← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6870

ذم الهوى

ابن الجوزي

Полный текст (671 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْجَارِيَةِ إِلَى الْجَمَاعَةِ فَحِينَ أُخْرِجَتْ تَغَيَّرَ وَجْهُ الْفَتَى تَغَيُّرًا شَدِيدًا فَعَلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الأَمْرَ كَمَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ مِنْ حُبِّهِ لَهَا وَصَبَابَتِهِ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ هَذِهِ جَارِيَتُكَ فَقَالَ نَعَمْ هَذِهِ جَارِيَتِي وَاضْطَرَبَ كَلامُهُ مِنْ شِدَّةِ مَا نَزَلَ بِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا فَقَالَ لَهُ خُذْهَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا فَجَزَاهُ أَبُو حَامِدٍ خَيْرًا وَتَشَكَّرَ لَهُ وَسَأَلَهُ قَبْضَ الْمَالِ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْرُهُ ثَلاثَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَطَالَ الْكَلامُ فِي بَابِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَامِدٍ إِنَّمَا قَصَدْنَا نَسْأَلُ الإِقَالَةَ لَمْ نَقْصُدْ لأَخْذِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ هَذَا رَجُلٌ فَقِيهٌ وَقَدْ بَاعَهَا لأَجْلِ حَاجَتِهِ وَقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ وَمَتَى أُخِذَ الْمَالُ مِنْهُ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ لَا يَرُدَّهَا عَلَيْهِ فَالْمَالُ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا جَاءَهُ نَفَقَةٌ مِنْ بَلَدِهِ جَازَ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ فَوَهَبَ الْمَالَ لَهُ وَكَانَ عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ كَثِيرٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَامِدٍ إِنْ رَأَى أَيَّدَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ وَيُنْفِذُ مَعَ الْجَارِيَةِ مَنْ يُقْبِضُ هَذِه الثِّيَاب والحلي الَّذِي عَلَيْهَا فَمَا لِهَذَا الْفَقِيهِ أَحَدٌ يُنْفُذُ بِهِ عَلَى يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا شَيْءٌ أَشْغَفْنَاهَا بِهِ وَوَهَبْنَاهُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مِلْكِنَا أَوْ خَرَجَتْ عَنْ قَبْضَتِنَا لَسْنَا نَرْجِعُ فِيمَا وَهَبْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَلا يَجُوزُ فَعَرَفَ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الْوَجْهَ مَا قَالَهُ فَلَمْ يَلِحْ فِي ذَلِكَ بَلْ حَسُنَ مَوْقِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ وَقَلْبِ صَاحِبِ الْجَارِيَةِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ وَيُوَدِّعَهُ قَالَ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ أُرِيدُ أَسْأَلَهَا قَبْلَ انْصِرَافِهَا عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَهَا يَا جَارِيَةُ أَيَّمَا أَحَبُّ إِلَيْكِ نَحْنُ أَوْ مَوْلاكِ هَذَا الَّذِي بَاعَكِ وَأَنْتِ الآنَ لَهُ فَقَالَتْ يَا سَيِّدِي أَمَّا أَنْتُمْ فَأَحْسَنَ اللَّهُ عَوْنَكُمْ وَفَعَلَ بِكُمْ وَفَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنْتُمْ

стр. 632

إِلَيَّ وَأَعَنْتُمُونِي وَأَمَّا مَوْلايَ هَذَا فَلَوْ مَلَكْتُ مِنْهُ مَا مَلَكَهُ مِنِّي مَا بِعْتُهُ بِالرَّغَائِبِ الْعَظِيمَةِ فَاسْتَحْسَنَ الْجَمَاعَةُ ذَلِكَ مِنْهَا وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقْلِ مَعَ الصَّبَا وَوَدَّعُوهُ ثُمَّ انْصَرَفُوا ابْنُ أَبِي حَامِدٍ اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ النَّضْرِ كَانَ صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ ثِقَةً جَوَّادًا رَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَاتَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَارِعُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْجَوَائِزِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ الْكَاتِبُ قَالَ حَجَجْتُ فِي سَنَةٍ مِنَ بَعْضِ السِّنِينَ فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الطَّوَافِ لَمَحْتُ جَارِيَةً فَلَمْ أَرَ كَحُسْنِهَا فَعَلِقَهَا قَلْبِي فَسَأَلْتُهَا عَنِ اسْمِهَا فَقَالَتْ اسْمِي نُعْمُ وَانْتِسَابِي إِلَى فَهْمٍ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَمْتِعُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا مُدَّةَ إِقَامَتِنَا بِمَكَّةَ فَلَمَّا فَارَقْنَا مَكَّةَ لَمْ أَدْرِ أَيُّ صَوْبٍ سَلَكَتْ فَقُلْتُ قُلْ لِلظَّلُومِ أَلا هَلُمِّي ... لِلْحُكْمِ إِنْ أَنْكَرْتِ ظُلْمِي وَمِنَ الْبَلِيَّةِ أَنْ يَبِيتَ ... حَبِيبُ جِسْمِي وَهُوَ خَصْمِي أَوْ أَنْ يُرَى نَجْمِي وَقَدْ ... نَادَيْتُهُ مُغْرًى بِرَجْمِي خَوْدٌ تُصِيبُ سَوَادَ قَلْبِي ... وَهْيَ لِلْجَمَرَاتِ تَرْمِي وَكم الْتَقت أنفسانا ... فِي حَوْمَةِ الْحَجَرِ الأَحَمِّ عِنْدَ اسْتِلامِ الرُّكْنِ آوِنَةً ... وَسُحُبُ الدَّمْعِ تَهْمِي فَمَحَوْتُ مَا سَطَرَتْ مَلا ... ثمها عَلَى عَمْدٍ بِلَثْمِي أَثْبَتِّ يَوْمَ النَّفْرِ ... سَهْمَكِ فِي الْفُؤَادِ وَطَاشَ سَهْمِي

стр. 633

قَالَ وَازْدَادَ وِجْدِي بِهَا وَكَلَفِي بحسنها فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ آنَسُ بِهِ لَوْ تَزَوَّجْتَ لَسَكَنَ مَا بِكَ فَتَأَبَّيْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ مِلْتُ إِلَى مَا قَالَ رَجَاءَ الإِفَاقَةِ فَاسْتَعَنْتُ بِامْرَأَةٍ عَلَى ارْتِيَادِ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَجَاءَتْنِي بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَتْ قَدْ حَصُلْتُ لَكَ امْرَأَةً تُلائِمُ مُرَادَكَ حُسْنًا وَبَيْتًا فَاسْتَحْضَرْتُ وَلِيَّهَا وَتَزَوَّجْتُهَا فَلَمَّا زُفَّتْ إِلَيَّ تَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا هِيَ صَاحِبَتِي فَقَضَيْتُ الْعَجَبُ مِنْ حُسْنِ الاتِّفَاقِ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ كَانَ أَبُو الْجَوَائِزِ أَدِيبًا شَاعِرًا حَسَنَ الشِّعْرِ فِي الْمَدِيحِ وَالأَوْصَافِ وَالْغَزَلِ وَعَلَّقْتُ عَنْهُ أَخْبَارًا وَحِكَايَاتٍ وَأَنَاشِيدَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وُلِدْتُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسٍ وثلاثمائة فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ ذَكَرْتُ عِلاجَ الْعَاشِقِ بِتَحْصِيلِ الْمَعْشُوقِ إِنْ كَانَ مُبَاحًا وَرَجَيْتُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ وَقَدِ اتَّفَقَ لِجَمَاعَةٍ فَمَا تَقُولُ فِي عِشْقِ مَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْصِيلِهِ كَذَاتِ الزَّوْجِ أَوْ مُحَرَّمٌ عَلَى التَّأْبِيدِ كَالأَمْرَدِ فَهَلْ لِهَذَا الأَمْرِ مِنْ عِلاجٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَنْحَفَ الْجَسَدَ وَأَدَامَ السَّهَرَ وَقَارَبَ بِصَاحِبِهِ مَرْتَبَةَ الْجُنُونِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِلاجَ الْكُلِّي فِي جَمِيعِ أَمْرَاضِ الْعِشْقِ الْحِمْيَةُ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْحِمْيَةُ بِالْعَزْمِ الْجَازِمِ عَلَى هَجْرِ الْمَحْبُوبِ فَإِنْ حَصُلَتْ هَذِهِ الْحِمْيَةِ حَسُنَتِ الْمُعَالَجَةِ وَالْعِلاجِ حِينَئِذٍ يَقَعُ لِلظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَلْيَبْتَدِئَ الْمَرِيضُ بِاللُّجُوءِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلْيُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌ وَهُوَ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ثُمَّ لِيَتَعَالَجَ فَإِنَّ الأَسْبَابَ لَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالدُّعَاءَ

стр. 634

فُصُولٌ فِي مُعَالَجَةِ الظَّاهِرِ فَصْلٌ اعْلَمْ أَنَّ بَدَنَ الْعَاشِقِ إِذَا نَحُفَ أَسْرَعَتْ فِيهِ الْحَرَارَةُ إِلْهَابًا وَإِحْرَاقًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ التَّرْطِيبَاتِ كَشَمِّ الْبَنَفْسَجِ وَاللِّينُوفَرَ وَدُخُولِ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ طُولِ مَكْثٍ فِيهِ وَالنَّوْمِ الطَّوِيلِ وَالتَّغَذِّي بِالأَغْذَيَةِ الرَّطِبَةِ وَلْيَنْظُرَ إِلَى الْمَاءِ الصَّافِي فِي الرِّيَاضِ النَّضِيرَةِ وَلْيُحَدِّثَ بِالنَّوَادِرِ الْمُضْحِكَةِ فَصْلٌ وَمِنَ الْمُعَالِجَاتِ السَّفَرُ فَإِنَّهُ بِالسَّفَرِ يَتَحَقَّقُ الْبُعْدُ عَنِ الْمَحْبُوبِ وَكُلُّ بَعِيدٍ عَنِ الْبَدَنِ يُؤَثِّرُ بُعْدُهُ فِي الْقَلْبِ فَلْيَصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الشَّوْقِ فِي بِدَايَةِ السَّفَرِ صَبْرَ الْمُصَابِ فِي بِدَايَةِ مُصِيبَتِهِ ثُمَّ إِنَّ مَرَّ الأَيَّامِ يُهَوِّنُ الأَمْرَ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ الْكَلْبِيُّ إِذَا مَا شِئْتَ أَنْ تَسْلُوَ حَبِيبًا ... فَأَكْثِرْ دُونَهُ عَدَدَ اللَّيَالِي فَمَا سَلَّى حَبِيبَكَ غَيْرُ نَأْيٍ ... وَلا أَبْلَى جَدِيدَكَ كَابْتِذَالِ وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ وَإِنَّكَ لَمْ تَقْطَعْ لُبَانَةَ عَاشِقٍ ... بِمِثْلِ غُدُوٍّ أَو رواح مأوب وَمعنى مأوب انه غذ السّير حَتَّى يؤوب صَاحِبُهُ عِنْدَ اللَّيْلِ يَقُولُ تَكُونُ اسْتِرَاحَتُهُ بِاللَّيْلِ فَصْلٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُشْغِلُ الْقَلْبَ مِنَ الْمَعَاشِ وَالصِّنَاعَةِ فَإِنَّهُ يُسْلِي لأَنَّ الْعِشْقَ

стр. 635

شُغْلُ الْفَارِغِ فَهُوَ يُمَثِّلُ صُورَةَ الْمَعْشُوقِ فِي خَلْوَتِهِ لِشَوْقِهِ إِلَيْهَا فَيَكُونُ تَمْثِيلُهُ لَهَا إِلْقَاءً فِي بَاطِنِهِ فَإِذَا تَشَاغَلَ بِمَا يُوجِبُ اشْتِغَالَ الْقَلْبِ بِغَيْرِ الْمَحْبُوبِ دَرَسَ الْحُبُّ وَدَثَرَ الْعِشْقُ وَحَصَلَ التَّنَاسِي فَصْلٌ وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْرَاضُ النِّسَاءِ لِلْتَزْوِيجِ وَالْجَوَارِي لِلتَّسَرِي وَلْيَطْلُبِ الْحُسْنُ الْفَائِقُ فَإِنَّهُ يُسْلِي وَقَدْ وَصَفَ الْحُكَمَاءُ الْحُسْنَ وَالْمَلاحَةَ فَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ الْمُجَلِّي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْن ابْن الْمُهْتَدِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ الأَعْرَابِيِّ قَالَ قَالَ أَعْرَابِيٌّ إِذَا حَسُنَ خُفْيَا الْمَرْأَةِ حَسُنَتْ وَخُفْيَاهَا كَلامُهَا وَوَطْأَتِهَا عَلَى الأَرْضِ قَالَ وَيُقَالُ أَحْسَنُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ غِبَّ بِنَائِهَا وَغِبَّ نِفَاسِهَا وَغِبَّ الْمَطَرِ قَالَ وَشَبَابُ الْمَرْأَةِ مَا بَيْنَ ثَلاثَةَ عَشْرَةَ إِلَى عِشْرِينَ فَإِذَا بَلَغَتِ الثَّلاثِينَ فَقَدْ كَهِلَتْ فَإِذَا بَلَغَتِ الأَرْبَعِينَ فَقَدْ شَهِلَتْ فَإِذَا بَلَغَتِ الْخَمْسِينَ فَطَلِّقْ طَلِّقْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الشَّهْلَةُ الْعَجُوزُ وَقَدْ قِيلَ لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ حَسْنَاءً حَتَّى يَبْيَضَّ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ وَهِيَ اللَّوْنُ وَبَيَاضُ الْعَيْنِ وَالأَسْنَانِ وَالأَظْفَارِ وَيَسْوَدُّ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ وَشَعْرُ الْحَاجِبَيْنِ وَأَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ وَسَوَادُ الْعَيْنِ وَيَحْمَرُّ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ اللِّسَانُ وَالشَّفَتَانُ وَالْوَجْنَاتُ وَثَمَّ وَيَتَّسِعُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ الْجَبْهَةُ وَالرَّاحَتَانِ

