← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6870

ذم الهوى

ابن الجوزي

Полный текст (671 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قَالَ شَبَابَةُ فَاضْتَلَلْتُ إِبِلا لِي فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهَا فَبَيْنَا أَنَا أَسِيُرُ فِي الرِّمَالِ إِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِف بِصَوْت ضَعِيف يَا بن الْوَلِيدِ أَلا تَحْمُونَ جَارَكُمْ ... وَتَحْفَظُونَ لَهُ حَقَّ الْقُرَابَاتِ عَهْدِي إِذَا جَارُ قَوْمٍ نَابَهُ حَدَثٌ ... وَقَوْهُ مِنْ كُلِّ مَفْرُوجِ الْمُلِمَّاتِ هَذَا أَبُو مَالِكٍ الْمُمْسِي بِبَلْقَعَةٍ ... مَعَ الضباع وآسادج وَغَابَاتِ طَلِيحُ شَوْقٍ بِنَارِ الْحُبِّ مُحْتَرِقٌ ... تَعْتَادُهُ زَفَرَاتٌ إِثَرَ لَوْعَاتِ أَمَّا النَّهَارُ فَيُضْنِيهِ تَذَكُّرُهُ ... وَاللَّيْلُ مُرْتَقِبٌ لِلْصُبْحِ هَلْ يَاتِي يَهْذِي بِجَارِيَةٍ مِنْ عُذْرَةَ اخْتَلَسَتْ ... فُؤَادَهُ فَهُوَ مِنْهَا فِي بَلِيَّاتِ فَقُلْتُ دُلَّنِي عَلَيْهِ رَحِمَكَ اللَّهُ قَالَ نَعَمْ أَقْصُدُ الصُّوْتَ فَلَمَّا قَصَدْتُ سَمِعْتُ أَنِينًا مِنْ خِبَاءٍ فَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ يَا رَسِيسَ الْهَوَى أَذَبْتَ فُؤَادِي ... وَحَشَوْتَ الْحَشَا عَذَابًا أَلِيمَا فَدَنَوْتُ فَقُلْتُ أَبُو مَالِكٍ قَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ مَا بَلَغَ بت مَا أَرَى قَالَ حُبِّي سُعَادَ ابْنَةَ أَبِي الْهَيْذَامِ الْعُذْرِيِّ شَكَوْتُ يَوْمًا مَا أَجِدُ مِنْ حُبِّهَا إِلَى ابْنِ عَمٍّ لَنَا فَاحْتَمَلَنِي إِلَى هَذَا الْوَادِي مُنْذُ بِضْعِ عَشْرَةَ سَنَةٍ يَأْتِينِي كُلَّ يَوْمٍ بِخَبَرِهَا وَيَقُوتُنِي مِنْ عِنْدِهِ فَقُلْتُ إِنِّي أَصِيرُ إِلَى أَهْلِهَا فَأُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَيْتُ قَالَ أَنْتَ وَذَلِكَ فَانْصَرَفت فَأَخْبَرتهمْ فرقوا لَهُ فَزَوجُوهُ بحضرتي فَرَجَعت إِلَيْهِ أفرج عَنهُ فَلَمَّا أخْبرته الْخَبَر حدد النّظر إِلَيّ ثمَّ تأوه تأوها شَدِيدا بلغ من قلبِي ثمَّ قَالَ الآنَ إِذْ حَشْرَجَتْ نَفْسِي وَحَاضَرَهَا ... فِرَاقُ دُنْيَا وَنَادَاهَا مُنَادِيهَا

стр. 527

ثُمَّ زَفَرَ زَفْرَةً فَمَاتَ فَدَفَنْتُهُ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ فَأَقَامَتِ الْجَارِيَةُ بَعْدَهُ ثَلاثًا لَا تُطْعَمُ ثُمَّ مَاتَتْ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبْعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُتْبِيُّ عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ قَالَ رَأَيْتُ امْرَأَةً مُنْحَطَّةً عَلَى قَبْرٍ وَهِيَ تَقُولُ فَيَا قَبْرُ لَوْ شَفَّعْتَنِي فِيهِ مَرَّةً ... فَأَخْرَجْتَهُ مِنْ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ فَكُنْتُ أَرَى هَلْ غَيَّرَ التُّرْبِ وَجْهَهُ ... وَهَلْ عَاثَ دُودُ اللَّحْدِ فِي ذَلِكَ اللَّحْدِ فَقُلْتُ لَهَا مَنْ صَاحِبُ الْقَبْرِ مِنْكِ قَالَت ابْن عَمٍّ لِي تَزَوَّجَنِي فَطَفِقَ لَا يَرْوَى مِنِّي وَلا أَنْهَلُ مِنْهُ حَتَّى كَانَ الْعَامُ الْمَاضِي وَغَزَتْنَا سُلَيْمٌ وَلَيْسَ فِي الْحَيِّ غَيْرِي وَغَيْرُهُ فَخَرَجَ يَحْمِي وَهُوَ يَقُولُ نَعَتْنِي زُبَيْدٌ إِنْ شَكَوْتُ حَلِيلَتِي ... طِعَانِي وَكَرِّي مَا إِذَا الْخَيْلُ كَرَّتِ فَإِنْ مِتُّ فَاغْزِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... بِذِكْرِي وَلا تَنْسِي أُمَيْمَةُ خُلَّتِي فَوَاللَّهِ مَا بَرِحَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ قُلْتُ فَكَمْ سَنَةٍ كَانَتْ لَهُ قَالَتْ أَنَا أكبر مِنْهُ ولي تسع عشر سَنَةً وَاللَّهِ لَا شَمِمْتُ رُوحَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ السَّاعَةِ فَظَنَنْتُهَا هَازِئَةً فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَأَيْتُ جَِنَازَةً فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ لِي هَذِهِ الْجَارِيَةُ الَّتِي كَانَتْ تُحَدِّثُكَ بِالأَمْسِ عِنْدَ الْقَبْرِ عَنْ بَعْلِهَا وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَّتْ لِبَعْلِهَا وَصَدَقَتْ فِي نَفْسِهَا وَبِالإِسْنَادِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ الْعُمَرِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ رَأَيْتُ جَارِيَةً عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَقُولُ بِنَفْسِي فَتًى أَوْفَى الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... وَأَقْوَاهُمُ فِي الْمَوْتِ صَبْرًا عَلَى الْحُبِّ

стр. 528

فَقُلْتُ بِمَ صَارَ أَقْوَاهُمْ وَأَوْفَاهُمْ قَالَتْ هَوِيَ فَكَانَ أَهْلِي إِذَا جَاهَرَ بِحُبِّي لامُوهُ وَإِذَا كَتَمَهُ عَنَّفُوهُ فَلَمَّا أَخَذَهُ الأَمْرُ قَالَ بَيْتَيْنِ مِنَ الشِّعْرِ وَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُمَا إِلَى أَنْ مَاتَ قُلْتُ وَمَا هُمَا قَالَتْ قَوْلُهُ يَقُولُونَ إِنْ جَاهَرْتُ قَدْ عَضَّكَ الْهَوَى ... وَإِنْ لَمْ أَبُحْ بِالْحُبِّ قَالُوا تَصَبَّرَا فَمَا لِلَّذِي يَهْوَى وَيْكَتِمُ حُبَّهُ ... مِنَ الأَمْرِ إِلا أَنْ يَمُوتَ فَيُعْذَرَا وَاللَّهِ يَا هَذَا لَا أَبْرَحُ أَوْ يَتَّصِلَ قَبْرَانَا ثُمَّ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَصَاحَ النِّسَاءُ وَقُلْنَ قَضَتْ وَالَّذِي اخْتَارَ لَهَا الْوَفَاةَ فَمَا رَأَيْتُ أَسْرَعُ وَلا أَوْحَى مِنْ أَمْرِهَا أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الطُّوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَلادُ بْنُ يَزِيدَ الأَرْقَطُ قَالَ كَانَ عُوَيْمَرُ الْعُقَيْلِيُّ مَشْغُوفًا بِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ وَكَانَ يُقَالُ لَهَا رَيَّا فَزُوِّجَتْ بِرَجُلٍ فَحَمَلَهَا إِلَى بِلادِهِ فَاشْتَدَّ وَجْدُهُ وَاعْتَلَّ عِلَّةً وَأَخَذَهُ الْهُلاسُ فَدَعَوْا لَهُ طَبِيبًا لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَخْبَرَنِي بِالَّذِي تَجِدُ فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ فَقَالَ عَطَفْتُ عَلَى أَسْرَارِكُمْ فَكَسَوْتُهَا ... فميصا مِنَ الْكِتْمَانِ لَا يَتَخَرَّقُ وَلِي عَبْرَتَانِ مَا يَفِيقَانِ عَبْرَةٌ ... تَفِيضُ وَأُخْرَى لِلصَّبَابَةِ تَخْنُقُ وَأَكْثَرُ حَظِّي مِنْكِ أَنِّي إِذَا جَرَتْ ... لِيَ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَائِكُمْ أَتَنَشَّقُ ثُمَّ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَمَا مَكَثَ إِلا لِيَالِيَ يَسِيرَةً حَتَّى قَضَى

стр. 529

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ عَنْ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ تَزَوَّجَ مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ بِنْتَ عَمِّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فَشُغِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وَكَانَ مَالِكٌ شُجَاعًا مُسْبَعًا فَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ إِذَا لَقِيَ شَفَقًا عَلَيْهِ وَضَنًّا بِهِ وَإِنَّهُ غَزَا حَيًّا مِنْ لَخْمٍ فَبَاشَرَ الْقِتَالَ فَأَصَابَتْهُ جِرَاحٌ فَقَالَ وَهُوَ مُثْقَلٌ مِنْهَا أَلا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ غَزَالٍ تَرَكْتُهُ ... إِذَا مَا أَتَاهُ مَصْرَعِي كَيْفَ يَصْنَعُ فَلَوْ أَنَّنِي كُنْتُ الْمُؤَخَّرَ بَعْدَهُ ... لَمَا بَرِحَتْ نَفْسِي عَلَيْهِ تَطْلُعُ وَإِنَّهُ مَكَثَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ فَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُهُ إِلَى زَوْجَتِهِ بَكَتْ سَنَةً ثُمَّ اعْتُقِلَ لِسَانُهَا فَامْتَنَعَتْ عَنِ الْكَلامِ وَكَثُرَ خُطَّابُهَا فَقَالَ عمومتها وولاة أمرهَا تزَوجهَا فَلَعَلَّ لِسَانَهَا يَنْطَلِقُ وَيَذَهَبُ حُزْنُهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ فَزَوَّجُوهَا بَعْضَ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ فَسَاقَ إِلَيْهَا أَلْفَ بَعِيرٍ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ فِيهَا قَامَتْ عَلَى بَابِ الْقُبَّةِ فَقَالَتْ يَقُولُ رِجَالٌ زَوِّجُوهَا لَعَلَّهَا ... تَقَرُّ وَتَرْضَى بَعْدَهُ بِحَلِيلِ فَأَخْفَيْتُ فِي النَّفْسِ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا ... رَجَاءٌ لَهُمْ وَالصِّدْقُ أَفْضَلُ قِيلِ أَبَعْدَ ابْنِ عَمِّي فَارِسِ الْقَوْمِ مَالِكٍ ... أُزَفُّ إِلَى بَعْلٍ بِهَضْبِ كَلِيلِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... أَقَامَ وَنَادَى صَحْبَهُ بِرَحِيلِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرُ نَكُولِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... جَوَادٌ بِمَا فِي الرَّحْلِ غَيْرُ بَخِيلِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... خَفِيفٌ عَلَى الْحَدَّاثِ غَيْرُ ثَقِيلِ وَحَدَّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا ... صَرُومٌ كَمَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ صَقِيلِ

стр. 530

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ وَحَدَّثَنِي مُشْكِدَانَةُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبْقَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي شَيْخٌ أَثِقُ بِهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنَ الشِّعْرِ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَمَاتَتْ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَرَّاقُ قَالَ حَكَى لِي أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِرَبَاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْدِقَائِي أَنَّهُ دَخَلَ بَعْضَ الْمَارَسْتَانَاتِ بِبَغْدَادَ فَرَأَى شَابًّا حَسَنَ الْوَجْهِ نَظِيفَ الثِّيَابِ جَالِسًا عَلَى حَصِيرٍ نَظِيفٍ وَعَنْ يَسَارِهِ مِخَّدَةٌ نَظِيفَةٌ وَفِي يَدَهِ مِرْوَحَةٌ وَإِلَى جَانِبِهِ كَرَارٌ فِيهِ مَاءٌ قَالَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ أَحْسَنَ رَدٍّ فَقُلْتُ لَهُ هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ قَالَ نَعَمْ أُرِيدُ قُرْصَيْنِ وَعَلَيْهِمَا فَالُوذَجٌ فَمَضَيْتُ فَجِئْتُهُ بِذَلِكَ وَجَلَسْتُ مُقَابِلَهُ حَتَّى أَكَلَ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ بَقِيَ لَكَ حَاجَةٌ قَالَ نَعَمْ وَأَظُنُّكَ تَقْدِرُ عَلَيْهَا فَقُلْتُ اذْكُرْهَا فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرُهَا فَقَالَ تَمْضِي إِلَى نَهْرِ الدَّجَاجِ دَرْبِ أَحْمَدَ الدَّهْقَانِ إِلَى دَارٍ عَلَى بَابِ زُقَاقِ الْغَفْلَةِ فَاطْرُقِ الْبَابَ وَقُلْ إِنَّ فُلانًا قَالَ لِي مُرَّ بِالْحَبِيبِ وَقُلْ لَهُ ... مَجْنُونُكُمْ مَنْ يَحُلُّهْ قَالَ فَمَضَيْتُ وَسَأَلْتُ عَنِ الدَّرْبِ وَالزُّقَاقِ فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ فَطَرَقْتُ الْبَابَ فَخَرَجَتْ إِلَيَّ عَجُوزٌ فَأَبْلَغْتُهَا الرِّسَالَةَ فَدَخَلَتْ وَغَابَتْ عَنِّي سَاعَةً ثُمَّ خَرَجَتْ وَقَالَتْ ارْجِعْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ ... عَلَيْكُمْ مَنْ أَعَلَّهْ فَرَجَعْتُ إِلَى الْفَتَى فَأَخْبَرْتُهُ بِالْجَوَابِ فَشَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ وَعُدْتُ إِلَى الْقَوْمِ أُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ فَوَجَدْتُ الصُّرَاخَ فِي الدَّارِ وَقَدْ مَاتَتِ الْجَارِيَةُ أَوْ كَمَا قَالَ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْعُتَيْقِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 531

أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الأَزْهِرِ قَالَ قَالَ الرِّيَاشِيُّ قَالَ ابْنُ عَائِشَةَ أَحَبَّ رَجُلٌ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ فَقَالَتْ إِنَّ النَّاسَ قَدِ أَكْثَرُوا عَلَيْنَا فَلَوْ خَرَجْتَ بِنَا مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ قَالَ فَخَرَجَ بِهَا وَخَرَجَ فِي إِثْرِهِمَا أَخٌ لَهُ فَجَعَلَ لَا يَتْرُكُ مَنْزِلا إِلا قِيلَ لَهُ قَدْ نَزَلا وَارْتَحَلا حَتَّى أَتَى مَنْزِلا فَقِيلَ لَهُ نَزَلا بِهَذَا الْمَاءِ فَمَرِضَتْ فَمَاتَتْ فَدَفَنَّاهَا ثُمَّ كَانَ يَأْتِي الرَّجُلُ قَبْرَهَا فَيَبْكِي وَيَنْصَرِفُ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا وَهَذَانِ هُمَا فَأَنْشَأَ يَقُولُ أَفِقْ مُرَّ إِنَّ الْوُدَّ شَرُّ لَصِيقٍ ... وَإِلا فَمُتْ إِنْ كُنْتَ غَيْرَ مُطِيقِ فَقَدْ سَاقَ لَيْلَى الْحُبُّ حَتَّى أَحَلَّهَا ... بِرَاذَانَ قَبْرًا غَيْرَ جِدِّ عَمِيقِ فَمِنْ بَيْنَ مَوْتَانَا دُفِنْتِ غَرِيبَةً ... فَلا تَبْعُدِي مِنْ ذِي هَوًى وَمَشُوقِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ قَالا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَوَّاصُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدَّثَنِي فَضْلٌ الْيَزِيدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْهِلالِيَّ قَالَ شَهِدْتُ أَبَا يَحْيَى التَّيْمِيَّ يَقُولُ كَانَ يَخْتَلِفُ مَعَنَا فَتًى مِنَ النُّسَّاكِ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ إِلَى مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ وَكَانَ يَخْتَلِفُ مَعَهُ فَتًى حَسَنُ الْوَجْهِ يَفْتِنُ النَّاسَ إِذَا رَأَوْهُ فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْقَوْلَ فِيهِ وَفِي صُحْبَتِهِ إِيَّاهُ وَمَنَعَهُ أَهْلُهُ أَنْ يَصْحَبَهُ وَأَنْ يُكَلِّمَهُ فَذُهِلَ عَقْلُهُ حَتَّى خُشِيَ عَلَيْهِ التَّلَفُ فَبَلَغَ ذَلِكَ مِسْعَرًا فَقَالَ قُولُوا لَهُ لَا يَقْرَبُنِي وَلا يَأْتِي مَجْلِسِي فَإِنِّي لَهُ كَارِهٌ فَلَقِيتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَتَنَفَّسَ الصعداء ثمَّ أنشأيقول

стр. 532

يَا مَنْ بَدَائِعُ حُسْنِ صُورَتِه ... تُثْنِي إِلَيْهِ أَعِنَّةُ الْحَدَقِ لِي مِنْكَ مَا لِلنَّاسِ كُلِّهِمُ ... نَظَرٌ وَتَسْلِيمٌ عَلَى الطُّرُقِ لَكِنَّهُمْ سَعِدُوا بأمنهم ... وَشَقِيتُ حِينَ أَرَاكَ بِالْفَرَقِ ثُمَّ صَرَخَ صَرْخَةً وَشَخَصَ بَصَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَسَقَطَ فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيعِ الْكَادِحِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِين قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَجْلانَ هُوَ صَاحِبُ هِنْدٍ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو وَإِنَّهُ عَشِقَهَا فَمَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا حَتَّى ضَنِيَ فَلَمْ يَدْرِ أَهْلُهُ مَا بِهِ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ عَجُوزٌ فَقَالَتْ إِنَّ صَاحِبَكُمْ عَاشِقٌ فَاذْبَحُوا لَهُ شَاةً وَائْتُوهُ بِهَا وَغَيِّبُوا فُؤَادَهَا فَفَعَلُوا وَأَتَوْهُ بِهَا فَجَعَلَ يَرْفَعُ بَضْعَةً وَيَضَعُ أُخْرَى ثمَّ قَالَ أَمَا لِشَاتِكُمْ قَلْبٌ فَقَالَ أَخُوهُ أَلا أَرَاكَ عَاشِقًا وَلَمْ تُخْبِرْنَا فَبَلَغَنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ آهٍ وَمَاتَ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ فِيمَا نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدي قَالَ حَدثنِي سُلَيْمَان ابْن عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ صَالِحِ بْنِ دَاوُدَ ذَكَرَ عَنْ جَارِيَةٍ مِنْ جَوَارِي الْقِيَانِ أَنَّهَا كَانَتْ تَمِيلُ إِلَيْهِ مَحَبَّةً وَكَلَفًا وَكَانَتْ مَوْصُوفَةً بِالأَدَبِ شَاعِرَةً فَحَضَرَ يَوْمًا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ طَابَ عَيْشُنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَكَتَبَتْ عَلَى مِنْدِيلٍ

стр. 533

لَعَلَّ الَّذِي أَبْلَى بِحُبِّكَ يَا فَتَى ... يَرُدُّكَ لِي يَوْمًا إِلَى أَحْسَنِ الْعَهْدِ ثُمَّ تَغَافَلَتْ أَهْلَ الْمَجْلِسِ وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ الْمِنْدِيلَ قَالَ فَمَا هُوَ إِلا أَنْ قَرَأْتُ الشِّعْرَ حَتَّى وَجَدْتُ فِي قَلْبِي مِنْ أَمْرِهَا مِثْلَ النَّارِ فَقُمْتُ وَانْصَرَفْتُ خَوْفًا مِنَ الْفَضِيحَةِ ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَعْمَلُ الْحِيلَةَ فِي ابْتِيَاعِهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمْ فَعَسُرَ ذَلِكَ فَعَرَّفْتُهَا مَا قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ مِنَ ابْتِيَاعِهَا فَأَعَانَتْنِي عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَلَكْتُهَا فَلَمْ أُوثِرْ عَلَيْهَا أَحَدًا مِنْ حَرَمِي وَأَهْلِي وَلا كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ يَعْدِلُهَا فَتُوُفِّيَتْ فَأَنَا لَا عَيْشَ لِي وَلا سُرُورَ فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ بَعْدَ هَذَا الْكَلامِ إِلا أَيَّامًا يَسِيرَةً حَتَّى مَاتَ أَسَفًا عَلَيْهَا وَكَمَدًا فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ وَأَنْبَأَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنِ مَنْصُورٍ الْيَشْكُرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الصَّائِغُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ ابْنِ الأَشْدَقِ قَالَ كُنْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَرَأَيْتُ شَابًّا تَحْتَ الْمِيزَابِ قَدْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي كِسَائِهِ يَئِنُّ كَالْمَحْمُومِ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مِنْ أَيْنَ قُلْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ قَالَ وَرَاجِعٌ إِلَيْهَا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إِذَا دَخَلْتَ النِّبَاجَ فَاخْرُجْ إِلَى الْحَيِّ ثُمَّ نَادِ يَا هِلالُ تَخْرُجُ إِلَيْكَ جَارِيَةٌ تُنْشِدُهَا هَذَا الْبَيْتَ وَقَدْ كُنْتُ أَهْوَى أَنْ تَكُونَ مَنِيَّتِي ... بِعَيْنَيْكِ حَتَّى تَنْظُرِي مَيَّتَ الْحُبِّ وَمَاتَ مَكَانَهُ فَلَمَّا دَخَلْتُ النِّبَاجَ أَتَيْتُ الْحَيَّ فَنَادَيْتُ يَا هِلالُ يَا هِلالُ فَخَرَجَتْ إِلَيَّ جَارِيَةٌ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهَا قَالَتْ مَا وَرَاءَكَ قُلْتُ شَابٌّ بِمَكَّةَ أَنْشَدَنِي هَذَا الْبَيْتَ قَالَتْ وَمَا صَنَعَ قُلْتُ مَاتَ فَخَرَّتْ مَكَانَهَا مَيِّتَةً

стр. 534

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ حَجَجْتُ فَرَأَيْتُ امْرَأَةً قُبَيْلَ فَيْدٍ وَهِيَ تَقُولُ فَإِنْ تَضْرِبُوا ظَهْرِي وَبَطْنِي كَلَيْهِمَا ... فَلَيْسَ لِقَلْبٍ بَيْنَ جَنْبِيَ ضَارِبُ فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ عَاشِقٌ ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَإِذَا بِهَا قَدْ حَالَ لَوْنُهَا مَعَ حُسْنِهِ وَهِيَ تَقُولُ فَإِنْ يَكُ عِيسَى قَدْ أَطَاعَ بِيَ الْعِدَا ... فَلا وَأَبِيهِ مَا أَطَعْتُ الأَعَادِيَا يَقُولُونَ لِي مَوْلَى فَلا تَقْرَبِنَّهُ ... وَعَيْشِ أَبِي إِنِّي أُحِبُّ الْمَوَالِيَا ثُمَّ رَجَعَتُ مِنَ الْعَامِ الثَّالِثِ فَإِذَا هِيَ مُقَيَّدَةٌ فَاقِدَةٌ عَقْلَهَا وَهِيَ تَقُولُ أَيَا طَلْحَةَ الرُّعْيَانِ ظِلُّكَ بَارِدٌ ... وَمَاؤُكَ عَذْبٌ يَسْتَسِيغُ لِشَارِبِ ثُمَّ سَأَلْتُ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَأُخْبِرْتُ أَنَّهَا مَاتَتْ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الإِبَرِيِّ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِئُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الأَرْدَسْتَانِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِمَكَّةَ بَابِ النَّدْوَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِنَسَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ الرَّقِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّامِرِيُّ قَالَ مَرَرْتُ بِدَيْرِ هِزْقَلَ أَنَا وَصَدِيقٌ لِي فَقَالَ هَلْ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ فَتَرَى مَنْ فِيهِ مِنْ مِلاحِ الْمَجَانِينِ قُلْتُ ذَاكَ إِلَيْكَ فَدَخَلْنَا فَإِذَا بِشَابٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ مُرَجَّلِ الشَّعْرِ مَكْحُولِ الْعَيْنِ أَزَجِّ الْحَوَاجِبِ كَأَنَّ شَعْرَ أَجْفَانِهِ مَقَادِيمُ النُّسُورِ وَعَلَيْهِ طَلاوَةٌ تَعْلُوهُ حَلاوَةٌ مَشْدُودٌ بِسِلْسِلَةٍ إِلَى جِدَارٍ فَلَمَّا بَصُرَ بِنَا قَالَ مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ قَرَّبَ اللَّهُ مَا نَأَى مِنْكُمْ بِأَبِي أَنْتُمْ قُلْنَا

стр. 535

وَأَنْتَ فَأَمْتَعَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ بِقُرْبِكَ وَآنَسَ جَمَاعَةَ ذَوِي الْمُرُوءَةِ بِشَخْصِكَ وَجَعَلَنَا وَسَائِرَ مَنْ يُحِبُّكَ فِدَاكَ فَقَالَ أَحَسَنَ اللَّهُ عَنْ جميل القَوْل جَزَاء كَمَا وَتَوَلَّى عَنِّي مُكَافَأَتَكُمَا قُلْنَا وَمَا تَصْنَعُ فِي هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ لِغَيْرِهِ أَهْلٌ فَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي كَمِدُ ... لَا أَسْتَطِيعُ أَبُّثُ مَا أَجِدُ رُوحَانِ لِي رُوحٌ تَضَمَّنَهَا ... بَلَدٌ وَأُخْرَى حَازَهَا بَلَدُ أَمَّا الْمُقِيمَةُ لَيْسَ يَنْفَعُهَا ... صَبْرٌ وَلَيْسَ بِقُرْبِهَا جَلَدُ وَأَظُنُّ غَائِبَتِي كَشَاهِدَتِي ... بِمَكَانِهَا تَجِدُ الَّذِي أَجِدُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ أَحْسَنْتُ قُلْنَا نَعَمْ وَوَلَيْنَا فَقَالَ بِأَبِي أَنْتُمْ مَا أَسْرَعَ مَلَلَكُمْ بِاللَّهِ أَعِيرُونِي أَفْهَامَكُمْ وَأَذْهَانَكُمْ قُلْنَا هَاتِ فَقَالَ لَمَّا أَنَاخُوا قُبَيْلَ الصُّبْحِ عِيرَهُمُ ... وَرَحَّلُوهَا فَسَارَتْ بِالْهَوَى الإِبِلُ وَقَلَّبَتْ مِنْ خِلالِ السَّجْفِ نَاظِرَهَا ... تَرْنُو إِلَيَّ وَدَمْعُ الْعَيْنِ مُنْهَمِلُ فَوَدَّعَتْ بِبِنَانٍ عَقْدُهُ عَنَمٌ ... نَادَيْتُ لَا حَمَلَتْ رِجْلاكَ يَا جَمَلُ وَيْلِي مِنَ الْبَيْنِ مَاذَا حَلَّ بِي وَبِهَا ... يَا نَازِحَ الدَّارِ حَلَّ الْبَيْنُ فَارْتَحِلُوا يَا رَاحِلَ الْعِيسِ عَرِّجْ كَيْ أُوَدِّعُهَا ... يَا رَاحِلَ الْعِيسِ فِي تِرْحَالِكَ الأَجَلُ إِنِّي عَلَى الْعَهْدِ لَمْ أَنْقُضْ مَوَدَّتَكُمْ ... فَلَيْتَ شِعْرِي وَطَالَ الْعَهْدُ مَا فَعَلُوا فَقُلْنَا وَلَمْ نَعْلَمْ بِحَقِيقَةِ مَا وَصَفَ مُجُونًا مَاتُوا فَقَالَ أَقْسَمْتُ عَلَيْكُمْ مَاتُوا فَقُلْنَا انْظُرْ مَا تَصْنَعُ نَعَمْ مَاتُوا قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَيِّتٌ فِي إِثْرِهِمْ ثُمَّ جَذَبَ نَفْسَهُ فِي السِّلْسِلَةِ جَذْبَةً دُلِعَ مِنْهَا لِسَانُهُ وَنَدَرَتْ لَهَا عَيْنَاهُ وَانْبَعَثَتْ شَفَتَاهُ بِالدِّمَاءِ فَتَلَبَّطَ سَاعَةً ثُمَّ مَاتَ

