Полный текст (671 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ السَّوَّاقُ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن إِبْرَاهِيمَ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيَادٍ الأَعْرَابِيُّ قَالَ نَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَاهِلَةٍ وَلَيْسَ عِنْدَهَا زَوْجُهَا فَأَكْرَمَتْهُ وَفَرَشَتْهُ فَلَمَّا لَمْ يَرَ عِنْدَهَا أَحَدًا وَلا قُرْبَهَا سَامَهَا نَفْسَهَا فَلَمَّا خَشِيَتْهُ قَالَتْ لَهُ امْكُثْ أَسْتَصْلِحُ لَكَ ثُمَّ رَاغَتْ فَأَخَذَتْ مُدْيَةً فَأَخْفَتْهَا ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهَا ثَارَ إِلَيْهَا فَضَرَبَتْ بِهَا فِي نَحْرِهِ فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ سَقَطَتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا وَسَقَطَ هُوَ مَيِّتًا فَأَتَاهَا آتٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَأَجْلَسَهَا حَتَّى أَفَاقَتْ فَقَالَ أَعْشَى بَاهَلَةٍ فِي ذَلِكَ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخْفَتْ مُعَاذَةُ ضَيْفَهَا ... وَسَوَّتْ عَلَيْهِ مَهْدَهُ ثُمَّ بَرَّتِ
فَلَمَّا بَغَاهَا نَفْسَهَا غَضِبَتْ لَهَا ... عُرُوقٌ نَمَتْ وَسْطَ الثَّرَى فَاسْتَقَرَّتِ
وَشَدَّتْ عَلَى ذِي مُدْيَةِ الْكَفِّ مِعْصَمًا ... وَضِيئًا وَعَزَّتْ نَفْسُهَا فَاسْتَمَرَّتِ
فَأَمَّتْ بِهَا فِي نَحره وَهُوَ يَبْتَغِي الن ... كاح فَمَرَّتْ فِي حَشَاهُ وَجَرَّتِ
فَثَجَّ كَأَنَّ النِّيلَ فِي جَوْفِ صَدْرِهِ ... وَأَدْرَكَهَا ضَعْفُ النِّسَاءِ فَخَرَّتِ
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبَّادٍ شَيْخٌ قَدِيمٌ قَالَ أَدْرَكْتُ الْخَادِمَ الَّذِي كَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْحَجَّاجِ فَقُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي بِأَعْجَبَ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ مِنَ الْحَجَّاجِ
قَالَ كَانَ ابْنُ أَخِيهِ أَمِيرًا عَلَى وَاسِطٍ قَالَ وَكَانَتْ بِوَاسِطٍ امْرَأَةٌ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَكُ بِوَاسِطٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَجْمَلُ مِنْهَا فَأَرْسَلَ ابْنُ أَخِيهِ إِلَيْهَا يُرِيدُهَا عَلَى
стр. 492
نَفْسِهَا مَعَ خَادِمٍ لَهُ فَأَبَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ إِنْ أَرَدْتَنِي فَاخْطُبْنِي إِلَى إِخْوَتِي قَالَ وَكَانَ لَهَا إِخْوَةٌ أَرْبَعَةٌ
فَأَبَى وَقَالَ لَا إِلا كَذَا وَعَاوَدَهَا فَأَبَتْ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَخْطُبَهَا فَأَمَّا حَرَامٌ فَلا قَالَ وَأَبَى هُوَ إِلا الْحَرَامَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِهَدِيَةٍ فَأَخَذَتْهَا فَعَزَلَتْهَا
قَالَ وَأَرَسْلَ إِلَيْهَا عَشِيَّةَ جُمْعَةٍ أَنِّي آتِيكِ اللَّيْلَةَ فَقَالَتْ لأُمِّهَا إِنَّ الأَمِيرَ قَدْ بَعَثَ إِلَيَّ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ فَأَنْكَرَتْ أُمُّهَا ذَلِكَ وَقَالَتْ أُمُّهَا لإِخْوَتِهَا إِنَّ أُخْتَكُمْ قَدْ زَعَمَتْ كَذَا وَكَذَا فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ وَكَذَّبُوهَا فَقَالَتْ إِنَّهُ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يَأْتِيَنِي اللَّيْلَةَ فَسَتَرَوْنَهُ
قَالَ فَقَعَدَ إِخْوَتُهَا فِي بَيْتٍ حِيَالَ الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ وَفِيهِ سِرَاجٌ وَهُمْ يَرَوْنَ مَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهَا وَجُوَيْرِيَةٌ لَهَا عَلَى بَابِ الدَّارِ قَاعِدَةٌ حِينَ جَاءَ فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَقَالَ لِغُلامِهِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَّذِنُ فِي الْغَلَسِ فَائْتِنِي بِدَابَّتِي وَدَخَلَ
فَمَشَتِ الْجَارِيَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ ادْخُلْ فَدَخَلَ وَهِيَ عَلَى سَرِيرٍ مُسْتَلْقِيَةٌ فَاسْتَلْقَى إِلَى جَانِبِهَا ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ إِلَى كَمْ ذَا الْمَطْلُ فَقَالَتْ لَهُ كُفَّ يَدَكَ يَا فَاسِقُ قَالَ وَدَخَلَ إِخْوَتُهَا عَلَيْهِ مَعَهُمْ سُيُوفٌ فَقَطَّعُوهُ ثُمَّ لَفُّوهُ فِي نِطْعٍ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سِكَّةٍ مِنَ سِكَكِ وَاسِطٍ فَأَلْقَوْهُ فِيهَا وَجَاءَ الْغُلامُ بِالدَّابَّةِ فَجَعَلَ يَدُقُّ الْبَابَ دَقًّا رَقِيقًا وَلَيْسَ يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ وَأَنْ تُعْرَفَ الدَّابَّةُ انْصَرَفَ
وَأَصْبَحُوا فَإِذَا هُمْ بِهِ فَأَتَوْا بِهِ الْحَجَّاجَ فَأَخَذَ أَهْلَ تِلْكَ السِّكَّةِ فَقَالَ أَخْبِرُونِي مَا هَذَا وَمَا قِصَّتُهُ قَالُوا لَا نَعْلَمُ حَالَهُ غَيْرَ أَنَّا وَجَدْنَاهُ مُلْقَى فَفَطِنَ الْحَجَّاجُ فَقَالَ عَلَيَّ بِمَنْ كَانَ يَخْدُمُهُ
قَالَ فَأَتَى بِذَلِكَ الْخَصِيِّ الَّذِي كَانَ الرَّسُولَ فَقَالُوا هَذَا كَانَ صَاحِبُ سِرَّهُ
فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ اصْدُقْنِي مَا كَانَ حَالُهُ وَمَا قِصَّتُهُ
فَأَبَى
стр. 493
فَقَالَ لَهُ إِنْ صَدَقْتَنِي لَمْ أَضْرِبْ عُنُقَكَ وَإِنْ لَمْ تَصْدُقْنِي ضَرَبْتُ عُنُقَكَ وَفَعَلْتُ بِكَ وَفَعَلْتُ
قَالَ فَأَخْبَرَهُ الأَمْرَ عَلَى جِهَتِهِ فَأمر بِالْمَرْأَةِ وَأمّهَا وإخوتها فجيء بهما فَعُزِلَتِ الْمَرْأَةُ عَنْهُمُ فَسَاءَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ الْخَصِيُّ ثُمَّ عَزَلَهَا وَسَأَلَ الإِخْوَةَ فَأَخْبَرُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَقَالُوا نَحْنُ صَنَعْنَا بِهِ الَّذِي تَرَى قَالَ فَعَزَلَهُمْ وَأَمَرَ بِرَقِيقِهِ وَدَوَابِّهِ وَمَالِهِ لِلْمَرْأَةِ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدِي هَدِيَّتُهُ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكِ فِيهَا وَأَكْثَرَ فِي النِّسَاءِ مِثْلِكِ هِيَ لَكَ وَكُلُّ مَا تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَك وَقَالَ مِثْلُ هَذَا لَا يُدْفَنُ فَأَلْقُوهُ لِلْكِلابِ وَدَعَا الْخَصِيَّ فَقَالَ أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ قُلْتُ لَكَ إِنِّي لَا أَضْرِبُ عُنُقَكَ وَأَمَرَ بِضَرْبِ وَسَطِهِ
حَكَى لِي ابْنُ رَشَادَةَ الطَّبِيبُ أَنَّ طَبِيبًا نَصْرَانِيًا كَانَ بِوَاسِطٍ وَكَانَ شَابًّا مُسْتَحْسَنًا تَتَعَشَّقُهُ النِّسَاءُ فَدَخَلَ إِلَى امْرَأَةِ بَعْضِ الأَكْرَادِ لِيفْصِدَهَا فَأَخْرَجَتْ ذِرَاعَهَا فَحَارَ لِحُسْنِهِ ثُمَّ جَعَلَ يَلْمَسُهُ لَمْسَ مُلْتَذٍّ بِهِ فَلَمْ يُخْفَ ذَلِكَ عَلَى الْمَرْأَةِ
ثُمَّ قَالَ لَهَا الْيَوْمَ لَا يَتَهَيَّأُ الْفَصْدُ فَأَخِّرِيهِ إِلَى غَدٍ وَخَرَجَ فَجَاءَ زَوْجُهَا فَحَدَّثَتْهُ الْحَدِيثَ فَخَرَجَ وَبَعَثَ إِلَى الطَّبِيبِ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ تَجِيءُ مَعِي لِتَنْظُرَ إِلَى مَرِيضٍ فَنَزَلا فِي سُمَيْرِيَّةٍ وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْبَطَائِحِ ثُمَّ قَطَّعَهُ قِطَعًا بِالسَّيْفِ
стр. 494
الْبَابُ السَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ مَنْ قَتَلَهُ الْعِشْقُ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلافُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ الزُّهْرِيّ قَالَ حَدثنَا الزبير ابْن بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ بَكَّارٍ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ إِنَّا لَمَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إِذْ أَقْبَلَ فِتْيَةٌ يَحْمِلُونَ فَتًى مِنْ بَنِي عُذْرَةَ قَدْ بَلِيَ بَدَنُهُ وَكَانَتْ لَهُ حَلاوَةٌ وَجَمَالٌ حَتَّى وَقَّفُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالُوا استشف لهَذَا يَا بن عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ
فَقَالَ وَمَا بِهِ فَتَرَنَّمَ الْفَتَى بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ لَا يَتَبَيَّنُ وَهُوَ يَقُولُ
بِنَا مِنْ جَوَى الأَحْزَانِ وَالْحُبِّ لَوْعَةٌ ... تَكَادُ لَهَا نَفْسُ الشَّفِيقِ تَذُوبُ
وَلَكِنَّمَا أَبْقَى حَشَاشَةَ مُعْوِلٍ ... عَلَى مَا بِهِ عَوْدٌ هُنَاكَ صَلِيبُ
وَمَا عَجَبٌ مَوْتُ الْمُحِبِّينَ فِي الْهَوَى ... وَلَكِنْ بَقَاءُ الْعَاشِقِينَ عَجِيبُ
ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ
قَالَ عِكْرِمَةٌ فَمَا زَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحُبِّ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ الْبُسْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ فُلَيْحِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ
стр. 495
عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ إِنِّي لَمَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إِذَا فِتْيَةٌ يَحْمِلُونَ فَتًى فِي كِسَاءٍ مَعْرُوقَ الْوَجْهِ نَاحِلَ الْبَدَنِ أَحْلَى مَنْ رَأَيْتُ مِنَ الْفِتْيَانِ فَوَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالُوا اسْتَشْفِ لَهُ يَابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ
فَقَالَ وَمَا بِهِ فَأَنْشَأَ الْفَتَى يَقُولُ
بِنَا مِنْ جَوَى الأَحْزَانِ وَالْحُبِّ لَوْعَةٌ ... تَكَادُ لَهَا نَفْسُ الشَّفِيقِ تَذُوبُ
وَلَكِنَّمَا أَبْقَى حَشَاشَةَ مُعْوِلٍ ... عَلَى مَا بِهِ عَوْدٌ هُنَاكَ صَلِيبُ
قَالَ وَأَنْشَأَ الْفَتَى يَقُولُ
وَبِي لَوْعَةٌ لَوْ تَشْتَكِي الصُّمُّ مِثْلَهَا ... لَفُطِّرَتِ الصُّمُّ الصِّلابُ فَخَرَّتِ
وَلَوْ قَسَّمَ اللَّهُ الَّذِي بِي مِنَ الْجَوَى ... عَلَى كُلِّ نَفْسٍ حَظَّهَا لأَلَمَّتِ
وَلَكِنَّمَا أَبْقَى حَشَاشَةَ مُعْوِلٍ ... عَلَى مَا بِهِ صَلْبُ النَّجَّارِ فَمُدَّتِ
قَالَ ثُمَّ حَمَلَ فَخَفَتَ فَمَاتَ فِي أَيْدِيهِمْ
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا قَتِيلُ الْحُبِّ لَا عَقْلَ وَلا قَوْدَ
قَالَ عِكْرِمَةُ فَمَا رَأَيْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ اللَّهُ فِي تِلْكَ الْعَشِيَّةِ حَتَّى أَمْسَى إِلا الْعَافِيَةَ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ ذَلِكَ الْفَتَى
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّقُّورِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ قَالَ أَنْبَأَنَا رِضْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ الْعُطَارِدِيُّ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ حَدْرَدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الَّتِي أَصَابَ بِهَا بَنِي جُذَيْمَةَ إِذَا فَتًى مِنْهُمْ مَجْمُوعَةٌ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ
стр. 496
بِرُمَّةٍ يَقُولُ نَحِيلٌ
