَسَادِ قَلِيلٌ فَالْزَمِ السُّوقَ وَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُهَا وَآخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَدْخُلَهَا سَحَرًا بِلَيْلٍ فَافْعَلْ فَإِنَّكَ تَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ فَوَائِدَ تَكْشِفُهَا لَكَ الأَيَّامُ وَمَاتَ فَأَنْفَذْتُ وَصِيَّتَهُ وَعَمِلْتُ بِمَا أَشَارَ بِهِ وَكُنْتُ أَدْخُلُ السُّوقَ سَحَرًا وَأَخْرُجُ مِنْهُ عَشِيًا فَلا أُعْدَمُ مَنْ يَجِيئُنِي يَطْلُبُ كَفَنًا فَلا يَجِدُ مَنْ فَتَحَ غَيْرِي فَأَحْكُمُ عَلَيْهِ وَمَنْ يَبِيعُ شَيْئًا وَالسُّوقُ لَمْ يَقُمْ فَأَبِيعُهُ لَهُ وَأَشْيَاءَ مِنْ صِنْفِ هَذِهِ الْفَوَائِدِ وَمَضَى عَلَى لُزُومِي السُّوقَ سَنَةٌ وَكَسْرُ فَصَارَ لِي بِذَلِكَ جَاهٌ عِنْدَ أَهْلِهَا وَعَرَفُوا اسْتِقَامَتِي فَأَكْرَمُونِي فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ يَوْمًا وَلَمْ يَتَكَامَلَ السُّوقُ إِذَا بِامْرَأَةٍ رَاكِبَةٍ حِمَارًا مِصْرِيًّا وَعَلَى كَفَلِهِ مِنْدِيلٌ دَبِيقِيٌّ وَخَادِمٌ وَهِيَ بِزِيِّ الْقَهْرَمَانَةِ فَبَلَغَتْ آخِرَ السُّوقِ ثُمَّ رَجَعَتْ فَنَزَلَتْ عِنْدِي فَقُمْتُ إِلَيْهَا وَأَكْرَمْتُهَا وَقُلْتُ لَهَا مَا تَأْمُرِينَ وَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا بِامْرَأَةٍ لَمْ أَرَ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا إِلَى الآنَ أَحْسَنَ مِنْهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ فَتَكَلَّمَتْ وَقَالَتْ أُرِيدُ كَذَا وَأُرِيدُ كَذَا ثِيَابًا طَلَبَتْهَا فَسَمِعْتُ نَغَمَةً وَرَأَيْتُ شَكْلا قَتَلَنِي وَعِشْقُتَهَا فِي الْحَالِ أَشَدَّ الْعِشْقِ وَقُلْتُ اصْبِرِي حَتَّى يَخْرُجَ النَّاسُ فَآخُذَ لَكَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عِنْدِي إِلا الْقَلِيلُ مِمَّا يَصْلُحُ لَكِ وَأَخْرَجْتُ الَّذِي كَانَ عِنْدِي فَجَلَسَتْ تُحَادِثُنِي وَالسَّكَاكِينُ فِي فُؤَادِي مِنْ عِشْقِهَا وَكَشَفَتْ عَنْ أَنَامِلَ رَأْيُهَا كَالطَّلْعِ وَوَجْهٍ كَدَارَةِ الْقَمَرِ فَقُمْتُ لِئَلا يَزِيدَ عَلَيَّ الأَمْرُ وَأَخَذْتُ

стр. 365

لَهَا مِنَ السُّوقِ مَا أَرَادَتْ وَكَانَ ثَمَنُهُ مَعَ مَا هُوَ لي نَحْو خَمْسمِائَة دِينَارٍ فَأَخَذَتْهُ وَرَكِبَتْ وَلَمْ تُعْطِنِي شَيْئًا وَذَهَبَ عَنِّي لِمَا تَدَاخَلَنِي مِنْ شَهْوَتِهَا أَنْ أَمْنَعَهَا مِنَ الْمَتَاعِ إِلا بِالْمَالِ أَوْ أَسْتَدِّلُ مَنْزِلَهَا وَمَنْ دَارِ مَنْ هِيَ فَحِينَ غَابَتْ عَنِّي وَقَعَ لِي أَنَّهَا مُحْتَالَةٌ وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ فَقْرِي فَتَحَيَّرْتُ فِي أَمْرِي وَقَامَتْ قِيَامَتِي وَكَتَمْتُ خَبَرِي لِئَلا أَفْتَضِحَ بِمَا لِلنَّاسِ عَلَيَّ وَعَمِلْتُ عَلَى بَيْعِ مَا فِي يَدِي مِنَ الْمَتَاعِ وَإِضَافَتِهِ إِلَى مَا عِنْدِي مِنَ الدَّرَاهِمِ وَدَفْعِ أَمْوَالِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ وَلُزُومِ الْبَيْتِ وَالاقْتِصَارِ عَلَى غَلَّةِ الْعَقَارِ الَّذِي وَرِثْتُهُ وَوَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى الْمِحْنَةِ وَأَخَذْتُ أَشْرُعُ فِي ذَلِكَ مُدَّةَ أُسْبُوعٍ فَإِذَا بِهَا قَدْ نَزَلَتْ عِنْدِي فَحِينَ رَأَيْتُهَا أُنْسِيتُ جَمِيعَ مَا جَرَى عَلَيَّ وَقُمْتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ يَا فَتًى تَأَخَّرْنَا عَنْكَ لِشُغْلٍ عَرَضَ لَنَا وَمَا شَكَكْنَا فِي أَنَّكَ لَمْ تَشُكَّ أَنَّا احْتَلْنَا عَلَيْكَ فَقُلْتُ قَدْ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَكِ عَنْ هَذَا فَقَالَتْ هَاتِ التَّخْتَ والطيار فأحضرته فَأَخْرَجَتْ دَنَانِيرَ عُتْقًا فَوَفَّتْنِي الْمَالَ بِأَسْرِهِ وَأَخْرَجَتْ تَذْكَرَةً بِأَشْيَاءٍ أُخَرَ فَأَنْفَذْتُ إِلَى التُّجَّارِ أَمْوَالَهُمْ وَطَلَبْتُ مِنْهُمْ مَا أَرَادَتْ وَحَصَّلْتُ أَنَا فِي الْوَسَطِ رِبْحًا جَيِّدًا وَأَحْضَرَ التُّجَّارُ الثِّيَابَ فَقُمْتُ وَثَمَّنْتُهَا مَعَهُمْ لِنَفْسِي ثُمَّ بِعْتُهَا عَلَيْهَا بِرِبْحٍ عَظِيمٍ وَأَنَا فِي خِلالِ ذَلِكَ أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَظَرَ تَالِفٍ مِنْ حُبِّهَا وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ قَدْ فَطِنَتْ بِذَلِكَ وَلَمْ تُنْكِرْهُ فَهَمَمْتُ بِخِطَابِهَا وَلَمْ أَقْدِرْ أُقْدِمْ فَاجْتَمَعَ الْمَتَاعُ وَكَانَ ثَمَنُهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَخَذَتْهُ وَرَكِبَتْ وَلَمْ أَسْأَلْهَا عَنْ مَوْضِعِهَا فَلَمَّا غَابَتْ عَنِّي قُلْتُ هَذَا الآنَ هُوَ الْحِيلَة المحكمة أعطتني خَمْسمِائَة دِينَارٍ وَأَخَذَتْ أَلْفَ دِينَارٍ وَلَيْسَ إِلا بَيْعُ عَقَارِي الآنَ وَالْحُصُولُ عَلَى الْفَقْرِ الْمُدْقِعِ ثُمَّ سَمِحَتْ نَفْسِي بِرُؤْيَتِهَا مَعَ الْفَقْرِ وَتَطَاوَلَتْ غَيْبَتَهَا نَحْوَ شَهْرٍ وَأَلَحَّ التُّجَارُ

стр. 366

علَيَّ بِالْمُطَالَبَةِ فَعَرَضْتُ عَقَارِي لِلْبَيْعِ وَلازَمَنِي بَعْضُ التُّجَّارِ فَوَزَنْتُ جَمِيعَ مَا كُنْتُ أَمْلِكُهُ وَرِقًا وَعَيْنًا فَأَنَا كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَتْ عِنْدِي فَزَالَ عَنِّي جَمِيعُ مَا كُنْتُ فِيهِ بِرُؤْيَتِهَا فَاسْتَدْعَتِ الطَّيَّارَ وَالتَّخْتَ فَوَزَنَتِ الْمَالَ وَقَدَّمَتْ لِي تَذْكَرَةً يَزِيدُ مَا فِيهَا عَلَى أَلْفَيْ دِينَارٍ بِكَثِيرٍ فَتَشَاغَلْتُ بِإِحْضَارِ التُّجَّارِ وَدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ وَأَخْذِ الْمَتَاعِ مِنْهُمْ فَطَالَ الْحَدِيثُ بَيْنَنَا فَقَالَتْ يَا فَتًى لَكَ زَوْجَةٌ فَقُلْتُ لَا وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُ امْرَأَةً قَطُّ وَأَطْمَعَنِي ذَلِكَ فِيهَا وَقُلْتُ هَذَا وَقْتُ خِطَابُهَا وَالإِمْسَاكُ عَنْهَا عَجْزٌ وَلَعَلَّهَا تَعُودُ أَوْ لَا تَعُودُ وَأَرَدْتُ كَلامَهَا فَهِبْتُهَا وَقُمْتُ كَأَنَّنِي أَحُثُّ التُّجَّارَ عَلَى جَمْعِ الْمَتَاعِ وَأَخَذْتُ يَدَ الْخَادِمَ وَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ دَنَانِيرَ وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَقْضِيَ لِي حَاجَةً فَقَالَ أَفْعَلُ وَأُبَلِّغُ لَكَ مَحَبَّتَكَ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي وَسَأَلْتُهُ تَوَسُّطَ الأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا فَضَحِكَ وَقَالَ إِنَّهَا لَكَ أَعْشَقُ مِنْكَ لَهَا وَاللَّهِ مَا بِهَا حَاجَةٌ إِلَى أَكْثَرِ هَذَا الَّذِي تَشْتَرِيهِ وَإِنَّمَا تَجِيئُكَ مَحَبَّةً لَكَ وَطَرِيقًا إِلَى مُطَاوَلَتِكَ فَخَاطِبْهَا بِظُرْفٍ وَدَعْنِي فَإِنِّي أَفْرُغُ لَكَ مِنَ الأَمْرِ فَجَسَّرَنِي بِذَلِكَ عَلَيْهَا فَخَاطَبْتُهَا وَكَشَفْتُ لَهَا عِشْقِي وَمَحَبَّتِي وَبَكَيْتُ فَضَحِكَتْ وَتَقَبَّلَتْ ذَلِكَ أَحْسَنَ تَقَبُّلٍ وَقَالَتْ الْخَادِمُ يَجِيئُكَ بِرَسَالَتِي وَنَهَضَتْ وَلَمْ تَأْخُذْ شَيْئًا مِنَ الْمَتَاعِ فَرَدَدْتُهُ عَلَى النَّاسِ وَقَدْ حَصَلَ لِي مِمَّا اشْتَرَيْتُهُ أَوَّلا وَثَانِيًا أُلُوفُ دَرَاهِمَ رِبْحًا وَلَمْ يَحْمِلُنِي النَّوْمُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ شَوْقًا إِلَيْهَا وَخَوْفًا مِنَ انْقِطَاعِ السَّبَبِ بَيْنَنَا