стр. 636

وَالْوِرْكَانِ وَالصَّدْرُ وَيَضِيقُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ خَرْقُ الأَنْفِ وَخَرْقُ الأُذُنَيْنِ وَشَقُّ الْفَمِّ وَثَمَّ وَيَطُولُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ الْقَامَةُ وَالْعُنُقُ وَالْقَصَبُ وَالأَصَابِعُ وَيَضْخُمُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ السَّاقَانِ وَالْوِرْكَانِ وَالْعَجَزُ وَالْكرب وَهُوَ مَنْبَتُ الْعَانَةِ وَيَقْصُرُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ خُطَاهَا وَطَرْفُهَا وَلِسَانُهَا وَذِكْرُهَا وَكَانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ تَقُولُ النِّسَاءُ أَغْلالٌ فَلْيَتَخَيَّرَ الرَّجُلُ غُلا لِيَدِهِ فَصْلٌ هَذَا مَا ذُكِرَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُسْنِ وَالْحُسْنُ عِنْدَ الْمُحِبِّ مَا يَقَعُ بِقَلْبِهِ فَلْيَجْهَدْ فِي اسْتِعْرَاضِ النِّسَاءِ وَالْجَوَارِي فَالْغَالِبُ حُصُولُ مَا يَغْلِبُ عَلَى مَا عِنْدَهُ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أَدَامَ التَّتَبُّعَ فَإِنَّ النَّفْسَ لَا تقف على شَيْء ولاتقيم عَلَى حَالٍ فَرُبَّ ثَانِ مَحَا الأَوَّلَ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عمر ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَتُ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا كُنْتُ بِالشَّرَاةِ وَدَنَا اللَّيْلُ إِذَا قَصْرٌ فَهَوِيتُ إِلَيْهِ فَإِذَا بَيْنَ بَابِ الْقَصْرِ امْرَأَةٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ هَيْبَةً وَجَمَالا فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا فَرَدَّتْ ثُمَّ قَالَتْ مَنْ أَنْتَ قُلْتُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَقَالَتْ مَرْحَبًا بِكَ وَحَيَّاكَ اللَّهُ انْزِلْ فَأَنْتَ فِي أَهْلِكَ قُلْتُ وَمَنْ أَنْتِ عَافَاكِ اللَّهُ قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِكَ فَأَمَرَتْ لِي بِمَنْزِلٍ وَقِرًى وَبِتُّ فِي خَيْرِ مبيت فَلم أصحبت أَرْسَلَتْ إِلَيَّ كَيْفَ أَصْبَحْتَ وَكَيْفَ كَانَ مَبِيتُكَ قُلْتُ خَيْرَ مَبِيتٍ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنْكِ وَلا أَشْرَفَ مِنْ فِعَالِكِ قَالَتْ فَإِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً تَمْضِي حَتَّى تَأْتِي ذَلِكَ

стр. 637

الدَّيْرَ دَيْرًا أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَتَجِيءَ فَائت ابْنَ عَمِّي فِيهِ وَهُوَ زَوْجِي قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ نَصْرَانِيَّةٌ فِي ذَلِكَ الدَّيْرِ فَهَجَرَنِي فَلَزِمَهَا فَتَنْظُرَ إِلَيْهِ فَتُخْبِرُهُ عَنْ مَبِيتِكَ وَعَمَّا قُلْتُ لَكَ فَقُلْتُ أَفْعَلُ وَنُعْمَى عَيْنٍ فَخَرَجْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الدَّيْرِ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ فِي فِنَائِهِ جَالِسٌ كَأَجْمَلِ مَا يَكُونُ مِنَ الْفِتْيَانِ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ وَسَاءَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا وَأَيْنَ بِتُّ وَمَا قَالَتْ لِي الْمَرْأَةُ فَقَالَ صَدَقْتَ أَنَا رَجُلٌ مِنْ قَوْمِكَ مِنْ آلِ الْحَارِثِ بْنِ حَكِيمٍ ثمَّ صَاح ياقسطا فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ نَصْرَانِيَّةٌ عَلَيْهَا ثِيَابُ حَبْرٍ وَزَنَانِيرُ مَا رَأَيْتُ قَبْلَهَا مِثْلَهَا وَلا بَعْدَهَا أَحْسَنَ مِنْهَا فَقَالَ هَذِهِ قُسْطَا وَتِلْكَ أَرْوَى وَأَنَا الَّذِي أَقُولُ تَبَدَّلْتُ قُسْطَا بَعْدَ أَرْوَى وَحُبِّهَا ... كَذَاكَ لَعَمْرِي الْحُبُّ يَذْهَبُ بِالْحُبِّ وَبِالإِسْنَادِ قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ قَالَ أَرَادَتْ عَزَّةُ أَنْ تَعْرِفَ مَالَهَا عِنْدَ كُثَيِّرٍ فَتَنَكَّرَتْ لَهُ وَمَرَّتْ بِهِ مُتَعَرِّضَةً فَقَامَ فَاتَّبَعَهَا فَكَلَّمَهَا فَقَالَتْ لَهُ وَأَيْنَ حُبُّكَ لِعَزَّةَ فَقَالَ أَنَا الْفِدَاءُ لَكِ لَوْ أَنَّ عَزَّةَ أَمَةٌ لِي لَوَهَبْتُهَا لَكِ قَالَتْ وَيْحَكَ لَا تَفْعَلْ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهَا لَكَ فِي صِدْقِ الْمَوَّدَةِ وَمَحْضِ الْمَحَبَّةِ وَالْهَوَى عَلَى حَسْبِ الَّذِي كُنْتَ تُبْدِي لَهَا مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ وَبَعْدُ فَأَيْنَ قَوْلَكَ إِذَا وَصَلَتْنَا خُلَّةٌ كَيْ نُزِيلَهَا ... أَبينَا وَقُلْنَا الحاجية أَوَّلُ فَقَالَ كُثَيِّرٌ بِأَبِي أَنْتِ وَأُمِّي أَقْصِرِي عَنْ ذِكْرِهَا وَاسْمَعِي مَا أَقُولُ لَكِ هَلْ وَصْلُ عَزَّةَ إِلا وَصْلُ غَانِيَةٍ ... فِي وَصْلِ غَانِيَةٍ مِنْ وَصْلِهَا بَدَلُ قَالَتْ فَهَلْ لَكَ فِي الْمُخَالَّةِ قَالَ لَهَا فَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ قَالَتْ لَهُ فَكَيْفَ بِمَا قُلْتُهُ فِي عَزَّةَ وَسَيَّرْتُهُ إِلَيْهَا قَالَ أَقْلِبُهُ فَيَتَحَوَّلَ إِلَيْكَ وَيَصِيرُ لَكِ

стр. 638

قَالَ فَسَفَرَتْ عَنْ وَجْهِهَا عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَتْ أَغَدْرًا وَانْتِكَاثًا يَا فَاسِقُ وَإِنَّكَ لَهَا هُنَا يَا عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ فَبُهِتَ وَأُبْلِسَ وَلَمْ يَنْطِقْ وَتَحَيَّرَ وَخَجِلَ فَقَالَتْ قَاتل الله جميلا حَيْثُ يَقُولُ لَحَى اللَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعُ الْوُدُّ عِنْدَهُ ... وَمَنْ حَبْلُهُ إِنْ مُدَّ غَيْرُ مَتِينِ وَمَنْ هُوَ ذُو وَجْهَيْن لي بِدَائِمٍ ... عَلَى الْعَهْدِ حَلافٌ بِكُلِّ يَمِينِ فَأَنْشَأَ كُثَيِّرٌ بِانْخِزَالٍ وَحَصْرٍ وَانْكِسَارٍ يَعْتَذِرُ إِلَيْهَا وَيَتَنَصَّلُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ وَيَتَمَثَّلُ بِقَوْلِ جَمِيلٍ وَيُقَالُ بَلْ سَرَقَهُ مِنْ جَمِيلٍ وَنَحَلَهُ نَفْسَهُ فَقَالَ أَلا لَيْتَنِي قَبْلَ الَّذِي قُلْتُ شِيبَ لِي ... مِنَ الْمُذْعِفِ الْقَاضِي وَسُمِّ الذُّرَارِحِ فَمِتُّ وَلَمْ تَعْلَمْ عَلَيَّ خِيَانَةً ... أَلا رُبَّ بِاغِي الرِّبْحَ لَيْسَ برابح فَلَا تحمليها واجعلهيا جِنَايَةً ... تَرَوَّحْتُ مِنْهَا فِي مِيَاحَةِ مَائِحِ أَبُوءُ بِذَنْبِي إِنَّنِي قَدْ ظَلَمْتُهَا ... وَإِنِّي بِبَاقِي سِرِّهَا غَيْرُ بَائِحِ وَرَوَى الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ طَلَّقَ النِّمْرُ بْنُ تَوْلَبَ امْرَأَةً ثُمَّ جَزِعَ عَلَيْهَا حَتَّى خِيفَ عَلَى عَقْلِهِ وَمَكَثَ أَيَّامًا لَا يَطْعَمُ وَلا يَنَامُ فَلامَهُ عَشِيرَتُهُ وَصَبَّرُوهُ وَذَكَرُوا لَهُ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا دَعْدُ جَمِيلَةٌ فَتَزَوَّجَهَا فَشَغَلَتْهُ عَنْ ذِكْرِ امْرَأَتِهِ الأُولَى وَفِيهَا يَقُولُ أَهِيمُ بِدَعْدٍ مَا حَييتُ فَإِنْ أمت ... فياحرتا مِمَّنْ يَهِيمُ بِهَا بَعْدِي وَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلا قَصَدَ عُمَرَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ فَقَالَ لَهُ قَدْ قُلْتُ بَيْتَيْنِ فَأَجِزْهُمَا سَأَلْتُ الْمُحِبِّينَ الَّذِينَ تَجَشَّمُوا ... أَعَاجِيبَ هَذَا الْحُبِّ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ

стр. 639

فَقُلْتُ لَهُمْ مَا يُذْهِبُ الْحُبَّ بَعْدَمَا ... تَمَكَّنَ مَا بَيْنَ الْجَوَانِحِ وَالصَّدْرِ فَمَكَثَ عُمَرُ أَيَّامًا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِجَازَتِهِ فَرَأَتْهُ وُلَيْدَةٌ لَهُ مَهْمُومًا فَسَأَلَتْهُ فَأَخْبَرَهَا فَخَطَرَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ وَهِيَ تَقُولُ فَقَالُوا دَوَاءُ الْحُبِّ حُبٌّ تُفِيدُهُ ... مِنْ آخَرَ أَوْ نَأْيٌ بَعِيدٌ عَلَى الْهَجْرِ وَإِلا فَيَأْسٌ تَصْبِرُ النَّفْسُ بَعْدَمَا ... رَجَتْ أَمَلا وَالْيَأْسُ عَوْنٌ عَلَى الصَّبْرِ فَقَالَ فَرَّجْتِ عَنِّي فَصْلٌ وَمِنْ أَدْوِيَةِ الظَّاهِرِ كَثْرَةُ الْجِمَاعِ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الْمَحْبُوبِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ دَوَاءٌ أَنَّهُ يُقَلِّلُ الْحَرَارَةَ الَّتِي مِنْهَا يَنْتَشِرُ الْعِشْقُ وَإِذَا ضَعُفَتِ الْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ حَصَلَ الفتور وَبرد الْقلب فَحَمدَ لَهَبُ الْعِشْقِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ وَطَأْ مَنْ شِيبٍ يُغْنِيكَ ... عَنِ الْحَسْنَاءِ فِي الذُّرْوَهْ فَصْلٌ وَمِنَ الأَدْوِيَةِ عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَتَشْيِيعُ الْجَنَائِزِ وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ وَالنَّظَرُ إِلَى الْمَوْتَى وَالتَّفَكُّرُ فِي الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطْفِئُ نِيرَانَ الْهَوَى كَمَا أَنَّ سَمَّاعَ الْغِنَاءِ وَاللَّهْوِ يُقَوِيهِ فَمَا هُوَ كَالضِّدِّ يُضْعِفُهُ وَكَذَلِكَ مُوَاصَلَةِ مَجَالِسِ التَّذَكُّرِ وَمُجَالَسَةِ الزُّهَّادِ وَسَمَاعِ أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ وَالْمَوَاعِظَ وَكُلِّ ذَلِكَ يُخْرِجُ الإِنْسَانَ عَنْ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ إِلَى حَيِّزِ الْحُزْنِ وَالْفِكْرِ وَذَلِكَ يُضَادُّ الْعِشْقَ

стр. 640

فَصْلٌ وَقَدْ ذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّ الْمُتَنَزَّهَاتِ الْمُونِقَةُ وَالْمَسْمُوعَاتِ الْمُطْرِبَةِ تُسَلِّي وَهَذِهِ رُبَّمَا زَادَتْ فِي عِشْقِ قَوْمٍ فُصُولٌ فِي مُعَالَجَةِ الْبَاطِنِ فَصْلٌ أَوَّلُ عِلاجِ الْبَاطِنِ وَأَنْجَعُهُ قَطْعُ الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ وَقُوَّةُ الْعَزْمِ عَلَى قَهْرِ الْهَوَى فَمَتَى تَرَدَّدَ الأَمْرُ عِنْدَ النَّفْسِ أَوْ ضَعُفَ الْعَزْمُ لَمْ يَنْفَعْ دَوَاءٌ أَصْلا فَصْلٌ وَمِنْ ذَلِكَ زَجْرُ الْهِمَّةِ الأَبِيَّةِ عَنْ مَوَاقِفِ الذُّلِّ وَاكْتِسَابِ الرَّذَائِلِ وَحِرْمَانُ الْفَضَائِلِ فَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ أَبِيَّةٌ لَمْ يَكَدْ يَتَخَلَّصْ مِنْ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ فَإِنَّ ذَا الْهِمَّةِ يَأْنَفُ أَنْ يَمْلِكَ رِقَّهُ شَيْءٌ وَمَا زَالَ الْهَوَى يَذِلُّ أَهْلَ الْعِزِّ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِنَا أَنَّ الرَّشِيدَ عَشِقَ جَارِيَةً وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ أَرَى مَاءً وَبِي عَطَشٌ شَدِيدٌ ... وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُرُودِ أَمَا يَكْفِيكِ أَنَّكِ تَمْلُكِينِي ... وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَبِيدِي وَأَنَّكِ لَوْ قَطَعْتِ يَدِي وَرِجْلِي ... لَقُلْتُ مِنَ الرِّضَا أَحْسَنْتِ زِيدِي أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ حَمَّادٍ الْبَرْبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ قَالَ قَالَ هَارُونُ الرَّشِيدُ فِي ثِلاثِ جَوَارٍ مَلَكَ الثَّلاثُ الْغَانِيَاتُ عِنَانِي ... وَحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِي بِكُلِّ مَكَانِ