فَقَالَ لِي يَا فَتَى هَلْ أَنْتَ آخِذٌ بِهَذِهِ الرُّمَّةِ فَمُقَدِّمِي إِلَى هَؤُلاءِ النِّسْوَةِ حَتَّى أَقْضِيَ إِلَيْهِنَّ حَاجَةً ثُمَّ تَصْنَعُونَ مَا بَدَا لَكُمْ فَقُلْتُ لَيَسِيرٌ مَا سَأَلْتَ فَأَخَذْتُ بِرُمَّتِهِ فَقَدَّمْتُهُ إِلَيْهِنَّ فَقَالَ اسْلَمِي حُبَيْشُ عَلَى بُعْدِ الْعَيْشِ ثُمَّ قَالَ
أَرَيْتُكِ إِذْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ ... بِحَلْيَةٍ أَوْ أَلْفَيْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ
أَلَمْ يَكُ حَقًّا أَنَّ يَنُولَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إِدْلاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ
فَلا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْتُ إِذْ أَهُلْنَا مَعًا ... أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ إِحْدَى الصَّفَائِقِ
أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ أَنْ تَشْحَطَ النَّوَى ... وَيَنْأَى الأَمِيرُ بالحبيب المفارق
فَإِنِّي لَا سِرَّ لَدَيَّ أَضَعْتُهُ ... وَلا رَاقَ عَيْنِي بَعْدَ وَجْهِكِ رَائِقُ
عَلَى أَنَّ مَا نَابَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ ... عَنِ اللَّهْوِ إِلا أَنْ يَكُونَ تَوَامِقُ
فَقَالَتْ وَأَنْتَ فَحُيِّيتَ عَشْرًا وَسَبْعًا وَتْرًا وَثَمَانِيًا تَتْرَى
ثُمَّ قَدَّمْنَاهُ فضربنا عُنُقه
قَالَ إِبْنِ إسحاقفحدثني أَبُو فَرَّاسٍ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ شَهِدُوا مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالُوا فَلَمَّا قُتِلَ قَامَتَ إِلَيْهِ فَمَا زَالَتْ تَرْشُفُهُ حَتَّى مَاتَتْ عِنْدَهُ
وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا وَفِيهَا بِدَايَةُ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ
стр. 497
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْمَرْزُبَانِ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ نَشَأَ فِينَا غُلامٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْن عَلْقَمَةَ وَكَانَ جَمِيلا فَهَوَى جَارِيَةً مِنْ غَيْرِ فَخْذِهِ يُقَالُ لَهَا حُبَيْشَةُ وَكَانَ يَأْتِيهَا وَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ عِنْدِهَا وَمَعَهُ أُمُّهُ فَرَأَى فِي طَرِيقِهِ ظَبْيَةً عَلَى رَابِيَةٍ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
يَا أُمَّتَا خَبِّرِينِي غَيْرَ كَاذِبَةٍ ... وَمَا يُرِيدُ مَسُولُ الْخَيْرِ بِالْكَذِبِ
حُبَيْشُ أَحْسَنُ أَمْ ظَبْيٌ بِرَابِيَةٍ ... لَا بَلْ حُبْيَشَةُ مِنْ دُرٍّ وَمِنْ ذَهَبِ
ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِهَا مَرَّةً أُخْرَى فَأَصَابَتْهُ السَّمَاءُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
وَمَا أَدْرِي إِذَا أَبْصَرْتُ يَوْمًا ... أَصَوْبُ الْقَطْرِ أَحْسَنُ أَمْ حُبَيْشُ
حُبَيْشٌ وَالَّذِي خَلَقَ الْهَدَايَا ... عَلَى أَنْ لَيْسَ عِنْدَ حُبَيْشِ عَيْشُ
فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَشُهِرَ بِهَا قَالَ قَوْمُهُ لأُمِّهِ إِنَّ هَذَا الْغُلامَ تِيمٌ وَإِنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ يَرْغَبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْكُمْ فَانْظُرِي جَارِيَةً مِنْ قَوْمِكِ مِمَّنْ لَا تَمْتَنِعُ عَلَيْكِ فَزَيِّنِيهَا وَاعْرِضِيهَا عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَتَعَلَّقُهَا وَيَسْلُوا تِلْكَ
فَفَعَلَتْ وَحَضَرَ نِسَاؤُهَا فَجَعَلُوا يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ نِسَاءَ الْحَيِّ ثُمَّ يَقُولُونَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فَيَقُولُ إِنَّهَا وَاللَّهِ حَسْنَاءُ جَمْلاءُ
إِلَى أَنْ قَالَ قَائِلٌ هِيَ أَحْسَنُ أَمْ حُبَيْشَةُ فَقَالَ مَرْعَى وَلا كَالسَّعْدَانِ
فَلَمَّا يَئِسُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِحُبَيْشَةَ وَطَمِعُوا أَنْ يَأْتُوا الأَمْرَ مِنْ قِبَلِهَا فَقَالُوا وَاللَّهِ لَئِنْ أَتَاكِ فَلَمْ تَزْرِي بِهِ وَتَتَجَهَّمِيهِ وَتَقُولِي لَهُ أَنْتَ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ فَلا تَقْرَبْنِي لَنَفْعَلَنَّ بِكِ مَا يسوؤك
стр. 498
فَأَتَاهَا فَلَمْ تُكَلِّمْهُ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالُوا وَلَمْ تَزِدْ عَلَى أَنْ نظرت إِلَيْهِ ونظرإليها ثُمَّ أَرْسَلَتْ عَيْنَهَا تَبْكِي فَانْصَرَفَ عَنْهَا وَهُوَ يَقُولُ
وَمَا كَانَ حُبِّي عَنْ نَوَالٍ بَذَلْتِهِ ... وَلَيْسَ بِمُسْلِيَّ التَّجَهُمُ وَالْهَجْرُ
سِوَى أَنَّ دَائِي مِنْكِ دَاءُ مَوَدَّةٍ ... قَدِيمًا وَلَمْ يُمْزَجْ كَمَا تُمْزَجُ الْخَمْرُ
وَمَا أُنْسَ مِلْ أَشْيَاءِ لَا أَنْسَ دَمْعَهَا ... وَدَمْعَتَهَا حَتَّى يُغَيِّبُنِي الْقَبْرُ
فَبَيْنَمَا هُمَا عَلَى أَشَدِّ مَا كَانَا عَلَيْهِ مِنَ الْهَوَى وَالصَّبْوَةِ هَجَمَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَوْمَ الْغُمَيْصَاءِ فَأَخَذَ الْغُلامُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدٍ فَأَرَادَ قَتْلَهُ
فَقَالَ لَهُ أَلْمِمْ بِي أَهْلَ تِلْكَ الْبُيُوتِ أَقْضِي إِلَيْهِنَّ حَاجَةً ثُمَّ افْعَلْ مَا بَدَا لَكَ
قَالَ فَأَقْبَلْتُ بِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى خَيْمَةٍ مِنْهَا فَقَالَ أَسْلِمِي حُبَيْشُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْعَيْشِ
فَأَجَابَتْهُ فَقَالَتْ سَلِمْتَ وَحَيَّاكَ اللَّهُ عَشْرًا وَتِسْعًا وِتْرًا وَثَمَانِيَةً تَتَرَى فَلَمْ أَرَ مِثْلَكَ يُقْتَلُ صَبْرًا
وَخَرَجَتْ تَشْتَدُّ وَعَلَيْهَا خِمَارٌ أَسْوَدُ قَدْ لاثَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا وَكَأَنَّ وَجْهَهَا الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ
فَقَالَ حِينَ نَظَرَ إِلَيْهَا
أَرَيْتُكِ أَنْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ ... بِبُرَزَةَ أَوْ أَدْرَكْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ
أَمَا كَانَ حَقًّا أَنْ يَنُولَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إِدْلاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ
فَإِنِّي لَا سِرٌّ لَدَيَّ أَضَعْتُهُ ... وَلا رَاقَ عَيْنِي بَعْدَ وَجْهِكِ رَائِقُ
عَلَى أَنَّ مَا نَابَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ ... فَلا ذِكْرَ إِلا أَنْ يَكُونَ تَوَامُقُ
فَهَا أَنَا مَأْسُورٌ لَدَيْكِ مُكَبَّلٌ ... وَمَا إِنْ أَرَانِي بَعْدَهُ الْيَوْمَ نَاطِقُ
стр. 499
فَأَجَابَتْهُ
أَرَى لَكَ أَسْبَابًا أَظُنُّكَ مُخْرِجًا ... بِهَا النَّفْسَ مِنْ جَنْبَيَّ وَالرُّوحَ زَاهِقُ
فَأَجَابَهَا فَقَالَ
فَإِنْ يَقْتُلُونِي يَا حُبَيْشُ فَلَمْ يَدَعْ ... هَوَاكِ لَهُمْ مِنِّي سِوَى غُلَّةِ الصَّدْرِ
وَأَنْتِ الَّتِي قَفَّلْتِ جِلْدِي عَلَى دَمِي ... وَعَظْمِي وَأَسْبَلْتِ الدُّمُوعَ عَلَى النَّحْرِ
فَأَجَابَتْهُ فَقَالَتْ
وَنَحْنُ بَكَيْنَا مِنْ فُرَاقِكَ مَرَّةً ... وَأُخْرَى وَقَايَسْنَا لَكَ الْعُسْرَ بِالْيُسْرِ
فَأَنْتَ فَلا تَبْعُدْ فَنِعْمَ أَخُو النَّدَى ... جَمِيلُ الْمُحَيَّا فِي الْمَرُوءَةِ وَالْبِشْرِ
قَالَ الَّذِي أَخَذَهُ فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً قططت مِنْهَا يَده وعنقه فلمارأته قَدْ سَقَطَ قَالَتِ ائْذَنْ لِي أَنْ أَجْمَعَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَمَعَتْهُ وَجَعَلَتْ تَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ بِخِمَارِهَا وَتَبْكِي ثمَّ شهقت شهقة خرجت مَعهَا نَفسهَا
وَقد رويت لنا هَذِه الْحِكَايَة وفيهَا ذكر رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ حَدَّثَ بِحَالِ هَذَا الرَّجُلِ
أَخْبَرَتْنَا شهدة بن أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ خَلَفٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم ابْن بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ مَسَاحِقَ عَنِ ابْنِ عِصَامٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهُ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى بَطْنِ نَخْلَةَ فَإِذَا رَجُلٌ مَعَهُ ظَعَائِنُ لَهُ يَسُوقُهُنَّ أَمَامَهُ فَأَتَيْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ أَسْلِمْ
فَقَالَ وَمَا الإِسْلامُ فَعَرَضْنَاهُ عَلَيْهِ
стр. 500
فَإِذَا هُوَ لَا يَعْرِفُهُ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا قَاتِلُوكَ
فَقَالَ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكِي حَتَّى أَلْحَقُ بِهَؤُلاءِ الظَّعَائِنِ
قَالَ قُلْنَا نَعَمْ وَنَحْنُ مُدْرِكُوكَ لَا مَحَالَةَ
قَالَ فَأَتَى هَوْدَجَ ظَعِينَةٍ مِنْهُنَّ قَدْ وَصَفَهَا بِشَيْءٍ مِنْ حُسْنٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ
أَرَيْتُكِ أَنْ طَالَبْتُكُمْ فَلَحِقْتُكُمْ ... بِحَلْيَةَ أَوْ أَدْرَكْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ
أَمَا كَانَ حَقًّا أَنَّ يَنُولَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إِدْلاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ
ثُمَّ قَالَ
فَلا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْتُ إِذْ أَهُلْنَا مَعًا ... أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ إِحْدَى الصَّفَائِقِ
أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ أَنْ تَشْحَطَ النَّوَى ... وَيَنْأَى الأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفَارِقِ
ثُمَّ قَالَ أَسْلِمِي حُبَيْشُ قَبْلَ انْقِطَاعِ الْعَيْشِ
فَقَالَتْ لَهُ أُسْلِمُ عَشْرًا وَتِسْعًا وِتْرًا وَثَمَانِيَ تَتْرَى
ثُمَّ أَتَى فَمَدَّ عُنُقَهُ فَقَالَ شَأْنُكُمْ فَاصْنَعُوا مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ فَقَدَّمْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ فَرَأَيْتُ تِلْكَ الظَّعِينَةِ نَزَلَتْ مِنْ هَوْدِجَهَا فَحَنَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تَزَلْ تُقَبِّلُهُ حَتَّى مَاتَتْ
قَالَ فَحَدَّثْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَأَيْتُهُ قَدْ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ
стр. 501
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بن وَافد عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا وَفِيهِمْ رَجُلٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي لَسْتُ مِنْهُمْ عَشِقْتُ امْرَأَةً فَلَحِقْتُهَا فَدَعُونِي أنظرإليها نَظْرَةً ثُمَّ اصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ
فَإِذَا امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ أَدْمَاءُ فَقَالَ أَسْلِمِي حُبَيْشُ قَبْلَ نَفَادِ الْعَيْشِ