стр. 536

فَلا أَنْسَى نَدَامَتَنَا عَلَى مَا صَنَعْنَا وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحسن ابْن مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَرْزُوقٍ قَالَ أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي الْمُبَرِّدُ قَالَ خَرَجْتُ أَنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي مَعَ الْمأْمُونِ فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْ نَحْوِ الرِّقَّةِ إِذَا نَحْنُ بِدَيْرٍ كَبِيرٍ فَأَقْبَلَ إِلِيَّ بَعْضُ أَصْحَابِي فَقَالَ مِلْ بِنَا إِلَى هَذَا الدَّيْرِ لِنَنْظُرَ مَنْ فِيهِ وَنَحْمَدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا رَزَقَنَا مِنَ السَّلامَةِ فَلَمَّا دَخَلْنَا إِلَى الدَّيْرِ رَأَيْنَا مَجَانِينَ مُغَلْغَلِينَ وَهُمْ فِي نِهَايَةِ الْقَذَارَةِ فَإِذَا مِنْهُمْ شَابٌّ عَلَيْهِ ثِيَابٌ نَاعِمَةٌ فَلَمَّا بَصُرَ بِنَا قَالَ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُمْ يَا فِتْيَانُ حَيَّاكُمُ اللَّهُ فَقُلْنَا نَحْنُ مِنَ الْعِرَاقِ فَقَالَ بِأَبِي الْعِرَاقُ وَأَهْلُهَا بِاللَّهِ أَنْشِدُونِي أَوْ أُنْشِدُكُمْ فَقَالَ الْمُبَرِّدُ وَاللَّهِ إِنَّ الشِّعْرَ مِنْ هَذَا لَظَرِيفٌ فَقُلْنَا أَنْشِدْنَا فَأَنْشَأَ يَقُولُ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي كَمِدُ ... لَا أَسْتَطِيعُ أَبُّثُ مَا أَجِدُ رُوحَانِ لِي رُوحٌ تَضَمَّنَهَا ... بَلَدٌ وَأُخْرَى حَازَهَا بَلَدُ وَأَرَى الْمُقِيمَةَ لَيْسَ يَنْفَعُهَا ... صَبْرٌ وَلا يَقْوَى بِهَا جَلَدُ وَأَظُنُّ غَائِبَتِي كَشَاهِدَتِي ... بِمَكَانِهَا تَجِدُ الَّذِي أَجِدُ قَالَ الْمُبَرِّدُ إِنَّ هَذَا لَظَرِيفٌ وَاللَّهِ زِدْنَا فَأَنْشَأَ يَقُولُ لَمَّا أَنَاخُوا قُبَيْلَ الصُّبْحِ عِيرَهُمُ ... وَرَحَّلُوهَا فَثَارَتْ بِالْهَوَى الإِبِلُ وَأَمْرَرَتْ مِنْ خِلالِ السَّجْفِ نَاظِرَهَا ... تَرْنُو إِلَيَّ وَدَمْعُ الْعَيْنِ مُنْهَمِلُ

стр. 537

وَوَدَّعَتْ بِبَنَانٍ عِقْدُهَا عَنَمُ ... نَادَيْتُ لَا حَمَلَتْ رِجْلاكَ يَا جَمَلُ وَيْلِي مِنَ الْبَيْنِ مَاذَا حَلَّ بِي وَبِهَا ... مِنْ نَازِلِ الْبَيْنِ حَانَ الْبَيْنُ وَارْتَحَلُوا يَا رَاحِلَ الْعِيسِ عَرِّجْ حَتَّى نُوَدِّعَهَا ... يَا رَاحِلَ الْعِيسِ فِي تِرْحَالِكَ الأَجَلُ إِنِّي عَلَى الْعَهْدِ لَمْ أَنْقُضْ مَوَدَّتَهُمْ ... فَلَيْتَ شِعْرِي لِطُولِ الْعَهْدِ مَا فَعَلُوا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْبُغَضَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعِي مَاتُوا قَالَ إِذَنْ فَأَمُوتُ فَقَالَ لَهُ إِنْ شِئْتَ فَتَمَطَّى وَاسْتَنَدَ إِلَى السَّارِيَةِ الَّتِي كَانَ مَشْدُودًا فِيهَا فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى دَفَنَّاهُ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّوَّزِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْجَرَادِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرٌ وَأَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ يُونُسَ قَالَ انصرفت من الْحَج فممرت بِمَاوِيَّهَ وَكَانَ لِي فِيهَا صَدِيقٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَصِرْتُ إِلَيْهِ مُسَلِّمًا فَأَنْزَلَنِي فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ وَنَحْنُ قَاعِدَانِ بِفِنَائِهِ إِذَا نِسَاءٌ مُسْتَبْشِرَاتٌ وَهُنَّ يَقُلْنَ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالُوا فَتى منا كَانَ يعشق ابْنة عَمٍّ لَهُ فَتَزَوَّجَتْ وَحُمِلَتْ إِلَى نَاحِيَةِ الْحِجَازِ فَإِنَّهُ لَعَلَى فِرَاشِهِ مُذْ حَوْلٍ مَا تَكَلَّمَ

стр. 538

فَقُلْتُ أُحِبّ أَنْ أَرَاهُ فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ فَمَشَيْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ وَإِذَا فَتَى مُضْطَجِعٌ بِفِنَاءِ بَيْتٍ مِنْ تِلْكَ الْبُيُوتِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلا خَيَالٌ فَأَكْبَ الشَّيْخُ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ وَأَمُّهُ وَاقِفَةٌ فَقَالَتْ يَا مَالِكُ هَذَا عَمُّكَ أَبُو فُلانٍ يَعُودُكَ فَفَتَحَ عَيْنَهُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ لِيَبْكِنِي الْيَوْمَ أَهْلُ الْوُدِّ وَالشَّفَقِ ... لَمْ يَبْقَ مِنْ مُهْجَتِي شَيْءٌ سِوَى رَمَقِي الْيَوْمَ آخِرُ عَهْدِي بِالْحَيَاةِ فَقَدْ ... أُطْلِقْتُ مِنْ رَبْقَةِ الأَحْزَانِ وَالْقَلَقِ ثُمَّ تَنَفَسَّ الصَّعْدَاءَ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ فَقَامَ الشَّيْخ وَقمت فَانْصَرَفت إِلَى خبائه وَإِذَا امْرَأَةٌ بَضَّةٌ تَبْكِي وَتَفَجَّعُ فَقَالَ الشَّيْخُ مَا يُبْكِيكِ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ أَلا أَبْكِي لِصَبٍّ شَفَّ مُهْجَتَهُ ... طُولُ السِّقَامِ وَأَضْنَى جِسْمُهُ الْكَمَدُ يَا لَيْتَ مَنْ خَلَّفَ الْقَلْبَ الْمَهِيمَ بِهِ ... عِنْدِي فَأَشْكُو إِلَيْهِ بَعْضَ مَا أَجِدُ أَنَشْرُ تُرْبِكَ أَسَرَى لِي النِّسِيمُ بِهِ ... أَمْ أَنْتَ حَيْثُ يُنَاطُ السَّحَرُ وَالْكَبِدُ ثُمَّ أَنْكَبَّتْ عَلَى كَبِدِهَا وَشَهِقَتْ فَإِذَا هِيَ مَيِّتَةٌ قَالَ يُونُسُ فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِ الشَّيْخِ وَأَنَا وَقِيذٌ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ ذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّ بَعْضَ الأَعْرَابِ عَشِقَ جَارِيَةً مِنْ حَيِّهِ فَكَانَ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُهَا بِمَكَانِهِ وَمَجْلِسِهِ مِنْهَا تَحَمَّلُوا بِهَا فَتَبِعَهُمْ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَفُطِنَ بِهِ فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ فُطِنَ بِهِ انْصَرَفَ وَهُوَ يَقُولُ بَانَ الْخَلِيطُ فَأَوْجَعُوا قَلْبِي ... حَسْبِي بِمَا قَدْ أَوْرَثُوا حَسْبِي إِنْ تَكْتُبُوا نَكْتُبْ وَإِنْ لَا تَكْتُبُوا ... تَأَتِيكُمْ بِمَكَانِكُمْ كُتُبِي

стр. 539

جَدَّ الرَّحِيلُ وَكَانَ فُرْقَةُ بَيْنِنَا ... لَا شَكَّ أَنِّي مُنْقَضِ نَحْبِي قَالَ ثُمَّ وَقَفَ عَلَى جَبَلٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مَاضِيِّنَ فَلَمَّا غَابُوا مِنْ عَيْنِهِ خَرَّ مَيِّتًا أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي هَارُونُ أَبُو مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ جَعْفَر وَعبد الْملك ابْن الْمَاجَشُونِ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا دَفَنَ حُبَابَةَ رَجَعَ فَمَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى خُرِجَ بِنَعْشِهِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ إِنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَصْفُو لأَحَدٍ عَيْشُهُ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ لَا يُكَدِّرُهُ شَيْءٌ سَأُجَرِّبُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ إِذَا كَانَ غَدًا فَلا تُخْبِرُونِي بِشَيْءٍ وَلا يَأْتِينِي كِتَابٌ وَخَلا هُوَ وَحُبَابَةُ فَأُتِيَا بِمَا يَأْكُلانِ فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً فَشَرِقَتْ بِحَبَّةٍ مِنْهَا فَمَاتَتْ فَأَقَامَ لَا يَدْفِنُهَا حَتَّى تَغَيَّرَتْ وَأَنْتَنَتْ وَهُوَ يَشُمُّهَا وَيَلْثُمُهَا فَعَاتَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَذِنَ فِي غُسْلِهَا وَخَرَجَ مَعَهَا فَلَمَّا دفنت قَالَ صاحبت وَاللَّهِ كَمَا قَالَ كُثَيِّرٌ فَإِنْ تَسْلُ عَنْكَ النَّفْسُ أَوْ تَدَعِ الصِّبَا ... فَبِالْيَأْسِ تَسْلُو عَنْكَ لَا بِالتَّجَلُّدِ ... فَمَا أَقَامَ إِلا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى دُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا وَفِي رِوَايَةٍ بَقِيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَخَرَجَ يَوْمًا فَقَالَ انْبِشُوهَا حَتَّى أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَقِيلَ لَهُ تَصِيرُ حَدِيثًا فَسَكَتَ وَحَكَى الأَصْبَهَانِيُّ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ بِنَبْشِهَا بَعْدَ ثَلاثٍ فَنُبِشَتْ وَكُشِفَ لَهُ عَنْ وَجْهِهَا وَقَدْ تَغَيَّرَتْ تَغَيُّرًا قَبِيحًا فَقِيلَ لَهُ أَلا تَرَاهَا كَيْفَ صَارَتْ

стр. 540

فَقَالَ مَا رَأَيْتُهَا قَطُّ أَحَسَنَ مِنْهَا الْيَوْمَ أَخْرِجُوهَا فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى سَكَتَ ثُمَّ مَاتَ عُقَيْبَ ذَلِكَ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ التَّوْزِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الرُّصَافِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ مُصْعَبًا يَقُولُ قَرَأْتُ عَلَى لَوْحَيْنِ مَكْتُوبًا عَلَيْهِمَا عَلَى قَبْرَيْنِ أَمُغَطَّى مِنِّي عَلَى بَصَرِي فِي الْحُبِّ أَمْ أَنْتَ أَكْمَلُ النَّاسِ حُسْنَا وَحَدِيثٌ أَلَذُّهُ هُوَ مِمَّا ... يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنَا وَرَأَيْتُ امْرَأَةً عِنْدَ الْقَبْرَيْنِ تَقُولُ بِأَبِي لَمْ تُمَتِّعْكَ الدُّنْيَا مِنْ لَذَّاتُهَا اسْتَوْدَعْتُكَ مَنْ وَهَبَكَ لِي ثُمَّ سَلَبَكَ أَسَرَّ مَا كُنْتُ بِكَ فَقُلْتُ لَهَا مَنْ هَذَا قَالَتِ ابْنِي وَهَذِهِ ابْنَةُ عَمِّهِ كَانَ مُسَمَّى بِهَا فَلَيْلَةً زُفَّتْ إِلَيْهِ أَخَذَهَا وَجَعٌ أَتَى عَلَى نَفْسِهَا فَقَضَتْ فَانْصَدَعَ قَلْبُ ابْنِي فَلَحِقَتْ رُوحُهُ رُوحَهَا فَدَفَنْتُهُمَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قلت فَمن كتب هذَيْن البيتيتن قَالَتْ أَنَا كَانَ كَثِيرًا مَا يَتَمَثَّلُ بِهِمَا قُلْتُ مِمَّنْ أَنْتِ قَالَتْ فَزَارِيَّةٌ قُلْتُ وَمَنْ قَائِلُهُمَا قَالَتْ مَالِكُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَة ابْن حِصْنٍ يَقُولُهُمَا فِي امْرَأَتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي جُنْدَبٍ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ قَالَتْ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ يَا مُنَزِّلَ الْغَيْثِ بَعْدَمَا قَنَطُوا ... وَيَا وَلِيَّ الإِنْعَامِ وَالْمِنَنِ

стр. 541

يَكُونُ مَا شِئْتُ أَنْ يَكُونَ وَمَا ... قَدَرْتَ أَنْ لَا يَكُونُ لَمْ يَكُنِ لَوْ شِئْتَ إِذْ كَانَ حُبُّهَا عَرَضًا ... لَمْ تُرِنِي وَجْهَهَا وَلَمْ تَرَنِي يَا جَارَةَ الْحَيِّ كُنْتِ لِي سَكَنًا ... إِذْ لَيْسَ بَعْضُ الْجِيرَانِ بِالسَّكَنِ أَذْكُرُ مِنْ جَارَتِي مَحَاسِنَهَا ... طَرَائِقًا مِنْ حَدِيثِهَا الْحَسَنِ وَمِنْ حَدِيثٍ يَزِيدُنِي مِقَةً ... مَا لِحَدِيثِ الْمَوْمُوقِ مِنْ ثَمَنِ قَالَ فَكَتَبْتُهَا ثُمَّ قَامَتْ مُوَلِّيَةً بَلَغَنِي عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي نَهْدٍ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ مُرَّةُ زُوِّجَ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ جَمِيلَةٌ يُقَالُ لَهَا لَيْلَى وَكَانَ مُسْتَهَامًا بِهَا فَضُرِبَ عَلَيْهِ الْبَعْثُ إِلَى خُرَاسَانَ فَكَرِهَ فِرَاقَهَا وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدًا فَخَلَّفَهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ بِرَاذَانَ فَغَزَا ثُمَّ تَعَجَّلَ فَلَمَّا صَارَ بِرَاذَانَ جَلَسَ قَرِيبًا مِنَ الْقَصْرِ وَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ نَهَارًا فَخَرَجَتْ مِنَ الْقَصْرِ جَارِيَةٌ فَقَالَ لَهَا مَا فَعَلَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي خَلَّفْتَهَا عِنْدَكُمْ قَالَتْ أَمَا تَرَى ذَلِكَ الْقَبْرَ الْجَدِيدَ فَإِنَّهُ قَبْرُهَا فَلَمْ يُصَدِّقْ حَتَّى خَرَجَتْ أُخْرَى فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَتَى الْقَبْرَ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ فَيَا قَبْرَ لَيْلَى لَوْ شَهِدْنَاكَ أَعْوَلَتْ ... عَلَيْكَ نِسَاءٌ مِنْ فَصَيحٍ وَمِنْ عَجَمِ وَيَا قَبْرَ لَيْلَى مَا تَضَمَّنْتَ مِثْلَهَا ... شَبِيهًا لِلَيْلَى فِي عَفَّافٍ وَفِي كَرَمِ وَيَا قَبْرَ لَيْلَى أَكْرِمَنَّ مَحِلَّهَا ... تَكُنْ لَكَ مَا عِشْنَا عَلَيْنَا بِهَا نِعَمُ وَيَا قَبْرَ لَيْلَى إِنَّ لَيْلَى غَرِيبَةٌ ... بِرَاذَانَ لَمْ يَشْهَدْكَ خَالٌ وَلا ابْنُ عَمِ

