Полный текст (671 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَدَائِبٌ ... أَفُكِّرُ مَا جُرْمِي إِلَيْهَا فَأَعْجَبُ
قَالَ فَبَلَغَهَا قَوْلُهُ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ صَدَقَ وَاللَّهِ قَيْسٌ حَيْثُ يَقُولُ
وَمَنْ يُطِعِ الْوَاشِينَ لَا يَتْرُكُوا لَهُ ... صَدِيقًا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُقَرَّبَا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ لَمَّا ظَهَرَ مِنَ الْمَجْنُونِ مَا ظَهَرَ وَرَأَى قَوْمُهُ مَا ابْتُلِيَ بِهِ اجْتَمَعَ قَوْمُهُ إِلَى أَبِيهِ وَقَالُوا يَا هَذَا قَدْ تَرَى مَا ابْتُلِيَ بِهِ ابْنُكَ فَلَوْ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَعَادَ بِبِيتِ اللَّهِ وَزَارَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَا اللَّهَ رَجَوْنَا أَنْ يَرْجِعَ عَقْلُهُ وَيُعَافِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَخَرَجَ أَبُوهُ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَجَعَلَ يَطُوفُ بِهِ وَيَدْعُو اللَّهَ لَهُ بِالْعَافِيَةِ وَهُوَ يَقُولُ
دَعَا الْمَحْرُمُونَ اللَّهَ يَسْتَغْفِرُونَهُ ... بِمَكَّةَ وَهْنًا أَنْ سَتُمْحَى ذُنُوبُهَا
وَنَادَيْتُ أَنْ يَا رَبِّ أَوَّلُ سُؤْلَتِي ... لِنَفْسِيَ لَيْلَى ثُمَّ أَنْتَ حَسِيبُهَا
فَإِنْ أُعْطَ لَيْلَى فِي حَيَاتِيَ لَا يَتُبْ ... إِلَى اللَّهِ خَلْقٌ تَوْبَةً لَا أَتُوبُهَا
حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَنَى نَادَى مُنَادٍ مِنْ تِلْكَ الْخِيَامِ يَا لَيْلَى فَخَرَّ قَيْسٌ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ وَنَضَحُوا عَلَى وَجْهِهِ الْمَاءَ وَأَبُوهُ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ ثُمَّ أَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ
وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى ... فَهَيَّجَ أَطْرَافَ الْفُؤَادِ وَمَا يَدْرِي
دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا ... أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي
стр. 387
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ وَغَيْثٍ الْبَاهِلِيِّ وَأَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ دَأْبٍ عَنْ رَبَاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ قَالَ خَرَجْتُ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِمِنَى إِذَا بِجَمَاعَةٍ عَلَى جَبَلٍ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ فَصَعَدْتُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا فِيهِمْ فَتَى أَبْيَضُ حَسَنُ الْوَجْهِ وَقَدْ عَلاهُ الصَّفَارُ وَبَدَنُهُ نَاحِلٌ وَهُمْ يَمْسِكُونَهُ
فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا هَذَا قَيْسٌ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَجْنُونُ خَرَجَ بِهِ أَبُوهُ لَمَّا بُلِيَ بِهِ يَسْتَجِيرُ لَهُ بِبِيتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَقَبْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَهُ
قُلْتُ لَهُمْ فَمَا لَكُمْ تُمْسِكُونَهُ قَالُوا نَخَافُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ جِنَايَةً تُتْلِفُهُ قَالَ وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ دَعَونِي أَتَنَسَّمُ صَبَا نَجْدٍ فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ لَيْسَ يَعْرِفُكَ فَلَوْ شِئْتَ دَنَوْتَ مِنْهُ فَأَخْبَرْتَهُ أَنَّكَ قَدْ قَدِمْتَ مِنْ نَجْدٍ وَأَخْبَرْتَهُ عَنْهَا قُلْتُ نَعَمْ أَفْعَلُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالُوا يَا قَيْسُ هَذَا رَجُلٌ قَدِمَ مِنْ نَجْدٍ قَالَ فَتَنَفَّسَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ كَبِدَهُ قَدْ تَصَدَّعَتْ ثُمَّ جَعَلَ يُسَائِلُنِي عَنْ مَوْضِعٍ مَوْضِعٍ وَوَادٍ وَادٍ فَأَنَا أُخْبِرُهُ وَهُوَ يَبْكِي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
أَلا حَبَّذَا نَجْدٌ وَطِيبُ تُرَابِهِ ... وَأَرْوَاحُهُ إِنْ كَانَ نَجْدٌ عَلَى الْعَهْدِ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ عُوَارِضَتَيْ قَنَا ... بِطُولِ اللَّيَالِي هَلْ تَغَيَّرَتَا بَعْدِي وَعَنْ جَارَتْيَنَا بِالْبَتِيلِ إِلَى الْحِمَى ... عَلَى عَهْدِنَا أَمْ لَمْ يَدُومَا عَلَى الْعَهْدِ وَعَنْ عُلُوِيَّاتِ الرِّيَاحِ إِذَا جَرَتْ ... بِرِيحِ الْخُزَامَى هَلْ تَهُبُّ عَلَى نَجْدِ
وَعَنْ أُقْحَوَانِ الرَّمْلِ مَا هُوَ صَانِعٌ ... إِذَا هُوَ أَثْرَى لَيْلَةً بِثَرَى جَعْدِ
стр. 388
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ الأَعْرَابِيُّ لَمَّا شَبَّبَ الْمَجْنُونُ بِلَيْلَى وَشَهَّرَ بِحُبِّهَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَمَنَعُوهُ مِنْ مُحَادَثَتِهَا وَزِيَارَتِهَا وَتَهَدَّدُوهُ وَأَوْعَدُوهُ بِالْقَتْلِ فَكَانَ يَأْتِي امْرَأَةً فَتَعْرِفُ لَهُ خَبَرَهَا فَنَهَوْا تِلْكَ الْمَرْأَةَ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ يَأْتِي غَفَلاتِ الْحَيِّ فِي اللَّيْلِ
فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ خَرَجَ أَبُو لَيْلَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا يَنَالُهُمْ مِنْ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ وَسَأَلُوهُ الْكِتَابَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَيْهِمْ يَمْنَعُهُ مِنْ كِلامِ لَيْلَى
فَكَتَبَ لَهُمْ مَرْوَانُ كِتَابًا إِلَى عَامِلِهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُحْضِرَ قَيْسًا وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ فِي تَرْكِ زِيَارَةِ لَيْلَى فَإِنْ أَصَابَهُ أَهْلُهَا عِنْدَهُمْ فَقَدْ أَهْدَرُوا دَمَهُ
فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى عَامِلِهِ بَعَثَ إِلَى قَيْسٍ وَأَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَجَمَعَهُمْ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ مَرْوَانَ وَقَالَ لِقَيْسٍ اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ لَا يَذْهَبْ دَمُكَ هَدْرًا فَانْصَرَفَ قَيْسٌ وَهُوَ يَقُولُ
أَلا حُجِبَتْ لَيْلَى وَآلَى أَمِيرُهَا ... عَلَيَّ يَمِينًا جَاهِدًا لَا أَزُورُهَا
وَأَوْعَدَنِي فِيهَا رِجَالٌ أَبُوهُمْ ... أَبِي وَأَبُوهَا خُشِّنَتْ لِي صُدُورُهَا
عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّهَا ... وَأَنَّ فُؤَادِي عِنْدَ لَيْلَى أَسِيرُهَا
فَلَمَّا أَيِسَ مِنْهَا وَعَلِمَ أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا صَارَ شَبِيهًا بِالتَّائِهِ الْعَقْلِ وَأَحَبَّ الْخُلْوَةَ وَحَدِيثَ النَّفْسِ وَتَزَايَدَ الأَمْرُ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ وَلَعِبَ بِالْحَصَا وَالتُّرَابِ وَلَمْ يَكُنْ
стр. 389
يَعْرِفُ شَيْئًا إِلا ذِكْرَهَا وَقَوْلُ الشِّعْرِ فِيهَا وَبَلَغَهَا مَا صَارَ إِلَيْهِ قَيْسٌ فَجَزِعَتْ أَيْضًا لِفُرَاقِهِ وَضَنِيَتْ ضَنًى شَدِيدًا
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاذٍ النُّمَيْرِيُّ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ اسْتَعْمَلَ رَجُلا مِنْ قَيْسٍ على صدقَات كَعْب ابْن رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ وَهُمْ قَيْسٌ وَالْحَرِيشُ وَجَعْدَةُ فَسَمِعَ بِخَبَرِ قَيْسِ بْنِ مُعَاذٍ وَهُوَ مَجْنُونُ بَنِي عَامِرٍ فَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ فَأُتِيَ بِهِ فَسَاءَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَاسْتَنْشَدَهُ فَأَنْشَدَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ وَقَالَ لَهُ الْزَمْنِي فَلَكَ أَنْ أَحْتَالَ لَكَ فِي أَمْرِ لَيْلَى حَتَّى أَجْمَعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا فَلازَمَهُ وَكَانَ يَأْتِيهِ فَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ
وَكَانَ لَبَنِي عَامِرٍ مُجْتَمَعٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَكَانَ الْوَالِي يَخْرُجُ مَعَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ لِئَلا يَكُونَ بينهُمُ اخْتِلافٌ فَحَضَرَ الْوَقْتُ فَقَالَ قَيْسٌ لِلْوَالِي أَتَأْذَنُ لِي فِي الْخُرُوجِ مَعَكَ إِلَى هَذَا الْمُجْتَمَعِ فَأَذِنَ لَهُ
فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ رَهْطِ قَيْسٍ فَقَالُوا لَهُ إِنَّمَا سَأَلَكَ الْخُرُوجَ مَعَكَ لِيَرَى لَيْلَى وَيُكَلِّمَهَا وَقَدِ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِهَا وَأَهْدَرَ لهُمُ السُّلْطَانُ دَمَهُ إِنْ أَتَاهُمْ فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ مَنَعَهُ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِقَلائِصَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَرَدَّهَا وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ
رَدَدْتُ قَلائِصَ الْقُرَشِيِّ لَمَّا ... بَدَا لِي النَّقْضُ مِنْهُ لِلْعُهُودِ
سَعَوْا لِلْجَمْعِ ذَاكَ وَخَلَّفُونِي ... إِلَى حُزْنٍ أُعَالِجُهُ شَدِيدِ
فَلَمَّا عَلِمَ قَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ وَأَنْ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا ذَهَبَ عَقْلُهُ وَصَارَ لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا إِلا خَرَقَهُ وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ عُرْيَانًا لَا يَعْقِلُ شَيْئًا مِمَّا يُكَلَّمُ بِهِ وَلا يُصَلِّي فَلَمَّا رَأَى أَبُوهُ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ خَافَ عَلَيْهِ التَّلَفَ فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ فَجَعَلَ يَأْكُلُ لَحْمَهُ وَيَضْرِبُ بِنَفْسِهِ الأَرْضَ
стр. 390
فَلَمَّا رَأَى أَبُوهُ ذَلِكَ حَلَّ قَيْدَهُ وَخَلَّاهُ فَكَانَ يَدُورُ فِي فَيَافِيهِمْ عُرْيَانًا وَيَلْعَبُ بِالتُّرَابِ وَكَانَتْ لَهُ دَايَةٌ لَمْ يَكُنْ يَأْنَسُ بِأَحَدٍ غَيْرَهَا وَكَانَتْ تَأْتِيَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِرَغِيفٍ وَمَاءٍ فَتَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرُبَّمَا أَكَلَهُ وَرُبَّمَا تَرَكَهُ وَلَمْ يَأْكُلْهُ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ السَّكَنِ عَنْ يُونُسَ النَّحْوِيِّ قَالَ لَمَّا اخْتَلَطَ قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ وَزَالَ عَقْلُهُ وَامْتَنَعَ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ صَارَتْ أُمُّهُ إِلَى لَيْلَى فَقَالَتْ لَهَا إِنَّ ابْنِي جُنَّ مِنْ أَجْلِكِ وَذَهَبَ حُبُّكِ بِعَقْلِهِ وَقَدِ امْتَنَعَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنْ رَأَيْتِ أَنْ تَصِيرِي مَعِي إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ إِذَا رَآكِ أَنْ يَسْكُنَ بَعْضُ مَا يَجِدُ فَقَالَتْ لَهَا أَمَّا نَهَارًا فَلا يُمْكِنُنِي ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَاءِ ذَلِكَ لَمْ آمَنْهُمْ عَلَى نَفْسِي وَلَكِنِّي سَأَصِيرُ إِلَيْهِ فِي اللَّيْلِ
