Полный текст (671 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ مُنْذُ كَمْ سَكَنْتَهُ قُلْتُ مُنْذُ نَشَأْتُ وَإِلَيَّ يُنْسَبُ وَأَكْثَرُهُ لِي فَثَنَى رِجْلَهُ وَنَزَلَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَأَكْرَمْتُهُ فَجَلَسَ تُجَاهِي يُحَادِثُنِي وَقَالَ لِي حَاجَةٌ فَقُلْتُ قُلْ فَقَالَ أَتَعْرِفُ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ إِنْسَانًا وَافَى مُنْذُ سَنَتَيْنِ شَابٌّ مِنْ حَالِهِ وَصِفَتِهِ فَوَصَفَ الْغُلامَ واكترى هَا هُنَا دَارًا فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَمَا كَانَتْ قِصَّتُهُ وَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ انْتَهَى أَمْرُهُ فَقُلْتُ وَمَنْ أَنْتَ مِنْهُ حَتَّى أُخْبِرَكَ قَالَ تُخْبِرُنِي فَقُلْتُ لَا أَفْعَلُ أَوْ تَصْدُقَنِي فَقَالَ أَنَا أَبُوهُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ عَلَى أَتَمِّ شَرْحٍ فَأَجْهَشَ بِالْبُكَاءِ وَقَالَ مُصِيبَتِي أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ
فَقَدَّرْتُهُ يُومِئُ إِلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَقُلْتُ لَعَلَّهُ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَبَكَى وَقَالَ لَيْسَ هَذَا أَرَدْتُ فَأَيْنَ الطِّفْلَةُ فَقُلْتُ عِنْدِي وَالْمَتَاعُ فَقَالَ تُعْطِينِي الطِّفْلَةَ فَقُلْتُ لَا أَفْعَلُ أَوْ تَصْدُقَنِي فَقَالَ تُعْفِينِي فَقُلْتُ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ إِلا فَعَلْتَ
فَقَالَ يَا أَخِي مَصَائِبُ الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا أَنَّ ابْنِي هَذَا نَشَأَ فَأَدَّبْتُهُ وَعَلَّمْتُهُ وَنَشَأَتْ لَهُ أُخْتٌ لَمْ يَكُنْ بِبَغْدَادَ أَحْسَنَ مِنْهَا وَكَانَتْ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ فَعَشِقَهَا وَعَشِقَتْهُ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ثُمَّ ظَهَرَ أَمْرُهُمَا فَزَجَرْتُهُمَا وَأنْكرت عَلَيْهَا وَانْتَهَى الأَمْرُ إِلَى أَنِ افْتَرَعَهَا فَبَلَغَنِي ذَلِكَ فَضَرَبْتُهُ بِالْمَقَارِعِ وَإِيَّاهَا وكتمت خبرهما لِئَلَّا أفضتح فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا وَحَجَرْتُ عَلَيْهِمَا وَشَدَّدَتْ عَلَيْهِمَا أُمُّهِمَا مِثْلَ تَشْدِيدِي فَكَانَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى حِيلَةٍ كَالْغَرِيبَانِ فَبَلَغَنَا ذَلِكَ فَأَخْرَجْتُ الْغُلامَ مِنَ الدَّارِ وَقَيَّدْتُ الْجَارِيَةَ فَكَانَا عَلَى ذَلِكَ شُهُورًا كَثِيرَةً وَكَانَ يَخْدُمُنِي غُلامٌ لِي كَالْوَلَدِ فَتَمَّتْ لِوَلَدِي عَلَيَّ حِيلَةٌ بِهِ يَتَرَسَّلُ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَخَذُوا مِنِّي مَالا جَلِيلا وَقُمَاشًا كَثِيرًا وَهَرَبُوا مُنْذُ سِنِينَ وَعَمِلُوا عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ وَالْهَرَبِ حِيلَةً طَوِيلَةَ الشَّرْحِ فَلَمْ أَقِفْ لَهُمْ عَلَى خَبَرٍ وَهَانَ عَلَيَّ فَقْدُ الْمَالِ لِبُعْدِهِمَا فَاسْتَرَحْتُ مِنْهُمَا إِلا أَن نَفسِي كَانَت تحف إِلَيْهِمَا فَبَلَغَنِي أَنَّ الْغُلامَ فِي بَعْضِ السِّكَكِ مُنْذُ أَيَّامٍ فَكَبَسْتُ عَلَيْهِ الدَّارَ فَصَعَدَ إِلَى السَّطْحِ فَقُلْتُ لَهُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ يَا فُلانُ مَا فَعَلَ وَلَدَايَ فَقَدْ قَتَلَنِي الشَّوْقُ إِلَيْهِمَا
стр. 457
وَأَنْتَ آمِنٌ فَقَالَ لِي عَلَيْكَ بِدَرْبِ فَتْحٍ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فَسَلْ عَنْهُمَا هُنَاكَ وَرَمَى نَفْسَهُ إِلَى سَطْحٍ آخَرَ وَهَرَبَ وَأَنَا أَعْرِفُ بِفُلانٍ مِنْ مَيَاسِيرِ التُّجَّارِ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَأَخَذَ يَبْكِي وَقَالَ تَقِفُنِي عَلَى الْقَبْرِ فَجِئْتُ بِهِ حَتَّى وَقَفْتُهُ عَلَى الْقَبْرِ ثُمَّ جَاءَ فَأَدْخَلْتُهُ دَارِي فَأَرَيْتُهُ الصَّبِيَّةَ فَجَعَلَ يَتَرَشَّفُهَا وَيَبْكِي وَأَخَذَهَا وَنَهَضَ فَقُلْتُ مَكَانَكَ انْقُلْ مَتَاعَكَ قَالَ أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْهُ وَسِعَةٍ فَمَا زلت أداريه إِلَى أَنْ عَلِقْتُ بِهِ وَقُلْتُ خُذِ الْمَالَ وَأَرِحْنِي مِنْ تَبِعَتِهِ فَقَالَ عَلَى شَرْطٍ نَقْسِمُهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا تَلَبَّسْتُ مِنْهُ بِحَبَّةٍ قَالَ فَاطْلُبْ حَمَّالِينَ فَجِئْتُ بِهِمْ فَحَمَلَ تِلْكَ التَّرِكَةَ وَالصَّبِيَّةَ وَانْصَرَفَ
стр. 458
الْبَابُ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ مَنْ كَفَرَ بِسَبِبِ الْعِشْقِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهبِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كَانَ رَجُلٌ يعبد الله بساحل الْبَحْر ثلثمِائة عَامٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ ثُمَّ إِنَّهُ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ فِي سَبَبِ امْرَأَةٍ عَشِقَهَا وَتَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ اللَّهُ بِبَعْضِ مَا كَانَ مِنْهُ فَتَابَ عَلَيْهِ
حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُسْتَعْمِلُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْقَصِيرُ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بن عبد الرَّحْمَن السَّلمَانِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُنَّ صَوَاحِبَاتُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَكُرْسُفٍ يَعْنِي النِّسَاءَ قِيلَ وَمَا كُرْسُفُ قَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ثلثمِائة سَنَةٍ فَمَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ فَكَفَرَ بِاللَّهِ فَتَدَارَكَهُ اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْ عِبَادَتِهِ فَتَابَ عَلَيْهِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْبُسْرِي عَنْ أبي عبد الله ابْن بَطَّةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ
стр. 459
حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ قَالَ لِي سُنَيْدٌ سَمِعْتُ حَجَّاجًا يَقُولُ رَأَيْتُ رَجُلا عَشِقَ فَتَنَصَّرَ
سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بن عبيد الله الزاغوي يَحْكِي أَنَّ رَجُلا اجْتَازَ بِبَابِ امْرَأَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ فَرَآهَا فَهَوِيَهَا مِنْ وَقْتِهِ وَزَادَ الأَمْرُ بِهِ حَتَّى غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَارَسْتَانِ وَكَانَ لَهُ صَدِيقٌ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ وَيَتَرَّسَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثُمَّ زَادَ الأَمْرُ بِهِ فَقَالَتْ أُمُّهُ لِصَدِيقِهِ إِنِّي أَجِيءُ إِلَيْهِ وَلا يُكَلِّمُنِي فَقَالَ تَعَالِي مَعِي فَأَتَتْ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ صَاحِبَتَكَ قَدْ بَعَثَتْ إِلَيْكَ بِرِسَالَةٍ فَقَالَ كَيْفَ فَقَالَ هَذِهِ أُمُّكَ تُؤَدِي رِسَالَتَهَا فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تُحَدِّثُهُ عَنْهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ ثُمَّ إِنَّهُ زَادَ الأَمْرُ عَلَيْهِ وَنَزَلَ بِهِ الْمَوْت فَقَالَ لصيدقه قَدْ جَاءَ الأَجَلُ وَحَانَ الْوَقْتُ وَمَا لَقِيتُ صَاحِبَتِي فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَلْقَاهَا فِي الآخِرَةِ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ أَرْجِعُ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ وَأَقُولُ عِيسَى وَمَرْيَمَ وَالصَّلِيبَ الأَعْظَمَ فَقَالَ ذَلِكَ وَمَاتَ فَمَضَى صَدِيقُهُ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ فَوَجَدَهَا مَرِيضَةٌ فَدَخَلَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يُحَدِّثُهَا فَقَالَتْ أَنَا مَا لَقِيتُ صَاحِبِي فِي الدُّنْيَا وَأُرِيدُ أَنْ أَلْقَاهُ فِي الآخِرَةِ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَا بَرِيئَةٌ مِنْ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ
فَقَامَ أَبُوهَا فَقَالَ لِلْرَجُلِ خُذُوهَا الآنَ فَإِنَّهَا مِنْكُمْ فَقَامَ الرَّجُلُ لِيَخْرُجَ فَقَالَتْ لَهُ قِفْ سَاعَةً فَوَقَفَ فَمَاتَتْ
وَبَلغنِي عَنْ رَجُلٍ كَانَ بِبَغْدَادَ يُقَالُ لَهُ صَالِحُ الْمُؤَذِّنُ أَذَّنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَكَانَ يُعْرَفُ بِالصَّلاحِ أَنَّهُ صَعَدَ يَوْمًا إِلَى الْمَنَارَةِ لِيُؤَذِّنَ فَرَأَى بِنْتَ رَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ كَانَ بَيْتُهُ إِلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَافْتُتِنَ بِهَا فَجَاءَ فَطَرَقَ الْبَابَ فَقَالَتْ مَنْ فَقَالَ أَنَا صالِحٌ الْمُؤَذِّنُ فَفَتَحَتْ لَهُ فَلَمَّا دَخَلَ ضَمَّهَا إِلَيْهِ
стр. 460
فَقَالَتْ أَنْتُمْ أَصْحَابُ الأَمَانَاتِ فَمَا هَذِهِ الْخِيَانَةِ فَقَالَ إِنْ وَافَقْتِنِي عَلَى مَا أُرِيدُ وَإِلا قَتَلْتُكِ فَقَالَتْ لَا إِلا أَنْ تَتْرُكَ دِينَكَ فَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلامِ وَمِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ثُمَّ دَنَا إِلَيْهَا فَقَالَتْ إِنَّمَا قُلْتُ هَذِهِ لِتَقْضِي غَرَضَكَ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى دِينِكَ فَكُلْ مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَأَكَلَ قَالَتْ فَاشْرَبِ الْخَمْرَ فَشَرِبَ فَلَمَّا دَبَّ الشَّرَابُ فِيهِ دَنَا إِلَيْهَا فَدَخَلَتْ بَيْتًا وَأَغْلَقَتِ الْبَابَ وَقَالَتِ اصْعَدْ إِلَى السَّطْحِ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَبِي زَوَّجَنِي مِنْكَ فَصَعَدَ فَسَقَطَ فَمَاتَ فَخَرَجَتْ فَلَفَّتْهُ فِي مَسْحٍ فَجَاءَ أَبُوهَا فَقَصَّتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَأَخْرَجَهُ فِي اللَّيْلِ فَرَمَاهُ فِي السِّكَّةِ فَظَهَرَ حَدِيثُهُ فَرُمِيَ فِي مَزْبَلَةٍ
стр. 461
الْبَابُ الرَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ مَنْ حَمَلَهُ الْعِشْقُ عَلَى قَتْلِ النَّاسِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّصَيْبِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْهَيْثَمِ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ عَنْ مَشْيَخَةِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُلْجَمٍ لَعَنَّهُ اللَّهُ رَأَى امْرَأَةً مِنْ تِيمِ الرَّبَابِ يُقَالُ لَهَا قَطَامُ وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ تَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ قَدْ قُتِلَ قَوْمُهَا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ فَلَمَّا أَبْصَرَهَا عَشِقَهَا فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ لَا أَتَزَوَّجُكَ إِلا عَلَى ثَلاثَةِ آلافٍ وَقَتْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا بَنَى بِهَا قَالَتْ لَهُ يَا هَذَا قَدْ فَرِغْتَ فَافْرَغْ فَخَرَجَ مُتَلَّبِسًا سِلاحَهُ وَخَرَجَتْ قَطَامُ فَضَرَبَتْ لَهُ قُبَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ وَخَرَجَ عَلِيٌّ يَقُولُ الصَّلاةَ الصَّلاةَ فَأَتْبَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى قَرْنِ رَأْسِهِ فَقَالَ الشَّاعِرُ
لَمْ أَرَ مَهْرًا سَاقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ ... كَمَهْرِ قَطَامَ بَيْنَنَا غَيْرِ مُعْجَمِ
ثَلاثَةُ آلافٍ وَعَبْدٌ وَقَيْنَةٌ ... وَقَتْلُ عَلِيٍّ بِالْحُسَامِ الْمُصَمَّمِ
فَلا مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلِيٍّ وَإِنْ غَلا ... وَلافَتْكَ إِلا دُونَ فَتْكِ ابْنِ مُلْجَمِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجَهْمِ الْعَلاءُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ كَانَ لَهَا هَوًى فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تَقْتُلَ
