Полный текст (671 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أَصْحَابِنَا قَالَ بَشَّارٌ مَا كُنَّا نَعُدُّ هَذَا الْغُلامَ مِنَ الشُّعَرَاءِ يَعْنِي الْعَبَّاسَ بْنَ الأَحْنَفِ حَتَّى قَالَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
نَزَفَ الْبُكَاءُ دُمُوعَ عَيْنِكَ فَالْتَمِسْ ... عَيْنًا لِغَيْرِكَ دَمْعُهَا مِدْرَارُ
مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا ... يَا مَنْ لِعَيْنٍ لِلْبُكَاءِ تُعَارُ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصَّوْلِيُّ لِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ
بَرَغْمِي أُطِيلُ الصَّدَّ عَنْكِ وَأَبْتَلِي ... بِهَجْرِكِ قَلْبًا لَمْ يَزَلْ مِنْكِ مُتْعَبَا
وَمَا أَنَا فِي صَدِّي بِأَوَّلِ ذِي هَوَى ... رَأَى بَعْضَ مَالا يَشْتَهِي فَتَجَنَّبَا
تَجَنَّبَ يَرْتَادُ السُّلُّوَ فَلَمْ يَجِدْ ... لَهُ عَنْكِ فِي الأَرْضِ الْبَعِيدَةِ مَذْهَبَا
قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبِي قَالَ مِنْ بَارِعِ شِعْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ قَوْلُهُ
قَدْ رَقَّ أَعْدَائِي لِمَا حَلَّ بِي ... فَلَيْتَ أَحْبَابِي كَأَعْدَائِي
أَمَّلْتُ بِالْهُجْرَانِ لِي رَاحَةً ... مِنْ جَمَرَاتٍ بَيْنَ أَحْشَائِي
فَازْدَادَ جَهْدِي وَبَلائِي بِهَا ... أَنَا الَّذِي اسْتَشْفَيْتُ بِالدَّاءِ
قَالَ وَقَوْلُهُ
يَا ذَا الَّذِي أَنْكَرَنِي طَرْفُهُ ... أَنْ ذَابَ جِسْمِي وَعَلانِي شُحُوبْ
مَا مَسَّنِي ضُرٌّ وَلَكِنَّنِي ... جَفَوْتُ نَفْسِيَ إِذْ جَفَانِي الْحَبِيبْ
стр. 422
أَخْبَرَنِي أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الصَّوْلِيُّ قَالَ رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّ بَشَّارًا أَنْشَدَ قَوْلَ الْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ أَوَّلَ مَا قَالَ الشِّعْرَ
لَمَّا رَأَيْتُ اللَّيْلَ سَدَّ طَرِيقَهُ ... عَنِّي وَعَذَّبَنِي الظَّلامُ الرَّاكِدُ
وَالنَّجْمُ فِي كَبَدِ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ ... أَعْمَى تَحَيَّرَ مَا لَدَيْهِ قَائِدُ نَادَيْتُ مَنْ طَرَدَ الرُّقَادَ بِنَوْمِهِ ... عَمَّا أُلاقِي وَهُوَ خِلْوٌ هَاجِدُ
فَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ هَذَا الْغُلامُ مَا رَضَى أَنْ يَجَعَلَهُ أَعْمَى حَتَّى جَعَلَهُ بِلا قَائِدٍ قُلْتُ وَقَدْ سَقَطَ مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ بَيْتٌ آخَرُ
نَادَيْتُ مَنْ مَنَعَ الرُّقَادَ بِصَدِّهِ ... حَتَّى مَتَى أَنَا سَاهِرٌ يَا رَاقِدُ
وِلِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ
تَجَنَّبْتُهُمْ وَالْقَلْبُ صَابٍّ إِلَيْهِمْ ... بِنَفْسِي ذَاكَ الْمَنْزِلُ الْمُتَجَنَّبُ
إِذَا ذُكِرُوا أَعْرَضْتُ لَا عَنْ مَلالَةٍ ... وَذكرهمْ شيىء إِلَيَّ مُحَبَّبُ
عَلَى أَنَّهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَيْشِ عِنْدَنَا ... وَأَعْذَبُ مِنْ صَفْوِ الْحَيَاةِ وَأَطْيَبُ
وَلَهُ
إِذَا أَرَدْتَ سُلُوًا كَانَ نَاصِرُكُمْ ... قَلْبِي فَهَل أَنَا مِنْ قَلْبِي بِمُنْتَصِرِ
فَأَكْثِرُوا أَوْ أَقِلُّوا مِنْ إِسَاءَتِكُمْ ... فَكُلُّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَدْرِ
وَضَعْتُ خَدِّيَ لأَدْنَى مَنْ يَطِيفُ بِكُمْ ... حَتَّى احْتُقِرْتُ وَمَا مِثْلِي بِمُحْتَقِرِ
وَلَهُ
قَلْبِي يَقُولُ لِعَيْنِي كُلَّمَا نَظَرَتْ ... كَمْ تَنْظُرِينَ رَمَاكِ اللَّهُ بِالْعَوَرِ
يَا مَنْ يُسَائِلُ عَنْ فَوْزٍ وَصُورَتِهَا ... إِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَهَا فَانْظُرْ إِلَى الْقَمَرِ
مَا زِلْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الشَّمْسَ وَاحِدَةً ... حَتَّى رَأَيْتُ لَهَا أُخْتًا مِنَ الْبَشَرِ
стр. 423
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وابْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ أَنْشَدَنِي أَبِي لِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ قَالَ وَتُرْوَى لِغَيْرِهِ
جَرَى السَّيْلُ فَاسْتَبْكَانِيَ السَّيْلُ إِذْ جَرَى ... وَهَاجَتْ لَهُ مِنْ مُقْلَتَيَّ غُرُوبُ
وَمَا ذَاكَ إِلا حِينَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ ... يَمُرُّ بِوَادٍ أَنْتِ مِنْهُ قَرِيبُ
يَكُونُ أُجَاجًا دُونَكُمْ فَإِذَا انْتَهَى ... إِلَيْكُمْ تَلْقَى طِيبَكُمْ فَيَطِيبُ
فَيَا سَاكِنِي شَرْقَيَّ دِجْلَةٍ كُلُّكُمْ ... إِلَى الْقَلْبِ مِنْ حُبِّ الْحَبِيبِ حَبِيبُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا صَاعِدُ بْنُ سَيَّارٍ قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد ابْن أَبِي سَهْلٍ الْغَوْرَجِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظُ إِجَازَةً قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ السِّجِسْتَانِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ النُّمَيْرِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عُمَرَ الزَّنْبَقِيُّ يَقُولُ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ
لَيْسَ أُمْرُ الْهَوَى يُدْبِرُ بِالرَّأْيِ ... وَلا بِالْقِيَاسِ وَالتَّفْكِيرِ
إِنَّمَا الأَمْرُ فِي الْهَوَى خَطِرَاتٌ ... مُحْدِثَاتُ الأُمُورِ بَعْدَ الأُمُورِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الأَدِيبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السُّكُونِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُكْرِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الثُّمَالِيُّ قَالَ مَاتَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ وَإِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَرُفِعَ خَبَرُهُمْ إِلَى الرَّشِيدِ فَأَمَرَ الْمأْمُونَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ فَوَافَى الْمأْمُونُ وَقَدْ صَفُّوا لَهُ فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ فَقَالَ مَنْ قَدَّمْتُمْ قَالُوا إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخِّرُوهُ وَقَدَّمُوا عَبَّاسًا فَلَمَّا فَرِغَ مِنَ الصَّلاةِ اعْتَرَضَهُ مَنْ قَالَ لَهُ لِمَ قَدَّمْتُ عَبَّاسًا قَالَ بِقَوْلِهِ
سَمَّاكِ لِي قَوْمٌ وَقَالُوا إِنَّهَا ... لَهِيَ الَّتِي تَشْقَى بِهَا وَتُكَابِدُ
стр. 424
فَجَحَدْتُهُمْ لِيَكُونَ غَيْرَكِ ظَنَّهُمْ ... إِنِّي لَيُعْجِبُنِي الْمُحِبُّ الْجَاحِدُ
قَالَ الْخَطِيبُ فِي هَذَا نَظَرٌ لأَنَّ وَفَاةَ الْعَبَّاسِ كَانَتْ بِالْبَصْرَةِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ
وأنبأنا مُحَمَّد ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ سُوَارٍ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّطَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ بَيَّنَّا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ قَاعِدٌ فِي مَجْلِسٍ بِالْبَصْرَةِ إِذَا بِغُلامٍ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَثَوْبًا وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ إِنَّ مَوْلايَ يُرِيدُ أَنْ يُوصِي إِلَيْكَ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخَذَ بَيَدِي حَتَّى أَخَرَجَنِي إِلَى الصَّحْرَاءِ فَإِذَا أَنَا بِالْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ مُلْقَى عَلَى فَرَاشِهِ يَجُودُ بِنَفَسِهِ وَهُوَ يَقُولُ
يَا بَعِيدَ الدَّارِ عَنْ وَطَنِهِ ... مُفْرَدًا يَبْكِي عَلَى شَجَنِهِ
كُلَّمَا جَدَّ النَّحِيبُ بِهِ ... زَادَتِ الأَسْقَامُ فِي بَدَنِهِ
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً فَانْتَبَهَ بِصَوْتِ طَائِرٍ عَلَى شَجَرَةٍ وَهُوَ يَقُولُ
وَلَقَدْ زَادَ الْفُؤَادُ شَجًى ... هَاتِفٌ يَبْكِي عَلَى فَنَنِهِ
شَاقَهُ مَا شَاقَنِي فَبَكَى ... كُلُّنَا يَبْكِي عَلَى سَكَنِهِ
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَظَنَنْتُهُ مِثْلَ الأُولَى فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ
فَصْلٌ وَمِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِشْقِ ذُو الرُّمَّةِ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ
أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الأَعْرَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الْفَزَارِيُّ قَالَ ذُكِرَ ذُو الرُّمَّةِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عِدَّةٌ من الْأَعْرَاب فَقَالَ عصمَة
стр. 425
ابْن مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ شَيْخٌ مِنْهُمْ بَلَغَ مِائَةَ وَعِشْرِينَ سَنَةً إِيَّايَ فَسَلُوا عَنْهُ كَانَ حُلْوَ الْعَيْنَيْنِ حَسَنَ الْمَضْحَكِ بَرَّاقَ الثَّنَايَا خَفِيفَ الْعَارِضِينَ إِذَا نَازَعَكَ الْكَلامَ لَا تَسْأَمُ حَدِيثَهُ وَإِذَا أَنْشَدَ بَرْبَرَ وَجَشَّ صَوْتُهُ جَمَعَنِي وَإِيَّاهُ مَرْبَعٌ مَرَّةً فَأَتَانِي فَقَالَ هَيَا عِصْمَةُ إِنَّ مَيًّا مِنْقَرِيَةٌ وَمِنْقَرٌ أَخْبَثُ حَيٍّ أَقْوَفُهُ لأَثَرٍ وَأَثْبَتُهُ فِي نَظَرٍ وَأَعْلَمُهُ بِبَصَرٍ وَقَدْ عَرَفُوا آثَارَ إِبِلِي فَهَلْ مِنْ نَاقَةٍ نَزْدَارُ عَلَيْهَا مَيًّا
قُلْتُ إِي وَاللَّهِ الْجُؤْذَرُ قَالَ فَعَلَيْنَا بِهَا فَجِئْتُ بِهَا فَرَكِبَ وَرَدَفْتُهُ ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى نَهْبِطَ حَيَّ مَيٍّ وَإِذَا الْحَيُّ خُلُوفٌ فَلَمَّا رَآنَا النِّسْوَةُ عَرَفْنَ ذَا الرُّمَّةِ فَتَقَوَّضْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ حَتَّى اجْتَمَعْنَ إِلَى مِيٍّ وَأَنَخْنَا قَرِيبًا وَحَيَّيْنَاهُنَّ فَقَالَتْ ظَرِيفَةٌ مِنْهُنَّ أَنْشِدْنَا ذَا الرُّمَّةِ فَقَالَ لِي أَنْشِدْهُنَّ فَأَنْشَدْتُهُنَّ قَوْلَهُ
وَقَفَتْ عَلَى رَبْعٍ لِمَيَّةَ نَاقَتِي ... فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهُ
فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ
نَظَرْتُ إِلَى أَظْعَانِ مَيٍّ كَأَنَّهَا ... ذُرَى النَّخْلِ أوأثل تَمِيلُ ذَوَائِبُهْ
فَأَسْبَلَتِ الْعَيْنَانِ وَالْقَلْبُ كاتم ... بمغرورق نمت عَلَيَّ سَوَاكِبُهْ
بَكَى وَامِقٌ جَاءَ الْفُرَاقُ وَلَمْ تُجُلْ ... جَوَائِلَهَا أَسْرَارُهُ وَمَعَاتِبُهْ
стр. 426
قَالَتِ الظَّرِيفَةُ لَكِنَّ الْيَوْمَ فَلْتُجِلْ
ثُمَّ مَضَيْتُ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ
وَقَدْ حَلَفَتْ بِاللَّهِ مَيَّةُ مَا الَّذِي ... أُحَادِثُهَا إِلا الَّذِي أَنَا كَاذِبُهْ
إِذَنْ فَرَمَانِي اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا أَرَى ... وَلا زَالَ فِي أَرْضِي عَدُوٌّ أُحَارِبُهْ