стр. 542

وَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى مَاتَ فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ صَحِبَنِي فَتًى فِي بَعْضِ أَسْفَارِي فَكُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُهُ يَنْشِدُ هَذِهِ الأَبْيَاتَ أَلا إِنَّمَا التَّقْوَى رَكَائِبُ أُدْلِجَتْ ... وَأَدْرَكَتِ السَّارِي بِلَيْلٍ فَلَمْ يَنَمْ وَفِي صُحْبَةِ التَّقْوَى غناء وَثَرْوَةٌ ... وَفِي صُحْبَةِ الأَهْوَاءِ ذُلٌّ مَعَ النَّدَمْ فَلا تَصْحَبِ الأَهْوَاءَ وَاهْجُرْ مُحِبَّهَا وَكُنْ لِلْتُقَى إِلْفًا وَكُنْ فِي التُّقَى عَلَمْ فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا مَا هَذِهِ الأَبْيَاتُ الَّتِي أَسْمَعُكَ كَثِيرًا تَنْشُدُهَا فَضَحِكَ وَقَالَ كَيْفَ سَأَلْتَنِي عَنْهَا فَقُلْتُ لإِنِّي أَرَاكَ كَثِيرًا مَا تُنْشِدُهَا فَأَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ مِنْ قَوْلِكَ هِيَ قَالَ لَا وَلَكِنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَخٍ لِي وَلَهُ حَدِيثٌ عَجِيبٌ فَقُلْتُ لَهُ حَدَّثَنِي فَقَالَ نَعَمْ كَانَ لِي أَخٌ وَكُنْتُ أحبه الْحبّ الَّذِي لَا شَيْء بَعْدَهُ فَمَكَثْنَا بِذَلِكَ حِينًا فَلَزِمَ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ وَالأَدْبَ وَمَا رَأَيْتُ فَتًى مَعَ التَّقْوَى أَمْزَحُ مِنْهُ قَالَ ثُمَّ تَغَيَّرَ عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَعْهَدُ مِنْهُ مِنَ الْمِزَاحِ وَالسُّرُورِ وَحُسْنِ الْحَدِيثِ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ غَمَّنِي وَأَنْكَرْتُهُ فَخَلَوْتُ بِهِ يَوْمًا فَقُلْتُ يَا أَخِي مَا قِصَّتُكَ وَمَا حَالُكَ وَمَا الَّذِي نَزَلَ بِكَ أَخْبِرْنِي فَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ سُرِرْتُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا أَعَنْتُكَ عَلَيْهِ

стр. 543

قَالَ وَاللَّهِ يَا أَخِي مَا هُوَ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ وَلَكِنَّهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَلَسْتُ أُبْدِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ الأَمْرُ آخِرَهُ وَيَخْرُجَ مِنْ يَدِي وَلا أَسْتَطِيعُ رَدَّهُ قَالَ وَلَهِجَ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ أَلا إِنَّمَا التَّقْوَى رَكَائِبُ أُدْلِجَتْ ... قَالَ فَعَظُمَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِهِ وَشَغَلَ قَلْبِي وَأَخَذَهُ شَبِيهٌ بِالسَّهْوِ وَيَقُولُ فِي بَعْضِ السَّاعَاتِ رَبِّ لَا تَسْلُبْنِي دِينِي وَلا تَفْتِنِّي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا أَرَاهُ إِلا وَقَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ وَسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فَهُوَ يَخَافُ وَمَكَثَ بِذَلِكَ حِينًا مَا يَزْدَادُ إِلا ضَنًى وَجَعَلَ أَهْلُهُ يَسْأَلُونَنِي فَأَقُولُ وَاللَّهِ مَا علمي بِهِ إِلَّا كعلمكم وَلَقَد سَأَلته عَنْ حَالِهِ فَمَا يُخْبِرُنِي بِشَيْءٍ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الأَمْرُ فَسَقَطَ عَلَى الْفِرَاشِ وَكَانَ النَّاسُ يَعُودُونَهُ وَدَخَلَ الأَطِبَّاءُ عَلَيْهِ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ سُلٌ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ غَمٌ وَاخْتَلَفَتْ فِي أَمْرِهِ عَلَيْنَا الأَقَاوِيلُ وَكَانَ لَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِهِ أَلا إِنَّمَا التَّقْوَى رَكَائِبُ أُدْلِجَتْ ... فَأَدْرَكَتِ السَّارِي بِلَيْلٍ فَلَمْ يَنَمْ قَالَ وَلَمْ يَزَلْ بِهِ الأَمْرُ حَتَّى غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَضَاقَ بِهِ مَكَانُهُ فَأَدْخَلْنَاهُ بَيْتًا فَكَانَ يَصْرُخُ اللَّيْلَ كُلَّهُ فَإِذَا مَلَّ مِنَ الصُّرَاخِ أَنَّ كَمَا يَئِنُّ الْمُدْنِفُ مِنْ عِلَّتِهِ فَأَشَارُوا عَلَيْنَا بِتَخَلِيَتِهِ وَقَالُوا إِنَّكُمْ إِنْ خَلَيْتُمُوهُ تَفَرَّحَ وَاسْتَرَاحَ فَخَلَيْنَاهُ فَكَانَ إِذَا أَصْبَحَ خَرَجَ فَقَعَدَ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِهِ سَأَلَهُ أَيْنَ تُرِيدُ فَيَقُولُ أُرِيدُ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ اذْهِبْ مَحْفُوظًا لَوْ كَانَ طَرِيقُكَ عَلَى بغيتنا أَو دعناك كَلامًا قَالَ فَمَرَّ بِهِ بَعْضُ إِخْوَانِهِ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ حَيْثُ تُحِبُّ فَهَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَا هِيَ فَقَالَ

стр. 544

تَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى الْحَبِيبِ تَحِيَّةً ... وَتَبُثُّهُ بِمَطَاوِلِ الأَسْقَامِ وَتَقُلْ لَهُ إِنَّ الْتُقَى زَمَّ الْهَوَى ... لَمَّا سَمَا مُسْتَعْجِلا بِزِمَامِ فَقَالَ أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ فَمَضَى فَمَا كَانَ بِأَسْرَعِ مِنْ أَنْ رَجَعَ فَقَالَ قَدْ بَلَّغْتُ الْقَوْمَ رِسَالَتَكَ قَالَ فَمَا قَالُوا قَالَ قَالُوا لَئِنْ كَانَ تَقْوَى اللَّهِ زَمَّكَ أَنْ تَنَلْ ... أُمُورًا نَهَى عَنْهَا فَهُنَّ حَرَامُ فَزُرْنَا لِنَقْضِيَ مِنْ حَدِيثٍ لُبَانَةً ... وَنَشْفِي نُفُوسًا آذَنَتْ بِسِقَامِ قَالَ فَوَثَبَ قَائِمًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ لَا قَلَّ مَنْ هَذَا وَفِيهِ لِذِي الْهَوَى ... شِفَاءٌ وَقَدْ يَسْلُوا الْفَتَى جِدُّ وَامِقِ إِذَا الْيَأْسُ حَلَّ الْقَلْبَ لَمْ يَنْفَعِ الْبُكَا ... وَهَلْ يَنْفَعُ الْمَعْشُوقُ دَمْعَةُ عَاشِقِ قَالَ وَمَضَى فَقُمْتُ خَلْفَهُ فَقُلْتُ لأَهْلِهِ لَا يَتْبَعُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ وَتَبِعْتُهُ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالرَّأْيِ وَالدِّينِ وَكَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ فَوَقَفَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ فَهَأَنَذَا قَدْ جِئْتُ أَشْكُو صَبَابَتِي ... وَأُخْبِرُكُمْ عَمَّا لَقِيتُ مِنَ الْحُبِّ وَأُظْهِرُ تَسْلِيمًا عَلَيْكُم لِتَعْلَمُوا ... بِأَنِّي وَصُولٌ ثُمَّ ذَا مِنْكُمْ حَسْبِي قَالَ فَلَمَّا فَهِمْتُ الْقِصَّةَ وَخَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُنِي أَحَدٌ أَوْ يَرَاهُ بَعْضُ مَنْ يَعْرِفُهُ أَوْ يَفْهَمَ قِصَّتَهُ خَرَجْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ مَا جُلُوسُكَ عَلَى بَابِ الْقَوْمِ وَلَمْ يَأْذَنُوا لَكَ قَالَ بَلَى فَقُلْتُ كَيْفَ وَهُمْ يَقُولُونَ بِاللَّهِ رَبِّكَ لَا تُمُرُّ بِبَابِنَا ... إِنَّا نَخَافُ مَقَالَةَ الْحُسَّادِ

стр. 545

وَدَعِ التَّعَتُّبَ وَالتَّذُكُّرَ إِنَّهُ ... يَنْقُلُهُ عَنْكَ أَجِلَّةُ الْعُوَّادِ قَالَ يَا صَالِحُ وَقَدْ قَالُوا هَذَا قُلْتُ نَعَمْ فَجَعَلَ يَهْذِي وَيَقُولُ إِنْ كَانَ قَدْ كَرِهُوا زِيَارَةَ عَاشِقٍ ... فَلَرُبَّ مَعْشُوقٍ يَزُورُ الْعَاشِقَا فَلَمَّا رَجَعَتْ سَأَلُونِي عَنْ قِصَّتِهِ فَقُلْتُ مَا أَخطَأ الجبان وَلم بَيْتَهُ فَلَمْ يَزَلْ زَائِلَ الْعَقْلِ حَتَّى مَاتَ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمد القارىء قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُحَسِّنُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَرَّاقُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّيْبُلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدٌ النِّعَالِيُّ غُلامُ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ انْصَرَفْتُ مِنْ جَِنَازَةٍ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ فَتَوَخَّيْتُ سِكَّةً ظَلِيلَةً فَاضْطَجَعْتُ عَلَى بَابِ دَارٍ فَسَمِعْتُ تَرَنُّمًا يَجْذِبُ الْقَلْبَ فَطَرَقْتُ الْبَابَ وَاسْتَسْقَيْتُ مَاءً فَإِذَا فَتَى ابْتَهَرْتُ بِجَمَالِهِ إِلا أَنَّ آثَارَ الْعِلَّةِ وَالسَّقَمِ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَأَدْخَلَنِي إِلَى خَيْشٍ نظيف وفرش سرى وَجَاءَتْ وَصِيفَةٌ مَعَهَا طِسْتٌ وَمِنْدِيلٌ فَغَسَلْتُ رِجْلِيَّ وَجَاءَتْ أُخْرَى بِطِسْتٍ فَغَسَلْتُ يَدَيَّ لِلْطَعَامِ وَأَقْبَلَ الْفَتَى ضَاحِكًا لِيُؤْنِسُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الْعَبْرَةَ فِي عَيْنَيْهِ وَأَقْبَلَ يَأْكُلُ كَأَنَّهُ يُغَصُّ بِمَا يَأْكُلُهُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يُنَشِّطُنِي فَلَمَّا انْقَضَى أَكْلُنَا أُتِينَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ قَدَحًا وَشَرِبْتُ آخَرَ ثُمَّ زَفَرَ زَفْرَةً ظَنَنْتُ أَنَّ أَعْضَاءَهُ قَدِ انْتُقِضَتْ وَقَالَ لِي يَا أَخِي إِنَّ لِي نَدِيمًا فَقُمْ بِنَا إِلَيْهِ فَقُمْتُ وَتَقَدَّمَنِي فَدَخَلَ مَجْلِسًا فَإِذَا قَبْرٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَخْضَرُ وَفِي الْبَيْتِ رَمْلٌ مَصْبُوبٌ فَقَعَدَ عَلَى الرَّمْلِ وَطَرَحَ لِي مُصَلَّى فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا قَعَدْتُ إِلا كَمَا تَقْعُدُ وَأَقْبَلَ يُرَدِّدُ الْعَبَرَاتِ ثُمَّ شَرِبَ كَأْسًا وَشَرِبْتُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ أَطَأُ التُّرَابَ وَأَنْتَ رَهْنُ حُفَيْرَةٍ ... هَالَتْ يَدَايَ عَلَى صَدَاكَ تُرَابَهَا إِنِّي لأَغْدَرُ مَنْ مَشَى إِنْ لَمْ أَطَأُ ... بِجِفُونِ عَيْنِيَ مَا حَيِّيتُ جَنَابَهَا

стр. 546

لَوْ أَنَّ جَمْرَ جَوَانِحِي مُتَلَبِّسٌ ... بالنَّار أطفأحرها وَأَذَابَهَا ثُمَّ أَكْبَ عَلَى الْقَبْرِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَجَاءَهُ غُلامٌ بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فَأَفَاقَ فَشَرِبَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ الْيَوْمُ ثَابَ لِيَ السُّرُورُ لأَنَّنِي ... أَيْقَنْتُ أَنَّ عَاجِلا بِكَ لاحِقُ فَغَدًا أُقَاسِمُكَ الْبِلَى وَيُسُوقُنِي ... طَوْعًا إِلَيْكَ مِنَ الْمَنِيَّةِ سَائِقُ ثُمَّ قَالَ لِي قَدْ وَجَبَ حَقِّي عَلَيْكَ فَاحْضُرْ غَدًا جَِنَازَتِي قُلْتُ يُطِيلُ اللَّهُ عُمْرَكَ قَالَ إِنِّي مَيِّتٌ لَا مَحَالَةَ فَدَعَوْتُ لَهُ بِالْبَقَاءِ فَقَالَ لَقَدْ عَقَقْتَنِي أَلا قُلْتَ جَاوِرْ خَلِيلَكَ مُسْعِدًا فِي رَمْسِهِ ... كَيْمَا يَنَالَكَ فِي الْبِلَى مَا نَالَهُ فَانْصَرَفْتُ وَطَالَتْ عَلَيَّ لَيْلَتِي وَغَدَوْتُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامَةَ الْقُضَاعِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ حرزاد قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر ابْن شَاذَانَ الْقُمِّيُّ قَالَ كَانَ عَمْرُو بْنُ يُوحَنَّا النَّصْرَانِيُّ يَسْكُنُ فِي دَارِ الرُّومِ بِبَغْدَادَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صُورَةً وَأَجْمَلُهُمْ وَكَانَ مُدْرَكُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ يَهْوَاهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْوَسْوَاسِ وَسُلَّ جِسْمُهُ وَذُهِلَ عَقْلُهُ فَلَزِمَ الْفِرَاشَ فَحَضَرَهُ جَمَاعَةٌ فَقَالَ لَهُمْ أَلَسْتُ صَدِيقَكُمُ الْقَدِيمُ الْعِشْرَةِ لَكُمْ أَمَا فِيكُمْ أَحَدٌ يُسْعِدُنِي بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ عَمْرٍو فَمَضَوْا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ إِنْ كَانَ قَتْلُ هَذَا الْفَتَى دِينًا إِنَّ إِحْيَاءَهُ لَمَرُوءَةٍ قَالَ وَمَا فَعَلَ قَالُوا قَدْ صَارَ إِلَى حَالٍ مَا أَظُنُّكَ تَلْحَقُهُ فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَنَهَضَ مَعَهُمْ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ عَمْرٌو وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ يَا سَيِّدِي فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ

стр. 547

أَنَا فِي عَافِيَةٍ إِلا ... مِنَ الشَّوْقِ إِلَيْكَا أَيُّهَا الْعَائِدُ مَا بِي ... مِنْكَ لَا يُخْفَى عَلَيْكَا لَا تَعُدْ جِسْمًا وَعُدْ قَلْبًا رَهِينًا فِي يَدَيْكَا كَيْفَ لَا يهْلك مرشو ... اق بِسَهْمِي مُقْلَتَيْكَا ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً فَارَقَ فِيهَا الدُّنْيَا فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى دَفَنُوهُ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَيُّوَيْهِ يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَر أَحْمد ابْن الْحَارِثِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ قَالَ حَجَّ ابْنُ أَبِي الْعَنْبَسِ الثَّقَفِيِّ فَجَاوَرَ وَمَعَهُ ابْنُ ابْنِهِ وَإِلَى جَانِبِهِ قَوْمٌ مِنْ آلِ أَبِي الْحَكَمِ مُجَاوِرُونَ وَكَانَ الْفَتَى يَجْلِسُ مَجْلِسًا يَشْرُفُ مِنْهُ عَلَى جَارِيَةٍ مِنْهُمْ فَعَشِقَهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأَجَابَتْهُ فَكَانَ يَأْتِيهَا فَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا فَلَمَّا أَرَادَ جَدَّهُ الرَّحِيلُ جَعَلَ الْفَتَى يَتَأَبَّى فَقَالَ لَهُ جَدُّهُ مَا يُبْكِيكَ يَا بُنَيَّ لَعَلَّكَ ذَكَرْتَ مِصْرَ وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَقَالَ نَعَمْ وَأَنْشَأَ يَقُولُ يُسَائِلُنِي غَدَاةَ الْبَيْنِ جَدِّي ... وَقَدْ بَلَّتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ نَحْرِي أَمِنْ جَزَعٍ بَكَيْتَ ذَكَرْتَ مِصْرَا ... فَقُلْتُ نَعَمْ ومابي ذِكْرُ مِصْرَ وَلَكِنْ لِلَّتِي خَلَّفْتُ خَلْفِي ... بَكَتْ عَيْنِي وَقَلَّ الْيَوْمَ صَبْرِي فَمَنْ ذَا إِنْ هَلَكْتُ وَحَانَ يَوْمِي ... يُخْبِرُ وَالِدِي دَائِي وَخَبَرِي فَيَحْفَظُ أَهْلَ مَكَّةَ فِي هَوَايَ ... وَإِنْ كَانُوا إِلَى قَتْلِي وَضَرِي

стр. 548

قَالَ فَارْتَحَلُوا فَلَمَّا خَرَجُوا عَنْ أَبْيَاتِ مَكَّةَ أَنْشَأَ يَقُولُ رَحَلُوا وَكُلُّهُمْ يَحِنُّ صَبَابَةً ... شَوْقًا إِلَى مِصْرَ وَدَارِي بِالْحَرَمِ لَيْتَ الرِّكَابَ غَدَاةً حَانَ فِرَاقُنَا ... كَانَتْ لُحُومًا قُسِّمَتْ فَوْقَ الْوَضَمِ رَاحُوا سِرَاعًا يَعْمَلُونَ مَطِيَّهُمْ ... قُدُمًا وَبِتُّ مِنَ الصَّبَابَةِ لَمْ أَنَمِ طُوبَى لَهُمْ يَسْعَوْنَ قَصْدَ سَبِيلِهِمْ وَالْقَلْبُ مُرْتَهِنٌ بِبَيْتِ أَبِي الْحَكَمِ ثُمَّ إِنَّ الْفَتَى اعْتُلَّ وَاشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ فَلَمَّا وَرَدُوا أَطْرَافَ الشَّامِ مَاتَ الْفَتَى فَدَفَنَهُ جَدُّهُ وَوُجِدَ عَلَيْهِ وِجْدًا شَدِيدًا وَقَالَ يُرَثِّيهِ يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ الْغَرِيبِ ... بِالشَّامِ مِنْ طَرَفِ الْكَثِيبِ لَمَّا سَمِعْتُ أَنِينَهُ ... وَنِدَاءَهُ عِنْدَ الْمَغِيبِ أَقْبَلْتُ أَطْلُبُ طِبَّهُ ... وَالْمَوْتُ يُعْضِلُ بِالطَّبِيبِ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ وَذَكَرَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَيُّوَيْهِ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي رِيَّاحُ بْنُ قُطَيْبٍ الأَسَدِيُّ عَنْ قَرِيبَةِ ابْنَةِ أَبَّاقٍ الدُّبَيْرِيَّةِ قَالَتْ كَانَ عَبْدُ الْمُخَبَّلِ وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَمْرٍو وَكَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِ فَخَلا بِهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ وَاضِعَةٌ ثِيَابهَا فَقَالَ لَهَا يَا أُمَّ عَمْرٍو هَلْ تَرَيْنَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النِّسَاءِ أَحْسَنُ مِنْكِ قَالَتْ نَعَمْ أُخْتِي مَيْلاءُ أَحْسَنُ مِنِّي قَالَ فَكَيْفَ لِي بِأَنْ تُرِينِيهَا قَالَتْ إِنْ عَلِمَتْ بِكَ لَمْ تُخْرُجْ إِلَيْكَ وَلَكِنْ أُخَبِّأُكَ فِي السِّتْرِ وَأَبْعَثُ إِلَيْهَا فَفَعَلْتُ فَجَاءَتْ مَيْلاءُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا عَشِقَهَا فَلَمَّا تَرَوَّحَتْ مِنْ عِنْدِ أُخْتِهَا عَارَضَهَا مِنْ مَكَانٍ لَا تَحْتَسِبُهُ فَشَكَا إِلَيْهَا حُبَّهَا وَأَعْلَمَهَا أَنَّهُ قَدْ رَآهَا فَقَالَتْ وَاللَّهِ يَا بن عَمِّ

стр. 549

مَا وَجَدْتَ بِي مِنْ شَيْءٍ إِلا قَدْ وَجَدْتُ بِكَ مِثْلَهُ وَظَنَّتْ أُمُّ عَمْرٍو أَنَّهُ قَدْ عَشِقَ أُخْتَهَا فَتَبِعَتْهُمَا حَتَّى رَأَتْهُمَا قَاعِدَيْنِ جَمِيعًا فَمَضَتْ قَصْدَ إِخْوَتِهَا وَكَانُوا سَبْعَةً فَقَالَتْ إِمَّا أَنْ تُزَوِّجُوا كَعْبًا مِنْ مَيْلاءَ وَإِمَّا أَنْ تُغَيِّبُوهَا عَنِّي فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ إِخْوَتَهَا هَرَبَ فَرَمَى بِنَفْسِهِ نَحْوَ الشَّامِ وَقَالَ أَفِي كُلِّ يَوْمٍ أَنْتَ مِنْ بَارِحِ الْهَوَى ... إِلَى الشُّمِّ مِنْ أَعْلامِ مَيْلاءَ تَنْظُرُ فَرَوَى هَذَا الْبَيْتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى أُمِّ عَمْرٍو وَأُخْتِهَا مَيْلاءَ وَقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا وَسَأَلَهُمَا عَنِ الطَّرِيقِ فَقَالَتْ أُمُّ عَمْرٍو يَا مَيْلاءُ صِفِي لَهُ الطَّرِيقَ فَتَمَثَّلَ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ فَعَرَفَتِ الشِّعْرَ فَقَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ قَالَ مِنَ الشَّامِ قَالَتْ فَمِنْ أَيْنَ رُوِّيتَ هَذَا الشِّعْرَ قَالَ رُوِّيتُهُ عَنْ أَعْرَابِيٍّ بِالشَّامِ قَالَتْ أَوَ تَدْرِي مَا اسْمُهُ قَالَ كَعْبٌ قَالَتْ فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَبْرَحَ حَتَّى يَرَاكَ إِخْوَتُنَا فَيُكْرِمُوكَ وَيَدُلُّوكَ عَلَى الطَّرِيقِ فَنَزَلَ الرَّجُلُ فَجَاءَ إِخْوَتُهُمَا فَأَخْبَرَاهُمُ الْخَبَرَ وَكَانُوا مُهْتَمِّينَ بِكَعْبٍ لأَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّهِمْ فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ كَعْبًا بِالشَّامِ فَوَجَدُوهُ فَأَقْبَلُوا بِهِ حَتَّى إِذَا صَارَ إِلَى بَلَدِهِمْ نَزَلَ فِي بَيْتٍ نَاحِيَةٍ مِنَ الْحَيِّ فَرَأَى نَاسًا قَدِ اجْتَمَعُوا عِنْدَ الْبُيُوتِ فَقَالَ كَعْبٌ لِغُلامٍ قَائِمٍ وَكَانَ قَدْ تَرَكَ بُنَيًّا لَهُ صَغِيرًا يَا غُلامُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ كَعْبٌ قَالَ فَعَلامَ يَجْتَمِعُ هَؤُلاءِ قَالَ عَلَى خَالَتِي مَيْلاءَ مَاتَتِ السَّاعَةَ فَزَفِرَ زَفْرَةً خَرَّ مِنْهَا مَيِّتًا فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِهَا أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ قَالَ أَنْبَأَنَا الأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي الرِّيَاشِيُّ عَنِ الأَصْمَعِيِّ عَنْ جَبْرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ أَقَبَلْتُ مِنْ مَكَّةَ أُرِيدُ الْيَمَامَةَ فَنَزَلْتُ

стр. 550

بِحَيٍّ مِنْ عَامِرٍ فَأَكْرَمُوا مَثْوَايَ فَإِذَا فَتًى حَسَنُ الْهَيْئَةِ قَدْ جَاءَنِي فَسَلَّمَ عَلِيَّ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ أَيُّهَا الرَّاكِبُ قُلْتُ الْيَمَامَةَ قَالَ أَتَأْذَنُ فِي صُحْبَتِكَ إِلَى الْيَمَامَةِ قُلْتُ أَحَبُّ مَصْحُوبٌ فَقَامَ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِنَاقَةٍ كَأَنَّهَا قَلْعَةٌ بَيْضَاءُ وَعَلَيْهَا أَدَاةٌ حَسَنَةٌ فَأَنَاخَهَا قَرِيبًا مِنْ مَبِيتِي وَتَوَسَّدَ ذِرَاعَهَا فَلَمَّا هَمَمْتُ بِالرَّحِيلِ أَيْقَظْتُهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَائِمًا فَقَامَ فَأَصْلَحَ رَحْلَهُ فَرَكِبَ وَرَكِبْتُ فَقَصَّرَ عَلِيَّ يَوْمِي بِصُحْبَتِهِ وَهُوَ لَا يُنْشُدُنِي إِلا بَيْتًا مُعْجَبًا فِي الْهَوَى فَلَمَّا قَرِبْنَا مِنَ الْيَمَامَةِ مَالَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى أَبْيَاتٍ قَرِيبَةٍ مِنَّا ثُمَّ قَالَ هَلْ أَنْتَ مُوفٍ حَقَّ الصُّحْبَةِ قُلْتُ أَفْعَلُ قَالَ مِلْ مَعِي فَمِلْتُ مَعَهُ فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ الصِّرْمِ ابْتَدَرُوهُ وَأَظْهَرُوا السُّرُورَ ثُمَّ قَالَ قُومُوا إِنْ شِئْتُمْ فَصِرْنَا إِلَى قَبْرٍ حَدِيثِ التَّطْيِينِ فَأَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ لَئِنْ مَنَعُونِي فِي حَيَاتِي زِيَارَةً ... أُحَامِي بِهَا نَفْسًا تَرَشَّفَهَا الْحُبُّ فَلَنْ يَمْنَعُونِي أَنْ أُجَاوِرَ لَحْدَهَا ... فَيَجْمَعُ جِسْمَيْنَا التَّجَاوُرُ وَالتُّرْبُ ثُمَّ أَنَّ أَنَّاتٍ فَمَاتَ فَأَقَمْتُ مَعَ الْفِتْيَانِ حَتَّى دَفَنَّاهُ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا ابْنُ سَيِّدِ هَذَا الْغَائِطِ وَهَذِهِ ابْنَةُ عَمِّهِ وَكَانَ بِهَا مُغْرَمًا فَمَاتَتْ مُنْذُ ثَلاثٍ فَرَكِبْتُ وَاللَّهِ وَكَأَنِّي قَدْ ثُكِلْتُ حَمِيمًا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَحَدَّثَنَا السَّكَنُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ حَدثنِي مصدع بن غلاب الْحِمْيَرِي وَكَانَ مخضرما قَالَ وَأَدْرَكْتُهُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ وَمَا فِي وَفْرَتِهِ وَلِحْيَتِهِ بَيْضَاءُ

стр. 551

قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي غَلابٌ قَالَ كَانَ بِذِمَارٍ فَتَى مِنْ حِمْيَرَ يُقَالُ لَهُ زُرْعَةُ بْنُ رُقَيْمٍ وَكَانَ جَمِيلا شَاعِرًا لَا تَرَاهُ امْرَأَةٌ إِلا صَبَتْ إِلَيْهِ وَكَانَ فِي ظَهْرِ ذِمَارٍ شَيْخٌ كَثِيرُ الْمَالِ لَهُ بِنْتٌ تُسَمَّى مُفَدَّاةُ بَارِعَةُ الْجَمَالِ حَصِيفَةُ اللُّبِّ وَكَانَ زُرْعَةُ يَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا وَإِنَّهُ خَامَرَهُ مِنْ حُبِّهَا مَا غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَاحْتُجِبَتِ الْمُفْدَاةُ عَنْهُ فَامْتَنَعَ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالطَّعَامِ فَغَبَرَ بِذَلِكَ حَوْلا ثُمَّ مَاتَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْقَبَائِلِ فَبَلَغَ زُرْعَةَ أَنَّ الْمُفْدَاةَ فِي مَأْتَمٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَأْتَمِ فَاحْتُمِلَ حَتَّى عَلا نَشْزًا ثُمَّ شَهَِقَ فَمَاتَ فَبَلَغَ الْمُفْدَاةَ خَبَرُهُ فَجَاءَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَيْهِ فَهَمَّتْ أَنْ تُلْقِي نَفْسَهَا عَلَيْهِ ثُمَّ تَمَاسَكَتْ وَبَادَرَتْ خِبَاءَهَا فَسَقَطَتْ تَائِهَةَ الْعَقْلِ تُكَلَّمُ فَلا تُجِيبُ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهَا اللَّيْلُ رَفَعَتْ عَقِيرَتَهَا فَقَالَتْ بِنَفْسِيَ يَا زَرْعُ بْنُ أَرْقَمَ لَوْعَةٌ ... طُوَيْتُ عَلَيْهَا الْقَلْبَ وَالسِّرَّ كَاتِمُ لَئِنْ لَمْ أَمُتْ حُزْنًا عَلَيْهِ فَإِنَّنِي ... لأَلأَمُ مَنْ نِيطَتْ عَلَيْهِ التَّمَائِمُ لَئِنْ فُتَّنِي حَيًّا فَلَيْسَ بِفَائِتِي ... جِوَارَكَ مَيِّتًا حَيْثُ تُبْلَى الرَّمَائِمِ ثُمَّ تَنَفَّسَتْ نَفَسًا أَنْبَهَ مَنْ حَوْلَهَا فَإِذَا هِيَ مَيِّتَةٌ فَدُفِنَتْ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ حِمْيَرَ وَفَيْتُ لابْنِ مَالِكِ بْنِ أَرْطَاهْ ... كَمَا وَفَتْ لِزُرْعَةَ الْمُفْدَاهْ وَاللَّهِ لاخِسْتُ بِهِ أَوْ أَلْقَاهْ ... حَيْثُ يُلاقِي وَامِقٌ مَنْ يَهْوَاهْ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي البَّزَازُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ

стр. 552

بَعْضِ إِخْوَانِي مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ حَدَّثَنِي مَشْيَخَةٌ مِنْ خُزَاعَةٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِالطَّائِفِ جَارِيَةٌ عَفِيفَةٌ صَالِحَةٌ وَكَانَتْ لَهَا أُمٌّ مِنْ خِيَارِ النِّسَاءِ لَهَا فَضْلٌ وَدِينٌ وَكَانَتْ لَهُمْ بِضَاعَةٌ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ وَكَانَ يَتَّجِرُ لَهُمْ بِهَا وَيَعْطِيهِمْ فَضْلَهَا قَالَ فَبَعَثَ الرَّجُلُ إِلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ ابْنَهُ فِي حَاجَةٍ وَكَانَ غُلامًا جَمِيلا فَدَخَلَ وَالْجَارِيَةُ جَالِسَةٌ لَمْ تَعْلَمْ بِدُخُولِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَكَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ فَوَقَعَتْ بِقَلْبِهِ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَمَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكَ وَجَعَلَ الأَمْرُ يَتَزَايَدُ عَلَيْهِ حَتَّى تَغَيَّرَ عَقْلُهُ وَنَحِلَ جِسْمُهُ وَلَزِمَ الْوِحْدَةَ وَالْفِكْرَ وَكَتَمَ حَالَهُ وَجَعَلَ لَا يَقَرُّهُ قَرَارٌ فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهُ ذَلِكَ حَبَسُوهُ فِي بَيْتٍ وَأَوْثَقُوهُ فَكَانَ رُبَّمَا أَفْلَتَ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الصِّبْيَانُ فَيَقُولُونَ لَهُ مُتْ عِشْقًا مُتْ عِشْقًا قَالَ وَكَانَ يَقُولُ إِذَا كَثَرُوا عَلَيْهِ أَأُفْشِي إِلَيْكُمْ بَعْضَ مَا قَدْ أَصَابَنِي ... أَمِ الصَّبْرُ أَهْيَا بِالْفَتَى عِنْدَمَا يَلْقَى سَلامٌ عَلَى مَنْ لَا أُسَمِّي بِاسْمِهَا ... وَلَوْ صِرْتُ مِثْلَ الطَّيْرِ فِي غَيْضَةٍ مُلْقَى أَلا أَيُّهَا الصِّبْيَانُ لَوْ ذُقْتُمُ الْهَوَى ... لأَيْقَنْتُمْ أَنِّي أُحَدِّثُكُمْ حَقَّا أُحِبُّكُمْ مِنْ حُبِّهَا وَأَرَاكُمْ ... تَقُولُونَ لِي مُتْ يَا شُجَاعُ بِهَا عِشْقَا فَلَمْ تَنْصِفُونِي لَا وَلا هِيَ أَنْصَفَتْ ... فَرِفْقًا قَلِيلا بِالْفَتَى وَيْحَكُمْ رِفْقَا قَالَ فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِهِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ عَاشِقٌ جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَلا يُخْبِرُهُمْ بِقِصَّتِهِ وَلا يُجِيبُهُمْ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْهُ حَبَسُوهُ فِي بَيْتٍ وَقَيَّدُوهُ فَكَانَ إِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ هَتَفَ بِصَوْتٍ لَهُ حَزِينٍ يَقُولُ يَالَيْلُ أَنْتَ رَفِيقِي ... مِنْ بَيْنِ أَهْلِي وَمَالِي يَا لَيْلُ أَنْتَ أَنِيسِي ... مِنْ وَحْشَتِي وَاحْتِيَالِي

стр. 553

يَالَيْلُ إِنَّ شِكَاتِي ... إِلَيْكَ طُولُ اشْتِغَالِي بِمَنْ بَرَتْ جِسْمَ صَبٍّ ... فَصَارَ مِثْلَ الْخِلالِ فَالْجِسْمُ مِنِّي نَحِيلٌ ... لَمْ يَبْقَ إِلا خَيَالِي وَالشَّوْقُ قَدْ شَفَّ جِسْمِي ... وَلَيْسَ يَخْلُقُ بَالِي فَلَوْ رَآنِي عَدُوِّي لَرَقَّ لِي وَرَثَى لِي قَالَ فَلَمْ يَزَلْ تِلْكَ حَالُهُ حَتَّى مَاتَ وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَتَمَّ مِنْ هَذَا أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَلافِ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ حَدَّثَنِي مَشْيَخَةٌ مِنْ خُزَاعَةٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِالطَّائِفِ جَارِيَةٌ مُتَعَبِّدَةٌ ذَاتَ يَسَارٍ وَوَرَعٍ وَكَانَ لَهَا أُمٌّ أَشَدُّ عِبَادَةً مِنْهَا وَكَانَتْ مَشْهُورَةً بِالْعِبَادَةِ وَكَانَتَا قَلِيلَتَيِ الْمُخَالَطَةِ لِلنَّاسِ وَكَانَتْ لَهُمَا بِضَاعَةٌ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ فَكَانَ يُبَضِّعُهَا فهما لَهما رَزَقَهُمَا اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أَتَاهُنَّ بِهِ قَالَ فَبَعَثَ يَوْمًا ابْنَهُ وَكَانَ فَتًى جَمِيلا مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ إِلَيْهِنَّ بِبَعْضِ حَوَائِجِهِنَّ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَالَتْ أُمُّهَا مَنْ هَذَا قَالَ أَنَا ابْنُ فُلانٍ قَالَتْ ادْخُلْ فَدَخَلَ وَابْنَتُهَا فِي بَيْتٍ لَا تَعْلَمُ بِدُخُولِ الْفَتَى فَلَمَّا قَعَدَ مَعَهَا خَرَجَتِ ابْنَتُهَا وَهِيَ تَظُنُّ أَنَّهَا بَعْضُ نِسَائِهِنَّ حَتَّى جَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ قَامَتْ مُبَادِرَةً وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ مِنْ أَجْمَلِ الْعَرَبِ قَالَ وَوَقَعَ حُبُّهَا فِي قَلْبِهِ فَخَرَجَ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ فَجَعَلَ يَنْحَلُ وَيَذُوبُ وَلِزَمَ الْوِحْدَةَ وَالْفِكْرَ حَتَّى سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ عَلَى فِرَاشِهِ

стр. 554

فَدَعَا لَهُ أَبُوهُ الأَطِّبَاءَ فَجَعَلَ يَصِفُ كُلٌّ دَوَاءَ فَلَمَّا طَالَتْ عِلَّتُهُ دَعَا أَبُوهُ فِتْيَانًا مِنَ الْحَيِّ وَإِخْوَانَهُ الَّذِينَ كَانُوا لَهُ أُنْسًا فَقَالَ اخْلُوا بِهِ وَسَلُوهُ عَنْ عِلَّتِهِ لَعَلَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِبَعْضِ مايجده فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا بِي عِلَّةٌ أَعْرِفُهَا فَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ وَأُخْبِرُكُمْ بِمَا أَجِدُ مِنْهَا فَأَقَلُّوا الْكَلامَ وَكَانَ الْفَتَى ذَا عَقْلٍ فَلَمَّا طَالَ بِهِ الْوِجْدُ دَعَا امْرَأَةً مِنْ أَهْلِهِ وَقَالَ إِنِّي مُلْقٍ إِلَيْكِ حَدِيثًا مَا أَلْقَيْتُهُ إِلا عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ نَفْسِي فَإِنْ ضَمِنْتِ لِي كِتْمَانَهُ أَخْبَرْتُكِ وَإِلا صَبَرْتُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِي أَمْرِي وَبَعْدُ فَوَاللَّهِ مَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا قَبْلَكِ وَلَئِنْ كَتَمْتِ عَلَيَّ لَا أُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَكِ وَإِنَّ هَذَا الْبَلاءَ الَّذِي أَرَى لَا شَكَّ قَاتِلِي وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلِيَّ فِي مَحَبَّتِي لِمَنْ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ لَهُ صَائِنًا وَعَلَيْهِ مُشْفِقًا مِنْ تَزَيُّدِ النَّاسِ وَإِكْثَارِهِمْ فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أَمْرِي وَاجْعَلِيهِ مُحْرَزًا فِي صَدْرِكِ فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ قُلْ يَا بُنَيَّ فَوَاللَّهِ لأَكْتُمَنَّ أَمْرَكَ مَا بَقِيتُ فَقَالَ إِنَّ مِنْ قِصَّتِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ يَا بُنَيُّ أَفَلا أَخْبَرَتْنَا فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَلِمَةً تَسْكُنُ الْقَلْبَ فَلا تُفَارِقُهُ مِنْ كَلِمَةِ عَاشِقٍ أَخْبَرَ مَنْ يُحِبهُ أَن لَهُ وَامِقٌ فَتِلْكَ الْكَلِمَةُ تَزْرَعُ فِي قُلُوبِ ذَوِي الأَلْبَابِ شَجَرًا لَا تُدْرَكُ أُصُولُهُ فَقَالَ وَمَنْ لِي بِهَا وَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهَا وَقَدْ بَلَغَكِ حَالَهَا وَشِدَّةِ عِبَادَتِهَا قَالَتْ يَا بُنَيَّ عَلَيَّ أَنْ آتِيكَ بِمَا تُسَرُّ بِهِ فَلَبِسَتْ ثَوْبَهَا وَأَتَتْ مَنْزِلَ الْجَارِيَةِ فَدَخَلَتْ فَسَلَّمَتْ عَلَى أُمِّهَا وَحَادَثَتْهَا سَاعَةً فَسَأَلَتْهَا أُمُّهَا عَنْ حَالِهِ وَعَنْ وِجْدِهِ فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الأَوْجَاعَ وَالآلامَ فَمَا رَأَيْتُ وَجَعًا قَطُّ كَوَجَعِهِ وَإِنَّهُ لَيَزِيدُ وَيَتَرَاقَى وَهُوَ فِي ذَلِكَ صَابِرٌ غَيْرُ شَاكٍ قَالَتْ أَلا تَدْعُونَ لَهُ الأَطِّبَاءَ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا وَقَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى دَائِهِ

стр. 555

ثُمَّ قَامَتْ فَدَخَلَتْ عَلَى الْجَارِيَةِ فَسَلَّمَتْ عَلَيْهَا وَحَادَثَتْهَا سَاعَةً وَقَدْ كَانَ وَقَعَ إِلَى الْجَارِيَةِ خَبَرُهُ فَعَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِهَا فَقَالَتْ لَهَا الْمَرْأَةُ يَا بُنَيَّةُ أَبْلَيْتِ شَبَابَكِ وَأَفْنَيْتِ أَيَّامَكِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ قَالَتْ يَا عَمَّتَاهُ أَيَّةُ حَالِ سُوءٍ تَرَيْنِي عَلَيْهَا قَالَتْ لَا يَا بُنَيَّةُ وَلَكِنْ مِثْلُكِ يَفْرَحُ فِي الدُّنْيَا وَيَلَذُّ بِبَعْضِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ غَيْرَ تَارِكَةٍ لِطَاعَةِ رَبِّكِ وَلا مُفَارِقَةٍ لِخَدْمَتِهِ فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَكَ بِذَلِكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعًا قَالَتْ يَا عَمَّتَاهُ وَهَذِهِ الدَّارُ دَارُ بَقَاءٍ تَثِقُ بِهِ الْجَوَارِحُ فَتَجْعَلُ لِلَّهِ شَطْرَهَا وَلِلْدُنْيَا شَطْرَهَا أَمْ دَارُ فَنَاءٍ قَالَتْ لَا يَا بُنَيَّةُ بَلْ دَارُ فَنَاءٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِعِبَادِهِ فِيهَا سَاعَاتٍ صَدَقَةً مِنْهُ عَلَى النُّفُوسِ تَنَالُ فِيهَا مَا أُحِلَّ فَقَالَتْ صَدَقْتِ وَلَكِنْ لِلَّهِ عِبَادًا قَدْ سَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ وَرَضِيَتْ بِالصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ لِتَنَالَ جُمْلَةَ الْكَرَامَةِ وَإِنَّ كَلامَكِ لَيَدُلَّنِي عَلَى أَنَّ تَحْتَهُ عِلَّةٌ وَهُوَ الَّذِي حَمَلَكِ عَلَى مُنَاظَرَتِكِ لِي عَلَى مِثْلِ هَذَا وَقَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَظُنُّ قَبْلَ الْيَوْمِ فِيكِ أَنَّكَ تَأْمُرِينَ بِالْحِرْصِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالأَعْمَالِ الزَّكِيَّةِ فَقَدْ أَصْبَحْتِ مُتَغَيِّرَةً عَمَّا عَهِدْتُكِ عَلَيْهِ فَأَخْبِرِينِي بِمَا عِنْدَكِ فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ إِنَّ مِنْ قِصَّةِ فُلانٍ كَذَا وَكَذَا قَالَتْ قَدْ ظَنَنْتُ ذَلِكَ فَأَبْلِغِيهِ مِنِّي السَّلامَ وَقُولِي أَيْ أَخَاهُ إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لِمَلِيكٍ يُكَافِئُ مَنْ أَقْرَضَهُ بِالْعَطَايَا الْجَزِيلَةِ وَيُعِينُ مَنِ انْقَطَعَ إِلَيْهِ وَخَدَمَهُ وَلَيْسَ إِلَى الرُّجُوعِ بَعْدَ الْهِبَةِ سَبِيلٌ فَتَوَسَّلْ إِلَى مَوْلاكَ بِمَحَابَّةٍ وَاضْرَعْ إِلَيْهِ فِي غُفْرَانِ مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ مِنْ عَمَلٍ لَمْ تَهِبْهُ فِيهِ فَهُوَ أَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَهُ وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَعِظُكَ بِهِ فَإِذَا خَدَمْتَهُ قَدْرَ مَا عَصِيتَهُ طَابَ لَكَ الْفَرَاغُ عَنْ سُؤَالِ شَهَوَاتِ الْقُلُوبِ وَخَطَرَاتِ الصُّدُورِ فَإِنَّهُ لَا يُحْسَنُ بِعَبْدٍ كَانَ لِمَوْلاهُ عَاصِيًا أَنْ يَنْسَى ذُنُوبَهُ وَالاعْتِذَارِ مِنْهَا وَيَسْأَلُ الْحَوَائِجَ