стр. 641

مَالِي تُطَاوِعُنِي الْبَرِّيَةُ كُلُّهَا ... وَأَطِيعُهُنَّ وَهُنَّ فِي عِصْيَانِي مَا ذَاكَ إِلا أَنَّ سُلْطَانَ الْهَوَى ... وَبِهِ قَوِينَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي وَقَدْ كَانَ الْهَوَى غَلَبَ الرَّشِيدُ فِي حُبِّ جَارِيَةٍ لِعيسَى بْنِ جَعْفَرٍ فَاحْتَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي تلخيصها وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقِصَّةَ آنِفًا قَبْلَ أَوْرَاقٍ وَكَانَ يُحِبُّ جَارِيَةً اسْمُهَا جَنَانُ فَيَقُولُ فِيهَا الشِّعْرَ فَأَزْعَجَ لَيْلَةً الْعَبَّاسَ بْنَ الأَحْنَفِ فِي مَنْزِلِهِ لأَجْلِ بَيْتٍ قَالَهُ فِيهَا أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الواحد قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَازِنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ حَدَّثَنَا صَاحِبٌ لَنَا قَالَ قَالَ هَارُونُ الرَّشِيدُ فِي اللَّيْلِ بَيْتًا وَرَامَ أَنْ يَشْفَعَهُ بِآخَرَ فَلَمْ يَقْدِرْ وَامْتَنَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ فَقَالَ عَليّ بِالْعَبَّاسِ ابْن الأَحْنَفِ فَلَمَّا طُرِقَ ذُعِرَ وَفُزِعَ أَهْلُهُ فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ قَالَ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ لِبَيْتٍ قُلْتُهُ وَرُمْتُ أَنْ أَشْفَعَهُ بِمِثْلِهِ فَامْتَنَعَ الْقَوْلُ عَلَيَّ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَعْنِي حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ نَفْسِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ عِيَالِي عَلَى حَالٍ مِنَ الْقَلَقِ عَظِيمَةٍ وَنَالَنِي مِنَ الْخَوْفِ مَا يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ وَالْوَصْفَ فَانْتَظَرَ هُنَيَّةً ثُمَّ أَنْشَدَهُ الْبَيْتَ جَنَانُ قَدْ رَأَيْنَاهَا ... فَلَمْ نَرَ مِثْلَهَا بَشَرَا فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَزِيدُكَ وَجْهَهَا حُسْنًا ... إِذَا مَا زِدْتَهُ نَظَرَا فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ زِدْنِي فَقَالَ إِذْ مَا اللَّيْلُ مَالَ ... عَلَيْكِ بِالإِظْلامِ واعتكرا

стр. 642

ودع فَمَا تَرَى قَمَرًا ... فَأَبْرِزَهَا تَرَى الْقَمَرَا فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ قَدْ ذَعَرْنَاكَ وَأَفْزَعْنَا عَيَالَكَ فَالْوَاجِبُ أَنْ نُعْطِيَكَ دَيْنَكَ فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وَصَرَفَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ الرَّشِيدَ عَتَبَ عَلَى بَعْضِ جَوَارِيهِ فِي أَمْرٍ وَكَانَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا فَحَلَفَ أَلا يَدْخُلَ حُجْرَتَهَا فَلَمْ تَتَرَضَّاهُ فَقَالَ صدعني إِذْ رَآنِي مُفْتَتَنْ ... وَأَطَالَ الصَّدَّ لَمَّا أَنْ فَطِنْ كَانَ مَمْلُوكِي فَأَضْحَى مَالِكِي ... إِنَّ هَذَا مِنْ أَعَاجِيبِ الزَّمَنْ ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَبِي الْعَتَاهِيَةِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُجِيزَهَا فَقَالَ عِزَّةُ الْحُبِّ أَرَتْهُ ذِلَّتِي ... فِي هَوَاهُ وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنْ فَلِهَذَا صِرْتُ مَمْلُوكًا لَهُ ... وَلِهَذَا شَاعَ أَمْرِي وَعَلَنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَهَذَا الذُّلُّ لَا يَحْتَمِلُهُ ذُو أُنْفَةٍ فَإِنَّ أَهْلَ الأَنَفَةِ حَمَلَهُمْ طَلَبُ عُلُوِ الْقَدْرِ عَلَى قَتْلِ النُّفُوسِ وَإِجْهَادِ الأَبْدَانِ فِي طَلَبِ الْمَعَالِي وَنَحْنُ نَرَى طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْهَرُ وَيَهْجُرُ اللَّذَّاتِ أُنْفَةً مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهُ جَاهِلٌ وَالْمُسَافِرُ يَرْكَبُ الأَخْطَارَ لِيَنَالَ مَا يَرْفَعُ قَدْرَهُ مِنَ الْمَالِ حَتَّى إِنَّ رُذَالَةَ الْخَلْقِ رُبَّمَا حَمَلُوا كَثِيرًا مِنَ الْمَشَاقِّ لِيَصِيرَ لَهُمْ قَدْرٌ فَهَذَا السَّاعِي يُتْعِبُ نَفْسَهُ بِالْعَدْوِ وَيَصْبِرُ عَنْ لَذَّاتِ الْجِمَاعِ لِيَنَالَ قَدْرًا وَقَدْ قَالَ الْقَائِل وكل امرىء قَاتِلٌ نَفْسَهُ ... عَلَى أَنْ يُقَالَ لَهُ إِنَّهُ فَأَمَّا مَنْ لَا يَأْنَفُ مِنَ الذُّلِّ وَيَنْقَادُ لِمُوَافَقَةِ هَوَاهُ فَذَاك خَارج عَن التميزين أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ

стр. 643

وَالتَّنُوخِيُّ وَالْقَزْوِينِيُّ قَالُوا أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا الْمَدَائِنِيُّ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَا أَلَذُّ الأَشْيَاءِ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُرْ أحذاق قُرَيْشٍ فَلْيَقُومُوا فَلَمَّا قَامُوا قَالَ إِسْقَاطُ الْمَرُوءَةِ يُرِيدُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا لَمْ تُهِمُّهُ مَرُوءَتُهُ فَعَلَ مَا يَهْوَى وَلَمْ يُبَالِ بِلَوْمٍ وَهَذِهِ صِفَاتُ الْبَهَائِمِ فَأَمَّا أَرْبَابُ الأَنَفَةِ فَكَمَا قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ وَإِنِّي وَإِنْ حَنَّتْ إِلَيْكَ ضَمَائِرِي ... فَمَا قَدْرُ حُبِّي أَنْ يُذَّلَ لَهُ قَدْرِي وَقَالَ أَبُو فَرِاسٍ لَقَدْ ضَلَّ مَنْ تَحْوِي هَوَاهُ خَرِيدَةٌ ... وَقَدْ ذُلَّ مِنْ تَقْضِي عَلَيْهِ كِعَابُ وَلَكِنَّنِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَازِمٌ ... أُعَزُّ إِذَا ذُلَّتْ لَهُنَّ رِقَابُ وَلا تَمْلِكُ الْحَسْنَاءُ قَلْبِي كُلَّهُ ... وَلَوْ شَمِلَتْهَا رِقَّةٌ وَشَبَابُ وَأَجْرِي وَلا أُعْطِي الْهَوَى فَضْلَ مِقْوَدِي ... وَأَهْفُو وَلا يَخْفَى عَلَيَّ صَوَابُ صَبُورٌ وَلَوْ لَمْ تَبْقَ مني بَقِيَّة ... قؤول وَلَوْ أَنَّ السُّيُوفَ جَوَابُ وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ نَصْرٍ الْبَبَّغَاءُ سَلِ الصَّبَابَةَ عَنِّي هَلْ خَلَوْتُ بِمَنْ ... أَهْوَى مَعَ الشَّوْقِ إِلا وَالْعَفَافُ مَعِي لَا صَاحَبَتْنِي نَفْسٌ لَوْ هَمَمْتُ بِأَنْ ... أَرْمِي بِهَا لَهَوَات الْموَات لَمْ تُطِعِ

стр. 644

تَأَبَى الدَّنَاءَةَ لِي نَفْسٌ نُفَاسَتُهَا ... تَسْعَى لِغَيْرِ الرِّضَا بِالرَّيِّ وَالشِّبَعِ بِهِمَّةٍ مَا أَظُنُّ الْحَظَّ يُدْرِكُهَا ... إِلا وَقَدْ جَاوَزَتْ بِي كُلَّ مُمْتَنِعِ وَلَهُ وَقَدْ رَامَ هَذَا الْحُبُّ أَنْ يَسْتَرِقَّنِي ... فَأَنْجَدَنِي صَبْرٌ عَلَيَّ جَمِيلُ وَلَهُ لَا تَحْسَبِي أَنَّ نَفْسِيَ كَالنُّفُوسِ إِذَا ... حَمَّلْتُهَا فِي هَوَاكِ الضَّيْمَ تَحْتَمِلُ وَرُبَّمَا بَعَثَ التِّذْكَارُ نَحْوَكُمُ ... دَمْعِي فَتُنْكِرُهُ الأَجْفَانُ وَالْمُقَلُ كُونِي كَمَا شِئْتِ إِنْ هَجْرًا وَإِنْ صِلَةً ... فَلَيْسَ تُنْكِرُ صَبْرَ الْبَازِلِ الإِبِلُ كَمْ ذُقْتُ لِلدَّهْرِ خَطْبًا أَنْتِ أَيْسَرُهُ ... فَمَا ثَنَى عِطْفَ حِلْمِي الْحَادِثُ الْجَلِلُ وَلَهُ سِوَايَ الَّذِي تَرْمِي المطامع نبله ... وَغَيره مَنْ بِالْحِرْصِ يَسْهُلُ ذُلُّهُ وَلَوْ كُنْتُ مِمَّنْ تَقْبَلُ الضَّيْمَ نَفْسُهُ ... لَجَنَّبْتُ هَجْرِي مَنْ مُنَى النَّفْسِ وَصْلُهُ هَوًى سُمْتُ قَلْبِي أَنْ يُطَاوِعَ حُكْمَهُ ... فَبَادَرَنِي قَبْلَ الْعَوَاذِلِ عَذْلُهُ تَوَهَّمَنِي كَالْعَاشِقِينَ يَرُوعُنِي ... تَجَنُّبُهُ أَوْ يَغْتَالُ جَدِّيَ هَزْلُهُ وَإِنِّي لأَلْقَاهُ بِسَلْوَةِ زَاهِدٍ ... وَفِي يَدِهِ عَقْدُ الْفُؤَادِ وَحَلُّهُ أُصَارِفُ طَرْفِي فِي تَأَمُّلِ حُسْنِهِ ... وَأَسْخَطُ مَا يُرْضِي سِوَايَ أَقَّلُهُ

стр. 645

وَلا خَيْرَ فِيمَنْ يَمِلِكُ الْحُبُّ رَأْيُهُ ... وَإِنْ مَلَكَ الْقَلْبَ الْمُتَيَّمَ حَبْلُهُ وَلأَبِي عَلِيِّ بْنِ الشِّبْلِ وَآنَفُ أَنْ تَعْتَاقَ قَلْبِي خَرِيدَةٌ ... بِلَحْظٍ وَأَنْ يُرْوِي صَدَايَ رُضَابُ وَلِلْقَلْبِ مِنِّي زَاجِرٌ مِنْ مَرُوءَةٍ ... يُجَنِّبُهُ طَرْقَ الْهَوَى فَيُجَابُ وَلِمَنْصُورِ بْنِ الْهَرَوِيِّ خُلِقْتُ أَبَيَّ النَّفْسِ لَا أَتْبَعُ الْهَوَى ... وَلا أَسْتَقِي إِلا مِنَ الْمَشْرَبِ الأَصْفَى وَلا أَحْمِلُ الأَثْقَالَ فِي طَلَبِ الْغِنَى ... وَلا أَبْتَغِي مَعْرُوفَ مَنْ سَامَنِي خسفا وَلَا أتحرى الْعِزّ فميا يُذِلَّنِي ... وَلا أَخْطُبُ الأَعْمَالَ كَيْ لَا أَرَى صَرْفَا وَلَسْتُ عَلَى طَبْعِ الذُّبَابِ مَتَى يُذَدْ ... عَنِ الشَّيْءِ يَسْقُطْ فِيهِ وَهُوَ يَرَى الْحَتْفَا وَلَهُ كَفَى حَزَنًا أَنْ زَارَنِي مَنْ أُحِبُّهُ ... فَأَعْرَضْتُ عَنْهُ لَا مَلالا وَلا بُغْضَا وَلَكِنَّ نَفْسِي عَنْهُ نَفْسٌ أَبِيَّةٌ ... إِذَا لَمْ تَنَلْ كُلَّ الْمُنَى رَدَّتِ الْبَعْضَا فَصْلٌ وَمِمَّا يُذِلُّ الْعُشَّاقَ تَجَنِّي الْمَحْبُوبُ وَالتَّجَنِّي يَحْصُدُ الْمَحَبَّةَ فِي الْقُلُوبِ الَّتِي لَهَا أُنْفَةٌ قَالَ الأَعْشَى أَرَى سَفَهًا بِالْمَرْءِ تَعْلِيقُ قَلْبِهِ ... بِغَانِيَةٍ خَوْدٍ مَتَى يَدْنُ تَبْعُدِ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ الْقُمِّيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرِ بْنِ بَسَّامٍ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِي أَحْمَدُ بْنُ

