← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6870

ذم الهوى

ابن الجوزي

Полный текст (671 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَشْيَةُ اللَّهِ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَعٌ يَصُدُّهُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِذْ خَلا لَمْ يَعْبَأِ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبِْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُمْ فَاسْتَحْيَوْا مِنْ نَظَرِهِ أَنْ يُرَاعُوا شَيْئًا سِوَاهُ قَالَ السُّلَمِيُّ وَسَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيَّ يَقُولُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ اجْعَلْ مُرَاقَبَتَكَ لِمَنْ لَا يَغِيبُ عَنْ نَظَرِهِ إِلَيْكَ وَاجْعَلْ شُكْرَكَ لِمَنْ لَا تَنْقَطِعُ عَنْكَ نِعَمُهُ وَاجْعَلْ خُضُوعَكَ لِمَنْ لَا تَخْرُجُ عَنْ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ مَنْ ذَكَرَ رَبَّهُ فَتَرَكَ ذَنْبَهُ مِنْ هَذَا مَا فِيهِ بَلاغٌ فَصْلٌ فَأَدْرِ فِي تَلَذُّذِكَ ذِكْرَ مَرَارَةِ الْمَوْتِ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَازِمُ اللَّذَّاتِ وَتَذَكَّرْ شِدَّةَ النَّزْعِ وَتَفَكَّرْ فِي الْمَوْتَى الَّذِينَ حُبِسُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ لِيُجَازَوْا بِهَا فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى مَحْوِ خَطِيئَةٍ وَلا عَلَى زِيَادَةِ حَسَنَةٍ فَلا تَعْثَ يَا مُطْلِقُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ أَخِي مِيمِي قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخَوَّاصُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ عُدْتُ مَرِيضًا فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ هُوَ الْمَوْتُ قُلْتُ وَكَيْفَ عَلِمْتَ

стр. 597

أَنَّهُ الْمَوْتُ قَالَ أَجِدْنِي أَجْتَذِبُ اجْتِذَابًا وَكَأَنَّ الْخَنَاجِرَ مُخْتَلِفَةٌ فِي جَوْفِي وَكَأَنَّ جَوْفِي تَنَوُّرٌ مُحْمًى يَتَلَهَّبُ قُلْتُ فَاعْهَدْ قَالَ أَرَى الأَمْرَ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَصَحِيفَةٍ فَوَاللَّهِ مَا أُتِيَ بِهَا حَتَّى شَخُصَ بَصَرُهُ فَمَاتَ وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن يزيدالعبدي أَتَانِي رِيَاحٌ الْقَيْسِيُّ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أَهْلِ الآخِرَةِ نُحْدِثُ بِقُرْبِهِمْ عَهْدًا فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَأَتَى إِلَى الْمَقَابِرِ فَجَلَسْنَا إِلَى بَعْضِ تِلْكَ الْقُبُورِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا تَرَى هَذَا مُتَمَنِّيًا لَوْ مُنِّيَ قُلْتُ أَنْ يُرَدَّ وَاللَّهِ إِلَى الدُّنْيَا فَيَسْتَمْتِعَ مِنَ طَاعَةِ اللَّهِ وَيُصْلِحَ قَالَ فَهَا نَحْنُ ثُمَّ نَهَضَ فَجَدَّ وَاجْتَهَدَ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ فَصْلٌ وَصَوِّرْ لِنَفْسِكَ حِينَ اعْتِرَاضِ الْهَوَى عَرْضَكَ عَلَى رَبِّكَ وَتَخْجِيلِهِ إِيَّاكَ بِمَضِيضِ الْعِتَابِ عَلَى فَعْلِ مَا نَهَاكَ عَنْهُ أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الأَزْدِيُّ وَالْغَوْرَجِيُّ قَالا أَنْبَأَنَا الْجَرَّاحِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة بن عدي ابْن حَاتِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ ﵎ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٍ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر

стр. 598

ابْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ كُنْتُ آخِذًا بِيَدِ ابْنِ عُمَرَ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ فَقَالَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ وَيُقَرِّرُهُ بذنونه وَيَقُولُ لَهُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَصْلٌ وَتَخَايَلْ شَهَادَةَ الْمَكَانِ الَّذِي تَعْصِي فِيهِ عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ الْقَطِيعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا أَنْ تَقُولَ عَمِلَ كَذَا وَكَذَا فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ أَخْبَارُهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ

стр. 599

فَصْلٌ وَمَثِّلْ فِي نَفْسِكَ عِنْدَ بَعْضِ زُلَلِكَ كَيْفَ يُؤْمَرُ بِكَ إِلَى النَّارِ الَّتِي لَا طَاقَةَ لِمَخْلُوقٍ بِهَا وَتَصَوَّرْ نَفَادَ اللَّذَّةِ وَبَقَاءَ الْعَارِ وَالْعَذَابِ فَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ شَهْوَتَهُ ... مِنَ الْحَرَامِ وَيَبْقَى الإِثْمُ وَالْعَارُ تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا ... لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بكر ابْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدثنَا عبد الرزاق قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ نَارُكُمْ هَذِهِ مَا يُوقِدُ بَنُو آدَمَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ قَالُوا وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلَ حَرِّهَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَمْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ قُسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ قَالَ خَطَبنَا أَبُو مُوسَى فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاسُ ابْكُوا فَإِنَّ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ الدُّمُوعَ حَتَّى تَنْقَطِعَ ثُمَّ يَبْكُونَ الدِّمَاءَ حَتَّى لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهَا السفن لجرت

стр. 600

قَالَ أَحْمد وحدنثا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا رِيَاحٌ قَالَ حَدَّثَتُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ إِذَا سُيِّرَتِ الْجِبَالِ فَسَمِعَتْ حَسِيسَ النَّارِ وَتَغَيُّظَهَا وَزَفِيرَهَا وَشَهِيقَهَا صَرَخَتِ الْجِبَالُ كَمَا تَصْرُخُ النِّسَاءُ ثُمَّ تَرْجِعُ أَوَائِلُهَا عَلَى أَوَاخِرِهَا يَدُقُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْضَاوِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّقُّورِ قَالَ أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الْعُتْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ قَالَ إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ لَهُ نَعْلانِ مِنْ نَار وشرا كَانَ مِنْ نَارٍ أَضْرَاسُهُ جَمْرٌ وَمَسَامِعُهُ جَمْرٌ أَشْفَارُ عَيْنَيْهِ مِنْ لَهِيبِ النَّارِ تَخْرُجُ أَحْشَاؤُهُ مِنْ قَدَمَيْهِ وَسَائِرِهِمْ كَالْحَبُّ الْقَلِيلِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ فَهِيَ بِهِمْ تَفُورُ وَكَانَ بُسْرٌ الْحَافِي يَقُولُ مَا ظَنُّكُمْ بِأَقْوَامٍ وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ لَمْ يَأْكُلُوا وَلَمْ يَشْرَبُوا حَتَّى تَقَطَّعَتْ أَكْبَادُهُمْ مِنَ الْعَطَشِ وَأَجْوَافُهُمْ مِنَ الْجُوُعِ وَأَعْنَاقُهُمْ مِنَ التَّطَاوُلِ وَرَجَوْا الْفَرَجَ فَأُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ عَرَفْتَ صِحَّةَ مَا ذَكَرْتَ كُلَّهُ وَعَلِمْتُ أَنْ لَا دَوَاءَ كَالْيَأْسِ وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى هَجْرِ الْمَحْبُوبِ بِالْكُلِّيَةِ وَقَطَعْتُ طَمَعِي مِنْهُ جَزْمًا إِلا أَنَّنِي فِي قَلَقٍ لَا يَسْكُنُ وَحُرْقَةٍ لَا تَخْبُو وَلَهِيبٍ لَا يَطْفَأُ فَهَلْ لِذَلِكَ عِلاجٌ فَالْجَوَابُ إِنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَحْبُوبُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مُبَاحًا كَجَارِيَةٍ يُمْكِنُ شِرَاؤُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَلا دَوَاءَ لِذَلِكَ كَذَلِكَ

стр. 601

فَإِنَّ خَلْقًا كَثِيرًا أَضْنَاهُمُ الْعِشْقُ فَلَمَّا قَدَرُوا عَلَى الْمَحْبُوبِ عَاوَدَتْهُمُ الصِّحَّةُ سَرِيعًا لأَنَّ النِّكَاحَ يَزِيلُ الْعِشْقَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ بَكْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَتِيقِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الدَّخِيلِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التَّنِّيسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيم بن ميسرَة عَن طَاوُوس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابِّينَ مِثْلَ التَّزَّوُجِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَوَارِسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ مُحْتَسِبُ الْمِصِّيصَةِ قَالَ حَدَّثَنَا حَيَّانُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَنَا يَتِيمَةٌ قَدْ خَطَبَهَا رَجُلانِ مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ هِيَ تَهْوَى الْمُعْسِرَ وَنَحْنُ نَهْوَى الْمُوسِرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابِّينَ مِثْلَ النِّكَاحِ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بن عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ إِجَازَةً وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُرَيْثٍ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ عَنِ ابْنِ شُبْرَمَةَ قَالَ كُنْتُ أَقْعُدُ إِلَى فُلانَةَ التَّرْجَمِيَّةِ وَكَانَتْ جَمِيلَةً بَرِزَةً فَخَلا الْبَيْتُ يَوْمًا فَقُلْتُ لَهَا هَلْ لَكَ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ وَأَمَرَ بِهِ فَقَالَتْ يُعْجِبُكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَتْ فَلا تُرِدْهُ فَإِنَّ الْحُبَّ إِذَا نُكِحَ فَسَدَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبُخَارِيُّ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ

стр. 602

قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ زَعَمَ ابْنُ دَأْبٍ أَنَّ معَاذ ابْن كُلَيْبٍ كَانَ يَعْشَقُ لَيْلَى الأَعْلَمِيَّةَ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وَكَانَ قَدْ أَقْعَدَهُ حُبُّهَا مِنْ رِجْلَيْهِ فَأَتَاهُ أَخُو لَيْلَى بِلَيْلَى فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا وَكَلَّمَتْهُ تَحَلَّلَ مَا كَانَ بِهِ وَانْصَرَفَ وَقَدْ عُوفِيَ فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ حُصُولُ الْمَحْبُوبِ مُمْكِنًا جَائِزًا فِي الشَّرْعِ إِلا أَنَّهُ تَعَسَّرَ فَلْيَلْجَأِ الْمُحِبُّ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي تَسْهِيلِهِ وَلْيُعَامِلْهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ فَرُبَّمَا عَجَّلَ لَهُ مُرَادَهُ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنبأَنَا عبد الملك بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ الْكِنْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّد ابْن جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْهَيْثَمِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الزَّاهِدُ قَالَ كَانَتْ عِنْدِي جَارِيَةٌ فَبِعْتُهَا فَتَتَبَّعَتْهَا نَفْسِي فصرت إِلَّا مَوْلاهَا مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ إِخْوَانِي فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُقِيلَنِي وَيَرْبَحَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَبَى عَلَيَّ فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَرُمْتُ فِطْرِي فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ فَبِتُّ سَاهِرًا لَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ فَخَشِيَ أَنْ أُعَاوِدَهُ فِي غَدٍ فَأَخْرَجَهَا إِلَى الْمَدَائِنِ فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا بِي مِنَ الْجَهْدِ كَتَبْتُ اسْمَهَا فِي رَاحَتِي وَاسْتَقْبَلْتُ الْقِبْلَةَ فَكُلَّمَا طَرَقَنِي طَارِقٌ مِنْ ذِكْرِهَا رَفَعْتُ يَدَيَ إِلَى السَّمَاءِ وَقُلْتُ يَا سَيِّدِي هَذِهِ قصتي حَتَّى حَتَّى إِذَا كَانَ فِي السَّحَرِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَدُقُّ عَلِيَّ الْبَابَ

стр. 603

فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ أَنَا مَوْلَى الْجَارِيَةِ فَنَزَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِهِ فَقَالَ خُذِ الْجَارِيَةَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا فَقُلْتُ خُذْ دَنَانِيرِكَ وَالرِّبْحَ فَقَالَ مَا كُنْتُ لآخُذَ مِنْكَ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا قُلْتُ وَلِمَ ذَاكَ قَالَ لأَنَّهُ أَتَانِي آتٍ اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِي فَقَالَ لِي رُدِّ الْجَارِيَةَ عَلَى ابْنِ عُبَيْدٍ وَلَكَ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةُ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ قَالَ أَخَذَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَيَّادِ ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ فَحَبَسَهُ فَتَحَمَّلَ صَفْوَانُ عَلَيْهِ بِالنَّاسِ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلا كَلَّمَهُ فَلَمْ يَرَ لِحَاجَتِهِ نُجْحًا فَأَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ يَا صَفْوَانُ قُمْ فَاطْلُبْ حَاجَتَكَ مِنْ وَجْهِهَا فَقَامَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَدَعَا قَالَ مُنَبّه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ لِحَاجَةِ صَفْوَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَقَالَ عَلَيَّ بِابْنِ أَخِي صَفْوَانَ قَالَ فَجَاءَ الْحَرَسُ وَالشُّرْطُ وَالنِّيرَانُ وَفُتِحَتِ السُّجُونُ حَتَّى استخرج فجيء بِهِ إِلَى عبيد الله فَقَالَ أَنْت ابْن أخي صَفْوَان فَقَالَ نعم فَأرْسلهُ فَمَا شعر صَفْوَان حَتَّى ضرب عَلَيْهِ ابْن أَخِيه الْبَاب قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ فُلانٌ نَبَّهَ الأَمِيرُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَجَاءَ الْحَرَسُ وَالشُّرْطُ وَجِيءَ بِالنِّيرَانِ وَفُتِحَتِ السُّجُونُ فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ فَخَلَّى عَنِّي بِغَيْرِ كَفَالَةٍ قَالَ الْخَرَائِطِيُّ وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ النَّسَّائِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الطَّائِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّبَاجِيُّ قَالَ سَمِعْتُ هَاتِفًا يَهْتِفُ عَجَبًا لِمَنْ وَجَدَ حَاجَتَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ فأنزلها بالعبيد