стр. 367

فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَنِي الْخَادِمُ فَأَكْرَمْتُهُ وَسَأَلْتُهُ عَنْ خَبَرِهَا فَقَالَ هِيَ وَاللَّهِ عَلِيلَةٌ مِنْ شَوْقِهَا إِلَيْكَ فَقُلْتُ اشْرَحْ لِي أَمْرَهَا فَقَالَ هَذِهِ مَمْلُوكَةُ السَّيِّدَةِ أُمِّ الْمُقْتَدِرِ وَهِيَ مِنْ أَخَصِّ جَوَارِيهَا بِهَا وَاشْتَهَتْ رُؤْيَةَ النَّاسِ وَالدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ فَتَوَصَّلَتْ حَتَّى جَعَلَتْهَا قَهْرَمَانَةً وَقَدْ وَاللَّهِ حَدَّثَتِ السَّيِّدَةَ بِحَدِيثِكَ وَبَكَتْ بَيْنَ يَدَيْهَا وَسَأَلَتْهَا أَنْ تُزَوِّجَهَا مِنْكَ فَقَالَتِ السَّيِّدَةُ لَا أَفْعَلُ أَوْ أَرَى هَذَا الرَّجُلَ فَإِنْ كَانَ يَسْتَأْهِلُكِ وَإِلا لَمْ أَدَعْكِ وَرَأْيَكِ وَتَحْتَاجُ أَنْ تَحْتَالَ فِي إِدْخَالِكَ الدَّارَ بِحِيلَةٍ فَإِنْ تَمَّتْ وَصَلْتَ بِهَا إِلَى تَزْوِيجِهَا وَإِنِ انْكَشَفَتْ ضُرِبَتْ عُنُقُكَ فِي هَذَا وَقَدْ أَنْفَدَتْنِي إِلَيْكَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ وَقَالَتْ لَكَ إِنْ صَبَرْتَ عَلَى هَذَا وَإِلا فَلا طَرِيقَ لَكَ وَاللَّهِ إِلَيَّ وَلا لِي إِلَيْكَ بَعْدَهَا فَحَمَلَنِي مَا فِي نَفْسِي عَلَى أَنْ قُلْتُ أَصْبِرُ فَقَالَ إِذَا كَانَ اللَّيْلَةَ فَاعْبُرْ إِلَى الْمُخَرَّمِ فَادْخُلْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَبِتْ فِيهِ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ إِذَا بِطَيَّارٍ قَدْ قَدِمَ وَخَدَمٍ قَدْ رَقَّوْا صَنَادِيقَ فُرَّغًا فَجَعَلُوهَا فِي الْمَسْجِدِ وَانْصَرَفُوا فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَصَعَدَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَمَعَهَا الْخَادِمُ الَّذِي أَعْرِفُهُ فَجَلَسَتْ وَفَرَّقَتْ بَاقِي الْخَدَمِ فِي حَوَائِجَ وَاسْتَدْعَتْنِي فَقَبَّلَتْنِي وَعَانَقَتْنِي طَوِيلا وَلَمْ أَكُنْ قَدْ نِلْتُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْهَا قُبْلَةً ثُمَّ أَجْلَسَتْنِي فِي بَعْضِ الصَّنَادِيقِ وَقَفَلَتْهُ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ وَجَاءَ الْخَدَمُ بِثِيَابٍ وَحَوَائِجَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَتْ أَنْفَذَتْهُمْ إِلَيْهَا فَجَعَلَتْ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ فِي بَاقِي الصَّنَادِيقِ وَقَفَلَتْهَا وَحَمَلَتْهَا إِلَى الطَّيَّارِ وَانْحَدَرَ فَلَمَّا حَصَلْتُ فِيهِ نَدِمْتُ وَقُلْتُ قَتَلْتُ نَفْسِي لِشَهْوَةٍ وَأَقْبَلْتُ أَلُومُهَا تَارَةً

стр. 368

وَأُشَجِّعُهَا أُخْرَى وَأَنْذِرُ النُّذُورَ عَلَى خَلاصِي وَأُوَطِّنُ مَرَّةً نَفْسِي عَلَى الْقَتْلِ إِلَى أَنْ بَلَغْنَا الدَّارَ وَحَمَلَ الْخَدَمُ الصَّنَادِيقَ وَحَمَلَ صَنْدُوقِي الْخَادِمُ الَّذِي يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَبَادَرَتْ بِصَندُوقِي أَمَامَ الصَّنَادِيقِ وَهِيَ مَعِي وَالْخَدَمُ يَحْمِلُونَ الْبَاقِي وَيَلْحَقُونَهَا فَكُلَّمَا جَازَتْ بِطَبَقَةٍ مِنَ الْخَدَمِ وَالْبَوَّابِينَ قَالُوا نُرِيدُ تَفْتِيشَ الصَّنْدُوقِ فَتَصِيحُ عَلَيْهِمْ وَتَقُولُ مَتَى جَرَى الرَّسْمُ مَعِي بِهَذَا فَيُمْسِكُونَ وَرُوحِي فِي السِّيَاقِ إِلَى أَنِ انْتَهَيْنَا إِلَى خَادِمٍ خَاطَبَتْهُ هِيَ بِالأُسْتَاذِ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ أَجَلُّ الْخَدَمِ فَقَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ الصُّنْدُوقِ الَّذِي مَعَكِ فَخَاطَبَتْهُ بِلِينٍ وَذُلٍّ فَلَمْ يُجِبْهَا وَعَلِمْتُ أَنَّهَا مَا ذُلَّتْ لَهُ وَلَهَا حِيلَةٌ فَأُغْمِيَ عَلَيَّ وَأُنْزِلَ الصُّنْدُوقُ لِيُفْتَحَ فَذَهَبَ عَلَيَّ أَمْرِي وَبُلْتُ فَزَعًا فَجَرَى الْبَوْلُ مِنْ خُلَلِ الصُّنْدُوقِ فَقَالَتْ يَا أُسْتَاذُ أَهْلَكْتَ عَلَيْنَا مَتَاعًا بِخَمْسَةِ آلَاف دِينَار فِي الصندوق وَثيَاب مُصَبَّغَاتٍ وَمَاءَ وَرْدٍ قَدِ انْقَلَبَ عَلَى الثِّيَابِ وَالسَّاعَةُ تَخْتَلِطُ أَلْوَانُهَا وَهِيَ هَلاكِي مَعَ السَّيِّدَةِ فَقَالَ لَهَا خُذِي صُنْدُوقَكِ إِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ أَنْتِ وَهُوَ وَمُرِّي فَصَاحَتْ بِالْخَدَمِ احْمِلُوهُ وَأُدْخِلْتُ الدَّارَ وَرَجَعَتْ إِلَيَّ رُوحِي فَبَيْنَا نَحْنُ نَمْشِي إِذْ قَالَتْ وَاوَيْلاهُ الْخَلِيفَةُ وَاللَّهِ فَجَاءَنِي أَعْظَمُ مِنَ الأَوَّلِ وَسَمِعْتُ كَلامَ خَدَمٍ وَجَوَارٍ وَهُوَ يَقُولُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَيْلَكِ يَا فُلانَةُ إِيشِ فِي صُنْدُوقِكِ أَرِينِي هُوَ فَقَالَتْ ثِيَابٌ لِسِتِّي يَا مَوْلاي وَالسَّاعَةَ أَفْتَحُهُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَتَرَاهُ وَقَالَتْ لِلْخَدَمِ أَسْرِعُوا وَيْلَكُمْ فَأَسْرَعُوا وَأَدْخَلَتْنِي إِلَى حُجْرَةٍ وَفَتَحْتُ عَيْنِي وَقَالَتْ اصْعَدْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ إِلَى الْغُرْفَةِ وَاجْلِسْ فِيهَا وَفَتَحَتْ بِالْعَجَلَةِ صُنْدُوقًا آخَرَ فَنَقَلَتْ بَعْضَ مَا كَانَ فِيهِ إِلَى الصُّنْدُوقِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ وَقَفَلَتِ الْجَمِيعَ وَجَاءَ الْمُقْتَدِرُ وَقَالَ افْتَحِي فَفَتَحَتْهُ فَلَمْ يَرْضَ مِنْهُ شَيْئًا وَخَرَجَ فَصَعَدَتْ إِلَيَّ وَجَعَلَتْ تَرْشُفُنِي وَتُقَبِّلُنِي فَعِشْتُ وَنَسِيتُ مَا جَرَى وَتَرَكَتْنِي وَقَفَلَتْ بَابَ الْحُجْرَةِ يَوْمَهَا ثُمَّ جَاءَتْنِي لَيْلا فَاطْعَمَتْنِي وَسَقَتْنِي وَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَتْنِي

стр. 369

فَقَالَتِ السَّيِّدَةُ السَّاعَةَ تَجِيءُ فَانْظُرْ كَيْفَ تُخَاطِبُهَا ثُمَّ عَادَتْ بَعْدَ سَاعَةٍ مَعَ السَّيِّدَةِ وَقَالَتْ انْزِلْ فَنَزَلْتُ فَإِذَا بِالسَّيِّدَةِ جَالِسَةً عَلَى كُرِسِيٍّ وَلَيْسَ مَعَهَا إِلا وَصِيفَتَانِ وَصَاحِبَتِي فَقَبَّلْتُ الأَرْضَ وَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهَا فَقَالَتِ اجْلِسْ فَقُلْتُ أَنَا عَبْدُ السَّيِّدَةِ وَخَادِمُهَا وَلَيْسَ مِنْ مَحِلِّي أَنْ أَجْلِسَ بِحَضْرَتِهَا فَتَأَمَّلَتْنِي وَقَالَتْ مَا اخْتَرْتِ يَا فُلانَةُ إِلا حَسَنَ الْوَجْهِ وَالأَدَبِ وَنَهَضَتْ فَجَاءَتْنِي صَاحِبَتِي بَعْدَ سَاعَةٍ فَقَالَتْ أَبْشِرْ فَقَدْ أَذِنَتْ لِي وَاللَّهِ فِي تَزْوِيجِكَ وَمَا بَقِيَ الآنَ عَقَبَةٌ إِلا الْخُرُوجُ فَقُلْتُ يُسَلِّمُ اللَّهُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ حَمَلَتْنِي فِي الصُّنْدُوقِ فَأُخْرِجْتُ كَمَا أُدْخِلْتُ بَعْدَ مُخَاطَرَةٍ أُخْرَى وَفَزَعٍ ثَانِ وَنَزَلْتُ فِي الْمَسْجِدِ وَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَتَصَدَّقْتُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى السَّلامَةِ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَنِي الْخَادِمُ وَمَعَهُ كِيسٍ فِيهِ ثَلاثَةُ آلافِ دِينَارٍ عَيْنًا فَقَالَ أَمَرَتْنِي سِتِّي بِإِنْفَاذِ هَذَا إِلَيْكَ مِنْ مَالِهَا وَقَالَتْ تَشْتَرِي بِهَا ثِيَابًا وَمَرْكُوبًا وَخَدَمًا وَتُصْلِحُ بِهِ ظَاهِرَكَ وَتَعَالَ يَوْمَ الْمَوْكِبِ إِلَى بَابِ الْعَامَّةِ وَقِفْ حَتَّى تُطْلَبَ فَقَدْ وَافَقَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُزَوِّجَكَ بِحَضْرَتِهِ فَأَجَبْتُ عَنْ رُقْعَةٍ كَانَتْ مَعَهُ وَأَخَذْتُ الْمَالَ فَاشْتَرَيْتُ مَا قَالُوهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْهُ وَبَقِيَ الأَكْثَرُ عِنْدِي وَرَكِبْتُ إِلَى بَابِ الْعَامَّةِ فِي يَوْمِ الْمَوْكِبِ بِزِيٍّ حَسَنٍ وَجَاءَ النَّاسُ فَدَخَلُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ وَوَقَفْتُ إِلَى أَنِ اسْتُدْعِيتُ فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بالمقتدر جَالس والقضاة والقواد والهاشميين فَهِبْتُ الْمَجْلِسَ وَعُلِّمْتُ كَيْفَ أُسَلِّمُ فَفَعَلْتُ وَتَقَدَّمَ الْمُقْتَدِرُ إِلَى بَعْضِ الْقُضَاةِ الْحَاضِرِينَ فَخَطَبَ لِي وَزَوَّجَنِي وَخَرَجْتُ مِنْ حَضْرَتِهِ فَلَمَّا صِرْتُ فِي بَعْضِ الدَّهَالِيزِ قَرِيبًا مِنَ الْبَابِ عُدِلَ بِي إِلَى دَارٍ عَظِيمَةٍ مَفْرُوشَةٍ بِأَنْوَاعِ الْفَرْشِ الْفَاخِرِ وَفِيهَا مِنَ الآلاتِ وَالْخَدَمِ وَالْقُمَاشِ كُلُّ شَيْءٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ

стр. 370

فَأُجْلِسْتُ فِيهَا وَتُرِكْتُ وَحْدِي وَانْصَرَفَ مَنْ أَدْخَلَنِي فَجَلَسْتُ يَوْمِي لَا أَرَى مَنْ أَعْرِفُ وَلا أَبْرَحُ مَوْضِعِي إِلا إِلَى الصَّلاةِ وَخَدَمٌ يَدْخُلُونَ وَيَخْرُجُونَ وَطَعَامٌ عَظِيمٌ يُنْقَلُ وَهُمْ يَقُولُونَ اللَّيْلَةَ تُزَفُّ فُلانَةُ بِاسْمِ صَاحِبَتِي إِلَى زَوْجِهَا الْبَزَّازِ فَلا أُصَدِّقُ فَرَحًا فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ أَثَّرَ فِيَّ الْجُوعُ وَقُفِّلَتِ الأَبْوَابُ وَيَئِسْتُ مِنَ الْجَارِيَةِ فَقُمْتُ أَطُوفُ الدَّارَ فَوَقَعْتُ عَلَى الْمَطْبَخِ وَوَجَدْتُ الطَّبَّاخِينَ جُلُوسًا فَاسْتَطْعَمْتُهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُونِي وَقَدَّرُونِي بَعْضَ الْوُكَلاءِ فَقَدَّمُوا إِلَيَّ هَذَا اللَّوْنَ مِنَ الطَّعَامِ مَعَ رَغِيفَيْنِ فَأَكَلْتُهُمَا وَغَسَلْتُ يَدَّيَّ بِأَشْنَانٍ كَانَ فِي الْمَطْبَخِ وَقَدَّرْتُ أَنَّهَا قَدْ نقيَتْ وَعُدْتُ إِلَى مَكَانِي فَلَمَّا جَنَّنِي اللَّيْلُ إِذَا بِطُبُولٍ وَزُموُرٍ وَأَصْوَاتٍ عَظِيمَةٍ وَإِذَا بِالأَبْوَابِ قَدْ فُتِحَتْ وَصَاحِبَتِي قَدْ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ وَجَاءُوا بِهَا فَجَلَّوْهَا عَلَيَّ وَأَنَا أُقَدِّرُ أَنَّ ذَلِكَ فِي النَّوْمِ فَرَحًا وَتُرِكَتْ مَعِي فِي الْمَجْلِسِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فَلَمَّا خَلَوْنَا تَقَدَّمْتُ إِلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا وَقَبَّلَتْنِي وَشَمَّتْ لِحْيَتِي فَرَفَسَتْنِي وَرَمَتْ بِي عَنِ الْمِنَصَّةِ وَقَالَتْ أَنْكَرْتُ أَنْ تُفْلِحَ يَا عَامِّيُّ يَا سَفَلَةُ وَقَامَتْ لِتَخْرُجَ فَقُمْتُ وَتَعَلَّقْتُ بِهَا وَقَبَّلْتُ الأَرْضَ وَرِجْلَيْهَا وَقُلْتُ عَرِّفِينِي ذَنْبِي وَاعْمَلِي بَعْدَهُ مَا شِئْتِ فَقَالَتْ وَيْحَكَ أَكَلْتَ وَلَمْ تَغْسِلْ يَدَكَ فَقَصَصْتُ عَلَيْهَا قِصَّتِي فَلَمَّا بَلَغْتُ إِلَى آخِرِهَا قُلْتُ عَلَيَّ وَعَلَيَّ فَحَلَفْتُ بِطَلاقِهَا وَطَلاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا وَصَدَقَةِ مَالِي وَجَمِيعِ مَا أَمْلِكُهُ وَالْحَجِّ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيَّ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ وَكُلُّ مَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُونَ بِهِ لَا أَكَلْتُ بَعْدَهَا دِيكِيرِيكَةً إِلا غَسَلْتُ يَدَيَّ أَرْبَعِينَ مَرَّةً فَاسْتَحْيَتْ وَتَبَسَّمَتْ وَصَاحَتْ يَا جَوَارِي فَجَاءَ مِقْدَارُ عَشْرِ جَوَارٍ وَوَصَائِفَ فَقَالَتْ

стр. 371

هَاتُوا شَيْئًا نَأْكُلَ فَقُدِّمَتْ إِلَيَّ أَلْوَانٌ ظَرِيفَةٌ وَطَعَامٌ مِنْ أَطْعِمَةِ الْخُلَفَاءِ فَأَكَلْنَا وَغَسَلْنَا أَيْدِيَنَا وَاسْتَدْعَتْ شَرَابًا فَشَرِبْنَا وَغَنَّى أُولَئِكَ الْوَصَائِفُ أَطْيَبَ غِنَاءٍ وَأَحْسَنَهُ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الفراشفدخلت بِهَا وَبِتُّ بِلَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْخُلَفَاءِ وَلَمْ نَفْتَرِقْ أُسْبُوعًا وَكَانَ يَوْمَ الأُسْبُوعِ وَلِيمَةٌ هَائِلَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الْجَوَارِي فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ قَالَتْ إِنَّ دَارَ الْخِلافَةِ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَقَامُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَلَوْلا أَنَّهُ اسْتُؤْذِنَ فَأُذِنَ بَعْدَ جَهْدٍ لَمَا تَمَّ لَنَا هَذَا إِلا أَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يُفْعَلْ قَطُّ مَعَ جَارِيَةٍ غَيْرِي لِمَحَبَّةِ السَّيِّدَةِ لِي وَجَمِيعُ مَا تَرَاهُ فَهُوَ هِبَةٌ لِي مِنَ السَّيِّدَةِ وَقَدْ أَعْطَتْنِي خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنْ عَيْنٍ وَوَرِقٍ وَجَوْهَرٍ وَدَنَانِيرَ وَذَخَائِرَ لِي خَارِجَ الْقَصْرِ أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ وَجَمِيعُهَا لَكَ فَاخْرُجْ إِلَى مَنْزِلِكَ وَخُذْ مَعَكَ مَالا فَاشْتَرِ دَارًا سَوِّيَةً وَاسِعَةَ الصَّحْنِ فِيهَا بُسْتَانٌ كَبِيرٌ كَثِيرَةَ الْحُجَرِ فَاخِرَةَ الْمَوْقِعِ وَتَحَوَّلْ إِلَيْهَا وَعَرِّفْنِي لأَنْقُلَ هَذَا كُلَّهُ إِلَيْكَ فَإِذَا حَصَلَ عِنْدَكَ جِئْتُكَ وَسَلَّمَتْ إِلَيَّ عَشْرَةَ آلافِ دِينَارٍ عَيْنًا فَحَمَلَهَا الْخَادِمُ مَعِي فَابْتَعْتُ الدَّارَ وَكَتَبْتُ إِلَيْهَا بِالْخَبَرِ فَحَمَلَتْ لِي تِلْكَ النِّعْمَةَ بِأَسْرِهَا فَجَمِيعُ مَا أَنَا فِيهِ مِنْهَا فَأَقَامَتْ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا سَنَةً أَعِيشُ مَعَهَا عَيْشَ الْخُلَفَاءِ وَلَمْ أَدَعْ مَعَ ذَلِكَ التِّجَارَةَ فَزَادَ مَالِي وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتِي وَأَثْرَتْ حَالِي وَوَلَدَتْ لِي هَؤُلاءِ الْفِتْيَانِ وَأَوْمَأَ إِلَى أَوْلادِهِ ثُمَّ مَاتَتْ رَحِمَهَا اللَّهُ وَبَقِيَ عَلَيَّ مِنْ مَضَرَّةِ الدِّيكِيرِيكَةِ مَا شَاهَدْتُهُ وَمِمَّنْ نَالَ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِسَبِبِ أَنَّهُ عَشِقَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفُ بِزَوْجِ الْحُرَّةِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي الأَمِيرُ أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ قَالَ كَانَتْ بِنْتُ بَدْرٍ مَوْلَى الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ زَوْجَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 372

الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ وَكَانَ لَهَا مُكْرِمًا وَعَلَيْهَا مُفْضِلا الإِفْضَالَ الْعَظِيمَ فَتَأَثَّلَتْ حَالُهَا وَانْضَافَ ذَلِك إِلَى عَظِيم نعمتها الْمَوْرُوثَةِ وَقُتِلَ الْمُقْتَدِرُ فَأَفْلَتَتْ مِنَ النَّكْبَةِ وَسَلِمَ لَهَا جَمِيعُ أَمْوَالِهَا وَذَخَائِرِهَا حَتَّى لَمْ يَذْهَبْ لَهَا شَيْءٌ وَخَرَجَتْ عَنِ الدَّارِ فَكَانَ يَدْخُلُ إِلَى مَطْبَخِهَا حَدَثٌ يَحْمِلُ فِيهِ عَلَى رَأْسِهِ يُعْرَفُ بِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَكَانَ حَرِكًا فَنَفَقَ عَلَى الْقَهْرَمَانَةِ بِخِدْمَتِهِ فَنَقَلُوهُ إِلَى أَنْ صَارَ وَكِيلَ الْمَطْبَخِ وَتَرَقَّى أَمْرُهُ حَتَّى صَارَ يَنْظُرُ فِي ضِيَاعِهَا وَعَقَارِهَا وَغَلَبَ عَلَيْهَا فَصَارَتْ تُكَلِّمُهُ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ وَخَلْفَ بَابٍ أَوْ سِتَارَةٍ وَزَادَ اخْتِصَاصُهُ بِهَا حَتَّى عَلَقَ بِقَلْبِهَا فَاسْتَدْعَتْهُ إِلَى تَزْوِيجِهَا فَلَمْ يَجْسُرْ عَلَى ذَلِكَ فَجَسَّرَتْهُ وَبَذَلَتْ مَالا حَتَّى تَمَّ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَتْ حَالُهُ تَأَثَّلَتْ بِهَا وَأَعْطَتْهُ لَمَّا أَرَادَتْ ذَلِكَ مِنْهُ أَمْوَالا جَعَلَهَا لِنَفْسِهِ نِعْمَةً ظَاهِرَةً لِئَلا يَمْنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا مِنْهُ بِالْفَقْرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ ثُمَّ هَادَتِ الْقُضَاةَ بِهَدَايَا جَلِيلَةٍ حَتَّى زَوَّجُوهَا مِنْهُ وَاعْتَرَضَ الأَوْلِيَاءُ فَغَالَبَتْهُمْ بِالْحُكْمِ وَالدَّرَاهِمِ فَتَمَّ لَهُ ذَلِكَ وَلَهَا فَأَقَامَ مَعَهَا سِنِينَ ثُمَّ مَاتَتْ فَحَصَلَ لَهُ من مَالهَا نَحْو ثَلَاثمِائَة أَلْفِ دِينَارٍ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً فَهُوَ يَتَقَلَّبُ إِلَى الآنَ فِيهَا قَالَ أَبِي وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا هَذَا الرَّجُلَ وَهُوَ شَيْخٌ عَاقِلٌ شَاهِدٌ مَقْبُولٌ تَوَصَّلَ بِالْمَالِ إِلَى أَنْ قَبِلَهُ أَبُو السَّائِبِ الْقَاضِي حَتَّى أَقَرَّ فِي يَدِهِ وُقُوفَ الْحُرَّةِ وَوَصِيَّتَهَا لأَنَّهَا وَصَّتْ إِلَيْهِ فِي أَمْوَالِهَا وَأَوْقَافِهَا وَهُوَ إِلَى الآنَ لَا يُعْرَفُ إِلا بِزَوْجِ الْحُرَّةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْحُرَّةُ لأَجْلِ تَزْوِيجِ الْمُقْتَدِرِ بِهَا وَهَكَذَا عَادَةُ الْخُلَفَاءِ لِغَلَبَةِ الْمَمَالِيكِ عَلَيْهِمْ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ زَوْجَةٌ قِيلَ الْحُرَّةُ قَالَ الْخَطِيبُ قَالَ لَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ زَوْجَ الْحُرَّةِ جَارَنَا وَسَمِعْتُ مِنْهُ مَجَالِسَ مِنْ أَمَالِيهِ وَكَانَ يَحْضُرُهُ فِي مَجْلِسِ الْحَدِيثِ الْقَاضِي

стр. 373

الْجَرَّاحِي وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُظَفَّرِ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ وَأَبُو الْحَسَنِ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الشُّيُوخِ تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلاثمائة وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ قَبْرِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الصَّيْفِ عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ قَالَ كَانَ وَضَّاحُ الْيَمَنِ نَشأ هُوَ وَأُمُّ الْبَنِينَ صَغِيرَيْنِ فَأَحَبَّهَا وَأَحَبَتْهُ وَكَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ حُجِبَتْ عَنْهُ فَطَالَ بِهِمَا الْبَلاءُ فَحَجَّ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَبَلَغَهُ جَمَالُ أُمِّ الْبَنِينَ وَأَدَبُهَا فَتَزَوَّجَهَا وَنَقَلَهَا إِلَى الشَّامِ قَالَ فَذَهَبَ عَقْلُ وَضَّاحٍ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَذُوبُ وَيَنْحَلُ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْبَلاءُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَجَعَلَ يَطُوفُ بِقَصْرِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كُلَّ يَوْمٍ لَا يَجِدُ حِيلَةً حَتَّى رَأَى يَوْمًا جَارِيَةً صَفْرَاءَ فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَنِسَ بِهَا فَقَالَ لَهَا هَلْ تَعْرِفِينَ أُمَّ الْبَنِينَ فَقَالَتْ إِنَّكَ تَسْأَلُ عَنْ مَوْلاتِي فَقَالَ إِنَّهَا لابْنَةُ عَمِّي وَإِنَّهَا لَتُسَرُّ بِمَكَانِي وَبِمَوْضِعِي فَلَوْ أَخْبَرْتِهَا قَالَتْ إِنِّي أُخْبِرُهَا فَمَضَتِ الْجَارِيَةُ فَأَخْبَرَتْ أُمَّ الْبَنِينَ فَقَالَتْ وَيْلَكِ أَوَحَيٌّ هُوَ قَالَتْ نَعَمْ قَالَتْ قُولِي لَهُ كُنْ مَكَانَكَ حَتَّى يَأْتِيكَ رَسُولِي فَلَنْ أَدَعَ الاحْتِيَالَ لَكَ فَاحْتَالَتْ إِلَى أَنْ أَدْخَلَتْهُ إِلَيْهَا فِي صُنْدُوقٍ فَمَكَثَ عِنْدَهَا حِينًا فَإِذَا أَمِنَتْ أَخْرَجَتْهُ فَقَعَدَ مَعَهَا وَإِذَا خَافَتْ عَيْنَ الرَّقِيبِ أَدْخَلَتْهُ الصُّنْدُوقَ فَأُهْدِيَ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمًا جَوْهَرٌ فَقَالَ لِبَعْضِ خَدَمِهِ خُذْ هَذَا الْجَوْهَرَ فَامْضِ بِهِ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ لَهَا أُهْدِيَ هَذَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَوَجَّهَ بِهِ إِلَيْكِ فَدَخَلَ الْخَادِمُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَوَضَّاحٌ مَعَهَا فلمحه وَلم تشعر أُمُّ الْبَنِينَ فَبَادَرَ إِلَى الصُّنْدُوقِ فَدَخَلَهُ فَأَدَّى الْخَادِمُ الرِّسَالَةَ

стр. 374

إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا هِبِي لِي مِنْ هَذَا الْجَوْهَرِ حَجَرًا فَقَالَتْ لَا أُمَّ لَكَ وَمَا تَصْنَعُ أَنْتَ بِهَذَا فَخَرَجَ وَهُوَ عَلَيْهَا حَنِقٌ فَجَاءَ الْوَلِيدَ فَخَبَّرَهُ الْخَبَرَ وَوَصَفَ لَهُ الصُّنْدُوقَ الَّذِي رَآهُ دَخَلَهُ فَقَالَ لَهُ كَذَبْتَ لَا أُمَّ لَكَ ثُمَّ نَهَضَ الْوَلِيدُ مُسْرِعًا فَدَخَلَ إِلَيْهَا وَهِيَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ وَفِيهِ صَنَادِيقٌ عِدَادٌ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الَّذِي وَصَفَ لَهُ الْخَادِمُ فَقَالَ لَهَا يَا أُمَّ الْبَنِينَ هَبِي لِي صَنْدُوقًا مِنْ صَنَادِيقِكِ هَذِهِ فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ وَأَنَا لَكَ فَقَالَ لَا أُرِيدُ غَيْرَ هَذَا الَّذِي تَحْتِي قَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ النِّسَاءِ قَالَ مَا أُرِيدُ غَيْرَهُ قَالَتْ هُوَ لَكَ فَأَمَرَ بِهِ فَحُمِلَ وَدَعَا بِغُلامَيْنِ فَأَمَرَهُمَا بِحَفْرِ بِئْرٍ فَحُفِرَ حَتَّى إِذَا بَلَغَا الْمَاءَ وَضَعَ فَمُهُ عَلَى الصُّنْدُوقِ وَقَالَ أَيُّهَا الصُّنْدُوقُ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا عَنْكَ شَيْءٌ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَقَدْ دَفَنَّا خَبَرَكَ وَدَرَسْنَا أَثَرَكَ وَإِنْ كَانَ كَذِبًا فَمَا عَلَيْنَا فِي دَفْنِ صُنْدُوقٍ مِنْ خَشَبٍ حَرَجٌ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ فِي الْحُفْرَةِ وَأَمَرَ بِالْخَادِمِ فَقُذِفَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَوْقَهُ وَطَمَّ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا التُّرَابَ قَالَ فَكَانَتْ أُمُّ الْبَنِينَ تُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ تَبْكِي إِلَى أَنْ وُجِدَتْ يَوْمًا مَكْبُوبَةً عَلَى وَجْهِهَا مَيِّتَةً قُلْتُ وَقَدْ رَوَى الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا هَذِهِ الْحِكَايَةَ فَذَكَرَ أَنَّ الْخَلِيفَة كَانَ يزِيد ابْن عَبْدِ الْمَلِكِ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْخُتَّلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ النِّسَائِيُّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد ابْن حَيَّان ابْن صَدَقَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّرِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ

стр. 375

كَانَتْ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أُمُّ الْبَنِينَ وَكَانَ لَهَا مِنْ قَلْبِهِ مَوْضِعٌ قَالَ فَقُدِمَ عَلَيْهِ مِنْ نَاحِيَةِ مِصْرَ بِجَوْهَرٍ لَهُ قَدْرٌ وَقِيمَةٌ قَالَ فَدَعَا خَصِيًّا لَهُ فَقَالَ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى أُمِّ الْبَنِينَ وَقُلْ لَهَا أُتِيتُ بِهِ السَّاعَةُ فَبَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكِ قَالَ فَأَتَاهَا الْخَادِمُ فَوَجَدَ عِنْدَهَا وَضَّاحَ الْيَمَنِ وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ الْعَرَبِ وَأَحْسَنِهِمْ وَجْهًا فَعَشِقَتْهُ أُمُّ الْبَنِينَ فَأَدْخَلَتْهُ عَلَيْهَا فَكَانَ يكون عِنْدهمَا فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدُخُولِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَيْهَا أَدْخَلَتْهُ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ صَنَادِيقِهَا فَرَآهُ الْغُلامُ وَرَأَى الصُّنْدُوقَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ فَوَضَعَ الْجَوْهَرَ بَيْنَ يَدَيْهَا وَأَبْلَغَهَا رِسَالَةَ يَزِيدَ ثُمَّ قَالَ يَا سَيِّدَتِي هَبِي لِي مِنْهُ لُؤْلُؤَةً قَالَتْ لَا وَلا كَرَامَةً فَغَضِبَ وَجَاءَ إِلَى مَوْلاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي دَخَلْتُ عَلَيْهَا وِعَنْدَهَا رَجُلٌ فَلَمَّا رَأَتْنِي أَدْخَلَتْهُ صُنْدُوقًا وَهُوَ فِي الصُّنْدُوقِ الَّذِي مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ الثَّالِثُ أَوِ الرَّابِعُ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ جأوا عُنُقه فوجأوا عُنُقه وَنَحْوه عَنهُ قَالَ فَأَمْهَلَ قَلِيلا ثُمَّ قَامَ فَلِبِسَ نَعْلَهُ وَدَخَلَ عَلَى أُمِّ الْبَنِينَ وَهِيَ تَمْتَشِطُ فِي خَزَانَتِهَا فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الصُّنْدُوقِ الَّذِي وَصَفَ لَهُ الْخَادِمُ فَقَالَ يَا أُمَّ الْبَنِينَ مَا أَحَبَّ إِلَيْكِ هَذَا الْبَيْتِ قَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْخُلُهُ لِحَاجَتِي وَفِيهِ خَزَانَتِي فَمَا أَرَدْتُ مِنْ شَيْءٍ أَخَذْتُهُ مِنْ قُرْبٍ قَالَ فَمَا فِي هَذِهِ الصَّنَادِيقِ الَّتِي أَرَاهَا قَالَتْ حِلْيَتِي وَأَثَاثِي قَالَ فَهِبِي لِي مِنْهَا صُنْدُوقًا فَقَالَتْ كُلُّهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَ قَالَ لَا أُرِيد إِلَّا وَاحِد وَلَكِ عَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَكِ زِنَتَهُ وَزِنَةَ مَا فِيهِ ذَهَبًا قَالَتْ فَخُذْ مَا شِئْتَ قَالَ هَذَا الَّذِي تَحْتِي قَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُدْ عَنْ هَذَا وَخُذْ غَيْرَهُ فَإِنَّ لِي فِيهِ شَيْئًا يَقَعُ بِمَحَبَّتِي قَالَ مَا أُرِيدُ غَيْرَهُ فَقَالَتْ هُوَ لَكَ قَالَ فَأَخَذَهُ وَدَعَا الْفَرَّاشِينَ فحملوا الصندوق فَمضى بِهِ إِلَى مَجْلِسه فَجَلَسَ وَلم يَفْتَحهُ

стр. 376

وَلم ينظر مَا فِيهِ فَلَمَّا جنه اللَّيْل دَعَا غُلَاما لَهُ أعجميا فَقَالَ لَهُ اسْتَأْجر أجراء غرباء لَيْسُوا من أهل الْمصر قَالَ فَجَاءَهُ بِهِمْ وَأَمَرَهُمْ فَحَفَرُوا لَهُ حفيرة فِي مَجْلِسه حَتَّى بلغُوا المَاء ثمَّ قَالَ قَدِّمُوا إِلَيَّ الصُّنْدُوقَ فَأَلْقَاهُ فِي الْحُفَيْرَةِ ثُمَّ وَضَعَ فَمَهُ عَلَى شَفِيرِهِ فَقَالَ يَا هَذَا قَدْ بَلَغَنَا عَنْكَ خَبَرٌ فَإِنْ يَكُ حَقًّا فقد قَطعنَا أَثَره وَإِن يكن بَاطِلا فَإِنَّمَا دَفَنَّا خَشَبًا ثُمَّ أَهَالُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ حَتَّى اسْتَوَى قَالَ فَلَمْ يُرَ وَضَّاحُ الْيَمَنِ حَتَّى السَّاعَة قَالَ فَلا وَاللَّهِ مَا بَانَ لَهَا فِي وَجْهِهِ وَلا فِي خَلائِقِهِ وَلا فِي شَيْءٍ حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ النِّسَائِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلٌ سَمَّاهُ أَحْسَبُهُ ذَكَرَ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ قَالَ كَانَ لُقْمَانُ بْنُ عَادٍ مِنْ أَشَدِّ قَوْمِهِ وَأَجْلَدِهِمْ فَقَالُوا لَهُ لَوْ تَزَوَّجْتَ فَبَقِيَ مَنْ نَسْلِكَ فِي عَادٍ فَقَالَ إِنِّي أَكْرَهُ النِّسَاءَ فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ مِنًى ثُمَّ بَنَى بَيْتًا طَوِيلا وَجَعَلَ لَهُ بَابًا مِنْ أَسْفَلِهِ وَسَكَنَ فِي أَعْلاهُ مَعَ امْرَأَتِهِ وَجَعَلَ خَيْطًا فِي جُلْجُلٍ فَإِذَا جَاءَ مَنْ يُرِيدُهُ حَرَّكَ الْجُلْجُلَ لِئَلا تَسْمَعَ امْرَأَتُهُ كَلامَ رَجُلٍ فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَةً وَإِنَّ فَتًى مِنْ عَادٍ قَالَ لِقَوْمِهِ أُرِيدُ أَنْ أَرَى امْرَأَةَ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ فَمَنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ أَرَهَا لأَجُرَّنَّ عَلَى عَادٍ جَرِيرَةً يَكُونُ فِيهَا اسْتِئْصَالُ عَادٍ

стр. 377

قَالَ فَجَمَعُوا سُيُوفًا وَسِلاحًا وَأَدْخَلُوهُ فِي جَوْفِ حِزْمَةٍ مِنْهَا ثُمَّ أَتَوْا لُقْمَانَ فَقَالُوا إِنَّا نُرِيدُ نجعة لنا ونريد أَنْ نَضَعَ سَلاحَنَا عِنْدَكَ فَأَتَوْهُ بِهِ وَصَعَدَ بِهِ فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ وَعَادَ الْقَوْمُ وَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ بَعْدَ أَيَّامٍ فَبَيْنَا لُقْمَانُ مَعَ امْرَأَتِهِ إِذْ نَظَرَ إِلَى نُخَامَةٍ فِي سَقْفِ بَيْتِهِ فَقَالَ مَنْ تَنَخَّمَ هَذِهِ قَالَتْ أَنَا قَالَ أَقَائِمَةً أَمْ نَائِمَةً قَالَتْ قَائِمَةٌ قَالَ فَتَنَخَّمِي فَتَنَخَّمَتْ فَلَمْ تَبْلُغْ فَقَالَ السُّيُوفُ دَهَتْنِي فَذَهَبَتْ مَثَلا قَالَ فَقَتَلَهَا وَنَزَلَ فَلَقِيَ ابْنَتَهُ فَقَتَلَهَا فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ وَاللَّهِ لَتَصْدُقُنِّي فَصَدَقُوهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِهَذَا الْفَتَى فَخَافَ الْفَتَى فَلَحِقَ بِالْوُحُوشِ فَكَانَ يَأْوِي مَعَهَا فَكَفَّ لُقْمَانُ عَنْ قَوْمِهِ حِينَ بَلَغَهُ أَمْرُ الْفَتَى فَقِيلَ لَهُ فِي قَتْلِ الصَّبِيَّةِ مَا كَانَ ذَنْبُهَا وَلِمَ قَتْلَتْهَا قَالَ إِنَّهَا مِنَ النِّسَاءِ وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَتَمَّ مِنْ هَذَا أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامَةَ الْقُضَاعِيُّ وَلَقِيتُهُ بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعُكْلِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْهَيْثَمِ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَانَ لُقْمَانُ بْنُ عَادِ بْنِ عَادِيَا الَّذِي عَمَّرَ سَبَعَةَ أَنْسُرٍ مُبْتَلًى بِالنِّسَاءِ وَكَانَ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةُ فَتَخُونُهُ حَتَّى تَزَوَّجَ جَارِيَةً صَغِيرَةً لَمْ تَعْرِفِ الرِّجَالَ ثُمَّ نَقَرَ لَهَا بَيْتًا فِي سَفْحِ جَبَلٍ وَجَعَلَ لَهُ دَرَجَةً بِسَلاسِلَ يَنْزِلُ بِهَا وَيَصْعَدُ فَإِذَا خَرَجَ رَفَعَتِ السَّلاسِلَ