стр. 462
فُلانًا لِسَيِّدِهَا فَقَتَلَهُ وَأَعَانَتْهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَخَذَ الرَّجُلُ وَأَخَذَتْ مَعَهُ فَتَحَابَلَتْ فَتَرَكُوهَا قَرِيبًا مِنْ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا حَمْلَ بِهَا قَتَلُوهَا
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن إِدْرِيسَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرَ الْمَعْرُوفَ بِالطَّلِيقِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ يَتَعَشَّقُ جَارِيَةً كَانَ أَبُوهُ قَدْ رَبَّاهَا مَعَهُ وَذَكَرَهَا لَهُ ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَأْثَرَهَا وَخَلا مَعَهَا فَيُقَالُ إِنَّهُ اشْتَدَّتْ غَيْرَتُهُ لِذَلِكَ وَانْتَضَى سَيْفًا وَتَغَفَّلَ أَبَاهُ فِي بَعْضِ خَلَوَاتِهِ فَقَتَلَهُ فَسَجَنَهُ الْمَنْصُورُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ سِنِينَ وَقَالَ فِي السِّجْنِ أَشْعَارًا رَائِعَةً اشْتُهِرَ بِهَا ثُمَّ أُطْلِقَ فَلُقِّبَ الطَّلِيقَ
وَيُقَالُ إِنَّهُ اعْتَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ شَبِيهُ الْجُنُونِ وَكَانَ يُصْرَعُ فِي الأَوْقَاتِ فَأَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ نَافِعُ بْنُ رِيَاضٍ الشَّاعِرُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ أَعْقَابَ ذَلِكَ فَوَجَدَهُ قَاعِدًا عَلَى مَاءٍ فَأَنْشَدَهُ فَأَمَرَ لَهُ بِصَلَةٍ وَعَلَى رَأْسِهِ خَادِمٌ صَقْلَبِيٌّ يسْتَحِثُّهُ وَيَسْتَعْجِلُهُ الْخُرُوجَ فَلَمَّا خَرَجَ أَخْبَرَهُ ذَلِكَ الْخَادِمُ أَنه يصرع وَأَنه إِذا احسن بِالصَّرَعِ رَمَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ وَهَذِهِ عَادَتُهُ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجِدُ لِذَلِكَ خِفَّةً وَأَنَّ اسْتِعْجَالَهُ إِيَّاهُ كَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ خَوْفَ فُجَاءَتِهِ
قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَمِنْ أَشْعَارِهِ فِي السِّجْنِ
الْمَوْتُ أَحْسَنُ أَحْوَالا مِنْ أَحْوَالي ... أَقَلُّهُنَّ فِرَاقُ الأَهْلِ وَالْمَالِ
لَا أَشْتَكِي اللَّهَ بَلْ أَشْكُو إِلَيْهِ فَكَمْ ... أَبْكِي وَحُزْنِي جَدِيدٌ لَيْسَ بِالْبَالِي
أَضْحَى لِسَانِي وَكَفِّي صَاحِبَيْ قَدَمِي ... قَدْ قُيِّدَا دُونَ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالِ
стр. 463
بِمَلْحَدٍ بَيْنَ مَوْتِي مِيتَتَيْنِ بِهِ ... مَوْتُ الْجَهَالَةِ فِي مَوْتٍ مِنَ الْحَالِ
فَمَا يَشْكِي هِزَبْرٌ ضِيقَ خَلْخَالِ ... قَبْلِي وَلا دَفَنُوهُ بَيْنَ أَوْعَالِ
يَمُرُّ بِي كُلَّ يَوْمٍ مِنْ مَصَائِبِهِ ... مَا لَا يَمُرُّ عَلَى وَهْمِ وَلا بَالِ
وَكُلُّ حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ حَائِلَةٌ ... وَمَا يَحُولُ مِنَ الأَحْوَالِ أَحْوَالِي
وَمَا حَيِّيتُ لأَنَّ الْعَيْشَ أَحْمَدُ لِي ... لَكِنْ حَيِّيتُ لأَنَّ الْمَوْتَ أَحْيَى لِي
وَكَيْفَ جَازَ لِدَهْرِي أَنْ يَرَى عُطُلا ... حَالِي بِهِ وَهُوَ مِنْ مَجْدِي بِهِ حَالِي
فَمَا أعر زَمَانِي إِذْ ذَلَلْتُ بِهِ ... وَمَا أَذَلَّ الْمَعَالِي يَوْمَ إِذْلالِي
فَلَيْتَ شِعْرِيَ هَلْ يَبْدُو لَنَا زَمَنٌ ... يَبْدُو بِأَيَّامِهِ فَضْلٌ لِمْفِضَالِ
قَالَ وَمِمَّا يُسْتَحْسَنُ لَهُ فِي وَصْفِ الْكَأْسِ
أَصْبَحَتْ شَمْسًا وَفُوهَ مَغْرِبَا ... وَيَدُ السَّاقِي الْمُحَيِّي مُشْرِقَا
فَإِذَا مَا غَرَبَتْ فِي فَمِّهِ ... تَرَكَتْ فِي الْخَدِّ مِنْهُ شَفَقَا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدثنَا الْحسن ابْن عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ كَانَتْ رَقَاشُ امْرَأَةٌ مِنْ إِيَّادِ بْنِ نَزَارٍ وَكَانَ أَبُوهَا يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا
فَخَطَبَهَا رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا فَأَعُجِبَتْ بِهِ وَوَقَعَ مِنْ قَلْبِهَا فَامْتَنَعَ أَبُوهَا مِنْ تَزْوِيجِهِ فَسَقَتْ أَبَاهَا شَرْبَةً فَلَمَّا وَجَدَ حِسَّ الْمَوْتِ قَالَ يَا رَقَاشُ قَتَلْتِنِي لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنِّي وَسَوْفَ يَنَالُكِ وَبَالُ النِّقْمَةِ
стр. 464
قَالَ فَلَمَّا هَلَكَ أَبُوهَا تَزَوَّجَتْ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ ضَرَبَهَا فَقِيلَ لَهَا يَا رَقَاشُ ضَرَبَكِ زَوْجُكِ فَقَالَتْ مَنْ قَلَّ نَاصِرُهُ اعْتَرَفَ بِالذُّلِّ ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ أَنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَقِيلَ يَا رَقَاشُ تَزَوَّجَ عَلَيْكَ زَوْجُكِ فَلَوْ سَأَلْتِيهِ الطَّلاقَ قَالَتْ لَا أَبْغِي الشَّرَّ بِالشَّرِّ وَحَسْبُكِ بِالطَّلاقِ عَيْبًا بِالْحُرَّةِ
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ قَالَ حَدَّثَنِي الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى الْعَلَوِيُّ النَّقِيبُ قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ يَخْدِمُنِي أَنَّهُ حَلَفَ بِالطَّلاقِ أَنْ لَا يَحْضُرُ أَبَدًا دَعْوَةً فَسَأَلْتُهُ عَنْ سَبِبِ ذَلِكَ فَقَالَ كُنْتُ قَدِ انْحَدَرْتُ إِلَى الْبَصْرَةِ مِنْ بَغْدَادَ فَصَعَدْتُ إِلَى بَعْضِ مَشَارِعِ الْبَصْرَةِ فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ فَكَنَّانِي بِغَيْرِ كُنْيَتِي وَبَشَّ بِي وَاحْتَفَى وَجَعَلَ يُسَائِلُنِي عَنْ قَوْمٍ لَا أَعْرِفُهُمْ وَكُنْتُ غَرِيبًا لَا أَعْرِفُ مَكَانًا فَقُلْتُ أَبِيتُ عِنْدَهُ اللَّيْلَةَ إِلَى غَدٍ فَأَطْلُبُ مَكَانًا فَوَهَّمْتُ عَلَيْهِ فِي الْقَوْلَ فَجَذَبَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ وَمَعِي رَجُلٌ صَالِحٌ وَفِي كُمِّي دَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ فَرَأَيْتُ دَارًا حَسَنَةً وَحَالا مُتَوَسِّطًا وَإِذَا عِنْدَهُ دَعْوَةٌ وَهُمْ عَلَى نَبِيذٍ وَقَدْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ فَشَبَّهَنِي بِصَدِيقٍ كَانَ لَهُ وَكَانَ فِيمَنْ كَانَ عِنْدَهُ غُلامٌ أَمْرَدُ فَلَمَّا أَخَذْنَا مَضْجَعَنَا لِلْنَوْمِ نَدِمْتُ عَلَى فِعْلِي وَنَامَتِ الْجَمَاعَةُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ طَوِيلَة رَأَيْت احْمَد الْجَمَاعَةِ قَدْ قَامَ إِلَى الْغُلامِ الأَمْرَدِ فَفَسَقَ بِهِ وَرَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِ الْغُلامِ فَاسْتَيْقَظَ صَاحِبُ الْغُلامِ وَحَرَّكَهُ فَقَالَ لَهُ الْغُلامُ مَا تُرِيدُ أَلَمْ تُكُنِ السَّاعَةَ عِنْدِي وَفَعَلْتَ بِي كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَهُ لَا فَقَالَ قَدْ جَاءَنِي السَّاعَةَ مَنْ فَعَلَ بِي كَذَا وَظَنَنْتُ أَنَّكَ هُوَ أَنْتَ فَلَمْ أَتَحَرَّكْ وَلَمْ أَظُنَّ أَنَّ أَحَدًا يَجْسُرُ عَلَيْكَ فَنَخَرَ الرَّجُلُ وَجَرَّدَ سِكِّينًا فِي وَسَطِهِ وَاتَّفَقَ أَنَّهُ بَدَأَ بِصَاحِبِ الْخِيَانَةِ
стр. 465
وَأَنَا أَرْعُدُ فَزِعًا وَلَوْ كَانَ بَدَأَ بِي فَوَجَدَنِي أَرْعُدُ لَقَتَلَنِي وَكَانَ يَظُنُّ أَنَّنِي صَاحِبُ الْقِصَّةِ فَلِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ حَيَاتِي بَدَأَ بِصَاحِبِ الْقِصَّةِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَلْبِهِ فَوَجَدَهُ يَخْفِقُ وَقَدْ تَنَاوَمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ يَرْجُو بِذَلِكَ السَّلامَةَ فَوَضَعَ السِّكِّينَ فِي فُؤَادِهِ وَأَمْسَكَ فَاهُ فَاضْطَرَبَ الرَّجُلُ وَتَلَفَ وَأَخَذَ بِيَدِ غُلامِهِ وَانْصَرَفَ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي البَّزَازُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ بَهْلُولُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْقَاضِي صَاحِبُ الرَّبْعِ بِبَابِ الشَّامِ قَالَ كُنْتُ أَعْمَلُ مَعَ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ بِبَغْدَادَ فَأَخْرَجَ لُصُوصًا مِنَ الْحَبْسِ وَاسْتَأَذْنَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ فِي قَتْلِهِمْ وَصَلْبِهِمْ عِنْدَ الْجِسْرِ فَأَذِنَ لَهُ فَصَلَبَهُمْ عِشَاءً وَكَانُوا عِشْرِينَ رَجُلا وَوَكَّلَ بِهِمْ جَمَاعَةً فَكُنْتُ فِيهِمْ وَالرَّئِيسُ عَلَيْنَا فُلانٌ وَقَالُوا كُونُوا عِنْدَ خَشَبِهِمْ بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَيْلَتِكُمْ حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنْ غَدٍ ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ
فَبِتْنَا وَنِمْنَا فَاحْتَالَ بَعْضُ اللُّصُوصِ فِي أَنْ قَطَعَ الْحَبْلَ وَنَزَلَ مِنَ الْخَشَبَةِ فَمَا انْتَبَهْنَا إِلا بِصَوْتِ وُقُوعِهِ وَعَدْوِهِ فَعَدَا رَئِيسُنَا وَأَنَا خَلْفَهُ فَمَا لَحِقْنَاهُ وَخِفْنَا أَنْ يَتَشَوَّشَ الرِّجَالَةُ الْبَاقُونَ فَيُفْلِتَ إِنْسَانٌ آخَرُ فَرَجَعْنَا مُسْرِعِينَ وَجَلَسْنَا مَغْمُومِينَ نُفَكِّرُ مَاذَا نَعْمَلُ
فَقَالَ رَئِيسُنَا إِنَّ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ لَا يُقِيلَ عَثْرَةً وَلا يَقْبَلُ عُذْرًا وَيَقَعُ لَهُ أَنَّنِي قَدْ أَخَذْتُ مِنَ اللِّصِّ مَالا وَأَطْلَقْتُهُ فَيَضْرِبُنِي لِلتَّقْرِيرِ فَلا أُقِرُّ فَيَقَعُ لَهُ أَنِّي أَتَجَلَّدُ فَيَمِدُّ الضَّرْبَ عَلَيَّ إِلَى أَنْ أَتْلَفَ فَمَا الرَّأْيُ
فَقُلْتُ لَهُ نَهْرَبُ قَالَ فَمِنْ أَيْنَ نَعِيشُ فَقُلْتُ هَذَا نَصْفُ اللَّيْلِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَا جَرَى أَحَدٌ فَقُمْ فَلَنْ يَخْلُوَ أَنْ يَقَعَ بِأَيْدِينَا مَشْئُومٌ قَدْ جَاءَتْ مَنِّيَتُهُ فَنُوثِقَهُ وَنَصْلُبَهُ وَنُقُولُ سَلَّمْتَ إِلَيْنَا عِشْرِينَ رَجُلا وَهَؤُلاءِ عِشْرُونَ فَإِنَّهُ مَا أَثْبَتَ حِلاهُمْ
فَقَالَ هَذَا صَوَابٌ فَقُمْنَا نَطُوفُ وَسَلَكْنَا طَرِيقَ الْجِسْرِ لِنَعْبُرَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ
стр. 466
فَرَأَيْنَا فِي أَسْفَلِ كُرْسِيِّ الْجِسْرِ رَجُلا يَبُولُ فَعَدَلْنَا إِلَيْهِ فَقَبَضْنَا عَلَيْهِ فَصَاحَ يَا قَوْمِ مَا لَكُمْ أَنَا مَلاحٌ صَعَدْتُ مِنَ سُمَيْرِيَّتِي أَبُولُ وَهَذِهِ سُمَيْرِيَّتِي وَأَوْمَأَ إِلَيْهَا أَيُّ شَيْءٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَضَرَبْنَاهُ وَقُلْنَا أَنْتَ اللِّصُّ الَّذِي هَرَبَ مِنَ الْخَشَبَةِ وَجِئْنَا بِهِ وَرَقَيَّنْاهُ إِلَى الْخَشَبَةِ وَصَلَبْنَاهُ مَكَانَ الْهَارِبِ وَهُوَ يَصِيحُ طُولَ اللَّيْلِ وَيَبْكِي فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُنَا رَحْمَةً لَهُ وَقُلْنَا مَظْلُومٌ وَلَكِنْ مَا الْحِيلَةُ
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ رَكِبَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَجَاءَ لِيَضْرِبَ أَعْنَاقَ الْقَوْمِ فَصَاحَ بِهِ الْمَلاحُ بِوُقُوفِكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ادْعُ بِي وَاسْمَعْ كَلامِي فَلَسْتُ مِنَ اللُّصُوصِ الَّذِينَ أَخْرَجْتَهُمْ وَأَمَرْتَ بِصَلْبِهِمْ وَأَنَا مَظْلُومٌ وَقَدْ وَقَعَتْ بِي حِيلَةٌ فَأَنْزَلَهُ وَقَالَ مَا قِصَّتُكَ فَشَرَحَ لَهُ حَدِيثَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَدَعَا بِنَا وَقَالَ مَا هَذَا الرَّجُلُ فَقُلْنَا مَا نَعْرِفُ مَا يَقُولُ سَلَّمْتُ إِلَيْنَا عِشْرِينَ رَجُلا وَهَؤُلاءِ عِشْرُونَ فَقَالَ قَدْ أَخَذْتُمْ مِنَ اللِّصِّ دَرَاهِمَ وَأَطْلَقْتُمُوهُ وَاعْتَرَضْتُمْ مِنَ الطَّرِيقِ رَجُلا غَرِيبًا فَأَخَذْتُمُوهُ فَقُلْنَا مَا فَعَلْنَا هَذَا وَاللِّصُّ الَّذِي سَلَّمْتَ إِلَيْنَا هُوَ هَذَا فَضَرَبَ أَعْنَاقَ الْجَمَاعَةِ وَتَرَكَ الْمَلَّاحَ وَقَالَ هَاتُوا السَّجَّانِينَ وَالْبَوَّابِينَ فَجَاءُوا فَقَالَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْعِشْرِينَ الَّذِينَ أَخْرَجْنَاهُمْ فَتَأَمَّلُوهُ بِأَجْمَعِهِمْ فَقَالُوا لَا