стр. 604

سِيَاقُ ذِكْرِ جَمَاعَةٍ حَصَلَ لَهُمْ مُرَادُهُمْ مِنْ تَزَوُّجِ النِّسَاءِ الْمَحْبُوبَاتِ أَوْ مِلْكُ الْجَوَارِي أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَاقِلَّاوِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلاءِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الأَزْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ كَانَ لِعَلِيٍّ ﵁ جَارِيَةٌ وَكَانَ لَهُ مُؤَذِّنٌ بِالرُّحْبَةِ يُؤَذِّنُ بِغَلَسٍ وَكَانَتِ الْجَارِيَةُ تَخْرُجُ تَسْتَعْذِبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْفُرَاتِ فَكَانَتْ كُلَّمَا تَمُرُّ بِالْمُؤَذِّنِ يَقُولُ لَهَا أَنَا وَاللَّهِ يَا فُلانَةُ أُحِبُّكِ فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهَا شَكَتْهُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ لَهَا إِذَا قَالَ لَكِ أَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكِ فَقُولِي لَهُ أَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ فَمَاذَا فَقَالَتْ لَهُ فَقَالَ نَصْبِرُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ فَجَاءَتْ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ اذْهَبِي فَائْتِنِي بِهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَحَّبَ بِهِ وَأَدْنَاهُ وَقَالَ لَهُ يَا فُلانُ فِي قَلْبِكَ مِنْ فُلانَةَ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَهَلْ عَلِمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَالَ لَا وَاللَّهِ قَالَ فَنَاشَدَهُ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَحْلِفُ لَهُ قَالَ فَشَأْنُكَ بِهَا فَخُذْ بِيَدِهَا فَهِيَ لَكَ فَهَذَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا فَإِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرَيْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدُونَ النَّدِيمُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالُوا كَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ يُقَالُ لَهَا

стр. 605

عُمَارَةُ وَكَانَ يَجِدُ بِهَا وِجْدًا شَدِيدًا وَكَانَ لَهَا مَكَانٌ لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ مِنْ جَوَارِيهِ فَلَمَّا وَفَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ خَرَجَ بِهَا مَعَهُ فَزَارَهُ يَزِيدُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَخْرَجَهَا إِلَيْهِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا وَسَمِعَ غِنَاءَهَا وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ فَأَخَذَهُ عَلَيْهَا مَا لَا يُمْكِنُهُ وَجَعَلَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَبُوحَ بِمَا يَجِدُ بِهَا إِلا مَكَانَ أَبِيهِ مَعَ الْيَأْسِ مِنَ الظَّفَرِ بِهَا فَلَمْ يَزَلْ يُكَاتِمُ النَّاسَ أَمْرَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَأَفْضَى الأَمْرُ إِلَيْهِ فَاسْتَشَارَ بعض من قدم عَلَيْهِ من أهل الْمَدِينَة وَعَامة من يَثِق بِهِ فِي أمرهَا وَكَيف الْحِيلَة فِيهَا فَقيل لَهُ إِن أَمر عبد الله بن جَعْفَر لَا يُرَامُ وَمَنْزِلَتُهُ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَمِنْكَ مَا قَدْ عَلِمْتَ وَأَنْتَ لَا تَسْتَجِيزُ إِكْرَاهَهُ وَهُوَ لَا يَبِيعُهَا بِشَيْءٍ أَبَدًا وَلَيْسَ يُغْنِي فِي هَذَا إِلا الْحِيلَةُ فَقَالَ انْظُرُوا لِي رَجُلا عِرَاقِيًا لَهُ أَدَبٌ وَظُرْفٌ وَمَعْرِفَةٌ فَطَلَبُوهُ فَأَتَوْهُ بِهِ فَلَمَّا دَخَلَ رَأَى بَيَانًا وَحَلاوَةً وَفَهْمًا فَقَالَ يَزِيدُ إِنِّي دَعَوْتُكَ لأَمْرٍ إِنْ ظَفِرْتَ بِهِ فَهُوَ حَظُّكَ آخِرَ الدَّهْرِ وَيَدٌ أُكَافِئُكَ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ لَيْسَ يُرَامُ مَا قِبَلَهُ إِلا بِالْخَدِيعَةِ وَلَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى مَا سَأَلْتَ فَأَرْجُوا أَنْ أَكُونَهُ وَالْقُوَّةُ بِاللَّهِ فَأَعِنِّي بِالْمَالِ قَالَ خُذْ مَا أَحْبَبْتَ فَأَخَذَ مِنْ طُرَفِ الشَّامِ وَثِيَابِ مِصْرَ وَاشْتَرَى مَتَاعًا لِلتِّجَارَةِ مِنْ رَقِيقٍ وَدَوَابٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَنَاخَ بِعَرْصَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَاكْتَرَى مَنْزِلا إِلَى جَانِبِهِ ثُمَّ تَوَسَّلَ إِلَيْهِ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَدِمْتُ بِتِجَارَةٍ وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ فِي جِوَارِكَ وَكَنَفِكَ إِلَى أَنْ أَبِيعَ مَا جِئْتُ بِهِ فَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى قَهْرَمَانَةَ أَنْ أَكْرِمِ الرَّجُلَ وَوَسِّعْ عَلَيْهِ فِي نُزُلِهِ

стр. 606

فَلَمَّا اطْمَأَنَّ الْعِرَاقِيُّ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَرَّفَهُ نَفْسَهُ وَهَيَّأَ لَهُ بَغْلَةً فَارِهَةً وَثِيَابًا مِنْ ثِيَابِ الْعِرَاقِ وَأَلْطَافًا فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ وَكَتَبَ يَا سَيِّدِي إِنِّي رَجُلٌ تَاجِرٌ وَنِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيَّ سَابِغَةٌ وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ مِنْ لُطَفِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الثِّيَابِ وَالْعِطْرِ وَبَعَثْتُ بِبَغْلَةٍ خَفِيفَةِ الْعَنَانِ وَطِيئَةِ الظَّهْرِ وَأَنَا أَسْأَلُكَ بِقَرَابَتِكَ مِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلا قَبِلْتَ هَدِيَتِي وَلَمْ تُوحِشْنِي بِرَدِّهَا إِنِّي أَدِينُ اللَّهَ تَعَالَى بِحُبِّكَ وَحُبِّ أَهْلِ بَيْتِكَ وَإِنَّ أَعْظَمَ أَمَلِي فِي سَفَرِي هَذِهِ أَنْ أَسْتَفِيدَ الأُنْسَ بِكَ وَالتَّحَرُّمَ بِمَوَاصَلَتِكَ فَأَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بِقَبْضِ هَدِيَّتِهِ وَخَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ فَلَمَّا رَجَعَ مر بالعراق فِي مَنْزِلِهِ فَقَامَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ يَدَهُ فَرَأَى أَدَبًا وَظُرْفًا وَفَصَاحَةً فَأَعُجِبَ بِهِ وَسُرَّ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِ فَجَعَلَ الْعِرَاقِيُّ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَبْعَثُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بِلُطَفٍ تُطْرِفُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ جَزَى اللَّهُ ضَيْفَنَا هَذَا خَيْرًا قَدْ مَلأَنَا شُكْرًا وَمَا نَقْدِرُ عَلَى مُكَافَأَتِهِ فَإِنَّهُ لَكَذَلِكَ إِلَى أَنْ دَعَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَدَعَا بِعُمَارَةَ فِي جَوَارِيهِ فَلَمَّا طَابَ لَهُمَا الملجس وَسَمِعَ غِنَاءَ عُمَارَةَ تَعَجَّبَ وَجَعَلَ يَزِيدُ فِي عَجَبِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ سُرَّ بِهِ إِلَى أَنْ قَالَ هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ عُمَارَةٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا وَمَا تَصْلُحُ إِلا لَكَ وَمَا ظَنَنْتُ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا مِثْلَ هَذِهِ الْجَارِيَةِ حُسْنَ وَجْهٍ وَحُسْنَ عَمَلٍ قَالَ فَكَمْ تُسَاوِي عِنْدَكَ قَالَ مَالَهَا ثَمَنٌ إِلا الْخِلافَةُ قَالَ تَقُولُ هَذَا لِتُزَيِّنَ لِي رَأْيِي فِيهَا وَتَجْتَلِبُ سُرُورِي قَالَ لَهُ يَا سَيِّدِي إِنِّي لأُحِبُّ سُرُورَكَ وَمَا قُلْتُ لَكَ إِلَّا الْجد وَبعد فَإِنِّي تَاجِرًا أَجْمَعُ الدِّرْهَمَ إِلَى الدِّرْهَمِ طَلَبًا لِلْرِبْحِ وَلَوْ أَعْطَيْتَنِيهَا بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ لأَخَذْتُهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ عَشَرَةُ آلافٍ قَالَ نَعَمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ جَارِيَةٌ تُعْرَفُ بِهَذَا الثَّمَنِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ

стр. 607

أَنَا أَبِيعَكَهَا بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ قَالَ قَدْ أَخَذْتُهَا قَالَ هِيَ لَكَ قَالَ قَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَانْصَرَفَ الْعِرَاقِيُّ فَلَمَّا أَصْبَحَ عَبْدُ اللَّهِ لَمْ يَشْعُرْ إِلا بِالْمَالِ قَدْ وَافَى بِهِ فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ قَدْ بَعَثَ الْعِرَاقِيُّ بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ وَقَالَ هَذَا ثَمَنُ عُمَارَةٍ فَرَدَّهَا وَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنَّمَا كُنْتُ أَمْزَحُ مَعَكَ وَمِمَّا أُعْلِمُكَ أَنَّ مِثْلِي لَا يَبِيعُ مِثْلَهَا فَقَالَ لَهُ جَعَلْتُ فِدَاكَ إِنَّ الْجِدَّ وَالْهَزْلَ فِي الْبَيْعِ سَوَاءٌ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَيْحَكَ مَا أَعْلَمُ جَارِيَةً تُسَاوِي مَا بَذَلْتَ وَلَوْ كُنْتُ بَائِعُهَا مِنْ أَحَدٍ لآثَرْتُكَ وَلَكِنِّي كُنْتُ مَازِحًا وَمَا أَبِيعَهَا بِمِلْكِ الدُّنْيَا لِحُرْمَتِهَا بِي وَمَوْضِعِهَا مِنْ قَلْبِي فَقَالَ الْعِرَاقِيّ إِن كنت مازحا فَإِن كُنْتُ جَادًّا وَمَا اطَّلَعْتُ عَلَى مَا فِي نَفْسِكَ وَقَدْ مَلَكْتُ الْجَارِيَةَ وَبَعَثْتُ إِلَيْكَ بِثَمَنِهَا وَلَيْسَتْ تَحِلُّ لَكَ وَمَالِي مِنْ أَخْذِهَا بُدٌّ فَمَانَعَهُ إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ لَيْسَتْ لِي بَيِّنَةٌ وَلَكِنِّي أَسْتَحْلِفُكَ عِنْدَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْبَرِهِ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ الْجِدَّ قَالَ بِئْسَ الضَّيْفُ أَنْتَ مَا طَرَقَنَا طَارق وَلَا نزل بِنَا فازل أَعْظَمُ بَلِيَّةً مِنْكَ أَتُحَلِّفُنِي فَيَقُولُ النَّاسُ اضْطَهَدَ عَبْدُ اللَّهِ ضَيْفَهُ وَقَهَرَهُ فَأَلْجَأَهُ إِلَى أَنِ اسْتَحْلَفَهُ أَمَا وَاللَّهِ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ أَنِّي سَائِلُهُ فِي هَذَا الأَمْرِ الصَّبْرَ وَحُسْنَ الْعَزَائِمِ ثُمَّ أَمَرَ قَهْرَمَانَةَ بِقَبْضِ الْمَالِ فِيهِ وَتَجْهِيزِ الْجَارِيَةِ بِمَا يُشْبِهُهَا مِنَ الْخَدَمِ وَالثِّيَابِ وَالطِّيبِ فَجُهِّزَتْ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلاثَةِ آلافِ دِينَارٍ وَقَالَ هَذَا لَكَ وَلَكَ عِوَضَهَا مِمَّا أَلْطَفْتَنَا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فَقَبَضَ الْعِرَاقِيُّ الْجَارِيَةَ وَخَرَجَ بِهَا فَلَمَّا بَرَزَ مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ لَهَا يَا عُمَارَةُ إِنِّي