стр. 646

حَمْدُونَ الْكَاتِبُ قَالَ كَانَ بَيْنَ الْوَاثِقِ وَبَعْضِ جَوَارِيهِ شَرٌّ فَخَرَجَ كَسْلانَ فَلَمْ أَزَلْ أَنَا وَالْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ نَحْتَالُ لِنَشَاطِهِ فَرَآنِي أُضَاحِكُ الْفَتْحَ بْنَ خَاقَانَ فَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ الْعَبَّاسَ بْنَ الأَحْنَفِ حَيْثُ يَقُولُ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ أَبْكَانِي وَأَضْحَكَكُمْ ... فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَدْلٌ كُلُّ مَا صَنَعَا الْيَوْمَ أَبْكِي عَلَى قَلْبِي وَأَنْدُبُهُ ... قَلْبٌ أَلَحَّ عَلَيْهِ الْحُبُّ فَانْصَدَعَا لِلْحُبِّ فِي كُلِّ عُضْوٍ لِي عَلَى حَدَةٍ ... نَوْعٌ تَفَرَّقَ عَنْهُ الصَّبْرُ وَاجْتَمَعَا وَقَالَ ابْنُ الدُّمَيْنَةِ أَمَا وَاللَّهِ ثُمَّ اللَّهُ حَقًّا ... يَمِينًا ثُمَّ أُتْبِعُهَا يَمِينَا لَقَدْ نَزَلَتْ أُمَيْمَةُ مِنْ فُؤَادِي ... تِلاعًا مَا أُبِحْنَ وَلا رُعِينَا وَلَكِنَّ الْخَلِيلَ إِذَا جَفَانَا ... وَآثَرَ بِالْمَوَدَّةِ آخَرِينَا صَدَدْتُ تَكَرُّمًا عَنْهُ بِنَفْسِي ... وَإِنْ كَانَ الْفُؤَادُ بِهِ ضَنِينَا فَصْلٌ وَمِنَ الأَنَفَةِ الأَنَفَةُ مِنْ حُبِّ مَنْ طَبْعُهُ الْغَدْرُ وَهَذَا أَجَلُّ طِبَاعِ النِّسَاءِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غُضُونِ كِتَابِنَا مِنْ غَدْرِهِنَّ طَرَفًا وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْحِيَلِ وَالْمُخَاطَرَاتِ فِي قِصَّةِ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ وَذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ مَنْ قَتَلَ مَعْشُوقَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ الْحُكَمَاءُ لَا تَثِقْ بِامْرَأَةٍ وَقَالَ الشَّاعِرُ إِذَا غَدَرَتْ حَسْنَاءُ أَوْفَتْ بِعَهْدِهَا ... وَمِنْ عَهْدِهَا أَنْ لَا يَدُومُ لَهَا عَهْدُ أَنْشَدَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ

стр. 647

أَفِقْ يَا فُؤَادِي مِنْ غِرَامِكَ وَاسْتَمِعْ ... مَقَالَةَ مَحْزُونٍ عَلَيْكَ شَفِيقِ عَلِقْتَ فَتَاةً قَلْبُهَا مُتَعَلِّقٌ ... بِغَيْرِكَ فَاسْتَوْثَقْتَ غَيْرَ وَثِيقِ وَأَصْبَحْتَ مَوْثُوقًا وَرَاحَتْ طَلِيقَةً ... فَكَمْ بَيْنَ مَوْثُوقٍ وَبَيْنَ طَلِيقِ فَصْلٌ وَمِمَّا يُدَاوَى بِهِ الْبَاطِنُ أَنْ يَعْلَمَ الإِنْسَانُ أَنَّ زَوْجَتَهُ الْمَحْبُوبَةُ إِنْ مَاتَ عَنْهَا مَالَتْ إِلَى غَيْرِهِ وَنَسِيَتْهُ أَسْرَعُ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَتْ تُحِبُّهُ لأَنَّهُ لَا وَفَاءَ لِلنِّسَاءِ أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّبَّاسُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الطُّوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْخُزَامِيُّ عَنْ أَبِيهِ وَأَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَيَزِيدُ أَحدهمَا على صَاحبه قَالَ تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ عَاتِكَةَ بنت زيد بن عَمْرو ابْن نُفَيْلٍ وَكَانَتْ حَسْنَاءُ جَمْلاءُ ذَاتُ خُلُقٍ بَارِعٍ فَشَغَلَتْهُ عَنْ مَغَازِيهِ فَأَمَرَهُ أَبُوهُ بِطَلاقِهَا وَقَالَ إِنَّهَا قَدْ شَغَلَتْكَ عَنْ مَغَازِيكَ فَقَالَ يَقُولُونَ طَلِّقْهَا وَخَيِّمْ مَكَانَهَا ... مُقِيمًا عَلَيْكَ الْهَمُّ أَحْلامَ نَائِمِ وَإِنَّ فِرَاقِي أَهْلَ بَيْتٍ جَمَعْتُهُمْ ... عَلَى كِبَرٍ مِنِّي لإِحْدَى الْعَظَائِمِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَمَرَّ بِهِ أَبُوهُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ الْعَامَ مِثْلَهَا ... وَلا مِثْلَهَا فِي غَيْرِ جُرْمٍ تُطَلَّقُ لَهَا خُلُقٌ جَزْلٌ وَرَأْيٌ وَمَنْصِبٌ ... وَخَلْقٌ سَوِيٌ فِي الْحَيَاةِ وَمَصْدَقُ فَرَقَّ لَهُ أَبُوهُ فَرَاجَعَهَا ثُمَّ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ الطَّائِفِ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَمَاتَ بَعْدُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَتْ عَاتِكَةُ تَبْكِيهِ

стр. 648

رُزِئْتُ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ ... وَبَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَمَا كَانَ قَصَّرَا فَآلَيْتُ لَا تَنْفَكُ عَيْنِي حَزِينَةً ... عَلَيْكَ وَلا يَنْفَكُ جِلْدِيَ أَغْبَرَا فَلِلَّهِ عَيْنًا مَنْ رَأَى مِثْلَهُ فَتًى ... أَكَرَّ وَأَحْمَى فِي الْهِيَاجِ وَأَصْبَرَا إِذَا شُرِعَتْ فِيهِ الأَسِنَّةُ خَاضَهَا ... إِلَى الْمَوْتِ حَتَّى يَتْرُكَ الرُّمْحَ أَحْمَرَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَأَوْلَمَ وَكَانَ فِيمَنْ دَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَعْنِي أُكَلِّمُ عَاتِكَةَ فَقَالَ كَلِّمْهَا يَا أَبَا الْحَسَنِ فَأَخَذَ عَلِيٌّ ﵇ بِجَانِبِ الْخِدْرِ ثُمَّ قَالَ يَا عُدَيَّةُ نَفْسَهَا فَآلَيْتُ لَا تَنْفَكُ عَيْنِي قَرِيرَةً ... عَلَيْكَ وَلا يَنْفَكُ جِلْدِيَ أَصْفَرَا فَبَكَتْ فَقَالَ عُمَرُ مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا يَا أَبَا الْحَسَنِ كُلُّ النِّسَاءِ يَفْعَلْنَ هَذَا ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ فَكَانَتْ تَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَكَانَ يَكْرَهُ خُرُوجَهَا وَيَتَحَّرَجُ مِنْ مَنْعِهَا فَخَرَجَتْ لَيْلَةً إِلَى الْمَسْجِدِ وَخَرَجَ الزُّبَيْرُ فَسَبَقَهَا إِلَى مَكَانٍ مُظْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهَا فَلَمَّا مَرَّتْ بِهِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَعْضِ جَسَدِهَا فَرَجَعَتْ تَنْشَجُ ثُمَّ لَمْ تَخْرُجْ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ مَالَكِ لَا تَخْرُجِينَ إِلَى الْمَسْجِدِ كَمَا كُنْتِ تَفْعَلِينَ فَقَالَتْ فَسَدَ النَّاسُ فَقَالَ أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَلَيْسَ غَيْرُكَ يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ وَلَمْ تَخْرُجْ حَتَّى قُتِلَ عَنْهَا الزُّبَيْرُ وَبِالإِسْنَادِ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ خَطَبَ إِلَى عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ يَا ابْنَ أَخِي قَدِ انْتَظَرْتُ هَذَا مِنْكَ انْطَلِقْ مَعِي فَخَرَجَ بِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ مَنْزِلَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ وَسَكِينَةَ ﵄ فَقَالَ اخْتَرْ فَاخْتَارَ فَاطِمَةَ فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا فَكَانَ يُقَالُ فَلَمَّا حَضَرَتِ الْحَسَنَ الْوَفَاةُ قَالَ لِفَاطِمَةَ إِنَّكِ امْرَأَةٌ مَرْغُوبٌ فِيكِ فَكَأَنِّي بِعَبْد الله بن عَمْرو

стр. 649

ابْن عُثْمَانَ إِذَا خُرِجَ بِجَِنَازَتِي قَدْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ مُرَجَّلا جَبِينُهُ لَا بسا حُلَّتَهُ يَسِيرُ فِي جَانِبِ النَّاسِ يَتَعَرَّضُ لَكِ فَانْكِحِي مَنْ شَئْتِ سِوَاهُ فَإِنِّي لَا أَدَعُ مِنَ الدُّنْيَا وَرَائِي هَمًّا غَيْرَكِ فَقَالَتْ لَهُ آمِنْ مِنْ ذَلِكَ وَأثْلَجَتْهُ بِالأَيْمَانِ مِنَ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ لَا تَتَزَوَّجُهُ وَمَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ وَخُرِجَ بِجَِنَازَتِهِ فَوَافَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ فِي الْحَالِ الَّتِي وَصَفَ الْحَسَنُ وَكَانَ يُقَالُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْمُطْرَفُ مِنْ حُسْنِهِ فَنَظَرَ إِلَى فَاطِمَةَ حَاسِرَةً تَضْرِبُ وَجْهَهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا إِنَّ لَنَا فِي وَجْهِكِ حَاجَةً فَارْفُقِي بِهِ فَاسْتَرْخَتْ يَدَاهَا وَعُرِفَ ذَلِكَ فِيهَا وَخَمَّرَتْ وَجْهَهَا فَلَمَّا حَلَّتْ أَرْسَلَ إِلَيْهَا فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ كَيْفَ يَمِينِي الَّتِي حَلَفْتُ بِهَا قَالَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَكَانَ كُلِّ مَمْلُوكٍ مَمْلُوكَيْنِ وَمَكَانَ كُلِّ شَيْءٍ فَعَوَّضَهَا مِنْ يَمِينِهَا فَنَكَحَتْهُ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا الدِّيبَاجَ وَالْقَاسِمَ قَالَ الزُّبَيْرُ وَحَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ زَعَمُوا أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الله ابْن الزُّبَيْرِ نَظَرَ إِلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْقَاسِمِ تَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ وَهُوَ يَمُوتُ فَقَالَ لَهَا أَمَا وَاللَّهِ فَكَأَنِّي بِالأُعَيْرَجِ طَلْحَةَ بْنِ عُمَرَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْكِ إِذَا حَلَلْتِ فَتُزَوَّجِينَهُ قَالَتْ كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حرَّة وَكُلُّ شَيْءٍ لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ تَزَوَّجْتُهُ أَبَدًا فَلَمَّا حَلَّتْ أَرْسَلَ إِلَيْهَا طَلْحَةُ بْنُ عُمَرَ إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ يَمِينَكِ وَلَكِ بِكُلِّ شَيْءٍ شَيْئَانِ فَأَصْدقهَا ثَلَاثمِائَة أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَزَوَّجَتْهُ فَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ وَرَمْلَةَ قَالَ الزُّبَيْرُ وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الزُّهْرِيُّ قَالَ كَانَتْ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَهْلٍ الْعَامِرِيُّ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ صَدِيقًا لَهُ فَقَالَ

стр. 650

فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَمُوتُ فَإِذَا هُوَ شَكِعٌ فَقُلْتُ لَهُ مَا يُشْكِعُكَ يَا أَخِي أَمِنَ الْمَوْتِ تَشْكَعُ قَالَ وَاللَّهِ مَا ذَاكَ يُشْكِعُنِي وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تَزَوَّجَ أم هِشَام عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُمَرُ إِذْ ذَاكَ وَالٍ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ وَسِتْرٌ فِي الْبَيْتِ فَسَمِعَتُ حَرَكَةً فِيهِ فَمَا كَانَ بِأَوْشَكِ مِنْ أَنْ كَشَفَ السِّتْرَ وَإِذَا جَوَارٍ قَدْ قُمْنَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ قَالَتْ قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا بن عُمَرَ وَالَّذِي يَشْغَلُكَ وَاسْتَغْلَظَتْ فِي الْيَمِينِ بِالنَّذْرِ وَكُلِّ شَيْءٍ لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعِتْقُ مَا تَمْلِكُ إِنْ تَزَوَّجْتُهُ فَطِبْ نَفْسًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أُبَالِي مَتَى جَاءَنِي الْمَوْتُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْرِمَةَ فَخَرَجَتُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَوَاللَّهِ مَا بَلَغْتُ حَتَّى سَمِعْتُ الصِّيَاحَ وَجَاءَنِي الرَّسُولُ أَنْ أَدْرِكْ أَخَاكَ فَقَدْ مَاتَ قَالَ فَجِئْتُهُ فَقُمْنَا إِلَى حَاجَتِهِ فَرَمَحَ بِهِ الظَّهْرُ وَأُمُّ هِشَامٍ فِي النَّاسِ لَيْسَ لِي هِمَّةٌ إِلا أَنْظُرُ كَيْفَ تَصْنَعُ هِيَ وَعُمَرُ فَلَمَّا كُنَّا عَلَى الْقَبْرِ الْتَفَتَ عُمَرُ إِلَى الْمَأْتَمِ فَإِذَا امْرَأَةٌ قَدْ رَاقَتِ النِّسَاءُ طُولا وَجَمَالا وَهِيَ تَضْرِبُ عَلَى خَدَّيْهَا ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ مَنْ هَذِه فَقيل ابْن خَالَتِكَ أَيُّهَا الأَمِيرُ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ عُثْمَانَ فَأَرْسَلَ أَبْقِي فِي خَدَّيْكِ فَإِنَّ لَنَا فِيهِمَا حَاجَةً قَالَ فَأَتَى الْخَصِيُّ فَكَلَّمَهَا فَنَظَرَتُ إِلَى يَدَيْهَا وَقَدِ اسْتَرْخَتَا فَلَمْ يَكُنْ إِلا أَنْ حَلَّتْ فَأَخْلَفَ عَلَيْهَا مَا حَلَفَتْ بِهِ وَأَرْغَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَبَلَغَنِي ذَلِكَ فَكَتَبْتُ إِلَيْهَا أُذَكِّرُهَا مَا كَانَ بَلَغَنَا مِنْ غَدْرِ النِّسَاءِ وَأَنَّا كُنَّا بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ حَتَّى بَانَ لِي ذَلِكَ فِيهَا وَتَمَثَّلَتُ لَهَا