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ صَارَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مُطْرِقٌ يَهْذِي فَقَالَتْ لَهُ يَا قَيْسُ إِنَّ أُمَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي وَأَصَابَكَ مَا أَصَابَكَ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَتَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
قَالَتْ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي فَقُلْتُ لَهَا ... الْحُبُّ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ
الْحُبُّ لَيْسَ يُفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ ... وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى زِيَادَةٌ
لَوْ تَعْلَمِينَ إِذَا مَا غِبْتِ مَا سَقَمِي ... وَكَيْفَ تَسْهَرُ عَيْنِي لَمْ يَلُومُونِي
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ
стр. 391
أَبِيهِ قَالَ وَلِيَ نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقٍ صَدَقَاتِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ فَنَزَلَ بِمَجْمَعٍ مِنْ تِلْكَ الْمَجَامِعِ فَرَأَى قَيْسَ بْنَ مُعَاذٍ الْمَجْنُونَ وَهُوَ يَلْعَبُ بِالتُّرَابِ فَدَنَا مِنْهُ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ يُجِيبُهُ بِخِلافِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهِ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُكَلِمَكَ كَلامًا صَحِيحًا فَاذْكُرْ لَهُ لَيْلَى فَقَالَ لَهُ نَوْفَلُ أَتُحِبُّ لَيْلَى قَالَ نَعَمْ قَالَ فَحَدِّثْنِي حَدِيثَكَ مَعَهَا قَالَ فَجَعَلَ يَنْشُدُهُ شِعْرَهُ فِيهَا فَأَنْشَأَ يَقُولُ
وَشُغِلْتُ عَنْ فَهْمِ الْحَدِيثِ سِوَى ... مَا كَانَ فِيكِ فَأَنْتُمْ شُغُلِي
وَأُدِيمُ نَحْوَ مُحَدِّثِي لِيَرَى ... أَنْ قَدْ فَهِمْتُ وَعِنْدَكُمْ عَقْلِي
وَأَنْشَدَ
سَرَتْ فِي سَوَادِ الْقَلْبِ حَتَّى إِذَا انْتَهَى ... بِهَا السَّيْرُ وَارْتَادَتْ حِمَى الْقَلْبِ حَلَّتِ
فَلِلْعَيْنِ تِسْكَابٌ إِذَا الْقَلْبُ مَلَّهَا ... وَلِلْقَلْبِ وِسْوَاسٌ إِذَا الْعَيْنِ مَلَّتِ
وَوَاللَّهِ مَا فِي الْقَلْبِ شَيْءٌ مِنَ الْهَوَى ... لأُخْرَى سِوَاهَا أَكْثَرَتْ أَمْ أَقَلَّتِ
وَأَنْشَدَ
ذَكَرْتُ عَشِيَةَ الصَّدَفَيْنِ لَيْلَى ... وَكُلَّ الدَّهْرِ ذِكْرَاهَا جَدِيدُ
عَلَيَّ أَلِيَّةٌ إِنْ كُنْتُ أَدْرِي ... أَيَنْقُصُ حُبَّ لَيْلَى أَمْ يَزِيدُ
فَلَمَّا رَأَى نَوْفَلُ ذَلِكَ مِنْهُ أَدْخَلَهُ بَيْتًا وَقَيَّدَهُ وَقَالَ أُعَالِجُهُ فَأَكَلَ لَحْمَ ذَرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ فَحَلَّهُ وَأَخْرَجَهُ
فَكَانَ يَأْوِي مَعَ الْوُحُوشِ وَكَانَ لَهُ دَايَةٌ رَبَّتْهُ صَغِيرًا وَكَانَ لَا يَأْلَفُ غَيْرُهَا وَلا يَقْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ سِوَاهَا فَكَانَتْ تَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ فِي الْبَادِيَةِ وَتَحْمِلُ لَهُ الْخُبْزَ وَالْمَاءَ فَرُبَّمَا أَكَلَ بَعْضَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يَأْكُلْ
стр. 392
فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ ابْن مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاذٍ النُّمَيْرِيُّ قَالَ لَقِيَ مَجْنُونَ بَنِي عَامر الْأَحْوَص ابْن مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ لَهُ حَدَّثَنِي حَدِيثَ عُرْوَةَ بْنِ حُزَامٍ قَالَ فَجَعَلَ الأَحْوَصُ يُحَدِّثُهُ وَهُوَ يَسْمَعُ حَتَّى فَرِغَ مِنْ حَدِيثِهِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
عَجِبْتُ لِعُرْوَةَ الْعُذِرِيِّ أَمْسَى ... أَحَادِيثًا لَقَوْمٍ بَعْدَ قَوْمِ
وَعُرْوَةُ مَاتَ يَوْمًا مُسْتَرِيحًا ... وَهَأَنَذَا أَمُوتُ بِكُلِّ يَوْمِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّالَقَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى الأَزْدِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ دَخَلَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَجَعَلَ يَنْشُدُهُ شِعْرًا فِي عَزَّةَ وَعَيْنَاهُ تَذْرُفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا كُثَيِّرُ هَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا أَعْشَقَ مِنْكَ قَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجْتُ مَرَّةً أَسِيرُ فِي الْبَادِيَةِ عَلَى بَعِيرٍ لِي يُوضَعُ فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ رَفَعَ لِي شَخْصٌ فَأَمَمْتُهُ فَإِذَا رجل قد نصب شركا للطباء وَقَعَدَ بَعِيدًا مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ فَقُلْتُ لَهُ مَا أجلسك هَا هُنَا فَقَالَ نَصَبْتُ شَرَكًا لِلظِّبَاءِ فَأَنَا أَرْصُدُهُ فَقُلْتُ إِنْ أَقَمْتُ لَدَيْكَ فِصِدْتَ أَطْعَمْتَنِي فَقَالَ إِيهًا وَاللَّهِ
стр. 393
قَالَ فَنَزَلْتُ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي وَجَلَسْتُ أُحَدِّثُهُ فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ خَلْقِ اللَّهِ حَدِيثًا وَأَرَقُّهُ وَأَجْزَلُهُ
قَالَ فَمَا لَبِثْنَا أَنْ وَقَعَتْ ظِبْيَةٌ فِي الشَّرَكِ فَوَثَبَ وَوَثَبْتُ مَعَهُ فَخَلَّصَهَا مِنَ الْحَبَائِلِ ثُمَّ نَظَرَ فِي وَجْهِهَا مَلِيًّا ثُمَّ أَطْلَقَهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ
أَيَا شِبْهَ لَيْلَى لَنْ تُرَاعِي فَإِنَّنِي ... لَكَ الْيَوْمَ مِنْ بَيْنَ الْوُحُوشِ صَدِيقُ
وَيَا شِبْهَ لَيْلَى لَنْ تَزَالِي بِرَوْضَةٍ ... عَلَيْكِ سَحَابٌ دَائِمٌ وَبُرُوقُ
فَمَا أَنَا إِذْ أَشْبَهْتِهَا ثُمَّ لَمْ تَؤُبْ ... سَلِيمًا عَلَيْهَا فِي الْحَيَاةِ شَفِيقُ
فَفِرِّ فَقَدْ أَطْلَقْتُ عَنْكِ لِحُبِّهَا ... فَأَنْتِ لِلَيْلَى مَا حَيِيتُ طَلِيقُ
ثُمَّ أَصْلَحَ شَرَكَهُ وَعُدْنَا إِلَى مَوْضِعِنَا
فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْرِفَ أَمْرَ هَذَا الرَّجُلِ فَأَقَمْنَا بَاقِي يَوْمِنَا فَلَمْ يَقَعْ لَنَا شَيْءٌ فَلَمَّا أَمْسَيْنَا قَامَ إِلَى غَارٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ وَقُمْتُ مَعَهُ فَبِتْنَا بِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا فَنَصَبَ شَرَكَهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ وَقَعَتْ ظِبْيَةٌ شَبِيهَةٌ بِأُخْتِهَا بِالأَمْسِ فَوَثَبَ إِلَيْهَا وَوَثَبْتُ مَعَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا مِنَ الشَّرَكِ وَنَظَرَ فِي وَجْهِهَا مَلِيًّا ثُمَّ أَطْلَقَهَا فَمَرَّتْ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
اذْهَبِي فِي كَلاءَةِ الرَّحْمَنِ ... أَنْتِ مِنِّي فِي ذِمَّةٍ وَأَمَانِ
تُرْهِبِينِي وَالْجِيدُ مِنْكِ لِلَيْلَى ... وَالْحَشَا وَالْبُغَامُ وَالْعَيْنَانِ
لَا تَخَافِي بِأَنْ تُهَاجِي بِسُوءٍ ... مَا تَغَنَّى الْحَمَامُ فِي الأَغْصَانِ
стр. 394
ثُمَّ عُدْنَا إِلَى مَوْضِعِنَا فَلَمْ يَقَعْ يَوْمَنَا ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَمَّا أَمْسَيْنَا صِرْنَا إِلَى الْغَارِ فَبِتْنَا فِيهِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَا إِلَى شَرَكَهِ وَغَدَوْتُ مَعَهُ فَنَصَبَهُ وَقَعَدْنَا نَتَحَدَّثُ وَقَدْ شَغَلَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِحُسْنِ حَدِيثِهِ عَنِ الْجُوعِ فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَحَدَّثُ إِذْ وَقَعَتْ فِي الشَّرَكِ ظِبْيَةٌ فَوَثَبَ إِلَيْهَا وَوَثَبْتُ مَعَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا مِنَ الشَّرَكِ ثُمَّ نَظَرَ فِي وَجْهِهَا وَأَرَادَ أَنْ يُطْلِقَهَا فَقَبَضْتُ عَلَى يَدِهِ وَقُلْتُ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَعْمَلَ أَقَمْتُ لَدَيْكَ ثَلاثًا كُلَّمَا صِدْتَ شَيْئًا أَطْلَقْتُهُ قَالَ فَنَظَرَ فِي وَجْهِي وَعَيْنَاهُ تَذْرُفَانِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
أَتَلْحَى مُحِبًّا هَائِمَ الْقَلْبِ أَنْ رَأَى ... شَبِيهًا لِمَنْ يَهْوَاهُ فِي الْحَبْلِ مُوثَقَا
فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ تَذَكَّرَ شَجْوَهُ ... وَذَكَّرَهُ مَنْ قَدْ نَأَى فَتَشَوَّقَا
فَرِحِمْتُهُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَكَيْتُ لِبُكَائِهِ وَنَسَبْتُهُ فَإِذا هُوَ قيس ابْن مُعَاذٍ الْمَجْنُونُ
فَذَاكَ وَاللَّهِ أَعْشَقُ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ عَنِ الْعُمَرِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ أَنبأَنَا عُثْمَان ابْن عُمَارَةَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ مِنْ بَنِي مُرَّةَ قَالَ رَحَلَ رَجُلٌ مِنَّا إِلَى نَاحِيَةِ الشَّامِ مِمَّا يَلِي تَيْمَاءَ وَالشَّرَاةَ فِي طَلَبِ بُغْيَةٍ لَهُ فَإِذَا هُوَ بِخَيْمَةٍ قَدْ رُفِعَتْ لَهُ وَقَدْ أَصَابَهُ مَطَرٌ فَعَدَلَ إِلَيْهَا فَتَنَحْنَحَ فَإِذَا امْرَأَةٌ قَدْ كَلَّمَتْهُ فَقَالَتْ لَهُ انْزِلْ فَنَزَلَ وَرَاحَتْ إِبِلُهُمْ وَغَنَمُهُمْ فَإِذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ وَإِذَا رِعَاءٌ كَثِيرٌ فَقَالَتْ لِبَعْضِ الْعَبِيدِ سَلُوا هَذَا الرَّجُلَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ فَقُلْتُ مِنْ نَاحِيَةِ الْيَمَامَةِ وَنَجْدٍ فَقَالَتْ أَيَّ بِلادِ نَجْدٍ وَطِئْتَ فَقُلْتُ كُلَّهَا فَقَالَتْ عِنْدَ مَنْ نَزَلْتَ هُنَاكَ قلت ببني عَامر فتنتفست الصَّعْدَاءَ وَقَالَتْ بِأَيِّ بَنِي عَامِرٍ فَقُلْتُ بِبَنِي الْحَرِيشِ فَاسْتَعْبَرَتْ ثُمَّ
стр. 395
قَالَتْ هَلْ سَمِعْتَ بِذِكْرِ فَتًى يُقَالُ لَهُ قَيْسٌ وَيُلَقَّبُ بِالْمَجْنُونِ فَقُلْتُ إِي وَاللَّهِ وَنَزَلْتُ بِأَبِيهِ وَأَتَيْتُهُ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ يَهِيمُ فِي تِلْكَ الْفَيَافِي وَيَكُونُ مَعَ الْوُحُوشِ لَا يَعْقِلُ وَلا يَفْهَمُ إِلا أَنْ تُذْكَرَ لَهُ لَيْلَى فَيَبْكِي وَيُنْشِدُ أَشْعَارًا يَقُولُهَا فِيهَا قَالَ فَرَفَعَتِ السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا فَإِذَا شَقَّةُ قَمَرٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهَا فَبَكَتْ وَانْتَحَبَتْ حَتَّى ظَنَنْتُ وَاللَّهِ