أَرَيْتُكِ لَوْ أَتْبَعْتُكُمْ فَلَحِقْتُكُمْ ... بِحَلْيَةَ أَوْ أَدْرَكْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ
أَمَا كَانَ حَقًّا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إِدْلاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ
فَقَالَتْ نَعَمْ فَدَيْتُكَ
فَقَدَّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَجَاءَتِ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ فَشَهِقَتْ شَهْقَةً أَوْ شَهْقَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَتْ
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَحِيمٌ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ الطَّائِفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّسْتُرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْعَدَةَ الأَخْفَشُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَحْذُورَةَ
стр. 502
الْوَرَّاقُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الرَّاوِيَةُ قَالَ سَمِعْتُ الْفَرَزْدَقَ يَقُولُ أَبَقَ غُلامَانِ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي نَهْشَلٍ يُقَالُ لَهُ الْخَضِرُ فَحَدَّثَنِي الْخَضِرُ قَالَ خَرَجْتُ أَبْغِيهِمَا وَقَصَدْتُ نَاحِيَةَ الْيَمَامَةِ عَلَى نَاقَةٍ لِي عَبْسَاءَ كَوْمَاءَ
قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ الْعَبْسَاءُ الْبَيْضَاءُ وَالْكَوْمَاءُ الْعَظِيمَةُ السَّنَامِ
فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ فَرَعِدَتْ وَأَبْرَقَتْ وَحَلَّتْ عَزَالِيهَا فَمِلْتُ إِلَى بَعْضِ دِيَارِ بَنِي حَنِيفَةَ فَقَصَدْتُ دَارًا وَطَلَبْتُ الْقِرَى
فَقِيلَ لِي ادْخُلْ فَأَنَخْتُ نَاقَتِي وَدَخَلْتُ فَجَلَسْتُ تَحْتَ ظُلَّةٍ مِنْ جَرِيدٍ وَفِي الدَّارِ جُوَيْرِيَّةٌ سَوْدَاءُ فَدَخَلَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا سَبِيكَةُ فِضَّةٍ وَكَأَنَّ عَيْنَيْهَا كَوْكَبَانِ فَقَالَتْ لِمَنْ هَذِهِ النَّاقَةُ قَالَتِ السُّوَيْدَاءُ لِضَيْفِكُمْ هَذَا فَسَلَّمَتْ عَلَيَّ وَقَالَتْ مِمَّنِ الرَّجُلُ قُلْتُ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ قَالَتْ مِنْ أَيِّهِمْ قُلْتُ مِنْ بَنِي نَهْشَلٍ
قَالَتْ فَأَنْتَ مِنَ الْبَيْتِ يَقُولُ فِيهُمُ الْفَرَزْدَقُ
إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
بَيْتًا بَنَاهُ لَنَا الْمَلِيكُ وَمَا بَنَى ... مَلَكُ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَلُ
بَيْتٌ زُرَارَةُ مُحْتَبٍ بِفِنَائِهِ ... وَمُجَاشِعٌ وَأَبُو الْفَوَارِسِ نَهْشَلُ
فَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا
قَالَتْ إِلا أَنَّ ابْنَ الْخَطْفِيِّ نَقَضَ عَلَيْهِ فَقَالَ
أَخْزَى الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ مُجَاشِعًا ... وَبَنَى بِنَاءَكَ بِالْحَضِيضِ الأَسْفَلِ
بَيْتًا يُخَيِّمُ قَيْنُكُمْ بِفِنَائِهِ ... دَنِسًا مَقَاعِدُهُ خَبِيثَ الْمُدْخَلِ
فَخَجِلْتُ وَاسْتَحْيَيْتُ فَقُلْتُ لَهَا أَيِّمٌ أَنْتِ أَمْ ذَاتُ بَعْلٍ فَقَالَتْ
إِذَا رَقَدَ النِّيَامُ فَإِنَّ عَمْرًا ... تُؤَرِّقُهُ الْهُمُومُ إِلَى الصَّبَاحِ
تُقَطِّعُ قَلْبَهُ الذِّكْرَى وَقَلْبِي ... فَمَا هُوَ بِالْخَلِيِّ وَلا بِصَاحِ
стр. 503
سَقَى اللَّهُ الْيَمَامَةَ دَارَ قَوْمٍ ... بِهَا عَمْرٌو يَحِنُّ إِلَى الرَّوَاحِ
فَقُلْتُ لَهَا مَنْ عَمْرٌو هَذَا فَقَالَتْ
سَأَلْتَ وَلَوْ عَلِمْتَ كَفَفْتَ عَنْهُ ... وَمَنْ لَكَ بِالْجَوَابِ سِوَى الْخَبِيرِ
فَإِنْ تَكُ سَائِلا عَنْهُ فَعَمْرٌو ... مَعَ الْقَمَرِ الْمُضِيءِ الْمُسْتَنِيرِ
ثُمَّ قَالَتْ أَيْنَ تَؤُمُّ قُلْتُ الْيَمَامَةَ فَتَنَفَّسَتِ الصَّعْدَاءَ ثُمَّ قَالَتْ
تُذَكِّرُنِي بِلادًا حَلَّ أَهْلِي ... بِهَا أَهْلُ الْمَوَّدَةِ وَالْكَرَامَهْ
أَلا فَسَقَى الإِلَهُ أَجَشَّ صَوْتٍ ... يَسِحُّ بِدَرِّهِ بَلَدَ الْيَمَامَهْ
وَحَيَّا بِالسَّلامِ أَبَا نُجَيْدٍ ... فَأَهْلٌ لِلْتَحِيَّةِ وَالسَّلامَهْ
ثُمَّ قَالَتْ
يُخَيَّلُ لِي أَيَا كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو ... بِأَنَّكَ قَدْ حُمِلْتَ عَلَى السَّرِيرِ
فَإِنْ تَكُ هَكَذَا يَا عَمْرُو ... إِنِّي مُبَكِّرَةٌ عَلَيْكَ إِلَى الْقُبُورِ
ثُمَّ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَمَاتَتْ فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ لِي هِيَ مِنْ وَلَدِ مُعَرَّقِ بْنِ النُّعْمَان ابْن الْمُنْذِرِ وَعَمْرُو بْنُ كَعْبٍ هَوَى لَهَا بِالْيَمَامَةِ
فَرَكِبْتُ نَاقَتِي وَسِرْتُ إِلَى الْيَمَامَةِ فَسَأَلْتُ عَنْ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ فَخُبِّرْتُ أَنَّهُ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي قَالَتِ الْجَارِيَةُ مَا قَالَتْ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ عَنِ الأَصْمَعِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عبد العزيز ابْن أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَجْلانَ النَّهْدِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
أَلا إِنَّ هِنْدًا أَصْبَحَتْ مِنْكَ مَحْرَمًا ... وَأَصْبَحْتَ مِنْ أَدْنَى حُمَيِّمِهَا حِمَى
стр. 504
وَأَصْبَحْتَ كَالْمَقْمُورِ جَفْنُ سَلاحِهِ ... يُقَلِّبُ بِالْكَفَّيْنِ قَوْسًا وَأَسْهُمَا
وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ حَتَّى مَاتَ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيّ قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد ابْن جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيُّ عَنِ الأَصْمَعِيِّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ خَرَجْتُ فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ لِي فَبَيْنَا أَنَا أَدُورُ فِي أَرْضِ بَنِي عُذْرَةَ أَنْشُدُ ضَالَّتِي إِذَا بِبَيْتٍ مُعْتَزِلٍ عَنِ الْبُيُوتِ وَإِذَا فِي كَسْرِ الْبَيْتِ فَتًى شَابٌّ مُغْمَى عَلَيْهِ وَعِنْدَ رَأْسِهِ عَجُوزٌ لَهَا بَقِيَّةٌ مِنْ جَمَالٍ سَاهِيَةٌ تَنْظُرُ إِلَيْهِ
فَسَلَّمْتُ فَرَدَّتِ السَّلامَ فَسَأَلْتُهَا عَنْ ضَالَّتِي فَلَمْ يَكُ عِنْدَهَا مِنْهَا عِلْمٌ فَقُلْتُ أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ مَنْ هَذَا الْفَتَى قَالَتِ ابْنِي ثُمَّ قَالَتْ هَلْ لَكَ فِي اجْرِ لَا مؤونة فِيهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ الأَجْرَ وَإِنْ رُزِئْتُ فَقَالَتْ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ وَكَانَ عَلِقَهَا وَهُمَا صَغِيرَانِ فَلَمَّا كَبِرَا حُجِبَتْ عَنْهُ فَأَخَذَهُ شَبِيهٌ بِالْجُنُونِ ثُمَّ خَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهِ وَخَطَبَهَا غَيْرُهُ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ فَنَحَلَ جِسْمُ وَلَدِي وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ وَذُهِلَ عَقْلُهُ فَلَمَّا كَانَ مُنْذُ خَمْسٍ زُفَّتْ إِلَى زَوْجِهَا فَهُوَ كَمَا تَرَى لَا يَأْكُلُ وَلا يَشْرَبُ مُغْمَى عَلَيْهِ فَلَوْ نَزَلْتَ إِلَيْهِ فَوَعَظْتَهُ
قَالَ فَنَزَلْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ أدع شَيْئًا مِنَ الْمَوْعِظَةِ إِلا وَعَظْتُهُ حَتَّى أَنِّي قُلْتُ فِيمَا قُلْتُ إِنَّهُنَّ الْغَوَانِي صَاحِبَاتُ يُوسُفَ النَّاقِضَاتُ الْعَهْدِ وَقَدْ قَالَ فِيهِنَّ كُثَيِّرُ عَزَّةَ
هَلْ وَصْلُ عَزَّةَ إِلا وَصْلُ غَانِيَةٍ ... فِي وَصْلِ غَانِيَةٍ مِنْ وَصْلِهَا خُلْفُ
стр. 505
قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ كَالْمُغْضَبِ وَهُوَ يَقُولُ لَسْتُ كَكُثَيِّرِ عَزَّةَ إِنَّ كُثَيِّرًا رَجُلٌ مَائِقٌ وَأَنَا رَجُلٌ وَامِقٌ وَلَكِنِّي كَأَخِي تَمِيمٍ حَيْثُ يَقُولُ
أَلا لَا يَضِيرُ الْحُبُّ مَا كَانَ ظَاهِرًا ... وَلَكِنَّ مَا اجْتَافَ الْفُؤَادُ يَضِيرُ
أَلا قَاتَلَ اللَّهُ الْهَوَى كَيْفَ قَادَنِي ... كَمَا قِيدَ مَغْلُولُ الْيَدَيْنِ أَسِيرُ
فَقُلْتُ لَهُ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أُصِيبَ مِنْكُمْ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي فَأَنْشَأَ يَقُولُ
أَلا مَا لِلْمَلِيحَةِ لَمْ تَعُدْنِي ... أَبُخْلٌ بِالْمَلِيحَةِ أَمْ صُدُودُ
مَرِضْتُ فَعَادَنِي أَهْلِي جَمِيعًا ... فَمَا لَكِ لَا تُرَيْ فِيمَنْ يَعُودُ
فَقَدْتُكِ بَيْنَهُمْ فَبَكَيْتُ شَوْقًا ... وَفَقْدُ الإِلْفِ يَا أَمَلِي شَدِيدُ
وَمَا اسْتَبْطَأْتُ غَيْرَكِ فَاعْلَمِيهِ ... وَحَوْلِي مِنْ ذَوِي رَحِمِي عَدِيدُ
وَلَوْ كُنْتِ الْمَرِيضَ لَكُنْتُ أَسْعَى ... إِلَيْكِ وَمَا يُهَدِّدُنِي الْوَعِيدُ
قَالَ ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً وَخَفَتَ فَمَاتَ
فَبَكَتِ الْعَجُوزُ وَقَالَتْ فَاضَتْ وَاللَّهِ نَفْسُهُ فَدَخَلَنِي أَمْرٌ لَمْ يَدْخُلْنِي مِثْلُهُ فَلَمَّا رَأَتِ الْعَجُوزُ مَا حَلَّ بِي قَالَتْ يَا فَتَى لَا ترع مَا ت وَاللَّهِ وَلَدِي بِأَجَلِهِ وَاسْتَرَاحَ مِنْ تَبَارِيحِهِ وَغُصَصِهِ ثُمَّ قَالَتْ هَلْ لَكَ فِي اسْتِكْمَالِ الصَّنْعَةِ قُلْتُ قُولِي مَا أَحْبَبْتِ
قَالَتْ تَأْتِي الْبُيُوتَ فَتَنْعَاهُ إِلَيْهِمْ لِيُعَاوِنُونِي عَلَى رَمْسِهِ فَإِنِّي وَحِيدَةٌ
قَالَ فَرَكِبْتُ نَحْوَ الْبُيُوتِ فَرَسِي فَإِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ أَجْمَلُ مَا رَأَيْتُ مِنَ النِّسَاءِ نَاشِرَةً شَعْرَهَا حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ فَقَالَتْ بِفِيكَ الْحَجَرُ الْمُصْلَتُ مَنْ تَنْعِي قُلْتُ أَنْعِي فُلانًا
قَالَت أوقد مَاتَ قُلْتُ إِي وَاللَّهِ قَدْ مَاتَ
قَالَتْ فَهَلْ سَمِعْتَ لَهُ قَوْلا
قُلْتُ اللَّهُمَّ لَا إِلا شِعْرًا
стр. 506
قَالَتْ وَمَا هُوَ قَالَ فَأَنْشَدْتُهَا قَوْلَهُ
أَلا مَا لِلْمَلِيحَةِ لَمْ تَعُدْنِي ... أَبُخْلٌ بِالْمَلِيحَةِ أَمْ صُدُودُ
فَاسْتَعْبَرَتْ بَاكِيَةً وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ
عَدَانِي أَنْ أَزُورَكَ يَا مُنَايَ ... مَعَاشِرُ كُلُّهُمْ وَاشٍ حَسُودُ
أَشَاعُوا مَا عَلِمْتَ مِنَ الدَّوَاهِي ... وَعَابُونَا وَمَا فِيهِمْ رَشِيدُ
فَلَمَّا أَنْ ثَوَيْتَ الْيَوْمَ لَحْدًا ... فَكُلُّ النَّاسِ دُورُهُمُ لُحُودُ
فَلا طَابَتْ لِيَ الدُّنْيَا فَوَاقًا ... وَلا لَهُمُ وَلا أَثْرَى الْعَدِيدُ
ثُمَّ شَهِقَتْ شَهْقَةً خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا وَخَرَجَ النِّسَاءُ مِنَ الْبُيُوتِ وَاضْطَرَبَتْ سَاعَةً وَمَاتَتْ
فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ الْحَيَّ حَتَّى دَفَنْتُهُمَا جَمِيعًا
وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ
فَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّمْسَارِ وَيُعْرَفُ بِابْنِ قُشَيْشٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزِّيَادِيِّ قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الأُبَيْدِيُّ وَجَّهَنِي عَامِلُ الْمَدِينَةِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ وَكَتَبَ مَعِي كِتَابًا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا خَلَّفْنَا الْمَدِينَةَ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ حَدِيثِ السِّنِّ وَاضِعٌ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مُخْتَمِرَةٍ قَدْ خَلا مِنْ نَسَبِهَا وَفِيهَا بَقِيَّةٌ مِنْ جَمَالٍ وَالشَّابُّ يَتَمَلْمَلُ وَيَضْطَرِبُ وَكُلَّمَا تَنَحَّى رَأْسُهُ مِنْ حِجْرِهَا رَدَّتِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا وَأَنَا عَلَى بَغْلَةٍ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّتِ الْمَرْأَةُ
стр. 507
وَلَمْ يَرُدَّ الشَّابُّ فَتَفَرَّسَتْ فِيَّ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ مِنْ غَيْرِ مِرْزَأَةٍ
فَقُلْتُ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ الأَجْرَ وَإِنْ رُزِئْتُ
قَالَتْ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ وَكَانَ عَلِقَهَا وَهُمَا صَغِيرَانِ فَلَمَّا حُجِبَتْ خَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهَا وَنَحْنُ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْلَفُ الْمَرْأَةَ فِي صِغَرِهِ لَمْ يُزَوِّجُوهُ مَخَافَةَ أَنْ تُرْمَى بِالْعَيْبِ فَيُقَالُ قَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا سُوءٌ قَبْلَ التَّزْوِيجِ
قَالَتْ وَخَطَبَ الْمَرْأَةَ ابْنُ عَمٍّ لَهَا آخَرُ فَزُوِّجَتْ مِنْهُ
فَهُوَ عَلَى مَا تَرَى مُنْذُ بَلَغَهُ لَا يَأْكُلُ وَلا يَشْرَبُ وَلَا يُصَلِّي وَلَا يعقل فَلَو وعظته
قَالَ فَنَزَلْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ أَدَعْ لَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْعِظَةِ إِلا وَعَظْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ أَتَرْغَبُ فِيمَنْ لَا يَرْغَبُ فِيكَ وَإِنْ عَظُمَتْ عَلَيْكَ الْمُصِيبَةُ فِيهَا فَاذْكُرْ مُصِيبَتَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَعَظُمَتْ عَلَيْهِ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي فَإِنَّهَا أَعْظَمُ الْمُصِيبَاتِ
قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْعِظَةِ إِلا وَعَظْتُهُ بِهَا وَفَتَلْتُ لَهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالْغَارِبِ وَمَا يَحِيرُ كَلِمَةً وَلا جَوَابًا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالَ
أَلا مَا لِلْمَلِيحَةِ لَمْ تَعُدْنِي ... أَبُخْلٌ بِالْمَلِيحَةِ أَمْ صُدُودُ
مَرِضْتُ فَعَادَنِي أَهْلِي جَمِيعًا ... فَمَا لَكِ لَمْ تُرَيْ فِيمَنْ يَعُودُ
стр. 508
فَقَدْتُكِ بَيْنَهُمْ فَبَكَيْتُ شَوْقًا ... وَفَقْدُ الإِلْفِ يَا أَمَلِي شَدِيدُ
وَمَا استنبطأت غَيْرَكِ فَاعْلَمِيهِ ... وَحَوْلِي مِنْ ذَوِي رَحِمِي عَدِيدُ
وَلَوْ كُنْتِ الْمَرِيضَ لَكُنْتُ أَسْعَى ... إِلَيْكِ وَمَا يُهَدِّدُنِي الْوَعِيدُ
قَالَ ثُمَّ شَهَِقَ وَخَفَتَ فَمَاتَ فَدَخَلَنِي أَمْرٌ شَدِيدٌ وَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ مَاتَ مِنَ عِظَتِي وَكَلامِي فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ مَا بِي قَالَتْ هَوِّنْ عَلَيْكَ عَاشَ بِأَجَلٍ وَمَاتَ بِقَدَرٍ وَقَدِمَ عَلَى رَبٍّ غَفُورٍ وَاسْتَرَاحَ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الْبَلاءِ فَهَلْ لَكَ فِي اسْتِتْمَامِ مَا صَنَعْتَ
فَاسْتَرَحْتُ إِلَى قَوْلِهَا وَقُلْتُ فَمَا هُوَ قَالَتْ هَذِهِ أَبْيَاتٌ مِنَّا غَيْرَ بعيد فتأتيهم فتنعاه إِلَيْهِم وتأمره بِحُضُورِهِ فَأَقْبَلت أنعناه إِلَيْهِمْ وَقَدْ حَفِظْتُ الشِّعْرَ فَبَيْنَا أناأنعاه إِلَيْهِمْ إِذَا خَيْمَةٌ قَدْ رُفِعَ جَانِبٌ مِنْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ قَدْ خَرَجَتْ كَأَنَّهَا الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ نَاشِرَةً شَعَرَهَا تَجُرُّ خِمَارَهَا وَهِيَ تَقُولُ بِفِيكَ الْحَجَرُ مَنْ تَنْعِي
قُلْتُ فُلانَ بْنَ فُلانٍ قَالَتْ آللَّهِ لَقَدْ زَارَتْهُ شُعُوبٌ قُلْتُ نَعَمْ
قَالَتْ فَهَلْ قَالَ مِنْ قَوْلٍ قَبْلَ وَفَاتِهِ قُلْتُ نَعَمْ وَقَدْ حَفَظْتُهُ
فَأَنْشَدْتُهَا الشِّعْرَ فَوَاللَّهِ مَا نَهْنَهَتْ أَنْ قَالَتْ
عَدَانِي أَنْ أَزُورَكَ يَا حَبِيبِي ... مَعَاشِرُ كُلُّهُمْ وَاشٍ حَسُودُ
أَشَاعُوا مَا سَمِعْتَ مِنَ الدَّوَاهِي ... وَعَابُونَا وَمَا فِيهِمْ رَشِيدُ
فَأَمَّا إِذْ ثَوَيْتَ الْيَوْمَ لَحْدًا ... وَدُورُ النَّاسِ كُلُّهُمْ اللُّحُودُ
فَلا طَابَتْ لِيَ الدُّنْيَا فَوَاقًا ... وَلا لَهُمُ وَلا أَثْرَى عَدِيدُ
стр. 509
وَبِالإِسْنَادِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الأَعْرَابِيِّ قَالَ قَالَ الضَّبِّيُّ عَشِقَ كَامِلُ بْنُ الْوَضِينِ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسَافِرٍ ابْنَةَ عَمِّهِ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ الْعِشْقُ حَتَّى صَارَ كَالشَّنِ الْبَالِي فَشَكَا أَبُوهُ إِلَى أَبِيهَا مَا نَزَلَ بِابْنِهِ فَأَمَرَ فَحُمِلَ إِلَى دَارِهِ لِيُزَوِّجَهَا مِنْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ كَامِلُ بْنُ الْوَضِينِ فَعَلِمَ فَقَالَ وَإِنَّ أَسْمَاءَ لَتَسْمَعُ كَلامِي قِيلَ نَعَمْ فَشَهِقَ شَهْقَةً وَقَضَى مَكَانَهُ فَقِيلَ لَهَا مَاتَ بِغُصَّةِ شَجَنِهِ قَالَتْ وَاللَّهِ لأَمُوتَنَّ بِمِثْلِهَا وَلَقَدْ كُنْتُ عَلَى زِيَارَتِهِ قَادِرَةً فَمَنَعَنِي مِنْهَا قُبْحُ ذِكْرِ الرِّيبَةِ وَمَرِضَتْ فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهَا الْمَرَضُ قَالَتْ لأَشْفَقِ نِسَائِهَا عَلَيْهَا صَوِّرِي لِي مِثَالَهُ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزُورَهُ قَبْلَ مَوْتِي فَفَعَلَتْ فَلَمَّا وَصَلَتِ الصُّورَةُ اعْتَنَقَتْهَا وَشَهِقَتْ فَقَضَتْ فَطَلَبَ أَبُو الْفَتَى إِلَى أَبِيهَا أَنْ يَدْفِنَهَا بِالْقُرْبِ مِنْ قَبْرِ ابْنِهِ فَفَعَلَ وَكَتَبَ عَلَى قَبْرَيْهِمَا
بِنَفْسِي هُمَا لَمْ يُمَتَّعَا بِهَوَاهُمَا ... عَلَى الدَّهْرِ حَتَّى غُيِّبَا فِي الْمَقَابِرِ
أَقَامَا عَلَى غَيْرِ التَّزَاوُرِ بُرْهَةً ... فَلَمَّا أُصِيبَا قُرِّبَا بِالتَّزَاوُرِ
فَيَا حُسْنَ قَبْرٍ زَارَ قَبْرًا يُحِبُّهُ ... وَيَا زَوْرَةً جَاءَتْ بِرَيْبِ الْمَقَادِرِ
وَبِالإِسْنَادِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبَّاسٍ الصَّائِغُ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ قَالَ كَانَ فِينَا فَتًى ظَرِيفٌ غَزِلٌ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَحَدَّثُ إِلَى النِّسَاءِ فَهَوَى جَارِيَةً مِنَ الْحَيِّ فَرَاسَلَهَا فَأَظْهَرَتْ لَهُ جَفْوَةً فَوَقَعَ مُضْنًى مُدْنِفًا وَظَهَرَ أَمْرُهُ وَتَبَيَّنَتْ دَنَفَهُ فَلَمْ يَزَلِ النِّسَاءُ مِنْ هله وَأَهْلِهَا يُكَلِّمُوَنَهَا فِيهِ حَتَّى أَجَابَتْهُ فَصَارَتْ إِلَيْهِ عَائِدَةً وَمُسَلِّمَةً فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ تَحَدَّرَتْ عَيْنَاهُ بِالدِّمُوعِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
أَرَيْتُكِ إِنْ مَرَّتْ عَلَيْكِ جَِنَازَتِي ... يلُوحُ بِهَا أَيْدٍ طُوَالٍ وَشُرَّعُ
أَمَا تَتْبَعِينَ النَّعْشَ حَتَّى تُسَلِّمِي ... عَلَى رَمْسِ مَيْتٍ فِي الْحَفِيرَةِ مُودَعِ
قَالَ فَبَكَتْ رَحْمَةً لَهُ وَقَالَتْ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ بَلَغَ بِكَ هَذَا
стр. 510
فَوَاللَّهِ لأُسَاعِدَنَّكَ وَلأُدَاوِمَنَّ عَلَى وَصْلِكَ فَهَمِلَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
دَنَتْ وَظِلالُ الْمَوْتِ بيني وَبَينهَا ... ومنت بوصل حِين لَا يَنْفَعُ الْوَصْلُ
ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً خَرَجَتْ نَفْسُهُ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ تَلْثُمُهُ وَتَبْكِي فَرُفِعَتْ عَنْهُ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا فَمَا مَكَثَتْ بَعْدَهُ إِلا أَيَّامًا حَتَّى مَاتَتْ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ وَجَدْتُ بِخَطِّ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْن عَلِيٍّ الأَبَنُوسِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ أَصْلِهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ الأَزْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا السَّاجِيُّ عَنِ الأَصْمَعِيِّ قَالَ رايت بالبادية رجلا قد عَظْمُهُ وَضَؤُلَ جِسْمُهُ وَرَقَّ جِلْدُهُ فَتَعَجَّبْتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ أَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ فَلَمْ يُرِدْ جَوَابًا فَسَأَلْتُ جَمَاعَةً حَوْلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالُوا اذْكُرْ لَهُ شَيْئًا مِنَ الشِّعْرِ يُكَلِّمْكَ فَقُلْتُ
سَبَقَ الْقَضَاءُ بِأَنَّنِي لَكَ عَاشِقٌ ... حَتَّى الْمَمَاتِ فَأَيْنَ مِنْكَ مَذَاهِبِي فَشَهِقَ شَهْقَةً ظَنَنْتُ أَنَّ رُوحَهُ قَدْ فَارَقَتْهُ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
أَخْلُو بِذِكْرِكِ لَا أُرِيدُ مُحَدِّثًا ... وَكَفَى بِذَلِكَ نِعْمَةً وَسُرُورَا
أَبْكِي فَيُطْرِبُنِي الْبُكَاءُ وَتَارَةً ... يَأْبَى فَيَأْتِي مَنْ أُحِبُّ أَسِيرَا
قَالَ فَقلت لَهُ أَخْبَرَنِي عَنْكَ قَالَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ عِلْمَ ذَلِكَ فَاحْمِلْنِي وَأَلْقِنِي عَلَى بَابِ تِلْكَ الْخَيْمَةِ فَفَعَلْتُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ يَرْفَعُهُ بِجُهْدِهِ
أَلا مَا لِلْمَلِيحَةِ لَا تَعُودُ ... أَبُخْلٌ بِالْمَلِيحَةِ أَمْ صُدُودُ
فَلَوْ كُنْتِ الْمَرِيضَةَ جِئْتُ أَسْعَى ... إِلَيْكِ وَلَمْ يُنَهْنِهْنِي الْوَعِيدُ
فَإِذَا جَارِيَةٌ مِثْلَ الْقَمَرِ قَدْ خَرَجَتْ فَأَلْقَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَاعْتَنَقَا وَطَالَ ذَلِكَ فَسَتَرْتُهُمَا بِثَوْبِي خَشْيَةَ أَنْ يَرَاهُمَا النَّاسُ فَلَمَّا خِفْتُ عَلَيْهِمَا الْفَضِيحَةَ فَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا
стр. 511
فَإِذَا هُمَا مَيِّتَانِ فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى صَلَّيْتُ عَلَيْهِمَا وَدَفَنْتُهُمَا فَسَأَلْتُ عَنْهُمَا فَقِيلَ لِي عَامِرُ بْنُ غَالِبٍ وَجَمِيلَةُ بِنْتُ أَمْيَلَ الْمُزَنِيَّانِ فَانْصَرَفت