قَالَتْ مَيُّ وَيْحَكَ يَا ذَا الرُّمَّةِ خِفْ عَوَاقِبَ اللَّهِ
ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى أَنِ انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ
إِذَا سَرَحَتْ مِنْ حُبِّ مَيٍّ سَوَارِحُ ... عَلَى الْقَلْبِ آبَتْهُ جَمِيعًا عَوَازِبُهْ
فَقَالَتِ الظَّرِيفَةُ قَتَلْتِهِ قَتَلَكِ اللَّهُ
فَقَالَتْ مَيَّةُ مَا أَصَحُّهُ وَهَنِيئًا لَهُ
قَالَ فَتَنَفَّسَ ذُو الرُّمَّةِ تَنَفُسَّةً كَادَ حَرُّهَا يَطِيرُ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ مَضَيْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ
إِذَا نَازَعَتْكَ الْقَوْلَ مَيَّةُ أَوْ بدا ... لَك الْوَجْه مِنْهَا أونضا الدِّرْعَ سَالِبُهْ
فَيَالَكَ مِنْ خَدٍّ أَسِيلٍ وَمَنْطِقٍ ... رَخِيمٍ وَمِنْ خَلْقٍ تَعَلَّلَ جَادِبُهْ
فَقَالَتِ الظَّرِيفَةُ هَذَا الْوَجْهُ قَدْ بَدَا وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ تُنُوزِعَ فَمَنْ لَنَا بِأَنْ يَنْضُو الدِّرْعَ سَالِبُهْ
فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهَا مَيٌّ فَقَالَتْ مَالَكِ قَاتَلَكِ اللَّهُ مَاذَا تُجِيبِينَ بِهِ
فَتَضَاحَكَ النِّسْوَةُ فَقَالَتِ الظَّرِيفَةُ إِنَّ لِهَذَيْنِ لَشَأَنًا فَقُومُوا بِنَا عَنْهُمَا
فَقُمْنَ وَقُمْتُ فَصِرْتُ إِلَى بَيْتٍ قَرِيبٍ مِنْهُمَا أَرَاهُمَا وَلا أَسْمَعُ كَلامَهُمَا إِلا
стр. 427
الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ بَرِحَ مَكَانَهُ وَلا تَحَرَّكَ وَسَمِعْتُهَا تَقُولُ كَذَبْتَ وَاللَّهِ
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا الَّذِي كَذَّبَتْهُ فِيهِ
فَتَحَدَّثَا سَاعَةً ثُمَّ جَاءَنِي وَمَعَهُ قَوَيْرِيرَةً فِيهَا دُهْنٌ طَيِّبٌ فَقَالَ هَذِهِ دَهْنَةٌ أَتْحَفَتْنَا بِهَا مَيٌّ فَشَأْنُكَ بِهَا وَهَذِهِ قَلائِدٌ زَوَّدَتْنَاهَا لِلْجُؤْذَرِ فَلا وَاللَّهِ لَا قَلَّدْتَهُنَّ بَعِيرًا أَبَدًا ثُمَّ عَقَدَهُنَّ فِي ذُؤَابَةِ سَيْفِهِ
قَالَ وَانْصَرَفْنَا فَلم نزل تخْتَلف إِلَيْهَا مَرْبَعَنَا حَتَّى انْقَضَى
ثُمَّ جَاءَنِي يَوْمًا فَقَالَ يَا عِصْمَةُ قَدْ ظَعَنَتْ مَيٌّ فَلَمْ يَبْقَ إِلا الدِّيَارُ وَالنَّظَرُ فِي الآثَارِ فَامْضِ بِنَا نَنْظُرْ إِلَى آثَارِهَا
فَخَرَجْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَى دِيَارِهَا فَجَعَلَ يَنْظُرُ ثُمَّ قَالَ
أَلا فَاسْلَمِي يَا دَارَ مَيَّ عَلَى الْبَلَى ... وَلا زَالَ مُنْهَلا بِجَرْعَائِكِ الْقَطْرُ
وَإِنْ لَمْ تَكُونِي غَيْرَ شَامٍ بِقَفْرَةٍ ... تَجُرُّ بِهَا الأَذْيَالُ صَيْفِيَّةٌ كَدْرُ ثُمَّ انْتَضَحَتْ عَيْنَاهُ بِعَبْرَةٍ فَقُلْتُ مَهْ فَقَالَ إِنِّي لَجَلِدٌ وَإِنْ كَانَ مِنِّي مَا تَرَى
فَمَا رَأَيْتُ صَبَابَةً قَطُّ وَلا تَجَلُدًا أَحْسَنَ مِنْ صَبَابَتِهِ وَتَجَلُّدِهِ يَوْمَئِذٍ
ثُمَّ انْصَرَفْنَا فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ
فَصْلٌ وَمِنْهُمْ تَوْبَةُ مَعَ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وابْنُ نَاصِرٍ
قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّصَيْبِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مَوْلَى لِعَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ
стр. 428
كُنْتُ أَدْخُلُ مَعَ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ إِذَا دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَدَخَلَ يَوْمًا فَدَخَلْتُ إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ عِنْدَ الْحَجَّاجِ غَيْرَ عَنْبَسَةَ فَقَعَدْتُ فَجَاءَ الْحَاجِبُ فَقَالَ امْرَأَةٌ بِالْبَابِ فَقَالَ الْحَجَّاجُ أَدْخِلْهَا فَدَخَلْتُ فَلَمَّا رَآهَا الْحَجَّاجُ طَأْطَأَ رَأْسَهُ
فَجَاءَتْ حَتَّى قَعَدَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ امْرَأَةٌ قَدْ أَسَنَّتْ حَسَنَةُ الْخَلْقِ وَمَعَهَا جَارِيتَانِ لَهَا وَإِذَا هِيَ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ
فَسَأَلَهَا الْحَجَّاجُ عَنْ نَسَبِهَا فَانْتَسَبَتْ لَهُ فَقَالَ يَا لَيْلَى مَا أَتَانِي بِكِ
قَالَتْ إِخْلافُ النُّجُومِ وَقِلَّةُ الْغُيُومِ وَكَلَبُ الْبَرْدِ وَشِدَّةُ الْجَهْدِ وَكُنْتَ بَعْدَ اللَّهِ الرِّفْدَ
فَقَالَ لَهَا صِفِي الْفِجَاجَ
فَقَالَتْ الْفِجَاجُ مُغْبَرَّةٌ وَالأَرْضُ مُقْشَعِرَّةٌ وَالْمَبْرَكُ مُعْتَلٌّ وَذُو الْعِيَالِ مُخْتَلٌّ وَالْهَالِكُ الْمُقِلُّ وَالنَّاسُ مُسْنِتُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ يَرْجُونَ وَأَصَابَتْنَا سِنُونَ مُجْحَفَةٌ مُبْلِطَةٌ لَمْ تَدَعْ لَنَا هُبَعًا وَلا رُبَعًا وَلا عَافِطَةً وَلا نَافِطَةً أَذْهَبَتِ الأَمْوَالَ وَفَرَّقَتِ الرِّجَالَ وَأَهْلَكَتِ الْعِيَالَ
ثُمَّ قَالَتْ إِنِّي قَدْ قُلْتُ فِي الأَمِيرِ قَوْلا قَالَ هَاتِ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ
أَحَجَّاجُ لَا يُفْلَلْ سِلاحُكَ إِنَّمَا الْمَنَايَا بِكَفِّ اللَّهِ حَيْثُ يَرَاهَا ...
стр. 429
أحجاج لَا تُعْطِي الْعُصَاةَ مُنَاهُمُ ... وَلا اللَّهُ يُعْطِي لِلْعُصَاةِ مُنَاهَا
إِذَا هَبَطَ الْحَجَّاجُ أَرْضًا مَرِيضَةً ... تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا ... غُلامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا
سَقَاهَا فَرَوَاهَا بِشُرْبِ سِجِالِهِ ... دِمَاءَ رِجِالٍ حَيْثُ قَالَ حَمَاهَا
إِذَا سَمِعَ الْحَجَّاجُ رَزَّ كَتِيبَةٍ ... أَعَدَّ لَهَا قَبْلَ النُّزُولِ قِرَاهَا
أَعَدَّ لَهَا مَسْمُومَةً فَارِسِيَّةً ... بِأَيْدِي رِجَالٍ يَحْلِبُونَ صَرَاهَا
فَمَا وَلَدَ الأَبْكَارُ وَالْعُوْنُ مِثْلَهُ ... بِنَجْدٍ وَلا أَرْضٍ يَخِفُّ ثَرَاهَا
قَالَ فَلَمَّا قَالَتْ هَذَا قَالَ الْحَجَّاجُ قَاتَلَهَا اللَّهُ مَا أَصَابَ صِفَتِي شَاعِرٌ مُنْذُ دَخَلْتُ الْعِرَاقَ غَيْرُهَا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لأَعُدُّ لِلأَمْرِ عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ أبدا ثمَّ الْتفت إلهيا فَقَالَ حَسْبُكِ وَيْحَكِ حَسْبُكِ ثُمَّ قَالَ يَا غُلامُ اذْهَبْ إِلَى فُلانٍ فَقُلْ لَهُ اقْطَعْ لِسَانَهَا
قَالَ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْحَجَّامِ فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَ إِنَّمَا أَمَرَكَ أَنْ تَقْطَعَ لِسَانِي بِالصِّلَةِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَسْتَبِينَهُ فَاسْتَشَاطَ الْحَجَّاجُ غَضَبًا وَهَمَّ بِقَطْعِ لِسَانِهِ وَقَالَ ارْدُدْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَتْ كَادَ وَأَمَانَة وَالله يَقْطَعُ مَقُولِي ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ
стр. 430
حَجَّاجُ أَنْتَ الَّذِي مَا فَوْقَهُ أَحَدُ ... إِلا الخْلَيِفةُ واَلْمُسْتَغْفَرُ الصَّمَدُ
حَجَّاجُ أَنْتَ شِهَابُ الْحَرْبِ إِذْ لفحت ... وَأَنت للنَّاس نجم فِي الدجا يَقِدُ ثُمَّ أَقْبَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَنْ هَذِهِ قَالُوا لاوالله يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلا أَنَّا لَمْ نَرَ امْرَأَةً قَطُّ أَفْصَحَ لِسَانًا وَلا أَحْسَنَ مُحَاوَرَةً وَلا أَمْلَحَ وَجْهًا وَلا أَرْصَنَ شِعْرًا مِنْهَا فَقَالَ هَذِهِ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ الَّتِي مَاتَ تَوْبَةُ الْخَفَاجِيُّ مِنْ حُبِّهَا
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ أَنْشِدِينَا يَا لَيْلَى بَعْضَ مَا قَالَ فِيكِ تَوْبَةُ
فَقَالَتْ نَعَمْ أَيُّهَا الأَمِيرُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ
وَهَلْ تَبْكِينِ لَيْلَى إِذَا مِتُّ قَبْلَهَا ... وَقَامَ عَلَى قَبْرِي النِّسَاءُ النَّوَائِحُ
كَمَا لَوْ أَصَابَ الْمَوْتُ لَيْلَى بَكَيْتُهَا ... وَجَادَ لَهَا دَمْعٌ مِنَ الْعَيْنِ سَافِحُ
وَأُغْبِطَ مِنْ لَيْلَى بِمَا لَا أَنَالُهُ ... بَلَى كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ الْعَيْنُ صَالِحُ
وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَدُونِي تُرْبَةٌ وَصَفَائِحُ
لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ الْبَشَاشَةِ أَوْ زَقَا ... إِلَيْهَا صَدَى مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ صَائِحُ
فَقَالَ لَهَا زِيدِينَا مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَتْ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ
حَمَامَةُ بَطْنِ الْوَادِيَيْنِ تَرَنَّمِي ... سَقَاكِ مِنَ الْغُرِّ الْغَوَادِي مَطِيرُهَا
أَبِينِي لَنَا لَا زَالَ رِيشُكِ نَاعِمًا ... وَلا زِلْتِ فِي خَضَرَاءَ غَضٍّ نَضِيرُهَا
وَأُشْرِفُ بِالْقُورِ الْيَفَاعِ لَعَلَّنِي ... أَرَى نَارَ لَيْلَى أَوْ يَرَانِي بَصِيرُهَا
стр. 431
وَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا صُدُودٌ رَأَيْتُهُ ... وَإِعْرَاضُهَا عَنْ حَاجَتِي وَبُسُورُهَا
وَكُنْتُ إِذَا مَا جِئْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الْغَدَاةَ سُفُورُهَا
يَقُولُ رِجَالٌ لَا يَضُرُّكَ نَأْيُهَا ... بَلَى كُلُّ مَا شَفَّ النُّفُوسَ يَضِيرُهَا
بَلَى قَدْ يَضُرُّ الْعَيْنُ أَنْ تُكْثِرُ الْبُكَا ... وَيُمْنَعُ مِنْهَا نَوْمُهَا وَسُرُورُهَا
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا
فَقَالَ لَهَا الْحَجَّاجُ يَا لَيْلَى مَا الَّذِي رَابَهُ مِنْ سُفُورِكِ
قَالَتْ أَيُّهَا الأَمِيرُ كَانَ يَلُمُّ بِي كَثِيرًا فَأَرْسَلَ يَوْمًا إِلَيَّ إِنِّي آتِيكِ وَفَطِنَ الْحَيُّ فَأَرْصَدُوا لَهُ فَلَمَّا أَتَانِي سَفَرْتُ فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَشَرٌّ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالرُّجُوعِ
فَقَالَ لِلَّهِ دَرُّكِ فَهَلْ رَأَيْتِ مِنْهُ شَيْئًا تَكْرَهِينَهُ
قَالَتْ لَا وَاللَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ أَنْ يُصْلِحَكَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ لِي مَرَّةً قَوْلا ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ خَضَعَ لِبَعْضِ الأَمْرِ فَأَنْشَأَتُ أَقُولُ
وَذِي حَاجَةٍ قُلْنَا لَهُ لَا تَبُحْ بِهَا ... فَلَيْسَ إِلَيْهَا مَا حَيِيتَ سَبِيلُ
لَنَا صَاحِبٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَخُونَهُ ... وَأَنْتَ لأُخْرَى فَارِغٌ وَخَلِيلُ
فَلا وَالَّذِي أَسْأَلُهُ أَنْ يُصْلِحَكَ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ... قَالَ ثُمَّ مَهْ قَالَتْ ثُمَّ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي غُزَاةٍ لَهُ فَأَوْصَى ابْنُ عَمِّهِ إِذَا أَتَيْتَ الْحَاضِرَ مِنْ بَنِي عُبَادَةَ فَنَادِ بِأَعْلَى صَوْتِكَ