أَنَّ قَلْبَهَا قَدِ انْصَدَعَ
فَقُلْتُ لَهَا أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ اتَّقِي اللَّهَ فَوَاللَّهِ مَا قُلْتُ بَأْسًا فَمَكَثَتْ طَوِيلا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنَ الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ ثُمَّ قَالَتْ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي وَالْخُطُوبُ كَثِيرَةٌ ... مَتَى رَحْلُ قَيْسٍ مُسْتَقِلٌّ فَرَاجِعُ
بِنَفْسِيَ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِرَحْلِهِ ... وَمَنْ هُوَ إِنْ لَمْ يَحْفَظِ اللَّهَ ضَائِعُ
ثُمَّ بَكَتْ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَفَاقَتْ قُلْتُ مَنْ أَنْتِ يَا أَمَةَ اللَّهِ قَالَتْ أَنَا لَيْلَى الْمَشْئُومَةُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُسَاعِدَةِ لَهُ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ الْخَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مُصْعَبٍ قَالَ خَرَجَ الْمَجْنُونُ مَعَ قوم فِي سفر فبيناهم يَسِيرُونَ إِذْ تَشَعَبَّتْ لَهُمْ طَرِيقٌ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ لَيْلَى فَقَالَ الْمَجْنُونُ لأَصْحَابِهِ إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَحُطُّوا وَتَرْعَوْا وَتَنْتَظِرُونِي حَتَّى آتِي الْمَاءَ فَأَبَوْا عَلَيْهِ وعذلوه فَقَالَ لَهُم أنْشدكُمْ الله لَوْ أَنَّ رَجُلا صَحِبَكُمْ وَتَحَرَّمَ بكم فأضل بعيره أَكُنْتُم مقميين عَلَيْهِ يَوْمًا حَتَّى يَطْلُبَ بَعِيرَهُ قَالُوا نَعَمْ فَقَالَ فَوَاللَّهِ لَلَيْلَى أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْبَعِيرِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
أَأَتْرُكُ لَيْلَى لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... سِوَى لَيْلَةٍ إِنِّي إِذَنْ لَصَبُورُ
هِبُونِي امْرأَ مِنْكُمْ أَضَلَّ بَعِيرَهُ ... لَهُ ذِمَّةٌ إِنَّ الذمام كَبِير
стр. 396
وللصاحب لامتروك أَعْظَمُ حُرْمَةً ... عَلَى صَاحِبٍ مِنْ أَنْ يَضِلَّ بَعِيرُ
عَفَا اللَّهُ عَنْ لَيْلَى الْغَدَاةَ فَإِنَّهَا ... إِذَا وَلِيَتْ حُكْمًا عَلَيَّ تَجُورُ
قَالَ فَأَقَامُوا عَلَيْهِ حَتَّى مَضَى وَرَجَعَ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو غَالِبِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ قَالَ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ خَرَجَ الْمَجْنُونُ فِي عِدَّةٍ مِنْ قَوْمِهِ يُرِيدُونَ سَفَرًا لَهُمْ فَمَرُّوا فِي طَرِيقٍ يَتَشَعَّبُ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا يَنْزِلُهُ رَهْطُ لَيْلَى وَفِيهِ زِيَادَةُ مَرْحَلَةٍ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوا مَعَهُ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ فَأَبَوْا فَمَضَى وَحْدَهُ وَقَالَ أَأَتْرُكُ لَيْلَى فَذَكَرَ الأَبْيَاتَ
وَقَدْ رَوَى الْعُتْبِيُّ قَالَ مَرَّ الْمَجْنُونُ يَوْمًا بِزَوْجِ لَيْلَى وَهُوَ جَالِسٍ يَصْطَلِي فِي يَوْمٍ شَاتٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ
بِرَبِّكَ هَلْ ضَمَمْتَ إِلَيْكَ لَيْلَى ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ أَوْ قَبَّلْتَ فَاهَا
وَهَلْ رَفَّتْ عَلَيْكَ قُرُونُ لَيْلَى ... رَفِيفَ الأَقْحَوَانَةِ فِي نَدَاهَا
فَقَالَ اللَّهُمَّ إِذْ حَلَّفْتَنِي فَنعم فَقبض الْمَجْنُون بكلتي يَدَيْهِ قَبْضَةً مِنَ الْجَمْرِ فَمَا فَارَقَهَا حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَسَقَطَ الْجَمْرُ مَعَ لَحْمِ رَاحَتَيْهِ
стр. 397
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ رُزَامٍ قَالَ وَفَدَ فَتًى مِنْ نَهْدٍ يُقَالُ لَهُ صَبَاحُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الْمُلَوَّحِ أَبِي قَيْسٍ الْمَجْنُونِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَخَبَّرَهُ بِنَسَبِهِ وَقَالَ لَهُ إِنِّي قَدْ وَفَدْتُ مِنْ بَلَدِي لأَنْظُرَ إِلَى قَيْسٍ وَأَسْمَعُ مِنْ شِعْرِهِ فَمَا فَعَلَ
فَبَكَى الشَّيْخُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ سَكَنَ وَقَالَ أَنَّى لَكَ بِقَيْسٍ إِنَّ قَيْسًا عَشِقَ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ وَإِنَّهُ جُنَّ عَلَى رَأْسِهَا فَهُوَ لَا يَأْنَسُ بِأَحِدٍ يَرِدُ مَعَ الْوُحُوشِ يَوْمَ وُرُودِهَا وَيَصْدِرُ مَعَهَا إِذَا صَدَرَتْ وَلَكِن هَا هُنَا شَابٌّ يَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَهُوَ يَأْنَسُ بِهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَقُولُ وَقَدْ حَفِظَ لَهُ قَصِيدَةً يُقَالُ لَهَا الْمُؤْنِسَةُ فَإِذَا أَنْشَدَهُ إِيَّاهَا أَنِسَ بِهِ وَحَدَّثَهُ فَإِنْ شِئْتَ فَصِرْ إِلَيْهِ
قَالَ صَبَاحُ فَصِرْتُ إِلَى الْفَتَى فَرَحَّبَ بِي وَسَأَلَنِي عَنْ حَالِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لِي أَتَرْوِي لِقَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ شَيْئًا فَإِنَّ الْمَجْنُونَ مُسْتَهْتِرٌ بِشِعْرِهِ قُلْتُ أَنَا أَحْفَظُ النَّاسِ لِشِعْرِ قَيْسٍ قَالَ فَصِرْ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَاطْلُبُهُ فِي تِلْكَ الْفَيَافِي فَإِنَّكَ تَجِدْهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا رَآكَ سَوْفَ يَنْفِرُ مِنْكَ وَيَهْوِي إِلَيْكَ بِحَجَرٍ فَلا يَهُولَنَّكَ وَاقْعُدْ كَأَنَّكَ لَا تُرِيدُهُ فَإِذَا رَأَيْتَهُ قَدْ سَكَنَ فَاذْكُرْ لَهُ لَيْلَى فَإِنَّهُ سَيَرْجِعُ إِلَى عَقْلِهِ وَيُرَاجِعُ صِحَّتَهُ وَيُحَدِّثُكَ عَنْ حَالِهِ ثُمَّ أَنْشِدْهُ مِنْ شَعْرِ قَيْسٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ مَشْغُوفٌ بِهِ
стр. 398
قَالَ صَبَاحُ فَفَعَلْتُ الَّذِي أَوْصَانِي بِهِ الْفَتَى وَلَمْ أَزَلْ أَطْلُبُهُ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عُرْيَانٍ قَدْ سَقَطَ شَعْرُ رَأْسِهِ عَلَى حَاجِبَيْهِ وَإِذَا هُوَ قَدْ حَظَرَ حَظِيرَةً مِنْ تُرَابٍ وَهُوَ قَاعِدٌ فِي وَسَطِهَا وَإِلَى جَانِبِهِ أَحْجَارٌ وَهُوَ يُخَطِّطُ بِإِصْبِعِهِ فِي الأَرْضِ فَلَمَّا رَآنِي أَهْوَى إِلَى حَجَرٍ وَوَثَبَ لِيَقُومَ فَقَعَدْتُ نَاحِيَةً أَرْمِي بِبَصَرِي إِلَى غَيْرِهِ وَلا أَحْفَلُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ إِلَى عَبَثِهِ وَتَخْطِيطِهِ فَقُلْتُ لَهُ أَتَعْرِفُ لَيْلَى قَالَ بِأَبِي وَاللَّهِ هِيَ فَكَيْفَ لَا أَعْرِفُهَا
قُلْتُ لِلَّهِ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ حَيْثُ يَقُولُ
وَإِنِّي لَمُفْنِ دَمْعَ عَيْنِيَ بِالْبُكَا ... حَذَارًا لِمَا قَدْ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنُ
وَقَالُوا غَدًا أَوْ بَعْدَ ذَاكَ بِلَيْلَةٍ ... فِرَاقُ حَبِيبٍ لَمْ يَبِنْ وَهُوَ بَائِنُ
وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مَنِيَّتِي ... بِكَفَّيْكِ إِلا أَنَّ مَا حُمَّ حَائِنُ
فَقَالَ أَنَا وَاللَّهِ أَشْعَرُ مِنْهُ حَيْثُ أَقُولُ
نَعَبَ الْغُرَابُ بِبِينَ لَيْلَى إِنَّهُ ... كَانَ الْكِتَابُ بِبَيْنِهِمْ مَخْطُوطَا
أَصْبَحْتُ مِنْ أَهْلِي الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ ... كَالسَّهْمِ أَصْبَحَ رِيشُهُ مَمْرُوطَا
ثُمَّ وَثَبَ مُسْرِعًا إِلَى ظِبَاءٍ سَنَحَتْ لَهُ فَغَابَ عَنِّي فَتَبِعْتُهُ فَجَعَلْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ فَمَا وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ غَدَوْتُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَجَعَلْتُ أَطُوفُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْفَيَافِي حَتَّى إِذَا جَنَّنِي اللَّيْلُ انْصَرَفْتُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ طَلَبْتُهُ فَإِذَا أَنَا بِهِ عُرَيَانٌ بَيْنَ أَحْجَارٍ مَيِّتٌ
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ رَجُلا مِنْ
стр. 399
أَهْلِ الشَّامِ كَانَ لَهُ أَدَبٌ وَإِنَّهُ ذُكِرَ لَهُ الْمَجْنُونُ فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ فَأَحَبَّ أَنْ يَرَاهُ وَأَنْ يَسْمَعَ مِنْ شِعْرِهِ فَخَرَجَ يُرِيدُهُ حَتَّى إِذَا صَارَ إِلَى حَيِّهِ سَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَا يُؤْوِيهِ مَكَانٌ وَأَنَّهُ يَكُونُ مَعَ الْوَحْشِ قَالَ فَكَيْفَ لِي بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ قِيلَ إِنَّهُ لَا يَقِفُ لأَحَدٍ حَتَّى يُكَلِّمَهُ إِلا لِدَايَةٍ لَهُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ رَبَّتْهُ فَكَلَّمَ دَايَتَهُ وَرَاسَلَهَا فَخَرَجَتْ مَعَهُ تَطْلُبُهُ فِي مَظَانِّهِ الَّتِي كَانَ يَكُونُ فِيهَا فِي الْبَرِّيَةِ فَطَلَبُوهُ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ثُمَّ غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي يَطْلُبُونَهُ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَشْرَفُوا عَلَى وَادٍ كَثِيرِ الْحِجَارَةِ وَإِذَا بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي بَيْنَ الْحِجَارَةِ مَيِّتًا فَاحْتَمَلَهُ الرَّجُلُ وَدَايَتُهُ حَتَّى أَتَيَا بِهِ الْحَيَّ فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَدَفَنُوهُ
وَقَدْ حُكِيَ فِي مَوْتِ مَجْنُونِ بَنِي عَامِرٍ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ
فَذُكِرَ أَنَّ كُثَيِّرًا قَالَ بَيَّنَّا أَنَا عِنْدَ مَجْنُونِ بَنِي عَامِرٍ جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ تَعَزَّ يَا قَيْسُ قَالَ عَمَّنْ قَالَ عَنْ لَيْلَى فَقَامَ إِلَى بَعِيرِهِ وَقُمْتُ إِلَى بَعِيرِي ثُمَّ أَتَيْنَا الْحَيَّ فَأَرْشَدَنَا إِلَى قَبْرِهَا فَأَقْبَلَ يُقَبِّلُهُ وَيَلْتَزِمَهُ وَيَشُمُّ تُرَابَهُ وَيَنْشِدُ الشِّعْرَ ثُمَّ شَهَِقَ فَمَاتَ فَدَفَنْتُهُ سِيَاقُ أَبْيَاتٍ مِنْ مُسْتَحْسَنِ شِعْرِهِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الْمَدِينِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُصْعَبًا الزُّبَيْرِيُّ يَقُولُ كَانَ مَجْنُونُ بَنِي عَامِرٍ يَسِيحُ مَعَ الْوَحْشِ وَيَنْثِرُ الشِّعْرَ نَثْرًا وَكَانَ الرُّكْبَانُ يَتَلَقَّوْنَ مِنْهُ الشِّعْرَ فَيَرْوُونَهُ
стр. 400
