← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6870

ذم الهوى

ابن الجوزي

Полный текст (671 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى أَنَّ الزُّبَيْرَ أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ اللَّيْثِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ الْغِفَارِيُّ قَالَ أَقْحَمَتِ السَّنَةُ الْمَدِينَةَ نَاسًا مِنَ الأَعْرَابِ فَحَلَّ الْمِذَادَ صِرْمٌ مِنْ بَنِي كِلابٍ وَكَانُوا يُسَمُّونَ عَامَهُمْ ذَلِكَ الْجَرَّافَ فَغَدَوْتُ عَلَيْهِمْ فَإِذَا غُلامٌ مِنْهُمْ قَدْ عَادَ جلدا وعظما ضيقَة وضمانة وَمَرَضًا وَإِذَا هُوَ رَافِعٌ عَقِيرَتَهُ بِأَبْيَاتٍ قَالَهَا أَلا يَا سَنَا بَرْقٍ عَلَى قُلَلِ الْحِمَى ... لَهِنَّكَ مِنْ بَرْقٍ عَلَيَّ كَرِيمُ فَبِتُّ بِحَدِّ الْمِرْفَقَيْنِ أَشِيمُهُ ... كَأَنِّي لِبَرْقٍ بِالسِّتَارِ حَمِيمُ فَهَلْ مِنْ مُعِيرِي طَرْفَ عَيْنٍ خَلِيَّةٍ ... فَإِنْسَانُ طَرْفِ الْعَامِرِيِّ كَلِيمُ رَمَى قَلْبَهُ الْبَرْقُ الْمُلالِيُّ رَمْيَةً ... بِذِكْرِ الْحِمَى وَهْنًا فَكَادَ يَهِيمُ فَقُلْتُ لَهُ دُونَ مَا أَنْتَ فِيهِ لَمَا أَفْحَمَ عَنْ قَوْلِ الشِّعْرِ قَالَ صَدَقْتَ وَلَكِنَّ الْبَرْقَ أيقظني فوَاللَّه مَا لبث يَوْمه حَتَّى مَاتَ مَا بِهِ دَاء غير الوجد أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالَ ذَكَرَ ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ مُسَافِرُ بْنُ أَبِي عُمَرَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ يَتَعَشَّقُ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَنُذِرَ بِهِ أَهْلُهَا فَهَرَبَ فَلَحِقَ بِالنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَاعْتُلَّ ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ مَا فَعَلَتْ فُلانَةُ قَالَ تَزَوَّجَتْ فَشَهِقَ وَمَاتَ فِي مَكَانِهِ

стр. 562

قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ كَانَ الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّغْلَبِيُّ مِنْ أَهْلِ الأَدَبِ وَالظُّرْفِ فَوَاصَلَتْهُ جَارِيَةٌ وَكَانَ يُظْهِرُ لَهَا مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ وَهِيَ عَلَى غَايَةِ الْعِشْقِ لَهُ فَمَاتَتْ عِشْقًا لَهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ جَفَائِهِ لَهَا وَإِعْرَاضِهِ عَنْهَا فَرَآهَا لَيْلَةً فِي مَنَامِهِ وَهِيَ تَقُولُ أَتَبْكِي بَعْدَ قَتْلِكَ لِي عَلَيَّا ... فَهَلا كَانَ ذَا إِذْ كُنْتُ حَيَّا سَكَبْتَ دُمُوعَ عَيْنِكَ لِي عَلَيَّا ... وَمَنْ قَبْلِ الْمَمَاتِ تُسِي إِلَيَّا فَيَا قَمَرًا بَرَى جِسْمِي وَرُوحِي ... وَيَقْتُلُنِي وَمَا أَبْقَى عَلَيَّا أَقِلَّ مِنَ النِّيَاحَةِ وَالْمَرَائِي ... فَإِنِّي مَا أَرَاكَ صَنَعْتَ شَيَّا فَزَادَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الأَسَفِ وَالْغَمِّ وَالْبُكَاءِ حَتَّى فَاضَتْ نَفْسُهُ فَمَاتَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ الْحَسَنِ الْهَمَذَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ أَنْشَدَنَا جَدِّي قَالَ أَنْشَدَنِي جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ قَالَ أَنْشَدَنِي ابْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ أَنْشَدَنِي الْبَرْجَلانِيُّ ذَكَرْتُ فَتَى فِيمَا مَضَى كَانَ عَاشِقًا ... فَغَادَرَهُ رَيْبُ الزِّمَانِ فَخَانَهُ فَعَاشَ كَئِيبًا مُدْنِفًا فِي حَيَاتِهِ ... إِلَى أَنْ مَضَى لَمْ يَعْرِفِ النَّاسَ شَانَهُ بَلَى قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَاحَسْرَتِي عَلَى ... فَتَى لَا أُسَمِّيهِ وَعَضَّ بَنَانَهُ وَقَلَّبَ طَرْفَيْهِ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ ... وَأَنَّ بِشَهْقَاتٍ وَمَاتَ مَكَانَهُ فَيَا أَهْلَ وُدِّي هَكَذَا الْحُبُّ فِي الْهَوَى ... وَلَكِنَّ مَا هَذَا الزَّمَانُ زَمَانَهُ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ النَّحْوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 563

يَحْيَى بْنُ أَبِي حَمَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَصَفْتُ لِلْمَأْمُونِ جَارِيَةً بِكُلِّ مَا يُوصَفُ بِهِ امْرَأَةً مِنَ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ فَبَعَثَ فِي شِرَائِهَا فَأُتِيَ بِهَا وَقْتَ خُرُوجِهِ إِلَى بِلادِ الرُّومِ فَلَمَّا هَمَّ لِيَلْبِسَ دِرْعَهُ خَطَرَتْ بِبَالِهِ فَأَمَرَ فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا أُعْجِبَ بِهَا وَأُعْجِبَتْ بِهِ فَقَالَتْ مَا هَذَا قَالَ أُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلَى بِلادِ الرُّومِ قَالَتْ قَتَلْتَنِي وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي وَحَدَرَتْ دُمُوعُهَا عَلَى خَدِّهَا كَنِظَامِ اللُّؤْلُؤِ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ سَأَدْعُو دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ رَبًّا ... يُثِيبُ عَلَى الدُّعَاءِ وَيَسْتَجِيبُ لَعَلَّ الله أَنْ يَكْفِيكَ حَرْبًا ... وَيَجْمَعُنَا كَمَا تَهْوَى الْقُلُوبُ فَضَمَّهَا الْمأْمُونِ إِلَى صَدْرِهِ وَأَنْشَأَ مُتَمَثِّلا يَقُولُ فَيَا حُسْنَهَا إِذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَهَا ... وَإِذْ هِيَ تُذْرِي الدَّمْعَ مِنْهَا الأَنَامِلُ صَبِيحَةَ قَالَتْ فِي الْعِتَابِ قَتَلْتَنِي ... وَقَتْلِي بِمَا قَالَتْ هُنَاكَ تُحَاوِلُ ثُمَّ قَالَ لِخَادِمِهِ يَا مَسْرُورُ احْتَفِظْ بِهَا وَأَكْرِمْ مَحِلَّهَا وَأَصْلِحْ لَهَا كُلَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَقَاصِيرِ وَالْخَدَمِ وَالْجَوَارِي إِلَى وَقْتِ رُجُوعِي فَلَوْلا مَا قَالَ الأَخْطَلُ قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرِهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ ثُمَّ خَرَجَ فَلَمْ يَزَلْ يَتَعَاهَدُهَا وَيُصْلِحُ مَا أَمَرَ بِهِ فَاعْتَلَّتِ الْجَارِيَةُ عِلَّةً شَدِيدَةً أَشْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهَا وَوَرَدَ نَعْيُ الْمأْمُونِ فَلَمَّا بَلَغَهَا ذَلِكَ تَنَفَّسَتِ الصَّعْدَاءَ وَمَاتَتْ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْمُوسَائِيُّ الْعَلَوِيُّ يَقُولُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرُّصَافِيُّ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ إِنِّي خَرَجْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ أُرِيدُ الْحَجَّ وَإِذَا أَنَا بِفَتًى نَضْوٍ قَدْ نَهَكَهُ السِّقَامُ يَقِفُ عَلَى مَحْمَلٍ محمل وهودج وَهَوْدَجٍ وَيَطَّلِعُ فِيهِ فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ وَمِنْ فِعْلِهِ فَقَالَ

стр. 564

أَحُجَّاجَ بَيْتِ اللَّهِ فِي أَيِّ هَوْدَجٍ ... وَفِي أَيِّ خِدْرٍ مِنْ خُدُورِكُمْ قَلْبِي أَأَبْقَى أَسِيرَ الْحُبِّ فِي دَارِ غُرْبَةٍ ... وَحَادِيكُمْ يَحْدُو بِقَلْبِي فِي الرَّكْبِ فَلَمْ أَزَلْ أَقِفُ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ الْمَنْزِلَ فَاسْتَنَدَ إِلَى جِدَارٍ ثُمَّ قَالَ خَلِّ فَيْضَ الدَّمْعِ يَنْهَمِلُ ... بَانَ مَنْ تَهْوَاهُ فَارْتَحَلُوا كُلُّ دَمْعٍ صَانَهُ كَلِفٌ ... فَهُوَ يَوْمَ الْبَيْنِ مُبْتَذَلُ قَالَ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وَشَهِقَ شَهْقَةً فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرٌ قَالَ حَدَّثَ أَبُو عُمَرَ بن حيويه قَالَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الأَسَدِيُّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد ابْن زِيَادٍ الأَعْرَابِيُّ قَالَ خَرَجَ الأَحْوَصُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى دِمَشْقَ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ يُقَالُ لَهَا بِشْرَةُ وَكَانَ شَدِيدَ الإِعْجَابِ بِهَا لَا يَكَادُ يَصْبِرُ عَنْهَا وَكَانَتْ هِيَ لَهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ فَاشْتَكَى الأَحْوَصُ وَمَاتَ فَجَزِعَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَزَلْ تَنْدُبُهُ إِلَى أَنْ شَهِقَتْ شَهْقَةً فَمَاتَتْ فَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِ قَبْرِهِ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّصَيْبِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي دِعْبِلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ قَالَ كَانَ بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مَالَ إِلَى جَارِيَةٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَتَعَاظَمَ أَمْرُهُ وَأَمْرُهَا فَكَانَ يَقُولُ فِيهَا الشِّعْرَ وَيَذْكُرُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ حُبِّهَا وَصَنَعُوا لَهُ كِتَابًا فِي ذَلِكَ مِثْلَ كِتَابِ جَمِيلٍ وَبُثَيْنَةَ وَعَفْرَاءَ وَعُرْوَةَ وَكُثَيِّرٍ

стр. 565

وَعَزَّةَ فَبَاعَهَا مَوْلاهَا لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ فَيُرْوَى أَنَّهُ مَاتَ حِينَ أُخْرِجَتْ مِنَ الْكُوفَةِ وَأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهَا مَوْتُهُ مَاتَتْ أَسَفًا عَلَيْهِ فَمِنْ شِعْرِهِ عِنْدَ فِرَاقِهَا جَدَّ الرَّحِيلَ وَحَثَّنِي صَحْبِي ... قَالُوا الرَّحِيلَ فَطَيَّرُوا لُبِّي وَاشْتَقْتُ شَوْقًا كَادَ يَقْتُلُنِي ... فَالنَّفْسُ مُشْرِفَةٌ عَلَى نَحْبِي لَمْ يَلْقَ عِنْدَ الْبَيْنِ ذُو كَلَفٍ ... يَوْمًا كَمَا لاقَيْتُ مِنْ كَرْبِ لَا صَبْرَ لِي عِنْدَ الْفِرَاقِ عَلَى ... فَقَدِ الْحَبِيبِ وَلَوْعَةِ الْحُبِّ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ الْبَدَنِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّمْنَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُون المقرىء قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ عَلِقَتْ فَتَاةٌ مِنَ الْعَرَبِ فَتًى مِنْ قَوْمِهَا وَكَانَ الْفَتَى عَاقِلا فَاضِلا فَجَعَلَتْ تُكْثِرُ التَّرَدُّدَ إِلَيْهِ فَتَسْأَلُهُ عَنْ أُمُورٍ مِنْ أُمُورِ النِّسَاءِ وَمَا بِهَا إِلا النَّظَرُ إِلَيْهِ وَاسْتِمَاعُ كَلامِهِ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا مَرِضَتْ وَتَغَيَّرَتْ وَاحْتَالَتْ فِي أَنْ خَلا لَهَا وَجْهُهُ فتعرضت لَهُ بِبَعْض الْأَمر فَدَفعهَا عَنهُ فتزايد الْمَرَض حَتَّى سَقَطت على الْفراش فَقَالَت لَهُ أمه إِن فُلَانَة قد مَرضت وَلها علينا حق قَالَ فَعُودِيهَا وَقُولِي لَهَا يَقُولُ لَكِ مَا خَبَرُكِ فَمَضَتْ إِلَيْهَا أُمُّهُ فَقَالَتْ لَهُ مَا بِكِ قَالَتْ وَجَعٌ فِي فُؤَادِي هُوَ أَصْلُ عِلَّتِي قَالَتْ فَإِنَّ ابْنِي يَقُولُ لَكِ مَا عِلَّتُكِ فَتَنَفَّسَتِ الصُّعْدَاءَ وَقَالَتْ يُسَائِلُنِي عَنْ عِلَّتِي وَهْوَ عِلَّتِي ... عَجِيبٌ مِنَ الأَنْبَاءِ جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ فَانْصَرَفَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ قد كنت أحب أَنْ تَسْأَلَهَا الْمَصِيرَ إِلَيْنَا فَنَقْضِي حَقَّهَا وَنَلِيَ خِدْمَتَهَا قَالَ فَسَلِيهَا ذَلِكَ قَالَتْ قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ

стр. 566

وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ عَنْ رَأْيِكَ فَمَضَتْ إِلَيْهَا فَذَكَرَتْ لَهَا ذَلِكَ عَنْهُ فَبَكَتْ وَقَالَتْ يُبَاعِدُنِي عَنْ قُرْبِهِ وَلِقَائِهِ فَلَمَّا أَذَابَ الْجِسْمُ مِنِّي تَعَطَّفَا فَلَسْتُ بِآتِي موضعا فِيهِ قاتلي ... كف بِي سَقَامًا أَنْ أَمُوتَ كَذَا كَفَى وَتَرَامَتْ بِهَا الْعِلَّةُ وَتَزَايَدَ الْمَرَضُ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ قَالَ عَلِقَ بَدْرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْهَمَدَانِيُّ نُعْمَ بِنْتَ حَاجِبِ بْنِ عُطَارِدٍ وَكَانَ سَبَبُ عَلاقَتِهِ أَنَّهُ رَآهَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَفَتِنَتْهُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الْحُبَّ يَعْرِضُ لِي ... عِنْدَ الطَّوَافِ بِبَيْتِ اللَّهِ ذِي السُّتَرِ حَتَّى بَدَتْ فِي طَوَافِ الْبَيْتِ جَارِيَةٌ ... أَظُنُّهَا فِتْنَةً لَيْسَتْ مِنَ الْبَشَرِ ثُمَّ عَظُمَ عَلَيْهِ الأَمْرُ فِي لَيْلَتِهِ وَامْتَنَعَ النَّوْمُ مِنْهُ فَلَمَّا بَدَا الصُّبْحُ أَنْشَأَ يَقُولُ يَا صُبْحُ قَدْ جِئْتَ عَلَى ياس ... من عشاق مَاتَ بِوَسْوَاسِ صَبْرًا وَتَسْلِيمًا لِمَا قَدْ قَضَى ... ذُو الْمَنِّ وَالطُّولِ عَلَى رَأْسِي وَكَانَتْ تَنْزِلُ الْكُوفَةَ فَلَمَّا عَزَمَتْ عَلَى الرَّحِيلِ أَنْشَأَ يَقُولُ جَدَّ الرَّحِيلُ فَكَيْفَ وَيْحَكَ تَصْنَعُ ... أَتَرَاكَ تَصْبِرُ أَمْ إِخَالُكَ تَجْزَعُ

стр. 567

يَا بَدْرُ إِنَّكَ قَدْ شَقَيْتَ بِمَا تَرَى ... كَتَبَ الإِلَهُ عَلَيْكَ مَا لَا يُدْفَعُ أَبْصَرْتَ عِنْدَ الْبَيْتِ خَوْدًا غَادَةً ... ذَهَبَتْ بِعَقْلِكَ فَالرُّقَى لَا تَنْفَعُ ثُمَّ ارْتَحَلَ مَعَهَا إِلَى الْكُوفَةِ فَنَزَلَتْ فِي قَصْرِ حَاجِبٍ فَكَانَ يَجْلِسُ بِحِذَاءِ الْقَصْرِ وَيَقُولُ يَا قَصْرُ حَاجِبَ قَدْ أَصْبَحْتَ لِي سِجْنًا ... لَمْ يَبْقَ مِنْ فِيكَ لِي سَمْعًا وَلا بَصَرَا يَا قَصْرُ حَاجِبَ هَلْ لِي فِيكَ مِنْ طَمَعٍ ... أَمْ ذَاكَ مِنْكَ فَدَتْكَ النَّفْسُ قَدْ عُسِرَا اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مَا ذَكَرْتُكُمُ ... إِلا تَرَقْرَقَ مَاءُ الْعَيْنِ فَانْحَدَرَا وَنَظَرَ يَوْمًا إِلَى حَمَامٍ عَلَى سَطْحِ الْقَصْرِ قَدْ سَقَطَ إِلَيْهِ حَمَامٌ فَأَنْشَأَ يَقُولُ قَدْ بَدَا الصُّبْحُ لِي بِشَيْءٍ مَلِيحٍ ... فَرَّجَ الْكَرْبَ عَنْ فُؤَادٍ قَرِيحِ مِنْ حَمَامٍ رَأَيْتُهُ حِينَ أَوْفَى ... فَوْقَ سَطْحٍ يَدْعُو بِصَوْتٍ فَصِيحِ فَأَتَتْهُ حَمَامَةٌ فَدَنَتْ مِنْهُ ... دُنُوًا بِغَيْرِ أَمْرٍ قَبِيحِ فَزَجَرَتِ الْحَمَامَ نَفْسِي يَقِينًا ... وَزَجَرَتِ الأُخْرَى شَقِيقَةُ رُوحِي فَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِهَا وَكَثُرَ مَنْ يَعْذُلُهُ عَلَى مَا يُلْزِمُهُ نَفْسَهُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ أَيُّهَا الْعَاذِلُونَ بِاللَّهِ كُفُّوا ... عَنْ مَلامِي فَقَدْ خَلَعْتُ الْعَذَارَا لَسْتُ وَاللَّهِ قَابِلا مِنْ عَذُولٍ ... مَا بِهِ فِي الْهَوَى عَلَيَّ أَشَارَا وَكَانَ بَدْرٌ مَعْرُوفًا بِالشِّجَاعَةِ وَالنَّجْدَةِ وَالْعَقْلِ وَالْبَيَانِ فَأُدْخِلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَخَاطَبَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ وَغَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ وَأَحْسَنَ رِفْدَهُ وَأَخْرَجَهُ فِيمَنْ أُخْرِجَ إِلَى قِتَالِ ابْنِ الأَشْعَثِ فَعَمِلَ فِي الْحَرْبِ عَمَلا عُجِبَ مِنْهُ فِيهِ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي أَصْحَابِ ابْنِ الأَشْعَثِ وَعَظُمَتِ الْجِرَاحَ بِهِ فَقَالَ وَهُوَ بِآخِرِ رُمْقٍ احْمِلُونِي إِلَى الْكُوفَةِ فَادْفِنُونِي بِهَا فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِ فَاتَّصَلَ خَبَرُهُ بِنُعْمَ فَأَتَتْ قَبْرَهُ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ يَا مَنْ لِعَيْنٍ بِالدِّمُوعِ سَكُوبِ ... تَبْكِي قَتِيلا ثَاوِيًا بِقَلِيبِ

стр. 568

يَا بَدْرُ قَدْ أَشْجَيْتَنِي وَتَرَكْتَنِي ... فِي كُرْبَةٍ تَعْتَادَنِي وَنَحِيبِ بِأَبِي وَأمي من كريم سيد ... جَزِلِ الْعَطَايَا لِلأُلُوفِ وَهُوبِ لَهَفِي عَلَيْكَ إِذَا الْحُرُوبِ تَسَعَّرَتْ ... وَتَضَرَّمَتْ وَتَلَهَّبَتْ بِلَهِيبِ فَلأُبْكِيَنَّكَ مَا بَقِيتُ بِلَوْعَةٍ ... وَأَشُقُّ مِنْ جَزَعٍ عَلَيْكَ جُيُوبِي أَبْكِيكَ يَا بَدْرًا بِعَيْنٍ سَحَّةٍ ... وَغَلِيلِ قَلْبٍ مُوجَعٍ مَكْرُوبِ لَا خَيْرَ لِي يَا بَدْرُ بَعْدَكَ فِي الْبَقَا ... مَا خَيْرُ عَيْشٍ بَعْدَ هُلْكِ حَبِيبِ وَلَمْ تَزَلْ مُقِيمَةً عَلَى قَبْرِهِ تُقَلِّبُ عَلَيْهِ وَتَبْكِي حَتَّى مَاتَتْ فَدُفِنَتْ هُنَاكَ إِلَى جَانِبِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الأَصْبَهَانِيُّ بَلَغَنِي أَنَّ فَتًى مِنَ الأَعْرَابِ يُقَالُ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ هَوَى فَتَاةً مِنَ الْحَيِّ فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى أَنَّهُ يُحِبُّهَا هَجَرَتْهُ فَزَالَ عَقْلُهُ وَخُولِطَ وَأَشْفَى عَلَى التَّلَفِ وَصَارَ رَحْمَةً لِلنَّاسِ فَلَمَّا بَلَغَ الْمَرْأَةَ حَالُهُ وَمَا هُوَ فِيهِ أَتَتْ فَأَخَذَتْ بِعَضَادَتَيِ الْبَابِ فَقَالَتْ كَيفَ تجدك يَا امْرُؤ الْقَيْسِ فَقَالَ دَنَتِ وَظِلالُ الْمَوْتِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... وَأَدْلَتْ بِوَصْلٍ حِينَ لَا يَنْفَعُ الْوَصْلُ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِلا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ وَقَالَ الرَّيَّانُ بْنُ عَلِيٍّ الأَدِيبُ عَشِقَ فَتًى مِنْ أَبْنَاءِ بَعْضِ أَصْدَقَائِي جَارِيَةً فَأَنْحَلَهُ الْعِشْقُ وَتَيَّمَهُ فَزَالَ عَقْلُهُ وَأَخَذَ فِي الْهَجْرِ وَالْهَذَيَانِ فَمَرَرْتُ بِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فِي بَعْضِ الْخَرَابَاتِ فَقُلْتُ لَهُ أَبَا فُلانٌ مَا حَالُكَ فَقَالَ أَسْوَأُ حَالٍ عَقْلٌ هَائِمٌ وَغَمٌّ لازِمٌ وَفِكْرٌ دَائِمٌ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ تَيَّمَنِي حُبُّهَا وَأَضْنَانِي ... وَفِي بِحَارِ الْهُمُومِ أَلْقَانِي كَيْفَ احْتِيَالِي وَلَيْسَ لِي جَلَدٌ ... فِي دَفْعِ مَا بِي وَكَشْفِ أَحْزَانِي يَا رَبِّ فَاعْطِفْ بِقَلْبِهَا فَعَسَى ... تَرْحَمُ ضَعْفِي وَطُولَ أَشْجَانِي

стр. 569

ثُمَّ مَرَرْتُ بِهِ بَعْدَ أَيَّامٍ وَهُوَ يَبْكِي وَيَتَمَرَّغُ فِي التُّرَابِ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ يَا عَمِّ إِنِّي مَيِّتٌ اللَّيْلَةَ فَقُلْتُ اللَّهُ يَشْفِيكَ فَقُبِضَ فِي لَيْلَتِهِ وَقَالَ إِسْحَاقُ الرَّافِقِيُّ كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ بِالرَّافِقَةِ مَعَ عِدَّةٍ مِنَ الظُّرَفَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفِتْيَانِ وَمَعَنَا فَتًى كَأَهْيَأَ مَا رَأَيْتُ مِنَ الْفِتْيَانِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ ذِلَّةِ الْهَوَى يُدِيمُ الأَنِينَ وَالْبُكَاءَ فَغَنَّتْ إِحْدَاهُنَّ إِنِّي لأَبْغَضُ كُلَّ مُصْطَبِرٍ ... عَنْ إِلْفِهِ فِي الْوَصْلِ وَالْهَجْرِ الصَّبْرُ يُحْسَنُ فِي مَوَاطِنِهِ ... مَا لِلْفَتَى الْمُحْزُونِ وَالصَّبْرِ قَالَ فَنَظَرَ الْفَتَى إِلَيْهَا وَتَبَادَرَتْ عَبَرَاتُهُ ثُمَّ وَثَبَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأَسْهِ وَقَالَ غَدًا يَكْثُرُ الْبَاكُونَ مِنَّا وَمِنْكُمْ ... وَتَزْدَادُ دَارِي مِنْ دِيَارِكُمْ بُعْدَا ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ فَسَقَطَ مُجَدَّلا مِنْ قَامَتِهِ فَحَمَلْنَاهُ مَيِّتًا