стр. 432
عَفَا اللَّهُ عَنْهَا هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... مِنَ الدَّهْرِ لَا يَسْرِي إِلَيَّ خَيَالُهَا
فَخَرَجْتُ وَأَنَا أَقُولُ
وَعَنْهُ عَفَا وَرَبِّي وَأَحْسَنَ حَالَهُ ... فَعَزَّتْ عَلَيْنَا حَاجَةً لَا يَنَالُهَا
قَالَ ثُمَّ مَهْ قَالَتْ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ فَأَتَانَا نَعْيُهُ
قَالَ فَأَنْشِدِينَا بَعْضَ مَرَاثِيكِ فِيهِ فَأَنْشَدَتْ
لِتَبْكِ الْعَذَارَى مِنْ خُفَاجَةَ نِسْوَةٌ ... بِمَاءِ شُئُونِ الْعَبْرَةِ الْمُتَحَدِّرِ
كَأَنَّ فَتَى الْفِتْيَانِ تَوْبَةَ لَمْ يُنِخْ ... قَلائِصَ يَفْحَصْنَ الْحَصَا بِالْكَرَاكِرِ
قَالَ فَأَنْشِدِينَا فَأَنْشَدْتُهُ فَلَمَّا فَرَغِتْ مِنَ الْقَصِيدَةِ قَالَ مِحْصَنٌ الْفَقْعَسِيُّ وَكَانَ مِنْ جُلَسَاءِ الْحَجَّاجِ مَنْ هَذَا الَّذِي تَقُولُ هَذِهِ هَذَا فِيهِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّهَا كَاذِبَةً
فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَتْ أَيُّهَا الأَمِيرُ إِنَّ هَذَا الْقَائِلَ لَوْ رَأَى تَوْبَةَ لَسَرَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي دَارِهِ عَذْرَاءَ إِلا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ فَقَالَ الْحَجَّاجُ هَذَا وَأَبِيكِ الْجَوَابُ وَقَدْ كُنْتَ عَنْهُ غَنِيًا
ثُمَّ قَالَ لَهَا سَلِي يَا لَيْلَى تُعْطَيْ قَالَتْ أُعْطِ فَمِثْلُكَ أَعْطَى فَأَحْسَنَ قَالَ لَكِ عِشْرُونَ قَالَتْ زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَجْمَلَ قَالَ لَكِ أَرْبَعُونَ قَالَتْ زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَفْضَلَ قَالَ لَكِ سِتُّونَ قَالَتْ زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَكْمَلَ قَالَ لَكِ ثَمَانُونَ قَالَتْ زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَتَمَّ قَالَ لَكِ مِائَةٌ وَاعْلَمِي يَا لَيْلَى أَنَّهَا غَنَمٌ
قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْتَ أَجْوَدُ جُودًا وَأَمْجَدُ مَجْدًا وأورى زندا من أَن نَجْعَلهَا غَنَمًا قَالَ فَمَا هِيَ وَيْحَكِ يَا لَيْلَى قَالَتْ مِائَةُ نَاقَةٍ بِرِعَائِهَا
стр. 433
فَأَمَرَ لَهَا بِهَا ثُمَّ قَالَ أَلَكِ حَاجَةً بَعْدَهَا قَالَتْ تَدْفَعُ إِلَيَّ النَّابِغَةَ الْجَعْدِيَّ فِي قَرَنٍ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ وَقَدْ كَانَتْ تَهْجُوهُ وَيَهْجُوهَا
فَأَبْلَغَ النَّابِغَةَ ذَلِكَ فَفَرَّ هَارِبًا عَائِذًا بِعَبْدِ الْمَلِكِ فَاتَّبَعَتْهُ إِلَى الشَّامِ فَهَرَبَ إِلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ فَاتَّبَعَتْهُ عَلَى الْبَرِيدِ بِكِتَابِ الْحَجَّاجِ إِلَى قُتَيْبَةَ فَمَاتَتْ بِقَوْمَسَ وَيُقَالُ بِحُلْوَانٍ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ طهر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ بْنُ طِرَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْخُتَّلِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ النَّسَائِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ زَيْدٍ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ تَوْبَةَ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ إِنَّ زَوْجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّ بِقَبْرِ تَوْبَةَ وَلَيْلَى مَعَهُ فَقَالَ لَهَا يَا لَيْلَى هَلْ تَعْرِفِينَ هَذَا الْقَبْرَ فَقَالَتْ لَا قَالَ هَذَا قَبْرُ تَوْبَةَ فَسَلَّمِي عَلَيْهِ قَالَتِ امْضِ لِشَأْنِكَ فَمَا تُرِيدُ مِنْ تَوْبَةَ وَقَدْ بَلِيَتْ عِظَامُهُ
قَالَ أُرِيدُ تَكْذِيبَهُ أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ
وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَدُونِي تُرْبَةٌ وَصَفَائِحُ
لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ الْبَشَاشَةِ أوزقا ... إِلَيْهَا صَدَى مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ صَائِحُ
فَوَاللَّهِ لَا بَرِحْتِ أَوْ تُسَلِّمِي عَلَيْهِ
فَقَالَتْ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا تَوْبَةَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا صِرْتَ إِلَيْهِ
فَإِذَا طَائِرٌ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْقَبْرِ حَتَّى ضَرَبَ صَدْرَهَا فَشَهِقَتْ شَهْقَةٌ فَمَاتَتْ فَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِ قَبْرِهِ فَنَبَتَتْ عَلَى قَبْرِهِ شَجْرَةٌ وَعَلَى قَبْرِهَا شَجْرَةٌ فَطَالَتَا فَالْتَقَيَا
وَمِنْ مَحَاسِنِ أَشْعَارِ تَوْبَةَ
стр. 434
يَقُولُ رِجَالٌ لَا يُضِيرُكَ نَأْيُهَا ... أَلا كُلُّ مَا شَفَّ النُّفُوسَ يُضِيرُهَا
أَلَيْسَ يَضُرُّ الْعَيْنُ أَنْ تُدْمِنَ الْبُكَا ... وَيُمْنَعُ مِنْهَا نَوْمُهَا وَسُرُورُهَا
أَرَى الْيَوْمَ يَأْتِي دُونَ لَيْلَى كَأَنَّمَا ... أَتَتْ دُونَ لَيْلَى حِجَّةٌ وَشُهُورُهَا
خَلِيلَيَّ مَا مِنْ سَاعَةٍ تَقِفَا بِهَا ... مِنَ اللَّيْلِ إِلا مِثْلَ أُخْرَى نَسِيرُهَا
حَمَامَةُ بَطْنِ الْوَادِيَيْنِ أَلا اسْلَمِي ... سَقَاكِ الْغُرِّ الْغَوَادِي مَطِيرُهَا
أَبِينِي لَنَا لَا زَالَ رِيشُكِ نَاعِمًا ... وَبَيْضُكِ فِي خَضْرَاءَ غَضٍّ نَضِيرُهَا
وَكُنْتُ إِذَا زُرْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الْغَدَاةَ سُفُورُهَا
أَلا يَا صَفِيَّ النَّفْسِ كَيْفَ تَقُولُهَا ... لَوْ أَنَّ طَرِيدًا خَائِفًا يَسْتَجِيرُهَا
عَلَى دَمَاءِ الْبَدَنِ إِنْ كَانَ زَوْجُهَا ... يَرَى لِي ذَنْبًا غَيْرَ أَنِّي أَزُورُهَا
وَإِنِّي إِذَا مَا زُرْتُهَا قُلْتُ يَا اسْلَمِي وَمَا كَانَ فِي قَلْبِي لَهَا مَا يَضِيرُهَا
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّيَ فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا
وَلَهُ وَلَو أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَدُونِي تُرْبَةٌ وصفائح
стр. 435
لسلمت تَسْلِيم البشاشة أوزقا ... إِلَيْهَا صَدَى مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ صَائِحُ
إِذَا النَّاسُ قَالُوا كَيْفَ أَنْتَ وَقَدْ بَدَا ... ضَمِيرُ الَّذِي بِي قُلْتُ لِلنَّاسِ صَالِحُ
فَهَلْ تَبْكِنِي لَيْلَى إِذَا مِتُّ قَبْلَهَا ... وَقَامَ عَلَى قَبْرِي النِّسَاءُ النَّوَائِحُ
كَمَا لَوْ أَصَابَ الْمَوْتُ لَيْلَى بَكَيْتُهَا ... وَجَادَ لَهَا دَارٌ مِنَ الدَّمْعِ سَافِحُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
فَإِنْ تَمْنَعُوا لَيْلَى وَحُسْنَ حَدِيثِهَا ... فَهَلْ تَمْنَعُوا مِنِّي الْبُكَا وَالْقَوَافِيَا
فَهَلا مَنَعْتُمْ إِذْ مَنَعْتُمْ كَلامَهَا ... خَيَالا يُمْسِينَا عَلَى النَّأْيِ هَادِيَا
يَلُومُكَ فِيهَا الَّلائِمُونَ فَصَاحَةً ... فَلَيْتَ الْهَوَى بِالَّلائِمِينَ مَكَانِيَا
لَعَمْرِي لَقَدْ أَسْهَدَتْنِي حَمَامَةُ الْعَقِيقِ ... وَقَدْ أَبْكَيْتُ مَنْ كَانَ بَاكِيَا
وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى فِي بِلادٍ بَعِيدَةٍ ... بِأَقْصَى بِلادِ اللَّهِ فَالْحُرُّ وَادِيَا
لَكَانَتْ حَدِيثَ النَّفْسِ لَا يَلْحُنِي بِهَا ... إِذَا عَلِقَ الرَّكْبُ الْحَدِيثَ فُؤَادِيَا
ذَكَرْتُكِ بِالْقُورِ التُّهَامَى فَأُصْدِعَتْ ... شُجُونُ الْهَوَى حَتَّى بَلَغْنَ التَّرَاقِيَا
بِثَمْدَيْنِ لاحَتْ نَارُ لَيْلَى وَصُحْبَتِي ... بِقَرْعِ الغضا تزجي القلاص الخوافيا
فصل وَمِنْهُمْ جَمِيلٌ وَبُثَيْنَةُ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ
بْنُ أَحْمَدَ قَالَ كُنْتُ مَارًّا بَيْنَ تَيْمَاءَ وَوَادِي الْقُرَى صَادِرًا مِنْ مَكَّةَ فَرَأَيْتُ صَخْرَةً عَظِيمَةً مَلْسَاءَ فِيهَا تَرْبِيعٍ بِقَدْرِ
стр. 436
مَا يَجْلِسُ عَلَيْهَا النَّفَرُ كَالدِّكَةِ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَنَا مِنَ الْعَرَبِ وَأَظُنُّهُ جُهَنِيًّا هَذَا مَجْلِسُ جَمِيلٍ وَبُثَيْنَةَ فَاعْرِفْهُ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمَدَائِنِيُّ قَالَ قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ رَجُلا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ لَمَّا عَلِقَ جَمِيلٌ بُثَيْنَةَ وَجَعَلَ يُشَبِّبُ بِهَا اسْتَعَدَى عَلَيْهِ أَهْلُهَا رِبْعِيَّ بْنَ دَجَاجَةَ وَهُوَ يَؤْمَئِذٍ أَمِيرُ تَيْمَاءَ
فَخَرَجَ جَمِيلٌ هَارِبًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَجُلٍ مِنْ عُذْرَةَ بِأَقْصَى بِلادِهِمْ وَكَانَ سَيَّدًا فَاسْتَجَارَ بِهِ
وَكَانَ لِلرَّجُلِ سَبْعُ بَنَاتٍ فَلَمَّا رَأَى جَمِيلا رَغِبَ فِيهِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُ لَيْسَلُو عَنْ بَثُيَنْةَ فَقَالَ لِبَنَاتِهِ الْبِسْنَ أَحْسَنَ ثِيَابِكُنَّ وَتَحَلَّيْنَ بَأَحْسِنِ حُلِيِّكُنَّ وَتَعَرَّضْنَ لَهُ فَلَعَلَّ عَيْنَهُ أَنْ تَقَعَ عَلَى إِحْدَاكُنَّ فَأُزَوِّجُهُ إِيَّاهَا
قَالَ وَكَانَ جَمِيلٌ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ فَإِذَا أَقْبَلَ رَفَعْنَ جَانِبَ الْخِبَاءِ فَإِذَا رَآهُنَّ صَرَفَ وَجْهَهُ
قَالَ فَفَعَلْنَ ذَلِكَ مِرَارًا فَعَرَفَ جَمِيلٌ مَا أَرَادَ بِهِ الشَّيْخُ فَقَالَ
حَلَفْتُ لِكَيْمَا تَعْلَمِينِيَ صَادِقًا ... وَلَلْصِدْقِ خَيْرٌ فِي الأُمُورِ وَأَنْجَحُ
لَتَكْلِيمُ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ بُثَيْنَةَ ... وَرُؤْيَتُهَا عِنْدِي أَلَذُّ وَأَمْلَحُ
مِنَ الدَّهْرِ لَوْ أَخْلُو بِكُنَّ وَإِنَّمَا ... أُعَالِجُ قَلْبًا طَامِحًا حِينَ يَطْمَحُ
стр. 437
فَقَالَ الشَّيْخُ أَرْخِينَ عَلَيْكُنَّ الْخِبَاءَ فَوَاللَّهِ لَا يُفْلِحُ هَذَا أَبَدًا
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْمُقَتْدِرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الصَّوْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ جَمِيلا بِمِصْرَ قَالَ مَنْ يُعْلِمُ لِي بُثَيْنَةَ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا فَلَمَّا مَاتَ صَارَ إِلَى حَيِّ بُثَيْنَةَ فَقَالَ
بَكَرَ النَّعْيُ وَمَا كَنَى بِجَمِيلِ ... وَثَوَى بِمِصْرَ ثَوَاءَ غَيْرِ قُفُولِ
بَكَرَ النَّعِيُّ بِفَارِسٍ ذِي هِمَّةٍ ... بَطَلٍ إِذَا حَمَلَ اللِّوَاءَ مُدِيلِ
فَسَمِعَتْ بُثَيْنَةَ فَخَرَجَتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ تَقُولُ
وَإِنَّ سُلُوِّيَ عَنْ جَمِيلٍ لَسَاعَةٌ ... مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلا حَانَ حِينُهَا
سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ ... إِذَا مِتَّ بَأْسَاءُ الْحَيَاةِ وَلِينُهَا
وَبَلَغَنَا مِنْ طُرِقٍ أُخْرَى عَنْ جَمِيلٍ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ
مَنْ يَأْخُذُ نَاقَتِي وَمَا عَلَيْهَا وَيَأْتِي مَاءَ بَنِي فُلانٍ وَيَنْشُدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
بَكَرَ النَّعْيُ وَمَا كَنَى بِجَمِيلِ ... وَثَوَى بِمِصْرَ ثَوَاءَ غَيْرِ قُفُولِ
غَدَرَ الزَّمَانُ بِفَارِسٍ ذِي هِمَّةٍ ... ثَبْتٍ إِذَا حَمَلَ اللِّوَاءَ نَزُولِ
فَلَمَّا قَضَى حَيَاتَهُ أَتَى الرَّجُلُ الْمَاءَ فَأَنْشَدَ الْبَيْتَيْنِ فَخَرَجَتْ بُثَيْنَةُ نَاشِرَةً شَعْرَهَا شَاقَةً جَيْبَهَا لاطِمَةً خدها وَهِي تَقول يَا أَيهَا النَّاعِي بِفِيكَ الْحَجَرُ
стр. 438
أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ كَذَبْتَنِي لَقَدْ فَضَحْتَنِي وَإِنْ كُنْتَ صَدَقَتَنِي لَقَدْ قَتَلْتَنِي ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ
وَإِنَّ سُلُوِّيَ عَنْ جَمِيلٍ لَسَاعَةٌ ... مِنَ الدَّهْرِ مَا جَاءَتْ وَلا جَاءَ حِينُهَا
سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ ... إِذَا مِتَّ بَأْسَاءُ الْحَيَاةُ وَلِينُهَا
وَيُقَالُ إِنَّهَا لَمْ تَقُلْ شِعْرًا غَيْرَهُ وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ أَشْعَارِ جَمِيلٍ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ التَّوْزِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ قَالَ قَالَ جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ
خَلِيلَيَّ عُوجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا ... عَلَى عَذْبَةُ الأَنْيَابِ طَيِّبَةُ النَّشْرِ
فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً ... شَكَرْتُكَمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي
وَإِنَّكُمَا إِنْ لَمْ تَعُوجَا فَإِنَّنِي ... سَأَصْرِفُ وِجْدِي فَائْذَنَا الْيَوْم بالهجر
وَمَالِي لَا أَبْكِي وَفِي الأَيْكِ نَائِحٌ ... وَقَدْ فَارَقَتْنِي شَخْتَةُ الْكَشْحِ وَالْخَصْرِ
أَيَبْكِي حَمَامُ الأَيْكِ مِنْ فَقْدِ إِلْفِهِ ... وَأَصْبِرُ مَا بِي عَنْ بُثَيْنَةَ مِنْ صَبْرِ
يَقُولُونَ مَسْحُورٌ يُجَنُّ بِذِكْرِهَا ... وَأُقْسِمُ مَا بِي مِنْ جُنُونٍ وَلا سِحْرُ
وَأُقْسِمُ لَا أَنْسَاكِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ ... وَمَا خَبَّ آلٌ فِي مُلَمَّعَةِ قَفْرِ
وَمَا لاحَ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ مُعَلَّقٌ ... وَمَا أَوْرَقَ الأَغْصَانُ مِنْ وَرَقِ السِّدْرِ
لَقَدْ شَغَفَتْ نَفْسِي بُثَيْنُ بِذِكْرِكُمْ ... كَمَا يُشْغَفُ الْمَخْمُورُ يَا بُثْنُ بِالْخَمْرِ
ذَكَرْتُ مَقَامِيَ لَيْلَةَ الْبَانِ قَابِضًا ... عَلَى كَفِّ حَوْرَاءَ الْمَدَامِعِ كَالْبَدْرِ
стр. 439
وَكِدْتُ وَلَمْ أَمْلُكْ إِلَيْهَا صَبَابَةً ... أَهِيمُ وَفَاضَ الدَّمْعُ مِنِّي عَلَى النَّحْرِ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... كَلَيْلَتِنَا حَتَّى نَرَى سَاطِعَ الْفَجْرِ
تَجُودُ عَلَيْنَا بِالْحَدِيثِ وَتَارَةً ... تَجُودُ عَلَيْنَا بِالرُّضَابِ مِنَ الثَّغْرِ
فَلَيْتَ إِلَهِي قَدْ قَضَى ذَاكَ مَرَّةً ... فَيَعْلَمُ رَبِّي حِينَ ذَلِكَ مَا شُكْرِي
وَلَوْ سَأَلَتْ مِنِّي حَيَاتِي بَذَلْتُهَا ... وَجُدْتُ بِهَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِي
وَمِنْ أَشْعَارِهِ
رَأَيْتُكَ تَأْتِي الْبَيْتَ تُبْغِضُ أَهْلَهُ ... وَقَلْبُكَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي أَنْتَ هَاجِرُهُ
أَجِدُّكَ لَا يُنْسِيكَ جُمْلا وَذِكْرَهَا ... تَطَاوُلُ هَذَا اللَّيْلِ ثُمَّ تَقَاصُرُهُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
طَرِبْتُ وَهَاجَ الشَّوْقُ مِنِّي وَرُبَّمَا ... طَرِبْتُ وَأَبْكَانِي الْحَمَامُ الْهَوَاتِفُ
وَأَصْبَحْتُ قَدْ ضَمَّنْتُ صَدْرِي حَرَارَةً ... وَفِي الصَّدْرِ بِلْبَالٌ تَلِيدُ وَطَارِفُ
إِذَا ذَكَرَتْكِ النَّفْسُ ظَلْتُ كَأَنَّنِي ... يُقَرِّفُ قَرْحًا فِي فُؤَادِيَ قَارِفُ
وَقُلْتُ لِقَلْبٍ قَدْ تَمَادَى بِهِ الْهَوَى ... وَأَبْلاهُ حُبٌّ مِنْ بُثَيْنَةَ رَادِفُ
لَعَمْرُكِ لَوْلا الذِّكْرُ لانْقَطَعَ الْهَوَى ... وَلَوْلا الْهَوَى مَا جَنَّ لِلْبَيْنِ آلِفِ
وَصَاحَ بِشِعْبِ الدَّارِ مِنَّا وَمِنْهُمُ ... غَدَاةَ ارْتَحَلْنَا لِلتَّفَرُّقِ هَاتِفِ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَلا لَا أُبَالِي جَفْوَةَ النَّاسِ بَعْدَمَا ... بَدَا مِنْكِ رَأَيٌ يَا بُثَيْنُ جَمِيلُ
وَمَا لَمْ تُطِيعِي كَاشِحًا وَتَبَدَّلِي ... بِنَا بَدَلا أَوْ بَانَ مِنْكِ ذُهُولُ
وَإِنَّ صَبَابَاتِي إِلَيْكِ كَثِيرَةٌ ... بُثَيْنُ وَنِسْيَانِيكُمْ لَقَلِيلُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
رَسْمُ دَارٍ وَقَفْتُ فِي طَلَلِهِ ... كِدْتُ أَقْضِي الْحَيَاةَ مِنْ جَلَلِهْ
стр. 440
مُوحِشًا مَا تَرَى بِهِ أَحَدًا ... تَنْسِجُ الرِّيحُ ثَوْبَ مُعْتَدِلِهْ
قَدْ أَصُونُ الْحَدِيثَ دُونَ خَلِيلٍ ... لَا أَخَافُ الأَذَاةَ مِنْ قِبَلِهْ
غَيْرَ مَا بِغْضَةٍ وَلا لاجْتِنَابٍ ... غَيْرَ أَنَّ الْمُحِبَّ مِنْ وَجَلِهْ
وَلَهُ
أَصْبَحْتَ وَدَّعْتَ الصَّبَابَةَ وَالْجَهْلا ... وَقَالَ لَكَ الشَّيْبُ الَّذِي قَدْ عَلا مَهْلا
وَقَالَ الأُلَى كَانُوا لِدَاتِكَ هَلْ تَرَى ... إِلَى الشَّيْبِ فَاجْدُدْ جِدَّنَا وَدَعِ الْهَزْلا
فَكَيْفَ وَقَدْ لَجَّتْ مِنَ الْعَيْنِ نَظْرَةٌ ... لِبُثْنَةَ تَأْبَى أَنْ تَبُتَّ لَهَا حَبْلا
وَتَرْجِعُ عَيْنِي بِالرِّضَا مِنْ لِقَائِهَا ... وَلَمْ تَكُ تَرْضَى الْبُخْلَ مَا أَعْيَبَ الْبُخْلا
تَرَى الْعَيْنُ مِنْهَا مَا لَوْ أَنَّكَ قَادِرٌ ... عَلَيْهِ إِذَنْ لَمْ تَبْغِ مَالا وَلا أَهْلا
بُثَيْنَةُ مِنْ صِنْفٍ يَقَلِّبْنَ أَيْدِيَ الرُّمَاةَ ... وَمَا يَحْمِلْنَ قَوْسًا وَلا نَبْلا
وَلَوْ كُنَّ يَصْطَدْنَ الْقُلُوبَ بِشِكَّةٍ ... لَمَ اعْجَبْ وَلَكِنْ كَيْفَ يَصْطَدْنَهَا غُزْلا
وَلَهُ فِي أُخْرَى
فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا سَاعِيًا بِنَمِيمَةٍ ... لآخَرَ لَمْ يَعْمَلْ بِكَفٍّ وَلا رِجْلِ
إِذَا مَا تَذَاكَرْنَا الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا ... جَرَى الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيْ بُثَيْنَةَ بِالْكُحْلِ
كِلانَا بَكَى أَوْ كَادَ يَبْكِي صَبَابَةً ... إِلَى إِلْفِهِ وَاسْتَعْجَلَتْ عَبْرَةً قَبْلِي
فياويح نَفْسِي حَسْبُ نَفْسِي الَّذِي بِهَا ... وَيَا وَيْحَ أَهْلِي مَا أُصِيبَ بِهِ أَهْلِي
وَلَوْ تَرَكَتْ عَقْلِي مَعِي مَا طَلَبْتُهَا ... وَلَكِنْ طِلابِيهَا لِمَا فَاتَ مِنْ عَقْلِي
خَلِيلَيَّ فِيمَا عِشْتُمَا هَلْ رَأَيْتُمَا ... قَتِيلا بَكَى مِنْ حُبِّ قَاتِلِهِ قَبْلِي
فَإِنْ قَرُبَتْ لَمْ يَنْفَعِ الْقُرْبُ عِنْدَهَا ... وَإِنْ بَعُدَتْ زَادَتْكَ خَبْلا عَلَى خَبْلِ
أُولَئِكَ إِنْ يَمْنَعْنَ فَالْمَنْعُ شِيمَةٌ ... لَهُنَّ وَإِنْ يُعْطِينَ يُعْطِينَ عَنْ بُخْلِ
стр. 441
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَرَاعَكَ بِالْبَينِ الْخَلِيطُ الْمُزَايِلُ ... وَمَنْ وُدُّهُ فِي أَسْوَدِ الْقَلْبِ دَاخِلُ
فَقَدْ جَعَلَ اللَّيْلُ الْقَصِيرُ لَنَا بِهَا ... عَلَيَّ بِرَوْعَاتِ الْهَوَى يَتَطَاوَلُ
إِذَا مَا اعْتَرَتْنِي لَوْعَةٌ فَادَّكَرْتُهَا ... تَجَدَّدَ وَجْدِي وَاعْتَرَتْنِي الْبَلابِلُ
فَبِتُّ نَجِيًّا لِلْهُمُومِ مُسَهَّدًا ... وَنَامَتْ فَلَمْ يَأْرَقْ لِذَاكَ الْعَوَاذِلُ
أَلا رُبَّ لاحٍ لَوْ بَلا الْحُبَّ لَمْ يُلَمْ ... وَلَكِنَّهُ مِنْ سَوْرَةِ الْحُبِّ جَاهِلُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
وَلَرُبَّ عَارِضَةٍ عَلَيْنَا وَصْلَهَا ... بِالْجِدِّ تَخْلِطُهُ بِقَوْلِ الْهَازِلِ
فَأَجَبْتُهَا بِالْقَوْلِ بَعْدَ تَسَتُّرٍ ... حُبِّي بُثَيْنَةَ عَنْ وِصَالِكِ شَاغِلِي
لَوْ كَانَ فِي قَلْبِي كَقَدْرِ قُلامَةٍ ... فَضْلٌ وَصَلْتُكِ أَوْ أَتَتْكِ رَسَائِلِي
وَلَهُ فِي أُخْرَى
وَلَمَّا عَصَيْتُ النَّاصِحِينَ وَلَمْ أُطِعْ ... مَقَالَتَهُمْ أَلْقَوْا عَلَى غَارِبِي حَبْلِي
بُثَيْنَةُ إِنِّي قَدْ عَصَيْتُ عَوَاذِلِي ... وَإِنَّكِ لَا تَعْصِينَ مَنْ لامَ مِنْ أَجْلِي
تُرِيدِينَ قَتْلِي لَا تُرِيدِينَ غَيْرَهُ ... وَمَاذَا الَّذِي يُرْضِيكِ يَا بُثْنُ مِنْ قَتْلِي
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَهَاجَتْكِ الْمَعَارِفُ وَالْطُّلُولُ ... عَفَوْنَ وَخَفَّ مِنْهُنَّ الْحُلُولُ
نَعَمْ فَذَكَرْتُ دُنْيَا قَدْ تَقَضَّتْ ... وَأَيُّ نَعِيمِ دُنْيَا لَا يَزُولُ
بِرَابِيَةٍ تُجَنُّ الرِّيحُ فِيهَا ... كَمَا جُنَّتْ مُوَلَّهَةٌ عَجُولُ
أماثل دَارَ بُثْنَةَ أَيْنَ حَلَّتْ ... كَأَنَّ الدَّارَ تَفْقَهُ مَا أَقُولُ
فَهَمَّ صَحَابَتِي أَنْ يَعْذِلُونِي ... فَقُلْتُ لَهُمْ أَلَيْسَ لَكُمْ عُقُولُ
стр. 442
مَلامُكُمْ عَلَيَّ أَذًى وَضَرٌّ ... وَمَوْقِفُ سَاعَةٍ مِنْكُمْ قَلِيلُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَلا أَيُّهَا الْقَلْبُ اللَّجُوجُ أَلا تَسْلُو ... أَلَسْتَ بِذِي عَقْلٍ فَيَنْفَعُكَ الْعَقْلُ
فَتَتْرُكَ هَذَا الْجَهْلَ يَوْمًا لِغَيْرِهِ ... إِذَا أَنْتَ لَمْ يُعْرَفْ لأَمْثَالِكَ الْجَهْلُ
أَظُنُّ هَوَاهَا تَارِكِي بِمُضِلَّةٍ مِنَ الأَرْضِ لَا مَالٌ لَدَيَّ وَلا أَهْلُ
وَلا أحدا أَقْضِي إِلَيْهِ وَصَّيَتِي ... وَلا وَارِثَ إِلا الْمَطِيَّةُ وَالرَّحْلُ
مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأُلَى كُنَّ قَبْلَهَا ... وَحَلَّتْ مَكَانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
لَحَى اللَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعُ الْوُدُّ عِنْدَهُ ... وَمَنْ حَبْلُهُ إِنْ مُدَّ غَيْرُ مَتِينِ
وَمَنْ هُوَ إِنْ تُحْدِثْ لَهُ الْعَيْنُ نَظْرَةٌ ... يَقْطَعُ لَهَا أَسْبَابَ كُلِّ قَرِينِ
وَمَنْ هُوَ ذُو لَوْنَيْنِ لَيْسَ بِدَائِمٍ ... عَلَى خُلُقٍ خَوَّانُ كُلِّ أَمِينِ
فَلَيْتَ رِجَالا فِيكَ قَدْ نَذَرُوا دَمِي ... وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنُ لَقُونِي
إِذَا مَا رَأَوْنِي طَالِعًا مِنْ ثَنِيَّةٍ ... يَقُولُونَ مَنْ هَذَا وَقَدْ عَرَفُونِي
يَقُولُونَ لِي أَهْلا وَسَهْلا وَمَرَحْبًا ... وَلَوْ ظَفَرُوا بِي سَاعَةً قَتَلُونِي
أَرَادُوا لِكَيْمَا يَقْتُلُونِي وَلا يَدُوا ... دَمِي غَيْرَ أَنَّ الْوَاقِيَاتِ تَقِينِي
وَكَيْفَ وَلا تُوفِي دِمَاؤُهُمْ دَمِي ... وَلا مَالُهُمْ ذُو نَدْهَةٍ فَيَدُونِي
وَلَهُ فِي أُخْرَى
حَلَّتْ بُثَيْنَةُ مِنْ قَلْبِي بِمَنْزِلَةٍ ... بَين الجوانج لَمْ يَنْزِلْ بِهَا أَحَدُ
صَادَتْ فُؤَادِي بِعَيْنِهَا وَمُبْتَسَمٍ ... كَأَنَّهُ حِينَ أبدته لنا رد