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ قَالَ الْقَحْذَمِيُّ لما قَالَ الْمَجْنُون
قَضَاهَا لغير وَابْتَلانِي بِحُبِّهَا ... فَهَلَّا بِشَيْءٍ غَيْرِ لَيْلَى ابْتَلانِيَا سُلِبَ عَقْلُهُ
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَأَنْشَدَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِلْمَجْنُونِ
أَلا أَيُّهَا الْقَلْبُ الَّذِي لَجَّ هَائِمًا ... وَلِيدًا بِلَيْلَى لَمْ تُقَطَّعْ تَمَائِمُهْ
أَفِقْ قَدْ أَفَاق الواجدون وَقد ال ... لِدَائِكَ أَنْ يَلْقَى طَبِيبًا يُلائِمُهْ
وَمَالك مَسْلُوبَ الْعَزَاءِ كَأَنَّمَا ... تَرَى نَأْيَ لَيْلَى مَغْرَمًا أَنْتَ غَارِمُهْ
أَجَدَّكَ لَا يُنْسِيكَ لَيْلَى مُلِمَّةٌ ... تُلِمُّ وَلا يُنْسِيكَ عَهْدًا تَقَادُمُهْ
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَأَنْشَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ لِلْمَجْنُونِ
دَعَاكَ الْهَوَى وَالشَّوْقُ حَتَّى تَرَنَّمَتْ ... هُتُوفُ الضُّحَى بَيْنَ الْغُصُونِ طَرُوبُ
تُجَاوِبُ وُرْقًا قَدْ أُرْعِنَ لِصَوْتِهَا ... فَكُلٌّ لِكُلٍّ مُسْعِدٌ وَمُجِيبُ
أَلا يَا حَمَامَ الأَيْكِ مَالَكَ بَاكِيًا ... أَفَارَقْتَ إِلْفًا أَمْ جَفَاكَ حَبِيبُ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعَدِّلُ قَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ وَذَكَرَ مَجْنُونَ بَنِي عَامِرٍ فَقَالَ هُوَ قَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَكُنْ مَجْنُونًا وَإِنَّمَا كَانَتْ بِهِ لَوْثَةٌ وَهُوَ الْقَائِلُ
стр. 401
وَلَمْ أَرَ لَيْلَى بَعْدَ مَوْقِفِنَا الَّذِي ... بِخَيْفِ مِنًى تَرْمِي جِمَارَ الْمُحَصَّبِ
وَيُبْدِي الْحَصَا مِنْهَا إِذَا قَذَفَتْ بِهِ ... مِنَ الْبُرْدِ أَطْرَافَ الْبَنَانِ الْمُخَضَّبِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ سُوَيْدٍ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر ابْن الأَنْبَارِيُّ قَالَ أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى لِقَيْسِ بْنِ مُعَاذٍ
إِذَا قَرُبَتْ دَارٌ كَلِفْتُ وَإِنْ نَأَتْ ... أَسِفْتُ فَلا بِالْقُرْبِ أَسْلُو وَلا الْبُعْدِ
وَإِنْ وَعَدَتْ زَادَ الْهَوَى لانْتِظَارِهَا ... وَإِنْ بَخِلَتْ بِالْوَعْدِ مِتُّ عَلَى الْوَعْدِ فَفِي كُلِّ حُبّ لَا مَحَالَةَ فَرْحَةٌ ... وَحُبُّكِ مَا فِيهِ سِوَى مُحْكَمِ الْجَهْدِ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِلَيْلَى يَوْمًا فَلَمَّا حَانَ فِرَاقُهَا أَنْشَدَ هَذِهِ الأَبْيَاتَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الأَرْدَسْتَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْحُسَيْنَ بْنَ أَحْمَدَ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ الأَنْبَارِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ الْعَبَّاس ابْن سَالِمٍ الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ الأَعْرَابِيِّ قَالَ وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ يَعْنِي مَجْنُونَ بَنِي عَامِرٍ
وَجَاءُوا إِلَيْهِ بِالتَّعَاوِيذِ وَالرُّقَّى ... وَصَبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنْ أَلَمِ النُّكْسِ قَالُوا بِهِ مِنْ أَعْيُنِ الْجِنِّ نَظْرَةٌ ... وَلَوْ عَقَلُوا قَالُوا بِهِ أَعْيُنِ الإِنْسِ
وَحُكِيَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لأَبِيهِ اطْلُبْ لَهُ طَبِيبًا فَأَتَاهُ بِطَبِيبٍ فَأَنْشَأَ قَيْسٌ يَقُولُ
أَلا يَا طَبِيبَ النَّفْسِ أَنْتَ طَبِيبُهَا ... فَرِفْقًا بِنَفْسٍ قَدْ جَفَاهَا حَبِيبُهَا
دَعَتْنِي دَوَاعِي حُبِّ لَيْلَى وَدُونَهَا ... ذُرًى فَقَدَ جِسْمُ الْحُزْنِ مِنْهَا قُلُوبُهَا
стр. 402
فَلَبَّيْكِ مِنْ دَاعٍ دَعَا وَلَوْ أَنَّنِي ... صَدًى بَيْنَ أَحْجَارٍ لَظَلَّ يجيبها
وَمَا هَجَرَتْكِ النَّفْسُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا ... قَلَتْكِ وَلَكِنْ قَلَّ مِنْكِ نَصِيبُهَا
وَلَهُ فِي قَصِيدَةٍ
سَقَى اللَّهُ جَارَاتٍ لِلَيْلَى تَبَاعَدَتْ ... بِهِنَّ النَّوَى حَيْثُ احْتَلَلْنَ الْمَطَالِيَا
بِثَمْدِينَ لاحَتْ نَارُ لَيْلَى وَصُحْبَتِي ... بِقَرْعِ الْغَضَا تزج الْمَطِيَّ الْخَوَافِيَا
فَقَالَ بَصِيرُ الْقَوْمِ لَمْحَةُ كَوْكَبٍ ... بَدَا فِي سَوَادِ اللَّيْلِ فَرْدًا يَمَانِيَا
فَقُلْتُ لَهُمْ بَلْ نَارُ لَيْلايَ أُوقِدَتْ ... بِعَلْيَا تَسَامَى ضَوْءُهَا فَبَدَا لِيَا
بَلَى نَارُ لَيْلَى يَا خَلِيلَيَّ أَرَيْتُمَا الْقِلاصَ فَلا تَأْوُوا لَهُنَّ وَلا لِيَا
أَشَوْقًا وَلَمَّا يَمْضِ لِي غَيْرُ لَيْلَةٍ ... رُوَيْدَ الْهَوَى حَتَّى تَغِبَّ لَيَالِيَا
خَلِيلَيَّ لَا وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ الْبُكَا ... إِذَا عَلَمٌ مِنْ أَرْضِ لَيْلَى بَدَا لِيَا
خَلِيلَيَّ لَا وَاللَّهِ لَا أَمْلِكُ الَّذِي ... قَضَى اللَّهُ فِي لَيْلَى وَلا مَا قَضَى لِيَا
قَضَاهَا لَغَيْرِي وَابْتَلانِي بِحُبِّهَا ... فَهَلَّا بِشَيْءٍ غَيْرِ لَيْلَى ابْتَلانِيَا
وَخَبَّرْتُمَانِي أَنَّ تَيْمَاءَ مَنْزِلٌ ... لِلَيْلَى إِذَا مَا الصَّيْفُ أَلْقَى الْمَرَاسِيَا فَهَذِي شُهُورُ الصَّيْفِ أَمْسَتْ قَدِ انْقَضَتْ ... فَمَا لِلْنَوَى تَرْمِي بِلَيْلَى الْمَرَامِيَا فَلَوْ كَانَ وَاشٍ بِالْيَمَامَةِ دَارُهُ ... وَدَارٌ بأعلا حَضْرَمَوْتَ اهْتَدَى لِيَا وَمَاذَا لَهُمْ لَا أَحْسَنَ اللَّهُ حِفْظَهُمْ ... مِنَ الْحَظِّ فِي تَصْرِيمِ لَيْلَى حَبَالِيَا
وَقَدْ كُنْتُ أَعْلُو حُبَّ لَيْلَى فَلَمْ يَزَلْ ... بِيَ النَّقْضُ وَالإِبْرَامُ حَتَّى عَلانِيَا
فَيَا رَبِّ سَوِّ الْحُبَّ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... يَكُونُ كِفَافًا لَا عَلَى وَلا لِيَا
فَمَا طَلَعَ النَّجْمُ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ ... وَلا الصُّبْحُ إِلا هَيَّجَا ذِكْرَهَا لِيَا
стр. 403
وَلا سِرْتُ مَيْلا مِنْ دِمَشْقَ وَلا بَدَا ... سُهَيْلٌ لأَهْلِ الشَّامِ إِلا بَدَا لِيَا
وَلا سُمِّيَتْ عِنْدِي لَهَا مِنْ سَمِّيَةٍ ... مِنَ النَّاسِ إِلا بَلْ دَمْعِي رِدَائِيَا
وَلا هَبَّتِ الرِّيحُ الْجَنُوبِ مِنْ أَرْضِهَا ... مِنَ اللَّيْلِ إِلا بِتُّ لِلْرِيحِ حَانِيَا
وَيَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرْتُ طُولَهُ ... بِلَيْلَى فَأَلْهَتْنِي وَمَا كُنْتُ لاهِيَا
فَيَا لَيْلَ كَمْ مِنْ حَاجَةٍ لِي مِهُمَّةٍ ... إِذَا جِئْتُكُمْ بِاللَّيْلِ لَمْ أَدْرِ مَاهِيَا
خَلِيلَيَّ إِلا تَبْكِيَا لِي أَلْتَمِسُ ... خَلِيلا إِذَا أَنْزَفْتُ دَمْعِيَ بَكَى لِيَا
فَقَدْ يَجْمَعُ اللَّهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَمَا ... يَظُنَّانِ جَهْدَ الظَّنِّ أَلا تَلاقِيَا
فَإِنْ تَمْنَعُوا لَيْلَى وَتَحْمُوا بِلادَهَا ... عَلَيَّ فَلَنْ تَحْمُوا عَلَيَّ الْقَوَافِيَا
فَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا ... فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا
قَضَى اللَّهُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْهَا لِغَيْرِنَا ... وَبِالشَّوْقِ مِنَّا وَالْعَنَاءِ قَضَى لِيَا
وَإِنَّ الَّذِي أَمَّلْتُ مِنْ أُمِّ مَالِكٍ ... أَشَابَ قَذَالِي وَاسْتَهَامَ فُؤَادِيَا
أَعُدُّ اللَّيْالِي لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ ... وَقَدْ عِشْتُ دَهْرًا لَا أَعُدُّ اللَّيَالِيَا
وَأَخْرُجُ مِنْ بَيْنَ الْبُيُوتِ لَعَلَّنِي ... أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفْسَ يَا لَيْلُ خَالِيَا
إِذَا سِرْتُ أَرْضًا بِالْفَضَاءِ رَأَيْتُنِي ... أَصَانِعُ رَحْلِي أَنْ تَمِيلَ حِيَالِيَا
يَمِينًا إِذَا كَانَتْ يَمِينًا وَإِنْ تَكُنْ ... شِمَالا يُنَازِعُنِي الْهَوَى مِنْ شِمَالِيَا
أَرَانِي إِذَا صَلَّيْتُ يَمَّمْتُ نَحْوَهَا ... بِوَجْهِي وَإِنْ كَانَ الْمُصَلَّى وَرَائِيَا
стр. 404
وَمَا بِي إِشْرَاكٌ وَلَكِنْ حُبُّهَا ... كَعَظْمِ الشَّجَا أَعْيَى الطَّبِيبَ الْمُدَاوِيَا
أُحِبُّ مِنَ السَّمَاءِ مَا وَافَقَ اسْمُهَا ... وَأَشْبَهُهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ مُدَانِيَا
خَلِيلَيَّ لَيْلَى أَكْبَرُ الْحَاجِّ وَالْمُنَى ... فَمَنْ لِي بِلَيْلَى أَوْ فَمَنْ ذَا بِهَا لِيَا
فَقَدْ طَالَ مَا أَلْبَثَتْنِي عَنْ صَحَابَتِي ... وَعَنْ حَوْجِ قَضَاؤُهَا مِنْ شِفَائِيَا
لَعَمْرِي لَقَدْ أَبْكَيْتِنِي يَا حَمَامَةَ ال ... عقيق وَأَبْكَيْتِ الْعُيُونَ الْبَوَاكِيَا
وَكُنْتُ رَبِيطَ الْجَأْشِ مَا تَسْتَفِزُّنِي ... رِيَاحُ الصَّبَا لَوْ نَحَتْ نَوْحًا مُدَانِيَا
فَأَصْبَحْتُ بَعْدَ الإِنْسِ صَاحِبَ جِنَّةٍ ... تَجَاوَزْنَ بِي عَرْضَ النِّعَافِ الْفَيَافِيَا
خَلِيلَيَّ مَا أَرْجُو مِنَ الْعَيْشِ بَعْدَمَا ... أَرَى حَاجَتِي تُشْرَى وَلا تُشْتَرَى لِيَا وَتُجْرِمُ لَيْلَى ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِي ... سَلَوْتُ وَلا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ مَا بِيَا
فَلَمْ أَرَ مِثْلَيْنَا خَلِيلَيَّ جِنَايَةً ... أَشَدُّ عَلَيَّ رَغْمَ الْعَدُوِّ تَصَافِيَا
خَلِيلانِ لَا نَرْجُو لِقَاءَ وَلا تَرَى ... خَلِيلَيْنِ إِلا يَرْجُوَانِ تَلاقِيَا
وَإِنِّي لأَسْتَحْيِيكَ أَنْ أَعْرِضَ الْمُنَى ... بِوَصْلِكِ أَوْ أَنْ تُعْرِضِي فِي الْمُنَى لِيَا
يَقُولُ أُنَاسٌ عَلَّ مَجْنُونُ عَامِرٍ ... يَرُومُ سُلُوًّا قُلْتُ إِنِّي لِمَا بِيَا
بِيَ الْيَأْسُ أَوْ دَاءُ الْهُيَامِ أَصَابَنِي ... فَإِيَّاكَ عَنِّي لَا يَكُنْ بِكَ مَا بِيَا
إِذَا مَا طَوَاكِ الدَّهْرُ يَا أُمَّ مَالِكٍ ... فَشَأْنُ الْمَنَايَا الْقَاضِيَاتِ وَشَأْنِيَا إِذَا اكْتَحَلَتْ عَيْنِي بِعَيْنِكِ لَمْ تَزَلْ ... بِخَيْرٍ وَجَلَتْ غَمْرَةٌ عَنْ فؤاديا
وَأَنت الَّذِي إِن شِئْت أشقيت عيشتي ... وَإِن شِئْت بعد الله أَنْعَمت بَالِيًا
стр. 405
وَأَنت الَّتِي مَا من صديق وَلَا أَخٍ ... يَرَى نَضْوَ مَا أَبْقَيْتِ إِلا أَوَى لِيَا
وَإِنِّي لأَسْتَغْشِي وَمَا بِي نَعْسَةٌ لَعَلَّ خَيَالا مِنْكِ يَلْقَى خَيَالِيَا
هِيَ السِّحْرُ إِلا أَنَّ لِلْسِحْرِ رُقْيَةٌ ... وَإِنِّي لَا أَلْقَى لِسِحْرِي رَاقِيَا إِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتِ أَمَامَنَا ... كَفَى لِمَطَايَانَا بِذْكَرَاكِ هَادِيَا
ذَكَتْ نَارُ شَوْقٍ فِي فُؤَادِي فَأَصْبَحَتْ ... لَهَا وَهَجٌ مُسْتَضْرَمٌ فِي فُؤَادِيَا
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْيَمَانُونَ عَرِّجُوا ... عَلَيْنَا فَقَدْ أَمْسَى هَوَانَا يَمَانِيَا