أخبرنَا عبد الْوَهَّاب بن الْمُبَارَكِ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَازِنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْقَيْسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَائِشَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُنَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدٌ لآلِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ رَأَيْتُ شَيْخًا جَالِسًا عَلَى هَضَبَةٍ يَبْكِي فَقُلْتُ لَهُ مَا يُبْكِيكَ قَالَ الرَّحْمَةُ لِجَارِيَةٍ مِنَّا كَانَتْ تَنْزِلُ فِي أَقْصَى بِلادِ كَلْبٍ فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَغَلَبَهَا الشَّوْقُ وَأَضَرَّ بِهَا الْجَوَى فَأَشْرَفَتْ فَوْقَ عُلِّيَةٍ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ
لَعَمْرِي لَئِنْ أَشَرَفْتُ أَرْفَعُ مَا أَرَى ... وَكَلَّفْتُ عَيْنِي مَنْظَرًا مُتَعَادِيَا
وَقُلْتُ زِيَادًا تُؤْنَسِينَ وَأَهْلَهُ ... أَمِ الشَّوْقُ يُدْنِي مِنْكِ مَا لَيْسَ دَانِيَا
وَقُلْتُ لِبَطْنِ الْجِنِّ حِينَ رَأَيْتُهُ ... سَقَى اللَّهُ أَعْلاكَ السَّحَابَ الْغَوَادِيَا
ثُمَّ قَضَتْ مِنْ وَقْتِهَا فِي مَكَانِهَا
بَطْنُ الْجِنِّ وَادٍ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ نَقَلْتُ مِنْ خِطِّ ابْنِ حَيُّوَيْهِ عَنِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ الْمَدَائِنِي قَالَ أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ عِنْدَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ وَكَانَ عَاشِقًا لَهَا مُسْتَهْتِرًا بِهَا فَضَاقَ ضِيقَةً شَدِيدَةً وَأَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى هِشَامٍ إِلَى الرُّصَافَةِ فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يَجِدُ بِهَا وَكَرِهَ فِرَاقَهَا فَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا وَقَدْ بلغ مِنْهَا الضّيق يَا بن عَمِّ أَلا تَأْتِي الْخَلِيفَةَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَقْسِمَ لَكَ
стр. 512
مِنْهُ رِزْقًا فَيَكْشِفَ بِهِ بَعْضَ مَا نَحْنُ فِيهِ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهَا نَشَطَ لِلْخُرُوجِ فَتَجَهَّزَ وَمَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الرُّصَافَةِ عَلَى أَمْيَالٍ خَطَرَ ذِكْرُهَا بِقَلْبِهِ وَتَمَثَلَّتْ لَهُ فَلَبِثَ سَاعَةً شَبِيهًا بِالْمُغْمَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ لِلْجَمَّالِ احْبِسْ فَحَبَسَ إِبِلَهُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
بَيْنَمَا نَحْنُ مِنْ بِلَا كث فَالْقَاعِ ... سِرَاعًا وَالْعِيسُ تَهْوِي هَوِيَّا
خَطَرَتْ خَطْرَةٌ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ ذِكْرَاكِ ... وَهْنًا فَمَا أَطَقْتُ مُضِيَّا
قُلْتُ لَبَيِّكِ إِذْ دَعَانِي لَكَ الشَّوْقُ ... وَلِلْحَادِيِّينَ رُدَّا الْمَطِيَا
ثُمَّ قَالَ لِلْجَمَّالِ ارْجِعْ بِنَا فَقَالَ لَهُ سُبْحَانَ اللَّهِ قَدْ بَلَغْتَ وَهَذِهِ أَبْيَاتُ الرُّصَافَةِ فَقَالَ وَاللَّهِ لَا تَخْطُو خُطْوَةً إِلا رَاجِعَةً
فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى قَدْرِ مِيلٍ لَقِيَهُ بَعْضُ بَنِي عَمِّهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَتَهُ قَدْ تُوُفِّيَتْ فَشِهَقَ شَهْقَةً وَسَقَطَ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ مَيِّتًا
أخبرنَا عمر بن ظفر المقرىء وَشُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الإِبَرِيُّ قَالا أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ الأَزَجِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحسن ابْن جَهْضَمٍ الصُّوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَاتِبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَرْجَلانِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْعَابِدُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ عِنْدَنَا بِالْكُوفَةِ شَابٌّ يَتَعَبَّدُ لازِمٌ لِلْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْهُ وَكَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الْقَامَةِ حَسَنَ السَّمْتِ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ ذَاتُ جَمَالٍ وَعَقْلٍ فَشُغِفَتْ بِهِ وَطَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَفَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ وَهُوَ يُرِيدُ مَنْزِلَهُ فَقَالَتْ لَهُ يَا فَتَى اسْمَعْ مِنِّي كَلِمَاتٍ أُكَلِّمُكَ بِهَا ثُمَّ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَمَضَى وَلَمْ يُكَلِّمْهَا ثُمَّ وَقَفَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِهِ وَهُوَ يُرِيدُ مَنْزِلَهُ فَقَالَتْ لَهُ يَا فَتَى اسْمَعْ مِنِّي كَلِمَاتٍ أُكَلِّمُكَ بِهَا
стр. 513
فَأَطْرَقَ مَلِيًّا وَقَالَ لَهَا هَذَا مَوْضِعُ تُهْمَةٍ وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ لِلْتُهْمَةِ مَوْضِعًا
فَقَالَتْ لَهُ وَاللَّهِ مَا وَقَفْتُ مَوْقِفِي هَذَا جَهَالَةً مَنِّي بِأَمْرِكَ وَلَكِنْ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَشَرَّفَ الْعُبَّادُ إِلَى مِثْلِ هَذَا مِنِّي وَاللَّهِ إِنَّ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى أَنْ لَقِيتُكَ فِي هَذَا الأَمْرِ بِنَفْسِي لِمَعْرِفَتِي أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ هَذَا عِنْدَ النَّاسِ كَثِيرٌ وَأَنْتُمْ مَعَاشِرَ الْعُبَّادِ فِي مِثَالِ الْقَوَارِيرِ أَدْنَى شَيْءٍ يُعِيبُهُ وَجُمْلَةُ مَا أُكَلِّمُكَ بِهِ أَنَّ جَوَارِحِي كُلَّهَا مَشْغُولَةٌ بِكَ فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أَمْرِي وَأَمْرِكَ
قَالَ فَمَضَى الشَّابُّ إِلَى مَنْزِلِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّي فَلَمْ يَعْقِلْ كَيْفَ يُصَلِّي فَأَخَذَ قِرْطَاسًا وَكَتَبَ كِتَابًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ فَإِذَا بِالْمَرْأَةِ وَاقِفَةً فِي مَوْضِعِهَا فَأَلْقَى إِلَيْهَا الْكِتَابَ وَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ
وَكَانَ الْكِتَابُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اعْلَمِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ أَنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا عُصِيَ حَلِمَ فَإِذَا عَاوَدَ الْعَبْدُ الْمَعْصِيَةَ سَتَرَهُ فَإِذَا لَبِسَ لَهَا مَلابِسَهَا غَضِبَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ غَضْبَةً تَضِيقُ مِنْهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ فَمَنْ ذَا يُطِيقُ غَضْبَهُ
فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتِ بَاطِلا فَإِنِّي أُذَكِّرُكِ يَوْمًا تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَصِيرُ الْجِبَالِ كَالْعِهْنِ وَتَجْثُو الأُمُمُ لِصَوْلَةِ الْجَبَّارِ الْعَظِيمِ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ ضَعُفْتُ عَنْ إِصْلاحِ نَفْسِي فَكَيْفَ بِإِصْلاحِ غَيْرِي
وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتِ حَقًّا فَإِنِّي أَدُلُّكِ عَلَى طَبِيبٍ هُوَ أَوْلَى بِالْكُلُومِ الْمُمْرِضَةِ وَالْوِجَاعِ الْمُرْمِضَةِ ذَلِكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَاقْصُدِيهِ عَلَى صِدْقِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنِّي مُتَشَاغِلٌ عَنْكِ بِقَوْلِهِ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تخفي الصُّدُور﴾ فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ
стр. 514
ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ فَوَقَفَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ فَلَمَّا رَآهَا مِنْ بَعِيدٍ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى مَنْزِلِهِ لِئَلا يَرَاهَا
فَقَالَتْ يَا فَتَى لَا تَرْجِعْ فَلا كَانَ الْمُلْتَقَى بَعْدَ هَذَا أَبَدًا إِلا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
وَبَكَتْ بُكَاءً كَثِيرًا ثُمَّ قَالَتْ أَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ قَلْبِكَ أَنْ يُسَهِّلَ مَا قَدْ عُسِّرَ مِنْ أَمْرِكَ ثُمَّ تَبِعَتْهُ فَقَالَتِ امْنُنْ عَلَيَّ بِمَوْعِظَةٍ أَحْمِلُهَا عَنْكَ وَأَوْصِنِي بِوَصِيَّةٍ أَعْمَلُ عَلَيْهَا
فَقَالَ لَهَا الْفَتَى أُوصِيكِ بِحِفْظِ نَفْسِكِ مِنْ نَفْسِكِ وَأُذَكِّرُكِ قَوْلَهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جرحتم بِالنَّهَارِ﴾
قَالَ فَأَطْرَقَتْ وَبَكَتْ بُكَاءً أَشَدَّ مِنْ بُكَائِهَا الأَوَّلِ ثُمَّ أَفَاقَتْ ثُمَّ لَزِمَتْ بَيْتَهَا وَأَخَذَتْ فِي الْعِبَادَةِ
قَالَ فَكَانَتْ إِذَا جَهِدَ بِهَا الأَمْرُ تَدْعُو بِكِتَابِهِ فَتَضَعُهُ عَلَى عَيْنَيْهَا فَيُقَالُ لَهَا وَهَلْ يُغْنِي هَذَا شَيْئًا فَتَقُولُ وَهَلْ لِي دَوَاءٌ غَيْرُهُ
وَكَانَ إِذَا جَنَّ عَلَيْهَا اللَّيْلُ قَامَتْ إِلَى مِحْرَابِهَا فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ كَمَدًا
فَكَانَ الْفَتَى يَذْكُرُهَا ثُمَّ يَبْكِي عَلَيْهَا فَيُقَالُ لَهُ مِمَّ بُكَاؤُكَ وَأَنْتَ أَيَّسْتُهَا فَيَقُولُ إِنِّي ذَبَحْتُ طَمَعِي مِنْهَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ وَجَعَلْتُ قَطْعَهَا ذَخِيرَةً لِي عِنْدَ اللَّهِ وَإِنِّي لأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَسْتَرِدَّ ذَخِيرَةً ادَّخَرْتُهَا عِنْدَهُ
قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ قَالَ لَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الأَزَجِيُّ وَوَجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ مَسْمُوعَةٍ
стр. 515
عَن الزبنبي زِيَادَةً ثُمَّ إِنَّ الْجَارِيَةَ لَمْ تَلْبَثْ أَنْ بُلِيَتْ بِبَلِيَّةٍ فِي جِسْمِهَا فَكَانَ الطَّبِيبُ يُقَطِّعُ مِنْ لَحْمِهَا أَرْطَالا وَكَانَ الطَّبِيبُ قَدْ عَرَفَ حَدِيثَهَا مَعَ الْفَتَى فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ لَحْمَهَا يُحَدِّثُهَا بِحَدِيثِ الْفَتَى فَمَا كَانَتْ تَجِدُ لِقَطْعِ لَحْمِهَا أَلَمًا وَلا كَانَتْ تَتَأَوَّهُ فَإِذَا سَكَتَ تَأَوَّهَتْ فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ كَمَدًا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ سَمِعْتُ مُعَافًى الْكُوفِيَّ يَقُولُ كَانَ عِنْدَنَا بِالْكُوفَةِ فَتًى مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَكَانَ نَاسِكًا لَهُ وَرَعٌ وَكَانَ يَنْزِلُ فِي كِنْدَةَ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَغْشَى مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَيَبْكِي حَتَّى يَرِقَّ لَهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَيَبْكُونَ لِبُكَائِهِ وَكَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ النُّطْقِ
قَالَ فَرَأَتْهُ امْرَأَةٌ مِمَّنْ كَانَ يَحْضُرُ الْمَجَالِسِ فَأَحَبَّتْهُ فَكَانَتْ لَا تَكَادُ تُفَارِقُ الْمَجَالِسَ الَّتِي تَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْضَرُهَا فَإِذَا انْصَرَفَ قَامَتْ لَهُ بِالطَّرِيقِ فَإِذَا مَرَّ بِهَا تَنَفَسَّتِ الصَّعْدَاءَ ثُمَّ قَالَتْ