فَفَكَّرَ ثُمَّ أَمَرَ بِإِطْلاقِهِ ثُمَّ قَالَ هَاتُوهُ إِلَيَّ فَرَدَدْنَاهُ فَقَالَ اشْرَحْ لِي قِصَّتُكَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ فَقَالَ لَهُ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ إِيشِ كُنْتَ تَعْمَلُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَالَ كُنْتُ قَدْ بِتُّ فِي سُمَيْرِيَّتِي فَأَخَذَتْنِي بَوْلَةٌ فَصَعَدْتُ أَبُولُ قَالَ فَفَكَّرَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ أدصقني أَمْرَكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى أُطْلِقَكَ وَأَيَّ شَيْءٍ كُنْتَ تَعْمَلُ هُنَاكَ حَتَّى أُطْلِقَكَ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ
قَالَ وَكَانَ مِنْ رَسْمِهِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَرِّرَ إِنْسَانًا قَرَّرَهُ وَهُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ
стр. 467
وَوَرَاءَهُ جَمَاعَةٌ بِمَقَارِعَ فَإِذَا حَكَّ رَأْسَهُ ضُرِبَ الْمُقَرَّرُ وَاحِدَةً عَظِيمَةً فَيَقُولُ هُوَ لِلَّذِي ضَرَبَهُ قَطَعَ اللَّهُ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ يَا فَاعِلُ يَا صَانِعُ مَنْ أَمَرَكَ بِضَرْبِهِ وَلِمَ ضَرَبْتَهُ تَقَدَّمَ يَا هَذَا لَا بَأْسَ عَلَيْكَ اصْدُقْ وَقَدْ نَجَوْتَ فَإِنْ أَقَرَّ وَإِلا حَكَّ رَأسه ثَانِيَة وثالثة أبدا عل هَذَا وَكَذَا كَانَتْ عَادَتُهُ فِي جَمِيعِ الْجُنَاةِ
فَلَمَّا أَطَالَ عَلَيْهِ الْمَلاحُ حَكَّ رَأْسَهُ فَضَرَبَ قَفَاهُ بَعْضُ الْقَائِمِينَ بِمِقْرَعَةٍ عَظِيمَةٍ فَصَاحَ صِيَاحًا شَدِيدًا فَقَالَ هُوَ مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا يَا فَاعِلُ يَا صَانِعُ قَطَعَ اللَّهُ يَدَيْكَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلاحِ اصْدُقْ وَانْجُ بِنَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ لاملاح اللَّهُ شَاهِدٌ عَلَيْكَ أَنِّي آمِنٌ عَلَى نَفْسِي وَأَعْضَائِي حَتَّى أَصْدُقَ قَالَ لَهُ نَعَمْ
فَقَالَ أَنَا رَجُلٌ مَلاحٌ أَعْمَلُ فِي الْمِشْرَعَةِ الْفُلانِيَّةِ يَعْرِفُنِي جِيرَانِي بِالسِّتْرِ كُنْتُ قَدْ سَرَحْتُ سُمَيْرِيَّتِي الْبَارِحَةَ بَعْدَ الْعَتْمَةِ أَتَفَرَّجُ فِي الْقَمَرِ فَنَزَلَ خَادِمٌ مِنْ دَارٍ لَا أَعْرِفُهَا فَصَاحَ يَا مَلاحُ فَتَقَدَّمْتُ فَسَلَّمَ إِلَيَّ امْرَأَةً حَسَنَةً وَمَعَهَا صَبِّيتَانِ وَأَعْطَانِي دِرْهَمًا صَحِيحًا وَقَالَ احْمِلْ هَؤُلاءِ إِلَى بَابِ الشُّمَاسِيَّةِ فَصَاعَدْتُ بِهِمْ قِطْعَةً مِنَ الطَّرِيقِ فَكَشَفَتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا فَإِذَا هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا كَالْقَمَرِ فَاشْتَهَيْتُهَا فَعَلَّقْتُ مَجَادِيفِي فِي الدَّرْنُوكِ وَأَخْرَجْتُ السَّفِينَةَ إِلَى وَسَطِ دِجْلَةٍ وَتَقَدَّمْتُ إِلَى الْمَرْأَةِ فَرَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَخَذَتْ تَصِيحُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَئِنْ صِحْتِ لأُغَرِّقَنَّكِ السَّاعَةَ فَسَكَتَتْ وَأَخَذَتْ تُمَانِعُنِي عَنْ نَفْسِهَا فَاجْتَهَدْتُ بِأَنْ أَقْدِرَ عَلَيْهَا فَمَا قَدَرْتُ فَقُلْتُ لَهَا مَنْ هَاتَانِ الصَّبِيَّتَانِ مِنْكِ فَقَالَتْ بِنَاتِي فَقُلْتُ لَهَا أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكِ تُمَكِّنِينِي مِنْ نَفْسِكِ أَوْ أُغْرِقُ هَذِهِ وَقَبَضْتُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَقَالَتْ أَمَّا أَنَا فَلا أُطِيعُكَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَرَمَيْتُ إِحْدَى الصَّبِيَتَيْنِ فِي الْمَاءِ فصاحت فَضربت فاها وَصِحْتُ مَعَهَا وَاللَّهِ لَا طَلَّقْتُكِ
стр. 468
وَلَوْ قَتَلْتِينِي لِيَشْتَبِهَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ عَسَاهُ يَسْمَعُ الصِّيَاحَ فِي اللَّيْلِ فَسَكَتَتْ وَأَقْبَلَتْ تَبْكِي فَتَرَكْتُهَا سَاعَةً ثُمَّ قُلْتُ لَهَا دَعِينِي وَإِلا أَغْرَقْتُ الأُخْرَى فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَا فَعَلْتُ فَأَخَذْتُ الصَّبِيَّةَ الأُخْرَى فرميت بهَا إى المَاء فَصَاحب وَصِحْتُ مَعَهَا ثُمَّ قُلْتُ لَهَا مَا بَقِيَ إِلا أَنْ أَقْتُلَكِ أَنْتِ فَدَعِينِي وَإِلا قَتَلْتُكِ وَأَخَذْتُهَا وَرَفَعْتُ يَدَيْهَا لأَرْمِي بِهَا إِلَى الْمَاءِ فَقَالَتْ أَدَعُكَ فَرَدَدْتُهَا إِلَى السُّمَيْرِيَّةِ فَمَكَّنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا فَوَطِئْتُهَا وَسِرْتُ لأَمْضِيَ بِهَا إِلَى الْمِشْرَعَةِ فَقُلْتُ هَذِهِ السَّاعَةَ تَصْعَدُ إِلَى دَارِهَا وَإِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَأْوِي إِلَيْهِ فَتُنْذِرُ بِي فَأُوخَذُ وَأُقْتَلُ وَلَيْسَ الْوَجْهُ إِلا تَغْرِيقُهَا فَجَمَعْتُ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَرَمَيْتُ بِهَا فِي الْمَاءِ فَغَرِقَتْ فَفَكَّرْتُ فِيمَا أَرْتَكَبْتُهُ وَمَا جَنَيْتُهُ فَنَدِمْتُ وَكُنْتُ كَرَجُلٍ كَانَ سَكْرَانًا فَأَفَاقَ فَقُلْتُ أَيَّ شَيْءٍ أَعْمَلُ لَيْسَ إِلا أَنْ أَنْحَدِرَ فِي سُمَيْرِيَّتِي هَذِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ وَأَغُوصُ فِي أَنْهَارِهَا فَلا أُعْرَفُ فَانْحَدَرْتُ فَلَمَّا صِرْتُ حِذَاءَ الجس أخَذَتْنِي بَطْنِي فَصَعَدْتُ لأَتَمَسَّحَ وَأَعُودَ إِلَى سُمَيْرِيَّتِي فَقَبَضَ عَلَيَّ هَؤُلاءِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ مُتَطَايِبًا فَأَيُّ مُعَامَلَةٍ بَيْنَ مِثْلِكَ وَبَيْنِي انْصَرِفْ بِسَلامٍ فَظَنَّ بِجَهَالَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ فَوَلَّى يَمْشِي لِيَنْصَرِفَ فَصَاحَ بِهِ يَا فَتَى هُوَ ذَا تَنْصَرِفُ وَتَدَعُنَا مِنْ حَقِّنَا فَلا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَرْجِعَ لِنُحَلِّفَكَ أَنْ لَا تَعُودَ إِلَى مِثْلِ هَذَا فَرَجَعَ فَقَالَ خُذُوهُ فَأَخُذُوهُ فَقَالَ اقْطَعُوا يَدَهُ فَقَالَ يَا سَيِّدِي تَقْطَعُ يَدِي أَلَيْسَ قَدْ أَمَّنْتَنِي فَقَالَ يَا كَلْبُ أَمَانٌ لِمِثْلِكَ قَدْ قَتَلْتَ ثَلاثَةَ أَنْفُسٍ وَزَنَيْتَ وَأَخَفْتَ السَّبِيلَ قَالَ فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلاهُ ثُمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَأُحْرِقَ جَسَدُهُ فِي مَكَانِهِ
стр. 469
الْبَابُ الْخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ أَخْبَارِ مَنْ قَتَلَ مَعْشُوقَهُ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيُّ عَنِ الْعُتْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ وَكَانَ لَهَا عَاشِقًا وَكَانَتِ امْرَأَةً جَمِيلَةً وَكَانَ مِنْ عِشْقِهِ لَهَا أَنَّهُ كَانَ يَقْعُدُ فِي دِهْلِيزِهِ مَعَ نُدَمَائِهِ ثُمَّ يَدْخُلُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَصْحَابِهِ عِشْقًا لَهَا فَطَبِنَ لَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا فَاكْتَرَى دَارًا إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُرَاسِلُهَا حَتَّى أَجَابَتْهُ إِلَى مَا أَرَادَ فَاحْتَالَتْ وَتَدَلَّتْ إِلَيْهِ وَدَخَلَ الزَّوْجُ كَعَادَتِهِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَرَهَا فَقَالَ لأُمِّهَا أَيْنَ فُلانَةُ فَقَالَتْ تَقْضِي حَاجَةً فَطَلَبَهَا فِي الْمَوْضِعِ فَلَمْ يَجِدَهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ تَدَلَّتْ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا مَا وَرَاءَكِ وَاللَّهِ لَتُصْدُقِنِّي قَالَتْ وَاللَّهِ لأَصْدُقَنَّكَ مِنَ الأَمْرِ كَيْتَ وَكَيْتَ فَأَقَرَّتْ لَهُ فَسَلَّ السَّيْفَ فَضَرَبَ عُنُقَهَا ثُمَّ قَتَلَ أُمَّهَا وَهَرَبَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
يَا طَلْعَةً طَلَعَ الْحِمَامُ عَلَيْهَا ... وَجَنَتْ لَهَا ثُمْرُ الرَّدَى بِيَدَيْهَا
وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ فَجَنَى لَهَا
رَوَّيْتُ مِنْ دَمِّهَا الثَّرَى وَلَرُبَّمَا ... رَوَّى الْهَوَى شَفَتَيَّ مِنْ شَفَتَيْهَا
وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ الْحُسَامُ
стр. 470
حَكَمْتُ سَيْفِيَ فِي مَجَالِ خِنَاقِهَا ... وَمَدَامِعِي تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهَا
مَا كَانَ قَتْلِيهَا لأَنِّي لَمْ أَكُنْ ... أَبْكِي إِذَا سَقَطَ الذُّبَابُ عَلَيْهَا
لَكِنْ بَخِلْتُ عَلَى الْعُيُونِ بِحُسْنِهَا ... وَشَفِقْتُ مِنْ نَظَرِ الْغُلامِ إِلَيْهَا
وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ وَأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الْعُيُونِ إِلَيْهَا
زَادَ ابْنُ السَّرَّاجِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ خَلَفٍ قَالَ وَزَادَنِي غَيْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ لَهَا أُخْتٌ شَاعِرَةٌ فَقَالَتْ تُجِيبُهُ
لَوْ كُنْتَ تُشْفِقُ أَوْ تَرِقُّ عَلَيْهَا ... لَرَفَعْتَ حَدَّ السَّيْفِ عَنْ وَدْجَيْهَا
وَرِحِمْتَ عَبْرَتَهَا وَطُولَ حَنِينِهَا ... وَجَزِعْتَ مِنْ سُوءٍ يَصِيرُ إِلَيْهَا
مَنْ كَانَ يَفْعَلُ مَا فَعَلْتَ بِمِثْلِهَا ... إِذْ طَاوَعَتْكَ وَخَالَفَتْ أَبَوَيْهَا
فَتَرَكْتَهَا فِي خِدْرِهَا مَقْتُولَةً ... ظُلْمًا وَتَبْكِي يَا شَقِيُّ عَلَيْهَا
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا صَاعِدُ بْنُ سَيَّارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْغَوْرَجِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظُ إِجَازَةً قَالَ سَمِعْتُ الْخَلِيل ابْن أَحْمَدَ الْقَاضِي يَقُولُ نَظَرَ دِيكُ الْجِنِّ وَكَانَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ إِلَى غُلامٍ لَهُ يَتَأَمَّلُ جَارِيَةً لَهُ وَالْجَارِيَةُ تَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ أَظْهَرَ النَّدَمَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
يَا مُهْجَةً بَرَكَ الْحِمَامُ عَلَيْهَا ... وَجَنَى لَهَا ثَمَرَ الرَّدَى بِيَدَيْهَا
مَا كَانَ قَتْلِيهَا بِأَنِّي لَمْ أَكُنْ ... أَبْكِي إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ عَلَيْهَا
لَكِنْ نَفِسْتُ عَنِ الْعُيُونِ بِنَظْرَةٍ ... وَأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الْغُلامِ إِلَيْهَا
اسْمُ دِيكِ الْجِنِّ عَبْدُ السَّلامِ بْنُ رَغْبَانَ وَإِنَّمَا لُقِبَّ بِدِيكِ الْجِنِّ وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ ابْن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ أَنَّ دِيكَ الْجِنِّ هَوَى نَصْرَانِيَّةٌ فَدَعَاهَا إِلَى الإِسْلامِ فَأَسْلَمَتْ وَكَانَ اسْمُهَا وَرْدًا فَتَزَوَّجَهَا وَكَانَ لَهُ ابْنُ عَمٍّ يُبْغِضُهُ فَأَشَاعَ أَنَّهَا تَهْوَى
стр. 471
غُلامًا لِدِيكِ الْجِنِّ فَضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهَا فَطَلَبَهُ السُّلْطَانُ فَهَرَبَ ثُمَّ عَلِمَ كَيْفَ جَرَى الأَمْرُ فَأَقَامَ عَلَى الْبُعَادِ وَقَالَ
يَا طَلْعَةً طَلَعَ الْحِمَامُ عَلَيْهَا ... وَجَنَى لَهَا ثَمْرُ الرَّدَى بِيَدَيْهَا
رَوَّيْتُ مِنْ دَمِّهَا الثَّرَاءَ وَطَالَمَا ... رَوَّى الْهَوَى شَفَتَّيَ مِنْ شَفَتَيْهَا
قَدْ بَاتَ سَيْفِيَ فِي مَجَالِ وِشَاحِهَا ... وَمَدَامِعِي تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهَا
فَوَحَقِّ نَعْلَيْهَا فَمَا وطىء الثَّرَى ... شَيْءٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَعْلَيْهَا
مَا كَانَ قَتْلِيهَا لأَنِّي لَمْ أَكُنْ ... أَبْكِي إِذَا سَقَطَ الذُّبَابُ عَلَيْهَا