стр. 608

وَاللَّهِ مَا مَلَكْتُكِ قَطُّ وَلا أَنْتَ لِي وَلا مِثْلِي يَشْتَرِي جَارِيَةً بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ وَمَا كُنْتُ لأُقْدِمَ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلُبَهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ لِنَفْسِي وَلَكِنِّي دَسِيسٌ مِنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَفِي طَلَبِكِ بَعَثَ بِي فَاسْتَتِرِي مِنِّي وَإِنْ دَاخَلَنِي الشَّيْطَانُ أَوْ تَاقَتْ نَفْسِي إِلَيْكِ فَامْتَنِعِي ثُمَّ مَضَى بِهَا حَتَّى وَرَدَ دِمَشْقَ فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ بِجَِنَازَةِ يَزِيدَ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ فَأَقَامَ الرَّجُلُ أَيَّامًا ثُمَّ تَلَطَّفَ لِلْدُخُولِ عَلَيْهِ فَشَرَحَ لَهُ الْقِصَّةَ وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يَعْدِلُ عَدْلَ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ فِي زَمَانِهِ بُتْلا وَنُسْكًا فَلَمَّا أَخْبَرَهُ قَالَ هِيَ لَكَ وَكُلُّ مَا دَفَعَهُ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِهَا فَهُوَ لَكَ وَارْحَلْ مِنْ يَوْمِكَ وَلا أَسْمَعُ بِخَبَرِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ بِلادِ الشَّامِ فَرَحَلَ الْعِرَاقِيُّ ثُمَّ قَالَ لِلْجَارِيَةِ إِنِّي قُلْتُ لَكَ مَا قُلْتُ حِينَ خَرَجْتُ بِكِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَخْبَرْتُكِ أَنَّكَ لِيَزِيدَ وَقَدْ صِرْتِ لِي وَأَنَا أُشْهِدُ اللَّهَ إِنَّكِ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْن جَعْفَرٍ وَأَنِّي قَدْ رَدَدْتُكِ عَلَيْهِ فَاسْتَتِرِي مِنِّي ثُمَّ خَرَجَ بِهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ حَرَمِهِ فَقَالَ لَهُ هَذَا الْعِرَاقِيُّ ضَيْفُكَ الَّذِي صَنَعَ مَا صَنَعَ وَقَدْ نَزَلَ الْعَرْصَةَ لَا حَيَّاهُ اللَّهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ مَهْ أَنْزِلُوا الرَّجُلَ وَأَكْرِمُوهُ فَلَمَّا اسْتَقَّرَ بَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِي أَذْنَةً خَفِيفَةً لأُشَافِهُكَ بِشَيْءٍ فَعَلْتَ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَرَّبَهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ اقْتَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ حَتَّى فَرَغَ قَالَ وَاللَّهِ قَدْ وَهَبْتُهَا لَكَ قَبْلَ أَنْ أَرَاهَا أَوْ أَضَعَ يَدِي عَلَيْهَا فَهِيَ لَكَ وَمَرْدُودَةٌ عَلَيْكَ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنِّي مَا رَأَيْتُ لَهَا وَجْهًا إِلا عِنْدَكَ

стр. 609

وَبَعَثَ إِلَيْهَا فَجَاءَتْ وَجَاءَ بِمَا جَهَّزَهَا بِهِ مُوَفَّرًا فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا فَأَهْوَى إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ فَضَمَّهَا إِلَيْهِ وَخَرَجَ الْعِرَاقِيُّ وَتَصَايَحَ أَهْلُ الدَّارِ عُمَارَةُ عُمَارَةُ فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ وَدُمُوعُهُ تَجْرِي أَحِلْمٌ هَذَا أَحَقٌّ هَذَا مَا أصدق بِهَذَا قَالَ لَهُ الْعِرَاقِيُّ جُعِلْتُ فِدَاكَ رَدَّهَا عَلَيْكَ إِيثَارُكَ الْوَفَاءَ وَصَبْرُكَ عَلَى الْحَقِّ وَانْقِيَادُكَ لَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي تَصَبَّرْتُ عَنْهَا وَآثَرْتُ الْوَفَاءَ وَأَسْلَمْتُ لأَمْرِكَ فَرَدَدْتَهَا عَلَيَّ بِمَنِّكَ فَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ قَالَ يَا أَخَا الْعِرَاقِ مَا فِي الأَرْضِ أَعْظَمُ مِنَّةً مِنْكَ وَسَيُجَازِيكَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَقَامَ الْعِرَاقِيُّ أَيَّامًا وَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ غَنَمًا بِثَلاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ وَقَالَ لِقَهْرَمَانَةَ احْمِلْهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ اعْذُرْ وَاعْلَمْ أَنِّي لَوْ وَصَلْتُكَ بِكُلِّ مَا أَمْلُكُ لَرَأَيْتُكَ أَهْلا لأَكْثَرَ مِنْهُ وَقَفَلَ الْعِرَاقِيُّ مَحْمُودًا وَافِرَ الْعَرَضِ وَالْمَالِ وَرَوَى مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ دخل عبد الله ابْن أَبِي عَمَّارٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فَقِيهُ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَى نَخَّاسٍ فَعَلِقَ فَتَاةً فَاشْتُهِرَ بِذِكْرِهَا حَتَّى مَشَى إِلَيْهِ عَطاء وطاووس وَمُجَاهِدٌ يَعْذُلُونَهُ فَكَانَ جَوَابُهُ يَلُومُنِي فِيكِ أَقْوَامٌ أُجَالِسُهُمْ ... فَمَا أُبَالِي أَطَارَ اللَّوْمُ أَمْ وَقَعَا فَانْتَهَى خَبَرُهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ غَيْرُهُ فَحَجَّ فَبَعَثَ إِلَى مَوْلَى الْجَارِيَةِ فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَأَمَرَ قَيَّمَةَ جَوَارِيهِ أَنْ تُزَيِّنُهَا وَتُجَلِّيهَا فَفعلت وَبلغ النَّاس قدومه فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ مَالِي لَا أَرَى ابْنَ أَبِي عَمَّارٍ زَائِرَنَا

стр. 610

فَأُخْبِرَ الشَّيْخُ فَأَتَاهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ اسْتَجْلَسَهُ فَقَعَدَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ مَا فَعَلَ حُبُّ فُلانَةَ فَقَالَ سِيطَ بِهِ لَحْمِي وَدَمِي وَعَصَبِي وَمُخِّي وَعِظَامِي قَالَ فَتَعْرِفُهَا إِنْ رَأَيْتَهَا قَالَ وَأَعْرِفُ عِيرَهَا قَالَ فَإِنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُهَا وَوَاللَّهِ مَا نَظَرْتُ إِلَيْهَا وَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَزُفَّتْ فِي الْحِلَى وَالْحِلَلِ فَقَالَ أَهِيَ هَذِهِ قَالَ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ فَخُذْ بِيَدِهَا فَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ لَكَ أَرَضِيتَ قَالَ إِي وَاللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَفَوْقَ الرِّضَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ وَلَكِنِّي وَالله لَا أَرْضَى أَنْ أُعْطِيكَهَا صِفْرًا احْمِلْ مَعَهُ يَا غُلامُ مِائَةَ ألف دِرْهَم كَيْلا يهتم بمؤونتها قَالَ فَرَاحَ بِهَا وَبِالْمَالِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَاقُولِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ كَانَ بِالْحِجَازِ رَجُلٌ لَهُ ابْنَةٌ جَمِيلَةٌ فَهَوِيَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا فَبَذَلَ لأَبِيهَا أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ فَأَجْدَبَتِ الْجَارِيَةُ وَانْقَرَضَ مَالُ الرَّجُلِ فَتَحَوَّلَ أَبُو الْجَارِيَةِ بِأَهْلِهِ مِنَ الشَّامِ فَكَثُرَ خُطَّابُهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَمِّهَا فَصَارَ إِلَى أَبِيهَا فَشَكَى إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ قَدْ كُنْتَ بَذَلْتَ أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم فأعطيناها فَهِيَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ قَرَابَتِكَ قَالَ أَجِّلْنِي شَهْرًا وَلَمْ يَكُنْ لِلأَعْرَابِيِّ إِلا نَاقَةٌ فَرَكِبَهَا وَلَحِقَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَأُصِيبَ بِنَاقَتِهِ فَحَمَلَ الْحِلْسَ وَالْقَتَبَ عَلَى عُنُقِهِ وَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَلَمَّا وَضَعَ الْحِلْسَ وَالْقَتَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْشَأَ يَقُولُ مَاذَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِمَنْ ... أَدْلَى إِلَيْهِ بِلا قُرْبٍ وَلا نَسَبِ مُدَلَّهٌ عَقْلُهُ مِنْ حُبِّ جَارِيَةٍ ... مَوْصُوفَةٍ بِكَمَالِ الدَّلِّ وَالأَدَبِ خَطَبْتُهَا إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ لَهَجُوا ... بِذِكْرِهَا وَالْهَوَى يَدْعُو إِلَى الْعَطَبِ فَقُلْتُ لِي حَسَبٌ عَالٍ وَلِي شَرَفٌ ... قَالُوا الدَّرَاهِمُ خَيْرٌ مِنْ ذَوِي الْحَسَبِ

стр. 611

إِنَّا نُرِيدُ أُلُوفًا مِنْكَ أَرْبَعَةً ... وَلَسْتُ أَمْلُكُ غَيْرَ الْحِلْسِ وَالْقَتَبِ فَالنَّفْسُ تَعْجَبُ لَمَّا رُمْتُ خِطْبَتَهَا ... مِنِّي وَيَضْحَكُ إِفْلاسِي مِنَ الْعَجَبِ لَوْ كُنْتُ أَمْلُكُ مَالا أَوْ أُحِيطُ بِهِ ... أَعْطَيْتُهُمْ أَلْفَ قِنْطَارٍ مِنَ الذَّهَبِ فَامْنُنْ عَلَيَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا ... وَاجْمَعْ بِهَا شَمْلَ هَذَا الْبَائِسِ الْعَزَبِ فَمَا وَرَاءَكَ بَعْدَ اللَّهِ مَطْلَبٌ ... أَنْتَ الرَّجَاءُ وَمِنِّي غَايَةُ الطَّلَبِ فَضَحِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلافٍ قَالَ أَصْدُقْهَا هَذِهِ وَأَرْبَعَةِ آلافٍ قَالَ أَو لم بِهَذِهِ وَأَرْبَعَةِ آلافٍ قَالَ اقْتَنِ هَذِهِ فَأَخَذَهَا الْفَتَى وَرَجَعَ إِلَى الشَّيْخِ فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَتًى مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ وَلَدِ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى قَيْنَةٍ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ وَكَانَ طَرِيرًا ظَرِيفًا وَكَانَتِ الْجَارِيَةُ تُحِبُّهُ وَلا يَعْلَمُ بِحُبِّهَا وَيُحِبُّهَا وَلا تَعْلَمُ فَأَرَادَ يَوْمًا أَنْ يَبْلُوَ ذَلِكَ مِنْهَا فَقَالَ لِبَعْضِ إِخَوَانِهِ امْضِ بِنَا إِلَى فُلانَةَ فَانْطَلَقَا فَدَخَلا إِلَيْهَا فَلَمَّا جَلَسَتْ مَجْلِسَهَا وَاحْتَجَزَتْ بِمَزْهَرِهَا قَالَ الأُمَوِيُّ تُغَنِّينَ أُحِبُّكُمُ حُبًّا بِكُلِّ جَوَارِحِي ... فَهَلْ لَكُمُ عِلْمٌ بِمَا لَكُمُ عِنْدِي وَتُجْزَوْنَ بِالْوُدِّ الْمُضَاعَفِ مِثْلَهُ ... فَإِنَّ الْكَرِيمَ مَنْ جَزَى الْوُدَّ بِالْوُدِّ قَالَتْ نَعَمْ وَأَحْسَنَ مِنْهُ وَغَنَّتْ

стр. 612

لِلَّذِي وَدَّنَا الْمَوَدَّةُ بِالضِّعْفِ وَفَضْلُ الْبَادِي بِهِ لَا يُجَازَى لَوْ بَدَا مَا بِنَا لَكُمْ مَلأَ الأَرْضَ ... وَأَقْطَارَ شَامِهَا وَالْحِجَازَا فَعَجِبَ الْقَوْمُ مِنْ سُرْعَتِهِ مَعَ شُغْلِ قَلْبِهِ وَمِنْ ذِهْنِهَا وَحُسْنِ جَوَابِهَا فَازْدَادَ كَلَفًا وَصَرَّحَ عَمَّا فِي قَلْبِهِ فَقَالَ أَنْتِ عُذْرُ الْفَتَى إِذَا هُتِكَ ... السِّتْرُ وَإِنْ كَانَ يُوسُفُ الْمَعْصُومَا مَنْ يَلُمْ فِي هَوَاكِ يَقْصُرْ عَنِ اللَّوْمِ ... وَإِمَّا رَآكِ كَانَ الْمَلُومَا وَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ خَبَرُهَا فَاشْتَرَاهَا بِعَشْرِ حَدَائِقَ وَوَهَبَهَا لَهُ وَمَا يُصْلِحُهَا فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ حَوْلا ثُمَّ مَاتَتْ فَرَثَّاهَا فَقَالَ قَدْ تَمَنَّيْتُ جَنَّةَ الْخُلْدِ بِالْجَهْدِ ... وَأُدْخِلْتُهَا بِلا اسْتِئْهَالِ ثُمَّ أُخْرِجْتُ أَنْ تَطَعَّمْتُ بِالنِّعْمَةِ مِنْهَا وَالْمَوْتُ أَحْمَدُ حَالِ فَكَرَّرَ هَذَا الشِّعْرَ مِرَارًا وَقَضَى فَدُفِنَا مَعًا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْمُؤَدِّبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن ابْن الْقَاسِمِ الْمَكِّيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ جَارِيَةٌ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ وَرَوَتِ الأَشْعَارَ وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَكَانَ الأَحْوَصُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ يَخْتَلِفَانِ إِلَيْهَا يُطَارِحَانِهَا الشِّعْرَ فَعَلِقَاهَا وَعَلِقَتْ هِيَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَكَانَتْ إِذَا حَدَّثَتْ أَقْبَلَتْ بِحَدِّيثِهَا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِذَا حَدَّثَ أَنْصَتَتْ لَهُ فَغَاظَ ذَلِكَ الأَحْوَصَ فَقَالَ وَاللَّهِ لأُعَرِّضَنَّ لَهَا بِبَيْتٍ مِنَ شِعْرٍ فَقَالَ