стр. 651

إِنْ لَقِيَتْ خَيْرًا فَلا يَهِنْهَا ... وَإِنْ عَثَرَتْ فَلِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ فَكَتَبَتْ إِلَيَّ قَدْ فَهِمْتُ كِتَابَكَ وَإِنِّي لَمْ أَجِدْ لِي مَثَلا إِلا مَا قَالَ أَرْطَاة ابْن شُهْبَة كَأَيِّنْ تَرَى مِنْ ذَاتِ شَجْوٍ وَلَوْعَةٍ ... طَوَتْ كَشْحَهَا بَعْدَ الْحَنِينِ الْمُرَجَّعِ وَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ اللَّيْثِيُّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّلُوِّ عَنِ النِّسَاءِ لِغَدْرِهِنَّ وَكُنَّا ارْتَقَيْنَا فِي صُعُودٍ مِنَ الْهَوَى ... فَلَمَّا ارْتَقْيَنَاهُ ثَبَتُّ وَزَلَّتِ وَكُنَّا عَقَدْنَا عُقْدَةَ الْوَصْلِ بَيْنَنَا ... فَلَمَّا تَوَاثَقْنَا عَقَدْتُ وَحَلَّتِ فَإِنْ سَأَلَ الْوَاشُونَ فِيمَ صَرَمْتَهَا ... فَقُلْ نَفْسُ حُرٍّ سَلِيَتْ فَتَسَلَّتِ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ قُدَامَةَ قَالَ كَانَتْ لِمُوسَى الْهَادِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا غَادِرُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا وَعَيْنًا وَكَانَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا فَبَيْنَا هِيَ تُغَنِّيهِ يَوْمًا عَرَضَ لَهُ فِكْرٌ وَسَهْوٌ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَسَأَلَهُ مَنْ حَضَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَقَعَ فِي فِكْرِي أَنِّي أَمُوتُ وَأَنَّ أَخِي هرون يَلِي مَكَانِي وَيَتَزَوَّجُ جَارِيَتِي هَذِهِ فَقِيلَ لَهُ يُعِذْكَ اللَّهُ وَيُقَدِّمُ الْكُلَّ بَيْنَ يَدَيْكَ قَبْلَكَ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ أَخِيهِ وَعَرَّفَهُ مَا خَطَرَ لَهُ فَأَجَابَهُ بِمَا يُوجِبُ زَوَالَ الْخَاطِرِ فَقَالَ لَا أَرْضَى حَتَّى تَحْلِفَ لِي أَنِّي مَتَى مِتُّ لَمْ تَتَزَوَّجَهَا فَاسْتَوْفَى عَلَيْهِ الأَيْمَانَ مِنَ الْحَجِّ رَاجِلا وَطَلاقِ الزَّوْجَاتِ وَعِتْقِ الْمَمَالِيكِ وَتَسْبِيلِ مَا يَمْلِكُهُ ثُمَّ نَهَضَ إِلَيْهَا فَأَحْلَفَهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ فَمَا لَبِثَ إِلا نَحْوَ شهر حَتَّى توفّي فَبعث هرون يَخْطُبُ الْجَارِيَةَ فَقَالَتْ كَيْفَ يَمِينِي وَيَمِينُكَ فَقَالَ أُكَفِّرُ عَنِ الْكُلِّ وَأَحُجُّ رَاجِلا فَتَزَوَّجَهَا وَزَادَ شَغَفُهُ بِهَا عَلَى شَغَفِ أَخِيهِ أَنَّهَا كَانَتْ تَضَعُ رَأْسَهَا فِي حِجْرِهِ وَتَنَامُ فَلا يَتَحَرَّكُ حَتَّى تَنْتَبِهَ فَبَيْنَا هِيَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ذَلِكَ انْتَبَهَتْ مَرْعُوبَةً فَزِعَةً فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ رَأَيْتُ أَخَاكَ السَّاعَةَ وَهُوَ يَقُولُ

стр. 652

أَخْلَفْتِ وَعْدِي بَعْدَمَا ... جَاوَرْتِ سُكَّانَ الْمَقَابِرْ وَنَسِيتَنِي وَحَنَثْتِ فِي ... أَيْمَانَكِ الْكَذِبِ الْفَوَاجِرْ وَنَكَحْتِ غَادِرَةَ أَخِي ... صَدَقَ الَّذِي سَمَّاكِ غَادِرْ أَمْسَيْتِ فِي أَهْلِ الْبِلَى ... وَغَدَوْتِ فِي الْحُورِ الْغَرَائِرْ لَا يَهْنَكِ الإِلْفُ الْجَدِيدُ ... وَلا تَدُرْ عَنْكِ الدَّوَائِرْ وَلَحِقْتِ بِي قَبْلَ الصَّبَاحِ ... وَصِرْتِ حَيْثُ غَدَوْتُ صَائِرْ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَأَّنِي أَسْمَعُهُمَا وَكَأَنَّمَا كَتَبْتُهُمَا فِي قَلْبِي فَمَا أُنْسِيتُ مِنْهُمَا كلمة فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ فَقَالَتْ كَلا ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تَضْطَرِبُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَتُرْعَدُ حَتَّى مَاتَتْ فَصْلٌ وَمِمَّا يُدَاوَى بِهِ الْبَاطِنُ أَنْ تَفَكَّرَ فَتَعْلَمَ أَنَّ مَحْبُوبَكَ لَيْسَ كَمَا فِي نَفْسِكَ فَأَعْمِلْ فِكْرَكَ فِي عُيُوبِهِ تَسْلُ فَإِنَّ الآدَمِيَ مَحْشُوٌّ بِالأَنْجَاسِ وَالأَقْذَارِ وَإِنَّمَا يَرَى الْعَاشِقُ مَعْشُوقَهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ وَلا يُصَوِّرُ لَهُ الْهَوَى عَيْبًا لأَنَّ الْحَقَائِقَ لَا تَنْكَشِفُ إِلا مَعَ الاعْتِدَالِ وَسُلْطَانِ الْهَوَى حَاكِمٌ جَائِرٌ يُغَطِّي الْمَعَايِبَ فَيَرَى الْعَاشِقَ الْقَبِيحَ مِنْ مَعْشُوقِهِ حَسَنًا أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا صَاعِدُ بْنُ سَيَّارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ الْغَوْرَجِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظُ إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْوَزَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ

стр. 653

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصَّوْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْن أَخِي الأَصْمَعِيُّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ قَالَ لِي الرَّشِيدُ مَا حَدُّ الْعِشْقِ وَصِفَتُهُ فَقُلْتُ أَنْ تَكُونَ رِيحُ الْبَصَلِ مِنَ الْمَعْشُوقِ أَطْيَبُ عِنْدَ الْعَاشِقِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ مَعَ غَيْرِهِ وَقَالَ الْحُكَمَاءُ عَيْنُ الْهَوَى عَوْرَاءُ بِهَذَا السَّبَبُ يُعْرِضُ الإِنْسَانُ عَنْ زَوْجَتِهِ وَيُؤْثِرُ عَلَيْهَا الأَجْنَبِيَّةَ وَقَدْ تَكُونُ الزَّوْجَةُ أَحْسَنُ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُيُوبَ الأَجْنَبِيَّةِ لَمْ تَبِنْ لَهُ وَقَدْ تُكْشِفُهَا الْمُخَالَطَةُ وَلِهَذَا إِذَا خَالَطَ هَذِهِ الْمَحْبُوبَةِ الْجَدِيدَةِ وَكَشَفَتْ لَهُ الْمُخَالَطَةُ مَا كَانَ مَسْتُورًا مَلَّ وَطَلَبَ أُخْرَى إِلَى مَا لَا نِهَايَةٍ لَهُ وَقَدْ بَلَغَنَا عَنِ الْمُتَوَكَّلِ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا وَاجِمًا فَسَأَلَهُ وَزِيرُهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ فِي الدَّارِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ جَارِيَةٍ مَا فِيهِنَّ مَنْ تَطْلُبُهَا نَفْسِي قَالَ الْمُصَنِّفُ فَاسْتِعْمَالُ الْفِكْرِ فِي بَدَنِ الآدَمِي وَمَا يَحْوِي مِنَ الْقَذَارَةِ وَمَا تَسْتُرُ الثِّيَابُ مِنَ الْمُسْتَقْبَحِ يَهُونُ الْعِشْقُ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا أَعْجَبَتْ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَذْكُرْ مَنَاتِنَهَا وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مَنْ وَجَدَ رِيحًا كَرِيهَةً مِنْ مَحْبُوبَهِ سَلاهُ وَكَفَى بِالْفِكْرِ فِي هَذَا الأَمْرِ دَفْعًا لِلْعِشْقِ الْمُقْلِقِ وَلَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلا عَشِقَ امْرَأَةً فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا مَعَ طَيْشٍ فَقَالَتْ لَهُ تَأَمَّلْ أَمْرَكَ أَتَدْرِي مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَبُولَ فِي بَالُوعَةٍ لَوْ شَاهَدْتَ دَاخِلَهَا لَوَجَدْتَهُ أَنْتَنَ مِنَ الْكَنِيفِ فَبَرَدَ وَسَكَنَ وَلَمْ يُعَاوِدُ وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بْنِ نَبَاتَةَ مَا كُنْتُ أَعَرِفُ عَيْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ ... حَتَّى سَلَوْتُ فَصِرْتُ لَا أَشْتَاقُ وَإِذَا أَفَاقَ الْوِجْدُ وَانْدَمَلَ الْهَوَى ... رَأَتِ الْقُلُوبُ وَلَمْ تَرَ الأَحْدَاقُ

стр. 654

فَصْلٌ وَلِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ شَكَا خَلْقٌ مِنَ الْعُشَّاقِ مَعْشُوقَهُمْ وَمَلُّوهُمْ وَأَعْرَضُوا عَنْهُمْ وَمَا كَانَ السَّبَب إِلَّا أَنَّ الْمُخَالَطَةَ أَظْهَرَتِ الْمَعَايِبَ الآدَمِيَّةَ فَنَفَرُوا عَنْهُمْ وَمَضَى مَا مَضَى مِنَ الْقَلَقِ وَوَهْنِ الْجَاهِ مَجَّانًا أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُوسَى السَّرَّاجُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ أَمْلَى عَلَيْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْن أَبِي بَكْرٍ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ يَمْتَارُونَ مِنْهُ فَمَرُّوا بِامْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا لَيْلَى فَذَكَرَ مِنْ جَمَالِهَا فَرَجَعَ وَقَدْ وَقَعَ مِنْهَا فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ وَهُوَ يُشَبِّبُ وَيَقُولُ تَذَكَّرْتُ لَيْلَى وَالسَّمَاوَةُ بَيْنَنَا ... وَمَا لابْنَةِ الْجُودِي لَيْلَى وَمَالِيَا زَادَنَا مُصْعَبٌ بَيْتَيْنِ مِنَ الشِّعْرِ لَيْسَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَأَنَّى تَعَاطَى قَلْبَهُ حَارِثِيةٌ ... تُدَمِّنُ بُصْرَى أَوْ تَحِلُّ الْجَوَانِيَا وَأَنَّى تَلاقِيهَا بَلَى وَلَعَلَّهَا ... إِنِ النَّاسُ حَجُّوا قَابِلا أَنْ تُلاقِيَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ سُفْيَانَ قَالَ فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ افْتَتَحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الشَّامَ فَصَارَتْ إِلَيْهِ أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ دَاوُدَ قَالَ أَنْبَأَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْخُزَامِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْن أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَدِمَ الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ فَرَأَى هُنَاكَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا ابْنَةُ الْجُودِيِّ عَلَى طَنْفَسَةٍ لَهَا وَلائِدٌ فَأَعْجَبْتُهُ فَقَالَ فِيهَا تَذَكَّرْتُ لَيْلَى وَالسَّمَاوَةُ بَيْنَنَا ... وَمَا لابْنَةِ الْجُودِيِّ لَيْلَى وَمَالِيَا وَأَنَّى تَعَاطَى ذِكْرَهُ حَارِثِيَّةٌ ... تُدَمِّنُ بُصْرَى أَوْ تَحِلُّ الْجَوَانِيَا

стр. 655

وَأَنَّى تَلاقِيهَا بَلَى وَلَعَلَّهَا ... إِنِ النَّاسِ حَجُّوا قَابِلا أَنْ نُلاقِيَا قَالَ فَلَمَّا بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ جَيْشَهُ إِلَى الشَّامِ قَالَ لِصَاحِبِ الْجَيْشِ إِنْ ظَفِرْتَ بِلَيْلَى ابْنَةِ الْجُودِيِّ عُنْوَةً فَادْفَعْهَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَظَفِرَ بِهَا فَدَفَعَهَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأُعْجِبَ بِهَا وَآثَرَهَا عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى شَكَوْنَهُ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ فَعَاتَبَتْهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ وَاللَّهِ كَأَنِّي أَرْشُفُ بِأَنْيَابِهَا حَبَّ الرُّمَّانِ فَأَصَابَهَا وَجَعٌ سَقَطَ لَهُ فُوهَا فَجَفَاهَا حَتَّى شَكَتْهُ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ ﵂ لَقَدْ أَحْبَبْتَ لَيْلَى فَأَفْرَطْتَ وَأَبْغَضْتَهَا فَأَفْرَطْتَ فَإِمَّا أَنْ تَنْصِفَهَا وَإِمَّا أَنْ تُجَهِّزَهَا إِلَى أَهْلِهَا فَجَهَّزَهَا إِلَى أَهْلِهَا قَالَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ نفل عبد الرحمن ابْن أَبِي بَكْرٍ لَيْلَى بِنْتَ الْجُودِي حِينَ فَتَحَ دِمَشْقَ وَكَانَتْ بِنْتُ مَالِكِ دِمْشَقَ وَمِمَّا يُرْوَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لَيْلَى بِنْتِ الْجُودِي بابنة الْجُودِي قَلْبِي لَبِثٌ ... مُسْتَهَامٌ عِنْدَهَا مَا يؤوب جَاوَرت أخوا لَهَا حَيَّ عَكٍّ ... فَلَعَلَّكِ مِنْ فُؤَادِي نَصِيبُ وَلَقَدْ لامُوا فَقُلْتُ ذَرُونِي ... إِنَّ مَنْ تَلْحُونَ فِيهَا الْحَبِيبُ غُصْن بَان ماخلا الْخَصْرَ مِنْهَا ... ثُمَّ مَا أَسْفَلَ ذَاكَ كَثِيبُ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كُنْتُ أُعَاتِبُهُ فِي كَثْرَةِ مَحَبَّتِهِ لَهَا ثُمَّ صِرْتُ أُعَاتِبُهُ فِي إِسَاءَتِهِ إِلَيْهَا حَتَّى رَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن أبي نعيم الْبَلْخِي قل حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّحْوِيُّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعَثَ إِلَى الضَّحَّاكِ عَامِلِ الْمَدِينَةِ ابْعَثْ إِلَيَّ الأَحْوَصَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ وَمَعْبَدًا الْمُغَنِّي فَخَرَجَا يقصدان الْمنَازل ويقيمان فِيهَا يستلذا حَتَّى نَزَلا عَلَى غَدِيرِ مَاءٍ وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ بِبَلَدٍ أَفْيَحٍ وَبِهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فِي قَصْرٍ لَهُ حَتَّى نَزَلا الْبَلْقَاءَ وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ فَأَصَابَهُمَا مَطَرٌ مِنَ اللَّيْلِ وَأَصْبَحَتِ الْغُدُرُ مَمْلُوءَةً فَقَالَ