стр. 556

فَاسْتَنْقِذْ نَفْسَكَ يَا أَخِي مِنْ مُهْلِكَاتِ الذُّنُوبِ وَلَسْتُ مُؤَيِّسَتُكَ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ رَآكَ مُتَبَتِّلا إِلَيْهِ أَنْ يَمُنَّ بِي عَلَيْكَ وَلْيَكُنْ مَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ نُصْبَ عَيْنَيْكَ وَلَا ترادني فِي المسئلة فَلا أُجِيبُكَ وَالسَّلامُ فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَقَالَتِهَا فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا فَقَالَتِ الْعَجُوزُ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً اللَّهُ فِي صَدْرِهَا مِثْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَتْكَ بِهِ فقد وَالله بالغت فِي النصحية فَلا تُلْقِ نَفْسَكَ لِمُهْلِكَاتِ الأُمُورِ فَتَنْدَمَ حَيْثُ لَا تُغْنِي النَّدَامَةُ وَلَوْ عَلِمْتَ يَا بُنَيَّ أَنَّ حِيلَةً تَنْفُذُ لاحْتَلْتُهَا وَلَكِنِّي رَأَيْتُهَا قَدْ جَعَلَتِ اللَّهُ نُصْبَ عَيْنَيْهَا وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لُهِيَ عَنْ زِينَةِ الدُّنْيَا فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ كَيْفَ لِي بِالْبُلُوغِ إِلَى مَا دَعَتْ إِلَيْهِ وَمَتَى تَكُونُ آخِرُ الْمُدَّةِ الَّتِي نَلْتَقِي فِيهَا وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ أَنَّهُ لَا يَقَرُّهُ قَرَارٌ حَبَسُوهُ فِي بَيْتٍ وَتَوَهَّمُوا أَنَّ الَّذِي بِهِ مِنْ عِشْقٍ فَكَانَ رَبُّمَا أَفْلَتَ فَيَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الصِّبْيَانُ فَيَقُولُونَ مُتْ عِشْقًا مُتْ عِشْقًا فَكَانَ يَقُولُ أَأُفْشِي إِلَيْكُمْ بَعْضَ مَا قَدْ يهجيني ... أَمِ الصَّبْرُ أَوْلَى بِالْفَتَى عِنْدَمَا يَلْقَى سَلامٌ عَلَى مَنْ لَا أُسَمِّي بِاسْمِهِ ... وَلَوْ صِرْتُ مِثْلَ الطَّيْرِ فِي غَيْضَةٍ مُلْقَى أَلا أَيُّهَا الصِّبْيَانُ لَوْ ذُقْتُمُ الْهَوَى ... لأَيْقَنْتُمْ أَنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَقَّا أُحِبُّكُمْ مِنْ حُبِّهَا وَأَرَاكُمْ ... تَقُولُونَ لِي مُتْ يَا شُجَاعُ بِهَا عِشْقَا فَلَمْ تَنْصِفُونِي لَا وَلا هِيَ أَنْصَفَتْ ... فَرِفْقًا رُوَيْدًا وَيْحَكُمْ بِالْفَتَى رِفْقَا فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِهِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ عَاشِقٌ جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَكَانَ لَا يُجِيبُهُمْ وَكَتَمَتِ الْعَجُوزُ قِصَّتَهُ فَأَخَذُوهُ فَحَبَسُوهُ فِي بَيْتٍ فَلَمْ يَزَلْ فِيهِ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ

стр. 557

أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْيَسَعِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد ابْن عَمْرو الدنيوري قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيُّ الْخَيَّاطُ قَالَ قَالَ أَبُو حَمْزَةَ رَأَيْتُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ قُطْنٍ الصُّوفِيِّ غُلامًا جَمِيلا فَكَانَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي سَفَرٍ وَلا حَضَرٍ فَمَكَثَا بِذَلِكَ زَمَانًا طَوِيلا فَمَاتَ الْغُلامُ وَكُمِدَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ قُطْنٍ حَتَّى عَادَ جِلْدًا وَعَظْمًا فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا وَقَدْ خَرَجَ إِلَى الْمَقَابِرِ فَاتَّبَعْتُهُ فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ قَائِمًا يَبْكِي وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ وَالسَّمَاءُ تُمْطِرُ فَمَا زَالَ وَاقِفًا مِنْ وَقْتِ الضُّحَى إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ لَمْ يَبْرَحْ وَلَمْ يَجْلِسْ وَيَدُهُ عَلَى خَدِّهِ فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَاقِفٌ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجْتُ لأَعْرِفَ خَبَرَهُ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فَصِرْتُ إِلَى الْقَبْرِ فَإِذَا هُوَ مَكْبُوبٌ لِوَجْهِهِ مَيِّتٌ فَدَعَوْتُ مَنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ فَأَعَانُونِي على حملهفغسلته وَكَفَّنْتُهُ فِي ثِيَابِهِ وَدَفَنْتُهُ إِلَى جَانِبِ الْقَبْرِ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُذَحِجِيُّ الأَدِيبُ قَالَ كُنْتُ أَخْتَلِفُ فِي النَّحْوِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ خَطَّابٍ النَّحْوِيِّ فِي جَمَاعَةٍ أَيَّامَ الْحَدَاثَةِ وَكَانَ مَعَنَا أَسْلَمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَاضِي قُضَاةِ الأَنْدَلُسِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ مَنْ رَأَتْهُ الْعُيُونُ وَكَانَ مَعَنَا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ خَطَّابٍ أَحْمَدُ بْنُ كُلَيْبٍ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الأَدَبِ وَالشِّعْرِ فَاشْتَدَّ كَلَفُهُ بِأَسْلَمَ وَفَارَقَ صَبْرَهُ وَصَرَفَ فِيهِ الْقَوْلَ مُسْتَتِرًا بِذَلِكَ إِلَى أَنْ فَشَتْ أَشْعَارُهُ فِيهِ وَجَرَتْ عَلَى الأَلْسِنَةِ وَتُنُوشِدَتْ فِي الْمَحَافِلِ فَلَعَهْدِي بِعُرْسٍ فِي بَعْضِ الشَّوَارِعِ وَالنُّكُورِي الزَّامِرِ فِي وَسَطِ الْمَحَافِلِ يُزَمِّرُ بِقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ فِي أَسْلَمَ أَسْلَمَنِي فِي هَوَا ... أَسْلَمَ هَذَا الرَّشَا

стр. 558

غَزَالٌ لَهُ مُقْلَةٌ ... يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَا وَشَى بَيْنَنَا حَاسِدٌ ... سَيُسْأَلُ عَمَّا وَشَا وَلَوْ شَاءَ أَنْ يرْتَشِي ... عَلَى الْوَصْلِ رُوحِي ارْتَشَى وَمُغَنٍّ مُحْسِنٍ يُسَايِرُهُ فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْمَبْلَغِ انْقَطَعَ أَسْلَمُ عَنْ جَمِيعِ مَجَالِسِ الطَّلَبِ وَلَزِمَ بَيْتَهُ وَالْجُلُوسَ عَلَى بَابِهِ وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ كُلَيْبٍ لَا شُغْلَ لَهُ إِلا الْمُرُورَ عَلَى بَابِ دَارِ أَسْلَمَ سَائِرًا أَوْ مُقْبِلا نَهَارَهُ كُلَّهُ فَانْقَطَعَ أَسْلَمُ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى بَابِ دَارِهِ نَهَارًا فَإِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ وَاخْتَلَطَ الظَّلامُ خَرَجَ مُسْتَرْوِحًا وَجَلَسَ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَعِيلَ صَبْرُ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ فَتَحَيَّلَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَلَبِسَ جُبَّةَ صُوفٍ مِنْ جُبَابِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَاعْتَمَّ بِمِثْلِ عَمَائِمِهِمْ وَأخذ بِإِحْدَى يَدَيْهِ دجاحا وَبِالْيَدِ الأُخْرَى قَفَصًا فِيهِ بَيْضٌ كَأَنَّهُ قَدِمَ مِنْ بَعْضِ الضِّيَاعِ وَتَحَيَّنَ جُلُوسَ أَسْلَمَ عِنْدَ اخْتِلاطِ الظَّلامِ عَلَى بَابِهِ فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ يَا مَوْلايَ مَنْ يَقْبِضُ هَذَا فَقَالَ لَهُ أَسْلَمُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَجِيرُكَ فِي الضَّيْعَةِ الْفُلانِيَّةِ وَقَدْ كَانَ تَعَرَّفَ أَسْمَاءَ ضِيَاعِهِ وَالْعَامِلِينَ فِيهَا فَأَمَرَ أَسْلَمُ غِلْمَانَهُ بِقَبْضِ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي قُبُولِ هَدَايَا الْعَامِلِينَ فِي ضِيَاعِهِمْ ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَحْوَالِ الضَّيْعَةِ فَلَمَّا جَاوَبَهُ أَنْكَرَ الْكَلامَ فَتَأَمَّلَهُ فَعَرَفَهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَخِي إِلَى هَا هُنَا تتبعني أما كَفَاكَ انْقِطَاعِي عَنْ مَجَالِسِ الطَّلَبِ وَعَنِ الْخُرُوجِ جُمْلَةً وَعَنِ الْقُعُودِ عَلَى بِابِي نَهَارًا حَتَّى قَطَعْتَ عَلَيَّ جَمِيعَ مَالِي فِيهِ رَاحَةً فَقَدْ صِرْتَ فِي سِجْنِكَ وَاللَّهِ لَا فَارَقَتُ بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَعْرَ مَنْزِلِي وَلا جَلَسْتُ بَعْدَهَا عَلَى بَابِي لَا لَيْلا وَلا نَهَارًا ثُمَّ قَامَ وَانْصَرَفَ أَحْمَدُ بْنُ كُلَيْبٍ حَزِينًا كَئِيبًا قَالَ مُحَمَّدٌ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِنَا فَقُلْنَا لأَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ خَسِرْتَ دَجَاجَكَ وَبَيْضَكَ فَقَالَ هَاتِ كُلِّ لَيْلَةٍ قُبْلَةَ يَدِهِ وَأَخْسَرُ أَضْعَافَ ذَلِكَ

стр. 559

قَالَ فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ رُؤْيَتِهِ الْبَتَّةَ نهكته الْعلَّة وأضجعه المرضى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَأَخْبَرَنِي شَيْخُنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَطَّابٍ قَالَ فَعُدْتُهُ فَوَجَدْتُهُ بِأَسْوَإِ حَالٍ فَقُلْتُ لَهُ وَلِمَ لَا تَتَدَاوَى فَقَالَ دوائي مرعوف وَأَمَّا الأَطِّبَاءُ فَلا حِيلَةَ لَهُمْ فِيَّ الْبَتَّةَ فَقُلْتُ لَهُ وَمَا دَوَاؤُكَ قَالَ نَظْرَةٌ مِنْ أَسْلَمَ فَلَوْ سَعَيْتُ فِي أَنْ يَزُورَنِي لأَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ بِذَلِكَ وَأَجْرَهُ قَالَ فَرَحِمْتُهُ وَتَقَطَّعَتْ نَفْسِي لَهُ حَسْرَةً فَنَهَضْتُ إِلَى أَسْلَمَ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي وَتَلَقَّانِي بِمَا يَجِبُ فَقُلْتُ لَهُ لِي حَاجَةً فَقَالَ وَمَا هِيَ قُلْتُ قَدْ عَلِمْتُ مَا جَمَعَكَ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ مِنْ ذِمَامِ الطَّلَبِ عِنْدِي فَقَالَ نَعَمْ وَلَكِنْ قَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ بَرَّجَ بِي وَشَهَّرَ اسْمِي وَآذَانِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ ذَلِكَ يُغْتَفَرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَالرَّجُلُ يَمُوتُ فَتَفَضَّلْ بِعِيَادَتِهِ فَقَالَ لِي وَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَلا تُكَلِّفُنِي هَذَا فَقُلْتُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهِ شَيْءٌ وَإِنِّمَا هِيَ عِيَادَةُ مَرِيضٍ قَالَ وَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَجَابَ فَقُلْتُ لَهُ فَقُمِ الآنَ فَقَالَ لَسْتُ وَاللَّهِ أَفْعَلُ وَلَكِنْ غَدًا فَقُلْتُ لَهُ وَلا خُلْفَ قَالَ نَعَمْ فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِوَعْدِهِ بَعْدَ تَأَبِّيهِ فَسُرَّ بِذَلِكَ وَارْتَاحَتْ نَفْسُهُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ بَكَّرْتُ إِلَى أَسْلَمَ وَقُلْتُ لَهُ الْوَعْدَ قَالَ فَوَجِمَ وَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ تَحْمِلُنِي عَلَى خِطَّةٍ صَعْبَةٍ عَلَيَّ وَمَا أَدْرِي كَيْفَ أَطِيقُ ذَلِكَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ لَا بُد أَن تَقِيّ بِوَعْدِكَ لِي قَالَ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَنَهَضَ مَعِي رَاجِلا قَالَ فَلَمَّا أَتَيْنَا مَنْزِلَ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ وَكَانَ يَسْكُنُ فِي دَرْبٍ طَوِيلٍ وَتَوَسَّطَ الزُّقَاقَ وَقَفَ وَاحْمَرَّ وَخَجِلَ وَقَالَ لِي يَا سَيِّدِي السَّاعَةَ وَاللَّهِ أَمُوتُ وَمَا أَسْتَطِيعُ نَقْلَ قَدَمَيَّ وَلا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْرِضَ هَذَا عَلَى نَفْسِي فَقُلْتُ لَا تَفْعَلْ بَعْدَ أَنْ بَلَغْتَ الْمَنْزِلَ تَنْصَرِفُ قَالَ لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ وَاللَّهِ الْبَتَّةَ

стр. 560

قَالَ وَرَجَعَ هَارِبًا فَاتَّبَعْتُهُ وَأَخَذْتُ بِرِدَائِهِ فَتَمَادَى وَتَمَزَّقَ الرِّدَاءُ وَبَقِيَتْ قِطْعَةٌ مِنْهُ فِي يَدِي لِشِدَّةِ إِمْسَاكِي لَهُ وَمَضَى وَلَمْ أَدْرِكْهُ فَرَجَعْتُ وَدَخَلْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ قَالَ وَقَدْ كَانَ غُلامُهُ دَخَلَ عَلَيْهِ إِذْ رَآنَا مِنْ أَوَّلِ الزِّقَاقِ مُبَشِّرًا قَالَ فَلَمَّا رَآنِي تَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ وَأَيْنَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالْقِصَّةِ فَاسْتَحَالَ مِنْ وَقْتِهِ وَاخْتَلَطَ وَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ لَا يُعْقَلُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنَ الاسْتِرْجَاعِ فَاسْتَبْشَعْتُ الْحَالَ وَجَعَلْتُ أَتَوَجَّعُ وَقُمْتُ قَالَ فَثَابَ إِلَيْهِ ذِهْنُهُ وَقَالَ لِي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ اسْمَعْ مِنِّي وَاحْفَظْ عَنِّي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ أَسْلَمُ يَا رَاحَةَ الْعَلِيلِ ... رِفْقًا عَلَى الْهَائِمِ النَّحِيلِ وَصْلُكَ أَشْهَى إِلَى فُؤَادِي ... مِنْ رَحْمَةِ الْخَالِقِ الْجَلِيلِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ مَا هَذِهِ الْعَظِيمَةُ فَقَالَ قَدْ كَانَ قَالَ فَخَرَجَتْ عَنْهُ فَوَاللَّهِ مَا تَوَسَّطْتُ الزِّقَاقَ حَتَّى سَمِعْتُ الصُّرَاخَ عَلَيْهِ وَقَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ لَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذِهِ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ثِقَةٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ خَطَّابٍ ثِقَةٌ وَأَسْلَمُ هَذَا مِنْ بَنِي خَالِدٍ وَكَانَتْ فِيهِمْ وَزَارَةٌ وَحِجَابَةٌ وَهُوَ صَاحِبُ الدِّيوَانِ الْمَشْهُورِ فِي غِنَاءِ زِرْيَابٍ وَأَبُوهُ الآنَ فِي الْحَيَاةِ يُكَنَّى أَبَا الْجَعْدِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْخَوْلانِيِّ الْكَاتِبِ فَعَرَفَهَا وَقَالَ لِي لَقَدْ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ رَأَى أَسْلَمَ هَذَا فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْمَطَرِ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى قَبْرِ أَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ الْمَذْكُورِ زَائِرًا لَهُ قَدْ تَحَيَّنَ غَفْلَةَ النَّاسِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ وَأَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ التُّجِيبِيُّ لأَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ وَقَدْ أَهْدَى إِلَى أَسْلَمَ كِتَابَ الْفَصِيحِ لِثَعْلَبٍ هَذَا كِتَابُ الْفَصِيحِ ... بِكُلِّ لَفْظٍ مَلِيحِ وَهَبْتُهُ لَكَ طَوْعًا ... كَمَا وَهَبْتُكَ رُوحِي