نُسَائِلُكُمْ هَلْ سَأَلَ نُعْمَانُ بَعْدَنَا ... وَحَبَّ إِلَيْنَا بَطْنُ نُعْمَانَ وَادِيَا
أَلا يَا حَمَامَيْ بَطْنَ نُعْمَانَ هِجْتُمَا ... عَلَيَّ الْهَوَى لَمَّا تَغَنَّيْتُمَا لِيَا
أَلا أُيُّهَا الْقُمْرِيَّتَانِ تَجَاوَبَا ... بِلَحْنَيْكُمَا ثُمَّ اسْجِعَا عَلِّلانِيَا
فَإِنْ أَنْتُمَا اسْتَطْرَبْتُمَا وَأَرَدْتُمَا ... لِحَاقًا بِأَطْلالِ الْغَضَا فَاتَّبِعَانِيَا
أَلا لَيْتَ شِعْرِي مَا لِلَيْلَى وَمَا لَنَا ... وَمَا لِلْصَبَا مِنْ بَعْدِ شَيْبٍ عَلانِيَا
أَلا أَيُّهَا الْوَاشِي بِلَيْلَى أَلا تَرَى ... إِلَى مَنْ تَشِيهَا أَوْ بِمَنْ جِئْتَ وَاشِيَا
إِذَا نَحْنُ رُمْنَا هَجْرَهَا ضَمَّ حُبُّهَا ... ضَمِيمَ الْحَشَا ضَمَّ الْجِنَاحُ الْخَوَافِيَا
لَئِنْ ظَعَنَ الأَحْبَابُ يَا أُمَّ مَالِكٍ ... لَمَا ظَعَنَ الْحُبُّ الَّذِي فِي فُؤَادِيَا
فَيَارَبِّ إِذْ صَيَّرْتَ لَيْلَى هِيَ الْمُنَى ... فَزِنِي بِعَيْنَيْهَا كَمَا زِنْتَهَا لِيَا
وَإِلا فَبَغِّضْهَا إِلَيَّ وَأَهْلَهَا ... فَإِنِّي بِلَيْلَى قَدْ لَقِيتُ الدَّوَاهِيَا
أَلا لَا أُحِبُّ السَّيْرَ إِلا مُصَاعِدًا ... وَلا الْبَرْقَ إِلا أَنْ يَكُونَ يَمَانِيَا
عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ... وَإِنْ كُنْتُ مِنْ لَيْلَى عَلَى الْيَأْسِ طَاوِيَا
خَلِيلَيَّ إِنْ ضَنُّوا بِلَيْلَى فَقَرِبَا ... لِي النَّعْشَ وَالأَكْفَانَ وَاسْتَغْفِرَا لِيَا
стр. 406
أَلا يَا حَمَامَ الطَّلْحِ إِنْ كُنْتَ بَاكِيَا ... فَمِلآنُ فَاهْتَجْ إِنَّنِي قَدْ أَنَى لِيَا
فَيَا أَخَوَيَّ حَزْمٍ أَلَمَّا هُدِيتُمَا ... عَلَى حَاضِرِي الرِّيَانِ ثُمَّ اذْكُرَانِيَا
وَلَهُ
وَإِنِّي لمَجْنُون بليلى مُوكل ... وَلست عزوفا عَنْ هَوَاهَا وَلا جَلْدَا
إِذَا ذُكِرَتْ لَيْلَى بَكَيْتُ صَبَابَةً ... لِتِذْكَارِهَا حَتَّى يَبُلَّ الْبُكَا الْخَدَّا
وَيُرْوَى لَهُ فِي أُخْرَى
أَيَا حَرَجَاتِ الْحَيّ يَوْم تحملوا ... بِذِي سلم لَا جَادَكُنَّ رَبِيعُ
إِلَى اللَّهِ أَشْكُو أَنَّهُ شُقَّتِ الْعَصَا ... هِيَ الْيَوْم شَتَّى وَهِي أمس جمع
فَإِنَّ انْهِمَالَ الْعَيْنِ يَا لَيْلُ كَلُمَّا ... ذَكَرْتُكِ وَحْدِي خَالِيًا لَسَرِيعُ
فَلَوْ لَمْ يَهِجْنِي الظَّاعِنُونَ لَهَاجَنِي ... حَمَائِمُ وُرْقٍ فِي الدِّيَارِ وُقُوعُ
تُجَاوَبْنَ فَاسْتَبْكَيْنِ مَنْ كَانَ ذَا ... هَوَى نَوَائِحُ مَا تَجْرِي لَهُنَّ دُمُوعُ
لَعَمْرُكِ إِنِّي يَوْمَ جَرْعَاءَ مَالِكٍ ... لَعَاصٍ لأَمْرِ الرَّاشِدِينَ مُضِيعُ
مَضَى زَمَنٌ وَالنَّاسُ يَسْتَشْفِعُونَ بِي ... فَهَلْ لِي إِلَى لَيْلَى الْغَدَاةِ شَفِيعُ
نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي فَقَدْتُنِي ... كَمَا يَنْدُمُ الْمَغْبُونُ حِينَ يَبِيعُ
فَقَدْتُكِ مِنْ نَفْسٍ شُعَاعٍ فَإِنَّمَا ... نَهَيْتُكِ عَنْ هَذَا وَأَنْتِ جَمِيعُ
فَقَرَّبْتِ لِي غَيْرَ الْقَرِيبِ وَأَشْرَفْتِ ... مُنَاكِ ثَنَايَا مَا لَهُنَّ طُلُوعُ
وَلَهُ
يَقَرُّ بَعَيْنِي قُرْبُهَا وَيَزِيدُنِي ... بِهَا عَجَبًا مَنْ كَانَ عِنْدِي يَعِيبُهَا
فَكَمْ قَائِلٍ فِيكُمْ قَرِيبٌ عَصِيتُهُ ... وَتِلْكَ لَعَمْرِي تَوْبَةٌ لَا أَتُوبُهَا
فَيَا نَفْسُ صبرا لست وَالله فاعلميه ... بِأَوَّلِ نَفْسٍ غَابَ عَنْهَا حَبِيبُهَا
стр. 407
وَلَهُ
تَجَنَّبْتُ لَيْلَى أَنْ يَلِجَّ بِكَ الْهَوَى ... وَهَيْهَاتَ كَانَ الْحُبُّ قَبْلَ التَّجَنُّبِ
وَلَمْ أَرَ لَيْلَى قَبْلَ مَوْقِفِ سَاعَةٍ ... بِبَطْنِ مِنًى تَرْمِي جِمَارَ الْمُحَصَّبِ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
وَأَلْقَى مِنَ الْحُبِّ الْمُبَرَّحِ سَوْرَةً ... لَهَا بَيْنَ جِلْدِي وَالْعِظَامُ دَبِيبُ
لَقَدْ شَفَّ هَذِي النَّفْسَ أَنْ لَيْسَ بَارِحًا لَهَا شَجَنٌ مَا يُسْتَطَاعُ قَرِيبُ
فَلا تَتْرُكِي نَفْسِي شُعَاعًا فَإِنَّهَا ... مِنَ الْوَجْدِ قَدْ كَادَتْ عَلَيْكَ تَذُوبُ
فَصْلٌ وَمِنَ الْمُشْتَهِرِينَ بِالْعِشْقِ عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ
قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ فَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي لَقِيطُ بْنُ بُكَيْرٍ الْمُحَارِبِيُّ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ حُزَامٍ وَعَفْرَاءَ ابْنَةَ مَالِكٍ الْعُذْرِيَّيْنِ وَهُمَا بَطْنٌ مِنْ عُذْرَةٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو هِنْدِ بْنِ حُزَامِ بْنِ ضَنَّةَ بن عبد بكير ابْن عُذْرَةَ وَيُقَالُ إِنَّهُمَا نَشَأَ جَمِيعًا فَعَلِقَهَا عَلاقَةَ الصَّبَا وَكَانَ عُرْوَةُ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عَمِّهِ حَتَّى بلغ فَكَانَ يسْأَل عَمه أَنْ يُزَوِّجَهُ عَفْرَاءَ فَيُسَوِّفَهُ إِلَى أَنْ خَرَجَتْ عِيرٌ لأَهْلِهِ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ عُرْوَةُ إِلَيْهَا
وَوَفَدَ عَلَى عَمِّهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْبَلْقَاءِ يُرِيدُ الْحَجَّ فَخَطَبَهَا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ فَحَمَلَهَا
стр. 408
وَأَقْبَلَ عُرْوَةُ فِي عِيرِهِ تِلْكَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِتَبُوكٍ نَظَرَ إِلَى رِفْقَةٍ مُقْبِلَةٍ مِنْ نَحْوِ الْمَدِينَةِ فِيهَا امْرَأَةٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ وَاللَّهِ لَكَأَنَّهَا شَمَائِلُ عَفْرَاءَ فَقَالُوا وَيْحَكَ مَا تَتْرُكُ ذِكْرَ عَفْرَاءَ لِشَيْءٍ
قَالَ وَجَاءَ الْقَوْمُ فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَتَبَيَّنَ الأَمْرُ يَبِسَ قَائِمًا لَا يَتَحَرَّكُ وَلا يَحِيرُ كَلامًا وَلا يُرْجِعُ جَوَابًا حَتَّى بَعُدَ الْقَوْمُ فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ
وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ رَعْدَةٌ ... لَهَا بَيْنَ جِلْدِي وَالْعِظَامِ دَبِيبُ
فَمَا هُوَ إِلا أَنْ أَرَاهَا فُجَاءَةً ... فَأُبْهَتُ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ
وَقُلْتُ لَعَرَّافِ الْيَمَامَةِ دَاوِنِي ... فَإِنَّكَ إِنْ أَبْرَأْتَنِي لَطَبِيبُ
فَمَا بِي مِنْ حِمَى لَا مَسِّ جِنَّةٍ ... وَلَكِنْ عَمِّي الْحُمَيْرِيَّ كَذُوبُ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعَرَّافُ الْيَمَامَةِ هَذَا الَّذِي ذكره عُرْوَة وَغَيره من الشُّعَرَاء هُوَ ريَاح بن رَاشد ويكنى أَبَا كحيلة عبد لبني يشْكر تزوج مَوْلَاهُ امْرَأَة من بني الْأَعْرَج فساقه فِي مهرهَا ثمَّ ادّعى نسبا فِي بني الْأَعْرَج
ثمَّ إِن عُرْوَة انْصَرف إِلَى أَهله وَأَخذه الْبكاء والهلاس حَتَّى نحل جِسْمه فَلم يبْق مِنْهُ شَيْء فَقَالَ بعض النَّاس هُوَ مسحور وَقَالَ قَوْمٌ بِهِ جِنَّةٌ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هُوَ مَوَسْوَسٌ وَإِنَّ بِالْحَاضِرِ مِنَ الْيَمَامَةِ لَطَبِيبًا لَهُ تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ وَهُوَ أَطَبُّ النَّاسِ فَلَوْ أَتَيْتُمُوهُ فَلَعَلَّ اللَّهَ يُعَافِيَهُ
فَسَارُوا إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِ عذرة حى دَاوَاهُ فَجَعَلَ يَسْقِيهِ وَيُنَشِّرُ عَنْهُ وَهُوَ يَزْدَادُ
стр. 409
سُقْمًا فَقَالَ لَهُ عُرْوَةَ يَا هَنَاهُ هَلْ عِنْدَكَ لِلْحُبِّ دَوَاءٌ أَوْ رُقْيَةٌ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ فَانْصَرَفُوا حَتَّى مَرُّوا بِطَبِيبٍ بِحَجْرٍ فَعَالَجَهُ وَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ مَا دَائِي وَدَوَائِي إِلا شَخْصٌ بِالْبَلْقَاءِ مُقِيمُ فَهُوَ دَائِي وَعِنْدَهُ دَوَائِي
فَانْصَرَفُوا بِهِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافُهُمْ بِهِ
جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حُكْمَهُ ... وَعَرَّافُ حَجَرٍ إِنْ هُمَا شَفَيَانِي
فَقَالا نَعَمْ نُشْفِي مِنَ الدَّاءِ كُلِّهِ ... وَقَامَا مَعَ الْعُوَّادِ يَبْتَدِرَانِ
فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقْيَةٍ يَعْلَمَانِهَا ... وَلا سَلْوَةٍ إِلا وَقَدْ سَقَيَانِي
فَقَالا شَفَاكَ اللَّهُ وَاللَّهِ مَالَنَا ... بِمَا ضَمِنَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ
قَالَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَكَانَ لَهُ أَخَوَاتٌ أَرْبَعٌ وَوَالِدَةٌ وَخَالَةٌ فَمَرَّضْنَهُ دَهْرًا فَقَالَ لَهُنَّ يَوْمًا اعلمن أَنِّي لَو نَظَرْتُ إِلَى عَفْرَاءَ نَظْرَةً وَاحِدَةً ذَهَبَ وَجَعِي
فَذَهَبُوا بِهِ حَتَّى نَزَلُوا الْبَلْقَاءَ مُسْتَخْفِينَ فَكَانَ لَا يَزَالَ يَلُمُّ بِعَفْرَاءَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَكَانَتْ عِنْدَ رَجُلٍ كَرِيمٍ سَيِّدٍ كَثِيرِ الْمَالِ وَالْغَاشِيَةِ فَبَيْنَمَا عُرْوَةُ يَوْمًا بِسُوقِ الْبَلْقَاءِ إِذْ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَمَقْدِمِهِ
فَأخْبرهُ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّكَ مَرِيضٌ وَأَرَاكَ قَدْ صَحَحْتَ فَلَمَّا أَمْسَى الرَّجُلُ دَخَلَ عَلَى زَوْجِ عَفْرَاءَ فَقَالَ مَتَى قَدِمَ هَذَا الْكَلْبُ عَلَيْكُمُ الَّذِي قَدْ فَضَحَكُمْ
стр. 410
قَالَ زَوْجُ عَفْرَاءَ أَيُّ كَلْبٍ هُوَ قَالَ عُرْوَةُ قَالَ وَقَدْ قَدِمَ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنْتَ وَاللَّهِ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ أَنْ تَكُونَ كَلْبًا مَا عَلِمْتُ بِقُدُومِهِ وَلَوْ عَلِمْتُ لَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ
فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا يَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى جَاءَهُ فَقَالَ قَدِمْتُ هَذِهِ الْبَلْدَ فَلَمْ تَنْزِلْ بِنَا وَلَمْ تَرَ أَنْ تُعْلِمُنَا بِمَكَانِكَ فَيَكُونُ مَنْزِلُكَ عِنْدَنَا عَلَيَّ وَعَلَيَّ إِنْ كَانَ لَكُمْ مَنْزِلٌ إِلا عِنْدِي
قَالَ نَعَمْ نَتَحَوَّلُ إِلَيْكَ اللَّيْلَةَ أَوْ فِي غَدٍ
فَلَمَّا وَلَّى قَالَ عُرْوَةُ لأَهْلِهِ قَدْ كَانَ مَا تَرَوْنَ وَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَخْرَجُوا مَعِي لأَرْكَبَنَّ بِرَأْسِي وَلأُلْحِقَنَّ بِقَوْمِكُمْ فَلَيْسَ عَلَيَّ بَأْسٌ
فَارْتَحَلُوا وَرَكَبُوا طَرِيقَهُمْ وَنُكِسَ عُرْوَةُ وَلَمْ يَزَلْ مُدْنَفًا حَتَّى نَزَلُوا وَادِي الْقُرَى