стр. 378

حَتَّى عَرَضَ لَهَا فَتًى مِنَ الْعَمَالِيقِ فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ فَأَتَى بَنِي أَبِيهِ فَقَالَ وَاللَّهِ لأَجْنِيَنَّ عَلَيْكُمْ حَرْبًا لَا تَقُومُونَ بِهَا قَالُوا وَمَا ذَاكَ قَالَ امْرَأَةُ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ هِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ قَالُوا فَكَيْفَ نَحْتَالُ لَهَا قَالَ اجْمَعُوا سُيُوفَكُمْ ثُمَّ اجْعَلُونِي بَيْنَهَا وَشُدُّوهَا حِزْمَةً عَظِيمَةً ثُمَّ ائْتُوا لُقْمَانَ فَقُولُوا لَهُ إِنَّا أَرَدْنَا أَنْ نُسَافِرَ وَنَحْنُ نَسْتَوْدِعُكَ سُيُوفَنَا حَتَّى نَرْجِعَ وَسَمُّوا لَهُ يَوْمًا فَفَعَلُوا وَأَقْبَلُوا بِالسُّيُوفِ فَدَفَعُوهَا إِلَى لُقْمَانَ فَوَضَعَهَا فِي نَاحِيَةِ بَيْتِهِ وَخَرَجَ لُقْمَانُ وَتَحَرَّكَ الرَّجُلُ فَحَلَّتِ الْجَارِيَةُ عَنْهُ فَكَانَ يَأْتِيهَا فَإِذَا أَحَسَّتْ بِلُقْمَانَ جَعَلَتْهُ بَيْنَ السُّيُوفِ حَتَّى انْقَضَتِ الأَيَّامُ ثُمَّ جَاءُوا إِلَى لُقْمَانَ فَاسْتَرْجَعُوا سُيُوفَهُمْ فَرَفَعَ لُقْمَانُ رَأْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا نُخَامَةٌ تَنُوسُ فِي السَّقْفِ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ مَنْ نَخَمَ هَذِهِ قَالَتْ أَنَا قَالَ فَتَنَخَّمِي فَفَعَلَتْ فَلَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا فَقَالَ يَا وَيْلَتَاهُ السُّيُوفُ دَهَتْنِي ثُمَّ رَمَى بِهَا مِنْ ذُرْوَةِ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَتْ قِطَعًا فَانْحَدَرَ مُغْضَبًا فَإِذَا ابْنَةٌ لَهُ يُقَالُ لَهَا صُحْرٌ فَقَالَتْ لَهُ يَا أَبَتَاهُ مَا شَأْنُكَ قَالَ وَأَنْتِ أَيْضًا مِنَ النِّسَاءِ فَضَرَبَ رَأْسَهَا بِصَخْرَةٍ فَقَتَلَهَا فَقَالَتِ الْعَرَبُ مَا أَذْنَبَتَ إِلا ذَنْبَ صُحْرٍ فَصَارَتْ مَثَلا أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الأَمِيرُ مُنْتَخَبُ الْمَلِكِ قَالَ كَانَ ابْنُ الْمَغْرَبِيُّ مُخْتَفِيًا بِالْقَاهِرَةِ وَالسُّلْطَانُ يَطْلُبُ دَمَهُ وَكَانَ بِمِصْرَ صَبِيٌّ أَمْرَدُ مِمَّنِ انْتَهَى الْحُسْنُ إِلَيْهِ فِي زَمَانِهِ وَكَانَ يَشْتَهِي يَرَاهُ فخبر أَنَّهُ يَسْبَحُ فِي الْخَلِيجِ فَخَرَجَ وَغَرَّرَ بِنَفْسِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ

стр. 379

عُلِّمْتُ مَنْطِقَ حَاجِبَيْهِ ... وَالْبِينُ يَنْشُرُ رَايَتَيْهِ وَعَرِفْتُ آثَارَ النَّعِيمِ بِقُبْلَةٍ فِي عَارِضَيْهِ هَا قَدْ رَضِيتُ مِنَ الْحَيَاةِ ... بِأَسْرِهَا نَظَرِي إِلَيْهِ وَلَقَدْ أَرَاهُ فِي الْخَلِيجِ يَشُّقُهُ مِنْ جَانِبَيْهِ وَالْمَوْجُ مِثْلَ السَّيْفِ وَهُوَ فِرْنَدُهُ فِي صَفْحَتَيْهِ لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهِ ... أَبَدًا وَلا تَرِدُوا عَلَيْهِ قَدْ ذَابَ مِنْهُ السِّحْرُ فِي ... حَرَكَاتِهِ مِنْ وَجْنَتَيْهِ فَكَأَنَّهُ فِي الْمَوْجِ قَلْبِي بَيْنَ أَشْوَاقِي إِلَيْهِ

стр. 380

الْبَابُ الْوَاحِدُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ مَنْ ضُرِبَتْ بِهِ الأَمْثَالُ فِي الْعِشْقِ أَشْهَرُ الْمَشْهُورِينَ بِذَلِكَ مَجْنُونُ لَيْلَى وَلَهُ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ وَأَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّمَا أَنْتَقِي مَحَاسِنَهَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِالأَنْسَابِ فِي اسْمِهِ وَنَسَبِهِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ وَأَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ ابْنُ دَابٍ عَنْ رَبَاحِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ هُوَ قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ بْنِ مُزَاحِمٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ الْبُخْتُرِيُّ بْنُ الْجَعْدِيِّ وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْوَالِبِيُّ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ هُوَ قَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ الْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ هُوَ الأَقْرَعُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي كَرِيمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو قُلابَةَ الْعَامِرِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَرَمِيِّ قَالَ كَانَ فِي بَنِي عَامِرٍ ثَلاثَةُ مَجَانِينٍ مُعَاذُ لَيْلَى وَهُوَ معَاذ

стр. 381

ابْن كُلَيْبٍ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ عُبَيْدٍ وَقَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ وَمَهْدِيُّ بْنُ الْمُلَوَّحِ الْجَعْدِيُّ فَأَمَّا لَيْلَى فَاخْتَلَفُوا فِي نَسَبِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْلَى بِنْتُ مَهْدِيٍّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْلَى بِنْتُ وَرْدٍ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ وَفِي كُنْيَتِهَا قَوْلانِ أَحَدُهُمَا أَمُّ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ كَنَّاهَا الْمَجْنُونُ فِي شِعْرِهِ وَالثَّانِي أُمُّ الْخَلِيلِ سباق بِدَايَةِ مَعْرِفَةِ الْمَجْنُونِ بِلَيْلَى اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ وَأَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالا أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ الْبَلْخِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ دَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ يُقَالُ لَهُ رَبَاحُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ كَانَ فِي بَنِي عَامِرٍ جَارِيَةٌ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ لَهَا عَقْلٌ وَأَدَبٌ يُقَالُ لَهَا لَيْلَى بِنْتُ مَهْدِيٍّ فَبَلَغَ الْمَجْنُونَ خَبَرُهَا وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَمَالِ وَالْعَقْلِ وَكَانَ صَبًّا بِمُحَادَثَةِ النِّسَاءِ فَعَمَدَ إِلَى أَحْسَنِ ثِيَابِهِ فَلَبِسَهَا وَتَهَيَّأَ فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهَا وَتَحَدَّثَ بَيْنَ يَدَيْهَا أَعْجَبَتْهُ وَوَقَعَتْ بِقَلْبِهِ فَظَلَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ يُحَدِّثُهَا وَتُحَدِّثُهُ حَتَّى أَمْسَى فَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ فَبَاتَ بِأَطْوَلِ

стр. 382

لَيْلَةٍ حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ مَضَى إِلَيْهَا فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهَا حَتَّى أَمْسَى ثُمَّ انْصَرَفَ فَبَاتَ بِأَطْوَلِ مِنْ لَيْلَتِهِ الأُولَى وَجَهَدَ أَنْ يُغْمِضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ نَهَارِي نَهَارُ النَّاسِ حَتَّى إِذَا بَدَا ... لِيَ اللَّيْلُ هَزَّتْنِي إِلَيْكِ الْمَضَاجِعُ أَقْضِي نَهَارِي بِالْحَدِيثِ وَبِالْمُنَى ... وَيَجْمَعُنِي وَالْهَمَّ بِاللَّيْلِ جَامِعُ وَأَدَامَ زِيَارَتَهَا وَتَرَكَ إِتْيَانَ كُلَّ مَنْ كَانَ يَأْتِيهِ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِثْلَ الَّذِي وَقَعَ فِي قَلْبِهِ فَجَاءَ يَوْمًا يُحَدِّثُهَا فَجَعَلَتْ تُعْرِضُ عَنْهُ وَتُقْبِلُ عَلَى غَيْرِهِ تُرِيدُ تَمْتَحِنَهُ وَتَعْلَمَ مَا فِي قَلْبِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَخَرَجَ فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ كِلانَا مُظْهِرٌ لِلنَّاسِ بُغْضًا ... وَكُلٌّ عِنْدَ صَاحِبِهِ مَكِينُ فَسُرِّيَ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ إِنَّمَا أَرَدْتُ امْتِحَانَكَ وَالَّذِي لَكَ عِنْدِي أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي لِي عِنْدَكَ وَأَنَا مُعْطِيَةٌ اللَّهَ عَهْدًا إِنْ أَنَا جَالَسْتُ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا رَجُلا سِوَاكَ حَتَّى أَذُوقَ الْمَوْتَ إِلا أَنْ أُكْرَهَ عَلَى ذَلِكَ فَانْصَرَفَ وَهُوَ أَسَرُّ النَّاسِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ أَظُنُّ هَوَاهَا تَارِكِي بِمُضِلَّةٍ ... مِنَ الأَرْضِ لَا مَالٌ لَدَيَّ وَلا أَهْلُ وَلا أَحَدٌ أُفْضِي إِلَيْهِ وَصِيَّتِي ... وَلا وَارِثٌ إِلا الْمَطِيَّةُ وَالرَّحْلُ مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأُلَى كُنَّ قَبْلَهَا وَحَلَّتْ مَكَانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ

стр. 383

قُلْتُ قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ قَوْلُهُ هَزَّتْنِي إِلَيْكِ الْمَضَاجِعُ وَمَا رُوِيَ لَنَا إِلا بِالزَّايِ وَلا سَمِعْنَا أَحَدٌ يَذْكُرُهُ إِلا كَذَلِك ثمَّ رَأينَا الْفَتْحِ بْنَ جِنِّي يَذْكُرُهُ بِالرَّاءِ فَقَالَ هَرَّتْنِي إِلَيْكِ الْمَضَاجِعُ قَالَ وَالزَّايُ تَصْحِيفٌ عِنْدَهُمْ قَالَ وَيُقَالُ هَرَّ الشَّيْءَ يَهُرُّ وَيَهِرُّهُ إِذَا كَرِهَهُ فَمَعْنَى هَرَّتْنِي كَرِهَتْنِي فَنَبَتْ بِي قُلْتُ وَفِي بِدَايَةِ مَعْرِفَتِهَا قَوْلٌ آخَرُ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ الْعُمَرِيُّ عَن لَقِيط ابْن بُكَيْرٍ الْمُحَارِبِيُّ أَنَّ الْمَجْنُونَ عَلِقَ بِلَيْلَى عَلاقَةَ الصِّبَا وَذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا صَغِيرَيْنِ يَرْعَيَانِ أَغْنَامًا لِقَوْمِهِمَا فَعَلِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ إِلا أَنَّ الْمَجْنُونَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا فَلَمْ يَزَالا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَبِرَا فَلَمَّا عُلِمَ بِأَمْرِهِمَا حُجِبَتْ لَيْلَى عَنْهُ فَزَالَ عَقْلُهُ وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ تَعَلَّقْتُ لَيْلَى وَهِيَ ذَاتُ ذُؤَابَةٌ ... وَلَمْ يَبْدُ لِلأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبُهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا ... إِلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبُرْ وَلَمْ تَكْبُرِ الْبُهْمُ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَرْدَسْتَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ

стр. 384

قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ التَّرْقُفِيُّ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو غِيَاثٍ الْبَصْرِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ قَالَ بَيَّنَّا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يُؤَذِّنُ إِذْ سُمِعَ الأَخْضَرُ الْجَدِّيُّ يَتَغَنَّى فِي دَارِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَيَقُولُ صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبُهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا ... إِلَى الآنَ لَمْ نَكْبُرْ وَلَمْ تَكْبُرِ الْبُهْمُ قَالَ فَأَسْرَعَ فِي الأَذَانِ فأرد أَنْ يَقُولَ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ فَقَالَ حَيَّ عَلَى الْبَهْمِ حَتَّى سَمِعَهُ أَهْلُ مَكَّةَ فَجَاءَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي جَابِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ كَانَ الْمَجْنُونُ مِنْ وَلَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلابٍ فَأَتَى عَلَيْهِ عَصْرٌ مِنَ الدَّهْرِ لَا يَعْرِفُ لَيْلَى ثُمَّ عَشِقَهَا فَخَطَبَهَا فَلَمْ يُزَوِّجُوهُ فَاشْتَدَّتْ حَالَتُهُ وَزَادَ مَا كَانَ يَجِدُهُ وَفَشَا أَمْرُهُ فِي النَّاسِ فَلَقِيَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَقَالَ يَا أَخِي اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَازْجُرْهُ عَنْكَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ يَا حَبَّذَا عَمَلُ الشَّيْطَانِ مِنْ عَمَلٍ ... إِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ حُبِّيهَا مَنَّيْتُهَا النَّفْسَ حَتَّى قَدْ أَضَرَّ بِهَا ... وَأَحَدَثَتْ خُلُقًا مِمَّا أُمَنِّيهَا قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَ الْمَجْنُونُ يَجْلِسُ فِي نَادِي قَوْمِهِ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَيُحَدِّثُهُ وَهُوَ بَاهِتٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلا يَفْهَمُ مَا يُحَدِّثُهُ بِهِ ثُمَّ يَثُوبُ إِلَيْهِ عَقْلُهُ فَيُسْأَلُ عَنِ الْحَدِيثِ فَلا يَعْرِفُهُ

стр. 385

فَحَدَّثَهُ مَرَّةً بَعْضُ أَهْلِهِ بِحَدِيثٍ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهُ فِي غَدٍ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ فَقَالَ إِنِّي لأَجْلِسُ فِي النَّادِي أُحَدِّثُهُمْ ... فَأَسْتَفِيقُ وَقَدْ غَالَتْنِيَ الْغُوَلُ يَهْوِي بِقَلْبِي حَدِيثُ النَّفْسِ دُونَكُمُ ... حَتَّى يَقُولَ خَلِيلِي أَنْتَ مَخْبُولُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَتَزَايَدَ الأَمْرُ بِهِ حَتَّى فَقَدْ عَقْلَهُ فَكَانَ لَا يَقَرُّ فِي مَوْضِعٍ وَلا يُؤْوِيهِ رَحْلٌ وَلا يَعْلُوهُ ثَوْبٌ إِلا مَزَّقَهُ وَصَارَ لَا يَفْهَمُ شَيْئًا مِمَّا يُكَلَّمُ بِهِ إِلا أَنْ تُذْكَرَ لَهُ لَيْلَى فَإِذَا ذُكِرَتْ أَجَابَ النِّدَاءَ بِهِ وَرَجَعَ عَقْلُهُ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ رَوَى رَبَاحُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ لَمَّا كَثُرَ ذِكْرُ الْمَجْنُونِ لِلَيْلَى وَاشْتَهَرَ أَمْرُهُ اجْتَمَعَ إِلَى أَبِيهِ أَهْلُهُ وَكَانَ سَيِّدًا فَقَالُوا لَهُ زَوِّجْ قَيْسًا فَإِنَّهُ سَيَكُفُّ عَنْ ذِكْرِ لَيْلَى وَيَنْسَاهَا فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَبُوهُ التَّزْوِيجَ فَأَبَى وَقَالَ لَا حَاجَةَ لِي إِلَى ذَلِكَ فَأَتَى لَيْلَى بَعْضُ فِتْيَانِ الْقَوْمِ مِمَّنْ كَانَ يَحْسُدُ قَيْسًا وَيُعَادِيهِ فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ وَجَاءَ الْمَجْنُونُ كَمَا كَانَ يَجِيءُ فَحَجَبَتْهُ وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي عَلامَ هَجَرْتِنِي ... وَأَيَّ أُمُورِي فِيكِ يَا لَيْلُ أَرْكَبُ أَأَقْطَعُ حَبْلَ الْوَصْلِ فَالْمَوْتُ دُونَهُ ... أَمْ اشْرَبُ رَنْقًا مِنْكُمُ لَيْسَ يُشْرَبُ أَمْ أهرب حَتَّى لايرى لِي مُجَاوِرٌ ... أَمْ افْعَلُ مَاذَا أَمْ أَبُوحُ فَأُغْلَبُ

стр. 386

فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَدَائِبٌ ... أَفُكِّرُ مَا جُرْمِي إِلَيْهَا فَأَعْجَبُ قَالَ فَبَلَغَهَا قَوْلُهُ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ صَدَقَ وَاللَّهِ قَيْسٌ حَيْثُ يَقُولُ وَمَنْ يُطِعِ الْوَاشِينَ لَا يَتْرُكُوا لَهُ ... صَدِيقًا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُقَرَّبَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ لَمَّا ظَهَرَ مِنَ الْمَجْنُونِ مَا ظَهَرَ وَرَأَى قَوْمُهُ مَا ابْتُلِيَ بِهِ اجْتَمَعَ قَوْمُهُ إِلَى أَبِيهِ وَقَالُوا يَا هَذَا قَدْ تَرَى مَا ابْتُلِيَ بِهِ ابْنُكَ فَلَوْ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَعَادَ بِبِيتِ اللَّهِ وَزَارَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَا اللَّهَ رَجَوْنَا أَنْ يَرْجِعَ عَقْلُهُ وَيُعَافِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَخَرَجَ أَبُوهُ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَجَعَلَ يَطُوفُ بِهِ وَيَدْعُو اللَّهَ لَهُ بِالْعَافِيَةِ وَهُوَ يَقُولُ دَعَا الْمَحْرُمُونَ اللَّهَ يَسْتَغْفِرُونَهُ ... بِمَكَّةَ وَهْنًا أَنْ سَتُمْحَى ذُنُوبُهَا وَنَادَيْتُ أَنْ يَا رَبِّ أَوَّلُ سُؤْلَتِي ... لِنَفْسِيَ لَيْلَى ثُمَّ أَنْتَ حَسِيبُهَا فَإِنْ أُعْطَ لَيْلَى فِي حَيَاتِيَ لَا يَتُبْ ... إِلَى اللَّهِ خَلْقٌ تَوْبَةً لَا أَتُوبُهَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَنَى نَادَى مُنَادٍ مِنْ تِلْكَ الْخِيَامِ يَا لَيْلَى فَخَرَّ قَيْسٌ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ وَنَضَحُوا عَلَى وَجْهِهِ الْمَاءَ وَأَبُوهُ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ ثُمَّ أَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى ... فَهَيَّجَ أَطْرَافَ الْفُؤَادِ وَمَا يَدْرِي دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا ... أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي

стр. 387

أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ وَغَيْثٍ الْبَاهِلِيِّ وَأَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ دَأْبٍ عَنْ رَبَاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ قَالَ خَرَجْتُ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِمِنَى إِذَا بِجَمَاعَةٍ عَلَى جَبَلٍ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ فَصَعَدْتُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا فِيهِمْ فَتَى أَبْيَضُ حَسَنُ الْوَجْهِ وَقَدْ عَلاهُ الصَّفَارُ وَبَدَنُهُ نَاحِلٌ وَهُمْ يَمْسِكُونَهُ فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا هَذَا قَيْسٌ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَجْنُونُ خَرَجَ بِهِ أَبُوهُ لَمَّا بُلِيَ بِهِ يَسْتَجِيرُ لَهُ بِبِيتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَقَبْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَهُ قُلْتُ لَهُمْ فَمَا لَكُمْ تُمْسِكُونَهُ قَالُوا نَخَافُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ جِنَايَةً تُتْلِفُهُ قَالَ وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ دَعَونِي أَتَنَسَّمُ صَبَا نَجْدٍ فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ لَيْسَ يَعْرِفُكَ فَلَوْ شِئْتَ دَنَوْتَ مِنْهُ فَأَخْبَرْتَهُ أَنَّكَ قَدْ قَدِمْتَ مِنْ نَجْدٍ وَأَخْبَرْتَهُ عَنْهَا قُلْتُ نَعَمْ أَفْعَلُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالُوا يَا قَيْسُ هَذَا رَجُلٌ قَدِمَ مِنْ نَجْدٍ قَالَ فَتَنَفَّسَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ كَبِدَهُ قَدْ تَصَدَّعَتْ ثُمَّ جَعَلَ يُسَائِلُنِي عَنْ مَوْضِعٍ مَوْضِعٍ وَوَادٍ وَادٍ فَأَنَا أُخْبِرُهُ وَهُوَ يَبْكِي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ أَلا حَبَّذَا نَجْدٌ وَطِيبُ تُرَابِهِ ... وَأَرْوَاحُهُ إِنْ كَانَ نَجْدٌ عَلَى الْعَهْدِ أَلا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ عُوَارِضَتَيْ قَنَا ... بِطُولِ اللَّيَالِي هَلْ تَغَيَّرَتَا بَعْدِي وَعَنْ جَارَتْيَنَا بِالْبَتِيلِ إِلَى الْحِمَى ... عَلَى عَهْدِنَا أَمْ لَمْ يَدُومَا عَلَى الْعَهْدِ وَعَنْ عُلُوِيَّاتِ الرِّيَاحِ إِذَا جَرَتْ ... بِرِيحِ الْخُزَامَى هَلْ تَهُبُّ عَلَى نَجْدِ وَعَنْ أُقْحَوَانِ الرَّمْلِ مَا هُوَ صَانِعٌ ... إِذَا هُوَ أَثْرَى لَيْلَةً بِثَرَى جَعْدِ

стр. 388

أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ الأَعْرَابِيُّ لَمَّا شَبَّبَ الْمَجْنُونُ بِلَيْلَى وَشَهَّرَ بِحُبِّهَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَمَنَعُوهُ مِنْ مُحَادَثَتِهَا وَزِيَارَتِهَا وَتَهَدَّدُوهُ وَأَوْعَدُوهُ بِالْقَتْلِ فَكَانَ يَأْتِي امْرَأَةً فَتَعْرِفُ لَهُ خَبَرَهَا فَنَهَوْا تِلْكَ الْمَرْأَةَ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ يَأْتِي غَفَلاتِ الْحَيِّ فِي اللَّيْلِ فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ خَرَجَ أَبُو لَيْلَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا يَنَالُهُمْ مِنْ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ وَسَأَلُوهُ الْكِتَابَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَيْهِمْ يَمْنَعُهُ مِنْ كِلامِ لَيْلَى فَكَتَبَ لَهُمْ مَرْوَانُ كِتَابًا إِلَى عَامِلِهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُحْضِرَ قَيْسًا وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ فِي تَرْكِ زِيَارَةِ لَيْلَى فَإِنْ أَصَابَهُ أَهْلُهَا عِنْدَهُمْ فَقَدْ أَهْدَرُوا دَمَهُ فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى عَامِلِهِ بَعَثَ إِلَى قَيْسٍ وَأَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَجَمَعَهُمْ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ مَرْوَانَ وَقَالَ لِقَيْسٍ اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ لَا يَذْهَبْ دَمُكَ هَدْرًا فَانْصَرَفَ قَيْسٌ وَهُوَ يَقُولُ أَلا حُجِبَتْ لَيْلَى وَآلَى أَمِيرُهَا ... عَلَيَّ يَمِينًا جَاهِدًا لَا أَزُورُهَا وَأَوْعَدَنِي فِيهَا رِجَالٌ أَبُوهُمْ ... أَبِي وَأَبُوهَا خُشِّنَتْ لِي صُدُورُهَا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّهَا ... وَأَنَّ فُؤَادِي عِنْدَ لَيْلَى أَسِيرُهَا فَلَمَّا أَيِسَ مِنْهَا وَعَلِمَ أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا صَارَ شَبِيهًا بِالتَّائِهِ الْعَقْلِ وَأَحَبَّ الْخُلْوَةَ وَحَدِيثَ النَّفْسِ وَتَزَايَدَ الأَمْرُ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ وَلَعِبَ بِالْحَصَا وَالتُّرَابِ وَلَمْ يَكُنْ

стр. 389

يَعْرِفُ شَيْئًا إِلا ذِكْرَهَا وَقَوْلُ الشِّعْرِ فِيهَا وَبَلَغَهَا مَا صَارَ إِلَيْهِ قَيْسٌ فَجَزِعَتْ أَيْضًا لِفُرَاقِهِ وَضَنِيَتْ ضَنًى شَدِيدًا أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاذٍ النُّمَيْرِيُّ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ اسْتَعْمَلَ رَجُلا مِنْ قَيْسٍ على صدقَات كَعْب ابْن رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ وَهُمْ قَيْسٌ وَالْحَرِيشُ وَجَعْدَةُ فَسَمِعَ بِخَبَرِ قَيْسِ بْنِ مُعَاذٍ وَهُوَ مَجْنُونُ بَنِي عَامِرٍ فَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ فَأُتِيَ بِهِ فَسَاءَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَاسْتَنْشَدَهُ فَأَنْشَدَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ وَقَالَ لَهُ الْزَمْنِي فَلَكَ أَنْ أَحْتَالَ لَكَ فِي أَمْرِ لَيْلَى حَتَّى أَجْمَعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا فَلازَمَهُ وَكَانَ يَأْتِيهِ فَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ وَكَانَ لَبَنِي عَامِرٍ مُجْتَمَعٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَكَانَ الْوَالِي يَخْرُجُ مَعَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ لِئَلا يَكُونَ بينهُمُ اخْتِلافٌ فَحَضَرَ الْوَقْتُ فَقَالَ قَيْسٌ لِلْوَالِي أَتَأْذَنُ لِي فِي الْخُرُوجِ مَعَكَ إِلَى هَذَا الْمُجْتَمَعِ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ رَهْطِ قَيْسٍ فَقَالُوا لَهُ إِنَّمَا سَأَلَكَ الْخُرُوجَ مَعَكَ لِيَرَى لَيْلَى وَيُكَلِّمَهَا وَقَدِ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِهَا وَأَهْدَرَ لهُمُ السُّلْطَانُ دَمَهُ إِنْ أَتَاهُمْ فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ مَنَعَهُ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِقَلائِصَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَرَدَّهَا وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ رَدَدْتُ قَلائِصَ الْقُرَشِيِّ لَمَّا ... بَدَا لِي النَّقْضُ مِنْهُ لِلْعُهُودِ سَعَوْا لِلْجَمْعِ ذَاكَ وَخَلَّفُونِي ... إِلَى حُزْنٍ أُعَالِجُهُ شَدِيدِ فَلَمَّا عَلِمَ قَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ وَأَنْ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا ذَهَبَ عَقْلُهُ وَصَارَ لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا إِلا خَرَقَهُ وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ عُرْيَانًا لَا يَعْقِلُ شَيْئًا مِمَّا يُكَلَّمُ بِهِ وَلا يُصَلِّي فَلَمَّا رَأَى أَبُوهُ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ خَافَ عَلَيْهِ التَّلَفَ فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ فَجَعَلَ يَأْكُلُ لَحْمَهُ وَيَضْرِبُ بِنَفْسِهِ الأَرْضَ

стр. 390

فَلَمَّا رَأَى أَبُوهُ ذَلِكَ حَلَّ قَيْدَهُ وَخَلَّاهُ فَكَانَ يَدُورُ فِي فَيَافِيهِمْ عُرْيَانًا وَيَلْعَبُ بِالتُّرَابِ وَكَانَتْ لَهُ دَايَةٌ لَمْ يَكُنْ يَأْنَسُ بِأَحَدٍ غَيْرَهَا وَكَانَتْ تَأْتِيَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِرَغِيفٍ وَمَاءٍ فَتَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرُبَّمَا أَكَلَهُ وَرُبَّمَا تَرَكَهُ وَلَمْ يَأْكُلْهُ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ السَّكَنِ عَنْ يُونُسَ النَّحْوِيِّ قَالَ لَمَّا اخْتَلَطَ قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ وَزَالَ عَقْلُهُ وَامْتَنَعَ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ صَارَتْ أُمُّهُ إِلَى لَيْلَى فَقَالَتْ لَهَا إِنَّ ابْنِي جُنَّ مِنْ أَجْلِكِ وَذَهَبَ حُبُّكِ بِعَقْلِهِ وَقَدِ امْتَنَعَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنْ رَأَيْتِ أَنْ تَصِيرِي مَعِي إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ إِذَا رَآكِ أَنْ يَسْكُنَ بَعْضُ مَا يَجِدُ فَقَالَتْ لَهَا أَمَّا نَهَارًا فَلا يُمْكِنُنِي ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَاءِ ذَلِكَ لَمْ آمَنْهُمْ عَلَى نَفْسِي وَلَكِنِّي سَأَصِيرُ إِلَيْهِ فِي اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ صَارَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مُطْرِقٌ يَهْذِي فَقَالَتْ لَهُ يَا قَيْسُ إِنَّ أُمَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي وَأَصَابَكَ مَا أَصَابَكَ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَتَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ قَالَتْ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي فَقُلْتُ لَهَا ... الْحُبُّ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ الْحُبُّ لَيْسَ يُفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ ... وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى زِيَادَةٌ لَوْ تَعْلَمِينَ إِذَا مَا غِبْتِ مَا سَقَمِي ... وَكَيْفَ تَسْهَرُ عَيْنِي لَمْ يَلُومُونِي أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ
следующие страницы →