стр. 570

الْبَابُ الثَّامِنُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ أَخْبَارِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسَبَبِ الْعِشْقِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكر ابْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سيعد بْنُ شَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ قَالَ كَانَ عِنْدَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فُقَهَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِيهِمْ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ إِذْ قَالَ خَالِدٌ حَدِّثُونَا بِحَدِيثِ عِشْقٍ لَيْسَ فِيهِ فُحْشٌ فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ زَعَمُوا أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ غَدْرُ النِّسَاءِ وَسُرْعَةُ تَزْوِيجِهِنَّ فَقَالَ هِشَامٌ إِنَّهُ لَيَبْلُغُنِي مَنْ ذَلِكَ الْعَجَبُ فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ أُحَدِّثُكَ عَمَّا بَلَغَنِي مِنْ ذَلِكَ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلا مِنْ بَنِي يَشْكُرَ يُقَالُ لَهُ غَسَّانُ بْنُ جَهْمَ بْنِ الْعُذَافِرِ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عُقْبَةَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الأَبْجَرِ وَكَانَ لَهَا مُحِبًّا وَكَانَتْ لَهُ كَذَلِكَ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَظَنَّ أَنَّهُ مُفَارِقُ الدُّنْيَا قَالَ ثَلاثَةُ أَبْيَاتٍ ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ عُقْبَةَ اسْمَعِي مَا أَقُولُ وَأَجِيبِي بِحَقٍّ فَقَدْ تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى مسئلتك عَنْ نَفْسِكِ بَعْدَ مَا يُوَارِينِي التُّرَابُ فَقَالَتْ قُلْ فَوَاللَّهِ لَا أُجِيبُكَ بِكَذِبٍ وَلا جَعَلْتُهُ آخِرَ حَظِّكَ مِنِّي فَقَالَ وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءً كَادَ يَمْنَعُهُ الْكَلامُ أَخَبْرِينِي مَاذَا تُرِيدِينَ بَعْدِي وَالَّذِي تَضْمُرِينَ يَا أُمَّ عُقْبَهْ تَحْفَظِينِي بَعْدَ مَوْتِي لِمَا قَدْ ... كَانَ مِنْ حُسْنِ خُلُقٍ وَصُحْبَهْ أَمْ تُرِيدِينَ ذَا جَمَالٍ وَمَالٍ ... وَأَنَا فِي التُّرَابِ فِي سِجْنِ غُرْبَهْ

стр. 571

فَأَجَابَتْهُ بِبُكَاءٍ وَانْتِحَابٍ قَدْ سَمِعْنَا الَّذِي تَقُولُ وَمَا قَدْ ... خِفْتُهُ يَا غَسَّانُ مِنْ أُمِّ عُقْبَهْ أَنَا مِنْ أَحْفَظِ النِّسَاءِ وَأَرْعَاهُ ... لِمَا قَدْ أَوْلَيْتَ مِنْ حُسْنِ صُحْبَهْ سَوْفَ أَبْكِيكَ مَا حَيِيتُ بِشَجْوٍ ... وَمَرَاثٍ أَقُولُهَا وَبِنُدْبَهْ قَالَ فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ طَابَتْ نَفْسُهُ وَفِي النَّفْسِ مَا فِيهَا فَقَالَ أَنَا وَاللَّهِ وَاثِقٌ مِنْكِ لَكِنْ ... رُبَّمَا خِفْتُ مِنْكِ غَدْرَ النِّسَاءِ بَعْدَ مَوْتِ الأَزْوَاجِ يَا خَيْرَ من عوشر ... فارعمى حَقِّي بِحُسْنِ الْوَفَاءِ إِنَّنِي قَدْ رَجَوْتُ أَنْ تَحْفَظِي الْعَهْدَ ... فَكُونِي إِنْ مِتُّ عِنْدَ الرَّجَاءِ ثُمَّ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ فَلَمْ يَنْطِقْ حَتَّى مَاتَ فَلَمْ تَلْبَثْ إِلا قَلِيلا حَتَّى خُطِبَتْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَرَغَبَتْ فِيهَا الأَزْوَاجُ لاجْتِمَاعِ الْخِصَالِ الْفَاضِلَةِ فِيهَا مِنَ الْعَقْلِ وَالْجَمَالِ وَالْعَفَافِ وَالْحَسَبِ فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُمْ سَأَحْفَظُ غَسَّانًا عَلَى بُعْدِ دَارِهِ ... وَأَرْعَاهُ حَتَّى نَلْتَقِي يَوْمَ نُحْشَرُ وَإِنِّي لَفِي شُغْلٍ عَنِ النَّاسِ كُلِّهِمْ ... فَكُفُّوا فَمَا مِثْلِي بِمَنْ مَاتَ يَغْدِرُ سَأَبْكِي عَلَيْهِ مَا حَيِيتُ بِعَبْرَةٍ ... تَجُولُ عَلَى الْخَدَّيْنِ مِنِّي فَتَكْثِرُ فَيَئِسَ النَّاسُ مِنْهَا حِينًا فَلَمَّا مَرَّتْ بِهَا الأَيَّامُ نَسِيَتْ عَهْدَهُ وَقَالَتْ مَنْ مَاتَ فَقَدْ فَاتَ فَأَجَابَتْ بَعْضَ خُطَّابِهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَرَادَ الدُّخُولَ بِهَا جَاءَهَا غَسَّانُ فِي النَّوْمِ وَقَدْ أَغْفَتْ فَقَالَ غَدَرْتِ وَلَمْ تَرْعَيْ لِبَعْلِكِ حُرْمَةً ... وَلَمْ تَعْرِفِي حَقًّا وَلَمْ تَحْفَظِي عَهْدَا وَلَمْ تَصْبِرِي حَوْلا حِفَاظًا لِصَاحِبٍ ... حَلَفْتِ لَهُ يَوْمًا وَلَمْ تُنْجِزِي وَعْدَا غَدَرْتِ بِهِ لَمَّا ثَوَى فِي ضَرِيحِهِ ... كَذَلِكَ يُنْسَى كُلُّ مَنْ سَكَنَ اللَّحْدَا فَلَمَّا قَالَ هَذِهِ الأَبْيَاتُ انْتَبَهَتْ مُرْتَاعَةً مُسْتَحِيِيَةُ مِنْهُ كَأَنَّهُ بَاتَ مَعَهَا فِي جَانِبِ

стр. 572

الْبَيْتِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْهَا مَنْ حَضَرَهَا مِنْ نِسَائِهَا فَقُلْنَ مَالَكِ وَمَا حالك وَمَا دَهَاكِ فَقَالَتْ مَا تَرَكَ غَسَّانُ بَعْدَهُ فِي الْحَيَاةِ أَرَبًا وَلا بَعْدَهُ فِي الْحَيَاةِ سُرُورٌ وَرَغْبَةٌ أَتَانِي فِي مَنَامِي السَّاعَةَ فَأَنْشَدَنِي هَذِهِ الأَبْيَاتَ وَأَنْشَدَتْهَا وَهِيَ تَبْكِي بِدَمْعٍ غَزِيرٍ وَانْتِحَابٍ شَدِيدٍ فَلَمَّا سَمِعْنَ ذَلِكَ مِنْهَا أَخَذْنَ بِهَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِتَنْسَى مَا هِيَ فِيهِ فَتَغَافَلَتْهُنَّ ثُمَّ قَامَتْ فَلَمْ يُدْرِكْنَهَا حَتَّى ذَبَحَتْ نَفْسَهَا حَيَاءً مِمَّا كَادَتْ تَرْكَبُ بَعْدَهُ مِنَ الْغَدْرِ بِهِ وَالنِّسْيَانُ لِعَهْدِهِ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ قَالَ ضَلَّتْ نَاقَةٌ لِفَتَى مِنْ تَمِيمٍ فَخَرَجَ إِلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي شَيْبَانٍ يَنْشُدُهَا فَإِنَّهُ لَكَذَلِكَ إِذْ بَصُرَ بِجَارِيَةٍ كَأَنَّهَا الشَّمْسُ حُسْنًا وَجَمَالا فَعَشِقَهَا عِشْقًا مُبْرِحًا فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَمَا تَمَالَكَ أَنْ رَجَعَ إِلَى حَيِّهِمْ فَلَمَّا هذأ اللَّيْلُ قَالَ لَعَلِّي أُسَكِنُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا بَعْضَ مَا بِي فَأَتَاهَا وَهِيَ جَالِسَةٌ وَإِخْوَتِهَا نِيَامٌ حَوْلَهَا فَقَالَ لَهَا يَا قُرَّةَ عَيْنِي قَدْ وَاللَّهِ أَذْهَبَ الشَّوْقُ عَقْلِي وَكَدَّرَ عَلَيَّ عَيْشِي فَقَالَتِ امْضِ إِلَى حَالِكَ وَإِلا نَبَّهْتُ إِخْوَتِي فَقَتَلُوكَ فَقَالَ لَهَا إِنَّ الْقَتْلَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الَّذِي أَنَا فِيهِ قَالَتْ وَهَلْ يَكُونُ شَيْءٌ أَشَدَّ مِنَ الْقَتْلِ قَالَ نَعَمْ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ حُبِّكِ قَالَتْ لَهُ فَمَا تَشَاءُ قَالَ أَمْكِنِينِي مِنْ يَدِكِ حَتَّى أَضَعَهَا عَلَى قَلْبِي وَلَكِ عَهْدُ اللَّهِ أَنِّي أَرْجِعُ فَفَعَلَتْ فَرَجَعَ فَلَمَّا كَانَتِ الْقَابِلَةُ عَادَ فَوَجَدَهَا عَلَى حَالِهَا فَقَالَتْ لَهُ كَقَوْلِهَا الأَوَّلِ فَقَالَ تُمَكِّنِينِي مِنْ شَفَتَيْكِ حَتَّى أَرْشُفَهَا وَأَنْصَرِفَ فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِنْهُ كَهَيْئَةِ النَّارِ فَأَقْبَلَتْ تَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَنَذُرَ بِهِ حَيُّهَا وَإِخْوَتُهَا فَقَالُوا مَا لِهَذَا الْكَلْبِ قَدْ أَطَالَ الْمُكْثَ فِي هَذَا الْجَبَلِ وَهُوَ يَتَخَطَّانَا

стр. 573

فَقَعَدُوا لِطَلَبِهِ فِي لَيْلَتِهِمْ تِلْكَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَّ الْقَوْمَ يُرِيدُونَكَ فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ وَإِيَّاكَ وَالْغَفْلَةَ فَجَاءَتِ السَّمَاءُ بِمَطَرٍ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَلَبِهِ ثُمَّ انْجَلَتِ السَّحَابُ وَطَلَعَ الْقَمَرُ فَتَطَيَّبَتِ الْجَارِيَةُ وَنَشَرَتْ شَعَرَهَا وَأُعْجِبَتْ بِنَفْسِهَا وَاشْتَهَتْ أَنْ يَرَاهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَالَتْ لِتُرْبٍ لَهَا قَدْ كَانَتْ أَطْلَعَتْهَا عَلَى شَأْنِهَا يَا فُلانَةُ أَسْعِدِينِي عَلَى الْمُضِيِّ إِلَيْهِ فَخَرَجَتَا تُرِيدَانِهِ وَهُوَ عَلَى الْجَبَلِ خَائِفٌ مِنَ الطَّلَبِ فَبَصَرَ بِشَخْصَيْنِ يَسِيرَانِ فِي الْقَمَرِ فَلَمْ يَشُكْ أَنَّهُمَا مِنَ الطَّالِبِينَ فَانْتَزَعَ سَهْمًا فَمَا أَخْطَأَ قَلْبَ صَاحِبَتِهِ فَسَقَطَتْ لِوَجْهِهَا مُضْرِجَةً بِدَمِهَا فَلَمْ تَزَلْ تَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَتْ فَبُهِتَ شَاخِصًا يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ نَعَبَ الْغُرَابُ بِمَا كَرِهْتُ ... وَلا إِزَالَةَ لِلْقَدَرْ تَبْكِي وَأَنْتَ قَتَلْتَهَا ... فَاصْبِرْ وَإِلا فَانْتَحِرْ ثُمَّ جَمَعَ نَبْلَهُ فَجَعَلَ يَجَأُ بِهَا أَوْدَاجَهُ حَتَّى قَتَلَ نَفْسَهُ ... أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الدُّولابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ انْحَدَرْتُ مِنْ سِرِّ مَنْ رَأَى مَعَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ العلث دعى بِالطَّعَامِ فَأَكَلْنَا وَحَوَّلَ مِنَ الْحَرَّاقَةِ الَّتِي فِيهَا الْخَدَمُ جَارِيَتَيْنِ عَوَّادَةَ وَطَنْبُورِيَّةَ وَمُدَّتْ سِتَارَةٌ فَغَنَّتِ الطَّنْبُورِيَّةُ يَا رَحْمَتَا لِلْعَاشِقِينَا ... مَا إِنْ أَرَى لَهُمْ مُعِينَا كَمْ يُهْجَرُونَ وَيُبْعَدُونَ ... وَيُضْرَبُونَ فَيَصْبِرُونَا فَقَالَتْ لَهَا الْعَوَّادَةُ فَيَصْنَعُونَ مَاذَا إِذَا لَمْ يَصْبِرُوا فَهَتَكَتِ السِّتَارَةِ وَقَالَتْ يَصْنَعُونَ هَكَذَا وَأَلْقَتْ بِنَفْسِهَا فِي دِجْلَةَ فَغَرِقَتْ

