← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6878

نشر طي التعريف في فضل حملة العلم الشريف والرد على ماقتهم السخيف

الوصابي

Полный текст (224 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

) وَقَالَ تَعَالَى فِيهِ أَيْضا ﴿وشددنا ملكه وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ كَانَ دَاوُد ﵇ أَشد مُلُوك الأَرْض سُلْطَانا وَكَانَ يحرس محرابه كل لَيْلَة سِتَّة وَثَلَاثُونَ ألف رجل مَعَ مَا سخر الله لَهُ من الْجبَال وَالطير وَالسِّبَاع وألان لَهُ الْحَدِيد وَكَيف يُقَال المَال منقصة للدّين وَقد وعد الله بِهِ على طَاعَته عباده الْمُتَّقِينَ وَشَرطه شرطا لَازِما رغب بِهِ التائبين والمستغفرين فَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْمُبين على أَلْسِنَة الْمُرْسلين ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين﴾ ﴿وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم وَلَا تَتَوَلَّوْا مجرمين﴾ ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾

стр. 107

﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾ فَجعل الله سُبْحَانَهُ جَزَاء الإستغفار وَالتَّقوى الْإِمْدَاد بالأموال فِي الدُّنْيَا ثمَّ قَالَ وَهُوَ أصدق الْقَائِلين ﴿ولأجر الْآخِرَة خير للَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ ﷺ (من لزم الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل ضيق مخرجا وَمن كل هم فرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَأَبُو نعيم فِي حليته وَغَيرهم فَجعل اسْتِغْفَار الله شرطا لحُصُول رزق الله وَقد أخبر سُبْحَانَهُ عَن اليتيمين الْمَذْكُورين فِي سُورَة الْكَهْف أَن أباهما كَانَ صَالحا وَقد ورث لَهما كنزا فحفظه الله لَهما بصلاح أَبِيهِمَا حَتَّى يبلغَا أشدهما ويستخرجا كنزهما رَحْمَة من رَبك فَالْأَصْل هُوَ تقوى الله وَلَا يضر مَعهَا الْكثير وَلَا يشين صَاحبهَا حسد كَبِير وَلَا صَغِير فيا خَادِم سنة البشير النذير وَيَا حَامِل الشَّرْع الشريف

стр. 108

الخطير لقد سعدت فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ونلت الشّرف الْكَبِير وسيلحق حاسدك النَّدَم والتدمير وَلَا ينبيك مثل خَبِير فَنَادِ بصوتك الجهير وَلَا تبال بوزير وَلَا أَمِير (وَقل للحاسدين أَلا أفيقوا ... وَإِن أعْطى الْإِلَه فَلَا تضيقوا) (فَذَلِك زينكم بَين البرايا ... وَمن يحْسد سيلقاه الْمضيق) (فَإِن الله عدل ذُو اقتدار ... ومكر الله لَيْسَ لَهُ مطيق) (فموعدنا من الرَّحْمَن نصر ... وقاصد ضرنا عرق سحيق) (خدمنا شَرعه نرجو رِضَاهُ ... وَأحمد ذخرنا نعم الشفيق) (عواقب من أطَاع الله فوز ... وعقبى من بغى هول عميق) (وعار ثمَّ خزي ثمَّ ذل ... وَفِي الْأُخْرَى لَهُ فِيهَا حريق) (وخدام الرَّسُول لَهُم فتوح ... وَنصر الله ركنهم الوثيق)

стр. 109

(مخالفهم يذل وهم يعزوا ... وحاسدهم يهون وهم يفيقوا) (وخدام الْمُلُوك لَهُم فنَاء ... وذم ثمَّ نَار ثمَّ ضيق) (فيا من رام يهضم حزب رَبِّي ... تهَيَّأ للبلاء وَلَا تطِيق) (فجرب سَوف تذكر لي كَلَامي ... وتذكر حِين تأخذك الْحُقُوق) (فحاشا الله أَن يخشوا سواهُ ... وَمَا قدمت أَنْت لَهُ تذوق) (إِذا أنس الفخور بِحسن زِيّ ... وَأبْدى سَيْفه وَله بريق) (فَإنَّا آنسون بِمن خدمنا ... بِسنة أَحْمد نعم الطَّرِيق) (خدمناها ونخدم من رَوَاهَا ... وخادمها لَهُ عز وثيق) (إِذا افتخر الظلوم بعز حصن ... وجند كل فعلهم عقوق)