لَكِنْ ضِنِنْتُ عَلَى الْعُيُونِ بِحُبِّهَا ... وَأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الْحَسُودِ إِلَيْهَا
وَقَدْ رَوَى الأَصْبَهَانِيُّ أَنَّ السَّلِيكَ بْنَ مَجْمَعٍ كَانَ مِنَ الْفُرْسَانِ وَكَانَ مَطْلُوبًا فِي سَائِرِ الْقَبَائِلِ بِدِمَاءِ قَوْمٍ قَتَلَهُمْ وَكَانَ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ وَكَانَ يَخْطُبُهَا قَدْ مَنَعَهُ أَبُوهَا ثُمَّ زَوَّجَهَا لَهُ خَوْفًا مِنْهُ فَدَخَلَ بِهَا فِي دَارِ أَبِيهَا ثُمَّ نَقَلَهَا بَعْدَ أُسْبُوعٍ إِلَى عَشِيرَتِهِ فَلَقِيَهُ مِنْ فَزَارَةَ ثَلاثُونَ فاررسا كلهم يَطْلُبهُ بِدَم فقالتهم وَقَاتَلُوهُ حَتَّى إِذَا أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ وَأَيْقَنَ بِالْمَوْتِ صَارَ إِلَيْهَا فَقَالَ مَا أسمح بك لهَؤُلَاء وَأحب أَنْ أُقَدِّمَكَ قَبْلِي قَالَتْ افْعَلْ وَلَوْ لَمْ تَفْعَلْ فَعَلْتُهُ أَنَا فَضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ
يَا طَلَعَةً طَلَعَ الْحِمَامُ إِلَيْهَا ... فَذَكَرَ الأَبْيَاتَ الْمَتَقَدِّمَةَ ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهَا فَتَمَرَّغَ فِي دَمِّهَا وَتَخَضَّبَ بِهِ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَلَفٍ إِذْنًا قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَشْيَاخٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ وَمَالِكُ ابْنَيْ زَيْدِ بْنِ مُنَاةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِمْ أَدْرَكُوا ذَلِكَ الدَّهْرَ
стр. 472
أَنَّ أَبَا الْبِلادِ وَهُوَ بِشْرُ بْنُ عَلاءٍ أَخُو بَنِي طُهَيَّةَ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَوْدٍ كَانَ فِي الشَّرَفِ مِنْ قَوْمِهِ وَكَانَ يَتِيما فِي حجر عَمه وَكَانَ لِعَمِّهِ ابْنَةٌ يُقَالُ لَهَا سَلْمَى وَكَانَت أجمل فتاة بِنَجْد مَشْهُودَة بِذَلِكَ فَعَلِقَهَا أَبُو الْبِلادِ وَعَمُّهُ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ وَكَانَ يَهَابُ عَمَّهُ أَنْ يَخْطُبَهَا إِلَيْهِ فَغَابَ أَبُو الْبِلادِ غَيْبَةً فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا أَحَدَ بَنِي عَمِّهَا وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا الْبِلادِ فَذُهِلَ عَقْلُهُ فَأَتَى الْخِبَاءَ الَّذِي تَكُونُ بِهِ سَلْمَى كَمَا كَانَ يَأْتِي فَرَأَتْ سَلْمَى فِي وَجْهِهِ صُفْرَةً وَرَأَتْ بِهِ زَمْعًا فَحَسِبَتْ أَنَّهُ جَائِعٌ فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ جَفْنَةً فِيهَا طَبِيخٌ مِنْ لَحْمِ طَيْرٍ قَدْ رَاحَ بِهِ رِعَاؤُهُمْ فَطَفِقَ يَأْكُلُ أَكْلَ مَسْلُوسٍ فَظَنَّتِ الْفَتَاةُ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنَ الْجِنِّ فَخَرَجَتْ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ تُرِيدُ أُخْتَهَا لَيْلَى وَسَمِعَ حَفِيفَ ثَوْبِهَا فَخَرَجَ مُعَارِضًا لَهَا بِالسِّيفِ فَضَرَبَهَا عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهَا فَقَتَلَهَا
وَقَدْ نُقِلَتْ إِلَيْنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَشْيَاخٌ مِنْ بَنِي سعد وَمَالك ابْنا زَيْدِ مَنَاةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِمْ أَدْرَكُوا ذَلِكَ الدَّهْرَ أَنَّ أَبَا الْبِلادِ وَهُوَ بِشْرُ بْنُ الْعَلاءِ أَحَدُ بَنِي طُهَيْةَ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَوْدٍ كَانَ فِي شَرَفٍ مِنْ قَوْمِهِ وَكَانَ يَتِيمًا مِنْ أُمِّهِ وَكَنَفَهُ عَمُّهُ وَكَانَ اسْم عَمه حنيف بن عرو وَكَانَ عِنْده أثر من وَالِده وَكَانَتْ لِعَمِّهِ ابْنَةٌ يُقَالُ لَهَا سَلْمَى وَكَانَتْ أَحْسَنَ فَتَاةٍ بِنَجْدٍ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ وَكَانَ يَهَابُ عَمَّهُ أَنْ يَخْطُبَهَا إِلَيْهِ فَغَابَ غَيْبَةً فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا أَحَدَ بَنِي عَمِّهَا وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا الْبِلادِ فَذُهِلَ عَقْلُهُ وَإِنَّهُ أَتَى الْخِبَاءَ الَّذِي تَكُونُ بِهِ سَلْمَى كَمَا كَانَ يَأْتِي فرأت سلم فِي وَجْهِهِ صُفْرَةً
стр. 473
وَرَأَتْ بِهِ زَمْعًا فَحَسِبَتْ أَنَّهُ جَائِعٌ فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ جَفْنَةً فِيهَا طَبِيخٌ مِنْ لَحْمِ طَيْرٍ قَدْ رَاحَ بِهِ رِعَاؤُهُمْ فَطَفِقَ يَأْكُلُ أَكْلَ مَسْلُوسٍ فَظَنَّتِ الْفَتَاةُ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنَ الْخَافِي فَخَرَجَتْ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ تُرِيدُ بِيتَ أُخْتِهَا لَيْلَى وَسَمِعَ حَفِيفَ ثَوْبِهَا فَخَرَجَ مُعَارِضًا لَهَا بِالسِّيفِ فَضَرَبَهَا عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهَا وَسَمِعْتُ لَيْلَى الْوَجْبَةَ فغدت عَلَيْهِ بهراوة وَأدبر فابتعته الْفَتَاةُ فَأَصَابَتْ خِشَاشَهُ فَتَتَعْتَعَ فَسَقَطَ ثُمَّ انْتَعَشَ فَغَدَا هَارِبًا وَقَالَ فِي ذَلِكَ
إِنَّ لِلَيْلَى بَيْنَ أُذُنِي وَعَاتِقِي ... كَضَرْبَةِ سَلْمَى يَوْمَ نَعْفِ الشَّقَائِقِ قَالَ وَاسْتَصْرَخَ أَبُوهَا وعمها وإخواتها فَأَقْبَلُوا وَيَأْوِي أَبُو الْبِلادِ فِي قَارَةٍ حِذَاءَ أَبْيَاتِهِمْ فَكَانَ يَكُونُ فِيهَا نَهَارَهُ وَيَنْحَدِرُ بِاللَّيْلِ فَيَتَنَوَّرُ نَارَ أَهْلِهَا وَهِيَ تَضْرِبُ بِنَفْسِهَا فِي ثِيَابٍ لَهَا بِهَا عَلَزُ الْمَوْتِ فَيَرَاهَا فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبُوهَا فَقَالَ مَا كُنْتُ لأَقْتُلَ وَلَدًا يُولد
وَقَالَ أَبُو الْبِلادِ وَهُوَ يَرَى نَارَ سَلْمَى الَّتِي كَانَتْ تُوقَدُ لَهَا قَبْلَ الْمَوْتِ
يَا مَوْقِدَ النَّارِ وَهْنًا مَوْقِدَ النَّارِ ... بِجَانِبِ الشِّيحِ مِنْ رَقَصَاتِ أَعْيَارِ
يَا مَوْقِدَ النَّارِ أَشْعِلْهَا بِعَرْفَجَةٍ ... لِمَنْ تَنَوَّرَهَا مِنْ مُدْلِجٍ سَارِي
نَارٌ تُضِيءُ سُلَيْمَى وَهِيَ حَاسِرَةٌ ... سُقْيًا لِمُوقِدِ تِلْكَ النَّارِ مِنْ نَارِ
قَالَ فماتتت سليمى وَلَمْ يَزَلْ بِأَبِي الْبِلادِ بَعْدَ ذَلِكَ وَسْوَسَةٌ وَبَهْتَةٌ حَتَّى مَاتْ
стр. 474
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ يَخْدِمُنِي وَقَدْ تَجَارَيْنَا أَحَادِيثَ قَالَ بِتُّ لَيْلَةً فِي مَكَانٍ فَقَتَلَ رَجُلٌ رَجُلا فَخَرَجْتُ وَاللَّيْلُ مُنْتَصِفٌ لَا أَدْرِي أَيْنَ أَقْصِدُ وَخِفْتُ الْعَسَسَ فَرَأَيْتُ أَتُّونَ حَمَّامٍ وَلَمْ يُوقد بعد فَقلت أختبيء فِيهِ إِلَى أَنْ يُفْتَحَ الْحَمَّامُ فَأَدْخُلَهُ فَجَلَسْتُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الأَتُّونِ فَمَا لَبِثْتُ حَتَّى سَمِعْتُ وَقْعَ حَافِرٍ فَإِذَا رَجُلٌ مَعَهُ جَارِيَةٌ فَأَدْخَلَهَا إِلَى الأَتُّونِ فَذَبَحَهَا وَتَرَكَهَا وَمَضَى فَرَأَيْتُ بَرِيقَ خَلْخَالَيْنِ فِي رِجْلِهَا فَانْتَزَعْتُهُمَا مِنْهَا وَصَبَرْتُ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجْتُ وَمَا زِلْتُ أَمْشِي فِي طَرِيقٍ لَا أَعْرِفُهُ مُتَحَيِّرًا إِلَى أَنِ اجْتَزْتُ بِحَمَّامٍ قَدْ فُتِحَ فَدَخَلْتُهُ وَخَبَّأْتُ مَا مَعِي فِي ثِيَابِي وَخَرَجْتُ فَعَرَفْتُ الطَّرِيقَ وَعَلِمْتُ أَنِّي بِالْقُرْبِ مِنْ دَارِ صَدِيقٍ لِي فَطَلَبْتُهَا وَدَقَقْتُ بَابَهُ فَفَتَحَ لِي وَسُرَّ بِقُدُومِي وأدخلني فَدفعت إِلَيْهِ دراهمي ليخبأها وَالْخَلْخَالِينِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا تَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَقُلْتُ مَالَكَ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَانِ الْخَلْخَالانِ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي كُلِّهِ فِي لَيْلَتِي تِلْكَ فَقَالَ لِي تَعْرِفُ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ أَمَّا بِوَجْهِهِ فَلَا لن الظُّلْمَةَ كَانَتْ حَائِلَةً بَيْنَنَا وَلَكِنْ إِنْ سَمِعْتُ كَلامَهُ عَرَفْتُهُ فَأَعَدَّ طَعَامًا وَنَظَرَ فِي أَمْرِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَعَادَ بَعْدَ سَاعَةٍ وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْجُنْدِ فَكَلَّمَهُ وَغَمَزَنِي عَلَيْهِ فَقُلْتُ نَعَمْ هُوَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَكَلْنَا وَحَضَرَ الشَّرَابُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالنَّبِيذِ حَتَّى سَكِرَ وَنَامَ فِي مَوْضِعِهِ فَغَلَقَ بَابَ الدَّرْبِ وَذَبَحَ الرَّجُلَ وَقَالَ لِي إِنَّ الْمَقْتُولَةَ أُخْتِي وَكَانَ هَذَا قَدْ أَفْسَدَهَا وَأَنَا مُنْذُ مُدَّةٍ أَتَخَبَّرُ فَلا أُصَدِّقُ إِلا أَنِّي طَرَدْتُ أُخْتِي وَأَبْعَدْتُهَا عَنِّي فَمَضَتْ إِلَيْهِ وَلَسْتُ أَدْرِي مَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَتَّى قَتَلَهَا وَإِنَّمَا عَرَفْتُ الْخَلْخَالِينِ فَدَخَلْتُ وَسَأَلْتُ عَنْ أَمْرِهِمَا فَقَالُوا لِي هِيَ عِنْدَ فُلانٍ فَقُلْتُ قَدْ رِضِيتُ عَنْهَا فَوَجِّهُوا رُدُّوهَا فَمَضَوْا يَعْرِفُونَ خَبَرَهَا فَلَجْلَجَ الرَّجُلُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهَا كَمَا ذَكَرْتَ فَقَتَلْتُهُ فَقُمْ حَتَّى نَدْفِنَهُ فَخَرَجْنَا لَيْلا أَنَا وَالرَّجُلُ حَتَّى دَفَنَّاهُ وَعُدْتُ إِلَى الْمِشْرَعَةِ هَارِبًا مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى بَغْدَادَ وَحَلَفْتُ لَا أَحْضِرُ دَعْوَةً أَبَدًا
стр. 475
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ النُّصَيْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ حَامِدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي حَامِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي قَالَ كَانَ جَدُّكَ أَبُو حَامِدٍ وَهُوَ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ إِذْ ذَاكَ يَتَمَشَّى فِي دَارِ الْخِلافَةِ فَيَنْصَرِفُ وَقَدْ مَضَى رُبْعُ اللَّيْلِ وَثُلُثُهُ فَيَجْلِسُ فِي طَيَّارِهِ وَيَصْعَدُ إِلَى دَارِهِ وَنَحْتَاجُ نَحْنُ أَنْ يَكُونَ لَنَا سُفُنٌ مُشَاهِرَةٌ فَإِذَا رَكِبَ طَيَّارَهُ نَزَلْنَا نَحْنُ سُفُنَنَا وَكَانَ بِرَسْمِي مَلاحٌ عَلَى مُرُور الوقات فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي خرجت مَعَ جدك فلطبت مَلاحِي فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ جَدِّكَ فِي سُمَيْرِيَّتِهِ وَبَكَرْتُ مِنَ الْغَدِ فَلَمْ أَعْرِفْ لَهُ خَبَرًا وَتَمَادَى ذَلِكَ سِنِينَ
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سِنِينَ رَأَيْتُهُ فِي الْكَرْخِ بِطَيْلَسَانٍ وَنَعْلٍ طَاقٍ وَرِدَاءٍ بِزِيِّ التُّجَّارِ الْمَيَاسِيرِ فَقُلْتُ فُلانٌ فَحِينَ رَآنِي اضْطَرَبَ فَقُلْتُ وَيْحَكَ مَا قِصَّتُكَ قَالَ خَيْرٌ فَقُلْتُ وَمَا هَذَا الزِّيُّ قَالَ تَرَكْتُ الْمِلاحَةَ وَصِرْتُ تَاجِرًا قُلْتُ فَرَأْسُ الْمَالِ مِنْ أَيْنَ لَكَ فَجَهِدَ أَنْ يُفْلِتَ فَقُلْتُ لَا تُطَوِّلْ عَلَيَّ وَاللَّهِ لَا افْتَرَقْنَا أَوْ تُخْبِرَنِي خَبَرَكَ وَلِمَ تَرَكْتَنِي تِلْكَ اللَّيْلَةُ ثُمَّ لَمْ نَرَكَ إِلَى الآنَ فَقَالَ عَلَى أَنْ تَسْتُرَ عَلَيَّ فَقُلْتُ أَفْعَلُ فَأَحْلَفَنِي فَحَلَفْتُ
قَالَ إِنَّكَ أَبْطَأْتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَعَرَضَتْ لِي بَوْلَةٌ فَأَصَعَدْتُ مِنْ دَارِ الْخِلافَةِ إِلَى مَشْرَعَةٍ بِنَهْرِ مُعَلَّى فَبُلْتُ وَإِذَا بِرَجُلٍ قَدْ نَزَلَ فَقَالَ احْمِلْنِي فَقُلْتُ أَنَا مَعَ رَاكِبٍ لَا يُمْكِنُنِي فِرَاقُهُ فَقَالَ خُذْ مِنِّي دِينَارًا وَاحْمِلْنِي فَلَمَّا سَمِعْتُ ذِكْرَ الدِّينَارِ طَمِعْتُ وطننته هَارِبًا فَقُلْتُ إِلَى أَيْنَ احْمِلُكَ فَقَالَ إِلَى الدَّبَّاغِينَ فَقُلْتُ لَا أَحْمِلُكَ فَقَالَ خُذْ دِينَارَيْنِ فَقُلْتُ هَاتِ فَأَعْطَانِي دِينَارَيْنِ فَجَعَلْتُهُمَا فِي كُمِّي وَكَانَ مَعَهُ غُلامٌ فَقَالَ امْضِ وَهَاتِ مَا مَعَكَ فَمَضَى الْغُلامُ وَلَمْ يَحْتَبِسْ حَتَّى جَاءَ بِامْرَأَةٍ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ وَجْهًا مِنْهَا وَلا ثِيَابًا وَجَاءَ بِجَوْنَةٍ كَبِيرَةٍ حَسَنَةٍ