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ حِزَامًا هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَهُ عُرْوَةَ فِي حِجْرِ عَمِّهِ عُقَالِ بْنِ مَهَاصِرَ وَكَانَتْ عَفْرَاءُ تِرْبًا لِعُرْوَةَ يَلْعَبَانِ جَمِيعًا حَتَّى أَلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَكَانَ عَقَالُ يَقُولُ لِعُرْوَةَ أَبْشِرْ فَإِنَّ عَفْرَاءَ امْرَأَتُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
فَلَمَّا بَلَغَا أَتَى عُرْوَةُ عَمَّةٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا هِنْدٌ بِنْتُ مَهَاصِرَ فَشَكَا إِلَيْهَا حُبَّ عَفْرَاءَ وَقَالَ يَا عَمَّةُ إِنِّي أُكَلِّمُكِ وَإِنِّي أَسْتَحْيِي مِنْكِ وَلَكِنْ مَا أَفْعَلُ هَذَا حَتَّى ضِقْتُ ذَرْعًا بِمَا أَنَا فِيهِ فَذَهَبَتْ إِلَى أَخِيهَا فَقَالَتْ يَا أَخِي قَدْ أَتَيْتُكَ فِي حَاجَةٍ يَأْجُرُكَ اللَّهُ عَلَيْهَا تُزَوِّجُ عُرْوَةُ عَفْرَاءَ فَقَالَ مَا عَنْهُ مَذْهَبٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِذِي مَالٍ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ عَجَلَةٌ
стр. 411
وَكَانَتْ أُمُّ عَفْرَاءَ لَا تُرِيدُ لَهَا إِلا مَنْ لَهُ مَالٌ فَخَطَبَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ عَفْرَاءَ فَأَتَى عُرْوَةُ عَمَّهُ فَقَالَ قَدْ عَرَفْتُ قَرَابَتِي وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلا يَخْطُبُ عَفْرَاءَ فَإِنْ تُجِبْهُ قَتَلْتَنِي فَقَالَ لَيْسَ أُخْرِجُهَا إِلَى غَيْرِكَ وَلَكِنْ أُمُّهَا تُرِيدُ مَهْرًا غَالِيًا فَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ وَاضْطَرَبْ
فَخَرَجَ إِلَى ابْنِ عَمٍّ لَهُ مُوسِرٌ بِالْيَمَنِ وَاشْتَرَطَ عَلَى أَبَوَيْ عَفْرَاءَ أَنْ لَا يُحْدِثَا فِيهَا حَدَثًا فَضَمِنَا لَهُ ذَلِكَ وَذَهَبَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ فَوَصَلَهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ
وَاتَّفَقَ أَنْ رَجُلا خَطَبَ عَفْرَاءَ وَكَانَ ذَا مَالٍ فَاعْتَذَرَ أَبُوهَا إِلَيْهِ وَأَجَابَتْهُ أُمُّهَا وَصَرَفَتْ أَبَاهَا عَنْ رَأْيِهِ وَقَالَتْ قَدْ جَاءَ الْغَنِيُّ إِلَى بَابِنَا وَلَا نَدْرِي أعروة حَيّ أَمْ مَيِّتٌ وَهَلْ يَأْتِي بِشَيْءٍ أَمْ لَا
فَزَوَّجَهُ وَارْتَحَلَ بِهَا إِلَى الشَّامِ وَعَمَدَ أَبُوهَا إِلَى قَبْرٍ عَتِيقٍ فَجَدَّدَهُ وَسَوَّاهُ وَقَالَ الْحَقُّ كِتْمَانُ الْحَالِ
فَقَدِمَ عُرْوَةُ فَنَعَاهَا أَبُوهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْقَبْرِ أَيَّامًا ثُمَّ أُخْبِرَ بِالْحَالِ فَرَحَلَ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ بِالرَّجُلِ وَهُوَ لَا يَعْرِفْهُ فَأَحْسَنَ ضِيَافَتَهُ ثُمَّ عَلِمَتْ بِهِ عَفْرَاءُ
وَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ تَرَكْتُمْ هَذَا فِي دَارِكُمْ يَفْضَحُكُمْ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ وَاسْتَحَضْرَ عُرْوَةَ وَقَالَ لَا تَبْرَحُ مِنْ عِنْدِي ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَهَا عِنْدَ عُرْوَةَ وَأَوْصَى خَادِمَ الْبَابِ بِحِفْظِ مَا يَقُولانِ فَقَالَ قَدْ أَجْمَلَ هَذَا الرَّجُلُ وَمَا أُقِيمُ بَعْدَ عِلْمِهِ وَإِنَّمَا أَرْحَلُ إِلَى مَنِّيَتِي ثُمَّ رَحَلَ فَتَنَاوَلَتْهُ الأَسْقَامُ
стр. 412
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَبْرِيَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْكَاتِبُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ إِنِّي لأَسِيرُ فِي أَرْضِ عُذْرَةَ فَإِذَا بِامْرَأَةٍ تَحْمِلُ غُلامًا خَدِلا لَيْسَ مِثْلُهُ يَتَوَّرَكُ فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ فَإِذَا بِرَجُلٍ لَهُ لِحْيَةٌ قَالَ فَقَالَتْ لِي سَمِعْتُ بِعُرْوَةَ بْنِ حُزَامٍ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَتْ هَذَا وَاللَّهِ عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ فَقُلْتُ أَنْتَ عُرْوَةُ فَكَلَّمَنِي وَعَيْنَاهُ تَدُورَانِ فِي رَأْسِهِ فَقَالَ نعم أَنَا وَاللَّهِ الَّذِي أَقُول
جعلت لعراف الْيَمَامَة حكمه ... وعراف نجد إِن هما شفيافي
فَقَالا نَعَمْ نُشْفِي مِنَ الدَّاءِ كُله ... وراحا مَعَ العواد يبتدران
فَمَا تركا من سلوة يعلمانها ... وَلَا شربة إِلَّا وَقد سقياني
فَقَالَا شفاك الله وَالله مَا لنا ... بِمَا ضمنت مِنْك الضلوع يدان
فعفراء أحظى النَّاس عِنْدِي مَوَدَّة ... وعفراء عني المعرض المتواني
قَالَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَمَا رُحْتُ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى سَمِعْتُ الصَّيْحَةَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقِيلَ مَاتَ عُرْوَةُ
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقُلْتُ يَا أَبَا السَّائِبِ وَاللَّهِ مَا أَرَاهُ إِلا شَرِقَ قَالَ فَمِمَّ شَرِقَ قُلْتُ شَرِقَ بِرِيقِهِ تَرَى إِنْسَانًا يَمُوتُ مِنَ الْحُبِّ
فَقَالَ سَخِنَتْ عَيْنَاكَ
стр. 413
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ رَوْحٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلْمَانَ الأَخْفَشُ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ بِشْرٍ الْمَازِنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ وُلِيتُ صَدَقَاتِ بَنِي عُذْرَةَ قَالَ فَدُفِعْتُ إِلَى فَتًى تَحْتَ ثَوْبٍ فَكَشَفْتُ عَنْهُ فَإِذَا رَجُلٌ لَمْ يَبْقَ إِلا رَأْسُهُ فَقُلْتُ مَا بِكَ فَقَالَ
كَأَنَّ قَطَاةً عَلَقَتْ بِجَنَاحِهَا ... عَلَى كَبِدِي مِنْ شِدَّةِ الْخَفَقَانِ
جَعَلَتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَة حكمه ... وعراف نجد إِن هُمَا شَفَيَانِي
ثُمَّ تَنَفَّسَ حَتَّى مَلأَ الثَّوْبَ الَّذِي كَانَ فِيهِ ثُمَّ جَمُدَ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فَأُصْلِحُ مِنْ شَأْنِهِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ فَقِيلَ أَتَدْرِي مَنْ هَذَا هَذَا عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ
حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ كِلاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سَلَمٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَلَفٍ هَاشِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرَّيَاشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَوْ قَالَ عُثْمَانُ شَكَّ الرَّاوِي عَلَى صَدَقَاتِ سَعْدِ هُذَيْمٍ فَلَمَّا قَبَضْتُ الصَّدَقَةَ وَقَسَّمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا أَقْبَلْتُ فَلَمَّا كُنْتُ بِبِلادِ عُذْرَةَ فِي حِيٍّ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ بَنُو هِنْدٍ إِذَا أَنَا بِبِيتٍ حَرِيدٍ مُفْرِدٍ عَنِ الْحَيِّ فَمِلْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا عَجُوزٌ جَالِسَةٌ عِنْدَ كَسْرِ الْبَيْتِ وَإِذَا شَابٌّ نَائِمٌ فِي ظِلِّ الْبَيْتِ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ وَسَلَّمْتُ تَرَنَّمَ بِصَوْتٍ لَهُ ضَعِيفٍ
جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حُكْمَهُ ... وعراف نجد إِن هما شفياني
стр. 414
فَقَالا نَعَمْ نُشْفِي مِنَ الدَّاءِ كُلِّهِ ... وَقَامَا مَعَ الْعُوَّادِ يَبْتَدِرَانِ
نَعَمْ وَبَلَى قَالا مَتَى كُنْت هَكَذَا ... لِيَسْتَخْبِرَانِي قُلْت مِنْذُ زَمَانٍ
فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقْيَةٍ يَعْلَمَانِهَا ... وَلا سَلْوَةٍ إِلا بِهَا سَقَيَانِي
فَقَالَا شفاك الله وَالله مَا لَنَا ... بِمَا حَمَلَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ
ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً خَفِيفَةً فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فَقُلْتُ أَيُّهَا الْعَجُوزُ مَا أَظُنُّ هَذَا النَّائِمَ بِفِنَاءِ بَيْتِكِ إِلا مَاتَ فَقَالَتْ نَفْسُهُ وَاللَّهِ نَفْسُهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ
فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ مَالا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ تَعَالَى فَاغْتَمَمْتُ وَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ لِكَلامِي فَلَمَّا رَأَتِ الْعَجُوزُ جَزَعِي قَالَتْ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ بِأَجَلِهِ وَاسْتَرَاحَ مِمَّا كَانَ فِيهِ وَقَدِمَ عَلَى رَبٍّ غَفُورٌ فَهَلْ لَكَ فِي اسْتِكْمَالِ الأَجْرِ هَذِهِ الأَبْيَاتُ مِنْكَ قَرِيبٌ تَأْتِيهِمْ فَتَنْعَاهُ إِلَيْهِمْ وَتَسْأَلْهُمْ حُضُورَهُ
فَرَكِبْتُ فَأَتَيْتُ أَبْيَاتًا مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ مَيْلٍ فَنَعَيْتُهُ إِلَيْهِمْ وَقَدْ حَفِظْتُ الشِّعْرَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ الرَّجُلِ مِنْهُمْ يَسْتَرْجِعُ
فَبَيْنَا أَنَا أَدُورُ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ خِبَائِهَا تَجُرُّ خِمَارَهَا نَاشِرَةً كَأَنَّهَا الشَّمْسُ طَالِعَةً فَقَالَتْ أَيُّهَا النَّاعِي بِفِيكَ الْكَثْكَثُ بِفِيكَ الْحَجَرُ مَنْ تَنْعَى قُلْتُ عُرْوَةَ بْنَ حُزَامٍ قَالَتْ بِالَّذِي أُرْسِلَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَاصْطَفَاهُ بِالنُّبُوَةِ هَلْ مَاتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَتْ مَاذَا فَعَلَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَأَنْشَدْتُهَا الشِّعْرَ فَوَاللَّهِ مَا نَهْنَهَتْ أَنْ قَالَتْ
عَدَانِي أَنْ أَزُورَكَ يَا خَلِيلِي ... مَعَاشِرُ كُلُّهُمْ وَاشٍ حَسُودُ
أَشَاعُوا مَا سَمِعْتَ مِنَ الدَّوَاهِي ... وَعَابُونَا وَمَا فِيهِمْ رَشِيدُ
стр. 415
فَأَمَّا إِذْ ثَوَيْتَ الْيَوْمَ لَحْدًا ... وَدُورُ النَّاسِ كُلُّهُمْ لُحُودُ
فَلا طَابَتْ لِيَ الدُّنْيَا فَوَاقًا ... وَلا لَهُمُ وَلا أَثْرَى عَدِيدُ
ثُمَّ مَضَتْ مَعِي وَمَعَ الْقَوْمِ تَصِيحُ وَتُوَلْوِلُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ فَغَسَّلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَصَلَيْنَا عَلَيْهِ وَقَبَرْنَاهُ فَجَاءَتْ فَأَكْبَتْ عَلَى الْقَبْرِ
وَحَرَّكْتُ مَطِيَّتِي وَدَخَلْتُ الشَّامَ فَدَخَلْتُ عَلَى يَزِيدَ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ وَأَخْبَرْتُهُ بِالأَمْرِ الَّذِي قدمت لَهُ فَقَالَ لي هَلْ رَأَيْتَ فِي طَرِيقِكَ شَيْئًا فَحَدَّثْتَهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فَأَكْبَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ عَلَى الْقَبْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ فَمَا رُفِعَتْ إِلا مَيِّتَةً
قُلْتُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ لَا أَحْسَبُ الرَّاوِي عَنِ الْهَيْثَمِ حَفِظَهَا وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَصَحُّ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارك بن عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَوْ عُثْمَانُ ابْن عَفَّانَ شَكَّ الرَّاوِي عَلَى صَدَقَاتِ سَعْدِ هُذَيْمٍ وَهُمْ عُذْرَةٌ وَسَلامَانُ وَالْحَارِثُ وَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ فَلَمَّا قَبَضْتُ الصَّدَقَةَ وَقَسَّمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا وَأَقْبَلْتُ بِالسَّهْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ إِلَى عُمَرَ أَو عمثان فَلَمَّا كُنْتُ بِبِلادِ عُذْرَةَ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو هِنْدٍ إِذَا أَنَا بِبِيتٍ حَرِيدٍ مُنْتَزَحٍ عَنِ الْحَيِّ فَمِلْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا عَجُوزٌ جَالِسَةٌ
стр. 416
عِنْدَ كَسْرِ الْبَيْتِ وَإِذَا شَابٌّ نَائِم فِي ظلّ الْبَيْت فملا دَنَوْتُ سَلَّمْتُ فَتَرَنَّمَ بِصَوْتٍ لَهُ ضَعِيفٍ فَقَالَ
جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حكمه ... وعراف نجد إِن هما شَفَيَانِي
فَقَالا نَعَمْ نُشْفِي مِنَ الدَّاءِ كُلِّهِ ... وَقَامَا مَعَ الْعُوَّادِ يَبْتَدِرَانِ
نَعَمْ وَبَلَى قَالا مَتَى أَنْتَ هَكَذَا ... لِيَسْتَخْبِرَانِي قُلْتُ مِنْذُ زَمَانٍ
فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقْيَةٍ يعْلَمَانِهَا ... وَلا سَلْوَةٍ إِلا بِهَا سَقَيَانِي
فَقَالا شَفَاكَ اللَّهُ وَاللَّهِ مَا لنا ... بِمَا ضمنت مِنْك الضُّلُوعُ يَدَانِ
ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً خَفِيفَةً فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فَقُلْتُ أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ مَا أَظُنُّ هَذَا النَّائِمَ بِفِنَاءِ بَيْتِكِ إِلا قَدْ مَاتَ
قَالَتْ وَاللَّهِ أَظُنُّ ذَلِكَ فَقَامَتْ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ قَاضَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ فَقُلْتُ يَا أَمَةَ اللَّهِ مَنْ هَذَا قَالَتْ عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ الْعُذْرِيُّ وَأَنَا أُمُّهُ قُلْتُ وَمَا صَيَّرَهُ إِلَى هَذَا قَالَتْ الْعِشْقُ لَا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ كَلامَهُ مُنْذُ سَنَةٍ إِلا فِي صَدْرِ يَوْمِنَا هَذَا فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ
مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِي بَاكِيًا أَبَدًا ... فَالْيَوْمَ إِنِّي أَرَانِي الْيَوْمَ مَقْبُوضَا
تسمعننيه فَإِنِّي غَيْرُ سَامِعِهِ ... إِذَا عَلَوْتُ رِقَابَ الْقَوْمِ مَعْرُوضَا
قَالَ النُّعْمَانُ فَأَقَمْتُ وَاللَّهِ عَلَيْهِ حَتَّى غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَحُنِّطَ وَصُلَّى عَلَيْهِ وَدُفِنَ قَالَ قُلْتُ لِلْنُعْمَانِ فَمَا دَعَاكَ إِلَى ذَلِك قَالَ احتساب الْأجر وَاللَّهِ فِيهِ
وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بن مُحَمَّد السَّائِب عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ أَنَّ عَفْرَاءَ لَمَّا بَلَغَهَا وَفَاةُ عُرْوَةَ قَالَتْ لِزَوْجِهَا يَاهَنَاهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ مَا بَلَغَكَ وَاللَّهِ مَا كَانَ ذَلِكَ إِلا عَلَى الْحَسَنِ الْجَمِيلِ وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَرْضِهِ
стр. 417
فِي أَرْضٍ غُرْبَةٍ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِي فَأَخْرُجَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ قَوْمِي فَيَنْدُبْنَهُ وَيَبْكِينَ عَلَيْهِ فَقَالَ إِذَا شِئْتِ فَأَذِنَ لَهَا فَخَرَجَتْ وَقَالَتْ تُرَثِّيهِ
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمَخْبُونُ وَيْحَكُمْ ... بِحَقٍّ نَعَيْتُمْ عُرْوَةَ بْنَ حُزَامِ
فَلا هنىء الْفِتْيَانُ بَعْدَكَ غَارَةٌ ... وَلا رَجَعُوا مِنْ غَيْبَةٍ بِسَلامِ
فَقُلْ لِلْحَبَالَى لَا تُرْجِينَ غَائِبًا ... وَلا فَرِحَاتٍ بَعْدَهُ بِغُلامِ
قَالَ وَلَمْ تَزَلْ تُرَدِّدُ هَذِهِ الأَبْيَاتَ وَتَبْكِي حَتَّى مَاتَتْ فَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِهِ
فَبَلَغَ الْخَبَرُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَوْ عَلِمْتُ بِهَذَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَا
قُلْتُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لَوْ عَلِمْتُ بِهِمَا جَمَعْتُ بَيْنَهُمَا
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُرَاقَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَوْ أَدْرَكْتُ عَفْرَاءَ وَعُرْوَةَ لَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَا
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ فِي كِتَابِ الزَّهْرَةِ حِكَايَةَ مَوْتِ عَفْرَاءَ مَبْسُوطَةً قَالَ لَمَّا انْصَرَفَ عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ مِنْ عِنْدِ عَفْرَاءَ بِنْتِ عُقَالٍ فُتُوُفِّيَ وَحِيدًا مَرَّ بِهِ رَكْبٌ فَعَرَفُوهُ فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَنْزِلِهَا صَاحَ بَعْضُهُمْ
أَلا أَيُّهَا الْقَصْرُ الْمُغَفَّلُ أَهْلَهُ ... بِحَقٍّ نَعَيْنَا عُرْوَةَ بْنَ حُزَامِ فَأَجَابَتْهُ فَقَالَتْ
стр. 418
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمَخْبُونُ وَيْحَكُمْ ... بِحَقٍّ نَعَيْتُمْ عُرْوَةَ بْنَ حُزَامِ
فَأَجَابُوهَا
نَعَمْ قَدْ تَرَكْنَاهُ بِأَرْضٍ بَعِيدَةٍ ... مُقِيمًا بِهَا فِي دَكْدَكٍ وَأَكَامِ
فَقَالَتْ لَهُمْ
فَإِنْ كَانَ حَقًّا مَا تَقُولُونَ فَاعْلَمُوا ... بِأَنْ قَدْ نَعَيْتُمْ نُورَ كُلِّ ظَلامِ
فَلا لَقِيَ الْفِتْيَانُ بَعْدَكَ لَذَّةً ... وَلا رَجَعُوا مِنْ غَيْبَةٍ بِسَلامِ
وَلا وَضَعَتْ أُنْثَى تَمَامًا بِمِثْلِهِ ... وَلا فَرِحَتْ مَنْ بَعْدِهِ بِغُلامِ
وَلا لَا بَلَغْتُمْ حَيْثُ وُجِّهْتُمْ لَهُ ... وَبُغِّضْتُمْ لَذَّاتِ كُلِّ طَعَامِ
ثُمَّ سَأَلَتْهُمْ أَيْنَ دَفَنُوهُ فَأَخْبَرُوهَا فَسَارَتْ إِلَى قَبْرِهِ فَلَمَّا قَرِبُوا مِنْ مَوْضِعِ قَبْرِهِ قَالَتْ إِنِّي أُرِيدُ قَضَاءَ حَاجَةٍ فَأَنْزَلُوهَا فَانْسَلَّتْ إِلَى قَبْرِهِ فَأَكْبَتْ عَلَيْهِ فَمَا رَاعَهُمْ إِلا صَوْتُهَا فَلَمَّا سَمِعُوهَا بَادَرُوا إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ مَمْدُودَةٌ عَلَى الْقَبْرِ قَدْ خَرَجَتْ نَفْسَهَا فَدَفَنُوهَا إِلَى جَانِبِهِ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدثنَا عَليّ ابْن أَيُّوبَ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّخَعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ يَحْيَى الصَّنَعَانِيُّ قَالَ خَرَجَتُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى صَنْعَاءَ فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَنْعَاءَ خَمْسٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يَنْزِلُونَ عَنْ مَحَامِلِهِمْ وَيَرْكَبُونَ دَوَابَّهُمْ فَقُلْتُ أَيْنَ تُرِيدُونَ قَالُوا نُرِيدُ نَنْظُرُ إِلَى قَبْرِ عَفْرَاءَ وَعُرْوَةَ فَنَزَلْتُ عَنْ مَحْمَلِي وَرَكِبْتُ حِمَارِي وَاتَّصَلْتُ بِهِمْ فَانْتَهَيْتُ إِلَى قَبْرَيْنِ مُتَلاصِقَيْنِ قَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْقَبْرِ سَاقُ شَجَرَةٍ وَمِنْ هَذَا سَاقُ شَجَرَةٍ حَتَّى إِذَا صَارَا عَلَى قَامَةٍ الْتَقَيَا فَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ تَآلَفَا فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْمَوْتِ
стр. 419
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ إِسْحَاقُ قُلْتُ لِمُعَاذٍ أَيُّ ضَرْبٍ هُوَ مِنَ الشَّجَرِ فَقَالَ لَا أَدْرِي
وَقَدْ سَأَلْتُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ عَنْهُ فَقَالُوا لَا يُعْرَفُ هَذَا الشّجر ببلادنا وَمن أشعار عُرْوَة المستحسنة
لَوْ أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ وِجْدًا وَمِثْلَهُ ... مِنَ الْجِنِّ بَعْدَ الإِنْسِ يَلْتَقِيَانِ
فَيَشْتَكِيَانِ الْوِجْدَ ثَمَّتْ أَشْتَكِي ... لأَضْعَفِ وِجْدِي فَوْقَ مَا يَجِدَانِ
فَقَدْ تَرَكَتْنِي لَا أَعِي لِمُحَدِّثٍ ... حَدِيثًا وَإِنْ نَاجَيْتُهُ وَنَجَانِي
وَقَدْ تَرَكَتْ عَفْرَاءُ قَلْبِي كَأَنَّهُ ... جَنَاحُ عُقَابٍ دَائِمُ الْخَفَقَانِ
فَصْلٌ وَمِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِشْقِ الْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ بْنِ الأَسْوَدِ أَصْلُهُ مِنْ
خُرَاسَانَ وَنَشَأَ بِبَغْدَادَ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ
وَيْحَ الْمُحِبِّينَ مَا أَشْقَى جُدُودَهُمْ ... إِنْ كَانَ مِثْلَ الَّذِي بِي بِالْمُحِبِّينَا
يُشْقَوْنَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِعِشْقِهِمْ ... لَا يُدْرِكُونَ بِهِ دُنْيَا وَلا دِينَا
يَرِقُّ قَلْبِي لأَهْلِ الْعِشْقِ إِنَّهُمْ ... إِذَا رَأَوْنِي وَمَا أَلْقَى يَرِقُّونَا
قَالَ وَلَهُ أَيْضًا
أَيُّهَا النَّادِبُ قَوْمًا هَلَكُوا ... صَارَتِ الأَرْضُ عَلَيْهِمْ طَبَقَا
انْدُبِ الْعُشَّاقَ لَا غَيْرَهُمْ ... إِنَّمَا الْهَالِكُ مَنْ قَدْ عَشَقَا
стр. 420
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمأْمُونِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ اجْتَمَعَ أَبُو نُوَاسٍ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ
فَاسْتَنْشَدَ أَبُو نُوَاسٍ الْعَبَّاسُ فَأَنْشَدَهُ
حُبُّ الْحِجَازِيَّةِ أَبْلَى الْعِظَامَ ... فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ
سَيِّدَتِي سَيِّدَتِي إِنَّهُ ... لَيْسَ لِمَا بِالْعَاشِقِينَ اكْتِتَامْ
سَيِّدَتِي سَيِّدَتِي إِنَّنِي ... أَعْجَزُ عَنْ حَمْلِ الْبَلايَا الْعِظَامْ
سَيِّدَتِي سَيِّدَتِي فَاسْمَعِي ... دَعْوَةَ مَيِّتٍ عَاشِقٍ مُسْتَهَامْ
وَمَرَّ فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَوَّلُ كُلِّ بَيْتٍ سَيِّدَتِي سَيِّدَتِي فَقَالَ لَهُ أَبُو نُوَاسٍ لَقَدْ خَضَعْتَ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ خُضُوعًا ظَنَنْتَ مَعَهُ أَنَّكَ تَمُوتَ قَبْلَ تَمَامِ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللُّغَوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَزِّ يَقُولُ لَوْ قِيلَ لِي مَا أَحْسَنُ شِعْرٍ تَعْرِفُهُ لَقُلْتُ شِعْرُ الْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ
قَدْ سَحَبَ النَّاسُ أَذْيَالَ الظُّنُونِ بِنَا ... وَفَرَّقَ النَّاسُ فِينَا قَوْلَهُمْ فِرَقَا
فَكَاذِبٌ قَدْ رَمَى بِالظَّنِّ غَيْرَكُمْ ... وَصَادِقٍ لَيْسَ يَدْرِي أَنَّهُ صَدَقَا
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ قَالَ لِي بَعْضُ
стр. 421
أَصْحَابِنَا قَالَ بَشَّارٌ مَا كُنَّا نَعُدُّ هَذَا الْغُلامَ مِنَ الشُّعَرَاءِ يَعْنِي الْعَبَّاسَ بْنَ الأَحْنَفِ حَتَّى قَالَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
نَزَفَ الْبُكَاءُ دُمُوعَ عَيْنِكَ فَالْتَمِسْ ... عَيْنًا لِغَيْرِكَ دَمْعُهَا مِدْرَارُ
مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا ... يَا مَنْ لِعَيْنٍ لِلْبُكَاءِ تُعَارُ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصَّوْلِيُّ لِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ
بَرَغْمِي أُطِيلُ الصَّدَّ عَنْكِ وَأَبْتَلِي ... بِهَجْرِكِ قَلْبًا لَمْ يَزَلْ مِنْكِ مُتْعَبَا
وَمَا أَنَا فِي صَدِّي بِأَوَّلِ ذِي هَوَى ... رَأَى بَعْضَ مَالا يَشْتَهِي فَتَجَنَّبَا
تَجَنَّبَ يَرْتَادُ السُّلُّوَ فَلَمْ يَجِدْ ... لَهُ عَنْكِ فِي الأَرْضِ الْبَعِيدَةِ مَذْهَبَا
قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبِي قَالَ مِنْ بَارِعِ شِعْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ قَوْلُهُ
قَدْ رَقَّ أَعْدَائِي لِمَا حَلَّ بِي ... فَلَيْتَ أَحْبَابِي كَأَعْدَائِي
أَمَّلْتُ بِالْهُجْرَانِ لِي رَاحَةً ... مِنْ جَمَرَاتٍ بَيْنَ أَحْشَائِي
فَازْدَادَ جَهْدِي وَبَلائِي بِهَا ... أَنَا الَّذِي اسْتَشْفَيْتُ بِالدَّاءِ
قَالَ وَقَوْلُهُ
يَا ذَا الَّذِي أَنْكَرَنِي طَرْفُهُ ... أَنْ ذَابَ جِسْمِي وَعَلانِي شُحُوبْ
مَا مَسَّنِي ضُرٌّ وَلَكِنَّنِي ... جَفَوْتُ نَفْسِيَ إِذْ جَفَانِي الْحَبِيبْ
стр. 422
أَخْبَرَنِي أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الصَّوْلِيُّ قَالَ رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّ بَشَّارًا أَنْشَدَ قَوْلَ الْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ أَوَّلَ مَا قَالَ الشِّعْرَ
لَمَّا رَأَيْتُ اللَّيْلَ سَدَّ طَرِيقَهُ ... عَنِّي وَعَذَّبَنِي الظَّلامُ الرَّاكِدُ
وَالنَّجْمُ فِي كَبَدِ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ ... أَعْمَى تَحَيَّرَ مَا لَدَيْهِ قَائِدُ نَادَيْتُ مَنْ طَرَدَ الرُّقَادَ بِنَوْمِهِ ... عَمَّا أُلاقِي وَهُوَ خِلْوٌ هَاجِدُ
فَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ هَذَا الْغُلامُ مَا رَضَى أَنْ يَجَعَلَهُ أَعْمَى حَتَّى جَعَلَهُ بِلا قَائِدٍ قُلْتُ وَقَدْ سَقَطَ مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ بَيْتٌ آخَرُ
نَادَيْتُ مَنْ مَنَعَ الرُّقَادَ بِصَدِّهِ ... حَتَّى مَتَى أَنَا سَاهِرٌ يَا رَاقِدُ
وِلِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ
تَجَنَّبْتُهُمْ وَالْقَلْبُ صَابٍّ إِلَيْهِمْ ... بِنَفْسِي ذَاكَ الْمَنْزِلُ الْمُتَجَنَّبُ
إِذَا ذُكِرُوا أَعْرَضْتُ لَا عَنْ مَلالَةٍ ... وَذكرهمْ شيىء إِلَيَّ مُحَبَّبُ
عَلَى أَنَّهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَيْشِ عِنْدَنَا ... وَأَعْذَبُ مِنْ صَفْوِ الْحَيَاةِ وَأَطْيَبُ
وَلَهُ
إِذَا أَرَدْتَ سُلُوًا كَانَ نَاصِرُكُمْ ... قَلْبِي فَهَل أَنَا مِنْ قَلْبِي بِمُنْتَصِرِ
فَأَكْثِرُوا أَوْ أَقِلُّوا مِنْ إِسَاءَتِكُمْ ... فَكُلُّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَدْرِ
وَضَعْتُ خَدِّيَ لأَدْنَى مَنْ يَطِيفُ بِكُمْ ... حَتَّى احْتُقِرْتُ وَمَا مِثْلِي بِمُحْتَقِرِ
وَلَهُ
قَلْبِي يَقُولُ لِعَيْنِي كُلَّمَا نَظَرَتْ ... كَمْ تَنْظُرِينَ رَمَاكِ اللَّهُ بِالْعَوَرِ
يَا مَنْ يُسَائِلُ عَنْ فَوْزٍ وَصُورَتِهَا ... إِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَهَا فَانْظُرْ إِلَى الْقَمَرِ
مَا زِلْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الشَّمْسَ وَاحِدَةً ... حَتَّى رَأَيْتُ لَهَا أُخْتًا مِنَ الْبَشَرِ
стр. 423
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وابْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ أَنْشَدَنِي أَبِي لِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ قَالَ وَتُرْوَى لِغَيْرِهِ
جَرَى السَّيْلُ فَاسْتَبْكَانِيَ السَّيْلُ إِذْ جَرَى ... وَهَاجَتْ لَهُ مِنْ مُقْلَتَيَّ غُرُوبُ
وَمَا ذَاكَ إِلا حِينَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ ... يَمُرُّ بِوَادٍ أَنْتِ مِنْهُ قَرِيبُ
يَكُونُ أُجَاجًا دُونَكُمْ فَإِذَا انْتَهَى ... إِلَيْكُمْ تَلْقَى طِيبَكُمْ فَيَطِيبُ
فَيَا سَاكِنِي شَرْقَيَّ دِجْلَةٍ كُلُّكُمْ ... إِلَى الْقَلْبِ مِنْ حُبِّ الْحَبِيبِ حَبِيبُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا صَاعِدُ بْنُ سَيَّارٍ قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد ابْن أَبِي سَهْلٍ الْغَوْرَجِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظُ إِجَازَةً قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ السِّجِسْتَانِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ النُّمَيْرِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عُمَرَ الزَّنْبَقِيُّ يَقُولُ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ
لَيْسَ أُمْرُ الْهَوَى يُدْبِرُ بِالرَّأْيِ ... وَلا بِالْقِيَاسِ وَالتَّفْكِيرِ
إِنَّمَا الأَمْرُ فِي الْهَوَى خَطِرَاتٌ ... مُحْدِثَاتُ الأُمُورِ بَعْدَ الأُمُورِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الأَدِيبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السُّكُونِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُكْرِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الثُّمَالِيُّ قَالَ مَاتَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ وَإِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَرُفِعَ خَبَرُهُمْ إِلَى الرَّشِيدِ فَأَمَرَ الْمأْمُونَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ فَوَافَى الْمأْمُونُ وَقَدْ صَفُّوا لَهُ فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ فَقَالَ مَنْ قَدَّمْتُمْ قَالُوا إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخِّرُوهُ وَقَدَّمُوا عَبَّاسًا فَلَمَّا فَرِغَ مِنَ الصَّلاةِ اعْتَرَضَهُ مَنْ قَالَ لَهُ لِمَ قَدَّمْتُ عَبَّاسًا قَالَ بِقَوْلِهِ
سَمَّاكِ لِي قَوْمٌ وَقَالُوا إِنَّهَا ... لَهِيَ الَّتِي تَشْقَى بِهَا وَتُكَابِدُ
стр. 424
فَجَحَدْتُهُمْ لِيَكُونَ غَيْرَكِ ظَنَّهُمْ ... إِنِّي لَيُعْجِبُنِي الْمُحِبُّ الْجَاحِدُ
قَالَ الْخَطِيبُ فِي هَذَا نَظَرٌ لأَنَّ وَفَاةَ الْعَبَّاسِ كَانَتْ بِالْبَصْرَةِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ
وأنبأنا مُحَمَّد ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ سُوَارٍ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّطَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ بَيَّنَّا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ قَاعِدٌ فِي مَجْلِسٍ بِالْبَصْرَةِ إِذَا بِغُلامٍ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَثَوْبًا وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ إِنَّ مَوْلايَ يُرِيدُ أَنْ يُوصِي إِلَيْكَ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخَذَ بَيَدِي حَتَّى أَخَرَجَنِي إِلَى الصَّحْرَاءِ فَإِذَا أَنَا بِالْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ مُلْقَى عَلَى فَرَاشِهِ يَجُودُ بِنَفَسِهِ وَهُوَ يَقُولُ
يَا بَعِيدَ الدَّارِ عَنْ وَطَنِهِ ... مُفْرَدًا يَبْكِي عَلَى شَجَنِهِ
كُلَّمَا جَدَّ النَّحِيبُ بِهِ ... زَادَتِ الأَسْقَامُ فِي بَدَنِهِ
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً فَانْتَبَهَ بِصَوْتِ طَائِرٍ عَلَى شَجَرَةٍ وَهُوَ يَقُولُ
وَلَقَدْ زَادَ الْفُؤَادُ شَجًى ... هَاتِفٌ يَبْكِي عَلَى فَنَنِهِ
شَاقَهُ مَا شَاقَنِي فَبَكَى ... كُلُّنَا يَبْكِي عَلَى سَكَنِهِ
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَظَنَنْتُهُ مِثْلَ الأُولَى فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ
فَصْلٌ وَمِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِشْقِ ذُو الرُّمَّةِ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ
أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الأَعْرَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الْفَزَارِيُّ قَالَ ذُكِرَ ذُو الرُّمَّةِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عِدَّةٌ من الْأَعْرَاب فَقَالَ عصمَة
стр. 425
ابْن مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ شَيْخٌ مِنْهُمْ بَلَغَ مِائَةَ وَعِشْرِينَ سَنَةً إِيَّايَ فَسَلُوا عَنْهُ كَانَ حُلْوَ الْعَيْنَيْنِ حَسَنَ الْمَضْحَكِ بَرَّاقَ الثَّنَايَا خَفِيفَ الْعَارِضِينَ إِذَا نَازَعَكَ الْكَلامَ لَا تَسْأَمُ حَدِيثَهُ وَإِذَا أَنْشَدَ بَرْبَرَ وَجَشَّ صَوْتُهُ جَمَعَنِي وَإِيَّاهُ مَرْبَعٌ مَرَّةً فَأَتَانِي فَقَالَ هَيَا عِصْمَةُ إِنَّ مَيًّا مِنْقَرِيَةٌ وَمِنْقَرٌ أَخْبَثُ حَيٍّ أَقْوَفُهُ لأَثَرٍ وَأَثْبَتُهُ فِي نَظَرٍ وَأَعْلَمُهُ بِبَصَرٍ وَقَدْ عَرَفُوا آثَارَ إِبِلِي فَهَلْ مِنْ نَاقَةٍ نَزْدَارُ عَلَيْهَا مَيًّا
قُلْتُ إِي وَاللَّهِ الْجُؤْذَرُ قَالَ فَعَلَيْنَا بِهَا فَجِئْتُ بِهَا فَرَكِبَ وَرَدَفْتُهُ ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى نَهْبِطَ حَيَّ مَيٍّ وَإِذَا الْحَيُّ خُلُوفٌ فَلَمَّا رَآنَا النِّسْوَةُ عَرَفْنَ ذَا الرُّمَّةِ فَتَقَوَّضْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ حَتَّى اجْتَمَعْنَ إِلَى مِيٍّ وَأَنَخْنَا قَرِيبًا وَحَيَّيْنَاهُنَّ فَقَالَتْ ظَرِيفَةٌ مِنْهُنَّ أَنْشِدْنَا ذَا الرُّمَّةِ فَقَالَ لِي أَنْشِدْهُنَّ فَأَنْشَدْتُهُنَّ قَوْلَهُ
وَقَفَتْ عَلَى رَبْعٍ لِمَيَّةَ نَاقَتِي ... فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهُ
فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ
نَظَرْتُ إِلَى أَظْعَانِ مَيٍّ كَأَنَّهَا ... ذُرَى النَّخْلِ أوأثل تَمِيلُ ذَوَائِبُهْ
فَأَسْبَلَتِ الْعَيْنَانِ وَالْقَلْبُ كاتم ... بمغرورق نمت عَلَيَّ سَوَاكِبُهْ
بَكَى وَامِقٌ جَاءَ الْفُرَاقُ وَلَمْ تُجُلْ ... جَوَائِلَهَا أَسْرَارُهُ وَمَعَاتِبُهْ
следующие страницы →