стр. 110

(فمفخرنا بأشياخ كرام ... من الْعلمَاء لَيْسَ بهم فسوق) (ونفخر بِالنَّبِيِّ رَسُول رَبِّي ... وسنته الَّتِي سنّ الصدوق) (رويناها عَن الأخيار قوم ... فريق الْحق يَا نعم الْفَرِيق) (وَفِي صحب النَّبِي لنا افتخار ... هداة الْخلق إِن ظَهرت فتوق) (ومفخرنا ابْن أَشْعَث وَالْبُخَارِيّ ... وَمُسلم وَابْن سُورَة يَا شَقِيق) (وَمَالك وَابْن حَنْبَل المزكى ... ونعمان وسُفْيَان الرفيق) (ونفخر فِي مَشَايِخنَا إِلَيْهِم ... فيالك سادة فيهم وثوق) (ومفخرنا ابْن إِدْرِيس إِمَام ... قريشي لَهُ نسب عريق) (وَفِي أَصْحَابه أنس وفخر ... وَإِن بجاههم ينجو الغريق)

стр. 111

(أَئِمَّتنَا وسادتنا جَمِيعًا ... وكل بالثنا قمن حقيق) (أَبُو إِسْحَاق شيخ الْفِقْه حَقًا ... ومحيي الدّين عدَّة من يضيق) (ولاتنسى الْجُوَيْنِيّ وَالْغَزالِيّ ... لَهُم فِي كل مكرمَة طَرِيق) (وَيحيى نسل عمرَان الْيَمَانِيّ ... بِمَا أنشا بذا الْمَعْنى الدَّقِيق) (فَأهل الْعلم أَحيَاء وموتى ... لنا نسب وَكلهمْ صديق) (بحب الْعلم وَالْعُلَمَاء نعلو ... على رغم الحسود ونستفيق) (فَقل للحاسدين أَلا أفيقوا ... وطولوا واقصروا فغدا تذوقوا) (وبال فعالكم من كل بُد ... ومكركم بِأَنْفُسِكُمْ يَحِيق)

стр. 112

فصل وَاعْلَم أَنه لاطاعة إِلَّا لله سُبْحَانَهُ وَلِرَسُولِهِ ﷺ فَيجب على كل أحد وضع الْأَشْيَاء على موَاضعهَا الَّتِى وَضعهَا الله وَأمر بهَا رَسُوله ﷺ من إعزاز من أعزه الله وإهانة من أهانه الله وَمن خَالف ذَلِك فقد أَسَاءَ وظلم وتعدى حُدُود الله وهتك وَالْحرم ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَقد أعز الله سُبْحَانَهُ الْعلم وَأَهله وَشرف حامله وَأَبَان فَضله فَلَيْسَ يُوجد فِي الدُّنْيَا أشرف مِنْهُ خلة وَلَا أكْرم مِنْهُ نحلة وَلم يزل صَاحبه مُعظما فِي كل مِلَّة وَفِي زمن الْجَاهِلِيَّة وَالزَّمَان قبله قَالَ الشَّافِعِي ﵀ سَمِعت

стр. 113

سُفْيَان بن عُيَيْنَة ﵁ يَقُول لم يُعْط أحد فِي الدُّنْيَا شَيْئا أعظم من النُّبُوَّة وَلم يُعْط بعد النُّبُوَّة أفضل من الْعلم وَالْفِقْه فَيَنْبَغِي للْعَالم أَن لَا يضع نَفسه فِي مَوضِع هوان وَلَا يذلها لأهل الْجَهْل والعدوان بل ينزه نَفسه أَولا عَمَّا ينقص الْمُرُوءَة وَيذْهب الفتوة ثمَّ يصونها ثَانِيًا عَن الأدناس ومخالطة الفسقة والأنجاس ثمَّ يحملهَا ثَالِثا على الْهَيْئَة الْعلية وَالْأَفْعَال المرضية ويجملها رَابِعا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار فِي الحضرة والأسفار وإطراق الرَّأْس وَضبط الْحَواس وتحسين الزي واللباس والهيبة الْحَسَنَة عِنْد النَّاس فقد كَانَ أَوَائِل هَذِه الْأمة لَيْسَ لَهُم فِي طلب الزي همة إِذْ كَانُوا قد رسخ الْإِسْلَام فِي قُلُوبهم فَكَانَ الْعلم وَالدّين غَايَة مطلوبهم فزهدوا فِي الدُّنْيَا بالكثير واكتفوا من حطامها باليسير لما وَقع فِي قُلُوبهم من الْجد والتشمير ثمَّ لما حدثت الفترة بعده فِي الطالبين ندب الشَّرْع إِلَى إِقَامَة صُورَة الإئمة المتصدرين وَالْعُلَمَاء والمدرسين والقضاة والمفتين على خلاف مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه ﵃ أَجْمَعِينَ وَسبب ذَلِك أَن الْمَقَاصِد والمصالح الشَّرْعِيَّة وقمع