стр. 476
وَأَطْبَاقِ فَاكِهَةٍ وَثَلْجٍ وَنَبِيذٍ وَكَانَتْ لَيْلَةٌ مُقْمِرَةٌ وَجَاءَ بِعُودٍ فَأَخَذَتْهُ الْجَارِيَةُ فِي حِجْرِهَا فَسَهَّلَ عَلَيَّ لِطِيبِ الْوَقْتِ أَنْ أَخِلَّ بِكَ ثُمَّ قَالَ لِلْغُلامِ امْضِ أَنْتَ فَمَضَى قَالَ ادْفَعْ فَدَفَعْتُ وَكَشَفَتِ الْجَارِيَةُ وَجْهَهَا فَإِذَا هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْبَدْرِ بِشَيْءٍ كَبِيرٍ فَلَمَّا بَلَغْتُ الدَّبَّاغِينَ جَرَّدَ سَيْفًا كَانَ مَعَهُ وَقَالَ ادْفَعْ إِلَى مَكَانٍ أَقُولُ لَكَ وَإِلا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ فَقُلْتُ مَا بِكَ إِلَى هَذَا حَاجَةٌ السُّمْعَ وَالطَّاعَةَ فَانْحَدَرْتُ فَقَالَ لَهَا تَأْكُلِينَ شَيْئًا فَقَالَتْ نَعَمْ فَأَخْرَجَ مَا كَانَ فِي الْجُونَةِ فَإِذَا طَعَامٌ نَظِيفٌ ظَرِيفٌ فَأَكَلا وَألقى الجنوة إِلَيَّ ثُمَّ أَخَذَتِ الْعُودَ وَغَنَّتْ أَحْسَنَ غِنَاءٍ يَكُونُ وَأَطْيَبَهُ فَقَالَ لِي يَا مَلَّاحُ لَوْلا خَوْفِي أَنْ تَسْكَرَ لَسَقَيْتُكَ فَقُلْتُ يَا أُسْتَاذُ أَنَا أَشْرَبُ عِشْرِينَ رَطْلا نَبِيذًا وَلا أَسْكَرُ فَأَعْطَانِي ظَرْفًا فِيهِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَقَالَ اشْرَبْ لِنَفْسِكَ فَجَعَلْتُ أَشْرَبُ عَلَى الْغِنَاءِ واجحدف وَهُمَا يَشْرَبَانِ إِلَى أَنْ دَنَا مِنْهَا فَقَبَّلَهَا كَثِيرًا وَاحْتَجَّتْ شَهْوَتُهُ فَجَامَعَهَا وَأَنَا أَرَاهُ ثُمَّ عَاوَدَهَا دُفُعَاتٍ وَثَمِلَ فَقَالَ يَا فُلانَةُ خُنْتِ عَهْدِي وَمِيثَاقِي وَمَكَّنْتِ فُلانًا مِنْ نَفْسِكِ حَتَّى فَعَلَ بِكِ كَيفَ وَكَيْتَ وَفُلانًا وَفُلانًا وَجَعَلَ يُوَاقِفُهَا وَهِيَ تَقُولُ لَا وَاللَّهِ لَا يَا سَيِّدِي مَا فَعَلْتُ هَذَا وَإِنَّمَا كَذَبُوا عَلَيَّ عِنْدَكَ لِيُبَاعِدُونِي مِنْكَ قَالَ كَذَبْتِ أَنَا تَوَصَّلْتُ إِلَى أَنْ حَصَلْتُ مَعَكُمْ فِي لَيْلَةِ كَذَا فِي الدَّارِ الْفُلانِيَّةِ وَقَدْ دَعَاكِ فُلانٌ وَصَنَعْتُمْ كَذَا وَفَعَلْتُمْ كَذَا وَأَنَا أَرَاكُمْ بَعَيْنِي وَمَا بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ وَتَدْرِينَ لِمَ جِئْتُ بِكِ إِلَى هَذَا الْموضع وعاتبتك هَا هُنَا فَقَالَتْ لَا فَقَالَ لأَنْ أُوَدِّعَكِ وَأَجْعَلَ هَذَا آخِرَ الْعَهْدِ بِكِ وَأَقْتُلَكِ وَأَطْرَحَكِ فِي الْمَاءِ
قَالَ فَجَزِعَتِ الْجَارِيَةُ جَزَعًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَتْ يَا مَوْلايَ وَيَطِيبُ قَلْبُكَ قَالَ إِي وَاللَّهِ ثُمَّ خَالَطَهَا وَأَخْرَجَ تِكَّتِهَا فَكَتَّفَهَا بِهَا فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي اتَّقِ اللَّهَ مِثْلُ هَذَا الْوَجْهِ وَأَنْتَ تَالِفٌ مِنْ حُبِّهِ تَعْمَلُ بِهِ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ السَّاعَةَ وَاللَّهِ ابْتَدِئُ بِكَ وَأَخَذَ السَّيْفَ فَجَزَعْتُ وَمَسَكْتُ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهَا فَذَبَحَهَا وَأَمْسَكَهَا
стр. 477
حَتَّى جَرَى دَمُّهَا وَمَاتَتْ ثُمَّ أَقْبَلَ يَنْزِعُ حُلِيَّهَا وَيَرْمِي بِهِ إِلَى صَدْرِ السُّمَيْرِيَّةِ ثُمَّ نَزَعَ الثِّيَابَ عَنْهَا وَشَقَّ جَوْفَهَا وَجَعَلَ يُقَطِّعُهَا قِطَعًا وَيَرْمِي بِهَا إِلَى الْمَاءِ
وَكُنَّا قَدْ قَارَبْنَا الْمَدَائِنَ وَقَدْ مَضَى أَكْثَرُ اللَّيْلِ فَرَأَيْتُ مَنْظَرًا لَمْ أَرَ قَطُّ مِثْلَهُ وَمِتُّ جَزَعًا وَقُلْتُ السَّاعَةَ يَقْتُلُنِي لِئَلا أَنِمَّ عَلَيْهِ وَلَمْ أَجِدْ حِيلَةً فَاسْتَسْلَمْتُ وَطَرَحَ نَفْسَهُ كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَتَلْتُ نَفْسِي وَيَلْطِمُ وَرَمَى بِالْعُودِ وَجَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ فَاكِهَةٍ وَأَكْلٍ وَشَرَابٍ إِلَى الْمَاءِ فَطَلَعَ الْفَجْرُ وَأَضَاءَ وَبَقِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ نِصْفُ فَرْسَخٍ فَطَمِعْتُ فِي الْحِيلَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ يَا سَيِّدِي قَدْ أَصْبَحْنَا أَفَلا تُصَلِّي وَأَرَدْتُ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى الشَّطِّ وَانْحَدِرَ أَنَا فِي السُّمَيْرِيَّةِ وَأَدَعَهُ فَقَالَ بَلَى اطْرَحْنِي إِلَى الشط فقدمن السُّمَيْرِيَّةِ إِلَى الشَّطِّ وَطَرَحْتُهُ فَحِينَ صَعَدَ مِنَ السُّمَيْرِيَّةِ أَذْرُعًا يَسِيرَةً إِذَا سَبْعٌ قَدْ قَفَزَ عَلَيْهِ فَتَنَاوَلَهُ فَرَأَيْتُهُ وَاللَّهِ فِي فَمِهِ كَالْفَأْرَةِ فِي فَمِّ التَّنُّورِ فَلا أَنْسَى مَا وَرَدَ عَلَى قَلْبِي مِنَ السُّرُورِ بِذَلِكَ
فَحَدَرْتُ السَّفِينَةَ فَلَمَّا تَجَاوَزَتِ الْمَدَائِنَ طَرَحْتُ إِلَى الشَّطِّ وَجَمَعْتُ الْحُلِيَّ وَخَبَّأْتُهُ تَحْتَ بَارِيَةِ السُّمَيْرِيَّةِ وَتَأَمَّلْتُ الثِّيَابَ فَغَسَلْتُ مَا أَثَّرَ الدَّمُ فِيهِ وَخَبَّأْتُهُ وَانْحَدَرْتُ فَمَا رَدَّ وَجِهِيَ شَيْءٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا مَعِي حُلِيٌّ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ وَثِيَابٍ بِعْتُهَا بِجُمْلَةِ دَنَانِيرَ كَثِيرَةٍ فَأَقَمْتُ بِالْبَصْرَةِ أَتَّجِرُ وَخِفْتُ الْعَوْدَ إِلَى بَغْدَادَ لِئَلا يَرَانِي ذَلِكَ الْغُلامُ أَوْ يُطَالِبَنِي بِالرَّجُلِ أَوْ أُسْأَلَ عَنِ الْحَدِيثِ فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ وَانْقَضَتِ السُّنُونَ وَقَعَ لِي أَنَّ الأَمْرَ قَدْ نُسِيَ وَاشْتَقْتُ إِلَى بَغْدَادَ وَكَانَتِ الْبِضَاعَةُ قَدْ نَمَتْ وَزَادَتْ فَاشْتَرَيْتُ بِجَمِيعِهَا تِجَارَةً إِلَى بَغْدَادَ وَدَخَلْتُ وَأَنَا فِيهَا مُنْذُ نَحْوِ سَنَةٍ حَتَّى رَأَيْتَنِي الْيَوْمَ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ
стр. 478
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ قَالَ حَدَّثَنِي الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى الْعَلَوِيُّ النَّقِيبُ قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ يَخْدِمُنِي أَنَّهُ حَلَفَ بِالطَّلاقِ لَا يُشَيِّعُ جَِنَازَةً فَسَأَلْتُهُ عَنِ السَّبِبِ فَقَالَ خَرَجْتُ يَوْمًا بِبَغْدَادَ فِي نِصْفِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمٍ حَارٍّ لِحَاجَةٍ لِي فَاسْتَقْبَلَتْنِي جَِنَازَةٌ يَحْمِلُهَا اثْنَانِ فَقُلْتُ غَرِيبٌ فَقِيرٌ أَرْبَعُهَا فَأُثَابُ فَدَخَلْتُ تَحْتَهَا بَدَلا مِنْ أَحَدِ الْحَمَّالِينَ فَحِينَ اسْتَقَرَّتْ عَلَى كَتِفِي افْتَقَدْتُ الْحَمَّالَ فَقُلْتُ يَا حَمَّالُ يَا حَمَّالُ فَقَالَ الآخَرُ إِيشِ تُرِيدُ امْشِ وَاسْكُتْ قَدِ انْصَرَفَ الْحَمَّالُ فَقُلْتُ السَّاعَةَ وَاللَّهِ أَرْمِي بِهَا فَقَالَ الْحَمَّالُ وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأَصِيحَنَّ فَاسْتَحْيَيْتُ وَاحْتَمَلْتُ الأَذَى وَقُلْتُ ثَوَابٌ وَمَا زِلْتُ أَسِيرُ فِي الشَّمْسِ وَالرَّمْضَاءِ إِلَى الشُّونَيْزِيَّةِ فَلَمَّا حَطَطْنَا الْجَِنَازَةَ فِي مِسْجَدِ الْجَنَائِزِ هَرَبَ الْحَمَّالُ الآخَرُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا لِهَؤُلاءِ الْمَلاعِينَ وَاللَّهِ لأُتْمِمَنَّ الثَّوَابَ
وَأَخْرَجْتُ مِنْ كُمِّي دَرَاهِمَ وَصِحْتُ يَا حَفَّارُ أَيْنَ قَبْرُ هَذِهِ الْجَِنَازَةِ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقُلْتُ احْفُرْ فَأَخَذَ مِنِّي دِرْهَمَيْنِ وَحَفَرَ قَبْرًا فَلَمَّا صَوت عَلَيْهِ الْجَِنَازَةُ لِيَأَخُذَ الْمَيِّتَ لِيَدْفِنَهُ وثب من اللَّحْد ولتكمني وَجَعَلَ عِمَامَتِي فِي رَقَبَتِي وَصَاحَ يَا قَوْمِ قَتِيلٌ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَسَأَلُوهُ فَقَالَ هَذَا جَاءَ بِرَجُلٍ مَقْطُوعِ الرَّأْسِ لأَدْفِنَهُ لَهُ فَحُلَّ الْكَفَنُ فَوُجِدَ الأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَفَّارُ فَبُهِتُّ وَتَحَيَّرْتُ وَجَرَى عَلَيَّ مِنَ الْعَامَّةِ مِنَ الْمَكْرُوهِ مَا كَادَتْ نَفْسِي تَتْلَفُ إِلَى أَنْ حُمِلْتُ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ فَجُرِّدْتُ لِلْسِيَاطِ وَأَنَا سَاكِتٌ بَاهِتٌ وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ فَحِينَ رَأَى حَيْرَتِي قَالَ لَهُ أَنْظِرْنِي حَتَّى أَكْشِفَ أَمْرَ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنِّي أَحْسَبُهُ مَظْلُومًا فَخَلا بِي وسائلني فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي لَمْ أَزِدْ فِيهِ وَلَمْ أَنْقُصْ فَنَحَّى الْمَيِّتَ عَنِ الْجَِنَازَةِ وَفَتَّشَهَا فَوَجَدَ فِيهَا كِتَابَةً أَنَّهَا لِلْمَسْجِدِ الْفُلانِي لِلْنَاحِيَةِ الْفُلانِيَّةِ فَأَخَذَ مَعَهُ رِجَالَهُ وَمَضَى فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مُتَنَكِّرًا فَوَجَدَ فِيهِ خَيَّاطًا فَسَأَلَهُ عَنْ جَِنَازَةٍ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَيِّتًا لَهُ فَقَالَ الْخَيَّاطُ لِلْمَسْجِدِ جَِنَازَةٌ إِلا أَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْهُ الْغَدَاةَ لِحَمْلِ مَيِّتٍ وَلَمْ تُرَدَّ فَقَالَ مَنْ أَخَذَهَا فَقَالَ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ وَأَوْمَأَ إِلَيْهَا فَكَبَسَهَا الْكَاتِبُ بِرِجَالِهِ الشُّرْطَةِ فَوَجَدَ فِيهَا
стр. 479
رِجَالا فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ وَحَمَلَهُمْ إِلَى الشُّرْطَةِ وَأَخْبَرَ صَاحِبَهُ الْخَبَرَ فَقَدَّمَ الْقَوْمَ وَقَرَّرَهُمْ فَأَقَرُّوا أَنَّهُمْ تَغَايَرُوا عَلَى غُلامٍ أَمْرَدَ مَعَهُمْ فَقَتَلُوهُ وَحَزُّوا رَأْسَهُ وَدَفَنُوهُ فِي بِئْرٍ حَفَرُوهَا فِي الدَّارِ وَحَمَلُوهُ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَأَنَّ الْحَمَّالَيْنِ كَانَا أَحَدَ الْقَوْمِ فُضِرِبَتْ أَعْنَاقُ الْقَوْمِ وَخَلِّيَ سَبِيلِي
فَهَذَا سَبَبُ تَوْبَتِي أَنْ لَا أَحْضِرَ جَِنَازَةً
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّوْزِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ خَرْدَاذَبَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ الْمأْمُونِ قَالَ كَانَ فَرُّوحُ الزَّنَّاءُ يَعْشِقُ جَارِيَةً بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا رَهْبَةُ ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَقَالَ
يَا رَهْبُ لَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ أُسَرُّ بِهِ ... إِلا الْجُلُوسَ فَتَسْقِينِي وَأَسْقِيكِ
وَتَمْزُجِينَ بِرِيقٍ مِنْكِ لِي قَدَحًا ... وَتَشْتَفِي بِكُمُ نَفْسِي وَأَشْفِيكِ
يَا رَهْبُ مَا مَسَّنِي شَيْءٌ أُغَمُّ بِهِ ... إِلا تَفَرَّجَ عَنِّي حِينَ آتِيكِ
قَالَ ثُمَّ عَثُرَ عَلَى رِيبَة بَينهَا وَبَين جَارِيَة فقلتها أَنْبَأَنَا بِهِ عَالِيًا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنِ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ فَذَكَرَهُ وَقَالَ يُقَالُ لَهَا وَهْبَةُ فَقَالَ يَا وهب بِالْوَاو
أَنبأَنَا أَبُو بكر بن أَبِي طَاهِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْجُهْنِيُّ قَالَ كَانَ فِي جِوَارِي بِبَغْدَادَ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ مَسْتُورَةٌ وَلَهَا ابْنُ عَمٍّ يَهْوَاهَا كَانَ قَدْ رُبِّيَ مَعَهَا فَعَدَلَ بِهَا أَبُوهَا عَنْهُ إِلَى
стр. 480