стр. 574

وَكَانَ عَلَى رَأْسِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ غُلامٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا فَلَمَّا رَأَى مَا صَنَعَتِ الْجَارِيَةُ قَالَ أَنْتِ الَّتِي غَرَّقْتِنِي ... بَعْدَ الْقَضَا لَوْ تَعْلَمِينَا لَا خَيْرَ بَعْدَكِ إِنْ بَقِينَا ... وَالْمَوْتُ زَيْنُ الْعَاشِقِينَا وَأَلْقَى نَفْسَهُ خَلْفَهَا فَغَرِقَ فَاشْتَدَّ عَلَى إِسْحَاقَ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمَا فَأُخْرِجَا مِنَ الْمَاءِ فَدُفِنَا وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ قَالَ حَدثنَا مَيْمُون بن هرون الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْن إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ انْحَدَرْتُ مِنْ سِرِّ مَنْ رَأَى مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَخِي إِسْحَاقَ وَدِجْلَةُ تَزْخَرُ مِنْ كَثْرَةِ مَائِهَا فَلَمَّا أَنْ سِرْنَا سَاعَةً قَالَ أَرْفُوا بِنَا ثُمَّ دَعَا بِطَعَامِهِ فَأَكَلْنَا ثُمَّ قَالَ مَا تَرَى فِي النَّبِيذِ قُلْتُ لَهُ أَعَزَّ اللَّهُ الأَمِيرَ هَذِهِ دِجْلَةُ قَدْ جَاءَتْ بِمَدٍّ عَظِيمٍ يُرْعِبُ مِثْلُهُ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْزِلِكَ مَبِيتُ لَيْلَةٍ فَلَوْ شِئْتَ أَخَرَّتَهُ قَالَ لَا بُدَّ لِي مِنَ الشِّرَابِ فَضُرِبَتْ سِتَارَةٌ وَانْدَفَعَتْ مُغَنِّيَةٌ فَغَنَّتْ ثُمَّ انْدَفَعَتْ أُخْرَى فَغَنَّتْ يَا رَحْمَتَا لِلْعَاشِقِينَا ... مَا إِنْ أَرَى لَهُمْ مُعِينَا كَمْ يُشْتَمُونَ وَيُضْرَبُونَ ... وَيُهْجَرُونَ فَيَصْبِرُونَا فَقَالَتْ لَهَا الْمُغَنِيَّةُ الأُولَى فَيَصْنَعُونَ مَاذَا قَالَتْ يَصْنَعُونَ هَكَذَا فَرَفَعَتِ السِّتَارَةِ وَقَذَفَتْ بِنَفْسِهَا فِي دِجْلَةَ وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ غُلامٌ ذَكَرَ أَنَّ شِرَاءَهُ أَلْفَ دِينَارٍ بِيَدِهِ مَذَبَّةٌ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ فَوَضَعَ الْمَذَبَّةَ وَقَذَفَ بِنَفْسِهِ فِي دِجْلَةَ وَهُوَ يَقُولُ

стр. 575

أَنْتِ الَّتِي غَرَّقْتِنِي ... بَعْدَ الْقَضَا لَوْ تَعْلَمِينَا فَأَرَادَ الْمَلاحُونَ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ خَلْفَهُمَا فَصَاحَ بِهِمْ مُحَمَّدٌ دَعُوهُمَا يَغْرَقَا إِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ قَالَ فَرَأَيْتُهُمَا قَدْ خَرَجَا مِنَ الْمَاءِ مُعْتَنِقَيْنِ ثُمَّ غَرِقَا بَلَغَنِي عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُعَمَّرٍ الْعُذْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ يَا جَمِيلُ حَدَّثَنِي بِبَعْضِ أَحَادِيثِ بَنِي عُذْرَةَ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُمْ أَصْحَابُ أَدَبٍ وَغَزَلٍ فَقُلْتُ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْتَجَعُوا عَنْ حَيِّهِمْ مَرَّةً فَوَجَدُوا النَّجْعَةَ بِمَوْضِعٍ نَازِحٍ فَقَطَنُوهُ فَخَرَجْتُ أُرِيدُهُمْ فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ غَلَطِتُ الطَّرِيقَ وَجَنَّ عَلَيَّ اللَّيْلُ وَلاحَ لِي بَابٌ فَقَصَدْتُهُ حَتَّى وَرِدْتُ عَلَى رَاعٍ فِي أَصْلِ جَبَلٍ قَدْ أَلْجَأَ غَنَمَهُ إِلَى كَهْفٍ فِي الْجَبَلِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ وَقَالَ أَحْسَبُكَ قَدْ ضَلَلْتَ الطَّرِيقَ قُلْتُ قَدْ كَانَ ذَلِكَ فَأَرْشِدْنِي قَالَ بَلِ انْزِلْ حَتَّى تُرِيحَ ظَهْرَكَ وَتَبِيتَ لَيْلَتَكَ فَإِذَا أَصْبَحْتَ وَقَفْتُكَ عَلَى الْقَصْدِ فَنَزَلْتُ فَرَحَّبَ بِي وَأَكْرَمَنِي وَعَمَدَ إِلَى شَاةٍ فَذَبَحَهَا وَأَجَّجَ نَارًا وَجَعَلَ يَشْوِي وَيُلْقِي بَيْنَ يَدَيَ وَيُحَدِّثُنِي فِي خِلالِ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ إِلَى كِسَاءٍ كَانَ مَعَهُ فَقَطَعَ بِهِ جَانِبَ الْخِبَاءِ وَمَهَّدَ لِي جَانِبًا وَتَرَكَ جَانِبًا خَالِيًا فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ سَمِعْتُهُ يَبْكِي وَيَشْكُوا إِلَى شَخْصٍ كَانَ مَعَهُ فَأَرَّقْتُ لَيْلَتِي فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَبْتُ الإِذْنَ فَأَبَى وَقَالَ الضِّيَافَةُ ثَلاثٌ فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ وَسَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَحَالِهِ فَانْتَسَبَ لِي فَإِذَا هُوَ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَقُلْتُ يَا هَذَا وَمَا الَّذِي أَحَلَّكَ هَذَا الْمَوْضِعَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ وَتَهْوَاهُ وَأَنَّهُ خَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ مِنْهَا لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ وَأَنَّهُ زَوَّجَهَا رَجُلا مِنْ بَنِي

стр. 576

كِلابٍ فَخَرَجَ بِهَا عَنِ الْحَيِّ وَأَسْكَنَهَا فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ تَنَكَّرَ وَرَضَى أَنْ يَكُونَ رَاعِيًا لِتَأْتِيَهُ ابْنَةُ عَمِّهِ وَيَرَاهَا وَجَعَلَ يَشْكُو إِلَيَّ صَبَابَتَهُ بِهَا وَعِشْقُهُ لَهَا حَتَّى إِذَا جَنَّنَا اللَّيْلُ وَحَانَ وَقْتُ مَجِيئِهَا جَعَلَ يَتَقَلْقَلُ وَيَقُومُ وَيَقْعُدُ كَالْمُتَوَقِّعِ لَهَا فَأَبْطَأَتْ عَنِ الْوَقْتِ وَغَلَبَهُ الشَّوْقُ فَوَثَبَ قَائِمًا وَأَنْشَأَ يَقُولُ مَا بَالُ مَيَّةَ لَا تَأْتِي كَعَادَتِهَا ... أَهَاجَهَا طَرَبٌ أَمْ صَدَّهَا شُغُلُ لَكِنْ قَلْبِي لَا يُلْهِيهِ غَيْرُكُمُ ... حَتَّى الْمَمَات وَمَالِي غَيْركُمْ أمل لَا تَعْلَمِينَ الَّذِي بِي مِنْ فِرَاقِكُمُ ... لَمَا اعْتَلَلْتِ وَلا طَابَتْ لَكَ الْعِلَلُ رُوحِي فَدَاءُكِ قَدْ هَيَّجْتِ لِي سَقَمًا ... تَكَادُ مِنْ حَرِّهِ الأَعْضَاءُ تَنْفَصِلُ لَوْ أَنَّ عَادِيَةً مِنِّي عَلَى جَبَلٍ ... لَزَالَ وَانْهَدَّ عَنْ أَرْكَانِهِ الْجَبَلُ ثُمَّ قَالَ يَا أَخَا بَنِي عُذْرَةَ مَكَانَكَ حَتَّى أُعُودُ إِلَيْكَ فَمَا أَتَوَهَّمُ أَنَّ أَمْرَ ابْنَةَ عَمِّي صَحِيحٌ ثُمَّ مَضَى فَمَا لَبِثَ أَنْ أَقْبَلَ وَعَلَى يَدِهِ شَيْءٌ مَحْمُولٌ وَقَدْ عَلا شَهِيقُهُ وَنَحِيبُهُ فَقَالَ يَا أَخَا بَنِي عُذْرَةَ هَذِهِ ابْنَةُ عَمِّي أَرَادَتْ أَنْ تَأْتِينِي فَاعْتَرَضَهَا الأَسَدُ فَأَكَلَهَا ثُمَّ وَضَعَهَا عَنْ يَدِهِ وَقَالَ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى أَعُودُ إِلَيْكَ وَمَضَى فَأَبْطَأَ حَتَّى يَئِسْتُ مِنْ رُجُوعِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ وَرَأْسُ الأَسَدِ عَلَى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْكُثُ عَلَى أَسْنَانِ الأَسَدِ وَيَقُولُ أَلا أَيُّهَا اللَّيْثُ الْمُخِّلُ بِنَفْسِهِ ... هُبِلْتَ لَقَدْ جَرَّتْ يَدَاكَ لَنَا حُزْنَا وَغَادَرْتَنِي فَرْدًا وَقَدْ كُنْتُ آلِفًا ... وَصَيَّرْتَ بَطْنَ الأَرْضِ ثَمَّ لَنَا سِجْنَا أَقُولُ لِدَهْرٍ خَانَنِي بِفُرَاقِهِ ... مَعَاذَ إِلَهِي أَنْ أَكُونَ لَهُ خَدْنَا ثُمَّ قَالَ يَا أَخَا بَنِي عُذْرَةَ إِنَّكَ سَتَرَانِي بَيْنَ يَدَيْكَ مَيِّتًا فَإِذَا مِتُّ فَاعْمَدْ

стр. 577

إِلَيَّ وَابْنَةَ عَمِّي وَأَدْرِجْنَا فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ وَاحْفُرْ لَنَا جَدَثًا وَاحِدًا فَادْفِنَّا فِيهِ وَاكْتُبْ عَلَى قَبْرِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ كُنَّا عَلَى ظَهْرِهَا وَالْعَيْشُ فِي مَهَلٍ ... وَالشَّمْلُ يَجْمَعُنَا وَالدَّارُ وَالْوَطَنُ فَفَرَّقَ الدَّهْرُ وَالتَّصْرِيفُ أُلْفَتَنَا ... فَصَارَ يَجْمَعُنَا فِي بَطْنِهَا الْكَفَنُ وَرُدَّ الْغَنَمَ عَلَى صَاحِبِهَا وَأَعْلِمْهُ بِقِصَّتِنَا ثُمَّ عَمَدَ إِلَى خِنَاقٍ فَطَرَحَهُ فِي عُنُقِهِ فَنَاشَدْتُهُ اللَّهَ أَلا يَفْعَلُ فَأَبَى وَجَعَلَ يَخْنِقُ نَفْسَهُ حَتَّى سَقَطَ مَيِّتًا فَكَفَّنْتُهُمَا وَدَفَنْتُهُمَا فِي قَبْرٍ وَاحِد كَمَا أَمرنِي وكتبت البيتيتن عَلَى قَبْرِهِمَا وَرَدَدْتُ الْغَنَمَ عَلَى صَاحِبِهَا وَأَعْلَمْتُهُ بِقِصَّتِهِمَا فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا أَشَفَقْتُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَسَفًا عَلَى مَا فَرَّطَ فِي اجْتِمَاعِهِمَا أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّحَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلا يُعَاتِبُ إِلْفًا لَهُ عَلَى الْجِسْرِ وَكُنْتُ قَرِيبًا مِنْهُمَا بِحَيْثُ أَسْمَعُ مَا كَانَا فِيهِ جَمِيعًا فَقَالَ لَهُ أَلَمْ أَفْعَلُ بِكَ كَذَا أَلَمْ أَصْنَعُ بِكَ كَذَا فَلَمْ يَزَلْ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ مَا أَوْلاهُ إِيَّاهُ فَقَالَ لَهُ الْمَأْلُوفُ هَذَا الَّذِي فَعَلْتَ فِي هَوَاكَ أَوْفِي هَوَايَ وَخَرَجَ الْكَلامُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ قَدْ أَضْجَرْتَنِي فَمَا تُحِبُّ أَنْ أَفْعَلَ بِنَفْسِي حَتَّى تَشْتَفِي قَالَ تَطْرَحُ نَفْسَكَ فِي هَذَا الْمَاءِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ قَالَ فَعَهْدِي بِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ رِدَاءٌ وَقَدْ لَفَّ رَأْسَهُ بِرِدَائِهِ وَزَجَّ نَفْسَهُ فِي دِجْلَةَ فَدَاخَلَنِي مِنَ الأَمْرِ مَا غَلَبَ عَلَيَّ حَتَّى صُعِقْتَ صَعْقَةً غُشِيَ عَلَيَّ مِنْهَا وَلَمْ أَدْرِ مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ

стр. 578

وَبَلَغَنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ رَأَيْتُ بِالْبَصْرَةِ فِي خَانِ عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ شَابًّا وَفِي يَدِهِ مُدْيَةٌ وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ يَوْمُ الْفِرَاقُ مِنَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُ ... وَالْمَوْتُ مِنْ أَلَمِ التَّفَرُّقِ أَجْمَلُ قَالُوا الرَّحِيلَ فَقُلْتُ لَسْتُ بِرَاحِلٍ ... لَكِنْ مُهْجَتِي الَّتِي تَتَرَّحَلُ ثُمَّ بَقَرَ بَطْنَهُ بِالْمُدْيَةِ وَخَرَّ مَيِّتًا فَسَأَلْتُ عَنْهُ وَعَنْ أَمْرِهِ فَقِيلَ لِي إِنَّهُ كَانَ يَهْوَى فَتًى لِبَعْضِ الْمُلُوكِ وَحُجِبَ عَنْهُ يَوْمًا وَاحِدًا وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّامَغَانِيُّ قَالَ كَانَ بِبِلادِ فَارِسٍ صُوفِيٌّ كَبِيرٌ فَابْتُلِيَ بِحَدَثٍ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ دَعَتْهُ إِلَى الْفُجُورِ فَرَاقَبَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ نَدِمَ عَلَى هَذِهِ الْهِمَّةِ وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ وَوَرَاءَ مَنْزِلِهِ بَحْرٌ مِنَ الْمَاءِ فَلَمَّا أَخَذَتْهُ النَّدَامَةُ صَعَدَ عَلَى السَّطْحِ وَرَمَى بِنَفْسِهِ إِلَى الْمَاءِ وَتَلا ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ فَغَرَقَ فِي الْمَاءِ وَذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ أَنَّ شِيرِينَ وُلِدَتْ بِالْمَدَائِنِ وَكَانَتْ يَتِيمَةً فِي مَنْزِلِ رَجُلٍ مِنَ الأَشْرَافِ فِي جِوَارِ هُرْمُزَ أَنُو شِرْاوَنَ وَكَانَ أَبْرَوِيزُ صَغِيرًا يَدْخُلُ مَنْزِلَ هَذَا الرَّجُلِ فَيُلاعِبُ شِيرِينَ وَيُمَازِحُهَا وَتُمَازِحُهُ فَأَخَذَتْ فِي قَلْبِهِ مَوْضِعًا فَنَهَاهَا الَّذِي هِيَ فِي مَنْزِلِهِ عَنِ التَّعَرُّضِ لأَبْرَوِيزَ ثُمَّ رَآهَا يَوْمًا قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَبْرَوِيزَ خَاتَمًا كَانَ فِي إِصْبَعِهِ فَقَالَ أَلَمْ آمُرُكِ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِهَذَا الصَّبِيِّ لَا تُعَرَّضِينَا لِلْهَلَكَةِ ثُمَّ أَمَرَ بَعْضَ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَنْ يَحْمِلَهَا إِلَى شاطيء الْفُرَات ويغرقها فحملها إِلَى شاطيء الْفُرَاتِ لِيُغْرِقَهَا فَقَالَتْ لَهُ مَا الَّذِي يَنْفَعُكَ مِنْ غَرَقِي فَقَالَ إِنِّي قَدْ حَلَفْتُ لِمَوْلايَ وَلا بُدَّ قَالَتْ فَمَا عَلَيْكَ إِلا أَنْ تَأْتِي بِي مَوْضِعًا مِنَ الْفُرَاتِ فِيهِ مَاءٌ رَقِيقٌ فَتَقْذِفَ بِي فِيهِ وَتَتْرُكَنِي وَتَمْضِي فَإِنْ نَجَوْتُ لَمْ أَظْهَرْ مَا دُمْتُ بَاقِيَةً وَإِنْ مِتُّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ قَالَ أَفْعَلُ ذَلِكَ

стр. 579

فَأَتَى مَوْضِعًا فِيهِ الْمَاءُ إِلَى الرُّكْبَةِ فَزَجَّهَا فِيهِ وَتَرَكَهَا تَضْطَرِبُ وَوَلَّى عَنْهَا لَا يَلْتَفِتُ ثُمَّ وَافَى مَوْلاهُ فَأَخْبَرَهُ وَحَلَفَ لَهُ أَنَّهُ أَغْرَقَهَا ثُمَّ إِنَّهَا تَخَلَّصَتْ مِنَ الْمَاءِ فَأَتَتْ بَعْضَ الدِّيَارَاتِ الَّتِي على شاطيء الْفُرَاتِ فَآوَتْ إِلَيْهِ وَأَعْلَمَتِ الرُّهْبَانَ أَنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَأَحْسَنُوا إِلَيْهَا فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْمُلْكُ لأَبْرَويِزَ بَعْدَ أَبِيهِ هُرْمُزْ وَوَجَّهَ بِرُسُلِهِ إِلَى قَيْصَرَ اجْتَازَ الرُّسُلُ بِالدَّيْرِ فَسَأَلَتْ شِيرِينُ عَنْ ذَلِكَ فَأُعْلِمَتْ أَنَّ الْقَوْمَ رُسُلُ أَبْرَوِيزَ الْمَلِكِ وَمَعَهُمْ هَدَايَا إِلَى قَيْصَرَ وَأَخْبَرُوهَا بِمُلْكِهِ وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ فَوَجَّهَتْ إِلَى رَئِيسِ الرُّسُلِ مُنْتَصِحَةً لَهُ تُخْبِرُهُ أَنَّهَا أَمَةٌ لِلْمَلِكِ أَبْرَوِيزَ وَسَأَلَتْهُ إِيفَادَ رَسُولٍ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ بِمَكَانِهَا وَوَجَّهَتْ مَعَهُ ذَلِكَ الْخَاتَمَ فَأَنْفَذَ الرَّجُلُ رَسُولا قَاصِدًا إِلَى الْمَلِكِ يُعَرِّفُهُ خَبَرَ شِيرِينَ وَمَكَانَهَا وَالْخَاتَمَ فَلَمَّا وَرَدَ الرَّسُولُ عَلَى أَبْرَوِيزَ أَمَرَ لِلرَّسُولِ بِمَالٍ عَظِيمٍ وَجَعَلَ لَهُ رُتْبَةً جَلِيلَةً بِبِشَارَتِهِ وَوَجَّهَ مَعَهُ بِخَدَمٍ وَمَرَاكِبَ وَهَوَادِجَ وَكَسْيٍ وَحُلِيٍّ وَطِيبٍ وَوَصَائِفَ حَتَّى أَتَوْهُ بِشِيرِينَ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَحِ بِهَا مَا لَمْ يَفْرَحْ بِشَيْءٍ مِثْلَهُ وَكَانَتْ مِنْ أَكْمَلِ النِّسَاءِ كَمَالا وَجَمَالا وَبَرَاعَةً وَذَكَرَ أَبْرَوِيزُ أَنَّهُ مَا جَامَعَهَا قَطُّ إِلا وَجَدَهَا كَالْعَذْرَاءِ وَكَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَأْتِي حُرَّةً وَلا أَمَةً مَرَّةً وَاحِدَةً إِلا أَتَاهَا قَبْلُ وَعَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ مَعَ أَحَدٍ لِمُبَاضَعَةٍ فَلَمَّا هَلَكَ أَبْرَوِيزُ أَرَادَهَا شَيْرَوَيْهِ فَأَبَتْ وَعَرَّفَتْهُ الْعُهُودَ فَرَمَاهَا بِكُلِّ مُعْضِلَةٍ مِنَ الْفُجُورِ وَبَعَثَ الشُّعَرَاءُ عَلَى ذَمِّهَا فَلَمَّا لَجَّ وَلَمْ تَجِدْ عَنْهُ مَحِيدًا بَعْدَ أَنْ غَصَبَهَا جَمِيعَ مَالِهَا وَضِيَاعِهَا قَالَتْ أَفْعَلُ مَا سَأَلْتَ بَعْدَ أَنْ تَقْضِيَ لِي ثَلاثَ حَوَائِجٍ تَرُدَّ عَلَيَّ أَمْوَالِي وَضِيَاعِي وَتُسَلِّمَ إِلَيَّ قَتَلَةَ زَوْجِي وَتَدْعُوَ الْعُلَمَاءَ وَالأَشْرَافَ وَتَرْقَى الْمِنْبَرَ فَتُبَرِّئَنِي مِمَّا قَذَفْتَنِي بِهِ مِنَ الْفُجُورِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَقَتَلَتْ قَتَلَةَ زَوْجِهَا بِأَفْحَشِ قَتْلٍ فَقَالَ لَهَا هَلْ بَقِيَتْ لَكِ حَاجَةٌ قَالَتْ نَعَمْ إِنَّ الْمَلِكَ أَوْدَعَنِي وَدِيعَةً وَجَعَلَهَا أَمَانَةً فِي عُنُقِي إِنْ أَنَا تَزَوَّجْتُ أَنْ أَرُدَّهَا إِلَيْهِ فَتَأْمُرُ بِفَتْحِ النَّاوُوسِ حَتَّى أَدْفَعَ الْوَدِيعَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ لَهَا النَّاوُوسَ فَدَخَلَتْ

стр. 580

وَقَلَعَتْ فَصَّ خَاتَمٍ فِي يَدِهَا تَحْتَهُ سُمُّ سَاعَةً فَمَصَّتْهُ ثُمَّ اعْتَنَقَتْ أَبْرَوِيزَ وَلَفَّتْ عَلَيْهِ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَلَمَّا أَبْطَأَتْ عَلَى الْحَوَاضِنِ وَالْخَدَمِ صَاحُوا بِهَا فَلَمْ تُجِبْ فَدَخَلُوا فَوَجَدُوهَا مَيِّتَةً مُعَانِقَةً لأَبْرَوِيزَ فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوا شَيْرَوَيْهِ فَنَدِمَ نَدَامَةً لَا تُوصَفُ وَجَعَلَ يَأْكُلُ أَصَابِعَهُ عَلَى صَنِيعِهَا قُلْتُ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْحِيَلِ وَالْمُخَاطَرَاتِ ذِكْرُ جَمَاعَةٍ قَتَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَبَبِ الْعِشْقِ فَلَمْ نَرَ إِعَادَةَ ذِكْرِهِمْ فَصْلٌ فَانْظُرْ وَفَّقَكَ اللَّهُ إِلَى مَا صَنَعَ الْعِشْقُ بِهَؤُلاءِ الْمَغْبُونِينَ مِنْ بَيْنَ قَاتِلٍ لِنَفْسِهِ وَقَاتِلٍ لِغَيْرِهِ فَأَمَّا قَتْلُ الْغَيْرِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيما﴾ وَقَالَ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُوبِقَاتِ فَعَدَّ مِنْهُنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَمَا قَتْلُ النَّفْسِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾

стр. 581

وَقَدْ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَينِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ الْمُذْهِبِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَوْلُهُ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جرح فجزع فَأخذ سكينا فَخر بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ

стр. 582

الْبَابُ التَّاسِعُ وَالأَرْبَعُونَ فِي ذِكْرِ أَدْوِيَةِ الْعِشْقِ الْحِمْيَةُ الَّلازِمَةُ فِي زَمَانِ الصِّحَّةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ وَمَتَى عُلِمَتْ أَسْبَابُ مَرَضٍ وَجَبَ اجْتِنَابُهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطِّبَاعَ تَتَسَاوَى فِي الْمَيْلِ إِلَى الْهَوَى فَيَنْبَغِي لِلْحَازِمِ اجْتِنَابِ أَسْبَابِهِ فَمَتَى أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الطَّبِيبِ قَبْلَ أَنْ يَصْعُبَ التَّلافِي أَوْ يَحِلَّ التَّلَفُ فَصْلٌ وَمِنَ التَّفْرِيطِ الْقَبِيحِ الَّذِي جَرَّ أَصْعَبَ الْجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ مُحَادَثَةُ النِّسَاءِ الأَجَانِبِ وَالْخَلْوَةُ بِهِنَّ وَقَدْ كَانَتْ عَادَةٌ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْعَرَبِ يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَارٍ وَيَثِقُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالامْتِنَاعِ مِنَ الزِّنَا وَيَقْنَعُونَ بِالنَّظَرِ وَالْمُحَادَثَةِ وَتِلْكَ الأَشْيَاءُ تَعْمَلُ فِي الْبَاطِنِ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ عَنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ هَلَكُوا وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَنَى عَلَى مَجْنُونِ لَيْلَى وَغَيْرِهِ مَا أَخْرَجَهُمْ بِهِ إِلَى الْجُنُونِ وَالْهَلاكِ وَكَانَ غَلَطُهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ الَّذِي نَهَى عَنِ النَّظَرِ وَالْخُلْوَةِ وَالثَّانِي تَعْرِيضِ الطَّبْعِ لِمَا قَدْ جُبِلَ عَلَى الْمَيْلِ إِلَيْهِ ثُمَّ مُعَانَاةُ كَفِّهِ عَنْ ذَلِكَ فَالطَّبْعُ يَغْلِبُ فَإِنْ غَلَبَ وَقَعَتِ الْمَعَاصِي وَإِنْ غُلِبَ حَصَلَ التَّلَفُ بِمَنْعِ الْعَطْشَانِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمَاءِ

стр. 583

وَاعْلَمْ أَنَّ أَمْرَاضَ الْعِشْقِ تَخْتَلِفُ فَيَنْبَغِي لِذَلِكَ أَنْ يَخْتَلِفَ عِلاجُهَا فَلَيْسَ عِلاجُ مَنْ عِنْدَهُ بِدَايَةُ الْمَرَضِ كَعِلاجِ مَنِ انْتَهَى بِهِ الْمَرَضُ نِهَايَتَهُ وَإِنَّمَا يُعَالِجُ هَذَا الْمَرَضِ مَنْ لَمْ يَرْتَقِ إِلَى غَايَتِهِ فَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ أَحْدَثَ الْجُنُونَ وَالذُّهُولَ وَتِلْكَ حَالَةٌ لَا تَقْبَلُ الْعِلاجَ قَالَ بُقْرَاطُ قَصَمْتُ الأَدْوَاءَ بِالْعَقَاقِيرِ وَأَقَمْتُهَا بِإِزَاءِ الْعِلَلِ فَأَعْيَانِي دَوَاءُ الْحُبِّ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ أَنْ أُدْرِكَهُ قَالَ الْبُحْتُرِيُّ وَلَقَدْ قَالَ طَبِيبِي ... وَطَبِيبِي ذُو احْتِيَالِ أُشْكُ مَا شِئْتَ سِوَى الْحُبِّ ... فَإِنِّي لَا أُبَالِي سَقَمُ الْحُبِّ رَخِيصٌ ... وَدَوَاءُ الْحُبِّ غَالِي وَقَالَ أَبُو غَالِبِ بْنُ بِشْرَانَ وَمُنْتَصِحٍ قَالَ لِي إِذْ رَأَى ... دُمُوعِي قَدْ أَقْرَحَتْ مَدْمَعِي مَتَى تَسْتَفِيقَ وَتَسْلُو الْهَوَى ... فَقُلْتُ إِذَا كَانَ قَلْبِي مَعِي وَقَالَ غَيْرُهُ دُخُولُكَ فِي بَابِ الْهَوَى إِنْ أَرَدْتُهُ ... يَسِيرٌ وَلَكِنَّ الْخُرُوجَ شَدِيدُ فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ يَذْكُرُ لِلْعِشْقِ أَدْوِيَةٌ وَهُوَ قَلِقٌ لَا سُكُونَ فِيهِ وَسُكْرٌ لَا صَحْوَ مَعَهُ فَيُقَالُ لِمَنْ يَهْوَى فِي الْهَوَاءِ أَمْسِكْ نَفْسَكْ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّا قَدْ قُلْنَا إِنَّمَا يُدَاوَى هَذَا الْمَرَضُ قَبْلَ بُلُوغِ نِهَايَتِهِ فَإِنَّهَا أَحْوَالٌ يُمْكِنُ عِلاجُهَا

стр. 584

وَالثَّانِي أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا يُضْعِفُهُ وَيُقَوِّيهُ فَأَنَا أَعُرِّفُكَ السَّبَبَ الَّذِي يُضْعِفُ الْعِشْقَ وَيُوهِنُهَ وَأُحَذِّرُكَ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي يَزِيدُهُ قُوَّةً فَمَا قُلْتُ لَكَ امْنَعِ النَّارَ أَنْ تَحْرِقَ وَإِنَّمَا قُلْتُ أَطْفِئْهَا وَلا قُلْتُ ادْفَعِ الْمَاءَ عَنْ أَنْ يُغْرِقَ وَإِنَّمَا عَلَّمْتُكَ السِّبَاحَةَ وَهَذَا حِينَ شُرُوعِنَا فِي ذِكْرِ الْمَرَضِ وَالْعِلاجِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ فَصْلٌ اعْلَمْ أَنَّ بِدَايَةَ الْعِشْقِ فِي الأَغْلَبِ تَكُونُ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى المحاسن ولحصول الْعِشْق بِهَذِهِ النَّظَرِ عَلامَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ النَّظَرُ إِلَى الْمُسْتَحْسَنِ خَفَقَ الْقَلْبُ خُفُوقًا يَكَادُ يَطِيرُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَدَّ الإِنْسَانُ الطَّرْفَ قَلِقَ الْقَلْبُ حَتَّى يَعُودُ فَإِذَا أُطْلِقَ ثُمَّ رُدَّ فَكَّ اللِّجَامَ قَهْرًا وَعَاوَدَ النَّظَرَ فَهَذِهِ عَلامَةُ الْعِشْقِ لَا تكَاد تخطيء إِلا أَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِالْمَنْظُورِ فِي بَدِيهَةِ النَّظَرِ فَإِذَا رَدَّدَ نَظَرَهُ بَانَ لَهُ مِنَ الْعُيُوبِ مَا لَمْ يَكُنْ بَانَ فَزَالَ مَا كَانَ عَلِقَ بِقَلْبِهِ لأَنَّ النَّفْسَ تَصَوَّرَتْ فِي بِدَايَةِ النَّظَرِ مِنَ الصُّورَةِ معنى أعانها عَلَيْهِ تخيل الشَّهْوَةِ وَتَوَهُّمُ اللَّذَّةِ فَزَادَتِ الصِّفَةُ عَنْ مِقْدَارِ الْعِيَانِ فَإِذَا تَكَرَّرَ النَّظَرُ وَحُقِّقَ أَثْبَتَ حَقِيقَةَ الصُّورَةِ فَزَالَتْ زِيَادَاتُ التَّخَيُّلِ وَبِرْخَاشَاتُ التَّوَهُّمِ فَبَرُدَ قَلْبُ الْمُحِبِّ لِزَوَالِ التَّوَهُّمِ

стр. 585

وَرُبَّ امْرَأَةٍ تُسْتَحْسَنُ فِي نِقَابِهَا فَإِذَا أَسْفَرَتْ لَمْ تُسْتَحْسَنْ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَمِّي قَالَ حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِ الْبَصْرَةِ أَنَّ رَجُلا وَامْرَأَتَهُ اخْتَصَمَا إِلَى أَمِيرٍ مِنْ أُمَرَاءِ الْعِرَاقِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ حَسَنَةَ الْمُنْتَقَبِ قَبِيحَةَ الْمَسْفَرِ وَكَانَ لَهَا لِسَانٌ فَكَأَنَّ الْعَامِلَ مَالَ مَعَهَا فَقَالَ يَعْمَدُ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَرْأَةِ الْكَرِيمَةِ فَيَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ يُسِيءُ إِلَيْهَا فَأَهْوَى الرَّجُلُ فَألْقى النقاب عَنْ وَجْهِهَا فَقَالَ الْعَامِلُ عَلَيْكِ اللَّعْنَةُ كَلامُ مَظْلُومٍ وَوَجْهُ ظَالِمٍ فَصْلٌ فَأَمَّا إِذَا كَانَ النَّظَرُ عَنْ تَثَبُّتٍ وَتَحْقِيقٍ وَزَادَ بِتِرْدَادِهِ الْمَرَضُ فَذَلِكَ الْعِشْقُ الْمُتَمَكِّنُ وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مُسْتَحْسَنٍ فَوَجَدَ لَذَّةَ تِلْكَ النَّظْرَةِ فِي قَلْبِهِ أَنْ يَصْرِفَ بَصَرَهُ فَمَتَى مَا تَثَبَّتَ فِي تِلْكَ النَّظْرَةِ أَوْ عَاوَدَ وَقَعَ فِي اللَّوْمِ شَرْعًا وَعَقْلا فَإِنْ قِيلَ فَإِنْ وَقَعَ الْعِشْقُ بِأَوَّلِ نَظْرَةٍ فَأَيِّ لَوْمٍ عَلَى النَّاظِرِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ النَّظْرَةُ لَمْحَةً لَمْ تَكَدْ تُوجِبُ عِشْقًا إِنَّمَا يُوجِبهُ جمهود الْعَيْنِ عَلَى الْمَنْظُورِ بِقَدْرِ مَا تَثْبُتْ فِيهِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَلَوْ قَدَّرْنَا وُجَودَهُ بِاللَّمْحَةِ فَأَثَّرَ مَحَبَّةً سَهُلَ قَمْعُ مَا حَصَلَ

стр. 586

وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنبأَنَا الْمُبَارك بن الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَيُّوَيْهِ عَنِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي رَأَيْتُ امْرَأَةً جَمِيلَةً فَعَشِقْتُهَا فَقَالَ عُمَرُ ذَاكَ مَالا يَمْلِكُ فَإِنْ قِيلَ فَمَا عِلاجُ الْعِشْقِ إِذَا وَقَعَ بِأَوَّلِ لَمْحَةٍ قِيلَ عِلاجُهُ الإِعْرَاضُ عَنِ النَّظَرِ فَإِنَّ النَّظَرَ مِثْلُ الْحَبَّةِ تُلْقَى فِي الأَرْضِ فَإِذَا لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهَا يَبِسَتْ وَإِنْ سُقِيَتْ نَبَتَتْ فَكَذَلِكَ النَّظْرَةُ إِذَا أُلْحِقَتْ بِمِثْلِهَا فَصْلٌ فَإِنْ جَرَى تَفْرِيطٌ بِاتِّبَاعِ نَظْرَةٍ لِنَظْرَةٍ فَإِنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُخَافُ وَتُحْذَرُ فَلا يَنْبَغِي أَنْ تُحْقَرَ هَذِهِ النَّظْرَةُ فَرُبَّمَا أَوْرَثَتْ صَبَابَةً صَبَّتْ دَمِ الصَّبِّ أَنْشَدَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو زَكَرِيَّا قَالَ أنشدنا ابْن نحريز الْبَغْدَادِيُّ تَوَلَّعَ بِالْعِشْقِ حَتَّى عَشِقَ ... فَلَمَّا اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يُطِقْ رَأَى لُجَّةً ظَنَّهَا مَوْجَةً ... فَلَمَّا تمكن منا غرق وَلما رأى أدمعا تستهل ... وَأَبْصَرَ أَحْشَاءَهُ تَحْتَرِقْ تَمَنَّى الإِفَاقَةَ مِنْ سُكْرِهِ ... فَلَمْ يَسْتَطِعْهَا وَلَمْ يَسْتَفِقْ وَعِلاجُ هَذِهِ النَّظْرَةِ بِالنَّظَرِ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأَمْرِ بِغَضِّ الْبَصَرِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ شَرِّ النَّظَرِ وَخَوْفِ الْعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَاجِلا وَآجِلا وَالْحَذَرُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهَا وَمَا تَجُرُّ وَتَجْنِي

стр. 587

فَيَتَجَدَّدُ مِنَ الْعَزْمِ عَلَى الْغَضِّ مَعْنًى يُسَمَّى الْيَأْسُ وَهُوَ دَوَاءٌ حَاسِمٌ قَالَ الْحُكَمَاءُ الْيَأْسُ أَحَدُ الرَّاحَتَيْنِ وَقَالَ الشَّاعِرُ حَاوَلْتُ أَمْرًا فَلَمْ يَجْرِ الْقَضَاءُ بِهِ ... وَلا أَرَى أَحَدًا يُعْدَى عَلَى الْقَدَرِ فَقَدْ صَبَرْتُ لأَمْرِ اللَّهِ مُحْتَسِبًا ... وَالْيَأْسُ مِنْ أَشْبَهِ الأَشْيَاءِ بِالظَّفَرِ وَلْيَكُنْ لَكَ فِي هَذَا الْغَضِّ عَنِ الْمُشْتَهَى نِيَّةٌ تَحْتَسِبُ بِهَا الأَجْرَ وَتَكْتَسِبُ بِهَا الْفَضْلُ وَتَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ مَنْ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى وَانْظُرْ فِي بَابِ ثَوَابِ مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ الْحَرَامِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فَصْلٌ فَإِنْ كَانَ تِكْرَارُ النَّظَرِ قَدْ نَقَشَ صُورَةَ الْمَحْبُوبِ فِي الْقَلْبِ نَقْشًا مُتَمَكِّنًا وَعَلامَةُ ذَلِكَ امْتِلاءُ الْقَلْبِ بِالْحَبِيبِ فَكَأَنَّهُ يَرَاهُ حَالا فِي الصَّدْرِ وَكَأَنَّهُ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ عِنْدَ النَّوْمِ وَيُحَادِثُهُ فِي الْخُلْوَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الطَّمَعِ فِي نَيْلِ الْمَطْلُوبِ وَكَفَى بِالطَّمَعِ مَرَضًا وَقَلَّ أَنْ يَقَعَ الْفِسْقُ إِلا فِي الْمَطْمُوعِ فِيهِ فَإِنَّ الإِنْسَانَ لَوْ رَأَى زَوْجَةَ الْمَلِكِ فَهَوِيَهَا لَمْ يَكَدْ قَلْبُهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا لأَجْلِ الْيَأْسِ مِنْ مِثْلِهَا فَأَمَّا مَنْ طَمَعَ فِي شَيْءٍ فَإِنَّ الطَّمَعَ يَحْمِلُهُ عَلَى طَلَبِهِ وَيُعَذِّبُهُ إِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ وَمَا النَّفْسُ إِلا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى ... فَإِنْ أُطْمِعَتْ تَاقَتْ وَإِلا تَسَلَّتِ وَقَالَ آخَرُ فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ... إِذَا وَطِّنَتْ يَوْمًا لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ

стр. 588

أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبِْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ الطُّوسِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا مُسْلِمٍ الأَصْبَهَانِيَّ يَقُولُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الْتَمَسْتُ الرَّاحَةَ فَوَجَدْتُهَا فِي الْيَأْسِ وَعِلاجُ هَذَا الْمَرَضِ الْعَزْمُ الْقَوِيُّ عَلَى الْبُعْدِ عَنِ الْمَحْبُوبِ وَالْقَطْعُ الْجَزْمُ على غض الْبَصَر عَنهُ وهجران الطمع فِيهِ وتوطين النَّفس على الْيَأْس مِنْهُ وَالنَّظَر فِيمَا تقدم من ذمّ الْهوى والتحذير من ذَلِك فصل فَإِن كَانَ تكْرَار النّظر قد مكن نَقَشَ صُورَةَ الْمَحْبُوبِ فِي الْقَلْبِ فأثر ذَلِك قُوَّة الْفِكر وَزِيَادَة الشَّهْوَة واشتداد القلق فسبب ذَلِك زِيَادَة الطمع وقوته وَقد أعلمتك أَنَّ الْمَحَبَّةَ كَشَجَرَةٍ وَأَنَّ النَّظَرَاتِ كَمَاءٍ يَجْرِي إِلَيْهَا فَكُلَّمَا سَقَاهَا عَتَتْ وَعَسَتْ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ هَذِهِ الآفَاتُ مِنْ بَابِ إِطْلاقِ الْبَصَرِ فِيمَا حَظَّرَهُ الشَّرْعُ فَبِذَلِكَ تَمَكَّنَ سُلْطَانُ الْهَوَى مِنَ الْقَلْبِ فَبَثَّ جُنْدُ الْفَسَادِ فِي رُسْتَاقِ الْبَدَنِ وَكَمْ قَدْ تَمَكَّنَ هَذَا الْمَرَضُ مِنْ شَخْصٍ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ عذل عاذل وَضرب ضَارِبٍ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا مَنْصُورُ ابْن النُّعْمَانِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ دُرَيْدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو حَاتِمٍ قَالَ قَالَ الأَصْمَعِيُّ تَزَوَّجَ أَعْرَابِيٌّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَقِيلٍ فَسَمِعَهَا تَتَمَثَّلُ بِبَيْتِ غَزَلٍ فَقَالَ لَهَا مَا هَذَا الَّذِي تَتَمَثَّلِينَ بِهِ

стр. 589

لَعَلَّكِ عَاشِقٌ لَئِنْ سَمِعْتُكِ تَعُودِينَ لِمِثْلِ هَذَا لأَضْرِبَنَّ ظَهْرَكِ وَبَطْنَكِ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ فَإِنْ يَضْرِبُوا ظَهْرِي وَبَطْنِي كَلَيْهِمَا ... فَلَيْسَ لِقَلْبٍ بَيْنَ جَنْبَيَّ ضَارِبُ فَطَلَّقَهَا وَعِلاجُ هَذَا الْمَرَضِ مِنْ جِنْسِ مَا تَقَدَّمَ إِلا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْهُ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى قُوَّةٍ شَدِيدَةٍ فِي الْعَزْمِ عَلَى الْغَضِّ وَهَجْرِ الْمَحْبُوبِ قَطْعًا بَتًّا ليعود بالغض غض نَبَاتُ الْمَحَبَّةِ الَّذِي سُقِيَ بِمِيَاهِ النَّظَرَاتِ هَشِيمًا وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَتْ مِيَاهُ الْوَادِي نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ وَأَنْشَفَتْهُ فَعَادَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَدَوَامُ الْبُعْدِ عَنِ الْمَحْبُوبِ يَعْمَلُ فِي مَحْوِ مَا نُقِشَ فِي الْقَلْبِ فَيَمْحُوَ الْيَسِيرَ مِنْهُ بَعْدَ الْيَسِيرَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ كَمَا أَنَّ مُرُورَ الزَّمَانِ يَمْحَوُ أَثَرَ الْمُصِيبَةِ مِنَ الْقَلْبِ وَمَتَى اشْتَدَّتِ الْعَزِيمَةُ فَقَطَعَتِ الطَّمَعَ وَمَكَّنَتِ الْيَأْسَ ثُمَّ أُجِيلَ الْفِكْرُ فِي خَوْفِ الْعَوَاقِبِ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقُوبَةِ فِي الأُخْرَى وَكُرِّرَ عَلَى النَّفْسِ مَا سَبَقَ مِنْ ذَمِّ الْهَوَى وَمَا فَعَلَ بِأَرْبَابِهِ فَأَضْنَاهُمْ وَأَمْرَضَهُمْ وَأَذْهَبَ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ وَجَاهَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ فَاسْتَغَاثُوا بَعْدَ الْفَوْتِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُنَاذِرَ مَنْ فَتًى أَصْبَحَ فِي الْحُبِّ ... مسقاه الْحُبُّ سُمَّا كُلَّمَا أَخْفَى جَوَى الْحُبِّ ... عَلَيْهِ الدَّمْعُ نَمَّا سَاهِرٌ لَا يَطْعَمُ النَّوْمَ ... إِذَا اللَّيْلُ ادْلَهَمَّا كُلَّمَا رَاقَبَ نَجْمًا ... فَهَوَى رَاقَبَ نَجْمَا يَا ثِقَاتِي خَطَمَ الْحُبُّ ... لَكُمْ أَنْفِي وَزَمَّا

стр. 590

يَا أَخِي دَائِي جَوَى الْحُبِّ ... وَدَاءُ النَّاسِ جُمَّا لَا تَلُمْ مُفْتَضَحًا فِي ... الْحُبِّ إِنَّ الْحُبَّ أَعْمَى فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ كَبُرَتْ جِنَايَتِي عَلَى نَفْسِي وَكَرَّرْتُ النَّظَرَ وَانْتَقَشَتْ صُورَةَ الْمَحْبُوبِ فِي قَلْبِي وَأُورِثْتُ الْقَلَقَ الدَّائِمَ وَرَأَتْ النَّفْسِيّ أَنَّهَا تَسْتَشْفِي مِنْ هَذَا الْمَرَضِ بِتِكْرَارِ النَّظَرِ وَالزِّيَارَةِ لِلْمَحْبُوبِ فَلَمَّا فَعَلْتُ زَادَ الأَمْرُ بِي وَمَا أَقْدِرُ أَنْ أَصْبِرَ عَنِ الْحَبِيبِ لَحْظَةً فَهَلْ لِهَذَا مِنْ عَلاجٍ أَتَلافَى فِيهِ أَمْرِي قَبْلَ التَّلَفِ فَالْجَوَابُ كَيْفَ آمُرُكَ بِهَجْرِ مَنْ لَا تَصْبِرُ عَنْهُ لَحْظَةً وَكَيْفَ لَا آمُرُكَ وَأَنْتَ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ قَدْ لَعِبْتَ بِبَدَنِكَ وَدِينِكَ فَأَنْتَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ كَثَّرَ فِيكَ اللُّوَّمُ ... وَأَيْنَ سَمْعِي وَهُمُ وَقَالَ الآخَرُ بَكَرَتْ صُبْحًا عَوَاذِلُهُ ... وَرَسِيسُ الْحُبِّ قَاتِلُهُ هُوَ فِي وَادٍ وَلَيْسَ بِهِ ... وَالْهَوَى عَنْهُنَّ شَاغِلُهُ يَتَمَنَّيْنَ السُّلُوَّ لَهُ ... وَمُنَاهُ مَنْ يُوَاصِلُهُ وَمَعَ هَذَا فَلا بُدَّ لِي مِنْ نَصِيحَتِكَ مَا دَامَ الْكَلامُ يَصِلُ إِلَى سَمْعِكَ إِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ إِلَى مَحْبُوبِكَ يَتَرَدَّدُ فِي قَلْبِكَ فَلا تَأْتَيَنَّ إِلَى وَاعِظٍ ... فَلَسْتَ بِمُنْتَفِعٍ بِالْعِظَاتِ إِنَّمَا يُوصَفُ الدَّوَاءُ لِمَنْ يَقْبَلُ فَأَمَّا الْمُخَلَّطُ فَإِنَّ الدَّوَاءَ يَضِيعُ عِنْدَهُ فَإِنْ صَحَّ عَزْمُكَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فَاسْمَعْ أَصِفْ لَكَ

стр. 591

اعْلَمْ أَنَّ الْخَيَالَ الَّذِي وَقَعَ لَكَ مِنْ أَنَّ التَّزَاوُرَ وَالنَّظَرَ يَشْفِي بَعْضَ الْمَرَضِ خَيَالٌ فَاسِدٌ فَإِنْ قُلْتَ فَأَرَانِي أَسْكُنُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْكُنُ الْوِجْدُ لِمَكَانِ الْقُرْبِ فَإِذَا وَقَعَ الْبُعْدُ زَادَتْ نَارُ الشَّوْقِ اشْتِعَالا فَأَنْتَ فِي ضَرْبِ الْمَثَلِ كَالْعَطْشَانِ شَرِبَ الْخَمْرَ فَإِنَّهُ يَجِدُ رُطُوبَةَ الرَّيِّ عِنْدَ تَجَرُّعِهَا ثُمَّ تُلْهِبُهُ فَتَزِيدُ الْعَطَشَ فَكَذَلِكَ قُرْبُ الْعَاشِقِ مِنْ مَعْشُوقِهِ يَضُمُّ جُرْحًا إِلَى جُرْحٍ وَعَقْرًا إِلَى عَقْرٍ وَكُلَّمَا زَادَتِ الأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ قَوِيَتِ الْمَحَبَّةُ فِي الآلاتِ الْبَاطِنَةِ فَعَمِلَتْ سُمُومُهَا فِي الْمُقَاتِلِ وَالْمَقْتُولُ لَا يَرَى الْقَاتِلَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ قبلتها أشتفى بقبلتها ... فزادني ذَاك ألما ألما وسائلتني عَنْ مُبْتَدَا سَقَمِي ... مُسْقِمُ جَفْنَيْكَ مُسْقِمِي بِهِمَا وَقَالَ الآخَرُ أُعَانِقُهَا وَالنَّفْسُ بَعْدُ مَشُوقَةٌ ... إِلَيْهَا وَهَلْ بَعْدَ الْعَنَاقِ تَدَانِي وَأَلْثُمُ فَاهَا كَيْ تَزُولَ صَبَابَتِي ... فَيَزْدَادُ مَا أَلْقَى مِنَ الْهَيَمَانِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْكَاتِبُ يَقُولُونَ لَوْ لاقَيْتَهَا سَكَنَ الَّذِي ... بِقَلْبِكَ يَا مُشْتَاقُ وَانْقَطَعَ الْحَزَنْ فَهَا أَنَا قَدْ لاقَيْتُهَا مِثْلَ قَوْلِهِمْ ... لِيَسْكُنَ قَلْبِي بِاللِّقَاءِ فَمَا سَكَنْ وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ نَعِمَتْ بِهَا عَيْنِي فَطَالَ عَذَابُهَا ... وَلَكَمْ عَذَابٌ قَدْ جَنَاهُ نَعِيمُ نَظَرَتْ فَأَقْصَدَتِ الْفُؤَادَ بِسَهْمِهَا ... ثُمَّ انْثَنَتْ نَحْوِي فَكِدْتُ أَهِيمُ وَيْلاهُ إِنْ نَظَرَتْ وَإِنْ هِيَ أَعْرَضَتْ ... وَقْعُ السِّهَامِ وَنَزْعُهُنَّ أَلِيمُ