стр. 114

الْمَفَاسِد والشبه البدعية لَا تحصل إِلَّا بعظمة الْقَائِم بذلك فِي نفوس النَّاس وَكَانُوا فِي زمن الصَّحَابَة ﵃ مُعظم تعظيمهم إِنَّمَا هُوَ الدّين وسابق الْهِجْرَة فَلَمَّا ذهب ذَلِك الْقرن الَّذِي صحبوا الرَّسُول وشاهدوا هَيْبَة الْوَحْي والتنزيل حدث من مداخلة فَارس وَالروم وَنَحْوهم من الأغشام الَّذين داخلوا أهل الْإِسْلَام مَا تغير بِسَبَبِهِ شَيْء من حسن النظام إِذْ صَارُوا لَا يعظمون إِلَّا بالصور فَتعين تَعْظِيم الصُّور وتحسين الزي على الْوَجْه الشَّرْعِيّ حَتَّى قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب الْفَتْح الْعَزِيز فِي شرح الْوَجِيز لَا يجب على الْأَئِمَّة الإكتفاء بِمَا اكْتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ وَالْخُلَفَاء الراشدون من بعده ﵃ قَالَ لِأَن النَّاس قد تغيرُوا بعدوا عَن الْعَهْد بِزَمَان النُّبُوَّة الَّذِي كَانَت النُّصْرَة فِيهِ بإلقاء الرعب والهيبة فِي الْقُلُوب قَالَ وَلَو اقْتصر الإِمَام على مثل ذَلِك الْيَوْم لم يطع وتعطلت الْأُمُور فَيَأْخُذ لنَفسِهِ مَا يَلِيق بِهِ من الْخَيل والغلمان وَالدَّار الواسعة انْتهى كَلَامه ﵀ فَكَذَلِك الْعَالم والمفتي وَالْقَاضِي يَنْبَغِي أَن يتَّخذ كل وَاحِد مِنْهُم مَا يَلِيق بِحَالهِ وَحَال أَمْثَاله فيوسعوا الْقَمِيص

стр. 115

والأكمام ويعظموا العمائم والطيلسان ويحسنوا المركوب ويكثروا الأخدام بِحَسب الْحَال الَّذِي يَنْبَغِي من إشادة الْعلم وتجليله وتوقيره وتعظيمه وتبجيله كَمَا رُوِيَ عَن الإِمَام أبي حنيفَة ﵁ أَنه قَالَ عظموا عمائمكم ووسعوا أكمامكم قَالَ أَبُو اللَّيْث ﵀ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِئَلَّا يستخف بِالْعلمِ وَأَهله وَرُوِيَ عَن الإِمَام مَالك ﵁ أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يحدث بِحَدِيث رَسُول الله ﷺ تطيب وتلبس ثيابًا جدادا ويلبس تاجه ويتعمم وَيَضَع رِدَاءَهُ على رَأسه وتلقى لَهُ منصة فَيخرج وَيجْلس عَلَيْهَا وَلَا يزَال يبخر بِالْعودِ حَتَّى يفرغ من حَدِيثه إعزازا لحَدِيث رَسُول الله ﷺ وَكَانَ الشَّافِعِي ﵁ يَأْمر غُلَامه أَن يَأْتِي السارية الَّتِي كَانَ يقْعد عِنْدهَا الشَّافِعِي لتعليم الْفِقْه فيلطخها بالغالية كل يَوْم إِكْرَاما للْعلم وحاضريه فَفِي تَعْظِيم الْعلم يَقع تَعْظِيم الله وَفِي إعزازه طَاعَة الله وَلِهَذَا قَالُوا إِن على كل أحد أَن يخْفض صَوته فِي مجَالِس أهل الْعلم وَأَن ينزهها