стр. 561

أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى أَنَّ الزُّبَيْرَ أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ اللَّيْثِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ الْغِفَارِيُّ قَالَ أَقْحَمَتِ السَّنَةُ الْمَدِينَةَ نَاسًا مِنَ الأَعْرَابِ فَحَلَّ الْمِذَادَ صِرْمٌ مِنْ بَنِي كِلابٍ وَكَانُوا يُسَمُّونَ عَامَهُمْ ذَلِكَ الْجَرَّافَ فَغَدَوْتُ عَلَيْهِمْ فَإِذَا غُلامٌ مِنْهُمْ قَدْ عَادَ جلدا وعظما ضيقَة وضمانة وَمَرَضًا وَإِذَا هُوَ رَافِعٌ عَقِيرَتَهُ بِأَبْيَاتٍ قَالَهَا أَلا يَا سَنَا بَرْقٍ عَلَى قُلَلِ الْحِمَى ... لَهِنَّكَ مِنْ بَرْقٍ عَلَيَّ كَرِيمُ فَبِتُّ بِحَدِّ الْمِرْفَقَيْنِ أَشِيمُهُ ... كَأَنِّي لِبَرْقٍ بِالسِّتَارِ حَمِيمُ فَهَلْ مِنْ مُعِيرِي طَرْفَ عَيْنٍ خَلِيَّةٍ ... فَإِنْسَانُ طَرْفِ الْعَامِرِيِّ كَلِيمُ رَمَى قَلْبَهُ الْبَرْقُ الْمُلالِيُّ رَمْيَةً ... بِذِكْرِ الْحِمَى وَهْنًا فَكَادَ يَهِيمُ فَقُلْتُ لَهُ دُونَ مَا أَنْتَ فِيهِ لَمَا أَفْحَمَ عَنْ قَوْلِ الشِّعْرِ قَالَ صَدَقْتَ وَلَكِنَّ الْبَرْقَ أيقظني فوَاللَّه مَا لبث يَوْمه حَتَّى مَاتَ مَا بِهِ دَاء غير الوجد أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالَ ذَكَرَ ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ مُسَافِرُ بْنُ أَبِي عُمَرَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ يَتَعَشَّقُ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَنُذِرَ بِهِ أَهْلُهَا فَهَرَبَ فَلَحِقَ بِالنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَاعْتُلَّ ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ مَا فَعَلَتْ فُلانَةُ قَالَ تَزَوَّجَتْ فَشَهِقَ وَمَاتَ فِي مَكَانِهِ

стр. 562

قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ كَانَ الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّغْلَبِيُّ مِنْ أَهْلِ الأَدَبِ وَالظُّرْفِ فَوَاصَلَتْهُ جَارِيَةٌ وَكَانَ يُظْهِرُ لَهَا مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ وَهِيَ عَلَى غَايَةِ الْعِشْقِ لَهُ فَمَاتَتْ عِشْقًا لَهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ جَفَائِهِ لَهَا وَإِعْرَاضِهِ عَنْهَا فَرَآهَا لَيْلَةً فِي مَنَامِهِ وَهِيَ تَقُولُ أَتَبْكِي بَعْدَ قَتْلِكَ لِي عَلَيَّا ... فَهَلا كَانَ ذَا إِذْ كُنْتُ حَيَّا سَكَبْتَ دُمُوعَ عَيْنِكَ لِي عَلَيَّا ... وَمَنْ قَبْلِ الْمَمَاتِ تُسِي إِلَيَّا فَيَا قَمَرًا بَرَى جِسْمِي وَرُوحِي ... وَيَقْتُلُنِي وَمَا أَبْقَى عَلَيَّا أَقِلَّ مِنَ النِّيَاحَةِ وَالْمَرَائِي ... فَإِنِّي مَا أَرَاكَ صَنَعْتَ شَيَّا فَزَادَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الأَسَفِ وَالْغَمِّ وَالْبُكَاءِ حَتَّى فَاضَتْ نَفْسُهُ فَمَاتَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ الْحَسَنِ الْهَمَذَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ أَنْشَدَنَا جَدِّي قَالَ أَنْشَدَنِي جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ قَالَ أَنْشَدَنِي ابْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ أَنْشَدَنِي الْبَرْجَلانِيُّ ذَكَرْتُ فَتَى فِيمَا مَضَى كَانَ عَاشِقًا ... فَغَادَرَهُ رَيْبُ الزِّمَانِ فَخَانَهُ فَعَاشَ كَئِيبًا مُدْنِفًا فِي حَيَاتِهِ ... إِلَى أَنْ مَضَى لَمْ يَعْرِفِ النَّاسَ شَانَهُ بَلَى قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَاحَسْرَتِي عَلَى ... فَتَى لَا أُسَمِّيهِ وَعَضَّ بَنَانَهُ وَقَلَّبَ طَرْفَيْهِ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ ... وَأَنَّ بِشَهْقَاتٍ وَمَاتَ مَكَانَهُ فَيَا أَهْلَ وُدِّي هَكَذَا الْحُبُّ فِي الْهَوَى ... وَلَكِنَّ مَا هَذَا الزَّمَانُ زَمَانَهُ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ النَّحْوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 563

يَحْيَى بْنُ أَبِي حَمَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَصَفْتُ لِلْمَأْمُونِ جَارِيَةً بِكُلِّ مَا يُوصَفُ بِهِ امْرَأَةً مِنَ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ فَبَعَثَ فِي شِرَائِهَا فَأُتِيَ بِهَا وَقْتَ خُرُوجِهِ إِلَى بِلادِ الرُّومِ فَلَمَّا هَمَّ لِيَلْبِسَ دِرْعَهُ خَطَرَتْ بِبَالِهِ فَأَمَرَ فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا أُعْجِبَ بِهَا وَأُعْجِبَتْ بِهِ فَقَالَتْ مَا هَذَا قَالَ أُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى بِلادِ الرُّومِ قَالَتْ قَتَلْتَنِي وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي وَحَدَرَتْ دُمُوعُهَا عَلَى خَدِّهَا كَنِظَامِ اللُّؤْلُؤِ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ سَأَدْعُو دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ رَبًّا ... يُثِيبُ عَلَى الدُّعَاءِ وَيَسْتَجِيبُ لَعَلَّ الله أَنْ يَكْفِيكَ حَرْبًا ... وَيَجْمَعُنَا كَمَا تَهْوَى الْقُلُوبُ فَضَمَّهَا الْمأْمُونِ إِلَى صَدْرِهِ وَأَنْشَأَ مُتَمَثِّلا يَقُولُ فَيَا حُسْنَهَا إِذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَهَا ... وَإِذْ هِيَ تُذْرِي الدَّمْعَ مِنْهَا الأَنَامِلُ صَبِيحَةَ قَالَتْ فِي الْعِتَابِ قَتَلْتَنِي ... وَقَتْلِي بِمَا قَالَتْ هُنَاكَ تُحَاوِلُ ثُمَّ قَالَ لِخَادِمِهِ يَا مَسْرُورُ احْتَفِظْ بِهَا وَأَكْرِمْ مَحِلَّهَا وَأَصْلِحْ لَهَا كُلَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَقَاصِيرِ وَالْخَدَمِ وَالْجَوَارِي إِلَى وَقْتِ رُجُوعِي فَلَوْلا مَا قَالَ الأَخْطَلُ قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرِهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ ثُمَّ خَرَجَ فَلَمْ يَزَلْ يَتَعَاهَدُهَا وَيُصْلِحُ مَا أَمَرَ بِهِ فَاعْتَلَّتِ الْجَارِيَةُ عِلَّةً شَدِيدَةً أَشْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهَا وَوَرَدَ نَعْيُ الْمأْمُونِ فَلَمَّا بَلَغَهَا ذَلِكَ تَنَفَّسَتِ الصَّعْدَاءَ وَمَاتَتْ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْمُوسَائِيُّ الْعَلَوِيُّ يَقُولُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرُّصَافِيُّ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ إِنِّي خَرَجْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ أُرِيدُ الْحَجَّ وَإِذَا أَنَا بِفَتًى نَضْوٍ قَدْ نَهَكَهُ السِّقَامُ يَقِفُ عَلَى مَحْمَلٍ محمل وهودج وَهَوْدَجٍ وَيَطَّلِعُ فِيهِ فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ وَمِنْ فِعْلِهِ فَقَالَ

стр. 564

أَحُجَّاجَ بَيْتِ اللَّهِ فِي أَيِّ هَوْدَجٍ ... وَفِي أَيِّ خِدْرٍ مِنْ خُدُورِكُمْ قَلْبِي أَأَبْقَى أَسِيرَ الْحُبِّ فِي دَارِ غُرْبَةٍ ... وَحَادِيكُمْ يَحْدُو بِقَلْبِي فِي الرَّكْبِ فَلَمْ أَزَلْ أَقِفُ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ الْمَنْزِلَ فَاسْتَنَدَ إِلَى جِدَارٍ ثُمَّ قَالَ خَلِّ فَيْضَ الدَّمْعِ يَنْهَمِلُ ... بَانَ مَنْ تَهْوَاهُ فَارْتَحَلُوا كُلُّ دَمْعٍ صَانَهُ كَلِفٌ ... فَهُوَ يَوْمَ الْبَيْنِ مُبْتَذَلُ قَالَ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وَشَهِقَ شَهْقَةً فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرٌ قَالَ حَدَّثَ أَبُو عُمَرَ بن حيويه قَالَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الأَسَدِيُّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد ابْن زِيَادٍ الأَعْرَابِيُّ قَالَ خَرَجَ الأَحْوَصُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى دِمَشْقَ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ يُقَالُ لَهَا بِشْرَةُ وَكَانَ شَدِيدَ الإِعْجَابِ بِهَا لَا يَكَادُ يَصْبِرُ عَنْهَا وَكَانَتْ هِيَ لَهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ فَاشْتَكَى الأَحْوَصُ وَمَاتَ فَجَزِعَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَزَلْ تَنْدُبُهُ إِلَى أَنْ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَمَاتَتْ فَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِ قَبْرِهِ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّصَيْبِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي دِعْبِلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ قَالَ كَانَ بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مَالَ إِلَى جَارِيَةٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَتَعَاظَمَ أَمْرُهُ وَأَمْرُهَا فَكَانَ يَقُولُ فِيهَا الشِّعْرَ وَيَذْكُرُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ حُبِّهَا وَصَنَعُوا لَهُ كِتَابًا فِي ذَلِكَ مِثْلَ كِتَابِ جَمِيلٍ وَبُثَيْنَةَ وَعَفْرَاءَ وَعُرْوَةَ وَكُثَيِّرٍ

стр. 565

وَعَزَّةَ فَبَاعَهَا مَوْلاهَا لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ فَيُرْوَى أَنَّهُ مَاتَ حِينَ أُخْرِجَتْ مِنَ الْكُوفَةِ وَأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهَا مَوْتُهُ مَاتَتْ أَسَفًا عَلَيْهِ فَمِنْ شِعْرِهِ عِنْدَ فِرَاقِهَا جَدَّ الرَّحِيلَ وَحَثَّنِي صَحْبِي ... قَالُوا الرَّحِيلَ فَطَيَّرُوا لُبِّي وَاشْتَقْتُ شَوْقًا كَادَ يَقْتُلُنِي ... فَالنَّفْسُ مُشْرِفَةٌ عَلَى نَحْبِي لَمْ يَلْقَ عِنْدَ الْبَيْنِ ذُو كَلَفٍ ... يَوْمًا كَمَا لاقَيْتُ مِنْ كَرْبِ لَا صَبْرَ لِي عِنْدَ الْفِرَاقِ عَلَى ... فَقَدِ الْحَبِيبِ وَلَوْعَةِ الْحُبِّ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ الْبَدَنِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّمْنَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُون المقرىء قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ عَلِقَتْ فَتَاةٌ مِنَ الْعَرَبِ فَتًى مِنْ قَوْمِهَا وَكَانَ الْفَتَى عَاقِلا فَاضِلا فَجَعَلَتْ تُكْثِرُ التَّرَدُّدَ إِلَيْهِ فَتَسْأَلُهُ عَنْ أُمُورٍ مِنْ أُمُورِ النِّسَاءِ وَمَا بِهَا إِلا النَّظَرُ إِلَيْهِ وَاسْتِمَاعُ كَلامِهِ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا مَرِضَتْ وَتَغَيَّرَتْ وَاحْتَالَتْ فِي أَنْ خَلا لَهَا وَجْهُهُ فتعرضت لَهُ بِبَعْض الْأَمر فَدَفعهَا عَنهُ فتزايد الْمَرَض حَتَّى سَقَطت على الْفراش فَقَالَت لَهُ أمه إِن فُلَانَة قد مَرضت وَلها علينا حق قَالَ فَعُودِيهَا وَقُولِي لَهَا يَقُولُ لَكِ مَا خَبَرُكِ فَمَضَتْ إِلَيْهَا أُمُّهُ فَقَالَتْ لَهُ مَا بِكِ قَالَتْ وَجَعٌ فِي فُؤَادِي هُوَ أَصْلُ عِلَّتِي قَالَتْ فَإِنَّ ابْنِي يَقُولُ لَكِ مَا عِلَّتُكِ فَتَنَفَّسَتِ الصُّعْدَاءَ وَقَالَتْ يُسَائِلُنِي عَنْ عِلَّتِي وَهْوَ عِلَّتِي ... عَجِيبٌ مِنَ الأَنْبَاءِ جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ فَانْصَرَفَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ قد كنت أحب أَنْ تَسْأَلَهَا الْمَصِيرَ إِلَيْنَا فَنَقْضِي حَقَّهَا وَنَلِيَ خِدْمَتَهَا قَالَ فَسَلِيهَا ذَلِكَ قَالَتْ قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ
следующие страницы →