стр. 613

أَرَى الإِقْبَالَ مِنْكِ عَلَى خَلِيلِي ... وَمَا لِي فِي حَدِيثِكِ مِنْ نَصِيبِ فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ تُجِيبُهُ لأَنَّ اللَّهَ عَلَّقَهُ فُؤَادِي ... فَأَضْحَى الْحُبُّ دُونَكَ وَالْحَبِيبُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَلِيلِي لَا تَلُمْهَا فِي هَوَاهَا أَلَذُّ الْعَيْشِ مَا تَهْوَى الْقُلُوبُ فَقَالَ الأَحْوَصُ وَاللَّهِ لأَجْهَدَنَّ أَنْ أُفَرِقَ بَيْنَكُمَا فَخَرَجَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَامْتَدَحَهُ فَأَجَازَهُ وَأَحْسَنَ صِلَتَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَصِيحَةٌ قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ جَارِيَةٌ خَلَّفْتُهَا بِالْمَدِينَةِ جَمِيلَةٌ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ وَرَوَتِ الأَشْعَارَ وَمَا تَصْلُحُ إِلا لِمُسَامَرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ وَيْحَكَ صِفْهَا فِي أَبْيَاتِ شِعْرٍ فَقَالَ كَمُلَتْ فِي الْجِمَالِ وَالْحُسْنِ وَالْمَلَحِ وَتَمَّتْ فِي عَقْلِهَا وَالْعَفَافِ غَضَّةٌ بَضَّةٌ فَتَاةٌ كَعُوبٌ ... هَضْمَةُ الْكَشْحِ وَعْثَةُ الأَرْدَافِ هِيَ شَمْسُ النَّهَارِ فِي الْحُسْنِ إِلا ... أَنَّهَا فُضِّلَتْ بِعَطْفِ الظِّرَافِ وَلَهَا مَنْظَرٌ وَدَلٌّ شَهِيٌّ ... وَحَدِيثٌ مُرَتَّلٌ غَيْرُ جَافِي خُلِقَتْ فَوْقَ منية المتمني ... فاقبل النصح يَابْنَ عَبْدِ مَنَافِ قَالَ قَدْ قَبِلْتُ فَبَعَثَ فَاشْتَرَاهَا بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا صَارَتْ إِلَى الشَّامِ خَرَجَ الأَحْوَصُ مِنَ الشَّامِ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَمَرَّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ وَهُوَ جَالِسٌ بِفِنَاءِ دَارِهِ يَخُطُّ الأَرْضَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ

стр. 614

يَا مُبْتَلًى بِالْحُبِّ مَفْدُوحًا ... لاقَى مِنَ الْحُبِّ التَّبَارِيحَا أَلْجَمَهُ الْحُبُّ فَمَا يَنْثَنِي ... إِلا بِفَاسِ الْحُبِّ مَكْبُوحَا وَصَارَ مَا يُعْجِبُهُ مُغْلَقًا ... عَنْهُ وَمَا يَكْرَهُ مَفْتُوحَا قَدْ حَازَهَا مَنْ أَصْبَحَتْ عِنْدَهُ ... يُنَالُ مِنْهَا الشَّمُّ وَالرِّيحَا خَلِيفَةُ اللَّهِ فَسَلِّ الْهَوَى ... وَعَزِّ قَلْبًا مِنْكَ مَجْرُوحَا فَرَفَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَأْسَهُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ لَا صَبْرَ لِي عَنْ شَادِنٍ طَرْفُهُ ... يُورِثُ بِاللُّحْظِ التَّبَارِيحَا لَوْ تَخْلُصُ الرِّيحُ إِلَى جِسْمِهِ ... ظَلَّ لِمَسِّ الرِّيحِ مَجْرُوحَا لَا حَظَّ لِي مِنْهُ سِوَى أَنَّنِي ... مِنْ نَحْوِهِ أَسْتَنْشِقُ الرِّيحَا وَكُلَّمَا اسْتَنْشَقْتُهَا مَرَّةً ... عَدَدْتُهَا غَنْمًا وَمَفْرُوحَا وَوَافَقَ ذَلِكَ خُرُوجُ غُلامٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ أَلَكَ حَاجَةً قَالَ نَعَمْ هَذَا الْكِتَابُ تَلَطَّفْ فِي إِيصَالِهِ إِلَيْهَا وَكَتَبَ إِلَيْهَا يُعْلِمُهَا مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَحْوَصِ مِنَ الشِّعْرِ وَشَمَاتَتِهِ بِهِ فَكَتَبَتِ الْجَارِيَةُ إِلَيْهِ يَا مُشْتَكِي الْحُبِّ وَلَوْعَاتِهِ ... أَصْبَحَ قَلْبِي مِنْكَ مَقْرُوحَا مَا قَرَّتِ الْعَيْنُ بِمَا نِلْتُهُ ... وَلا عَدَدْتُ الْمِلْكَ مَفْرُوحَا شَوْقًا إِلَى وَجْهِكَ ذَاكَ الَّذِي ... لَمْ يُبْقِ لِي فِي يَدِي رُوحَا فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهَا اسْتَفَزَّهُ ذَلِكَ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَامْتَدَحَهُ فَأَحْسَنَ صِلَتَهُ وَجَائِزَتَهُ ثُمَّ مَكَثَ أَيَّامًا وَعَلِمَتِ الْجَارِيَةُ بِقُدُومِهِ فَجَعَلَتْ تُوَجِّهُ إِلَيْهِ تَسْتَخْبِرُ

стр. 615

خَبَرَهُ وَكَانَ الَّذِي يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ خَادِمٌ لَهَا فَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا احْتَلْ فِي أَنْ تُدْخِلَهُ فَأَتَى يَزِيدَ فَأَعْلَمَهُ بِاللَّيْلَةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا فَجَلَسَ يَزِيدُ فِي مَوْضِعٍ يَرَاهُمْ وَلا يَرَوْنَهُ وَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ فَلَمَّا دَخَلَ قَامَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ ثُمَّ جَلَسَتْ نَاحِيَةً يَتَحَدَّثَانِ وَيَبْكِيَانِ إِلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرَ فَقَامَ لِيَنْصَرِفَ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ مَنْ كَانَ أَضْحَى سَلا بِالْيَأْسِ عَنْ سَكَنٍ ... فَإِنَّنِي عَنْكَ مَا أَمْسَيْتُ بِالسَّالِي وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَا أَنْسَاكَ يَا سَكَنِي ... حَتَّى تُفَارِقَ مِنِّي الرُّوحَ أَوْصَالِي فَأَجَابَهَا أَضْحَى الْمُحِبُّونَ بَعْدَ الْوَصْلِ قَدْ يَئِسُوا ... وَقَدْ يَئِسَتْ وَمَا أُسْلُو عَلَى حَالِ قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحَ يَزِيدُ بَعَثَ إِلَيْهِ وَبَعَثَ إِلَيْهَا وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ حَدِّثَانِي مَا كَانَ بَيْنَكُمَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَقَدْ خَبَّرَنِي بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَكُمَا فَأَخْبَرَاهُ بِمَا كَانَ فَأَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ أَتُحِبُّهَا قَالَ إِي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حُبًّا تَالِدًا غَيْرَ طَارِفٍ وَلا مُسْتَأْنَفٍ فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ أَتُحِبِّينَهُ قَالَتْ إِي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حُبًّا قَدْ خَرَقَ شَغَافَ قَلْبِي فَقَالَ خُذْ بِيَدِهَا ثُمَّ قَالَ مَكَانَكْ إِنَّهَا لَا تَنْفَعُكَ بِغَيْرِ مَا يُصْلِحُكُمَا فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ

стр. 616

وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَخِي الأَصْمَعِيِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ حَجَّ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي خِلافَةِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ جَمِيلَةٌ فَأُعْجِبَ بِهَا غَايَةَ الإِعْجَابِ فَاشْتَرَاهَا بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِينَارٍ وَكَانَ اسْمُهَا الْعَالِيَةُ فَسَّمَاهَا حُبَابَةُ وَكَانَ يَهْوَاهَا الْحَارِثُ بْنُ خَالِد المَخْزُومِي فَقَالَ لَهُ بَلَغَهُ خُرُوجُ يَزِيدَ بِهَا ظَعَنَ الأَمِيرُ بِأَحْسَنِ الْخَلْقِ ... وَغَدَا بِلُبِّكَ مَطْلَعَ الشَّرْقِ وَبَلَغَ سُلَيْمَانُ خَبَرَهَا فَقَالَ لَهَمَمْتُ أَنْ أَحْجِرَ عَلَى يَزِيدَ يَبْتَاعُ جَارِيَةً بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِينَارٍ وَكَانَ يَزِيدُ يَهَابُهُ وَيَتَّقِيهِ فَتَأَدَّى إِلَيْهِ قَوْلُهُ فَرَدَّهَا عَلَى مَوْلاهَا وَاسْتَرَجَعَ مِنْهُ الْمَالَ وَبَاعَهَا مَوْلاهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ بِهَذَا الثَّمَنِ وَمَكَثَ يَزِيدُ آسِفًا مُتَحَسِّرًا عَلَيْهَا فَلَمْ تَمْضِ إِلا مُدَيْدَةً حَتَّى تَقَلَّدَ يَزِيدُ الأَمْرَ فَبَيْنَا هُوَ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ مَعَ امْرَأَتِهِ سُعْدَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ إِذْ قَالَتْ لَهُ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لَمْ تَنَلْهُ قَالَ نَعَمْ حُبَابَةُ فَأَمْسَكَتْ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَرْسَلَتْ بَعْضَ ثِقَاتِهَا إِلَى مِصْرَ وَدَفَعَتْ إِلَيْهِ مَالا وَأَمَرَتْهُ بِابْتِيَاعِ حُبَابَةَ فَمَضَى فَمَا كَانَ بِأَسْرَعِ مِنْ أَنْ وَرَدَ وَهِيَ مَعَهُ قَدِ اشْتَرَاهَا فَأَمَرَتْ سُعْدَةُ قَيَّمَةَ جَوَارِيهَا أَنْ تَصْنَعَهَا وَكَسَتْهَا مِنْ أَحْسَنِ الثِّيَابِ وَصَاغَتْ لَهَا أَفْخَرَ الْحُلِيِّ وَقَالَتْ لَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُتَحَسِّرٌ عَلَيْكِ وَلَهُ اشْتَرَيْتُكِ فَسُرَّتْ وَدَعَتْ لَهَا فَلَبِثَتْ أَيَّامًا تَصَنْعُهَا تِلْكَ الْقَيِّمَةَ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ عَنْهَا وَعْثُ السَّفَرِ قَالَتْ سُعْدَةُ لِيَزِيدَ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَمْضِيَ مَعِي إِلَى بستانك بالغوطة لنتتزه فِيهِ قَالَ أَفْعَلُ فَتَقَدَّمِينِي إِلَيْهِ

стр. 617

فَمَضَتْ وَضَرَبَتْ قُبَّةً وَشْيٍ وَنَجَّدَتْهَا بِالْفَرْشِ وَجَعَلَتْ دَاخِلَهَا كُلَّةَ قَصَبٍ وأجسلت فِيهَا حُبَابَةَ وَجَاءَ يَزِيدُ فَأَكَلُوا وَجَلَسُوا عَلَى شَرَابِهِمْ فَأَعَادَتْ سُعَدَةُ عَلَيْهِ هَلْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ لَمْ تَبْلُغْهُ قَالَ نَعَمْ حُبَابَةُ قَالَتْ فَإِنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُ جَارِيَةً ذَكَرَتْ أَنَّهَا عَلَّمَتْهَا غِنَاءَهَا كُلَّهُ فَهِيَ تُغَنِّي مِثْلَهَا فَتَنَشَّطْ لاسْتِمَاعِهَا قَالَ إِي وَاللَّهِ فَجَاءَتْ بِهِ إِلَى الْقُبَّةِ وَجَلَسَا قُدَّامَهَا وَقَالَتْ غَنِّي يَا جَارِيَة فغنت الصَّوْت الَّذِي عنته لِيَزِيدَ لَمَّا اشْتَرَاهَا هُوَ مِنْ شِعْرِ كُثَيِّرٍ وَبَيْنَ التَّرَاقِي وَالْفُؤَادِ حرارة ... مَكَان الشجالا تَسْتَقِلُّ فَتَبْرَدُ فَقَالَ يَزِيدُ حُبَابَةُ وَاللَّهِ فَقَالَتْ سُعْدَةُ حُبَابَةُ وَاللَّهِ لَكَ اشْتَرَيْتُهَا وَقَدْ أَهْدَيْتُهَا لَكَ فَسُرَّ سُرُورًا عَظِيمًا وَشَكَرَهَا غَايَةَ الشُّكْرِ وَانْصَرَفَتْ وَتَرَكَتْهُ مَعَ حُبَابَةَ فِي الْبُسْتَانِ فَلَمَّا كَانَ بِالْعَشِيِّ صَعَدَ مَعَهَا إِلَى مُسْتَشْرَفٍ فِي الْبُسْتَانِ وَقَالَ لَهَا غَنِّي وَبَيْنَ التَّرَاقِي وَالْفُؤَادِ حَرَارَةٌ فَغَنَّتْهُ فَأَهْوَى لِيَرْمِيَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ أَطِيرُ وَاللَّهِ فَتَعَلَّقَتْ بِهِ وَقَالَتْ اللَّهَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَقَامَ مَعَهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْبُسْتَانِ ثُمَّ انْصَرَفَا وَأَقَامَتْ أَيَّامًا ثُمَّ مَرِضَتْ وَمَاتَتْ فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا وَامْتنع عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَمَرِضَ وَمَاتَ