стр. 443
وَعَاذِلَيْنِ لَحَوْنِي فِي مَوَدَّتِهَا ... يَا لَيْتَهُمْ وَجَدُوا مِثْلَ الَّذِي أَجِدُ
لَمَّا أَطَالُوا عِتَابِي فِيكِ قُلْتُ لَهُمْ ... لَا تُفْرِطُوا بَعْضَ هَذَا اللَّوْمِ وَاقْتَصِدُوا
قَدْ مَاتَ قَبْلِي أَخُو نَهْدٍ وَصَاحِبُهُ ... مُرَقَّشٌ وَاشْتَفَى مِنْ عُرْوَةَ الْكَمَدُ
وَكُلُّهُمْ كَانَ فِي عِشْقٍ مَنِيَّتُهُ ... وَقَدْ وَجَدْتُ بِهَا فَوْقَ الَّذِي وَجَدُوا
إِنِّي لأَحْسَبُنِي أَوْ كِدْتُ أُعْلِمُهُ ... أَنْ سَوْفَ يُورِدُنِي الْحَوْضَ الَّذِي وَرَدُوا
إِنْ لَمْ تَنِلُنِي بِمَعْرُوفٍ تَجُودُ بِهِ ... أَوْ يَدْفَعِ اللَّهُ عَنِّي الْوَاحِدُ الصَّمَدُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَعَاذِلَتِي أَكْثَرْتِ جَهْلا مِنَ الْجَهْلِ ... عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ مَنْ مُلامٍ وَمِنْ عُذْلِ
أَعَاذِلُ فِي حُبِّي بُثَيْنَةَ ضِلَّةٌ ... وَقَدْ سَارَ حُبِّي فِي عِظَامِي وَفِي عَقْلِي
كَأَنَّكِ لَا تَدْرِينَ مَا وَجْدُ ذِي الْهَوَى ... وَلَمْ تَعْلَمِي فِي النَّاسِ ذَا صَبْوَةٍ قَبْلِي
يَقُلْنَ الْتَمِسْ بِالنَّأْيِ لِلْحُبِّ سَلْوَةً ... وَلَمْ يُلْفَ طُوْلَ النَّأْيِ عَنْ حُبِّهَا يُسْلِي
وَأَنْتِ حَدِيثُ النَّفْسِ إِنْ كُنْتُ خَالِيًا ... وَجِدُّ حَدِيثِي إِنْ جَدَدْتُ وَفِي الْهَزْلِ
وَمَا وَجَدَ النَّهْدِيُّ مِنْ دَاخَلَ الْهَوَى ... كَوِجْدِي وَلا مَنْ كَانَ ذَا جِدَّةٍ قَبْلِي
وَلَهُ فِي أُخْرَى
تَذَكَّرْتُ ذَاتَ الْخَالِ مِنْ فَرْطِ حُبِّهَا ... ضُحًى وَالْعِتَاقُ الْيَعْمُلاتِ بِنَا تَخْدِي
فَمَا مَلَكَتْ عَيْنَايَ حِينَ ذَكَرْتُهَا ... دُمُوعَهُمَا كَالنَّظْمِ تَجْرِي عَلَى خَدِّي
فَعَنَّفَنِي صَحْبِي وَقَالُوا مِنَ الْهَوَى ... بَكَيْتَ وَلَوْ كَانُوا بِهَا وَجَدُوا وِجْدِي
لَمَّا عَنَّفُونِي فِي الْبُكَاءِ مِنْ أَجْلِهَا ... وَرَبِّ مِنًى لَكِنْ شُغِفْتُ بِهَا وَحْدِي
وَقَالُوا لَقَدْ كُنَّا عَهِدْنَاكَ مَرَّةً ... جَلِيدًا فَمَا هَذَا بِفِعْلِ الْفَتَى الْجَلْدِ
أَلا تَرْعَوِي مِنْ أَنْ يَشُوقَكَ ذِكْرُهَا ... وَأَنْتَ عَلَى هَوْلٍ تَسِيرُ مَعَ الْوَفْدِ
فَقُلْتُ ذَرُوا لَوْمِي فَلَسْتُ وَإِنْ نَأَتْ ... بِمُنْصَرَفٍ عَنْهَا هَوَاي وَلا وُدِّي
стр. 444
وَلَسَتُ وِإِنْ شَطَتْ بِهَا غُرْبَةُ النَّوَى ... بِنَاسٍ هَوَاهَا أَوْ أُغَيَّبُ فِي لَحْدِي
وَمَا كُنْتِ لِي إِلَّا خيالا وفتنة ... فياليت أَنِّي مِتُّ إِذْ كُنْتُ فِي الْمَهْدِ
وَلَمْ أَكُ فِي الدُّنْيَا عَلِقْتُ عَلاقَةً ... وَمَا كَانَ عِرْفَانِيكِ إِلا شَقَا جَدِّي
فَصْلٌ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمُشْتَهِرِينَ بِالْعِشْقِ كُثَيِّرُ عَزَّةَ وَلَيْسَ بِذَاكَ فَإِنَّ عَزَّةَ
تَنَكَّرَتْ لَهُ فَلَمْ يَعْرِفْهَا فَمَالَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ فَأَيْنَ قَوْلُكَ فِي عزة فَقَالَ لَوْ كَانَتْ عَزَّةُ لِي لَجَعَلْتُهَا مَمْلُوكَةً لَكِ
وَسَنَذْكُرُ قِصَّتَهُ هَذِهِ فِي بِابِ أَدْوِيَةِ الْعِشْقِ عِنْدَ ذِكْرِ التَّسَلِّي
وَمَنْ يَكُونُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ فَلَيْسَ بِصَادِقٍ فِي الْمَحَبَّةِ
عَلَى أَنَّ قَوْمًا قد فضلو كُثَيْرًا عَلَى جَمِيلٍ فِي الْمَحَبَّةِ بقوله
فأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصَّوْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مَا رَأَيْتُ بِالْحِجَازِ أَعْلَمَ مِنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي كُثَيْرٌ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُفِيضُونَ فِيهِ وَفِي جَمِيلٍ أَيُّهُمَا أَصْدَقُ عِشْقًا وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ بِوَجْهِهِ فَفَضَّلُوا جَمِيلا فِي عِشْقِهِ فَقُلْتُ لَهُمْ ظَلَمْتُمْ كُثَيِّرًا كَيْفَ يَكُونُ جَمِيلٌ أَصْدَقُ عِشْقًا مِنْ كُثَيِّرٍ وَإِنَّمَا أَتَاهُ عَنْ بُثَيْنَةَ بَعْضُ مَا يَكْرَهُ فَقَالَ
رَمَى اللَّهُ فِي عَيْنَيْ بُثَيْنَةَ بِالْقَذَى ... وَفِي الْغِرِّ مِنْ أَنْيَابِهَا بِالْقَوَادِحِ
стр. 445
وَالْقَوَادِحُ مَا يَنْقُبُهَا وَيَعِيبُهَا وَكُثَيِّرٌ أَتَاهُ عَنْ عَزَّةَ مَا يَكْرَهُ فَقَالَ
هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ ... لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ
قَالَ فَمَا انْصَرَفُوا إِلا عَلَى تَفْضِيلِي
قُلْتُ لَعَمْرِي إِنَّ قَوْلَ كُثَيِّرٍ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ غَيْرَ أَنَّ فِعْلَهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ اخْتِيَارِهِ غَيْرَهَا مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمُحْتَمَلِ لِلْصِدْقِ وَالْكَذِبِ وَالَّذِي يَصْدُرُ لَا عَنْ إِرَادَةٍ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُشَيِّعِ قَالَ خَرَجَ كُثَيِّرٌ يَلْتَمِسُ عَزَّةَ وَمَعَهُ شُنَيْنَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَأَخَذَهُ الْعَطَشُ فَتَنَاوَلَ الشُّنَيْنَةَ فَإِذَا هِيَ عَظْمٌ مَا فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ وَرُفِعَتْ لَهُ نَارٌ فَأَمَّهَا فَإِذَا بِقُرْبِهَا مَظَّلَةٌ بِفِنَائِهَا عَجُوزٌ فَقَالَتْ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا كُثَيِّرٌ قَالَتْ قَدْ كُنْتُ أَتَمَنَّى مُلاقَاتِكَ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَانِيكَ قَالَ وَمَا الَّذِي تَلْتَمِسِينَهُ عِنْدِي قَالَتْ أَلَسْتَ الْقَائِلَ
إِذَا مَا أَتَتْنَا خُلَّةٌ كَيْ نَزِيلَهَا ... أَبَيْنَا وَقُلْنَا الْحَاجِبِيَّةُ أَوَّلُ
قَالَ بَلَى قَالَتْ أَفَلا قُلْتَ كَمَا قَالَ سَيِّدُكَ جَمِيلٌ
يَا رُبَّ عَارِضَةٍ عَلَيْنَا وَصْلَهَا ... بِالْجِدِّ تَخْلِطُهُ بِقَوْلِ الْهَازِلِ
стр. 446
فَأَجَبْتُهَا فِي الْقَوْلِ بَعْدَ تَأَمُّلٍ ... حُبِّي بُثَيْنَةَ عَنْ وِصَالِكِ شَاغِلِي
لَوْ كَانَ فِي قَلْبِي كَقَدْرِ قُلامَةٍ ... فَضْلٌ لِغَيْرِكِ مَا أَتَتْكِ رَسَائِلِي
قَالَ دَعِي هَذَا وَاسْقِينِي مَاءً قَالَتْ وَاللَّهِ لَا سَقَيْتُكَ شَيْئًا قَالَ وَيْحَكِ إِنَّ الْعَطَشَ قَدْ أَضَرَّ بِي قَالَتْ ثَكِلْتُ بُثَيْنَةَ إِنْ طَعِمْتَ عِنْدِي قَطْرَةً فَكَانَ جَهْدَهُ أَنْ رَكَضَ رَاحِلَتَهُ وَمَضَى يَطْلُبُ الْمَاءَ فَمَا بَلَغَهُ حَتَّى ضُحَى النَّهَارِ وَقَدْ كَرُبَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْعَطَشُ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ وَشُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالا أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الرُّمَّانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ مُرَيْدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ كُثَيِّرٌ يُرِيدُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ فَأَكْرَمَهُ وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ وَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَقَالَ سَلْنِي مَا شِئْتَ مِنَ الْحَوَائِجِ قَالَ نَعَمْ أُحِبّ أَنْ تَنْظُرَ لِي مِنْ يَعْرِفُ قَبْرَ عَزَّةَ فَيَقِفْنِي عَلَيْهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ إِنِّي لَعَارِفٌ بِهِ فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى مَوْضِعِ قَبْرِهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَجْرِيَانِ وَهُوَ يَقُولُ
وَقَفَتْ عَلَى رَبْعٍ لِعَزَّةَ نَاقَتِي ... وَفِي الْبُرْدِ رَشَّاشٌ مِنَ الدَّمْعِ يَسْفِحُ
فَيَا عَزُّ أَنْتِ الْبَدْرُ قَدْ حَالَ دُونَهُ ... رَجِيعُ التُّرَابِ وَالصَّفِيحِ الْمُضَرَّحُ
وَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي مِنْ فُرَاقِكِ حِقْبَةً ... فَهَذَا لَعَمْرِي الْيَوْمَ أَنْأَى وَأَنْزَحُ
فَهَلا فَدَاكِ الْمَوْتُ مَنْ أَنْتِ زَيْنُهُ ... وَمَنْ هُوَ أَسْوَا مِنْكِ حَالا وَأَقْبَحُ
أَلا لَا أَرَى بَعْدَ ابْنَةِ النَّضْرِ لَذَّةً ... لِشَيْءٍ وَلا مِلْحًا لِمَنْ يَتَمَلَّحُ
فَلا زَالَ وَادِي رَمْسٍ عَزَّةَ سَائِلا ... بِهِ نِعْمَةً مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَسْفَحُ
стр. 447
فَإِنَّ الَّتِي أَحْبَبْتُ قَدْ حَالَ دُونَهَا ... طُوَالُ اللَّيَالِي وَالضَّرِيحُ الْمُوَجَّحُ
أَرَبِّ بِعَيْنَيَّ الْبُكَا كُلُّ لَيْلَةٍ ... فَقَدْ كَادَ مَجْرَى دَمْعِ عَيْنِيَ يَقْرَحُ
إِذَا لَمْ يَكُنْ مَاءً تَحَلَّبَتَا دَمًا ... وَشَرُّ الْبُكَاءِ الْمُسْتَعَارُ الْمُمَتَّحُ
فَصْلٌ وَقَدِ اشْتُهِرَ بِالْعِشْقِ جَمَاعَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ مَذْكُورٌ فِي غُضُونِ
كِتَابِنَا وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الَّذِينَ اشْتَدَّتْ شُهْرَتُهُمْ فَلْنَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ
стр. 448
الْبَابُ الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ مَنْ حَمَلَهُ الْعِشْقُ عَلَى أَنْ زَنَا بِمَحَارِمِهِ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي البَّزَازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ النُّصَيْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ نَجِيحٍ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مَسْتُورٌ كَانَ لِي صَدِيقًا وَكَانَ يَنْزِلُ بِقُرْبِ مَقَابِرِ الْخَيْزَرَانِ بِبَغْدَادَ قَالَ رَأَيْتُ لَيْلَةً فِي مَنَامِي كَأَنِّي قَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ دَارِي إِلَى الْمَقْبَرَةِ عَلَى رَسْمِي فِي ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ فَإِذَا أَنَا بِالْقُبُورِ مُفَتَّحَةٌ وَأَهْلُهَا يخرجُون مِنْهَا شعثا غيرا حُفَاةً عُرَاةً فَيَجْتَمِعُونَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ قَبْرٌ إِلا خَرَجَ مَنْ كَانَ فِيهِ ثُمَّ ضَجُّوا بِالْبُكَاءِ وَالدُّعَاءِ وَالابْتِهَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُمْ دَفْنَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُدْفَنُ عِنْدَهُمْ فِي غَدٍ فَكَأَنِّي قَدْ سَأَلْتُ بَعْضَهُمْ فَقَالَ هَذِهِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ دُفِنَتْ عِنْدَنَا تَأْذِينَا بِسَمَاعِ عَذَابِهَا وَمَا يَجْرِي عَلَيْهَا فَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ صَرْفَ دَفْنِهَا عَنَّا
قَالَ فَانْتَبَهْتُ فَعَجِبْتُ مِنْ هَذَا عَجَبًا شَدِيدًا وَطَالَ اللَّيْلُ بِي فَلَمَّا أَصْبَحْتُ سَأَلْتُ الْحَفَّارِينَ هَلْ حَفَرُوا قَبْرًا لامْرَأَةٍ فَدَلَّنِي بَعْضُهُمْ عَلَى قُبَّةٍ عَظِيمَةٍ لِقَوْمٍ مِنَ التُّجَّارِ مَيَاسِيرَ قَدْ مَاتَتْ زَوْجَةُ أَحَدِهِمْ وَيُرِيدُ دَفْنَهَا فِي الْقَبْرِ وَقَدْ حُفِرَ لَهَا