أَلا أَيُّهَا الْمَاشِي بِسَمْتٍ وَهَيْئَةٍ ... وَوَجْهٍ جَمِيلٍ مَا لَنَا فِيكَ مَطْمَعُ
أَمُوتُ وَأَحْيَا عِنْدَ ذِكْرِكَ تَارَةً ... فَفِي الْقَلْبِ مِنِّي حُرْقَةٌ لَيْسَ تُرْفَعُ
أَلَيْسَ عَجِيبًا عَاشِقٌ يَكْتُمُ الْهَوَى ... يُعَلِّلُ بِالآمَالِ قَلْبًا يُقَطَّعُ
بِمَنْ لَيْسَ يَدْرِي أَنَّنِي فِي وِثَاقِهِ ... بِرَوْضَةِ أَحْزَانٍ بِهَا الْحُزْنُ يُزْرَعُ
قَالَ ثُمَّ تَوَلَّى فَكَانَ هَذَا دَأَبُهَا حِينًا وَالْفَتَى فِي غَفْلَةٍ لَا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِنْهُ
стр. 516
فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَخَشِيَتْ أَنْ تُبْدِيَ بِهِ وَقَفَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الَّتِي كَانَ يَمُرُّ فِيهَا فَقَالَتْ
أَلا أَيُّهَا السَّاهِي وَلَيْسَ بِذِي سَهْوٍ ... رُوَيْدَكَ إِنِّي عَنْكَ لَسْتُ بِذِي لَهْوِ
قَالَ فَوَقَفَ فَقَالَ لَهَا مَا حَاجَتُكِ فَقَالَتْ أَتُنْصِفُ مِنْ نَاظِرِكَ أَمْ تجوز عَلَيْهِ فِي حُكْمِكَ إِذْ صَيَّرَ أَمْرَهُ إِلَيْكَ
فَقَالَ لَهَا وَيْحَكِ إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مَقَالَتَكِ إِنْكَارًا شَدِيد وَاسْتَوْحَشَتْ مِنْهَا جَوَارِحِي وَمَا أَجِدُ إِلَى الْوُقُوفِ مَعَكِ سَبِيلا أَحَتَجُّ بِهِ عِنْدَ رَبِّي غَدًا ثُمَّ وَلَّى وَتَرَكَهَا
فَأَتَى مَنْزِلَهُ مَغْمُومًا منا فَلَزِمَ مَنْزِلَهُ فَكَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَذَارًا أَنْ يَلْقَاهَا فَتُكَلِّمَهُ
قَالَ وَكَانَتِ امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ وَهَيْبَةٍ وَجَعَلَتْ تَطْلُبُهُ وَتَسْأَلُ عَنْهُ مَنْ يَعْرِفُهُ فَيُخْبِرُهَا أَنَّهُ قَدْ لَزِمَ بَيْتَهُ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا كَتَبَتْ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ
تَقُولُ الَّتِي قَدْ شَفَّهَا حُبُّ نَاسِكٍ ... وَأَمْرَضَهَا حَتَّى تَغَيَّرَ حَالُهَا
وَصَيَّرَهَا مِثْلَ الْقَضِيبِ بِرَوْضَةٍ ... تُزَعْزِعُهُ ضَعْفًا هُنَاكَ شَمَالُهَا
وَخَلاهُ لِلأَحْزَانِ فَرْدًا معذبا ... وَمَالِي وَالْأَحْزَان مَالِي وَمَالهَا
أَفِي النُّسْكِ أَنْ لَا تَرْحَمَ الْيَوْمَ عَاشِقًا ... شَكَا حُرْقَةً فِي الْقَلْبِ مِنْ ظَالِمٍ لَهَا
قَالَ وَبَعَثَتْ بِهَا إِلَيْهِ وَقَالَتْ لِلرَّسُولِ أخبريه بِمَا ترى مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُسَهِّلَ أَمْرَهُ وَيُعَطِّفَ قَلْبَهُ وَلا تُقَصِّرِي فِي تَرْغِيبِهِ فِيَّ وَمَاله فِي ذَلِكَ مِنَ الأَجْرِ
قَالَ فَأَتَتْهُ الْمَرْأَةُ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهَا فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنِّي قَدْ حَمَلْتُ نَفْسِي عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِي غَيْرَ أَنِّي تَحَمَّلْتُهُ
стр. 517
رَجَاءَ الثَّوَابِ وَحُسْنِ الْجَزَاءِ مِنَ اللَّهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُلْقِيَ إِلَيْكَ أَمْرًا لَسْتُ أُحِبُّ فِيهِ مُفَارَقَةَ الْحَقِّ فَإِنِّي رَأَيْتُ كُلَّ بَاطِلٍ عِنْدَ الْحَقِّ مُضْمَحِلًّا وَكُلَّ أَمْرٍ يَدْعُو إِلَى ضَرَرٍ فِي الآخِرَةِ فَاسِدًا
فَقَالَ قُولِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ مَا بَدَا لَكِ أَنْ تَقُولِي وَدَعِي الإِكْثَارَ فَإِنَّ النَّهَارَ يَمْضِي وَالسَّاعَاتِ تُحْصَى
قَالَ فَأَقْرَأَتْهُ الشِّعْرَ وَأَخْبَرَتْهُ بِحَالِهَا فَقَالَ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ إِنَّ لِلَّهِ مِحَنًا يَمْتَحِنُ بِهَا عِبَادَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَأَحِبَّاءَهُ لِيَنْظُرَ كَيْفَ طَاعَتُهُمْ لَهُ وَكَيْفَ إِيثَارُهُمْ إِيَّاهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ وَمَا أَظُنُّ إِلا أَنَّ اللَّهَ ابْتَلانِي بِمَا ذَكَرْتِ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لِيَمْتَحِنَنِي وَوَاللَّه مَالِي طَاقَةٌ بِمِحَنِ رَبِّي إِنْ لَمْ يُوَفِّقْنِي وَيُثَبِّتْنِي وَاللَّهِ لَمُفَارَقَةُ الأَحِبَّةِ فِي مَرْضَاتِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمُقَامِ مَعَهُمْ وَالاشْتِغَالِ بِمَا يَقْطَعُنِي عَنْ خِدْمَتِهِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ فَأَبْلِغِيهَا عَنِّي السَّلامَ وَقُولِي لَهَا قَدْ سَمِعْتُ دَعَوْاكِ وَمَا ذَكَرْتِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِرَاضٍ عَنْ نَفْسِي فِي خِدْمَةِ مَنْ إِلَيْهِ فَقْرِي وَحَاجَتِي فَكَيْفَ إِذَا عَلِقْتُهَا بِبَلاءٍ لَا يُمْكِنُنِي التَّخَلُصَ مِنْهُ
قَالَ فَخَرَجَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَأَتَتْهَا وَأَخَبْرَتْهَا بِمَقَالَتِهِ فَجَعَلَتْ تَبْكِي ثُمَّ قَالَتْ لَهَا فَكَيْفَ كَانَ إِنْصَاتُهُ لِكَلامِكِ حِينَ أَنْشَدْتِهِ الشِّعْرَ قَالَتْ يَا أُخْتَاهُ رَأَيْتُ رَجُلا مُزْوَرًّا مُسْتَوْقِرًا كَأَنَّهُ قَدْ نَصَبَ الآخِرَةَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَأَبْقِي عَلَى نَفْسِكِ وَلا تُهْلِكِيهَا فَتَنْدَمِي حِينَ لَا تُغْنِي النَّدَامَةُ
قَالَ فَلَزِمَتْ مَنْزِلَهَا وَقَالَتْ وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى مَوْضِعٍ أَبَدًا وَلأَجْعَلَنَّهُ قَبْرِي أَيَّامَ حَيَاتِي
قَالَ ثُمَّ لَزِمَتِ الصَّلاةَ فَكَانَتْ لَا تَهْتَدِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مِنَ الصَّلاةِ فَكَانُوا يَسْمَعُونَهَا فَكَانَتْ تَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ
فَقَالَتْ
стр. 518
إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ غَلَبَ عَلَى قَلْبِي ذِكْرُهُ حَتَّى لَا يُفَارِقَنِي وَإِنِّي لأَذْكُرُ ذُنُوبِي فَأَبْكِي عَلَى تَفْرِيطِي ثُمَّ أَذْكُرُهُ فَأَبْكِي عَلَيْهِ فَيَهِيجُ مِنْ قَلْبِي شَجْوٌ لَا يُشْبِهُهُ شَجْوٌ وَإِنِّي أَسْأَلُ الَّذِي حَرَمَنِي قُرْبَهُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُنْسِيَنِي ذِكْرَهُ وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي دَارِهِ
قَالَ وَمَرِضَتْ مَرَضًا شَدِيدًا وَبُلِيَتْ فِي بَدَنِهَا بَلاءً عَظِيمًا قَالَ فَكَانَ الْمُعَالِجُ إِذَا بَدَأَ بِمُعَالَجَتِهَا حَادَثَهَا فَيَقُولُ يَا فُلانَةُ مَا هَذَا الْجَزَعُ الَّذِي تَجْزَعِينَ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَجُلا هُوَ أَهْيَأُ وَلا أَحْسَنُ هَدْيًا وَلا أَصْبَرُ عَلَى بَلاءٍ إِذَا نَزَلَ بِهِ مِنْ فَتَى فِي جِيرَانِي يُقَالُ لَهُ فُلانٌ يَعْنِي صَاحِبَهَا فَتَسْكُتُ ثُمَّ تَقُولُ هِيَ حَدِّثْنِي وَهُوَ يُقَطِّعُ مِنْ لَحْمِهَا وَكَأَنَّهَا لِمَا غَلَبَ عَلَى قَلْبِهَا مِنَ الْمَحَبَّةِ لِذِكْرِهِ لَا تُحِسُّ بِمَا يُصْنَعُ بِهَا فَإِذَا كَفَّ عَنْ ذِكْرِهِ تَوَجَّعَتْ وَجَزَعَتْ فَمَا زَالَتْ فِي حَالِهَا تِلْكَ حَتَّى مَاتَتْ
فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي جَِنَازَتِهَا مُغَطَّى الرَّأْسِ حَتَّى دَفَنَهَا وَكُنْتُ كَثِيرًا إِذَا مَرَرْتُ بِالْمَقَابِرِ أُرَاهُ عِنْدَ قَبْرِهَا
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا صَاعِدُ بْنُ سَيَّارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ ابْن أَبِي سَهْلٍ الْغَوْرَجِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى السَّلامِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْفُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَلاءُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ قَالَ بِتُّ عِنْدَ بَعْضِ الأَعْرَابِ فِي الْبَادِيَةِ وَلَهُ وَلَدٌ مُضْنَى عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ لِي أَبُوهُ ابْنِي هَذَا قَدْ نَزَلَ بِهِ مَا ترى من الشعق فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ أَنْشِدْنِي شَيْئًا فَقُلْتُ لَسْتُ بِشَاعِرٍ فَقَالَ لَوْلا أَنَّكَ ضَيْفٌ لَسَأَلْتُكَ أَنْ تَحُدِّثَنِي وَلَكِنْ مِنْ حَقِّ الضِّيَافَةِ أَنْ يُحَدَّثَ الضَّيْفُ فَقُلْتُ لَهُ فَمَا حَالُكَ فَحَدَّثَنِي بِحَدِيثٍ طَوِيلٍ ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً وَقَالَ
стр. 519
كَأَنَّ فُؤَادِي طَائِرٌ حَانَ وِرْدُهُ ... فَهَزَّ جَنَاحَيْهِ اشْتِيَاقًا إِلَى الْوِرْدِ
ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ فَكُنْتُ فِيمَنْ صلى عَلَيْهِ
أخبرنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالَ وَجَدْتُ بِخَطِّ ابْنِ حَيُّوَيْهِ يَقُولُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَم ابْن عَدِيٍّ عَنِ الْهَيْثَمِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ قَالَ هَوِيَ فَتًى مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَتَاةً مِنْ فَخْذِهِ وَكَانَ أَيْسَرَ مِنْهَا وَأَغْنَى وَكَانَ أَبُوهُ يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا وَيُرِيدُ لَهُ أَشْرَفَ مِنْهَا وَأَيْسَرَ وَيُعْرِضُ عَلَيْهِ غَيْرَهَا فَيَأْبَى إِلا هِيَ وَكَانَ أَبُوهَا قَدْ حَبَسَهَا عَلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَلَمَّا طَالَ عَلَى أَبِيهَا وَأَيِسَ مِنْهُ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَقِيَهَا الْفَتَى يَوْمًا فَقَالَ لَهَا
لَعَمْرِي يَا سُعْدَى لَطَالَ تَأَيُّمِي ... وَمَعْصِيَتِي شَيْخَيَّ فِيكِ كِلَيْهِمَا
وَتَرْكِي ذَا الْحَيَّيْنِ لَمْ أَبْغِ مِنْهُمَا ... سِوَاكِ وَلَمْ يَرْبَعْ هَوَايَ عَلَيْهِمَا
فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ
حَبِيبِي لَا تَعْجَلْ لِتَفْهَمَ حُجَّتِي ... كَفَانِيَ مَا بِي مِنْ بَلاءٍ وَمِنْ جَهْدِ
وَمِنْ عَبَرَاتٍ تَعْتَرِينِي وَزَفْرَةٍ ... تَكَادُ لَهَا نَفْسِي تُسَلُّ مِنَ الْوِجْدِ
غُلِبْتُ عَلَى نَفْسِي جِهَادًا وَلَمْ أُطِقْ خِلافًا عَلَى أَهْلِي بِهَزْلٍ وَلا جِدِّ
وَلَنْ يَمْنَعُونِي أَنْ أَمُوتَ بِرَغْمِهِمْ ... غَدًا جَوْفَ هَذَا الْغَارِ فِي جَدَثٍ وَحْدِي
فَلَا تنس أَن تأني هُنَاكَ فَتَلْتَمِسْ ... مَكَانِي فَتَسْلُوَ مَا تَحَمَّلْتَ مِنْ جَهْدِ
فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ أَتَاهَا حَيْثُ زَعَمَتْ لَهُ فَوَجَدَهَا مَيِّتَةً فَأَدْخَلَهَا شِعْبًا ثُمَّ الْتَزَمَهَا فَمَاتَ مَعَهَا قَالَ فَالْتُمِسَا حَوْلا فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمَا خَبَرٌ فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي هُمَا فِيهِ وَكَانَ الْجَبَلُ يُدْعَى أَعْرَافًا
إِنَّ الْكَرِيمَيْنِ ذَوِي التَّصَافِي ... الذَّاهِبَيْنِ بِالْوَفَاءِ الصَّافِي
стр. 520
وَاللَّهِ مَا لَقِيتُ فِي تِطْوَافِي ... أَبْعَدَ مِنْ غَدْرٍ وَمِنْ إِخْلافِ
من ميتين فِي ذرا أَعْرَافِ ...