стр. 618

أَنْبَأَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْعُشَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَخِي مِيمِي قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُرْجُلانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَشْرَسُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنِي الْجَزَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَكِّيُّ قَالَ كَانَ عِنْدَنَا هَا هُنَا نَخَّاسٌ وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ وَكَانَ يُوصَفُ مِنْ جِمَالِهَا وَكَمَالِهَا أَمْرٌ عَجِيبٌ وَكَانَ يُخْرِجُهَا أَيَّامَ الْمَوْسِمِ وَكَانَ يُبْذَلُ لَهُ فِيهَا الرَّغَائِبَ فَيَمْتَنِعُ عَنْ بَيْعِهَا وَيَطْلُبُ الزِّيَادَةَ فِي ثمنهَا فَمَا زَالَ بذلك حينا وتسامع بهَا أهل الْأَمْصَار فَكَانُوا يحجون عمدا للنَّظَر إِلَيْهَا قَالَ وَكَانَ عِنْدَنَا فَتًى مِنَ النُّسَّاكِ قَدْ نَزَعَ إِلَيْنَا مِنْ بَلَدِهِ وَكَانَ مُجَاوِرًا عِنْدَنَا فَرَأَى الْجَارِيَةَ يَوْمًا فِي أَيَّامِ الْعَرْضِ لَهَا فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ وَكَانَ يَجِيءُ طُولَ أَيَّامِ الْعَرْضِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَنْصَرِفُ فَلَمَّا حُجِبَتْ أَحْزَنَهُ ذَلِكَ وَأَمْرَضَهُ مَرَضًا شَدِيدًا وَجَعَلَ يَذُوبُ جِسْمُهُ وَيَنْحُلُ وَاعْتَزَلَ النَّاسَ فَكَانَ يُقَاسِي الْبَلاءَ طُولَ سَنَتِهِ إِلَى أَيَّامِ الْمَوْسِمِ فَإِذَا خَرَجَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى الْعَرْضِ خَرَجَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَسَكَنَ مَا بِهِ حَتَّى تُحْجَبُ فَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ سِنِينَ يَنْحُلُ وَيَذُوبُ وَلَمْ أَزَلْ بِهِ وَأَلِحُّ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ حَدَّثَنِي بِحَدِيثِهِ وَمَا يُقَاسِيهِ وَسَأَلَ أَنْ لَا أُذِيعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلا يَسْمَعُ بِهِ أَحَدٌ فَرَحِمْتُهُ لِمَا يُقَاسِي وَمَا صَارَ إِلَيْهِ فَدَخَلْتُ إِلَى مَوْلَى الْجَارِيَةِ وَلَمْ أَزَلْ أُحَادِثُهُ إِلَى أَنْ خَرَجَتُ إِلَيْهِ بِحَدِيثِ الْفَتَى وَمَا يُقَاسِي وَمَا صَارَ إِلَيْهِ وَأَنَّهُ صَارَ عَلَى حَالَةِ الْمَوْتِ

стр. 619

فَقَالَ قُمْ بِنَا إِلَيْهِ حَتَّى أُشَاهِدُهُ وَأَنْظُرُ حَالَهُ فَقُمْنَا جَمِيعًا وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ مَوْلَى الْجَارِيَةِ وَرَآهُ وَشَاهَدَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ رَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَأَخْرَجَ ثِيَابًا حَسَنَةً سَرِيَةً وَقَالَ أَصْلِحُوا فُلانَةَ وَلَبِّسُوهَا هَذِهِ الثِّيَابَ وَاصْنَعُوا مَا تَصْنَعُونَ بِهَا أَيَّامَ الْمَوْسِمِ فَفَعَلُوا بِهَا ذَلِكَ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَأَخْرَجَهَا إِلَى السُّوقِ وَنَادَى فِي النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ مَعَاشِرَ النَّاسِ اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ وَهَبْتُ جَارِيَتِي فُلانَةَ لِهَذَا وَمَا عَلَيْهَا ابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ الله ثمَّ قَالَ لِلْفَتَى تَسَلَّمْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ فَهِيَ هَدِيَةٌ مِنِّي إِلَيْكَ بِمَا عَلَيْهَا فَجَعَلَ النَّاسُ يَعْذُلُونَهُ وَيَقُولُونَ وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ قَدْ بُذِلَ لَكَ فِيهَا الرَّغَائِبَ فَلَمْ تَبِعْهَا وَوَهَبْتَهَا لِهَذَا فَقَالَ إِلَيْكُمْ عَنِّي فَإِنِّي أَحْيَيْتُ كُلَّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَوْحٍ النَّهْرَوَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرَيْرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الأَزْهَرِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي فَحَدَّثَنِي قَالَ بَيَّنَّا أَنَا الْبَارِحَةَ قَدْ أَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي فَإِذَا دَاقٌّ يَدُقُّ الْبَابَ دَقًّا شَدِيدًا فَأَخَذْتُ عَلَيَّ إِزَارِي وَخَرَجْتُ فَإِذَا هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ يَا أَبَا حَاتِمٍ لِي بِكَ حُرْمَةٌ وَهَذَا وَقْتٌ كَمَا تَرَى وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ دَعَانِي لأَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فَإِنْ أَمْكَنَكَ

стр. 620

أَنْ تَدْفَعَ بِذَلِكَ إِلَى الْغَدِ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ رَأْيٌ فَقَالَ مَالِي إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ السَّبَبُ قَالَ خَرَجَ إِلَيَّ مَسْرُورٌ الْخَادِمُ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ بِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَصُبَّ عَلَيَّ مَاءً وَأَتَحَنَّطُ فَإِنْ كَانَ أَمْرٌ مِنَ الأُمُورِ كُنْتُ قَدْ أَحْكَمْتُ شَأْنِي وَإِنْ رَزَقَ اللَّهُ الْعَافِيَةَ فَلَنْ يَضُرَّ فَأَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ فَلَبِسْتُ ثِيَابًا جُدُدًا وَتَطَيَّبْتُ بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الطِّيبِ ثُمَّ خَرَجْنَا فَمَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا دَارَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ فَإِذَا مَسْرُورٌ وَاقِفًا فَقَالَ لَهُ هَرْثَمَةُ قَدْ جِئْتُ بِهِ فَقُلْتُ لِمَسْرُورٍ يَا أَبَا هَاشِمٍ خِدْمَتِي وَحُرْمَتِي وَهَذَا وَقْتٌ ضَيِّقٌ فَتَدْرِي لِمَ طَلَبَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَا قُلْتُ فَمَنْ عِنْدَهُ قَالَ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ قُلْتُ وَمَنْ قَالَ مَا عِنْدَهُ ثَالِثٌ فَقَالَ مُرْ فَإِذَا صِرْتُ فِي الصَّحْنِ فَإِنَّهُ فِي الرُّوَاقِ جَالِسٌ فَحَرِّكْ رِجْلِكَ بِالأَرْضِ فَإِنَّهُ سَيَسْأَلُكَ فَقُلْ أَنَا فَجِئْتُ فَفَعَلْتُ فَقَالَ مَنْ هَذَا قُلْتُ يَعْقُوبُ قَالَ ادْخُلْ فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَعَنْ يَمِينِهِ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ وَقَالَ أَظُنُّنَا رَوَّعْنَاكَ قُلْتُ إِي وَاللَّهِ وَكَذَلِكَ مَنْ خَلْفِي قَالَ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ حَتَّى سَكَنَ رَوْعِي ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا يَعْقُوبُ تَدْرِي لَمْ دَعَوْتُكَ قُلْتُ لَا قَالَ دَعَوْتُكَ لأُشْهِدُكَ عَلَى هَذَا إِنَّ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ سَأَلْتُهُ أَنْ يَهِبَهَا لِي فَامْتَنَعَ وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا فَأَبَى وَوَاللِّهِ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ لأَقْتُلَنَّهُ قَالَ فَالْتَفَتُّ إِلَى عِيسَى فَقُلْتُ وَمَا بَلَغَ اللَّهُ بِجَارِيَةٍ تَمْنَعُهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَتْرُكُ نَفْسَكَ عِنْدَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ قَالَ فَقَالَ لِي عَجِلْتَ عَلَيَّ فِي الْقَوْلِ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ مَا عِنْدِي قُلْتُ

стр. 621

وَمَا فِي هَذَا مِنَ الْجَوَابِ قَالَ إِنَّ عَلَيَّ يَمِينًا بِالطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ وَمَا أَمْلِكُ صَدَقَةً أَنْ لَا أَبِيعَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَلا أَهِبَهَا فَالْتَفَتَ إِلَيَّ الرَّشِيدُ فَقَالَ هَلْ فِي ذَلِكَ مِنْ مَخْرَجٍ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَمَا هُوَ قُلْتُ يَهِبُ لَكَ نِصْفَهَا وَيَبِيعَكَ نِصْفَهَا فَيَكُونُ لَمْ يَبِعْ وَلَمْ يَهِبْ قَالَ عِيسَى وَيَجُوزُ ذَلِكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ بِعْتُهُ نِصْفَهَا وَوَهَبْتُهُ النِّصْفَ الْبَاقِي بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ فَقَالَ الْجَارِيَةَ فَأُتِيَ بِالْجَارِيَةِ وَبِالْمَالِ فَقَالَ خُذْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا قَالَ يَا يَعْقُوبُ بَقِيَتْ لَكَ وَاحِدَةٌ قُلْتُ وَمَا هِيَ قَالَ هِيَ مَمْلُوكَةٌ وَلا بُدَّ أَنْ تَسْتَبْرِأَ وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ أَبِتْ مَعَهَا لَيْلَتِي إِنِّي لأَظُنُّ أَنَّ نَفْسِيَ سَتَخْرُجُ قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَعْتِقُهَا وَتَتَزَوَّجُهَا فَإِنَّ الْحُرَّةَ لَا تُسْتَبْرَأُ قَالَ فَمَنْ يُزَوِّجْنِيهَا قُلْتُ أَنَا فَدَعَا بِمَسْرُورٍ وَحَسَنٍ فَخَطَبْتُ وَحَمَدْتُ اللَّهَ وَزَوَّجْتُهُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ فَدَعَا بِالْمَالِ فَدَفَعَهُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ لِي يَا يَعْقُوبُ انْصَرِفْ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى مَسْرُورٍ فَقَالَ يَا مَسْرُورُ فَقَالَ لَبَيَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ احْمِلْ إِلَى يَعْقُوبَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ تَخْتًا ثِيَابًا فَحَمَلَ ذَلِكَ مَعِي قَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ فَالْتَفَتَ إِلَيّ يَعْقُوبَ فَقَالَ هَلْ رَأَيْتَ بَأْسًا فِيمَا فَعَلْتَ قُلْتُ لَا قَالَ فَخُذْ مِنْهَا حَقَّكَ قُلْتُ وَمَا حَقِّي قَالَ الْعُشْرُ قَالَ فَشَكَرْتُهُ وَدَعَوْتُ لَهُ وَذَهَبْتُ لأَقُومَ فَإِذَا بِعَجُوزٍ دَخَلَتْ فَقَالَتْ يَا أَبَا يُوسُفَ بِنْتُكَ تُقْرِئُكَ السَّلامَ وَتَقُولُ لَكَ وَاللَّهِ مَا وَصَلَ إِلَيَّ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلا الْمَهْرَ الَّذِي قَدْ عَرَفْتُهُ وَقَدْ حَمَلْتُ إِلَيْكَ النِّصْفَ مِنْهُ وَخَلَّفْتُ