стр. 592

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ أَقَرَّ عَيْنِيَ ثُمَّ خَلَّفَ لِي ... قَلْبًا بِشَوْقِي إِلَيْهِ قَدْ جُرِحَا وَيَخْسَرُ الْقَلْبُ بَعْدَ غَيْبَتِهِ ... مَا كَانَ طَرْفِي عَلَيْهِ قَدْ رَبَحَا وَقَالَ غَيْرُهُ وَمَا فِي الأَرْضِ أَشْقَى مِنْ مُحِبٍّ ... وَإِنْ وَجَدَ الْهَوَى عَذْبَ الْمَذَاقِ تَرَاهُ بَاكِيًا فِي كُلِّ حِينٍ ... مَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لاشْتِيَاقِ فَيَبْكِي إِنْ نَأَوْا شَوْقًا إِلَيْهِمْ ... وَيَبْكِي إِنْ دَنَوْا خَوْفَ الْفِرَاقِ فَتَسْخَنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّنَائِي ... وَتَسْخَنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّلاقِي فَإِذَا عَرَفْتَ غُرُورَ الشَّيْطَانِ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْقُرْبَ دَوَاءٌ وَأَنَّ النَّظَرَ شِفَاءٌ بِمَا أَوْضَحْتُ لَكَ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ مُحَالٌ وَأَنَّهُ أَمْرٌ تَزِيدُ بِهِ الْحَالُ مَعَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ الَّذِي لَا طَاقَةَ بِعَذَابِهِ وَلا قُوَّةَ عَلَى عِقَابِهِ عَلِمْتَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَا عِلاجَ إِلا بِالْهَجْرِ وَحَسْمِ الطَّبْعِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ نَبْهَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ دُومَا قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الذَّارِعُ قَالَ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ قَالَ قُلْتُ لأَعْرَابِيٍّ صِفِ الْحُبَّ فَقَالَ هُوَ نَبْتٌ بِذْرُهُ النَّظَرُ وَمَاؤُهُ الْمُزَاوَرَةُ وَنَمَاؤُهُ الْوَصْلُ وَقِلَّتُهُ الْهَجْرُ وَحَصَادُهُ التَّجَنِّي أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَجِيهِيُّ قَالَ سُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيُّ لِمَ يَلْحَقُ الإِنْسَانُ مِنَ التَّعْذِيبِ عِنْدَ لِقَاءِ مَنْ يُحِبُّهُ أَشَدُّ مِنْ وَقْتِ الْفُرَاقِ

стр. 593

فَقَالَ أُجِيبُ عَنْهُ بِبَيْتِ شِعْرٍ بَكَى عَلَيْهَا حَتَّى إِذَا حَصَلَتْ ... بَكَى عَلَيْهَا خَوْفًا مِنَ الْغِيَرِ فَصْلٌ وَتَفَكَّرْ فِي خُطُوَاتِكَ إِلَى لِقَاءِ مَحْبُوبِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهَا مَعَ مَا بَيَّنَّا مِنْ ضَرَرِ أَلَمِ الزِّيَارَةِ مَكْتُوبَةٌ عَلَيْكَ وَأَنْتَ مُطَالَبٌ بِهَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهبِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ مَا خَطَا رَجُلٌ خُطْوَةً إِلا كُتِبَتْ عَلَيْهِ حَسَنَةٌ أَوْ سَيِّئَةٌ قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ خَطَبَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاسُ لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُغْفِلا شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِكُمْ لأَغْفَلَ هَذَا الأَثَرَ الَّذِي تَسْفَى عَلَيْهِ الرِّيَاحُ ثُمَّ قَرَأَ إِنَّا نَحْنُ نحي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ فَصْلٌ وَتَفَكَّرْ فِي مُكَالَمَتِكَ مَحْبُوبِكَ فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عَمَّا تَقُولُ مَعَ إِلْهَابِ الْكَلامِ نَارَ الْحُبِّ

стр. 594

أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ يَزِلَّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ عَنْ بِلالِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الرَّجُلَ لِيَتَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ يَقُولُ مَا مِنْ شَيْءٍ تَتَكَلَّمُ بِهِ إِلا كُتِبَ قَالَ مُجَاهِدٌ حَتَّى أَنِينِ الْعَبْدِ فِي مَرَضِهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمُدِيرُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ حَمْكَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السَّرْخَسِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ سَمِعْتُ حَاتِمًا يَعْنِي الأَصَمَّ يَقُولُ لَوْ أَنَّ صَاحِبَ خَبَرٍ جَلَسَ إِلَيْك ليكتب كَلَام لاحْتَرَزْتَ مِنْهُ وَكَلامُكَ يُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ فَلا تَحْتَرِزُ وَهَكَذَا حَدَّثَنَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَخْبِرُونِي لَوْ كَانَ مَعَكُمْ مَنْ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى السُّلْطَانِ أَكُنْتُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِشَيْءٍ قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

стр. 595

فَصْلٌ فَإِنْ قَوِيَتْ أَسْبَابُ الْهَوَى فَحَمَلَتْكَ عَلَى الْخَلْوَةِ بِحَبِيبِكَ فَقَدْ تَعَرَّضْتَ بِالأَسَدِ فِي خِيسِهِ وَبَعِيدٌ سَلامَةُ مِثْلِكَ فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ فَلا نَجَاةَ فِي غَيْرِهِ فَإِنْ أَمْسَكَكَ الْهَوَى فَاجْتَذِبْ نَفْسَكَ مِنْ يَدِهِ بِخَوْفِ مَنْ يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَاسْتَحْيِي مِنْ نَظَرِهِ إِلَيْكَ فَإِنَّهُ حَاضِرٌ مَعَكَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى وَالْبَطْنَ وَمَا وَعَى وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَط اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنبأَنَا الْمُبَارك بن عبد الجبار قَالَ أَنبأَنَا إِبْرَاهِيم ابْن عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزَّيْنَبِيُّ إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدَةُ بِنْتُ حَكَّامَةَ قَالَتْ حَدَّثَتْنِي أُمِّي حَكَّامَةُ بنت عُثْمَان ابْن دِينَار عَن أمهَا عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ

стр. 596

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَشْيَةُ اللَّهِ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَعٌ يَصُدُّهُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِذْ خَلا لَمْ يَعْبَأِ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبِْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُمْ فَاسْتَحْيَوْا مِنْ نَظَرِهِ أَنْ يُرَاعُوا شَيْئًا سِوَاهُ قَالَ السُّلَمِيُّ وَسَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيَّ يَقُولُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ اجْعَلْ مُرَاقَبَتَكَ لِمَنْ لَا يَغِيبُ عَنْ نَظَرِهِ إِلَيْكَ وَاجْعَلْ شُكْرَكَ لِمَنْ لَا تَنْقَطِعُ عَنْكَ نِعَمُهُ وَاجْعَلْ خُضُوعَكَ لِمَنْ لَا تَخْرُجُ عَنْ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ مَنْ ذَكَرَ رَبَّهُ فَتَرَكَ ذَنْبَهُ مِنْ هَذَا مَا فِيهِ بَلاغٌ فَصْلٌ فَأَدْرِ فِي تَلَذُّذِكَ ذِكْرَ مَرَارَةِ الْمَوْتِ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَازِمُ اللَّذَّاتِ وَتَذَكَّرْ شِدَّةَ النَّزْعِ وَتَفَكَّرْ فِي الْمَوْتَى الَّذِينَ حُبِسُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ لِيُجَازَوْا بِهَا فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى مَحْوِ خَطِيئَةٍ وَلا عَلَى زِيَادَةِ حَسَنَةٍ فَلا تَعْثَ يَا مُطْلِقُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ أَخِي مِيمِي قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخَوَّاصُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ عُدْتُ مَرِيضًا فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ هُوَ الْمَوْتُ قُلْتُ وَكَيْفَ عَلِمْتَ

стр. 597

أَنَّهُ الْمَوْتُ قَالَ أَجِدْنِي أَجْتَذِبُ اجْتِذَابًا وَكَأَنَّ الْخَنَاجِرَ مُخْتَلِفَةٌ فِي جَوْفِي وَكَأَنَّ جَوْفِي تَنَوُّرٌ مُحْمًى يَتَلَهَّبُ قُلْتُ فَاعْهَدْ قَالَ أَرَى الأَمْرَ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَصَحِيفَةٍ فَوَاللَّهِ مَا أُتِيَ بِهَا حَتَّى شَخُصَ بَصَرُهُ فَمَاتَ وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن يزيدالعبدي أَتَانِي رِيَاحٌ الْقَيْسِيُّ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أَهْلِ الآخِرَةِ نُحْدِثُ بِقُرْبِهِمْ عَهْدًا فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَأَتَى إِلَى الْمَقَابِرِ فَجَلَسْنَا إِلَى بَعْضِ تِلْكَ الْقُبُورِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا تَرَى هَذَا مُتَمَنِّيًا لَوْ مُنِّيَ قُلْتُ أَنْ يُرَدَّ وَاللَّهِ إِلَى الدُّنْيَا فَيَسْتَمْتِعَ مِنَ طَاعَةِ اللَّهِ وَيُصْلِحَ قَالَ فَهَا نَحْنُ ثُمَّ نَهَضَ فَجَدَّ وَاجْتَهَدَ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ فَصْلٌ وَصَوِّرْ لِنَفْسِكَ حِينَ اعْتِرَاضِ الْهَوَى عَرْضَكَ عَلَى رَبِّكَ وَتَخْجِيلِهِ إِيَّاكَ بِمَضِيضِ الْعِتَابِ عَلَى فَعْلِ مَا نَهَاكَ عَنْهُ أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الأَزْدِيُّ وَالْغَوْرَجِيُّ قَالا أَنْبَأَنَا الْجَرَّاحِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة بن عدي ابْن حَاتِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ ﵎ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٍ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر

стр. 598

ابْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ كُنْتُ آخِذًا بِيَدِ ابْنِ عُمَرَ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ فَقَالَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ وَيُقَرِّرُهُ بذنونه وَيَقُولُ لَهُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَصْلٌ وَتَخَايَلْ شَهَادَةَ الْمَكَانِ الَّذِي تَعْصِي فِيهِ عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ الْقَطِيعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا أَنْ تَقُولَ عَمِلَ كَذَا وَكَذَا فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ أَخْبَارُهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ

стр. 599

فَصْلٌ وَمَثِّلْ فِي نَفْسِكَ عِنْدَ بَعْضِ زُلَلِكَ كَيْفَ يُؤْمَرُ بِكَ إِلَى النَّارِ الَّتِي لَا طَاقَةَ لِمَخْلُوقٍ بِهَا وَتَصَوَّرْ نَفَادَ اللَّذَّةِ وَبَقَاءَ الْعَارِ وَالْعَذَابِ فَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ شَهْوَتَهُ ... مِنَ الْحَرَامِ وَيَبْقَى الإِثْمُ وَالْعَارُ تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا ... لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بكر ابْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدثنَا عبد الرزاق قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ نَارُكُمْ هَذِهِ مَا يُوقِدُ بَنُو آدَمَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ قَالُوا وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلَ حَرِّهَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَمْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ قُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ قَالَ خَطَبنَا أَبُو مُوسَى فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاسُ ابْكُوا فَإِنَّ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ الدُّمُوعَ حَتَّى تَنْقَطِعَ ثُمَّ يَبْكُونَ الدِّمَاءَ حَتَّى لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهَا السفن لجرت

стр. 600

قَالَ أَحْمد وحدنثا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا رِيَاحٌ قَالَ حَدَّثَتُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ إِذَا سُيِّرَتِ الْجِبَالِ فَسَمِعَتْ حَسِيسَ النَّارِ وَتَغَيُّظَهَا وَزَفِيرَهَا وَشَهِيقَهَا صَرَخَتِ الْجِبَالُ كَمَا تَصْرُخُ النِّسَاءُ ثُمَّ تَرْجِعُ أَوَائِلُهَا عَلَى أَوَاخِرِهَا يَدُقُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْضَاوِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّقُّورِ قَالَ أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الْعُتْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ قَالَ إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ لَهُ نَعْلانِ مِنْ نَار وشرا كَانَ مِنْ نَارٍ أَضْرَاسُهُ جَمْرٌ وَمَسَامِعُهُ جَمْرٌ أَشْفَارُ عَيْنَيْهِ مِنْ لَهِيبِ النَّارِ تَخْرُجُ أَحْشَاؤُهُ مِنْ قَدَمَيْهِ وَسَائِرِهِمْ كَالْحَبُّ الْقَلِيلِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ فَهِيَ بِهِمْ تَفُورُ وَكَانَ بُسْرٌ الْحَافِي يَقُولُ مَا ظَنُّكُمْ بِأَقْوَامٍ وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ لَمْ يَأْكُلُوا وَلَمْ يَشْرَبُوا حَتَّى تَقَطَّعَتْ أَكْبَادُهُمْ مِنَ الْعَطَشِ وَأَجْوَافُهُمْ مِنَ الْجُوُعِ وَأَعْنَاقُهُمْ مِنَ التَّطَاوُلِ وَرَجَوْا الْفَرَجَ فَأُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ عَرَفْتَ صِحَّةَ مَا ذَكَرْتَ كُلَّهُ وَعَلِمْتُ أَنْ لَا دَوَاءَ كَالْيَأْسِ وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى هَجْرِ الْمَحْبُوبِ بِالْكُلِّيَةِ وَقَطَعْتُ طَمَعِي مِنْهُ جَزْمًا إِلا أَنَّنِي فِي قَلَقٍ لَا يَسْكُنُ وَحُرْقَةٍ لَا تَخْبُو وَلَهِيبٍ لَا يَطْفَأُ فَهَلْ لِذَلِكَ عِلاجٌ فَالْجَوَابُ إِنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَحْبُوبُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مُبَاحًا كَجَارِيَةٍ يُمْكِنُ شِرَاؤُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَلا دَوَاءَ لِذَلِكَ كَذَلِكَ
следующие страницы →