قَالَ فَصَعَدَ الْقَوْمُ الْجَبَلَ فَوَجَدُوهُمَا مَيِّتَيْنِ فَوَارَوْهُمَا
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنِ الْعُمَرِيِّ قَالَ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحبشاني يعشق صفراء العلاقمية وَكَانَتْ سَوْدَاءَ فَاشْتَكَى مِنْ حُبِّهَا وَضَنِيَ حَتَّى صَارَ إِلَى حَدِّ الْمَوْتِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِهِ لِمَوْلاهَا لَوْ وَجَّهْتَ صَفْرَاءَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُبْشَانِيِّ فَلَعَلَّهُ يَعْقِلُ إِذَا رَآهَا فَفَعَلَ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ صَفْرَاءُ قَالَتْ كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بِخَير مالم تَبْرَحِي قَالَتْ مَا تَشْتَهِي قَالَ قُرْبَكِ قَالَتْ فَمَا تَشْتَكِي قَالَ حُبَّكِ قَالَتْ فَتُوصِي بِشَيْءٍ قَالَ نَعَمْ أُوصِي بِكِ إِنْ قَبِلُوا مِنِّي فَقَالَتْ إِنِّي أُرِيدُ الانْصِرَافَ قَالَ فَتَعَجَّلِي ثَوَابَ الصَّلاةِ عَلَيَّ فَقَامَتْ فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا رَآهَا مُوَلِّيَةً تَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَرْبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الأَزْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ وَفَدَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَحَدَّثَهُ قَالَ اشْتَرَيْتُ جَارِيَةً مُوَلَّدَةً بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ فَوُصِفَتْ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ إِمَّا تُهْدِيَهَا لِي وَإِمَّا أَنْ تَبِيعَهَا بِحُكْمِكَ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ لَا تَخْرُجْ وَاللَّهِ عَنْ مِلْكِي بِبِيَعٍ وَلا هِبَةٍ أَبَدًا
وَمَكَثَتْ عِنْدِي عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَا أَزْدَادُ لَهَا إِلا حُبًّا حَتَّى أَتَتْنِي عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِنَا فَذَكَرَتْ أَنَّ بَعْضَ عُزَّابِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَهْوَاهَا وَأَنَّهُ يَجِيءُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مُتَنَكِّرًا فَيَقِفُ بِالْبَابِ حَتَّى ي يَسْمَعَ غِنَاءَهَا فَرَاعَيْتُ مَجِيئَهُ لَيْلَةً فَإِذَا بِهِ قَدْ أَقْبَلَ مُتَقَّنِعَ
стр. 521
الرَّأْسِ حَتَّى قَعَدَ مُسْتَخْفِيًا فَدَعَوْتُ قَيَّمَةَ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ انْطَلِقِي السَّاعَةَ فَأَصْلِحِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَحْسَنَ مَا أَمْكَنَ وَعَجِّلِي بِهَا إِلَيَّ فَلَمَّا جَاءَتْ بِهَا نَزَلْتُ قَابِضًا عَلَى يَدِهَا وَفَتَحْتُ الْبَابَ ثُمَّ حَرَّكْتُ الرَّجُلَ فَانْتَبَهَ مَذْعُورًا فَقُلْتُ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ خُذْ بِيَدِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ هِيَ لَكَ فَإِذَا هَمَمْتَ بِبَيْعِهَا فَارْدُدْهَا إِلَيَّ فَدُهِشَ الْفَتَى وَلُبِطَ بِهِ فَدَنَوْتُ إِلَى أُذُنِهِ فَقُلْتُ وَيْحَكَ قَدْ أَظْفَرَكَ اللَّهُ بِبُغْيَتِكَ فَانْصَرِفْ إِلَى مَنْزِلِكَ فَإِذَا الْفَتَى مَيِّتٌ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ وَهَانَتِ الْجَارِيَةُ فِي عَيْنِي وَكَرِهْتُ أَنْ أُوَجِّهَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ فَيَعْلَمَ حَالَهَا أَوْ تُخْبِرَهُ عَنْ نَفْسِهَا فَيَحْقِدَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَمَكَثَتْ مُدَيْدَةً ثُمَّ مَاتَتْ وَلا أَظُنُّهَا مَاتَتْ إِلا كَمَدًا وَأَسَفًا عَلَى الْفَتَى
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ سَيَّارٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَاصِمٍ يَقُولُ قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ بَعْضِ إِخَوَانِي هَلْ لَكَ فِي عَاشِقٍ تَرَاهُ
فَمَضَيْتُ مَعَهُ فَرَأَيْتُ فَتًى كَأَنَّمَا نُزِعَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِإِزَارٍ مُرْتَدٍ بِآخَرَ وَإِذَا هُوَ مُفَكِّرٌ وَفِي سَاعِدِهِ وَرْدَةٌ فَذَكَرْنَا لَهُ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ فَتَهَيَّجَ وَقَالَ
جَعَلْتُ مِنْ وَرْدَتِهَا ... تَمِيمَةً فِي عَضُدِي
أَشُمُّهَا مِنْ حُبِّهَا ... إِذَا عَلانِي جَهْدِي
فَمَنْ رَأَى مِثْلِي فَتًى ... بِالْحُزْنِ أَضْحَى مُرْتَدِي
أَسْقَمَهُ الْحُبُّ وَقَدْ ... صَارَ قَلِيلَ الأَوَدِ
وَصَارَ سَاهٍ دَهْرَهُ ... مُقَارِنًا لِلْكَمَدِ
أَلا فَمَنْ يَرْحَمُ أَوْ ... يَرِقُّ لِي مِنْ كَمَدِ
стр. 522
ثُمَّ أَطْرَقَ فَقُلْتُ مَا شَأْنُهُ قَالُوا عَاشِقٌ جَارِيَةً لِبَعْضِ أَهْلِهِ فَأَعْطَى بِهَا كُلَّ مَا يَمْلِكُ وَهُوَ سبعمائه دِينَارٍ فَأَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا فَنَزَلَ بِهِ مَا تَرَى وَفَقَدَ عَقْلَهُ
قَالَ فَخَرَجْنَا فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ فَحَضَرْتُ جَِنَازَتَهُ فَلَمَّا سُوِّيَ عَلَيْهِ إِذَا بِجَارِيَةٍ تَسْأَلُ عَنِ الْقَبْرِ فَدَلَلْتُهَا عَلَيْهِ فَمَا زَالَتْ تَبْكِي وَتَأْخُذُ التُّرَابَ فَتَجْعَلُهُ فِي شَعْرِهَا
فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِك إد جَاءَ قَوْمٌ يَسْعَوْنَ فَأَقْبَلُوا عَلَيْهَا ضَرْبًا فَقَالَتْ شَأْنُكُمْ وَاللَّهِ لَا تَنْتَفِعُونَ بِي بَعْدَهُ أَبَدًا
وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الإِبَرِيُّ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِي قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَاصِمٍ يَقُولُ قَالَ لِي رجل أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ بَعْضِ إِخَوَانِي أُرِيكَ فَتًى عَاشِقًا قُلْتُ بَلَى وَاللَّهِ فَإِنِّي أَسْمَعُ النَّاسَ يُنْكِرُونَ الْعِشْقَ وَذِهَابَ الْعَقْلِ فِيهِ وَإِنِّي لأُحِبُّ رُؤْيَتَهُ فَعِدْنِي يَوْمًا أَجِيءُ مَعَكَ فِيهِ
قَالَ فَوَعَدْتُهُ يَوْمًا فَمَضَيْنَا فَأَنْشَأَ صَاحِبِي يَحُدِّثُنِي عَنْ نُسُكِهِ وَعِبَادَتِهِ وَمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الاجْتِهَادِ قُلْتُ وَبِمَنْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ قَالَ بِجَارِيَةٍ لِبَعْضِ أَهْلِهِ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا مِنْهُ فَأَبَوْا وَبَذَلَ لَهُمْ جَمِيعَ مُلْكِهِ وَهُوَ سَبْعمِائة دِينَارٍ فَأَبَوْا عَلَيْهِ ضِرَارًا وَحَسَدًا أَنْ يَكُونَ مِثْلَهَا فِي مُلْكِهِ
فَلَمَّا أَبَوْا عَلَيْهِ بَعَثَتْ إِلَيْهِ الْجَارِيَةُ وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا مُرْنِي بِأَمْرِكَ فَوَاللَّهِ لأُطِيعَنَّكَ وَلأَنْتَهِيَنَّ إِلَى أَمْرِكَ فِي كُلِّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عَلَيْكِ بِطَاعَةِ
стр. 523
اللَّهِ فَإِنَّ عَلَيْهَا الْمُعَوِّلَ وَالسُّكُونَ إِلَيْهَا وَبِطَاعَةِ مَنْ يَمْلِكُ رِقَّكِ فَإِنَّهَا مَضْمُومَةٌ إِلَى طَاعَةِ رَبِّكِ وَدَعِي الْفِكْرَ فِي أَمْرِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فَرَجًا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ بِالَّذِي تَطِيبُ نَفْسِي بِنَيْلِ شَيْءٍ أُحِبُّهُ أَبَدًا فِي مُلْكِي فَأُمْنَعُهُ أَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ حَرَامًا بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَكِنْ أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرِي فَلْيَكُنْ هَذَا آخِرُ رُسُلُكِ إِلَيَّ وَلا تَعُودِي فَإِنِّي أَكْرَهُ وَاللَّهِ أَنْ يَرَانِي اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَا فِي قَبْضَتِهِ مُلْتَمِسًا أَمْرًا يَكْرَهُهُ مِنِّي
فَعَلَيْكِ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا عِصْمَةٌ لأَهْلِ طَاعَتِهِ وَفِيهَا سُلُوٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ قَالَ ثُمَّ لَزِمَ الاجْتِهَادَ الشَّدِيدَ وَلَبِسَ الشَّعْرَ وَتَوَّحَدَ فَكَانَ لَا يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ إِلا مِنْ لَيْلٍ إِلَى لَيْلٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَشْغُولُ الْقَلْبِ بِذِكْرِهَا مَا يَكَادُ يُفَارِقُهُ
فَوَاللَّهِ مَا زَالَ الأَمْرُ بِهِ حَتَّى قَطَّعَهُ فَهُوَ الآنَ ذَاهِبُ الْعَقْلِ وَالِهٌ فِي مَنْزِلِهِ
قَالَ ثُمَّ صِرْنَا إِلَى الْبَابِ فَاسْتَأْذَنَّا فَأُذِنَ لَنَا
قَالَ عَلِيٌّ فَدَخَلْتُ إِلَى دَارٍ قَوْرَاءَ سَرِيَّةٍ وَإِذَا أَنَا بِشَابٍّ فِي وَسَطِ الدَّارِ على حَصِير متزر بإزار مُرْتَد بآخر
قَالَ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يُرُدَّ عَلَيْنَا السَّلامَ فَجَلَسْنَا إِلَى جَنْبِهِ فَإِذَا هُوَ مِنْ أَجْمَلِ مَنْ رَأَيْتُ وَجْهًا وَهُوَ مُطْرِقٌ يَنْكِتُ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى سَاعِدِهِ ثُمَّ يَتَنَفَّسُ الصَّعْدَاءَ حَتَّى أَقُولَ قَدْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كَالْخَلالِ مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الَّذِي بِهِ
قَالَ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِوَرْدَةٍ حَمْرَاءَ مَشْدُودَةٍ فِي عَضُدِهِ قَالَ فَقُلْتُ لِصَاحِبِي مَا هَذِهِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ الْعَامَ وَرْدًا قَبْلَ هَذِهِ فَقَالَ أَظُنُّ فُلانَةً سَمَّاهَا بَعَثَتْ بِهَا إِلَيْهِ فَلَمَّا سَمَّاهَا رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْنَا ثُمَّ قَالَ
جَعَلْتُ مِنْ وَرْدَتِهَا ... تَمِيمَةً فِي عَضُدِي
أَشُمُّهَا مِنْ حُبِّهَا ... إِذَا عَلانِي كَمَدِي
стр. 524
فَمَنْ رَأَى مِثْلِي فَتًى ... بِالْحُزْنِ أَضْحَى مُرْتَدِي
أَسْقَمَهُ الْحُبُّ فَقَدْ ... صَارَ حَلِيفَ الأَوَدِ
وَصَارَ سَهْوًا دَهْرُهُ ... مُقَارِنًا لِلْكَمَدِ
قَالَ ثُمَّ أطرق فَقلت السَّاعَة وَالله يَمُوت
قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ وَوَرَدَ على من أمره مالم أَتَمَالَكْ وَقُمْتُ أَجُرُّ رِدَائِي فَوَاللَّهِ مَا بَلَغْتُ الْبَابَ حَتَّى سَمِعْتُ الصُّرَاخَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالُوا مَاتَ وَاللَّهِ
قَالَ عَلِيٌّ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَشْهَدَهُ
قَالَ وَتَسَامَعَ النَّاسُ فَجَاءُوا بِطَبِيبٍ فَقَالَ خُذُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِكُمْ فَقَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَدَفَنُوهُ وَانْصَرَفَ النَّاسُ فَقَالَ لِي صَاحِبِي امْضِ بِنَا فَقُلْتُ امْضِ أَنْت فَإِنِّي أُرِيد الْجُلُوس هَا هُنَا سَاعَةً فَمَضَى فَمَا زِلْتُ أَبْكِي وَأَعْتَبِرُ بِهِ وَأَذْكُرُ أَهْلَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَا هُمْ فِيهِ
قَالَ فَبَيْنَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ كَأَنَّهَا مَهَاةٌ وَهِيَ تُكْثِرُ الالْتِفَاتَ فَقَالَتْ لِي يَا هَذَا أَيْنَ دُفِنَ هَذَا الْفَتَى قَالَ عَلِيٌّ فَرَأَيْتُ وَجْهَهَا مَا رَأَيْتُ قَبْلَهُ مِثْلَهُ فَأَوْمَأْتُ إِلَى قَبْرِهِ
قَالَ فَذَهَبت إِلَيْهِ فوَاللَّه ماتركت عَلَى الأَرْضِ كَثِيرَ تُرَابٍ إِلا أَلْقَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا وَجَعَلَتْ تَتَمَرَّغُ فِيهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهَا سَتَمُوتُ فَمَا كَانَ أَسْرَعَ مِنْ أَنْ طَلَعَ الْقَوْمُ يَسْعَوْنَ حَتَّى جَاءُوا إِلَيْهَا وَأَخَذُوهَا فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهَا فَقُمْتُ إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ رِفْقًا بِهَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ قَالَتْ دَعْهُمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ يَبْلُغُوا هِمَّتَهُمْ فَوَاللَّهِ لَا انْتَفَعُوا بِي أَبَدًا بَعْدَهُ أَيَّامَ حَيَاتِي فَلْيَصْنَعُوا بِي مَا شَاءُوا
فَإِذَا هِيَ الَّتِي كَانَ يُحِبُّهَا الْفَتَى فَانْصَرَفْتُ
стр. 525
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا التَّنُوخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ ذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان العذري وكا ينزل الْكُوفَة قَالَ رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ مَيْسَرَةَ وَكَانَ كَهَيْئَةِ الْخَيَالِ وَكَأَنَّهُ صُبِغَ بِالْوَرْسِ لَا يَكَادُ يُكَلِّمُ أَحَدًا وَلا يُجَالِسُهُ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عاشق فَكَانُوا يسألوه عَنْ قِصَّتِهِ فَيَقُولُ
يُسَائِلُنِي ذُو اللُّبِّ عَنْ طُولِ عِلَّتِي ... وَمَا أَنا بالمبدي لذا النَّاسِ عِلَّتِي
سَأَكْتُمُهَا صَبْرًا عَلَى حَرِّ جَمْرِهَا ... وَأَكْتُمُهَا إِذْ كَانَ فِي السِّرِّ رَاحَتِي