стр. 622

الْبَاقِي لِمَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَقَالَ رديه فوَاللَّه لَا قَبِلْتُهُ أَخْرَجْتُهَا مِنَ الرِّقِّ وَزَوَجْتُهَا مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَرْضَى لِي بِهَذَا فَلَمْ نَزَلْ نَطْلُبْ إِلَيْهِ أَنَا وَعُمُومَتِي حَتَّى قَبِلَهَا وَأَمَرَ لِي مِنْهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ قَالَ مَنْصُورٌ الْبَرْمَكِيُّ كَانَ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ جَارِيَةٌ غُلامِيَّةٌ تَصُبُّ عَلَى يَدِهِ وَتَقِفُ عَلَى رَأْسِهِ وَكَانَ الْمأْمُونُ مُعْجَبًا بِهَا وَهُوَ أَمْرَدُ فَبَيْنَا هِيَ تَصُبُّ عَلَى هَارُونَ مِنْ إِبْرِيقٍ مَعَهَا وَالْمَأْمُونُ مَعَ هَارُونَ الرَّشِيدِ قَدْ قَابَلَ بِوَجْهِهِ وَجْهَ الْجَارِيَةِ إِذْ أَشَارَ إِلَيْهَا بِقُبْلَةٍ فزبرتهبحاجبها وَأَبْطَأَتْ عَنِ الصَّبِّ فِي مَهْلَةٍ مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا هَارُونُ فَقَالَ مَا هَذَا فَتَلَكَّأَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ ضَعِي مَا مَعَكِ عَلَيَّ كَذَا إِنْ لَمْ تُخْبِرِينِي لأَقْتُلَنَّكِ فَقَالَتْ أَشَارَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بِقُبْلَةٍ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْحَيَاءِ وَالرُّعْبِ مَا رَحِمَهُ مِنْهُ فَاعْتَنَقَهُ وَقَالَ أَتُحِبُّهَا قَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ قُمْ فَاخْلُ بِهَا فِي تِلْكَ الْقُبَّةِ فَقَامَ فَفَعَلَ فَقَالَ لَهُ هَارُونُ قُلْ فِي هَذَا شِعْرًا فَأَنْشَأَ يَقُولُ ظَبْيٌ كَتَبْتُ بِطَرْفِي ... عَنَّ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ قَبَّلْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ ... فَاعْتَلَّ مِنْ شَفَتَيْهِ وَرَدَّ أَحْسَنَ رَدٍّ ... بِالْكَسْرِ مِنْ حَاجِبَيْهِ فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي ... حَتَّى قَدَرْتُ عَلَيْهِ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمسلمَة قَالَ أنبانا إِسْمَاعِيل

стр. 623

ابْن سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبْعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ قَدْ رَبَّتْ جَارِيَةً وَأَدَّبَتْهَا وَكَانَتْ تَخْتَلِفُ فِي مُهِمِّ أُمُورِهَا إِلَى كُتَّابِهَا وَعُمَّالِهَا وَدِيوَانِهَا وَكَانَ لأُمِّ جَعْفَرٍ مَوْضِعٌ تُشْرِفُ مِنْهُ عَلَى الدِّيوَانِ تَرَى مَنْ فِيهِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهَا فَقَالَتْ يَوْمًا لِجَارِيَتِهَا تِلْكَ يَا فُلانَةُ مَنْ أَحْسَنُ مَنْ فِي الدِّيوَانِ قَالَتْ فُلانٌ مَوْلاكِ قَالَتْ كَيْفَ ذَاكَ وَهُنَاكَ فُلانٌ الْهَاشِمِيُّ وَفُلانٌ الْكَاتِبُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ قَالَتْ هُوَ وَاللَّهِ أَحْسَنُ الْقَوْمِ لأَنِّي أُحِبُّهُ قَالَتْ وَكَيْفَ عَلِمْتِ أَنَّهُ يُحِبُّكِ قَالَتْ لأَنَّنِي أَخْرُجُ إِلَى الدِّيوَانِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكِ فَإِذَا رَآنِي مُقْبِلَةً تَرَكَ عَمَلَهُ ثُمَّ لَا يَزَالُ نَاظِرًا إِلَيَّ حَتَّى أُوَلِّي ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْظُرُ إِلَيَّ مُوَلِّيَةً حَتَّى أَغِيبَ عَنْهُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّنِي فَأَحْبَبْتُهُ قَالَتْ فَاذْهَبِي إِلَيْهِ السَّاعَةَ حَتَّى تُقَبِّلِيهِ قُبْلَةً عَلَى فَمِهِ فَانْطَلَقَتْ فَلَمَّا رَآهَا مُقْبِلَةً أَلْقَى الْقِرْطَاسَ وَالْقَلَمَ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ بُهِتَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَنَتْ مِنْهُ ظَنَّ أَنَّهَا جَاءَتْ بِرِسَالَةِ أُمِّ جَعْفَرٍ فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا كَالْمُصْغِي إِلَيْهَا فَقَبَّلَتْهُ فَفَزِعَ لِذَلِكَ ثُمَّ ثَابَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ وَعَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ هَذَا إِلا عَنْ أَمْرٍ فَدَعَاهَا ثمَّ كتب رفْعَة فَقَالَ لَهَا ارْفَعِيهَا إِلَى أُمِّ جَعْفَرٍ فَإِذَا فِيهَا قَدْ وَجَدْنَا طَعْمَ الْحَرَامِ لَذِيذًا ... فَأَذِيقِي مَوْلاكِ طَعْمَ الْحَلالِ فَكَتَبَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ فِي أَسْفَلِ رُقْعَتِهِ لَيْسَ فِيهَا مَطْمَعٌ لِمُحِبٍّ ... إِنَّمَا نَقْتَنِي لِغَيْرِ الرِّجَالِ فَيَئِسَ مِنْهَا ثُمَّ أَمَرَتْ بِتَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا وَأَمَرَتْ لَهُ بِثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَحْسَنَتْ جِهَازَهَا

стр. 624

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ النَّخَعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ كَاتِبُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمأْمُونِ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَجَّ الرَّشِيدُ وَمَعَهُ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ وَكُنْتُ مَعَهُمْ فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ قَالَ لِي جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى أُحِبّ أَنْ تَنْظُرَ لِي جَارِيَةً وَلا تُبْقِي غَايَةً فِي حَذَاقَتِهَا بِالْغِنَاءِ وَالضَّرْبِ وَالْكَمَالِ فِي الظُّرْفِ وَالآدَابِ وَجَنِّبْنِي قَوْلَهُمْ صَفْرَاءُ قَالَ فَأُرْشِدْتُ إِلَى جَارِيَةٍ لِرَجُلٍ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَرَأَيْتُ رُسُومَ النِّعْمَةِ وَأَخْرَجَهَا إِلَيَّ فَلَمْ أَرَ أَجْمَلَ مِنْهَا وَلا أَصْبَحَ وَلا آدَبَ ثُمَّ تَغَنَّتْ أَصْوَاتًا فَأَجَادَتْهَا فَقُلْتُ لِصَاحِبِهَا قُلْ مَا شِئْتَ قَالَ أَقُولُ لَكَ قَوْلا لَا أَنْقُصُ مِنْهُ دِرْهَمًا قُلْتُ قُلْ قَالَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ قُلْتُ قَدْ أَخَذْتُهَا وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ نَظْرَةً قَالَ ذَاكَ لَهُ قَالَ فَأَتَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى فَقُلْتُ قَدْ أَصَبْتُ حَاجَتَكَ عَلَى غَايَةِ الظُّرْفِ وَالأَدَبِ وَالْجَمَالِ وَنَقَاءِ اللَّوْنِ وَجَوْدَةِ الطَّرَبِ وَالْغِنَاءِ وَقَدِ اشْتَرَطَتْ نَظْرَةً فَاحْمِلِ الْمَالَ وَمُرْ بِنَا فَحَمَلَ الْمَالَ عَلَى حَمَّالِينَ وَجَاءَ جَعْفَرُ مُسْتَخْفِيًا فَدَخَلْنَا عَلَى الرَّجُلِ فَأَخْرَجَهَا فَلَمَّا رَآهَا جَعْفَرٌ أُعْجِبَ بِهَا وَعَرَفَ أَنْ قَدْ صَدَقْتُهُ ثُمَّ غَنَّتْ فَازْدَادَ بِهَا عَجَبًا فَقَالَ لِي اقْطَعْ أَمْرَهَا فَقُلْتُ لِمَوْلاهَا هَذَا الْمَالُ قَدْ وَزَنَّاهُ وَنَقَدْنَاهُ فَإِنْ قَنَعْتَ وَإِلا فَوَجِّهْ مَنْ شِئْتَ لِتَنْقُدَهُ فَقَالَ لَا بَلْ أَقْنَعُ بِمَا قُلْتُمْ فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ يَا مَوْلايَ فِي أَيُ شَيْءٍ أَنْتَ قَالَ قَدْ عَرَفْتِ مَا كُنَّا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَمَا كُنْتُ فِيهِ مِنَ انْبِسَاطِ الْيَدِ وَقَدِ انْقَبَضْتُ عَنْ ذَلِكَ لِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ

стр. 625

عَلَيْنَا فَقَدَرْتُ أَنْ تَصِيرِي إِلَى هَذَا الْمَلِكِ لِتَنْبَسِطِي فِي شَهَوَاتِكِ وَإِرَادَاتِكِ فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ وَاللَّهِ يَا مَوْلايَ لَوْ مَلَكْتُ مِنْكَ مَا مَلَكْتَ مِنِّي مَا بِعْتُكَ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَبَعْدُ فَاذْكُرِ الْعَهْدَ وَقَدْ كَانَ حَلَفَ لَهَا أَلا يَأْكُلَ لَهَا ثَمَنًا قَالَ فَتَغَرْغَرَتْ عَيْنُ الْمَوْلَى وَقَالَ اشْهَدُوا أَنَّهَا حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ وَأَنِّي تَزَوَّجْتُهَا وَأَمْهَرْتُهَا دَارِي فَقَالَ لِي جَعْفَرٌ انْهَضْ بِنَا قَالَ فَدَعَوْتُ الْحَمَّالِينَ لِيَحْمِلُوا الْمَالَ قَالَ جَعْفَرٌ لَا وَالله يَصْحَبُنَا مِنْهُ دِرْهَمٌ قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَوْلاهَا فَقَالَ هُوَ لَكَ مُبَارَكٌ لَكَ فِيهِ أَنْفِقْهُ عَلَيْهَا وَعَلَيْكَ وَقُمْنَا فَخَرَجْنَا أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا عَليّ ابْن أَبِي عَلِيٍّ الْمُعَدَّلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ رَوَى أَبُو رَوْقٍ الْهِزَّانِي عَنِ الرِّيَاشِي أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ اشْتَرَى صَبِيَّةً فَأَحْسَنَ تَأَدِّيبَهَا وَتَعْلِيمَهَا وَأَحَبَّهَا كُلَّ الْمَحَبَّةِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا حَتَّى أَمْلَقَ وَحَتَّى مَسَّهَا الضُّرُّ الشَّدِيدُ فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ إِنِّي لأَرْثِي لَكَ يَا مَوْلايَ مِمَّا أَرَى بِكَ مِنْ سِوءِ الْحَالِ فَلَوْ بِعْتَنِي وَاتَّسَعْتَ بِثَمَنِي فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَصْنَعَ لَكَ وَأَقَعَ أَنَا بِحَيْثُ يَحْسُنُ حَالِي فَيَكُونُ ذَلِكَ أَصْلَحَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا قَالَ فَحَمَلَهَا إِلَى السُّوقِ فَعُرِضَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيِّ وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة يؤمئذ فَأَعْجَبَتْهُ فَاشْتَرَاهَا بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا قَبَضَ الْمَوْلَى الثَّمَنَ وَأَرَادَ الانْصَرَافَ اسْتَعْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى صَاحِبِهِ بَاكِيًا وَأَنْشَأَتِ الْجَارِيَةُ تَقُولُ

стр. 626

هَنِيئًا لَكَ الْمَالُ الَّذِي قَدْ حَوَيْتَهُ ... وَلَمْ يَبْقَ فِي كَفَّيَّ غَيْرُ التَّذَكُّرِ أَقُولُ لِنَفْسِي وَهِيَ فِي غَشْيِ كُرْبَةٍ ... أَقِلِّي فَقَدْ بَانَ الْحَبِيبُ أَوَ أكْثِرِي إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلأَمْرِ عِنْدَكِ حِيلَةٌ ... وَلَمْ تَجِدِي شَيْئًا سِوَى الصَّبْرَ فَاصْبِرِي فَاشْتَدَّ بُكَاءُ الْمَوْلَى ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ فَلَوْلا قُعُودُ الدَّهْرِ بِي عَنْكِ لَمْ يَكُنْ ... يُفَرِّقُنَا شَيْءٌ سِوَى الْمَوْتِ فَاعْذُرِي أَرُوحُ بِهَمٍّ فِي الْفُؤَادِ مُبَرِّحٍ ... أُنَاجِي بِهِ قَلْبًا شَدِيدَ التَّفَكُّرِ عَلَيْكِ سَلامٌ لَا زَيَارَةَ بَيْنَنَا ... وَلا وَصْلَ إِلا أَنْ يَشَاءَ ابْنُ مَعْمَرِ فَقَالَ ابْنُ مَعْمَرٍ قَدْ شِئْتُ خُذْهَا وَلَكَ الْمَالُ وَانْصَرِفَا رَاشَدَيْنِ فَوَاللَّهِ لَا كُنْتُ سَبَبًا لِفُرْقَةِ مُحِبَّيْنِ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَصْبَحْتُ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَنَا فِي غَايَةِ الضِّيقِ فَطَلَبْتُ الْخَادِمَ فَلَمْ أَجِدْهُ ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ أَيْنَ كُنْتَ قَالَ كُنْتُ فِي احْتِيَالِ شَيْءٍ لَكَ وَعَلَفٍ لِدَابَّتِكَ فَوَاللَّهِ مَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ قُلْتُ أَسْرِجْ لِي وَرَكِبْتُ فَلَمَّا صرت فِي سوق يحيى إِذا