قَالَ فَقَصَصْتُ الرُّؤْيَا عَلَى الْحَفَّارِينَ فَطَمُّوا الْقَبْرَ فِي الْحَالِ وَرَاعَيْتُ أَمْرَ الْمَرْأَةِ فَجَاءَ رُسُلُ الْقَوْمِ يَسْأَلُونَ عَنِ الْقَبْرِ فَقَالَ الْحَفَّارُونَ إِنَّ الْمَوْضِعَ لَيْسَ يَتَأَتَّى فِيهِ قَبْرٌ لأَنَّا قَدْ وَقَعْنَا عَلَى حَمْأَةٍ تَحْتَ الأَرْضِ لايثبت فِيهَا مَيِّتٌ فَسَأَلُوا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ الْقِبَابِ أَنْ يَحْفُرُوا عِنْدَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ وَكَانَ الْخَبَرُ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ الْحَفَّارِينَ وَانْتَشَرَ فَمَضَوْا إِلَى مَقْبَرَةٍ أُخْرَى فَحَفَرُوا لِلْمَرْأَةِ فَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الْجَِنَازَةُ فَدُلِلْتُ فَحَضَرْتُ وَشَيَّعْتُ الْجَِنَازَةَ وَكَانَ الْجَمْعُ عَظِيمًا هَائِلا
стр. 449
وَالرَّجُلُ جَلِيلا وَرَأَيْتُ خَلْفَ الْجَِنَازَةِ فَتًى مُلْتَحِيًا حَسَنَ الْوَجْهِ ذُكِرَ أَنَّهُ ابْنُ الْمَرْأَةِ وَهُوَ يُعَزَّى وَأَبُوهُ وَهُمَا وَقِيذَانِ بِالْمُصِيبَةِ فَلَمَّا دُفِنَتِ الْمَرْأَةُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْهِمَا فَقُلْتُ إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي فِي أَمْرِ هَذِهِ الْمُتَوَفَّاةِ فَإِنْ أَحْبَبْتُمَا قَصَصْتُهَا عَلَيْكُمَا فَقَالَ الشَّيْخُ الَّذِي هُوَ زَوْجُ الْمُتَوَفَّاةِ أَمَّا أَنَا فَمَا أُحِبُّ ذَلِكَ فَأَقْبَلَ الْفَتَى فَقَالَ إِنْ رَأَيْتُ أَنْ تَفْعَلَ فَقُلْتُ تَخْلُوا مَعِي فَقَامَ فَقُلْتُ إِنَّ الرُّؤْيَا عَظِيمَةٌ فَاحْتَمِلْنِي قَالَ قُلْ
فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا وَقُلْتُ يَجِبُ لَكَ أَنْ تَنْظُرَ فِي هَذَا الأَمْرِ الَّذِي أَوْجَبَ مِنَ اللَّهِ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ فَتَجْتَنِبَ مِثْلَهُ وَإِنْ جَازَ أَنْ تُعَرِّفْنِيهِ لأَجْتِنِبَ مِثْلَهُ فَافْعَلْ فَقَالَ وَاللَّهِ يَا أَخِي مَا أَعْرِفُ مِنْ حَالِ أُمِّي مَا يُوجب هَذ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّ أُمِّي كَانَتْ تَشْرَبُ النَّبِيذَ وَتَسْمَعُ الْغِنَاءَ وَتُرْمَى بِالنسَاء وَمَا يُوجب هَذَا هَذَا الأَمْرُ الْعَظِيمُ وَلَكِنْ فِي دَارِنَا عَجُوزٌ لَهَا نَحْوَ تِسْعِينَ سَنَةُ هِيَ دَايَتُهَا وَمَاشِطَتُهَا فَإِنْ نَشَطْتَ صِرْتَ مَعِي فَسَأَلْنَاهَا فَلَعَلَّهَا تُخْبِرُنَا بِمَا يُوجِبُ هَذَا فَنَجْتَنِبَهُ
فَقُمْتُ مَعَهُ فَقَصَدْنَا الدَّارَ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُتَوَفَّاةِ فَأَدْخَلَنِي إِلَى غُرْفَةٍ فِيهَا وَإِذَا بِعَجُوزٍ فَانِيَةٍ فَخَاطَبَهَا بِمَا جَرَى وَقَصَصْتُ أَنَا عَلَيْهَا الرُّؤْيَا فَقَالَتْ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهَا كَانَتْ مُسْرِفَةً عَلَى نَفْسِهَا جِدًّا فَقَالَ لَهَا الْفَتَى يَا أُمِّي بِأَكْثَرَ مِنَ الشَّرَابِ وَالسَّمَاعِ وَالنِّسَاءِ فَقَالَتْ نَعَمْ يَا بُنِيَّ وَلَوْلا أَنْ أَسُوءَكَ لأَخْبَرْتُكَ بِمَا أَعْلَمُ
إِنَّ هَذَا الَّذِي رَآهُ هَذَا الرَّجُلُ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرِ مَا أَخَافُ عَلَيْهَا مِنَ الْعَذَابِ فَقَالَ الْفَتَى أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرِينِي وَرَفَقْتُ أَنَا بِالْعَجُوزِ فَقُلْتُ أَخْبِرِينَا لِنَجْتَنِبَهُ وَنَتَّعِظَ بِهِ
стр. 450
فَقَالَتْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ بِجَمِيعِ مَا أَعْرِفُهُ مِنْهَا وَمِنْ نَفْسِي مَعَهَا طَالَ وَبَكَتْ وَقَالَتْ أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنِّي تَائِبَةٌ مِنْذُ سِنِينَ وَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو لَهَا التَّوْبَةَ فَمَا فَعَلَتْ وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ بِثَلاثَةِ أَحْوَالٍ مِنْ أَفْعَالِهَا وَهِيَ عِنْدِي أَعْظَمُ ذُنُوبِهَا فَقُلْنَا قُولِي
فَقَالَتْ لِلْفَتَى كَانَتْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ زِنًا وَمَا كَانَ يَمْضِي يَوْمٌ إِلا تُدْخِلُ إِلَى دَارِ أَبِيكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ الرَّجُلَ وَالرّجلَيْنِ فيطأونها وَيَخْرُجُونَ وَيَكُونُ دُخُولُهُمْ بِأَلْوَانٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْحِيَلِ وَأَبُوكَ فِي سُوقِهِ فَلَمَّا نَشَأْتَ أَنْتَ وَبَلَغْتَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ خَرَجْتَ فِي نَهَايَةَ الْمَلاحَةِ فَكُنْتُ أَرَاهَا تَنْظُرُ إِلَيْكَ نَظَرَ شَهْوَةٍ فَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَتْ لِي يَوْمًا يَا أُمِّي قَدْ غَلَبَ عَلَى قَلْبِي عِشْقَ ابْنِي هَذَا وَلا بُدَّ لِي أَنْ يَطَأَنِي فَقُلْتُ لَهَا يَا بِنْتي اتَّقِ اللَّهَ وَلَكِ فِي الرِّجَالِ غَيْرُهُ مُتَّسَعٌ فَقَالَتْ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا أَوْ كَيْفَ يَجِيئُكِ وَهُوَ صَبِيٌّ وَتَفْتَضِحِينَ وَلا تَصِلِينَ إِلَى بُغْيَتِكِ فَدَعِي هَذَا لِلَّهِ فَقَالَتْ لَا بُدَّ أَنْ تُسَاعِدِينِي فَقُلْتُ أَعْمَلُ مَاذَا فَقَالَتْ تَمْضِينَ إِلَى فُلانٍ الْمُعَلِّمُ وَكَانَ مُعَلِّمًا فِي جِوَارِنَا أَدِيبًا وَرَسْمُهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهَا رِقَاعًا إِلَى عُشَّاقِهَا وَيُجِيبُ عَنْهَا فَتَبَرُّهُ وَتَعْطِيَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَقَالَتْ قُولِي لَهُ يَكْتُبْ إِلَيْهِ رُقْعَةً يَذْكُرُ فِيهَا عِشْقًا وَشَغَفًا وَوَجْدًا وَيَسْأَلُهُ الاجْتِمَاعَ وَأَوْصِلِي الرُّقْعَةَ كَأَنَّهَا مِنْ فُلانَةَ وَذَكَرَتْ صَبِيَّةً مِنَ الْجِيرَانِ مَلِيحَةً قَالَتِ الْعَجُوزُ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ وَأَخَذْتُ الرُّقْعَةَ وَجِئْتُكَ بِهَا فَلَمَّا سَمِعْتَ ذِكْرَ الصَّبِيَّةِ الْتَهَبَ قَلْبُكَ نَارًا وَأَجَبْتَ عَنِ الرُّقْعَةِ تَسْأَلُهَا الاجْتِمَاعَ عِنْدَهَا وَتَذْكُرُ أَنَّهُ لَا مَوْضِعَ لَكَ فَسَلَّمْتُ الْجَوَابَ إِلَى وَالِدَتِكَ فَقَالَتِ اكْتُبِي إِلَيْهِ عَنِ الصَّبِيَّةِ أَنْ لَا مَوْضِعَ لَهَا وَأَنَّ سَبِيلَ هَذَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فَإِذَا قَالَ لَكِ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ فَأَعِدِّي لَهُ الْغُرْفَةَ الْفُلانِيَّةَ وَافْرِشِيهَا وَاجْعَلِي فِيهَا
стр. 451
الطِّيبَ وَالْفَاكِهَةَ وَقُولِي لَهُ إِنَّهَا صَبِيَّةٌ وَهُوَ ذَا نَسْتَحِي وَلَكِنْ عِشْقُكَ قَدْ غَلَبَ وَهِيَ تَجِيئُكَ إِلَى هَا هُنَا لَيْلا وَلا يَكُونُ بَيْنَ أَيْدِيكُمَا ضَوْءٌ حَتَّى لاتستحي هِيَ وَلا تَفْطُنَ وَالِدَتُكَ بِالْحَدِيثِ وَلا أَبُوكَ إِذَا رَأَوْا فِي الْغُرْفَةِ ضَوْءَ سِرَاجٍ فَإِذَا أَجَابَكِ إِلَى هَذَا فَأَعْلِمِينِي
قَالَتْ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ وَأَجَبْتَ أَنْتَ إِلَى هَذَا وَتَقَرَّرَ الْوَعْدُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا وَأَعْلَمْتُهَا فَلَبِسَتْ ثِيَابًا وَتَبَخَّرَتْ وَتَطَيَّبَتْ وَتَعَطَّرَتْ وَصَعَدَتْ إِلَى الْغُرْفَةِ وَجِئْتَ أَنْتَ وَعِنْدَكَ أَنَّ الصَّبِيَّةَ هُنَاكَ فَوَقَعْتَ عَلَيْهَا وَجَامَعْتَهَا إِلَى الْغَدَاةِ فَلَمَّا كَانَ فِي وَقْتِ السَّحَرِ جِئْتُ أَنَا وَأَيْقَظْتُكَ وَأَنْزَلْتُكَ وَأَنْتَ نَائِمٌ وَكَانَ صُعُودُهَا إِلَيْكَ بَعْدَ أَنْ نَامَ أَبُوكَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَتْ لِي يَا أُمِّي قَدْ وَاللَّهِ حَبِلْتُ مِنَ ابْنِي فَكَيْفَ الْحِيلَةُ فَقُلْتُ لَا أَدْرِي فَقَالَتْ أَنَا أَدْرِي ثُمَّ كَانَتْ تَجْتَمِعُ مَعَكَ عَلَى سَبِيلِ الْحِيلَةِ الَّتِي عَرَّفْتُكَ إِلَى أَنْ قَارَبَتِ الْوِلادَةَ فَقَالَتْ لأَبِيكَ إِنَّهَا عَلِيلَةٌ وَقَدْ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا التَّلَفَ وَإِنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَمْضِي إِلَى بَيْتِ أُمِّهَا فَتَتَعَلَّلَ هُنَاكَ فَأَذِنَ لَهَا وَمَضَتْ وَقَالَتْ لأُمِّهَا إِنَّهَا عَلِيلَةٌ فَأُدْخِلَتْ وَأَنَا مَعَهَا فِي حُجْرَةٍ مِنْ دَارِهَا وَجِئْنَا بِقَابِلَةٍ فَلَمَّا وَلَدَتْ قَتَلَتْ وَلَدَهَا وَأَخْرَجَتْهُ فَدَفَنَتْهُ عَلَى حِيلَةٍ وَسِتْرٍ وَأَقَامَتْ أَيَّامًا وَعَادَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا فَقَالَتْ لِي بَعْدَ أَيَّامٍ أُرِيدُ ابْنِي فَقُلْتُ وَيْحَكِ مَا كَفَاكِ مَا مَضَى فَقَالَتْ لَا بُدَّ فَجِئْتُكَ عَلَى تِلْكَ الْحِيلَةِ بِعَيْنِهَا فَقَالَتْ لِي مِنْ غَدٍ قَدْ وَاللَّهِ حَبِلْتُ وَهَذَا وَاللَّهِ سَبَبُ مَوْتِي وَفَضِيحَتِي وَأَقَامَتْ تَجْتَمِعُ مَعَكَ عَلَى سَبِيلِ الْحِيلَةِ إِلَى أَنْ قَارَبَتِ الْوِلادَةَ فَمَضَتْ إِلَى أُمِّهَا وَعَمِلَتْ كَمَا عَمِلَتْ فَوَلَدَتْ بِنْتًا مَلِيحَةً فَلَمْ تُطِبْ نَفْسُهَا بِقَتْلِهَا وَأَخَذْتُهَا أَنَا مِنْهَا لَيْلا فَأَخْرَجْتُهَا إِلَى قَوْمٍ ضُعَفَاءَ لَهُمْ مَوْلُودٌ فَسَلَّمْتُهَا إِلَيْهِمْ وَأَعْطَيْتُهُمْ مِنْ مَالِ أَبِيكَ دَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ وَوَافَقْتُهُمْ
стр. 452