رَجُلٍ غَرِيبٍ فَزَوَّجَهُ بِهَا فَكَانَ ابْنُ الْعَمِّ يَلْزَمُ بَابَهَا طَمَعًا فِيهَا وَأحسن الزُّوْجُ بِذَلِكَ فَكَانَ يَحْتَرِزُ فَخَرَجَ يَوْمًا زَوْجَهَا فَأَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَبْتَرِدَ فَنَزَعَتْ ثِيَابَهَا وَاغْتَسَلَتْ وَتَرَكَتْ خَوَاتِيمَ لَهَا مِنْ ذَهَبٍ عِنْدَ ثِيَابِهَا فَأَخَذَ الْخَوَاتِيمَ عَقْعَقٌ كَانَ فِي الدَّارِ وَخَرَجَ إِلَى الْبَابِ فَوَافَقَ خُرُوجُهُ ابْنَ عَمِّهَا فَأَخَذَ الْخَوَاتِيمَ مِنْهُ فَلَبِسَهَا وَقَعَدَ عَلَى الْبَابِ لِيَرَاهُ زَوْجُ الْمَرْأَةِ فَيَظُنَّ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهَا فَيُطَلِّقَهَا فَجَاءَ الزَّوْجُ فَقَامَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَمِّ مُسَلِّمًا وَتَعَمَّدَ أَنْ يُرَيَهُ الْخَوَاتِيمَ فِي يَدِهِ فَرَآهَا فَعَرَفَهَا فَدَخَلَ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ تَغْتَسِلُ فَلَمْ يَشُكَّ أَنه غسل جِنَايَة وَأَنَّ ابْنَ عَمِّهَا قَدْ كَانَ عِنْدَهَا فَقَالَ لِجَارِيَةٍ كَانَتْ عِنْدَهُ اذْهَبِي فَذَهَبَتْ فَأَغْلَقَ الْبَابَ وَذَبَحَ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يَسْأَلْهَا عَنْ شَيْءٍ فَجَاءَتِ الْجَارِيَةُ فَرَأَتْهَا مَقْتُولَةً فَصَاحَتْ فَحُمِلَ الرَّجُلُ إِلَى السُّلْطَانِ فَقُتِلَ بِهَا وَأَخْرَجَ ابْنُ الْعَمِّ الْحَدِيثَ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ وَلُزُومِهِ الْعِبَادَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ
стр. 481
الْبَابُ السَّادِسُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ أَخْبَارِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْعُشَّاقِ بِسَبَبِ الْعِشْقِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ ابْن عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَفٍ إِذْنًا وَحَدَّثَنَا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ أَنْبَأَنَا قَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْعُمَرِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ دَخَلَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرْبَ يَوْمًا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا عَمْرُو أَخْبَرَنِي عَنْ أَشْجَعِ مَنْ لَقِيتَ وَأَجْبَنِ مَنْ لَقِيتَ
فَقَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجْتُ مَرَّةً أُرِيدُ الْغَارَةَ فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذَا أَنَا بِفَرَسٍ مَشْدُودٍ وَرُمْحٍ مَرْكُوزٍ وَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَإِذَا هُوَ كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ خَلْقًا وَهُوَ مُحْتَبٍ بِسَيْفٍ فَقُلْتُ لَهُ خُذْ حِذْرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ فَقَالَ وَمَنْ أَنْتَ قُلْتُ أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرَبَ فَشَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ فَهَذَا أَجْبَنُ مَنْ رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
وَخَرَجْتُ يَوْمًا آخَرَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى حِيٍّ فَإِذَا أَنَا بِفَرَسٍ مَشْدُودٍ وَرُمْحٍ مَرْكُوزٍ وَإِذَا صَاحِبُهُ فِي وَهْدَةٍ يَقْضِي حَاجَةً فَقُلْتُ لَهُ خُذْ حِذْرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ قَالَ مَنْ أَنْتَ قُلْتُ أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرَبَ قَالَ يَا أَبَا ثَوْرٍ مَا أَنْصَفْتَنِي أَنْتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِكَ وَأَنَا فِي بِئْرٍ فَأَعْطِنِي عَهْدًا أَنَّكَ لَا تَقْتُلُنِي حَتَّى أَرْكَبَ فَرَسِي وَآخُذَ حِذْرِي فَأَعْطَيْتُهُ عَهْدًا أَنْ لَا أَقْتُلَهُ حَتَّى يَرْكَبَ فَرَسَهُ وَيَأْخُذَ حِذْرَهُ فَخَرَجَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ حَتَّى احْتَبَى بِسَيْفِهِ وَجَلَسَ فَقُلْتُ لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ مَا أَنَا بِرَاكِبٍ فَرَسِي وَلا بِمُقَاتِلِكَ فَإِنْ نَكَثْتَ عَهْدًا فَأَنْتَ أَعْلَمُ فَتَرَكْتُهُ وَمَضَيْتُ فَهَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْيَلُ مَنْ رَأَيْتُ
стр. 482
ثُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ يَوْمًا آخَرَ إِلَى مَوْضِعٍ كُنْتُ أَقْطَعُ فِيهِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا فَأَجْرَيْتُ فَرَسِي يَمِينًا وَشِمَالا فَإِذَا أَنَا بِفَارِسٍ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ غُلامٌ حِينَ بَقَلَ وَجْهُهُ مِنْ أَجْمَلِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ الْفِتْيَانِ وَأَحْسَنُهُمْ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ نَحْوِ الْيَمَامَةِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنِّي سَلَّمَ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ مَنِ الْفَتَى قَالَ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ سَعْدٍ فَارِسُ الشَّهْبَاءِ فَقُلْتُ لَهُ خُذْ حِذْرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ قَالَ بَلِ الْوَيْلُ لَكَ مَنْ أَنْتَ قُلْتُ أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ الْحَقِيرُ الذَّلِيلُ وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ قَتْلِكَ إِلا اسْتِصْغَارُكَ
قَالَ وَتَصَاغَرَتْ نَفْسِي إِلَيَّ وَعَظُمَ عِنْدِي مَا اسْتَقْبَلَنِي بِهِ فَقُلْتُ لَهُ خُذْ حِذْرَكَ فَوَاللَّهِ مَا يَنْصَرِفُ إِلا أَحَدُنَا قَالَ اغْرُبْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ فَإِنِّي مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مَا نَكِلْنَا عَنْ فَارِسٍ قَطُّ فَقُلْتُ هُوَ الَّذِي تَسْمَعُ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ فَقَالَ إِمَّا أَنْ تَطَّرِدَ لِي وَإِمَّا أَنْ أَطَّرِدَ لَكَ فَاغْتَنَمْتُهَا مِنْهُ فَقُلْتُ اطَّرِدْ لِي فَاطَّرَدَ وَحَمَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا قُلْتُ أَنِّي قَدْ وَضَعْتُ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إِذَا هُوَ قَدْ صَارَ حِزَامًا لِفَرَسِهِ ثُمَّ اتَّبَعَنِي فَقَرَعَ بِالْقَنَاةِ رَأْسِي وَقَالَ يَا عَمْرُو خُذْهَا إِلَيْكَ وَاحِدَةً فَوَاللَّهِ لَوْلا أَنِّي أَكْرَهُ قَتْلَ مِثْلِكَ لِقَتَلْتُكَ
فَتَصَاغَرَتْ إِلَيَّ نَفْسِي وَكَانَ الْمَوْتُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبَّ إِلِيَّ مِمَّا رَأَيْتُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا يَنْصَرِفُ إِلا أَحَدُنَا فَقَالَ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ فَقُلْتُ اطَّرِدْ لِي فَاطَّرَدَ وَظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ تَمَكَّنْتُ مِنْهُ وابتعته حَتَّى إِذَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ وَضَعْتُ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ صَارَ لَبِبًا لِفَرَسِهِ ثُمَّ اتَّبَعَنِي فَقَرَعَ رَأْسِي بِالْقَنَاةِ وَقَالَ يَا عَمْرُو خُذْهَا إِلَيْكَ اثْنَتْيَنِ
فَتَصَاغَرَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا يَنْصَرِفُ إِلا أَحَدُنَا فَقَالَ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ فَقُلْتُ اطَّرِدْ لِي فَاطَّرَدَ حَتَّى إِذَا قُلْتُ وَضَعْتُ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَثَبَ عَنْ فَرَسِهِ
стр. 483
فَإِذَا هُوَ عَلَى الأَرْضِ فَأَخْطَأْتُهُ وَمَضَيْتُ فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ فَاتَّبَعَنِي فَقَرَعَ بِالْقَنَاةِ رَأْسِي وَقَالَ يَا عَمْرُو خُذْهَا إِلَيْكَ ثَلاثًا وَلَوْلا أَنِّي أَكْرَهُ قَتْلَ مِثْلِكَ لِقَتَلْتُكَ فَقُلْتُ لَهُ اقْتُلْنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا أَرَى بِنَفْسِي وَأَنْ تَسْمَعَ فِتْيَانُ الْعَرَبِ بِهَذَا فَقَالَ لِي يَا عَمْرُو إِنَّمَا الْعَفْوُ ثَلاثٌ وَإِنِّي إِنِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْكَ الرَّابِعَةَ قَتَلْتُكَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
وَكِدْتُ أَغْلاظًا مِنَ الأَيْمَانِ ...
إِنْ عُدْتَ يَا عَمْرُو إِلَى الطِّعَانِ ...
لَتُوجَرَنَّ لَهَبَ السِّنَانِ ...
أَوْلا فَلَسْتُ مِنْ بَنِي شَيْبَانِ ...
فَلَمَّا قَالَ هَذَا كَرِهْتُ الْمَوْتَ وَهِبْتُهُ هَيْبَةً شَدِيدَةً وَقُلْتُ لَهُ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً قَالَ وَمَا هِيَ قُلْتُ أَكُونُ لَكَ صَاحِبًا وَرَضِيتُ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَسْتَ مِنْ أَصْحَابِي فَكَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيَّ وَأَعْظَمَ مِمَّا صَنَعَ فَلَمْ أَزَلْ أَطْلُبُ إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ وَيْحَكَ وَهَلْ تَدْرِي أَيْنَ أُرِيدُ قُلْتُ لَا قَالَ أُرِيدُ الْمَوْتَ عَيَانًا فَقُلْتُ رَضِيتُ بِالْمَوْتِ مَعَكَ قَالَ امْضِ بِنَا
فَسِرْنَا جَمِيعًا يَوْمَنَا حَتَّى جَنَّنَا اللَّيْلُ وَذَهَبَ شَطْرُهُ قَالَ فَوَرِدْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَقَالَ يَا عَمْرُو فِي هَذَا الْحَيِّ الْمَوْتُ ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى قُبَّةٍ فِي الْحَيِّ فَقَالَ وَفِي تِلْكَ الْقُبَّةِ الْمَوْتُ الأَحْمَرُ فَإِمَّا أَنْ تُمْسِكَ عَلَى فَرَسِي فَآتِيَ بِحَاجَتِي وَإِمَّا أَنْ أمسك عَلَيْك فرسك فتنزل فتأتني بِحَاجَتِي فَقُلْتُ لَا بَلِ انْزِلْ أَنْتَ فَأَنْتَ أَعْرَفُ بِمَوْضِعِ حَاجَتِكَ
فَرَمَى إِلَيَّ بِعَنَانِ الْفَرَسِ فَنَزَلَ وَرَضِيتُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَكُونَ لَهُ سَائِسًا ثُمَّ مَضَى حَتَّى دَخَلَ الْقُبَّةَ فَاسْتَخْرَجَ جَارِيَةً لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهَا قطّ حسنا وجمالا فحلمها عَلَى نَاقَةٍ ثُمَّ قَالَ لِي يَا عَمْرُو قُلْتُ لَبَّيْكَ قَالَ إِمَّا أَنْ تَحْمِيَنِي وَأَقُودَ أَنَا وَإِمِّا أَنْ أَحْمِيَكَ وَتَقُودَ أَنْتَ قُلْتُ لَا بَلْ تَحْمِينِي أَنْتَ وَأَقُودُ أَنَا
فَرَمَى إِلَيَّ بِزِمَامِ النَّاقَةِ ثُمَّ سِرْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ خَلْفَنَا حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا
стр. 484
قَالَ لِي يَا عَمْرُو قُلْتُ لَبَّيْكَ مَا تَشَاءُ قَالَ الْتَفِتْ فَانْظُرْ هَلْ تَرَى أَحَدًا قَالَ فَالْتَفَتُّ فَقُلْتُ أَرَى جِمَالا فَقَالَ أَغِذِّ السَّيْرَ ثُمَّ قَالَ يَا عَمْرُو قُلْتُ لَبَّيْكَ قَالَ انْظُرْ فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ قَلِيلا فَالْجَلَدُ وَالْقُوَّةُ وَهُوَ الْمَوْتُ وَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا فَلَيْسُوا بِشَيْءٍ قَالَ فَالْتَفَتُّ فَقُلْتُ هُمْ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ قَالَ أَغِذِّ السَّيْرَ فَفَعَلْتُ وَسَمِعَ وَقْعَ الْخَيْلِ عَنْ قُرْبٍ فَقَالَ لِي يَا عَمْرُو قُلْتُ لَبَّيْكَ قَالَ كُنْ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَقِفْ وَحَوِّلْ وُجُوهَ دَوَابِّنَا إِلَى الطَّرِيقِ
فَفَعَلْتُ وَوَقَفْتُ عَنْ يَمِينِ الرَّاحِلَةِ وَوَقَفَ هُوَ عَنْ يَسَارِهَا وَدَنَا الْقَوْمُ مِنَّا فَإِذَا هُمْ ثَلاثَةُ نَفَرٍ فِيهِمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ وَهُوَ أَبُو الْجَارِيَة وأخوها غُلامَانِ شَابَّانِ فَسَلَّمُوا فَرَدَدْنَا السَّلامَ وَوَقَفُوا عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فَقَالَ الشَّيْخ خل عَن الْجَارِيَة يَا بن أَخ فَقَالَ مَا كُنْتُ لأُخَلِّيَهَا وَلا لِهَذَا أَخَذْتُهَا فَقَالَ لأَصْغَرِ ابْنَيْهِ اخْرُجْ إِلَيْهِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَجُرُّ رُمْحَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ الْحَارِثُ وَهُوَ يَقُولُ
مِنْ دُونِ مَا تَرْجُوهُ خَضْبُ الذَّابِلِ ...