стр. 627

٠٠٠٠٠٠ - أَنَا بِمَوْكِبٍ عَظِيمٍ وَإِذَا الْفَضْلُ بن يحيى بن خَالِد فَلم بَصُرَ بِي قَالَ سِرْ فَسِرْنَا قَلِيلا وَحَجَزَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غُلامٌ يَحْمِلُ طَبَقًا عَلَى بَابٍ يَصِيحُ بِجَارِيَةٍ فَوَقَفَ الْفَضْلُ طَوِيلا ثُمَّ قَالَ سِرْ ثُمَّ قَالَ تَدْرِي سَبَبَ وُقُوفِي قُلْتُ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعْلِمُنِي قَالَ كَانَتْ لأُخْتِي جَارِيَةٌ وَكُنْتُ أُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا وَأَسْتَحْيِي مِنْ أُخْتِي أَنْ أَطْلُبَهَا مِنْهَا فَفَطِنَتْ أُخْتِي لِذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَبَّسَتْهَا وَزَيَّنَتْهَا وَبَعَثَتْ بِهَا إِلَيَّ فَمَا كَانَ مِنْ عُمْرِي يَوْمٌ أَطْيَبَ مِنْ يَوْمِي هَذَا فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْوَقْتِ جَاءَنِي رَسُولُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَزْعَجَنِي وَقَطَعَ عَلَيَّ لَذَّتِي فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ دَعَا هَذَا الْغُلامَ صَاحِبَ الطَّبَقِ بِاسْمِ تِلْكَ الْجَارِيَةِ فَارْتَحْتُ لِنَدَائِهِ وَوَقَفْتُ فَقُلْتُ أَصَابَكَ مَا أَصَابَ أَخَا بَنِي عَامِرٍ حَيْثُ يَقُولُ وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى ... فَهَيَّجَ أَطْرَافَ الْفُؤَادِ وَمَا يَدْرِي دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا ... أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي فَقَالَ لِي اكْتُبْ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فَعَدَلْنَا أَطْلُبُ وَرَقَةً أَكْتُبُ لَهُ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْ فَرَهَنْتُ خَاتَمِي عِنْدَ بَقَّالٍ وَأَخَذْتُ وَرَقَةً فَكَتَبْتُهُمَا فِيهَا وَأَدْرَكْتُهُ بِهِمَا فَقَالَ لِي ارْجِعْ إِلَى مَنْزِلِكَ فَرَجَعْتُ فَقَالَ لِي الْخَادِمُ أَعْطِنِي خَاتَمَكَ أَرْهَنْهُ عَلَى قُوتِكَ فَقُلْتُ قَدْ رَهَنْتُهُ فَمَا أَمْسَيْتُ حَتَّى بَعَثَ إِلَيَّ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ جَائِزَةً وَعَشْرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ سَلَفًا مِنْ رِزْقٍ أَجْرَاهُ إِلَيَّ أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عبد العزيز بْنُ بُنْدَارَ الشِّيرَازِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَلالَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ قَالَ اختفى إِبْرَاهِيم

стр. 628

ابْن الْمَهْدِيِّ زَمَنَ الْمأْمُونِ عِنْدَ عَمَّتِهِ وَكَانَتْ تُكْرِمُهُ غَايَةَ الْكَرَامَةِ وَوَكَّلَتْ بِهِ جَارِيَةً قَدْ أَدَّبَتْهَا وَأَنْفَقَتْ عَلَيْهَا الأَمْوَالَ وَكَانَتْ حَاذِقَةً رَاوِيَةً لِلشِّعْرِ وَكَانَتْ قَدْ طُلِبَتْ مِنْهَا بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ تلِي خدم إِبْرَاهِيمَ وَتَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ فَهَوِيَهَا وَكَرِهَ طَلَبَهَا مِنْ عَمَّتِهِ فَلَمَّا اشْتَدَّ وِجْدُهُ بِهَا وَسَكِرَ أَخَذَ عُودًا وَغَنَّى بِشْعِرٍ لَهُ فِيهَا وَهِيَ وَاقِفَةٌ عَلَى رَأْسِهِ يَا غَزَالا لِي إِلَيْهِ ... شَافِعٌ مِنْ مُقْلَتَيْهِ وَالَّذِي أَجْلَلْتُ خَدَّيْهِ فَقَبَّلْتُ يَدَيْهِ بِأَبِي وَجْهَكَ مَا ... أَكْثَرَ حسادي عَلَيْهِ أَنا ضيف وجزءا الضَّيْفِ ... إِحْسَانٌ إِلَيْهِ فَسَمِعَتِ الْجَارِيَةُ الشِّعْرَ وَفَطِنَتْ لِمَعْنَاهُ لِرِقَّتِهَا وَظُرْفِهَا وَكَانَت مَوْلاتُهَا تَسْأَلُهَا عَنْ حَالِهَا وَحَالِهِ كل يَوْم فَأَخْبَرتهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنْهَا وَبِمَا سَمِعَتْ مِنْهُ من الشّعْر والغناء فَقَالَت لَهَا مَوْلاتُهَا اذْهَبِي فَقَدْ وَهَبْتُكِ لَهُ فَعَادَت إِلَيْهِ فَلَا رَآهَا أَعَادَ الصَّوْتَ فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ الْجَارِيَة فَقبلت رَأسه فَقَالَ لَهَا كُفِّي فَقَالَتْ قَدْ وَهَبَتْنِي مَوْلاتِي لَكَ وَأَنَا الرَّسُولُ فَقَالَ أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْن مَنْصُورٍ الْحَارِثِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الطَّلْحِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ الله ابْن الْقَاسِمِ قَالَ عَشِقَ التَّيْمِيُّ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ أَوْ مُحَمَّدٌ التَّيْمِيُّ الشَّاعِرُ جَارِيَةً عِنْدَ بَعْضِ النَّخَّاسِينَ فَشَكَى وَجْدَهُ بِهَا إِلَى أَبِي عِيسَى بْنِ الرَّشِيدِ فَقَالَ أَبُو عِيسَى لِلْمَأْمُونِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ التَّيْمِيَّ يَجِدُ بِجَارِيَةٍ لِبَعْضِ النَّخَّاسِينَ وَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ بَيْتَيْنِ يَسْأَلُنِي فِيهِمَا فَقَالَ لَهُ مَا كَتَبَ بِهِ إِلَيْكَ فَأَنْشَدَهُ يَا أَبَا عِيسَى إِلَيْكَ الْمُشْتَكَى ... وَأَخُو الصَّبْرِ إِذَا عِيلَ اشْتَكَى

стр. 629

لَيْسَ لِي صَبْرٌ عَلَى هُجْرَانِهَا ... وَأَعَافُ الْمَشْرَبَ الْمُشْتَرَكَا فَأَمَرَ لَهُ بِثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهَا وَبَلَغَنَا عَن الْمُهلب بن أَي صُفْرَةَ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى فَتًى يُكَلِّمُ جَارِيَةً مِنْ جَوَارِيهِ فَدَعَا بِالْجَارِيَةِ فَقَالَ لَهَا مَا حَمَلَكِ عَلَى كَلامِ مَنْ رَأَيْتُ فَقَالَتْ يَا سَيِّدِي لأَنَّ لَهُ مِنْ مَحْضِ قَلْبِي مَوَّدَةً ... لَهَا تَحْتَ أَحْنَاءِ الضُّلُوعِ خُفُوقُ إِلَى غَيْرِ سُوءٍ فَاعْلَمَنَّ كَلامَنَا ... وَلَكِنْ لِشَوْقٍ وَالْمُحِبُّ مَشُوقُ فَدَعَا بِالْفَتَى فَقَالَ لَهُ مَا حَمَلَكَ عَلَى كَلامِ هَذِهِ فَقَالَ لأَنَّ لَهَا فِي الْقَلْبِ مِنِّي مَحَبَّةً ... وَفِي طَيِّ صَدْرِي لَوْعَةٌ وَحَرِيقُ وَإِنِّي لأَهْوَاهَا عَلَى كُلِّ حَالَةٍ ... وَإِنِّي إِلَيْهَا مَا حَيِيتُ أَتُوقُ فَقَالَ الْمُهَلَّبُ لَعَمْرِيَ إِنِّي لِلْمُحِبِّينَ رَاحِمُ ... وَإِنِّي بِحِفْظِ الْعَاشِقِينَ حَقِيقُ سَأَجْمَعُ مِنْكُمْ شَمْلَ وَدٍّ مُبَدَّدٍ ... فَإِنِّي بِمَا قَدْ تَرْجُوَانِ خَلِيقُ ثُمَّ وَهَبَهَا لَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسَةِ آلافِ دِينَارٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حِفْظِهِ مُذَاكَرَةً قَالَ كَانَ أَبُو دَاوُدَ حَامِدٌ الْمِرْوَرُّوذِيُّ قَلِيلُ الدُّخُولِ عَلَى ابْنِ أَبِي حَامِدٍ صَاحِبِ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ فِي مَجْلِسِهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُتَفَقَّهَةِ فَغَابَ عَنْهُ أَيَّامًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ مُتَشَاغِلٌ يَأْمر قَدْ قَطَعَهُ عَنْ حُضُورِ الْمَجْلِسِ

стр. 630

فَأَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ انْقَطَعَتْ بِهِ النَّفَقَةُ وَضَاقَتْ يَدُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لانْقِطَاعِ الْمَادَّةِ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِجَمَاعَةٍ مِنَ السُّوقَةِ فَلَمْ يَجِدْ قَضَاءً لِذَلِكَ جون أَنْ بَاعَ الْجَارِيَةَ فَلَمَّا قَبَضَ الثَّمَنَ تَذَكَّرَهَا وَتَشَوَّقَ إِلَيْهَا وَاسْتَوْحَشَ مِنْ بُعْدِهَا عَنْهُ حَتَّى لَمْ يُمْكِنْهُ التَّشَاغُلَ بِفِقْهٍ وَلا بِغَيْرِهِ مِنْ شِدَّةِ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِهَا وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَ أَبِي حَامِدٍ قَدِ اشْتَرَاهَا فَأَوْجَبَتِ الْحَالُ مُضِيَّ أَبِي حَامِدٍ الْفَقِيهِ إِلَى ابْنِ أَبِي حَامِدٍ يَسْأَلُهُ الإِقَالَةَ وَأَخَذَ الْمَالَ مِنَ الْبَائِعِ فَمَضَى وَمَعَهُ الرَّجُلُ فَحِينَ اسْتَأْذَنَ عَلَى ابْنِ أَبِي حَامِدٍ أَذِنَ لَهُ فِي الْحَالِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَهُ وَقَامَ إِلَيْهِ وَأَكْرَمَهُ غَايَةَ الإِكْرَامِ وَسَأَلَهُ عَن حَاله وَمَا جرى بِهِ فَأَخْبَرَهُ أَبُو حَامِدٍ بِخَبَرِ الْفَقِيهِ وَبَيْعِ الْجَارِيَةِ وَسَأَلَهُ قَبْضَ الْمَالِ وَرَدَّ الْجَارِيَةِ عَلَى صَاحِبِهَا فَلَمْ يَعْرِفِ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ لِلْجَارِيَةِ خَبَرًا وَلا كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ أَمْرِهَا وَذَاكَ أَنَّ امْرَأَتَهُ كَانَتِ اشْتَرَتْهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَوْرِدَ تَبِيُّنٍ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْ جَارِيَةٍ اشْتُرِيَتْ مِنْ سُوقِ النَّخَّاسِينَ عَلَى الصِّفَةِ وَالنَّعْتِ فَصَادَفَ ذَلِكَ أَنَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ جَالِسَةً وَالْجَارِيَةُ حَاضِرَةً وَهُمْ يُصْلِحُونَ وَجْهَهَا وَقَدْ زُيِّنَتْ بِالثِّيَابِ الْحِسَّانِ وَالْحُلِيِّ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنَ الزِّينَةِ فَقَالَتْ يَا سَيِّدِي هَذِهِ الْجَارِيَةُ الَّتِي الْتُمِسَتْ فَسُرَّ بِذَلِكَ سُرُورًا تَامًّا إِذْ كَانَتْ عِنْدَهُ رَغْبَةً فِي قَضَاءِ حَاجَةِ أَبِي حَامِدٍ وَإِنْجَازِ مَا قَصَدَ لَهُ فَعَادَ إِلَى أَبِي حَامِدٍ وَقَالَ لَهُ خِفْتُ أَلا تَكُونَ الْجَارِيَةُ فِي دَارِي وَالآنَ فَهِيَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَالأَمْرُ لِلشَّيْخِ أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِهَا

стр. 631

وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْجَارِيَةِ إِلَى الْجَمَاعَةِ فَحِينَ أُخْرِجَتْ تَغَيَّرَ وَجْهُ الْفَتَى تَغَيُّرًا شَدِيدًا فَعَلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الأَمْرَ كَمَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ مِنْ حُبِّهِ لَهَا وَصَبَابَتِهِ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ هَذِهِ جَارِيَتُكَ فَقَالَ نَعَمْ هَذِهِ جَارِيَتِي وَاضْطَرَبَ كَلامُهُ مِنْ شِدَّةِ مَا نَزَلَ بِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا فَقَالَ لَهُ خُذْهَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا فَجَزَاهُ أَبُو حَامِدٍ خَيْرًا وَتَشَكَّرَ لَهُ وَسَأَلَهُ قَبْضَ الْمَالِ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْرُهُ ثَلاثَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَطَالَ الْكَلامُ فِي بَابِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَامِدٍ إِنَّمَا قَصَدْنَا نَسْأَلُ الإِقَالَةَ لَمْ نَقْصُدْ لأَخْذِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ هَذَا رَجُلٌ فَقِيهٌ وَقَدْ بَاعَهَا لأَجْلِ حَاجَتِهِ وَقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ وَمَتَى أُخِذَ الْمَالُ مِنْهُ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ لَا يَرُدَّهَا عَلَيْهِ فَالْمَالُ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا جَاءَهُ نَفَقَةٌ مِنْ بَلَدِهِ جَازَ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ فَوَهَبَ الْمَالَ لَهُ وَكَانَ عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ كَثِيرٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَامِدٍ إِنْ رَأَى أَيَّدَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ وَيُنْفِذُ مَعَ الْجَارِيَةِ مَنْ يُقْبِضُ هَذِه الثِّيَاب والحلي الَّذِي عَلَيْهَا فَمَا لِهَذَا الْفَقِيهِ أَحَدٌ يُنْفُذُ بِهِ عَلَى يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا شَيْءٌ أَشْغَفْنَاهَا بِهِ وَوَهَبْنَاهُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مِلْكِنَا أَوْ خَرَجَتْ عَنْ قَبْضَتِنَا لَسْنَا نَرْجِعُ فِيمَا وَهَبْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَلا يَجُوزُ فَعَرَفَ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الْوَجْهَ مَا قَالَهُ فَلَمْ يَلِحْ فِي ذَلِكَ بَلْ حَسُنَ مَوْقِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ وَقَلْبِ صَاحِبِ الْجَارِيَةِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ وَيُوَدِّعَهُ قَالَ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ أُرِيدُ أَسْأَلَهَا قَبْلَ انْصِرَافِهَا عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَهَا يَا جَارِيَةُ أَيَّمَا أَحَبُّ إِلَيْكِ نَحْنُ أَوْ مَوْلاكِ هَذَا الَّذِي بَاعَكِ وَأَنْتِ الآنَ لَهُ فَقَالَتْ يَا سَيِّدِي أَمَّا أَنْتُمْ فَأَحْسَنَ اللَّهُ عَوْنَكُمْ وَفَعَلَ بِكُمْ وَفَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنْتُمْ

стр. 632

إِلَيَّ وَأَعَنْتُمُونِي وَأَمَّا مَوْلايَ هَذَا فَلَوْ مَلَكْتُ مِنْهُ مَا مَلَكَهُ مِنِّي مَا بِعْتُهُ بِالرَّغَائِبِ الْعَظِيمَةِ فَاسْتَحْسَنَ الْجَمَاعَةُ ذَلِكَ مِنْهَا وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقْلِ مَعَ الصَّبَا وَوَدَّعُوهُ ثُمَّ انْصَرَفُوا ابْنُ أَبِي حَامِدٍ اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ النَّضْرِ كَانَ صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ ثِقَةً جَوَّادًا رَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَاتَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَارِعُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْجَوَائِزِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ الْكَاتِبُ قَالَ حَجَجْتُ فِي سَنَةٍ مِنَ بَعْضِ السِّنِينَ فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الطَّوَافِ لَمَحْتُ جَارِيَةً فَلَمْ أَرَ كَحُسْنِهَا فَعَلِقَهَا قَلْبِي فَسَأَلْتُهَا عَنِ اسْمِهَا فَقَالَتْ اسْمِي نُعْمُ وَانْتِسَابِي إِلَى فَهْمٍ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَمْتِعُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا مُدَّةَ إِقَامَتِنَا بِمَكَّةَ فَلَمَّا فَارَقْنَا مَكَّةَ لَمْ أَدْرِ أَيُّ صَوْبٍ سَلَكَتْ فَقُلْتُ قُلْ لِلظَّلُومِ أَلا هَلُمِّي ... لِلْحُكْمِ إِنْ أَنْكَرْتِ ظُلْمِي وَمِنَ الْبَلِيَّةِ أَنْ يَبِيتَ ... حَبِيبُ جِسْمِي وَهُوَ خَصْمِي أَوْ أَنْ يُرَى نَجْمِي وَقَدْ ... نَادَيْتُهُ مُغْرًى بِرَجْمِي خَوْدٌ تُصِيبُ سَوَادَ قَلْبِي ... وَهْيَ لِلْجَمَرَاتِ تَرْمِي وَكم الْتَقت أنفسانا ... فِي حَوْمَةِ الْحَجَرِ الأَحَمِّ عِنْدَ اسْتِلامِ الرُّكْنِ آوِنَةً ... وَسُحُبُ الدَّمْعِ تَهْمِي فَمَحَوْتُ مَا سَطَرَتْ مَلا ... ثمها عَلَى عَمْدٍ بِلَثْمِي أَثْبَتِّ يَوْمَ النَّفْرِ ... سَهْمَكِ فِي الْفُؤَادِ وَطَاشَ سَهْمِي

стр. 633

قَالَ وَازْدَادَ وِجْدِي بِهَا وَكَلَفِي بحسنها فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ آنَسُ بِهِ لَوْ تَزَوَّجْتَ لَسَكَنَ مَا بِكَ فَتَأَبَّيْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ مِلْتُ إِلَى مَا قَالَ رَجَاءَ الإِفَاقَةِ فَاسْتَعَنْتُ بِامْرَأَةٍ عَلَى ارْتِيَادِ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَجَاءَتْنِي بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَتْ قَدْ حَصُلْتُ لَكَ امْرَأَةً تُلائِمُ مُرَادَكَ حُسْنًا وَبَيْتًا فَاسْتَحْضَرْتُ وَلِيَّهَا وَتَزَوَّجْتُهَا فَلَمَّا زُفَّتْ إِلَيَّ تَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا هِيَ صَاحِبَتِي فَقَضَيْتُ الْعَجَبُ مِنْ حُسْنِ الاتِّفَاقِ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ كَانَ أَبُو الْجَوَائِزِ أَدِيبًا شَاعِرًا حَسَنَ الشِّعْرِ فِي الْمَدِيحِ وَالأَوْصَافِ وَالْغَزَلِ وَعَلَّقْتُ عَنْهُ أَخْبَارًا وَحِكَايَاتٍ وَأَنَاشِيدَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وُلِدْتُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسٍ وثلاثمائة فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ ذَكَرْتُ عِلاجَ الْعَاشِقِ بِتَحْصِيلِ الْمَعْشُوقِ إِنْ كَانَ مُبَاحًا وَرَجَيْتُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ وَقَدِ اتَّفَقَ لِجَمَاعَةٍ فَمَا تَقُولُ فِي عِشْقِ مَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْصِيلِهِ كَذَاتِ الزَّوْجِ أَوْ مُحَرَّمٌ عَلَى التَّأْبِيدِ كَالأَمْرَدِ فَهَلْ لِهَذَا الأَمْرِ مِنْ عِلاجٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَنْحَفَ الْجَسَدَ وَأَدَامَ السَّهَرَ وَقَارَبَ بِصَاحِبِهِ مَرْتَبَةَ الْجُنُونِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِلاجَ الْكُلِّي فِي جَمِيعِ أَمْرَاضِ الْعِشْقِ الْحِمْيَةُ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْحِمْيَةُ بِالْعَزْمِ الْجَازِمِ عَلَى هَجْرِ الْمَحْبُوبِ فَإِنْ حَصُلَتْ هَذِهِ الْحِمْيَةِ حَسُنَتِ الْمُعَالَجَةِ وَالْعِلاجِ حِينَئِذٍ يَقَعُ لِلظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَلْيَبْتَدِئَ الْمَرِيضُ بِاللُّجُوءِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلْيُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌ وَهُوَ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ثُمَّ لِيَتَعَالَجَ فَإِنَّ الأَسْبَابَ لَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالدُّعَاءَ

стр. 634

فُصُولٌ فِي مُعَالَجَةِ الظَّاهِرِ فَصْلٌ اعْلَمْ أَنَّ بَدَنَ الْعَاشِقِ إِذَا نَحُفَ أَسْرَعَتْ فِيهِ الْحَرَارَةُ إِلْهَابًا وَإِحْرَاقًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ التَّرْطِيبَاتِ كَشَمِّ الْبَنَفْسَجِ وَاللِّينُوفَرَ وَدُخُولِ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ طُولِ مَكْثٍ فِيهِ وَالنَّوْمِ الطَّوِيلِ وَالتَّغَذِّي بِالأَغْذَيَةِ الرَّطِبَةِ وَلْيَنْظُرَ إِلَى الْمَاءِ الصَّافِي فِي الرِّيَاضِ النَّضِيرَةِ وَلْيُحَدِّثَ بِالنَّوَادِرِ الْمُضْحِكَةِ فَصْلٌ وَمِنَ الْمُعَالِجَاتِ السَّفَرُ فَإِنَّهُ بِالسَّفَرِ يَتَحَقَّقُ الْبُعْدُ عَنِ الْمَحْبُوبِ وَكُلُّ بَعِيدٍ عَنِ الْبَدَنِ يُؤَثِّرُ بُعْدُهُ فِي الْقَلْبِ فَلْيَصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الشَّوْقِ فِي بِدَايَةِ السَّفَرِ صَبْرَ الْمُصَابِ فِي بِدَايَةِ مُصِيبَتِهِ ثُمَّ إِنَّ مَرَّ الأَيَّامِ يُهَوِّنُ الأَمْرَ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ الْكَلْبِيُّ إِذَا مَا شِئْتَ أَنْ تَسْلُوَ حَبِيبًا ... فَأَكْثِرْ دُونَهُ عَدَدَ اللَّيَالِي فَمَا سَلَّى حَبِيبَكَ غَيْرُ نَأْيٍ ... وَلا أَبْلَى جَدِيدَكَ كَابْتِذَالِ وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ وَإِنَّكَ لَمْ تَقْطَعْ لُبَانَةَ عَاشِقٍ ... بِمِثْلِ غُدُوٍّ أَو رواح مأوب وَمعنى مأوب انه غذ السّير حَتَّى يؤوب صَاحِبُهُ عِنْدَ اللَّيْلِ يَقُولُ تَكُونُ اسْتِرَاحَتُهُ بِاللَّيْلِ فَصْلٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُشْغِلُ الْقَلْبَ مِنَ الْمَعَاشِ وَالصِّنَاعَةِ فَإِنَّهُ يُسْلِي لأَنَّ الْعِشْقَ

стр. 635

شُغْلُ الْفَارِغِ فَهُوَ يُمَثِّلُ صُورَةَ الْمَعْشُوقِ فِي خَلْوَتِهِ لِشَوْقِهِ إِلَيْهَا فَيَكُونُ تَمْثِيلُهُ لَهَا إِلْقَاءً فِي بَاطِنِهِ فَإِذَا تَشَاغَلَ بِمَا يُوجِبُ اشْتِغَالَ الْقَلْبِ بِغَيْرِ الْمَحْبُوبِ دَرَسَ الْحُبُّ وَدَثَرَ الْعِشْقُ وَحَصَلَ التَّنَاسِي فَصْلٌ وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْرَاضُ النِّسَاءِ لِلْتَزْوِيجِ وَالْجَوَارِي لِلتَّسَرِي وَلْيَطْلُبِ الْحُسْنُ الْفَائِقُ فَإِنَّهُ يُسْلِي وَقَدْ وَصَفَ الْحُكَمَاءُ الْحُسْنَ وَالْمَلاحَةَ فَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ الْمُجَلِّي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْن ابْن الْمُهْتَدِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ الأَعْرَابِيِّ قَالَ قَالَ أَعْرَابِيٌّ إِذَا حَسُنَ خُفْيَا الْمَرْأَةِ حَسُنَتْ وَخُفْيَاهَا كَلامُهَا وَوَطْأَتِهَا عَلَى الأَرْضِ قَالَ وَيُقَالُ أَحْسَنُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ غِبَّ بِنَائِهَا وَغِبَّ نِفَاسِهَا وَغِبَّ الْمَطَرِ قَالَ وَشَبَابُ الْمَرْأَةِ مَا بَيْنَ ثَلاثَةَ عَشْرَةَ إِلَى عِشْرِينَ فَإِذَا بَلَغَتِ الثَّلاثِينَ فَقَدْ كَهِلَتْ فَإِذَا بَلَغَتِ الأَرْبَعِينَ فَقَدْ شَهِلَتْ فَإِذَا بَلَغَتِ الْخَمْسِينَ فَطَلِّقْ طَلِّقْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الشَّهْلَةُ الْعَجُوزُ وَقَدْ قِيلَ لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ حَسْنَاءً حَتَّى يَبْيَضَّ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ وَهِيَ اللَّوْنُ وَبَيَاضُ الْعَيْنِ وَالأَسْنَانِ وَالأَظْفَارِ وَيَسْوَدُّ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ وَشَعْرُ الْحَاجِبَيْنِ وَأَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ وَسَوَادُ الْعَيْنِ وَيَحْمَرُّ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ اللِّسَانُ وَالشَّفَتَانُ وَالْوَجْنَاتُ وَثَمَّ وَيَتَّسِعُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ الْجَبْهَةُ وَالرَّاحَتَانِ
следующие страницы →