стр. 656

الأَحْوَصُ لَوْ أَقَمْنَا الْيَوْمَ فَتَغَدَّيْنَا عَلَى هَذِهِ الْغُدُرِ فَفَعَلا وَرَفَعَ لَهُمَا قَصْرٌ فَلَمَّا أَكَلا وَوَضَعْنَا شَرَابَهُمَا فُتِحَ بَابَ الْقَصْرِ فَخَرَجَتْ جَارِيَةٌ بَيْضَاءَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَيَاضًا وَأَحْسَنِهِمْ شِعْرًا فِي يَدِهَا جَرَّةٌ فَوَرَدَتِ الْغَدِيرَ بِتِلْكَ الْجَرَّةِ فَاسْتَقَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا كَانَتْ عَلَى خَمْسٍ أَوْ نَحْوَهَا أَلْقَتِ الْجَرَّةُ فَكَسَرَتْهَا وَقَعَدَتْ فَانْدَفَعَتْ تُغَنِّي بِحَذْقٍ يَا بَيْتَ عَاتِكَةَ الَّتِي أَتَغَزَّلُ ... حَذَرَ الْعِدَى وَبِهِ الْفُؤَادُ مُوَكَّلُ إِنِّي لأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وَإِنَّنِي ... قَسَمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لأَمْيَلُ فَقَالَ مَعْبَدٌ غِنَائِي وَاللَّهِ وَقَالَ الأَحْوَصُ شِعْرِي وَاللَّهِ فَلَمَّا سَمِعَا ذَلِكَ مِنْهَا قَامَا إِلَيْهَا فَسَلَّمَا عَلَيْهَا وَسَأَلاهَا إِعَادَةَ الصَّوْتِ فَأَعَادَتْهُ فَقَالا لَهَا مِنْ أَيْنَ أَنْتِ فَقَالَتْ مَكِّيَّةٌ كُنْتُ لآلِ الْوَلِيدِ فَحَجَّ هَذَا الْمَخْزُومِيَّ الَّذِي أَنَا عِنْدَهُ فَابْتَاعَنِي مِنْ أَهْلِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَنَزَلْتُ من قلبه أحسن منزلَة إِذا طَرَقَتْ عَلَيْهِ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ فَنَزَلَتْ أَحْسَنَ الْمَنَازِلِ وَعَلا مَكَانُهَا فَلَمْ يَزِدْهَا إِلا ارْتِفَاعًا وَلَمْ يَزِدْنِي إِلا اتِّضَاعًا حَتَّى بَلَغَتْ مَنْزِلَتَهَا أَنْ قَالَتْ لَسْتُ بِرَاضِيَةٍ حَتَّى تَأْمُرَهَا تَسْتَقِي الْمَاءَ مِنَ الْغَدِيرِ كُلَّ يَوْمٍ جَرَّتَيْنِ فَفَعَلَ فَأَنَا إِذَا ذَكَرْتُ مَا كُنْتُ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ كَسَرْتُ الْجَرَّةَ وَإِذَا اعْتَرَفْتُ بِالْمُلْكَةِ أَدَّيْتُ إِلَيْهِمْ جَرَّتَهُمْ مَمْلُوءَةً حَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي عَنْ صَدِيقٍ لَهُ أَنَّهُ عَشِقَ امْرَأَةً كَانَتْ فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَأَنُّهُ كَانَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ لِيَجْتَمِعَ بِهَا قَالَ فَقَالَ لِي يَوْمًا وَاللَّهِ لَوِ اجْتَمَعْتُ بِهَا ثُمَّ قُدِّمْتُ فَضُرِبَتْ عُنُقِي مَا بَالَيْتُ ثُمَّ إِنَّهُ تَزَوَّجَهَا فَمَضَى عَلَيْهِ قَلِيلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَالَ فَمَرَرْتُ يَوْمًا أَنَا وَهُوَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ بِحَمْأَةٍ مُنْتِنَةٍ فَقَالَ لِي يَا فُلانُ وَاللَّهِ إِنَّ فُلانَةً الْيَوْمَ أَقْبَحُ عِنْدِي حَالا مِنْ هَذِهِ الْحَمْأَةِ

стр. 657

فَصْلٌ وَقَدْ يَقَعُ السُّلُوُّ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَظُنُّ مِثْلَ أَنْ يُحِبَّ الإِنْسَانُ الْمَرْأَةَ فَإِذَا بِهَا نِسْبَةٌ لِصَدِيقٍ مِنْ أَصْدِقَائِهِ فَيَحْتَشِمُ ذَلِكَ فَيَسْلُوهَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُهَلَّبِيُّ عَنْ بَعْضِ إِخْوَانِهِ وَأَظُنُّهُ أَبَا الْوَلِيدِ ابْن الْفَرْضِيِّ عَنْ أَبِي عُمَرَ يُوسُفَ بْنِ هَارُونَ قَالَ خَرَجْتُ يَوْمًا لِصَلاةِ الْجُمُعَةِ فَتَجَاوَزْتُ نَهْرَ قُرْطُبَةَ مُتَفَّرِجًا إِلَى رِيَاضِ بَنِي مَرْوَانَ فَإذْ جَارِيَةٌ لَمْ أَرَ أَجْمَلَ مِنْهَا فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا فَرَدَّتْ ثُمَّ جَارَيْتُهَا فَرَأَيْتُ أَدَبًا بَارِعًا فَأَخَذَتْ بِمَجَامِعِ قَلْبِي فَقُلْتُ سَأَلْتُكِ بِاللَّهِ أَحُرَّةٌ أَمْ أَمَةٌ فَقَالَتْ بَلْ أَمَةٌ فَقُلْتُ مَا اسْمُكِ فَقَالَتْ حُلْوَةُ فَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ الصَّلاةِ انْصَرَفْتُ فجَعَلْتُ أَقْفُو أَثَرَهَا فَلَمَّا بَلَغَتْ رَأْسَ الْقَنْطَرَةِ قَالَتْ إِمَّا أَنْ تَتَقَدَّمَ وَإِمَّا أَنْ تَتَأَخَّرَ فَلَسْتُ وَاللَّهِ أَخْطُو خُطْوَةً وَأَنْتَ مَعِي فَقُلْتُ لَهَا فَمَا ثَمَنُكِ إِنْ بَاعَكِ مَنْ أَنْتِ لَهُ قَالَتْ ثَلَاثمِائَة دِينَارٍ قَالَ فَخَرَجْتُ جُمْعَةً أُخْرَى فَوَجَدْتُهَا عَلَى الْعَادَةِ فَازْدَادَ كَلَفِي بِهَا فَرَحَلْتُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّجِيبِيِّ صَاحِبِ سَرَقُسْطَةَ فَمَدَحْتُهُ بِالْقَصِيدَةِ الميمية الْمَشْهُورَة فِيهِ ن وَذكرت فِي تشبيبها حُلْوَةً وَحَدَّثْتُهُ مَعَ ذَلِكَ بِحَدِيثِي فوصلني بثلاثمائة دِينَارٍ ذَهَبًا سِوَى مَا زَوَّدَنِي مِنْ نَفَقَةِ الطَّرِيقِ مُقْبِلا وَرَاجِعَا وَعُدْتُ إِلَى نَهْرِ قُرْطُبَةَ فَلَزِمْتُ الرِّيَاضَ جُمَعًا لَا أَرَى لَهَا أَثَرًا وَقَدِ انْطَبَقَتْ سَمَائِي عَلَى أَرْضِي وَضَاقَ صَدْرِي إِلَى أَنْ دَعَانِي يَوْمًا رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِي فَدَخَلْتُ دَارَهُ وَأَجْلَسَنِي فِي صَدْرِ مَجْلِسِهِ ثُمَّ قَامَ إِلَى بَعْضِ شَأْنِهِ فَلَمْ أَشْعُرْ إِلا بِالسِّتَارَةِ الْمُقَابِلَةِ لِي وَإِذَا بِهَا قَدْ رُفِعَتْ وَإِذَا بِهَا فَقُلْتُ حُلْوَةُ فَقَالَت نعم فَقلت أَنْت مملوكته فَقَالَت لَا وَاللَّهِ وَلَكِنِّي أُخْتُهُ

стр. 658

قَالَ فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَحَا حُبَّهَا مِنْ قَلْبِي وَقُمْتُ مِنْ فوري فاعتذرت إِلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ بِعَارِضٍ طَرَقَنِي وَانْصَرَفْتُ وَأَوَّلُ قَصِيدَتِهِ قِفُوا تَشْهَدُوا بَثِي وَإِنْكَارِ لائِمِي ... عَلَيَّ بُكَائِي فِي الرُّسُومِ الطَّوَاسِمِ أَيَأْمَنُ أَنْ يَغْدُو حَرِيقًا تَنَفُّسِي ... وَإِلا غَرِيقًا فِي الدُّمُوعِ السَّوَاجِمِ خُذُوا رَأْيَهُ إِنْ كَانَ يَتْبَعُ كُلَّ مَنْ ... يَنُوحُ عَلَى أُلافِهِ بِالْمَلاوِمِ فَهَذَا حَمَامُ الأَيْكِ يَبْكِي هَدِيلَهُ ... بُكَائِي فَلْيَفْزَعِ لِلَوْمِ الْحَمَائِمِ وَمَا هِيَ إِلا فُرْقَةٌ تَبْعَثُ الأَسَى ... إِذَا نَزَلَتْ بِالنَّاسِ أَوْ بِالْبَهَائِمِ جَلا نَاظِرِي مِنْ نَوْمِهِ بَعْدَ خَلْوَةٍ ... مَتَى كَانَ مِنِّي النَّوْمَ ضَرْبَةَ لازَمِ وَمِنْ شِعْرِهِ قَالُوا اصْطَبِرْ وَهُوَ شَيْءٌ لَسْتُ أَعْرِفُهُ ... مَنْ لَيْسَ يَعْرِفُ صَبْرًا كَيْفَ يَصْطَبِرُ أُوصِ الْخَلِيَّ بِأَنْ يُغْضِي الْمَلاحِظَ عَنْ ... غُرِّ الْوُجُوهِ فَفِي إِعْمَالِهَا غَرَرُ وَفَائِقِ الْحُسْنِ قَتَّالِ الْهَوَى نَظَرَتْ ... عَيْنِي إِلَيْهِ فَكَانَ الْمَوْتُ وَالنَّظَرُ ثُمَّ انْتَصَرْتُ بِعَيْنِي وَهِيَ قَاتِلَتِي ... مَاذَا تُرِيدُ بِقَلْبِي حِينَ تَنْتَصِرُ يَا شِقَّةَ النَّفْسِ وَاصِلِهَا بِشِقَّتِهَا ... فَإنَّا أَنْفُسُ الأَعْدَاءُ تَهْتَجِرُ ظَلَمْتِنِي ثُمَّ إِنِّي جِئْتُ مُعْتَذِرًا ... يَكْفِيكَ أَنِّي مَظْلُومٌ وَمُعْتَذِرُ فَصْلٌ وَمِمَّا يُدَاوَى بِهِ الْبَاطِنُ تَصْوِيرُ فَقْدِ الْمَحْبُوبِ إِمَّا بِمَوْتِهِ أَوْ بِفُرَاقٍ يَحْدُثُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ أَوْ بِنَوْعِ مَلَلٍ أَوْ بِتَغَيُّرِ حِلْيَتِهِ فَيَزُولُ مَا أَوْجَبَ الْمِحَنَ الزَّائِدَةَ عَلَى الْحَدِّ الَّتِي خَسِرَ بِهَا الْمُحِبُّ جَاهَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَكَمْ مِمَّنْ مَاتَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَقَدْ حَكَى أَنَّ بَعْضَ الْحُكَمَاءِ قَالَ لِغُلامٍ لَهُ وَكَانَ قَدْ عَشِقَ جَارِيَةً يَا فُلانُ لَا بُدَّ مِنْ فِرَاقِ هَذِهِ قَالَ لَا بُدَّ قَالَ فَاسْتَعْجِلْهُ وَارْبَحْ مَا بَيْنَهُمَا