عَلَى إِرْضَاعِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا وَأَنْ أُعْطِيَهُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ شَيْئًا بِعَيْنِهِ وَكَانَتْ تُنْفِذُهُ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَتُعْطِيهِمْ ضِعْفَهُ حَتَّى تُدَلِّلَ الصَّبِيَّةَ وَتُوفِدَ إِلَيْهَا الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ فَنَشَأَتْ فِي دَلالٍ وَنِعْمَةٍ وَهِيَ تَرَاهَا فِي كُلِّ أَيَّامٍ إِذَا اشْتَاقَتْهَا وَخَطَبَ أَبُوكَ عَلَيْكَ مِنَ النِّسَاءِ فَتَزَوَّجْتَ بِزَوْجَتِكَ الْفُلانِيَّةِ فَانْقَطَعَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا وَهِيَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عِشْقًا لَكَ وَغَيْرَةً عَلَيْكَ مِنَ امْرَأَتِكَ وَلا حِيلَةَ لَهَا فِيكَ حَتَّى بَلَغَتِ الصَّبِيَّةُ تِسْعَ سِنِينَ فَأَظْهَرَتْ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ قَدِ اشْتَرَتْهَا وَنَقَلَتْهَا إِلَى دَارِهَا لِتَرَاهَا كُلِّ وَقْتٍ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهَا لَهَا وَالصَّبِيَّةُ لَا تَعْلَمُ أَنَّهَا ابْنَتَهَا وَسَمَّتْهَا بِاسْمِ الْمَمَالِيكِ وَنَشَأَتِ الصَّبِيَّةُ مِنْ أَحَسَنِ النَّاسِ وَجْهًا فَعَلَّمْتَهَا الْغِنَاءَ بِالْعُودِ فَبَرَعَتْ فِيهِ وَبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ فَقَالَتْ لِي يَوْمًا يَا أُمِّي هُوَ ذَا تَرَيْنَ شَغَفِي بِابْنَتِي هَذِهِ وَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ابْنَتِي غَيْرُكِ وَلا أَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ أَمْرِهَا وَقَدْ بَلَغَتْ حَدًّا إِنْ لَمْ أُعَلِّقُهَا بِرَجُلٍ خِفْتُ أَنْ تَخْرُجَ عَنْ يَدِي وَتَلْتَمِسَ الرِّجَالَ وَتَلْتَمِسَ الْبَيْعَ وَتَظُنُّ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَإِنْ مَنَعْتُهَا تَنَغَّصَ عَيْشُهَا وَعَيْشِي وَإِنْ بِعْتُهَا وَفَارَقْتُهَا تَلَفَتْ نَفْسِي عَلَيْهَا وَقَدْ فَكَّرْتُ فِي أَنْ أَصِلَهَا بِابْنِي فَقُلْتُ يَا هَذِهِ اتَّقِي اللَّهَ يَكْفِيكَ مَا مَضَى فَقَالَتْ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ وَكَيْفَ يَتِّمُ هَذَا الأَمْرُ قَالَتِ امْضِي وَاكْتُبِي رُقْعَةً تَذْكُرِينَ فِيهَا عِشْقًا وَغَرَامًا وَامْضِي بِهَا إِلَى زَوْجَةِ ابْنِي وَقُولِي لَهَا إِنَّهَا مِنْ فُلانٍ الْجُنْدِيِّ جَارِنَا وَذَكَرْتُ لَهَا غُلامًا حِينَ بَقَلَ عَذَارَهُ فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ قَدْ كَانَتْ تَعْشَقُهُ وَيَعْشُقُهَا وَارْفُقِي بِهَا وَاحْتَالِي حَتَّى تَأْخُذِي جَوَابَهَا إِلَيْهِ فَفَعَلْتُ فَلَحِقَنِي مِنْ زَوْجَتِكَ امْتِهَانٌ وَطَرْدٌ وَاسْتِخْفَافٌ فَتَرَدَّدْتُ إِلَيْهَا وَمَا زِلْتُ بِهَا حَتَّى دَرَّ مَتْنُهَا فَقَرَأَتِ الرُّقْعَةَ وَأَجَابَتْ عَنْهَا بِخَطِّهَا وَجِئْتُ بِالْجَوَابِ إِلَى أُمِّكَ فَأَخَذْتُهُ وَمَضَتْ بِهِ إِلَى أَبِيكَ فَشَنَّعَتْ عَلَيْهَا وَأَلْقَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَبِيهَا وَأَبِيكَ وَبَيْنَ أُمِّهَا شَرًّا كُنَّا فِيهِ شُهُورًا إِلَى أَنِ انْتَهَى الأَمْرُ إِلَى أَنْ طَالَبَكَ أَبُوكَ بِتَطْلِيقِ زَوْجَتِكَ أَوِ الانْتِقَالِ عَنْهُ وَأَنْ يَهْجُرَكَ طُولَ عُمْرِهِ وَبَذَلَ لَكَ وَزْنَ الصَّدَاقِ مِنْ مَالِهِ فَأَطَعْتَ أَبَوَيْكَ وَطَلَّقْتَ الْمَرْأَةَ وَوَزَنَ أَبُوكَ الصَّدَاقَ وَلَحِقَكَ غَمٌّ شَدِيدٌ وَبُكَاءٌ وَامْتِنَاعٌ
стр. 453
عَنِ الطَّعَامِ فَجَاءَتْكَ أُمُّكَ وَقَالَتْ لَكَ لِمَ تَغْتَمُّ عَلَى هَذِهِ الْقَحْبَةِ أَنَا أَهَبُ لَكَ جَارِيَتِي الْمُغَنِّيَةَ وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْهَا وَهِيَ بِكْرٌ وَصَالِحَةٌ وَتِلْكَ ثَيِّبٌ فَاجِرَةٌ وَأَجْلُوهَا عَلَيْكَ كَمَا يُفْعَلُ بِالْحَرَائِرِ وَأُجَهِّزُهَا مِنْ مَالِي وَمَالِ أَبِيكَ بِأَحْسَنِ مِنَ الْجِهَازِ الَّذِي نُقِلَ إِلَيْكَ فَلَمَّا سَمِعْتَ ذَلِكَ زَالَ غَمُّكَ وَأَجَبْتَهَا فَوَافَقْتَ عَلَى ذَلِكَ وَأَصْلَحَتِ الْجِهَازَ وَصَاغَتِ الْحُلِيَّ عَلَيْكَ وَأَوْلَدْتَهَا أَوْلادَكَ هَؤُلاءِ وَهِيَ الآنَ قَعِيدَةُ بَيْتِكَ
فَهَذَا بَابٌ وَاحِدٌ مِمَّا أَعْرِفْهُ مِنْ أُمِّكَ وَبَابٌ آخَرُ وَبَدَأَتْ تُحَدِّثُ فَقَالَ حَسْبِي حَسْبِي اقْطَعِي لَا تَقُولِي شَيْئًا لَعَنَ اللَّهُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَلا رَحِمَهَا وَلَعَنَكِ مَعَهَا وَقَامَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَبْكِي وَيَقُولُ خَرِبَ وَاللَّهِ بَيْتِي وَاحْتَجْتُ إِلَى مُفَارَقَةِ أُمِّ أَوْلادِي
وَأَخَذَ بِيَدِي وَقُمْتُ وَفِي قَلْبِي حَسْرَةٌ كَيْفَ لَمْ أَسْمَعْ بَاقِي مَا أَرَادَتِ الْعَجُوزُ أَنْ تُحَدِّثُنَا بِهِ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي البَّزَازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ النُّصَيْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ النَّحْوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ فَتْحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ كُنْتُ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ جَالِسًا فِي دَرْبِي إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ شَابٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ وَالْهَيْئَةِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ نِعْمَةٍ فَسَأَلَ عَنْ دَارٍ فَارِغَةٍ فِي الدَّرْبِ يَكْتَرِيهَا وَكَانَ أَكْثَرُ الدَّرْبِ لِي فَقُمْتُ مَعَهُ إِلَى دَارٍ فِيهِ كَبِيرَةٍ حَسَنَةٍ فَارِغَةٍ فَأَرَيْتُهُ إِيَّاهَا فَاسْتَحْسَنَهَا وَوَزَنَ لِي أُجْرَتَهَا لِشَهْرٍ وَأَخَذَ الْمِفْتَاحَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ جَاءَ وَجَاءَ مَعَهُ غُلامٌ فَفَتَحَا الْبَابَ
стр. 454
وَكَنَسَ الْغُلامُ الدَّارَ وَرَشَّ وَجَلَسَ هُوَ وَمَضَى الْغُلامُ وَعَادَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَمَعَهُ عِدَّةُ حَمَّالِينَ وَامْرَأَةٌ فَدَخَلُوا الدَّارَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ فَمَا سَمِعْنَا لَهُمْ حَرَكَةً وَخَرَجَ الْغُلامُ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَقِيَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الدَّارِ فَمَا فَتَحَا الْبَابَ أَيَّامًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَقُلْتُ وَيْحَكَ مَالَكَ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنَّهُ مُسْتَتَرٌ مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ وَسَأَلَنِي أَنْ أَنْدُبَ لَهُ رجل يَبْتَاعُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مَا يُرِيدُهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَفَعَلْتُ فَكَانَ يَخْرُجُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ فَيَزِنَ دَرَاهِمَ كَثِيرَةً فَيُعْطِيهَا لِلْغُلامِ الَّذِي نَصَّبْتُهُ لَهُ لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا مَا يَكْفِيهِ لِطُولِ تِلْكَ الأَيَّامِ مِنَ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْفَاكِهَةِ وَالنَّبِيذِ وَالأَبْقَالِ وَيَصُبُّ الْمَاءَ فِي الْحُبَابِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي قَدْ أَعَدَّهَا لِتِلْكَ الأَيَّامِ وَلا يَفْتَحُ الْبَابَ أَوْ يَنْقَضِيَ ذَلِكَ الزَّادُ فَكَانَ عَلَى هَذَا سَنَةً وَلا يَجِيءُ إِلَيْهِ أَحَدٌ وَلا يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ أَحَدٌ وَلا أَرَاهُ أَنَا وَلا غَيْرِي إِلَى أَنْ جَاءَ فِي لَيْلَةٍ وَقْتَ الْمَغْرِبِ فَدَقَّ بَابِي فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ مَالَكَ فَقَالَ اعْلَمْ أَنَّ زَوْجَتِي قَدْ ضَرَبَهَا الطَّلْقُ فَأَغِثْنِي بِقَابِلَةٍ وَكَانَ فِي دَارِي قَابِلَةٌ لأُمِّ أَوْلادِي فَحَمَلْتُهَا إِلَيْهِ فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ لَيْلَتَهَا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَتْنِي فَذَكَرَتْ أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ فِي اللَّيْلِ بِنْتًا وَأَنَّهَا أَصْلَحَتْ أُمُورَهَا وَأَنَّ النُّفَسَاءَ فِي حَالَةِ التَّلَفِ وَعَادَتْ إِلَيْهَا فَلَمَّا كَانَ فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ مَاتَتِ الْجَارِيَةُ فَجَاءَتِ الْقَابِلَةُ فَأَخْبَرَتْنَا فَقَالَ الله اللَّهَ أَنْ تَجِيئَنِي امْرَأَةٌ أَوْ يَلْطِمَ أَحَدٌ أَوْ يَجِيءَ أَحَدٌ مِنَ الْجِيرَانِ فَيُعَزِّيَنِي أَوْ يَصِيرَ لِي جَمْعٌ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ وَوَجَدْتُهُ مِنَ الْبُكَاءِ وَالشَّهِيقِ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ فَأَحْضَرْتُ لَهُ الْجَِنَازَةَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَنْفَذْتُ مَنْ حَفَرَ قَبْرًا فِي مَقْبَرَةٍ قَرِيبًا مِنَّا فَانْصَرَفَ الْحَفَّارُونَ لَمَّا أَمْسَوْا وَقَدْ كَانَ وَافَقَنِي عَلَى صَرْفِهِمْ وَقَالَ لَا أُرِيدُ أَنْ يَرَانِي أَحَدٌ وَأَنَا وَأَنْتَ نَحْمِلُ الْجَِنَازَةَ إِنْ تَفَضَّلْتَ بِذَاكَ وَرَغِبْتُ فِي الثَّوَابِ وَنَلِيَ دَفْنَهَا فَاسْتَحْيَيْتُ وَقُلْتُ لَهُ أَفْعَلُ
فَلَمَّا قَرُبَتِ الْعَتْمَةُ خَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ تُخْرِجُ الْجَِنَازَةَ فَقَالَ تَتَفَضَّلُ أَوَّلا تَنْقُلُ هَذِهِ الصَّبِيَّةُ إِلَى دَارِكَ عَلَى شَرْطٍ قُلْتُ وَمَا هُوَ قَالَ إِنَّ نَفْسِي لَا تُطِيقُ
стр. 455
الْجُلُوسَ فِي هَذِهِ الدَّارِ بَعْدَ صَاحِبَتِي وَلا الْمَقَامَ فِي الْبَلَدِ وَمَعِي مَالٌ عَظِيمٌ وَقُمَاشٌ فَتَفَضَّلْ بِأَخْذِهِ وَتَأَخْذُ الصَّبِيَّةَ وَتُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَثْمَانِ الأَمْتِعَةِ إِلَى أَنْ تَكْبُرَ الصَّبِيَّةُ فَإِنْ مَاتَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَكَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَإِنْ عَاشَتْ فَهُوَ يَكْفِيهَا إِلَى أَنْ تَبْلُغَ مَبْلَغَ النِّسَاءِ فَحِينَئِذٍ تُدَبِّرُ أَمْرَهَا بِمَا تَرَى وَأَنَا أَمْضِي بَعْدَ الدَّفْنِ فَأَخْرُجُ عَنِ الْبَلْدَةِ
فَوَعَظْتُهُ وَثَبَّتُّهُ فَلَمْ يَكُنْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ فَنَقَلْتُ الصَّبِيَّةَ إِلَى بَيْتِي وَحَمَلَ الْجَِنَازَةَ وَأَنَا مَعَهُ أُسَاعِدُهُ فَلَمَّا صِرْنَا عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ قَالَ لِي تَتَفَضَّلُ وَتَبْتَعِدُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوَّدِعَهَا فَأَكْشِفَ وَجْهَهَا فَأَرَاهُ ثُمَّ أَدْفِنَهَا
فَفَعَلْتُ فَحَلَّ وَجْهَهَا وَأَكَّبَّ عَلَيْهَا يُقَبِّلُهَا ثُمَّ شَدَّ كَفَنَهَا وَأَنْزَلَهَا الْقَبْرَ ثُمَّ سَمِعْتُ صَيْحَةً مِنَ الْقَبْرِ فَفَزِعْتُ فَجِئْتُ فَاطَّلَعْتُ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَخْرَجَ سَيْفًا كَانَ مُعَلَّقًا تَحْتَ ثِيَابِهِ مُجَرَّدًا وَأَنَا لَا أَعْلَمُ فَاتَّكَأَ عَلَيْهِ فَدَخَلَ فِي فُؤَادِهِ وَخَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ وَصَاحَ تِلْكَ الصَّيْحَةَ وَمَاتَ كَأَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ فَعَجِبْتُ مِنْ ذَلِكَ عَجَبًا شَدِيدًا وَخِفْتُ أَنْ يُدْرَكَ فَيَصِيرَ قِصَّةً فَأَضْجَعْتُهُ فَوْقَهَا فِي اللَّحْدِ وَغَيَّبْتُ عَلَيْهِمَا اللَّبِنَ وَهِلْتُ التُّرَابَ وَأَحْكَمْتُ أَمْرَ الْقَبْرِ وَصَبَبْتُ عَلَيْهِ جِرَارَ مَاءٍ كَانَتْ لَنَا فِي الْمَكَانِ وَعُدْتُ فَنَقَلْتُ كُلَّ مَا كَانَ فِي الدَّار إِلَى دَاري وعزلته فِي بَيت وَخَتَمْتُهُ وَقُلْتُ هَذَا أَمْرٌ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ عَاقِبَةٌ وَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَمَسَّ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَالْمَتَاعِ شَيْئًا وَكَانَ جَلِيلا يُسَاوِي أُلُوفَ دَنَانِيرَ وَأَحْتَسِبُ النَّفَقَةَ عَلَى هَذِهِ الطِّفْلَةِ وَأَعُدُّهَا مَلْقُوطَةً مِنَ الطَّرِيقِ رَبَّيْتُهَا لِلثَّوَابِ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَضَى عَلَى مَوْتِ الْغُلامِ وَالْجَارِيَةِ نَحْوُ سَنَةٍ فَإِنِّي لَجَالِسٌ عَلَى بَابِي يَوْمًا إِذِ اجْتَازَ شَيْخٌ عَلَيْهِ أَثَرُ النُّبْلِ وَالْيَسَارِ وَتَحْتَهُ بَغْلَةٌ فَارِهَةٌ وَبَيْنَ يَدَيْهِ غُلامٌ أَسْوَدُ فَسَلَّمَ وَوَقَفَ وَقَالَ مَا اسْمُ هَذَا الدَّرْبِ فَقُلْتُ دَرْبَ فَتْحٍ فَقَالَ أَنْتَ