إِذَا كُنْتُ قَدْ أَبْصَرْتُ مَوْضِعَ عِلَّتِي ... وَكَانَ دَوَائِي فِي مَوَاضِعِ لَذَّتِي
صَبَرْتُ عَلَى دَائِي احْتِسَابًا وَرَغْبَةً ... وَلَمْ أَكُ أُحْدُوثَاتِ أَهْلِي وَخُلَّتِي
قَالَ فَمَا أَظْهَرَ أَمْرَهُ وَلا عَلِمَ أَحَدٌ بِقِصَّتِهِ حَتَّى كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي كَانَتْ بِي مِنْ أَجْلِ فُلانَةَ ابْنَةِ عَمِّي وَاللَّهِ مَا حَجَبَنِي عَنْهَا وَأَلْزَمَنِي الضُّرَّ إِلا خَوْفُ اللَّهِ لَا غَيْرَ فَمَنْ بُلِيَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ فَلا يَكُنْ أَحَدٌ أَوْثَقُ عِنْدَهُ بِسِّرِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَلَوْلا أَنَّ الْمَوْتَ نَازِلٌ بِي السَّاعَة مَا حدثتكم فأقرءوها مِنِّي السَّلامَ وَمَاتَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ وَجَدْتُ بِخَطِّ ابْنِ حَيُّوَيْهِ وَنَقَلْتُهُ مِنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْعُتْبِيُّ عَنْ شَبَابَةَ بْنِ الْوَلِيدِ الْعُذْرِيِّ أَنَّ فَتًى مِنْ عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ كَانَ عَاشِقًا لابْنَةِ عَمٍّ لَهُ عِشْقًا شَدِيدًا فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً ثُمَّ إِنَّهُ قَعَدَ بِضْعِ عِشْرَةَ سَنَةً لَا يُحَسُّ لَهُ خَبَرٌ
стр. 526
قَالَ شَبَابَةُ فَاضْتَلَلْتُ إِبِلا لِي فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهَا فَبَيْنَا أَنَا أَسِيُرُ فِي الرِّمَالِ إِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِف بِصَوْت ضَعِيف
يَا بن الْوَلِيدِ أَلا تَحْمُونَ جَارَكُمْ ... وَتَحْفَظُونَ لَهُ حَقَّ الْقُرَابَاتِ
عَهْدِي إِذَا جَارُ قَوْمٍ نَابَهُ حَدَثٌ ... وَقَوْهُ مِنْ كُلِّ مَفْرُوجِ الْمُلِمَّاتِ
هَذَا أَبُو مَالِكٍ الْمُمْسِي بِبَلْقَعَةٍ ... مَعَ الضباع وآسادج وَغَابَاتِ
طَلِيحُ شَوْقٍ بِنَارِ الْحُبِّ مُحْتَرِقٌ ... تَعْتَادُهُ زَفَرَاتٌ إِثَرَ لَوْعَاتِ
أَمَّا النَّهَارُ فَيُضْنِيهِ تَذَكُّرُهُ ... وَاللَّيْلُ مُرْتَقِبٌ لِلْصُبْحِ هَلْ يَاتِي
يَهْذِي بِجَارِيَةٍ مِنْ عُذْرَةَ اخْتَلَسَتْ ... فُؤَادَهُ فَهُوَ مِنْهَا فِي بَلِيَّاتِ
فَقُلْتُ دُلَّنِي عَلَيْهِ رَحِمَكَ اللَّهُ قَالَ نَعَمْ أَقْصُدُ الصُّوْتَ فَلَمَّا قَصَدْتُ سَمِعْتُ أَنِينًا مِنْ خِبَاءٍ فَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ
يَا رَسِيسَ الْهَوَى أَذَبْتَ فُؤَادِي ... وَحَشَوْتَ الْحَشَا عَذَابًا أَلِيمَا
فَدَنَوْتُ فَقُلْتُ أَبُو مَالِكٍ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ مَا بَلَغَ بت مَا أَرَى قَالَ حُبِّي سُعَادَ ابْنَةَ أَبِي الْهَيْذَامِ الْعُذْرِيِّ شَكَوْتُ يَوْمًا مَا أَجِدُ مِنْ حُبِّهَا إِلَى ابْنِ عَمٍّ لَنَا فَاحْتَمَلَنِي إِلَى هَذَا الْوَادِي مُنْذُ بِضْعِ عَشْرَةَ سَنَةٍ يَأْتِينِي كُلَّ يَوْمٍ بِخَبَرِهَا وَيَقُوتُنِي مِنْ عِنْدِهِ
فَقُلْتُ إِنِّي أَصِيرُ إِلَى أَهْلِهَا فَأُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَيْتُ قَالَ أَنْتَ وَذَلِكَ فَانْصَرَفت فَأَخْبَرتهمْ فرقوا لَهُ فَزَوجُوهُ بحضرتي فَرَجَعت إِلَيْهِ أفرج عَنهُ فَلَمَّا أخْبرته الْخَبَر حدد النّظر إِلَيّ ثمَّ تأوه تأوها شَدِيدا بلغ من قلبِي ثمَّ قَالَ
الآنَ إِذْ حَشْرَجَتْ نَفْسِي وَحَاضَرَهَا ... فِرَاقُ دُنْيَا وَنَادَاهَا مُنَادِيهَا
стр. 527
ثُمَّ زَفَرَ زَفْرَةً فَمَاتَ فَدَفَنْتُهُ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ فَأَقَامَتِ الْجَارِيَةُ بَعْدَهُ ثَلاثًا لَا تُطْعَمُ ثُمَّ مَاتَتْ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبْعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُتْبِيُّ عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ قَالَ رَأَيْتُ امْرَأَةً مُنْحَطَّةً عَلَى قَبْرٍ وَهِيَ تَقُولُ
فَيَا قَبْرُ لَوْ شَفَّعْتَنِي فِيهِ مَرَّةً ... فَأَخْرَجْتَهُ مِنْ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ
فَكُنْتُ أَرَى هَلْ غَيَّرَ التُّرْبِ وَجْهَهُ ... وَهَلْ عَاثَ دُودُ اللَّحْدِ فِي ذَلِكَ اللَّحْدِ
فَقُلْتُ لَهَا مَنْ صَاحِبُ الْقَبْرِ مِنْكِ قَالَت ابْن عَمٍّ لِي تَزَوَّجَنِي فَطَفِقَ لَا يَرْوَى مِنِّي وَلا أَنْهَلُ مِنْهُ حَتَّى كَانَ الْعَامُ الْمَاضِي وَغَزَتْنَا سُلَيْمٌ وَلَيْسَ فِي الْحَيِّ غَيْرِي وَغَيْرُهُ فَخَرَجَ يَحْمِي وَهُوَ يَقُولُ
نَعَتْنِي زُبَيْدٌ إِنْ شَكَوْتُ حَلِيلَتِي ... طِعَانِي وَكَرِّي مَا إِذَا الْخَيْلُ كَرَّتِ
فَإِنْ مِتُّ فَاغْزِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... بِذِكْرِي وَلا تَنْسِي أُمَيْمَةُ خُلَّتِي
فَوَاللَّهِ مَا بَرِحَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ
قُلْتُ فَكَمْ سَنَةٍ كَانَتْ لَهُ قَالَتْ أَنَا أكبر مِنْهُ ولي تسع عشر سَنَةً وَاللَّهِ لَا شَمِمْتُ رُوحَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ السَّاعَةِ فَظَنَنْتُهَا هَازِئَةً فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَأَيْتُ جَِنَازَةً فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ لِي هَذِهِ الْجَارِيَةُ الَّتِي كَانَتْ تُحَدِّثُكَ بِالأَمْسِ عِنْدَ الْقَبْرِ عَنْ بَعْلِهَا وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَّتْ لِبَعْلِهَا وَصَدَقَتْ فِي نَفْسِهَا
وَبِالإِسْنَادِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ الْعُمَرِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ رَأَيْتُ جَارِيَةً عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَقُولُ
بِنَفْسِي فَتًى أَوْفَى الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... وَأَقْوَاهُمُ فِي الْمَوْتِ صَبْرًا عَلَى الْحُبِّ
стр. 528
فَقُلْتُ بِمَ صَارَ أَقْوَاهُمْ وَأَوْفَاهُمْ قَالَتْ هَوِيَ فَكَانَ أَهْلِي إِذَا جَاهَرَ بِحُبِّي لامُوهُ وَإِذَا كَتَمَهُ عَنَّفُوهُ فَلَمَّا أَخَذَهُ الأَمْرُ قَالَ بَيْتَيْنِ مِنَ الشِّعْرِ وَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُمَا إِلَى أَنْ مَاتَ قُلْتُ وَمَا هُمَا قَالَتْ قَوْلُهُ
يَقُولُونَ إِنْ جَاهَرْتُ قَدْ عَضَّكَ الْهَوَى ... وَإِنْ لَمْ أَبُحْ بِالْحُبِّ قَالُوا تَصَبَّرَا
فَمَا لِلَّذِي يَهْوَى وَيْكَتِمُ حُبَّهُ ... مِنَ الأَمْرِ إِلا أَنْ يَمُوتَ فَيُعْذَرَا
وَاللَّهِ يَا هَذَا لَا أَبْرَحُ أَوْ يَتَّصِلَ قَبْرَانَا
ثُمَّ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَصَاحَ النِّسَاءُ وَقُلْنَ قَضَتْ وَالَّذِي اخْتَارَ لَهَا الْوَفَاةَ
فَمَا رَأَيْتُ أَسْرَعُ وَلا أَوْحَى مِنْ أَمْرِهَا
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الطُّوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَلادُ بْنُ يَزِيدَ الأَرْقَطُ قَالَ كَانَ عُوَيْمَرُ الْعُقَيْلِيُّ مَشْغُوفًا بِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ وَكَانَ يُقَالُ لَهَا رَيَّا فَزُوِّجَتْ بِرَجُلٍ فَحَمَلَهَا إِلَى بِلادِهِ فَاشْتَدَّ وَجْدُهُ وَاعْتَلَّ عِلَّةً وَأَخَذَهُ الْهُلاسُ فَدَعَوْا لَهُ طَبِيبًا لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَخْبَرَنِي بِالَّذِي تَجِدُ فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ فَقَالَ
عَطَفْتُ عَلَى أَسْرَارِكُمْ فَكَسَوْتُهَا ... فميصا مِنَ الْكِتْمَانِ لَا يَتَخَرَّقُ
وَلِي عَبْرَتَانِ مَا يَفِيقَانِ عَبْرَةٌ ... تَفِيضُ وَأُخْرَى لِلصَّبَابَةِ تَخْنُقُ
وَأَكْثَرُ حَظِّي مِنْكِ أَنِّي إِذَا جَرَتْ ... لِيَ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَائِكُمْ أَتَنَشَّقُ
ثُمَّ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَمَا مَكَثَ إِلا لِيَالِيَ يَسِيرَةً حَتَّى قَضَى
стр. 529
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ عَنْ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ تَزَوَّجَ مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ بِنْتَ عَمِّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فَشُغِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وَكَانَ مَالِكٌ شُجَاعًا مُسْبَعًا فَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ إِذَا لَقِيَ شَفَقًا عَلَيْهِ وَضَنًّا بِهِ وَإِنَّهُ غَزَا حَيًّا مِنْ لَخْمٍ فَبَاشَرَ الْقِتَالَ فَأَصَابَتْهُ جِرَاحٌ فَقَالَ وَهُوَ مُثْقَلٌ مِنْهَا
أَلا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ غَزَالٍ تَرَكْتُهُ ... إِذَا مَا أَتَاهُ مَصْرَعِي كَيْفَ يَصْنَعُ
فَلَوْ أَنَّنِي كُنْتُ الْمُؤَخَّرَ بَعْدَهُ ... لَمَا بَرِحَتْ نَفْسِي عَلَيْهِ تَطْلُعُ
وَإِنَّهُ مَكَثَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ فَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُهُ إِلَى زَوْجَتِهِ بَكَتْ سَنَةً ثُمَّ اعْتُقِلَ لِسَانُهَا فَامْتَنَعَتْ عَنِ الْكَلامِ وَكَثُرَ خُطَّابُهَا فَقَالَ عمومتها وولاة أمرهَا تزَوجهَا فَلَعَلَّ لِسَانَهَا يَنْطَلِقُ وَيَذَهَبُ حُزْنُهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ فَزَوَّجُوهَا بَعْضَ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ فَسَاقَ إِلَيْهَا أَلْفَ بَعِيرٍ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ فِيهَا قَامَتْ عَلَى بَابِ الْقُبَّةِ فَقَالَتْ
يَقُولُ رِجَالٌ زَوِّجُوهَا لَعَلَّهَا ... تَقَرُّ وَتَرْضَى بَعْدَهُ بِحَلِيلِ
فَأَخْفَيْتُ فِي النَّفْسِ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا ... رَجَاءٌ لَهُمْ وَالصِّدْقُ أَفْضَلُ قِيلِ
أَبَعْدَ ابْنِ عَمِّي فَارِسِ الْقَوْمِ مَالِكٍ ... أُزَفُّ إِلَى بَعْلٍ بِهَضْبِ كَلِيلِ
وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... أَقَامَ وَنَادَى صَحْبَهُ بِرَحِيلِ
وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرُ نَكُولِ
وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... جَوَادٌ بِمَا فِي الرَّحْلِ غَيْرُ بَخِيلِ
وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... خَفِيفٌ عَلَى الْحَدَّاثِ غَيْرُ ثَقِيلِ
وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... صَرُومٌ كَمَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ صَقِيلِ
стр. 530
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ وَحَدَّثَنِي مُشْكِدَانَةُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبْقَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي شَيْخٌ أَثِقُ بِهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنَ الشِّعْرِ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَمَاتَتْ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَرَّاقُ قَالَ حَكَى لِي أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِرَبَاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْدِقَائِي أَنَّهُ دَخَلَ بَعْضَ الْمَارَسْتَانَاتِ بِبَغْدَادَ فَرَأَى شَابًّا حَسَنَ الْوَجْهِ نَظِيفَ الثِّيَابِ جَالِسًا عَلَى حَصِيرٍ نَظِيفٍ وَعَنْ يَسَارِهِ مِخَّدَةٌ نَظِيفَةٌ وَفِي يَدَهِ مِرْوَحَةٌ وَإِلَى جَانِبِهِ كَرَارٌ فِيهِ مَاءٌ قَالَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ أَحْسَنَ رَدٍّ فَقُلْتُ لَهُ هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ قَالَ نَعَمْ أُرِيدُ قُرْصَيْنِ وَعَلَيْهِمَا فَالُوذَجٌ فَمَضَيْتُ فَجِئْتُهُ بِذَلِكَ وَجَلَسْتُ مُقَابِلَهُ حَتَّى أَكَلَ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ بَقِيَ لَكَ حَاجَةٌ قَالَ نَعَمْ وَأَظُنُّكَ تَقْدِرُ عَلَيْهَا فَقُلْتُ اذْكُرْهَا فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرُهَا فَقَالَ تَمْضِي إِلَى نَهْرِ الدَّجَاجِ دَرْبِ أَحْمَدَ الدَّهْقَانِ إِلَى دَارٍ عَلَى بَابِ زُقَاقِ الْغَفْلَةِ فَاطْرُقِ الْبَابَ وَقُلْ إِنَّ فُلانًا قَالَ لِي
مُرَّ بِالْحَبِيبِ وَقُلْ لَهُ ... مَجْنُونُكُمْ مَنْ يَحُلُّهْ قَالَ فَمَضَيْتُ وَسَأَلْتُ عَنِ الدَّرْبِ وَالزُّقَاقِ فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ فَطَرَقْتُ الْبَابَ فَخَرَجَتْ إِلَيَّ عَجُوزٌ فَأَبْلَغْتُهَا الرِّسَالَةَ فَدَخَلَتْ وَغَابَتْ عَنِّي سَاعَةً ثُمَّ خَرَجَتْ وَقَالَتْ
ارْجِعْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ ... عَلَيْكُمْ مَنْ أَعَلَّهْ
فَرَجَعْتُ إِلَى الْفَتَى فَأَخْبَرْتُهُ بِالْجَوَابِ فَشَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ وَعُدْتُ إِلَى الْقَوْمِ أُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ فَوَجَدْتُ الصُّرَاخَ فِي الدَّارِ وَقَدْ مَاتَتِ الْجَارِيَةُ أَوْ كَمَا قَالَ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْعُتَيْقِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنَا
следующие страницы →