стр. 659

وَقَالَ كُثَيِّرٌ أَفِقْ قَدْ أَفَاقَ الْعَاشِقُونَ وَفَارَقُوا الْهَوَى وَاسْتَمَرَّتْ بِالرِّجَالِ الْمَرَائِرُ وَهَبْهَا كَشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ أَوْ كَنَازِحٍ ... بِهِ الدَّارُ أَوْ مَنْ غَيَّبَتْهُ الْمَقَابِرُ وَمَتَى صَوَّرَ الإِنْسَانُ مِثْلَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ وَتَلَمَّحَ عَوَاقِبَهَا بِفِكْرِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ عِلاجُ مَا فِي قَلْبِهِ وَمَتَى مَرَّ عَلَى وَجْهِهِ فِي اسْتِلْذَاذِ عِشْقِهِ هَجَمَ عَلَيْهِ مِنَ الْمِحَنِ مَا يُرْبِي عَلَى لَذَّتِهِ وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبُ هَلَكَتِهِ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الأَعْرَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَمْرُوسَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ دَخَلَ يَوْمًا بَعْدَ مَوْتِ حُبَابَةَ وَكَانَ لَهَا عَاشِقًا إِلَى خَزَانَتِهَا وَمَقَاصِيرِهَا فَطَافَ بِهَا وَمَعَهُ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيهَا فَتَمَثَّلَتِ الْجَارِيَةُ كَفَى حُزْنًا بِالْوَالِهِ الصَّبّ أَنْ يَرَى ... مَنَازِلَ مَنْ يَهْوَى مُعَطَّلَةً قَفْرَا فَصَاحَ صَيْحَةً وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَلَمْ يَفِقْ إِلَى أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ هُوَيٌّ فَلَمْ يَزَلْ بَاقِي لَيْلَتِهِ بَاكِيًا فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي وَقَدِ انْفَرَدَ فِي بَيْتٍ يَبْكِي عَلَيْهَا جَاءُوا إِلَيْهِ فَوَجَدُوهُ مَيِّتًا أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَ أَبُو عَليّ ابْن شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بن بكار قَالَ حَدثنِي هرون بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بَيَّنَّا هُوَ مَعَ حُبَابَةَ أَسَرَّ النَّاسَ بِهَا حَذَفَهَا بِحَبَّةِ رُمَّانٍ أَوْ بِعِنَبَةٍ وَهِيَ تَضْحَكُ فَوَقَعَتْ فِي فِيهَا فَشَرِقَتْ فَمَاتَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ فِي الْبَيْتِ حَتَّى جَيَّفَتْ أَوْ كَادَتْ تُجَيِّفَ ثُمَّ خَرَجَ فَدَفَنَهَا فَأَقَامَ أَيَّامًا ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى قَبْرِهَا فَقَالَ فَإِنْ تَسْلُ عَنْكِ النَّفْسُ أَوْ تَدَعِ الصِّبَا ... فَبِالْيَأْسِ تَسْلُو عَنْكِ لَا بِالتَّجَلُدِ ثُمَّ رَجَعَ فَمَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى خُرِجَ بِنَعْشِهِ

стр. 660

أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ التَّوْزِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْخَطَّابِ الأَزْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ سَلَمَةَ الْقَاضِي عَنْ أَبِي شُرَاعَةَ حُمَيْدِ بْنِ هَارُونَ الْكِنْدِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَسْقُوطَ الْكِنْدِيُّ قَالَ مَاتَتْ حُبَابَةُ فَأَحْزَنَتْ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَخَرَجَ فِي جَِنَازَتِهَا فَلَمْ تُقِلَّهُ رِجْلاهُ فَأَقَامَ وَأَمَرَ مَسْلَمَةَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ بَعْدَهَا إِلا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ الْقُمِّيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَكِيمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَمُوتُ بْنُ الْمُزَرَّعِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هِفَّانَ قَالَ كَانَ لأَبِي دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ جَارِيَةٌ تُسَمَّى جَنَانُ وَكَانَ يَعْشَقُهَا وَكَانَ لَفَرْطِ فُتُونِهِ وَظُرْفِهِ يُسَمِّيهَا صَدِيقَتِي فَمِنْ قَوْلِهِ فِيهَا أُحِبُّكِ يَا جَنَانُ وَأَنْتِ مِنِّي ... مَكَانَ الرُّوحِ مِنْ جَسَدِ الْجَبَانِ وَلَوْ أَنِّي أَقُولُ مَكَانَ رَوحِي ... خَشِيتُ عَلَيْكِ بَادِرَةَ الزَّمَانِ وَإِقْدَامِي إِذَا مَا الْخَيْلُ كَرَّتِ ... وَهَابَ كُمَاتُهَا حَرَّ الطِّعَانِ قَالَ أَبُو هَفَّانَ ثُمَّ مَاتَتْ فَرَثَّاهَا بِمِرَاثٍ حِسَانٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ ابْن عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن عِيسَى الْمَكِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ جَلادٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ قَالَ كَانَ الرَّشِيدُ شَدِيدُ الْحُبِّ لَهَيْلانَةَ وَكَانَتْ قَبْلَهُ لِيَحْيَى بْنِ خَالِدٍ فَدَخَلَ يَوْمًا إِلَى يَحْيَى قَبْلَ الْخِلافَةَ فَلَقِيَتْهُ فِي مَمَرٍّ فَأَخَذَتْ بِكُمِّهِ فَقَالَتْ نَحْنُ لَا يُصِيبُنَا مِنْكَ

стр. 661

يَوْمٌ فَقَالَ لَهَا بَلَى فَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَتْ تَأْخُذُنِي مِنْ هَذَا الشَّيْخِ فَقَالَ لَيَحْيَى أُحِبُّ أَنْ تَهِبَ لِي فُلانَةً فَوَهَبَهَا لَهُ حَتَّى غَلَبَتْ عَلَيْهِ وَكَانَتْ تُكْثِرُ أَنْ تَقُولَ هِيَ الآنَةَ فَسَمَّاهَا هَيْلانَةُ فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ ثَلاثَ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَتْ فَوَجَدَ عَلَيْهَا وِجْدًا شَدِيدًا وَأَنْشَدَ قَدْ قُلْتُ لَمَّا ضَمَّنُوكِ الثَّرَى ... وَجَالَتِ الْحَسْرَةُ فِي صَدْرِي اذْهَبُ فَوَاللَّهِ مَا سَرَّنِي ... بَعْدَكِ شَيْءٌ آخِرَ الدَّهْرِ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَسْكَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الصُّولِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَتْ هَيْلانَةُ جَارِيَةُ الرَّشِيدِ أَمَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ الأَحْنَفِ أَنْ يُرَثِّيهَا فَقَالَ يَا مَنْ تَبَاشَرَتِ الْقُلُوبُ بِمَوْتِهَا ... قَصَدَ الزَّمَانُ مُسَاءَتِي فَرَمَاكِ أَبْغِي الأَنِيسَ فَلا أَرَى لِي مُؤْنِسًا ... إِلا التَّرَدُّدَ حَيْثُ كُنْتُ أَرَاكِ مَلِكٌ بَكَاكِ وَطَالَ بَعْدَكِ حُزْنُهُ ... لَوْ يَسْتَطِيعُ بِمُلْكِهِ لَفَدَاكِ يَحْمِي الْفُؤَادَ عَنِ النِّسَاءِ حَفِيظَةً ... كَيْلا يَحُلَّ حِمَى الْفُؤَادِ سِوَاكِ فَأَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ بَيْتٍ عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَوْ زِدْتَنَا لَزِدْنَاكَ فَصْلٌ وَمِنَ أَدْوِيَةِ الْبَاطِنِ أَنْ يُصَوِّرَ الإِنْسَانُ انْقِضَاءَ غَرَضِهِ أَوْ يَمْثُلَ غَيْرُهُ فِي مَقَامِهِ ثُمَّ يَتَلَمَّحُ عَوَاقِبَ الْحَالِ أَفَتَرَى يُوسُفَ ﵇ لَوْ زَلَّ مَنْ كَانَ يَكُونُ أَوْ لَمْ يَبْقَ مَدْحُهُ لِصَبْرِهِ أَبَدَ الدَّهْرِ أَفَتَرَى مَا سَمِعْتَ بِمَا عَزَّ وَلا شَكَّ أَنَّهُ فِي الْقِيمَةِ مَعْرُوفٌ وَإِنْ كَانَتِ التَّوْبَةُ قَدْ غَمَرَتْ ذَنْبَهُ

стр. 662

وَلَكِنْ تَلَمَّحْ أَنْتَ عَوَاقِبَ مَنْ صَبَرَ وَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ وَأَعْمِلْ فِكْرَكَ فِي الْحَالَتَيْنِ لَعَلَّ هَذِهِ الْعِبْرَةِ تَخْرِقُ حِجَابَ الْهَوَى فَتَدْخُلَ عَلَى الْقَلْبِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَتَكْشِفَ هَذِهِ الْغُمَّةَ فَالْعَاقِلُ مَنْ وَزَنَ مَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ الْعِشْقُ مِنْ لَذَّة ونغصة فنغصه كَثِيرَة وَأَذَاهُ شَدِيدٌ وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ يَهِينُ النَّفْسَ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا وَغَالِبُ لَذَّاتِهِ مُحَرَّمٌ ثُمَّ هِيَ مَشُوبَةٌ بِالْغُمُومِ وَالْهُمُومِ وَخَوْفِ الْفِرَاقِ وَفَضِيحَةِ الدُّنْيَا وَحَسَرَاتِ الآخِرَةِ فَيَعْلَمَ الْمُوَازِنُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ أَنَّ اللَّذَّةَ مَغْمُورَةٌ فِي جَنْبِ الأَذَى قَالَ الْبَبَّغَاءُ وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ سَبَبًا ... حَتَّى يُمَيِّزَ مَا تَجْنِي عَوَاقِبُهُ وَقَالَ الْمُتَنَبِّي مِمَّا أَضَرَّ بِأَهْلِ الْعِشْقِ أَنَّهُمُ ... هَوُوا وَمَا عَرَفُوا الدُّنْيَا وَلا فَطِنُوا تَفْنَى عُيُونُهُمُ دَمْعًا وَأَنْفُسُهُمْ ... فِي إِثْرِ كُلِّ قَبِيحٍ وَجْهُهُ حَسَنُ تَحَمَّلُوا حَمْلَتَكُمْ كُلُّ نَاجِيَةٍ ... فَكُلُّ بَيْنٍ عَلِيَّ الْيَوْمَ مُؤْتَمِنُ مَا فِي هَوَادِجِكُمْ مِنْ مُهْجَتِي عِوَضٌ ... إِنْ مِتُّ شَوْقًا وَلا فِيهَا لَهَا ثَمَنُ سَهِرْتُ بَعْدَ رَحِيلِي وَحْشَةً لَكُمْ ... ثُمَّ اسْتَمَرَّ مَرِيرِي وَارْعَوَى الْوَسَنُ فَصْلٌ وَمِنْ أَدْوِيَةِ الْبَاطِنِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الابْتِلاءَ لِظُهُورِ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ فَرُبَّمَا كَانَ ابْتِلاؤُكَ لِيَنْظُرَ إِلَى صَبْرِكَ فَإِنَّ صَبَرْتَ فَرُبَّمَا نَقَلَكَ إِلَى مَحَبَّتِهِ

стр. 663

قَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ قَالَ مُرِيدٌ لأُسْتَاذِهِ قَدْ طُولِعْتُ بِشَيْءٍ من الْمحبَّة قَالَت يَا بُنَيَّ هَلِ ابْتَلاكَ بِمَحْبُوبٍ سِوَاهُ فَآثَرْتُهُ عَلَيْهِ قَالَ لَا قَالَ فَلا تَطْمَعُ فِي الْمَحَبَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْطِيهَا عَبْدًا حَتَّى يَبْتَلِيَهُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ التَّمْكِينُ إِلا بَعْدَ الْمَحَبَّةِ فَإِذَا امْتُحِنَ الإِنَسْانُ فَصَبَرَ مُكِّنَ أَلا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ مَكَّنَهُ وَامْتَحَنَ أَيُّوبَ ثُمَّ مَكَّنَ لَهُ فَقَالَ ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهله وَمثلهمْ مَعَهم﴾ وَامْتَحَنَ سُلَيْمَانَ ثُمَّ آتَاهُ مُلْكًا وَكَذَلِكَ يُوسُفَ ﵇ قُلْتُ فَمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا فَلْيَعْلَمَ أَنَّ مُدَّةَ هَذَا الْبَلاءِ خُطُوَاتٍ فِي مَيْدَانِ مُعَامَلَةٍ وَيَا قُرْبَ النِّهَايَةِ فَلْيُصَابِرْ هَجِيرَ الصَّبْرِ فَمَا أَسْرَعَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ وَلْيَحْذَرْ مِنَ الْخُسْرَانِ فِي مَوْسِمِ الْبَلاءِ فَرُبَّمَا ذَهَبَ أَصْلُ الْبِضَاعَةِ وَلْيَتَخَايَلْ عِنْدَ صَبْرِهِ خُيْلاءَ فَخْرِهِ فَلْيَزْهُ بِهَا فَمَا يُوَازِنُ صَبْرَهُ عَمَلُ عَابِدٍ وَلا زُهْدِ زَاهِدٍ وَرُبَّمَا نَظَرَ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ نَظْرَةَ رِضًا كَانَتْ غِنَى الأَبَدِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّدْمَةِ الأُولَى فَإِنَّهُ رُبَّمَا وَقَعَ مَلَلٌ أَوْ سَلُوٍّ فَصْلٌ وَمِنَ أَدْوِيَةِ الْبَاطِنِ أَنْ يَتَفَكَّرَ الإِنْسَانُ فِيمَا يَفُوتُهُ تَشَاغُلُهُ بِالْمَعْشُوقِ مِنَ الْفَضَائِلِ فَإِنَّ أَرْبَابَ الْيَقَظَةِ عِشْقُهُمْ لِلْفَضَائِلِ مِنَ الْعُلُومِ والفقة وَالصِّيَانَةِ وَالْكَرَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخِلالِ الْمَمْدُوحَةِ أَوْفَى مِنْ مَيْلِهِمْ إِلَى شَهَوَاتِ الْحِسِّ لأَنَّ شَهَوَاتِ الْحِسِّ حَظُّ النَّفْسِ وَتِلْكَ الْخِلالُ حَظُّ الْعَقْلِ وَالنَّفْسُ النَّاطِقَةُ الْفَاضِلَةُ إِلَى مَا يُؤْثِرُهُ الْعَقْلُ أَمْيَلُ وَإِنْ جَرَّهَا الطَّبْعُ إِلَى الشَّهَوَاتِ الْحِسِّيَاتِ وَمِنْ أَعْجَبِ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلاءِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ حَدَّثْتُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ مَضَى يَوْمًا فِي النَّخَّاسِينَ وَجَارِيَةٌ