стр. 456
مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ مُنْذُ كَمْ سَكَنْتَهُ قُلْتُ مُنْذُ نَشَأْتُ وَإِلَيَّ يُنْسَبُ وَأَكْثَرُهُ لِي فَثَنَى رِجْلَهُ وَنَزَلَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَأَكْرَمْتُهُ فَجَلَسَ تُجَاهِي يُحَادِثُنِي وَقَالَ لِي حَاجَةٌ فَقُلْتُ قُلْ فَقَالَ أَتَعْرِفُ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ إِنْسَانًا وَافَى مُنْذُ سَنَتَيْنِ شَابٌّ مِنْ حَالِهِ وَصِفَتِهِ فَوَصَفَ الْغُلامَ واكترى هَا هُنَا دَارًا فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَمَا كَانَتْ قِصَّتُهُ وَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ انْتَهَى أَمْرُهُ فَقُلْتُ وَمَنْ أَنْتَ مِنْهُ حَتَّى أُخْبِرَكَ قَالَ تُخْبِرُنِي فَقُلْتُ لَا أَفْعَلُ أَوْ تَصْدُقَنِي فَقَالَ أَنَا أَبُوهُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ عَلَى أَتَمِّ شَرْحٍ فَأَجْهَشَ بِالْبُكَاءِ وَقَالَ مُصِيبَتِي أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ
فَقَدَّرْتُهُ يُومِئُ إِلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَقُلْتُ لَعَلَّهُ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَبَكَى وَقَالَ لَيْسَ هَذَا أَرَدْتُ فَأَيْنَ الطِّفْلَةُ فَقُلْتُ عِنْدِي وَالْمَتَاعُ فَقَالَ تُعْطِينِي الطِّفْلَةَ فَقُلْتُ لَا أَفْعَلُ أَوْ تَصْدُقَنِي فَقَالَ تُعْفِينِي فَقُلْتُ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ إِلا فَعَلْتَ
فَقَالَ يَا أَخِي مَصَائِبُ الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا أَنَّ ابْنِي هَذَا نَشَأَ فَأَدَّبْتُهُ وَعَلَّمْتُهُ وَنَشَأَتْ لَهُ أُخْتٌ لَمْ يَكُنْ بِبَغْدَادَ أَحْسَنَ مِنْهَا وَكَانَتْ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ فَعَشِقَهَا وَعَشِقَتْهُ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ثُمَّ ظَهَرَ أَمْرُهُمَا فَزَجَرْتُهُمَا وَأنْكرت عَلَيْهَا وَانْتَهَى الأَمْرُ إِلَى أَنِ افْتَرَعَهَا فَبَلَغَنِي ذَلِكَ فَضَرَبْتُهُ بِالْمَقَارِعِ وَإِيَّاهَا وكتمت خبرهما لِئَلَّا أفضتح فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا وَحَجَرْتُ عَلَيْهِمَا وَشَدَّدَتْ عَلَيْهِمَا أُمُّهِمَا مِثْلَ تَشْدِيدِي فَكَانَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى حِيلَةٍ كَالْغَرِيبَانِ فَبَلَغَنَا ذَلِكَ فَأَخْرَجْتُ الْغُلامَ مِنَ الدَّارِ وَقَيَّدْتُ الْجَارِيَةَ فَكَانَا عَلَى ذَلِكَ شُهُورًا كَثِيرَةً وَكَانَ يَخْدُمُنِي غُلامٌ لِي كَالْوَلَدِ فَتَمَّتْ لِوَلَدِي عَلَيَّ حِيلَةٌ بِهِ يَتَرَسَّلُ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَخَذُوا مِنِّي مَالا جَلِيلا وَقُمَاشًا كَثِيرًا وَهَرَبُوا مُنْذُ سِنِينَ وَعَمِلُوا عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ وَالْهَرَبِ حِيلَةً طَوِيلَةَ الشَّرْحِ فَلَمْ أَقِفْ لَهُمْ عَلَى خَبَرٍ وَهَانَ عَلَيَّ فَقْدُ الْمَالِ لِبُعْدِهِمَا فَاسْتَرَحْتُ مِنْهُمَا إِلا أَن نَفسِي كَانَت تحف إِلَيْهِمَا فَبَلَغَنِي أَنَّ الْغُلامَ فِي بَعْضِ السِّكَكِ مُنْذُ أَيَّامٍ فَكَبَسْتُ عَلَيْهِ الدَّارَ فَصَعَدَ إِلَى السَّطْحِ فَقُلْتُ لَهُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ يَا فُلانُ مَا فَعَلَ وَلَدَايَ فَقَدْ قَتَلَنِي الشَّوْقُ إِلَيْهِمَا
стр. 457
وَأَنْتَ آمِنٌ فَقَالَ لِي عَلَيْكَ بِدَرْبِ فَتْحٍ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فَسَلْ عَنْهُمَا هُنَاكَ وَرَمَى نَفْسَهُ إِلَى سَطْحٍ آخَرَ وَهَرَبَ وَأَنَا أَعْرِفُ بِفُلانٍ مِنْ مَيَاسِيرِ التُّجَّارِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَأَخَذَ يَبْكِي وَقَالَ تَقِفُنِي عَلَى الْقَبْرِ فَجِئْتُ بِهِ حَتَّى وَقَفْتُهُ عَلَى الْقَبْرِ ثُمَّ جَاءَ فَأَدْخَلْتُهُ دَارِي فَأَرَيْتُهُ الصَّبِيَّةَ فَجَعَلَ يَتَرَشَّفُهَا وَيَبْكِي وَأَخَذَهَا وَنَهَضَ فَقُلْتُ مَكَانَكَ انْقُلْ مَتَاعَكَ قَالَ أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْهُ وَسِعَةٍ فَمَا زلت أداريه إِلَى أَنْ عَلِقْتُ بِهِ وَقُلْتُ خُذِ الْمَالَ وَأَرِحْنِي مِنْ تَبِعَتِهِ فَقَالَ عَلَى شَرْطٍ نَقْسِمُهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا تَلَبَّسْتُ مِنْهُ بِحَبَّةٍ قَالَ فَاطْلُبْ حَمَّالِينَ فَجِئْتُ بِهِمْ فَحَمَلَ تِلْكَ التَّرِكَةَ وَالصَّبِيَّةَ وَانْصَرَفَ
стр. 458
الْبَابُ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ مَنْ كَفَرَ بِسَبِبِ الْعِشْقِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهبِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كَانَ رَجُلٌ يعبد الله بساحل الْبَحْر ثلثمِائة عَامٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ ثُمَّ إِنَّهُ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ فِي سَبَبِ امْرَأَةٍ عَشِقَهَا وَتَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ اللَّهُ بِبَعْضِ مَا كَانَ مِنْهُ فَتَابَ عَلَيْهِ
حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُسْتَعْمِلُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْقَصِيرُ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بن عبد الرَّحْمَن السَّلمَانِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُنَّ صَوَاحِبَاتُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَكُرْسُفٍ يَعْنِي النِّسَاءَ قِيلَ وَمَا كُرْسُفُ قَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ثلثمِائة سَنَةٍ فَمَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ فَكَفَرَ بِاللَّهِ فَتَدَارَكَهُ اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْ عِبَادَتِهِ فَتَابَ عَلَيْهِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْبُسْرِي عَنْ أبي عبد الله ابْن بَطَّةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ
стр. 459
حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ قَالَ لِي سُنَيْدٌ سَمِعْتُ حَجَّاجًا يَقُولُ رَأَيْتُ رَجُلا عَشِقَ فَتَنَصَّرَ
سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بن عبيد الله الزاغوي يَحْكِي أَنَّ رَجُلا اجْتَازَ بِبَابِ امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ فَرَآهَا فَهَوِيَهَا مِنْ وَقْتِهِ وَزَادَ الأَمْرُ بِهِ حَتَّى غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَارَسْتَانِ وَكَانَ لَهُ صَدِيقٌ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ وَيَتَرَّسَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثُمَّ زَادَ الأَمْرُ بِهِ فَقَالَتْ أُمُّهُ لِصَدِيقِهِ إِنِّي أَجِيءُ إِلَيْهِ وَلا يُكَلِّمُنِي فَقَالَ تَعَالِي مَعِي فَأَتَتْ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ صَاحِبَتَكَ قَدْ بَعَثَتْ إِلَيْكَ بِرِسَالَةٍ فَقَالَ كَيْفَ فَقَالَ هَذِهِ أُمُّكَ تُؤَدِي رِسَالَتَهَا فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تُحَدِّثُهُ عَنْهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ ثُمَّ إِنَّهُ زَادَ الأَمْرُ عَلَيْهِ وَنَزَلَ بِهِ الْمَوْت فَقَالَ لصيدقه قَدْ جَاءَ الأَجَلُ وَحَانَ الْوَقْتُ وَمَا لَقِيتُ صَاحِبَتِي فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَلْقَاهَا فِي الآخِرَةِ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ أَرْجِعُ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ وَأَقُولُ عِيسَى وَمَرْيَمَ وَالصَّلِيبَ الأَعْظَمَ فَقَالَ ذَلِكَ وَمَاتَ فَمَضَى صَدِيقُهُ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ فَوَجَدَهَا مَرِيضَةٌ فَدَخَلَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يُحَدِّثُهَا فَقَالَتْ أَنَا مَا لَقِيتُ صَاحِبِي فِي الدُّنْيَا وَأُرِيدُ أَنْ أَلْقَاهُ فِي الآخِرَةِ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَا بَرِيئَةٌ مِنْ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ
فَقَامَ أَبُوهَا فَقَالَ لِلْرَجُلِ خُذُوهَا الآنَ فَإِنَّهَا مِنْكُمْ فَقَامَ الرَّجُلُ لِيَخْرُجَ فَقَالَتْ لَهُ قِفْ سَاعَةً فَوَقَفَ فَمَاتَتْ
وَبَلغنِي عَنْ رَجُلٍ كَانَ بِبَغْدَادَ يُقَالُ لَهُ صَالِحُ الْمُؤَذِّنُ أَذَّنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَكَانَ يُعْرَفُ بِالصَّلاحِ أَنَّهُ صَعَدَ يَوْمًا إِلَى الْمَنَارَةِ لِيُؤَذِّنَ فَرَأَى بِنْتَ رَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ كَانَ بَيْتُهُ إِلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَافْتُتِنَ بِهَا فَجَاءَ فَطَرَقَ الْبَابَ فَقَالَتْ مَنْ فَقَالَ أَنَا صالِحٌ الْمُؤَذِّنُ فَفَتَحَتْ لَهُ فَلَمَّا دَخَلَ ضَمَّهَا إِلَيْهِ
стр. 460
فَقَالَتْ أَنْتُمْ أَصْحَابُ الأَمَانَاتِ فَمَا هَذِهِ الْخِيَانَةِ فَقَالَ إِنْ وَافَقْتِنِي عَلَى مَا أُرِيدُ وَإِلا قَتَلْتُكِ فَقَالَتْ لَا إِلا أَنْ تَتْرُكَ دِينَكَ فَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلامِ وَمِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ثُمَّ دَنَا إِلَيْهَا فَقَالَتْ إِنَّمَا قُلْتُ هَذِهِ لِتَقْضِي غَرَضَكَ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى دِينِكَ فَكُلْ مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَأَكَلَ قَالَتْ فَاشْرَبِ الْخَمْرَ فَشَرِبَ فَلَمَّا دَبَّ الشَّرَابُ فِيهِ دَنَا إِلَيْهَا فَدَخَلَتْ بَيْتًا وَأَغْلَقَتِ الْبَابَ وَقَالَتِ اصْعَدْ إِلَى السَّطْحِ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَبِي زَوَّجَنِي مِنْكَ فَصَعَدَ فَسَقَطَ فَمَاتَ فَخَرَجَتْ فَلَفَّتْهُ فِي مَسْحٍ فَجَاءَ أَبُوهَا فَقَصَّتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَأَخْرَجَهُ فِي اللَّيْلِ فَرَمَاهُ فِي السِّكَّةِ فَظَهَرَ حَدِيثُهُ فَرُمِيَ فِي مَزْبَلَةٍ
следующие страницы →