مِنْ فَارِسٍ مُسْتَلْئِمٍ مُقَاتِلِ ...
يُنْمَى إِلَى شَيْبَانَ خَيْرَ وَائِلٍ ...
مَا كَانَ سَيْرِي نَحْوَهَا بِبَاطِلِ ...
ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً دَقَّ مِنْهَا صُلْبَهُ فَسَقَطَ مَيِّتًا
فَقَالَ الشَّيْخُ لابْنِهِ الآخَرِ اخْرُجْ إِلَيْهِ يَا بُنَيَّ فَلا خَيْرَ فِي الْحَيَاةِ عَلَى الذُّلِّ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ يَقُولُ
لَقَدْ رَأَيْتَ كَيْفَ كَانَتْ طَعْنَتِي ...
وَالطَّعْنُ لِلْقِرْنِ شَدِيدًا نُهْمَتِي ...
وَالْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ فِرَاقِ خُلَّتِي ...
فَقَتْلَتِي الْيَوْمَ وَلا مَذَلَّتِي ...
ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً سَقَطَ مِنْهَا مَيِّتًا
стр. 485
فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ خَلِّ عَنِ الظعينة يَابْنَ أَخ فَإِنِّي لَسْتُ كَمَنْ رَأَيْتَ قَالَ مَا كُنْتُ لأُخَلِّيَهَا وَلا لِهَذَا قَصَدْتُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ اخْتَرْ بِابْن أَخ فَإِنْ شِئْتَ طَارَدْتُكَ وَإِنْ شِئْتَ نَازَلْتُكَ قَالَ فَاغْتَنَمَهَا الْفَتَى فَنَزَلَ وَنَزَلَ الشَّيْخُ وَهُوَ يَقُولُ
مَا أَرْتَجِي بَعْدَ فَنَاءِ عُمْرِي ...
سَأَجْعَلُ السِّنِينَ مِثْلَ الشَّهْرِ ...
شَيْخٌ يُحَامِي دُونَ بِيضِ الْخِدْرِ ...
إِنِ اسْتَبَاحَ الْبِيضُ قَصْمَ الظَّهْرِ ...
سَوْفَ تَرَى كَيْفَ يَكُونُ صَبْرِي ...
فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ وَهُوَ يَقُولُ
بَعْدَ ارْتِحَالِي وَطُولِ سَفَرِي ...
وَقَدْ ظَفِرْتُ وَشَفَيْتُ صَدْرِي ...
وَالْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ لِبَاسِ الْغَدْرِ ...
وَالْعَارُ أَهْدِيهِ لَحَيِّ بَكْرِ ...
ثُمَّ دَنَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ يَابْنَ أَخِي إِنْ شِئْتَ ضَرَبْتُكَ وَإِنْ بَقِيَتْ مِنْكَ قُوَّةٌ ضَرَبْتَنِي وَإِنْ شِئْتَ فَاضْرِبْنِي فَإِنْ بَقِيَتْ فِيَّ قُوَّة ضربتك فاغتنمها الْفَتى فَقَالَ أَنا أبدأ أَولا قَالَ هَات فَرَفَعَ الْحَارِثُ السَّيْفَ فَلَمَّا نَظَرَ الشَّيْخُ أَنَّهُ قَدْ أَهْوَى بِهِ إِلَى رَأْسِهِ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً قُدَّ مِنْهَا مِعَاهُ وَوَقَعَتْ ضَرْبَةُ الْحَارِثِ فِي رَأْسِهِ فَسَقَطَا مَيِّتَيْنِ
فَأَخَذْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرْبَعَةَ أَفْرَاسٍ وَأَرْبَعَةَ أَسْيَافٍ ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى النَّاقَةِ فَعَقَدْتُ أَعِنَّةَ الأَفْرَاسِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَجَعَلْتُ أَقُودُ فَقَالَتْ لِي الْجَارِيَةُ يَا عَمْرُو
стр. 486
إِلَى أَيْنَ وَلَسْتَ لِي بِصَاحِبٍ وَلَسْتَ كَمَنْ رَأَيْتُ وَلَوْ كُنْتَ لِي صَاحِبًا لَسَلَكْتَ سَبِيلَهُمْ فَقُلْتُ اسْكُتِي قَالَتْ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَعْطِنِي سَيْفًا أَوْ رُمْحًا فَإِنْ غَلَبْتَنِي فَأَنَا لَكَ وَإِنْ غَلَبْتُكَ قَتَلْتُكَ فَقُلْتُ لَهَا مَا أَنَا بِمُعْطِيكِ ذَاكَ وَقَدْ عَرَفْتُ أَصْلَكِ وَجُرْأَةَ قَوْمِكِ وَشَجَاعَتَهُمْ فَرَمَتْ بِنَفْسِهَا عَنِ الْبَعِيرِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيَّ وَهِيَ تَقُولُ
أَبَعْدَ مَا شَيْخِي وَبَعْدَ إِخْوَتِي ...
أَطْلُبُ عَيْشًا بَعْدَهُمْ فِي لَذَّتِي ...
هَلا تَكُونُ قَبْلَ ذَاكَ مِيتَتِي ...
ثُمَّ أَهْوَتْ إِلَى الرُّمْحِ وَكَادَتْ تَنْتَزِعَهُ مِنْ يَدِي فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهَا خِفْتُ إِنْ هِيَ ظَفِرَتْ بِي أَنْ تَقْتُلَنِي فَقَتَلْتُهَا
فَهَذَا أَشَدُّ مَنْ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
فَقَالَ عُمَرُ صَدَقْتَ يَا عَمْرُو
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الرُّسْتُمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ رَجُلا أَضَافَ نَاسًا مِنْ هَذِيلٍ فَذَهَبَتْ جَارِيَةٌ لَهُ تَحْتَطِبُ فَأَرَادَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهَا فَرَمَتْهُ بِفِهْرٍ فَقَتَلَتْهُ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ ذَاكَ قَتِيلُ اللَّهِ وَاللَّهِ لَا يُودَى أَبَدًا
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ السَّوَّاقُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ
стр. 487
أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا بِفَتَى أَمْرَدَ قَدْ وُجِدَ قَتِيلا عَلَى وَجْهِ الطَّرِيقِ فَسَأَلَ عَنْ أَمْرِهِ وَاجْتَهَدَ فَلَمْ يَقِفْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ وَلَمْ يَعْرِفْ لَهُ قَاتِلٌ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ اللَّهُمَّ أَظْفِرْنِي بِقَاتِلِهِ
حَتَّى إِذَا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ وُجِدَ صَبِيٌّ مَوْلُود ملقى بِموضع الْقَتِيل فاتي بِهِ عُمَرُ فَقَالَ ظَفِرْتُ بَدَمِ الْقَتِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى امْرَأَةٍ وَقَالَ لَهَا قُومِي بِشَأْنِهِ وَخُذِي مِنَّا نَفَقَتَهُ وَانْظُرِي مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْكِ فَإِذَا وَجَدْتِ امْرَأَةً تُقَبِّلُهُ وَتَضُمُّهُ إِلَى صَدْرِهَا فَأَعْلِمِينِي بِمَكَانِهَا
فَلَمَّا شَبَّ الصَّبِيُّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ إِنَّ سَيَّدَتِي بَعَثَتْنِي إِلَيْكِ لَتَبْعَثِي بِالصَّبِيِّ لِتَرَاهُ وَتَرُدَّهُ إِلَيْكِ فَقَالَتْ نَعَمْ اذْهَبِي بِهِ إِلَيْهَا وَأَنَا مَعَكِ فَذَهَبَتْ بِالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةُ مَعَهَا حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى سَيِّدَتِهَا فَلَمَّا رَأْتُهُ أَخَذَتْهُ فَقَبَّلَتْهُ وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا فَإِذَا هِيَ بِنْتُ شَيْخٍ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ خَبَرَ الْمَرْأَةِ فَاشْتَمَلَ عُمَرُ عَلَى سَيْفِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى مَنْزِلِهَا فَوَجَدَ أَبَاهَا مُتَّكِئًا عَلَى بَابِ دَارِهِ فَقَالَ يَا أَبَا فُلانٍ مَا فَعَلَتِ ابْنَتُكَ فُلانَةُ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَزَاهَا اللَّهُ خَيْرًا هِيَ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ أَبِيهَا مَعَ حُسْنِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَالْقِيَامِ بِدِينِهَا
فَقَالَ عُمَرُ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَدْخُلَ إِلَيْهَا فَأَزِيدَهَا رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ وَأَحُثَّهَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ امْكُثْ مَكَانَكَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ
فَاسْتَأَذَنَ لِعُمَرَ فَلَمَّا دَخَلَ أَمَرَ عُمَرُ كل من كَانَ عَنْهَا فَخَرَجَ وَبَقِيَتْ هِيَ
стр. 488
وَعُمَرُ فِي الْبَيْتِ وَلَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ فَكَشَفَ عُمَرُ عَنِ السَّيْفِ وَقَالَ لَتَصْدُقِنِّي وَكَانَ عُمَرُ لَا يَكْذِبُ فَقَالَتْ عَلَى رِسْلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاللَّهِ لأَصْدُقَنَّ إِنَّ عَجُوزًا كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَيَّ فَاتَّخَذْتُهَا أُمًّا وَكَانَتْ تَقُومُ مِنْ أَمْرِي بِمَا تَقُومُ بِهِ الْوَالِدَةُ وَكُنْتُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ الْبِنْتِ فَامْضَتْ بِذَلِكَ حِينًا ثُمَّ إِنَّهَا قَالَتْ يَا بُنَيَّةُ إِنَّهُ قَدْ عَرَضَ لِي سَفَرٌ وَلِي بِنْتٌ فِي مَوْضِعٍ أَتَخَوَّفُ عَلَيْهَا فِيهِ أَنْ تَضِيعَ وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَضُمَّهَا إِلَيْكِ حَتَّى أَرْجِعَ مِنْ سَفَرِي فَعَمَدَتْ إِلَى ابْنٍ لَهَا شَابٍّ أَمْرَدَ فَهَيَأَتْهُ كَهَيْئَةِ الْجَارِيَةِ وَأَتَتْنِي بِهِ لَا أَشُكُّ أَنَّهُ جَارِيَةٌ فَكَانَ يَرَى مِنِّي مَا تَرَى الْجَارِيَةُ مِنَ الْجَارِيَةِ حَتَّى اغْتَفَلَنِي يَوْمًا وَأَنَا نَائِمَةٌ فَمَا شَعُرْتُ حَتَّى عَلانِي وَخَالَطَنِي فَمَدَدْتُ يَدِي إِلَى شَفْرَةٍ كَانَتْ إِلَى جَنْبِي قَتَلْتُهُ ثُمَّ أَمَرْتُ بِهِ فَأُلْقِيَ حَيْثُ رَأَيْت فاشتملت مِنْهُ على هَذِه الْفَتَى فَلَمَّا وَضَعْتُهُ أَلْقَيْتُهُ فِي مَوْضِعِ أَبِيهِ فَهَذَا وَاللَّهِ خَبَرُهُمَا عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ
فَقَالَ عُمَرُ صَدَقْتِ بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ ثُمَّ أَوْصَاهَا وَوَعَظَهَا وَدَعَا لَهَا وَقَالَ لأَبِيهَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي ابْنَتك فَنعم الِابْنَة ابْنَتك وَقد فَقَالَ الشَّيْخُ وَصَلَكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَزَاكَ خَيْرًا عَنْ رَعِيَّتِكَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ رَبِيبُ أَبِي حَيُّوَيْهِ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُؤَمِّلُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ رَجُلا خَرَجَ غَازِيًا فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِهِ فَأَبْصَرَ فِي بَيْتِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ مُصْبَاحًا فَقَامَ قَرِيبًا مِنْ مَنْزِلِهِ فَسَمِعَ
وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الإِسْلامُ مِنِّي ... خَلَوْتُ بِعُرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ
أَبِيتُ عَلَى تَرَائِبِهَا وَيُضْحِي ... عَلَى جَرْدَاءَ لاحِقَةِ الْحَزَامِ
стр. 489
كَأَنَّ مَوْضِعَ الرَّبَلاتِ مِنْهَا ... قِيَامٌ يَنْتَمِينَ إِلَى قِيَامِ
قَالَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ رَمَى بِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ أُخْبِرَ عُمَرُ بِذَلِكَ فَقَامَ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ أَنْشَدَ اللَّهُ رَجُلا وَأَعْزِمْ عَلَيْهِ عَلِمَ مَنْ عَلِمَ هَذَا الرَّجُلَ عِلْمًا إِلا أَخْبَرَنَا بِهِ فَقَامَ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا رَأَى وَبِمَا سَمِعَ فَقَالَ عُمَرُ اقْتُلْ قَالَ فَعَلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ السَّوَّاقُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحُسَيْن ابْن بَيَانٍ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْمُحَوَّلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ كَانَ رَجُلٌ يَهْوَى امْرَأَةً فَأَرَادَهَا فَأَغَلَقَتِ الْبَابَ دُونَهُ فَأَدْخَلَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ مِنْ أَسْكُفَةِ الْبَابِ فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ حَجَرًا أَوْ خَشَبَةً وَضَرَبَتْ رَأْسَهُ فَدَمَغَتْهُ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ بِهِ لَا بِظَبْيٍ وَأَهْدَرَ دَمُهُ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله ابْن أَسْبَاطٍ قَالَ حَدَّثَنِي دِعْبَلٌ قَالَ كُنْتُ بِالثَّغْرِ فَنُودِيَ بِالنَّفِيرِ فَخَرَجْتُ
стр. 490
مَعَ النَّاسِ فَإِذَا أَنَا بِفَتَى يَجُرُّ رُمْحَهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَالْتَفَتُّ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ أَنْتَ دِعْبَلٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ اسْمَعْ مِنِّي بَيْتَيْنِ فَأَنْشَدَنِي
أَنَا فِي أَمْرِي رَشَادٌ ... بَيْنَ غَزْوٍ وَجِهَادِ
بَدَنِي يَغْزُو عَدُوِّي ... وَالْهَوَى يَغْزُو فُؤَادِي
ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تَرَى قُلْتُ جَيِّدٌ قَالَ وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ إِلا هَارِبًا مِنَ الْحُبِّ
ثُمَّ الْتَقَيْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ
وَقَدْ بَلَغَتْنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ دِعْبَلٍ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ الدَّمَنِيِّ فِي غُزَاتِهِ الَّتِي حَارَبَ فِيهَا كَلْبَ الرُّومِ فَلَمَّا وَقَفَ الْجَيْشَانِ بَرَزَ عِلْجٌ مِنَ الرُّومِ فَقَتَلَ سَبْعَةً مِنَ مُبَارِزِي الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ جَعَلَ يَجُرُّ رُمْحَهُ وَيَطْلُبُ الْبِرَازَ فَلا يَبْرُزُ لَهُ أَحَدٌ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَخِفْنَا الْهَزِيمَةَ بَرَزَ غُلامٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ ظَاهِرُ الْجَمَالِ لَهُ ذُؤَابَتَانِ مِنْ وَرَائِهِ فَبَارَزَ الْعِلْجَ فَقَتَلَهُ ثُمَّ ابْتَدَرَ إِلَيْهِ عَشْرَةٌ مِنْ عُلُوجِ الرُّومِ فَقَتَلَهُمْ وَرَدَّ الرُّومَ مُنْهَزِمِينَ فَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْعَةَ آلافِ رَجُلٍ وَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى الْغَنَائِمِ فَارْتَقَى الْغُلامُ رَابِيَةً وَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَأَخَذَ مِقْوَدَهُ بِيَدِهِ وَجَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَنْحَدِرُ عَلَى الأَرْضِ كَالْقَطْرِ
قَالَ دِعْبَلٌ فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي فَقُلْتُ يَا بُنَيَّ قَدْ أَبْلَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَكِ هَذَا الْبَلاءُ لِلإِسْلامِ وَأَهْلِهِ أَلا أَرَاكَ تَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنَ الْغَنَائِمِ وَأَنْتَ مِنَ الْبُكَاءِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَأَعْلِمْنِي قَصَّتَكَ فَأَطْرَقَ سَاعَةً ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
أَنَا فِي أَمْرِي رَشَادٌ ... بَيْنَ غَزْوٍ وَجِهَادِ
بَدَنِي يَغْزُو عَدُوِّي ... وَالْهَوَى يَغْزُو فُؤَادِي
ثُمَّ مَضَى وَلا أَعْرِفُ اسْمَهُ وَلا نَسَبَهُ
стр. 491
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ السَّوَّاقُ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن إِبْرَاهِيمَ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيَادٍ الأَعْرَابِيُّ قَالَ نَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَاهِلَةٍ وَلَيْسَ عِنْدَهَا زَوْجُهَا فَأَكْرَمَتْهُ وَفَرَشَتْهُ فَلَمَّا لَمْ يَرَ عِنْدَهَا أَحَدًا وَلا قُرْبَهَا سَامَهَا نَفْسَهَا فَلَمَّا خَشِيَتْهُ قَالَتْ لَهُ امْكُثْ أَسْتَصْلِحُ لَكَ ثُمَّ رَاغَتْ فَأَخَذَتْ مُدْيَةً فَأَخْفَتْهَا ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهَا ثَارَ إِلَيْهَا فَضَرَبَتْ بِهَا فِي نَحْرِهِ فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ سَقَطَتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا وَسَقَطَ هُوَ مَيِّتًا فَأَتَاهَا آتٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَأَجْلَسَهَا حَتَّى أَفَاقَتْ فَقَالَ أَعْشَى بَاهَلَةٍ فِي ذَلِكَ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخْفَتْ مُعَاذَةُ ضَيْفَهَا ... وَسَوَّتْ عَلَيْهِ مَهْدَهُ ثُمَّ بَرَّتِ
فَلَمَّا بَغَاهَا نَفْسَهَا غَضِبَتْ لَهَا ... عُرُوقٌ نَمَتْ وَسْطَ الثَّرَى فَاسْتَقَرَّتِ
وَشَدَّتْ عَلَى ذِي مُدْيَةِ الْكَفِّ مِعْصَمًا ... وَضِيئًا وَعَزَّتْ نَفْسُهَا فَاسْتَمَرَّتِ
فَأَمَّتْ بِهَا فِي نَحره وَهُوَ يَبْتَغِي الن ... كاح فَمَرَّتْ فِي حَشَاهُ وَجَرَّتِ
فَثَجَّ كَأَنَّ النِّيلَ فِي جَوْفِ صَدْرِهِ ... وَأَدْرَكَهَا ضَعْفُ النِّسَاءِ فَخَرَّتِ
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبَّادٍ شَيْخٌ قَدِيمٌ قَالَ أَدْرَكْتُ الْخَادِمَ الَّذِي كَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْحَجَّاجِ فَقُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي بِأَعْجَبَ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ مِنَ الْحَجَّاجِ
قَالَ كَانَ ابْنُ أَخِيهِ أَمِيرًا عَلَى وَاسِطٍ قَالَ وَكَانَتْ بِوَاسِطٍ امْرَأَةٌ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَكُ بِوَاسِطٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَجْمَلُ مِنْهَا فَأَرْسَلَ ابْنُ أَخِيهِ إِلَيْهَا يُرِيدُهَا عَلَى
стр. 492
نَفْسِهَا مَعَ خَادِمٍ لَهُ فَأَبَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ إِنْ أَرَدْتَنِي فَاخْطُبْنِي إِلَى إِخْوَتِي قَالَ وَكَانَ لَهَا إِخْوَةٌ أَرْبَعَةٌ
فَأَبَى وَقَالَ لَا إِلا كَذَا وَعَاوَدَهَا فَأَبَتْ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَخْطُبَهَا فَأَمَّا حَرَامٌ فَلا قَالَ وَأَبَى هُوَ إِلا الْحَرَامَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِهَدِيَةٍ فَأَخَذَتْهَا فَعَزَلَتْهَا
قَالَ وَأَرَسْلَ إِلَيْهَا عَشِيَّةَ جُمْعَةٍ أَنِّي آتِيكِ اللَّيْلَةَ فَقَالَتْ لأُمِّهَا إِنَّ الأَمِيرَ قَدْ بَعَثَ إِلَيَّ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ فَأَنْكَرَتْ أُمُّهَا ذَلِكَ وَقَالَتْ أُمُّهَا لإِخْوَتِهَا إِنَّ أُخْتَكُمْ قَدْ زَعَمَتْ كَذَا وَكَذَا فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ وَكَذَّبُوهَا فَقَالَتْ إِنَّهُ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يَأْتِيَنِي اللَّيْلَةَ فَسَتَرَوْنَهُ
قَالَ فَقَعَدَ إِخْوَتُهَا فِي بَيْتٍ حِيَالَ الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ وَفِيهِ سِرَاجٌ وَهُمْ يَرَوْنَ مَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهَا وَجُوَيْرِيَةٌ لَهَا عَلَى بَابِ الدَّارِ قَاعِدَةٌ حِينَ جَاءَ فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَقَالَ لِغُلامِهِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَّذِنُ فِي الْغَلَسِ فَائْتِنِي بِدَابَّتِي وَدَخَلَ
فَمَشَتِ الْجَارِيَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ ادْخُلْ فَدَخَلَ وَهِيَ عَلَى سَرِيرٍ مُسْتَلْقِيَةٌ فَاسْتَلْقَى إِلَى جَانِبِهَا ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ إِلَى كَمْ ذَا الْمَطْلُ فَقَالَتْ لَهُ كُفَّ يَدَكَ يَا فَاسِقُ قَالَ وَدَخَلَ إِخْوَتُهَا عَلَيْهِ مَعَهُمْ سُيُوفٌ فَقَطَّعُوهُ ثُمَّ لَفُّوهُ فِي نِطْعٍ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سِكَّةٍ مِنَ سِكَكِ وَاسِطٍ فَأَلْقَوْهُ فِيهَا وَجَاءَ الْغُلامُ بِالدَّابَّةِ فَجَعَلَ يَدُقُّ الْبَابَ دَقًّا رَقِيقًا وَلَيْسَ يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ وَأَنْ تُعْرَفَ الدَّابَّةُ انْصَرَفَ
وَأَصْبَحُوا فَإِذَا هُمْ بِهِ فَأَتَوْا بِهِ الْحَجَّاجَ فَأَخَذَ أَهْلَ تِلْكَ السِّكَّةِ فَقَالَ أَخْبِرُونِي مَا هَذَا وَمَا قِصَّتُهُ قَالُوا لَا نَعْلَمُ حَالَهُ غَيْرَ أَنَّا وَجَدْنَاهُ مُلْقَى فَفَطِنَ الْحَجَّاجُ فَقَالَ عَلَيَّ بِمَنْ كَانَ يَخْدُمُهُ
قَالَ فَأَتَى بِذَلِكَ الْخَصِيِّ الَّذِي كَانَ الرَّسُولَ فَقَالُوا هَذَا كَانَ صَاحِبُ سِرَّهُ
فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ اصْدُقْنِي مَا كَانَ حَالُهُ وَمَا قِصَّتُهُ
فَأَبَى
стр. 493
فَقَالَ لَهُ إِنْ صَدَقْتَنِي لَمْ أَضْرِبْ عُنُقَكَ وَإِنْ لَمْ تَصْدُقْنِي ضَرَبْتُ عُنُقَكَ وَفَعَلْتُ بِكَ وَفَعَلْتُ
قَالَ فَأَخْبَرَهُ الأَمْرَ عَلَى جِهَتِهِ فَأمر بِالْمَرْأَةِ وَأمّهَا وإخوتها فجيء بهما فَعُزِلَتِ الْمَرْأَةُ عَنْهُمُ فَسَاءَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ الْخَصِيُّ ثُمَّ عَزَلَهَا وَسَأَلَ الإِخْوَةَ فَأَخْبَرُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَقَالُوا نَحْنُ صَنَعْنَا بِهِ الَّذِي تَرَى قَالَ فَعَزَلَهُمْ وَأَمَرَ بِرَقِيقِهِ وَدَوَابِّهِ وَمَالِهِ لِلْمَرْأَةِ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدِي هَدِيَّتُهُ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكِ فِيهَا وَأَكْثَرَ فِي النِّسَاءِ مِثْلِكِ هِيَ لَكَ وَكُلُّ مَا تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَك وَقَالَ مِثْلُ هَذَا لَا يُدْفَنُ فَأَلْقُوهُ لِلْكِلابِ وَدَعَا الْخَصِيَّ فَقَالَ أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ قُلْتُ لَكَ إِنِّي لَا أَضْرِبُ عُنُقَكَ وَأَمَرَ بِضَرْبِ وَسَطِهِ
حَكَى لِي ابْنُ رَشَادَةَ الطَّبِيبُ أَنَّ طَبِيبًا نَصْرَانِيًا كَانَ بِوَاسِطٍ وَكَانَ شَابًّا مُسْتَحْسَنًا تَتَعَشَّقُهُ النِّسَاءُ فَدَخَلَ إِلَى امْرَأَةِ بَعْضِ الأَكْرَادِ لِيفْصِدَهَا فَأَخْرَجَتْ ذِرَاعَهَا فَحَارَ لِحُسْنِهِ ثُمَّ جَعَلَ يَلْمَسُهُ لَمْسَ مُلْتَذٍّ بِهِ فَلَمْ يُخْفَ ذَلِكَ عَلَى الْمَرْأَةِ
ثُمَّ قَالَ لَهَا الْيَوْمَ لَا يَتَهَيَّأُ الْفَصْدُ فَأَخِّرِيهِ إِلَى غَدٍ وَخَرَجَ فَجَاءَ زَوْجُهَا فَحَدَّثَتْهُ الْحَدِيثَ فَخَرَجَ وَبَعَثَ إِلَى الطَّبِيبِ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ تَجِيءُ مَعِي لِتَنْظُرَ إِلَى مَرِيضٍ فَنَزَلا فِي سُمَيْرِيَّةٍ وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْبَطَائِحِ ثُمَّ قَطَّعَهُ قِطَعًا بِالسَّيْفِ
стр. 494
الْبَابُ السَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ مَنْ قَتَلَهُ الْعِشْقُ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلافُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ الزُّهْرِيّ قَالَ حَدثنَا الزبير ابْن بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ بَكَّارٍ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ إِنَّا لَمَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إِذْ أَقْبَلَ فِتْيَةٌ يَحْمِلُونَ فَتًى مِنْ بَنِي عُذْرَةَ قَدْ بَلِيَ بَدَنُهُ وَكَانَتْ لَهُ حَلاوَةٌ وَجَمَالٌ حَتَّى وَقَّفُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالُوا استشف لهَذَا يَا بن عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ
فَقَالَ وَمَا بِهِ فَتَرَنَّمَ الْفَتَى بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ لَا يَتَبَيَّنُ وَهُوَ يَقُولُ
بِنَا مِنْ جَوَى الأَحْزَانِ وَالْحُبِّ لَوْعَةٌ ... تَكَادُ لَهَا نَفْسُ الشَّفِيقِ تَذُوبُ
وَلَكِنَّمَا أَبْقَى حَشَاشَةَ مُعْوِلٍ ... عَلَى مَا بِهِ عَوْدٌ هُنَاكَ صَلِيبُ
وَمَا عَجَبٌ مَوْتُ الْمُحِبِّينَ فِي الْهَوَى ... وَلَكِنْ بَقَاءُ الْعَاشِقِينَ عَجِيبُ
ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ
قَالَ عِكْرِمَةٌ فَمَا زَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحُبِّ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ الْبُسْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ فُلَيْحِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ
стр. 495
عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ إِنِّي لَمَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إِذَا فِتْيَةٌ يَحْمِلُونَ فَتًى فِي كِسَاءٍ مَعْرُوقَ الْوَجْهِ نَاحِلَ الْبَدَنِ أَحْلَى مَنْ رَأَيْتُ مِنَ الْفِتْيَانِ فَوَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالُوا اسْتَشْفِ لَهُ يَابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ
فَقَالَ وَمَا بِهِ فَأَنْشَأَ الْفَتَى يَقُولُ
بِنَا مِنْ جَوَى الأَحْزَانِ وَالْحُبِّ لَوْعَةٌ ... تَكَادُ لَهَا نَفْسُ الشَّفِيقِ تَذُوبُ
وَلَكِنَّمَا أَبْقَى حَشَاشَةَ مُعْوِلٍ ... عَلَى مَا بِهِ عَوْدٌ هُنَاكَ صَلِيبُ
قَالَ وَأَنْشَأَ الْفَتَى يَقُولُ
وَبِي لَوْعَةٌ لَوْ تَشْتَكِي الصُّمُّ مِثْلَهَا ... لَفُطِّرَتِ الصُّمُّ الصِّلابُ فَخَرَّتِ
وَلَوْ قَسَّمَ اللَّهُ الَّذِي بِي مِنَ الْجَوَى ... عَلَى كُلِّ نَفْسٍ حَظَّهَا لأَلَمَّتِ
وَلَكِنَّمَا أَبْقَى حَشَاشَةَ مُعْوِلٍ ... عَلَى مَا بِهِ صَلْبُ النَّجَّارِ فَمُدَّتِ
قَالَ ثُمَّ حَمَلَ فَخَفَتَ فَمَاتَ فِي أَيْدِيهِمْ
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا قَتِيلُ الْحُبِّ لَا عَقْلَ وَلا قَوْدَ
قَالَ عِكْرِمَةُ فَمَا رَأَيْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ اللَّهُ فِي تِلْكَ الْعَشِيَّةِ حَتَّى أَمْسَى إِلا الْعَافِيَةَ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ ذَلِكَ الْفَتَى
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّقُّورِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ قَالَ أَنْبَأَنَا رِضْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ الْعُطَارِدِيُّ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ حَدْرَدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الَّتِي أَصَابَ بِهَا بَنِي جُذَيْمَةَ إِذَا فَتًى مِنْهُمْ مَجْمُوعَةٌ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ
следующие страницы →