стр. 664

تُعْرَضُ حَسَنَةٌ كَامِلَةُ الْوَصْفِ قَالَ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِي ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى دَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّاضِي فَقَالَ لِي أَيْنَ كُنْتَ إِلَى السَّاعَةَ فَعَرَّفْتُهُ فَأَمَرَ بَعْضَ أَسْبَابِهِ فَمَضَى فَاشْتَرَاهَا وَحَمَلَهَا إِلَى مَنْزِلِي فَجِئْتُ فَوَجَدْتُهَا فَعَلِمْتُ الأَمْرَ كَيْفَ جَرَى فَقُلْتُ لَهَا كُونِي فَوْقَ إِلَى أَنْ أَسْتَبْرِئُكِ وَكُنْتُ أَطْلُبُ مَسْأَلَةً قَدِ اخْتَلَّتْ عَلَيَّ فَاشْتَغَلَ قَلْبِي فَقُلْتُ لِلْخَادِمِ خُذْهَا وَامْضِ بِهَا إِلَى النَّخَّاسِ فَلَيْسَ قَدْرُهَا أَنْ تَشْغَلَ قَلْبِي عَنْ عِلْمِي فَأَخَذَهَا الْغُلامُ فَقَالَتْ دَعْنِي أُكَلِّمُهُ بِحَرْفَيْنِ فَقَالَتْ أَنْتَ رَجُلٌ لَكَ مَحل وعقل وغذا أَخْرَجْتَنِي وَلَمْ تُبَيِّنْ لِي ذَنْبِي لَمْ آمُنْ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ بِي ظَنًّا قَبِيحًا فَعَرِّفْنِيهِ قَبْلَ أَن تخرجني فَقلت لَهَا مَالك عِنْدِي عَيْبٌ غَيْرَ أَنَّكَ شَغَلْتِنِي عَنْ عِلْمِي فَقَالَتْ هَذَا أَسْهَلُ عِنْدِي قَالَ فَبَلَغَ الرَّاضِي أَمْرَهُ فَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ فِي قَلْبِ أَحَدٍ أَحْلَى مِنْهُ فِي صَدْرِ هَذَا الرَّجُلِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَدَّثَنِي عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْعَرُوضِيُّ قَالَ اجْتَمَعْتُ أَنَا وَهُوَ عِنْدَ الرَّاضِي عَلَى الطَّعَامِ وَكَانَ قَدْ غَرَفَ الطَّبَّاخُ مَا يَأْكُلُ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ يَشْوِي لَهُ قَلِيَّةً يَابِسَةً فَأَكَلْنَا نَحْنُ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ وَأَطَيَابِهِ وَهُوَ يُعَالِجُ تِلْكَ الْقَلِيَّةَ ثُمَّ فَرَغْنَا وَأُتِينَا بِحَلْوَاءَ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا وَقَامَ وَقُمْنَا إِلَى الْخَيْشِ فَنَامَ بَيْنَ الْخَيْشَيْنِ وَنِمْنَا نَحْنُ فِي خَيْشٍ نُنَافِسُ فِيهِ فَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً إِلَى الْعَصْرِ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ قَالَ لِغُلامٍ الْوَظِيفَةُ فَجَاءَهُ بِمَاءٍ مِنَ الْحُبِّ وَتَرَكَ الْمَاءَ الْمُزَمَّلَ بِالثَّلْجِ فغاظني أمره فَصحت نصحية فَأَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِحْضَارِي وَقَالَ مَا نَصِيحَتُكَ فَأَخْبَرْتُهُ وَقُلْتُ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَحْتَاجُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَدْبِيرِ نَفْسِهِ لأَنَّهُ يَقْتُلُهَا وَلا يُحْسِنُ عِشْرَتَهَا فَضَحِكَ وَقَالَ فِي هَذَا لَذَّةٌ وَقَدْ صَارَ إِلْفًا فَلَنْ يَضُرَّهُ ثُمَّ قُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ

стр. 665

لِمَ تَفْعَلُ هَذَا بِنَفْسِكَ قَالَ أُبْقِي عَلَى حِفْظِي قُلْتُ لَهُ قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي حِفْظِكَ فَكَمْ قَالَ أَحْفَظُ ثَلاثَةَ عَشَرَ صُنْدُوقًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَلَمَّا وَقَعَ فِي عِلَّةِ الْمَوْتِ أَكَلَ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ يَشْتَهِي وَقَالَ هِيَ عِلَّةُ الْمَوْتِ قُلْتُ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَنْطِقِيُّ غَيْرِي يَشُوقُ فُؤَادَهُ حَدَقُ الْمَهَا ... وَيَرُوقُهُ رَوْضُ الْخُدُودِ بِوَرْدِهِ وَإِذَا تَثَنَّى خَوْطَ بَانٍ لَمْ أَكُنْ ... مِمَّنْ يَقُدُّ حَشَاهُ مُرْهَفُ قَدِّهِ لَا أَنَّ طَبْعِي مَسَّهُ طَبْعٌ وَلا ... أَنِّي صَفًا يَنْبُو الْهَوَى عَنْ صَلْدِهِ لَكِنَّ كُنْهِي لِلْمَسَاعِي عَاقَنِي ... عَنْ عَسْفِ قَلْبِي فِي الْحِسَانِ وَكَدِّهِ وَإِذَا ابْنُ عَزْمٍ لَمْ يَقُمْ مُتَجَرِّدًا ... لِلْحَادِثَاتِ فَصَارِمٌ فِي غِمْدِهِ وَالسَّيْفُ سُمِّيَ فِي النَّوَائِبِ عُدَّةً ... لِمَضَائِهِ فِيهِنَّ لَا لِفَرَنْدِهِ فَصْلٌ وَمِنْ أَدْوِيَةِ الْبَاطِنِ أُنْفَةُ النَّفْسِ الأَبِيَّةِ أَن تكون مقهورة فَإِن الْعَاقِل ذَلِيلٌ مَقْهُورٌ وَكُلُّ مُوَافِقٍ لِلْهَوَى يَقَعُ عَلَيْهِ قَتْرَةً سَبَبُهَا أَنَّهُ قُهِرَ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ الافْتِخَارِ بِالْعَفَافِ مِنْ هَذَا طَرَفًا فَلْيُطَالَعُ مِنْ هُنَاكَ فَصْلٌ وَمِنْ أَعْظَمِ أَدْوِيَةِ الْبَاطِنِ إِعْمَالُ الْفِكْرِ فِي قُبْحِ هَذِهِ الْحَالِ وَالإِصْغَاءِ إِلَى سَمَاعِ الْعِظَةِ مِنْ وَاعِظِ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ قَلْبِهِ وَاعِظٌ لَمْ تَنْفُعْهُ الْمَوَاعِظُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَسْمَعُ مَوْعِظَةً فَيَرْعَوِي وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى غَيْرَهُ فَيَنْتَهِي وَمَنِهُمْ مَنْ

стр. 666

يَرَى طَاقَةَ شَيْبٍ فَيَنْزَعُ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَابًا فِيمَنْ ذَكَرَ رَبَّهُ فَتَرَكَ ذَنْبَهُ فَلْيُطَالَعُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَبَّهُ بِمَنَامٍ فَيَنْتَبِهَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو حَنِيفَةَ الْمُؤَدِّبُ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عِسْلُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ حَدَّثَنَا زِيَادٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ شَفِيقٍ قَالَ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ الْغَنَوِيُّ قُلْتُ لأَبِي الْعَتَاهِيَةِ مَا الَّذِي صَرَفَكَ عَنْ قَوْلِ الْغَزَلِ إِلَى قَوْلِ الزُّهْدِ قَالَ إِذَنْ وَاللَّهِ أُخْبِرُكَ إِنِّي لَمَّا قُلْتُ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَوْلاتِي ... أَهْدَتْ لِيَ الصُّدُودَ وَالْمَلالاتِ مَنَحْتُهَا مُهْجَتِي وَخَالِصَتِي ... فَكَانَ هُجْرَانُهَا مُكَافَاتِي هَيَّمَنِي حُبُّهَا وَصَيَّرَنِي ... أُحْدُوثَةً فِي جَمِيعِ جَارَاتِي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَأَنَّ آتِيًا أَتَانِي فَقَالَ مَا أَصَبْتَ أَحَدًا تُدْخِلُهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عُتْبَةَ يَحْكُمُ لَكَ عَلَيْهَا بِالْمَعْصِيَةِ إِلا اللَّهَ تَعَالَى فَانْتَبَهْتُ مَذْعُورًا وَتُبْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ سَاعَتِي مِنْ قَوْلِ الْغَزَلِ فَصْلٌ فَإِن قَالَ قَائِلٌ فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ صَبَرَ عَنْ حَبِيبِهِ وَبَالَغَ فِي اسْتِعْمَالِ الصَّبْرِ غَيْرَ أَنَّ خَيَالَ الْحَبِيبِ فِي الْقَلْبِ لَا يَزُولُ وَوَسْوَاسَ النَّفْسِ بِهِ لَا يَنْقَطِعُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِذَا كَفَفْتَ جَوَارِحَكَ فَقَدْ قَطَعْتَ مَوَادِّ الْمَاءِ الْجَارِي وَسَيَنْضُبُ مَا حَصَلَ فِي الْوَادِي مَعَ الزَّمَانِ خُصُوصًا إِنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ صَيْفِ الْخَوْفِ وَمَرَّتْ بِهِ سُمُومُ الْمُرَاقَبَةِ لِمَنْ يَرَى الْبَاطِنَ فَمَا أَعْجَلَ ذِهَابَهُ

стр. 667

ثُمَّ اسْتَغِثْ بِمَنْ صَبَرْتَ لأَجْلِهِ وَقُلْ إِلَهِي فَعَلْتُ مَا أَطَقْتُ فاحفظ لي مَالا طَاقَةَ لِي بِحِفْظِهِ أَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبُسْرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ النَّقَّاشَ يَقُولُ سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ يَقُولُ الإِنْسَانُ لَا يُعَابُ بِمَا فِي طَبْعِهِ إِنَّمَا يُعَابُ إِذَا فَعَلَ بِمَا فِي طَبْعِهِ

стр. 668

الْبَابُ الْخَمْسُونَ فِيهِ وَصَايَا وَمَوَاعِظُ وَزَوَاجِرُ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ ابْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ أَيْنَ الْوُضَاةُ الْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمْ أَيْنَ الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ بَنُوا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحِيطَانِ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُعْطَوْنَ الْغَلَبَةَ فِي مَوَاطِنِ الْحَرْبِ قَدْ تَضَعْضَعَ بهُمُ الدَّهْرُ فَأَصْبَحُوا فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ الْوَحَا الْوَحَا النَّجَا النَّجَا قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ حُجَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّكُمْ فِي مَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ وَأَعْمَالٍ مَحْفُوظَةٍ وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً فَمَنْ زَرَعَ خَيْرًا فَيُوشِكُ أَنْ يَحْصُدَ رَغْبَةً وَمَنْ زَرَعَ شَرًّا فَيُوشِكُ أَنْ يَحْصُدَ نَدَامَةً وَلِكُلِّ زَارِعٍ مَا زَرَعَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ بُرَيْهٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا التَّيْمِيِّ قَالَ بَيَّنَّا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذْ أَتَى بِحَجَرٍ مَنْقُورٍ فَطَلَبَ مَنْ يَقْرَأُهُ فَأَتَى بِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ ابْنُ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ قُرْبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِكَ لَزَهَدْتَ فِي طَوِيلِ أَمَلِكَ وَلَرَغَبْتَ فِي الزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِكَ

стр. 669

وَلَقَصَّرْتَ مِنْ حِرْصِكَ وَحِيَلِكَ وَإِنَّمَا يَلْقَاكَ نَدَمُكَ لَوْ قَدْ زُلَّتْ بِكَ قَدَمُكَ وَأَسْلَمَكَ أَهْلُكَ وَحَشَمُكَ فَبَانَ مِنْكَ الْوَالِدُ وَالْقَرِيبُ وَرَفَضَكَ الْوَلَدُ وَالنَّسِيبُ فَلا أَنْتَ إِلَى دُنْيَاكَ عَائِدٌ وَلا فِي حَسَنَاتِكَ زَائِدٌ فَاعْمَلْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ قَبْلَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْحَمَّامِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرِيرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ كَتَبَ الأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَخٍ لَهُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ أُحِيطَ بِكَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسَارُ بِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَاحْذَرِ اللَّهَ وَالْقِيَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِكَ بِهِ وَالسَّلامُ أَخْبَرَنَا الْمُحَمَّدَانِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وابْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُعَدِّلُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلا كَتَبَ إِلَى دَاوُدَ الطَّائِي أَنْ عِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَاجْعَلِ الدُّنْيَا كَيَوْمٍ صُمْتَهُ عَنْ شَهْوَتِكَ وَاجْعَلْ فِطْرَكَ الْمَوْتَ فَكَأَنْ قَدْ وَالسَّلامُ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِدْنِي فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَارْضَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ مَعَ سَلامَةِ دِينِكَ كَمَا رَضِيَ أَقْوَامٌ بِالْكَثِيرِ مَعَ ذَهَابِ دِينِهِمْ وَالسَّلامُ

стр. 670

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْبَرْمَكِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سَلَمٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ السُّنِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْبَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ إِنَّهُ لَيْسَتْ عُقُوبَتِي لِمَنْ عَرَفَنِي وَاجْتَرَأَ عَلَيَّ كَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبِْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد ابْن حَاتِمٍ التِّرْمِذِيَّ يَقُولُ رَأْسُ مَالِكَ قَلْبُكَ وَوَقْتُكَ وَقَدْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ بِهَوَاجِسِ الظُّنُونِ وَضَيَّعْتَ أَوْقَاتَكَ بِارْتِكَابِ مَالا يَعْنِيكَ فَمَتَى يَرْبَحُ مَنْ خَسِرَ رَأْسَ مَالِهِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ وَالْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْحَمَامِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُلْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ بَشَّارٍ يَقُولُ مَرَرْتُ أَنا وَأَبُو يُوسُف الفسولي فِي طَرِيقِ الشَّامِ فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا يُوسُفَ عِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ أَحْفَظُهَا عَنْكَ قَالَ فَبَكَى ثُمَّ قَالَ اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَمَرَّهُمَا يُسْرِعَانِ فِي هَدْمِ بِدَنِكَ وَفَنَاءِ عُمْرِكَ وَانْقِضَاءِ أَجَلِكَ فَيَنْبَغِي لَكَ يَا أخي أَن لاتطمئن حَتَّى تَعْلَمَ أَيْنَ مُسْتَقَّرُكَ وَمَصِيرُكَ وَسَاخِطٌ رَبُّكَ عَلَيْكَ بِمَعْصِيَتِكَ وَغَفْلَتِكَ أَوْ رَاضٍ عَنْكَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ ابْنُ آدَمَ الضَّعِيفُ
следующие страницы →