стр. 116

ويتواضع لَهَا وَلَا يتخطى حلقها قَالَ رَسُول الله ﷺ (من غض صَوته عِنْد الْعلمَاء جَاءَ مَعَ الَّذين امتحن الله قُلُوبهم للتقوى من أَصْحَابِي) رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه رياضة المتعلمين بِإِسْنَادِهِ فَيَنْبَغِي لكل أحد أَن يستمع الْعلم وَالْحكمَة بالتعظيم والتوقير وَالْحُرْمَة وَلَو رددت الْكَلِمَة وَالْمَسْأَلَة ألف مرّة فَإِن لله سُبْحَانَهُ مَلَائِكَة كراما يحْضرُون مجَالِس الذّكر وَالْعُلَمَاء قَالَ ابْن سِيرِين ﵀ أَتَانِي آتٍ فِي الْمَنَام فَقَالَ أما إِنَّك لَو أتيت الْحلقَة الَّتِي يذكر فِيهَا الْفِقْه لوجدت جِبْرِيل ﵇ مَعَهم جَالِسا ذكره صَاحب تَنْبِيه الغافلين ثمَّ قَالَ أَبُو اللَّيْث ﵀ وَإِنَّمَا يتَعَلَّم الْعلم بِوَاسِطَة ملك فالعالم مَأْمُور بتحسين لبسته والتوقر فِي حركته وجلسته لِأَن مَلَائِكَة الرَّحْمَة تحضر حلقته وتحفه وتحف درسته كَمَا ورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح فَيجب الإستحياء من الْمَلَائِكَة الْكِرَام الْحَاضِرين وتوقيرهم مِنْهُ وَمن السامعين وَالله المرشد بكرمه وَهُوَ خير معِين وَلِأَن النَّاس مجبولون على تَعْظِيم الصُّور الظَّاهِرَة

стр. 117

فَيجب تفخيمها وتبجيلها حَتَّى لَا تختل الْمصَالح الموصلة إِلَى خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ ﵀ فِي أَوَائِل كتاب الْإِحْيَاء عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ (أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْجَمَاعَة فَجعل يُسَوِّي من رَأسه ولحيته فَقلت أَو تفعل ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ نعم يَا عَائِشَة إِن الله يحب من عَبده أَن يتجمل لإخوانه إِذا خرج إِلَيْهِم قَالَ الْغَزالِيّ ﵀ وَكَانَ من وظائفه ﷺ أَن يسْعَى فِي تَعْظِيم أَمر نَفسه فِي قُلُوب النَّاس كي لَا تزدريه نُفُوسهم وَفِي تَحْسِين صورته فِي أَعينهم كي لَا تستصغره أَعينهم فينفرهم ذَلِك عَنهُ وَهُوَ مَأْمُور بدعوتهم قَالَ الْغَزالِيّ ﵀ وَهَذَا الْقَصْد وَاجِب على كل عَالم يتَصَدَّى لدَعْوَة الْخلق إِلَى الله تعال وَهُوَ أَن يُرَاعِي من ظَاهره مَا لَا يُوجب نفرة النَّاس عَنهُ انْتهى كَلَامه ﵀ وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول أحب أَن يكون الْقَارئ أَبيض الثِّيَاب يَعْنِي ليعظم فِي نفوس النَّاس فيعظم مَا لَدَيْهِ من الْحق وَقد أَمر الْقَارئ أَيْضا

стр. 118

والمؤذن بتحسين الصَّوْت فِي الْقُرْآن وَالْأَذَان ليؤثر فِي قُلُوب السامعين وَأمر الْكَاتِب بتحسين الْخط وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الْخط الْحسن يزِيد الْحق وضوحا) رَوَاهُ الثعالبي بِإِسْنَادِهِ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَلَائِكَة فَثَبت أَن لكل شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء وَقعا فِي الْقُلُوب وَكَانَ عمر ﵁ يَأْكُل خبز الشّعير وَالْملح ويفرض لعامله فِي كل يَوْم نصف شَاة وَذَلِكَ لعلمه ﵁ بِأَن الْحَالة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَو عَملهَا غَيره لهان فِي نفوس النَّاس وَلم يحترموه ولتجاسروا عَلَيْهِ بالمخالفة وَلم يعظموه فَاحْتَاجَ ﵁ إِلَى أَن يضع غَيره فِي صُورَة أُخْرَى لحفظ النظام وَإِقَامَة شَرِيعَة الْإِسْلَام وَلِهَذَا لما قدم ﵁ الشَّام وجد مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قد اتخذ الْحجاب والمراكب النفيسة وَالثيَاب والهائلة الرفيعة وسلك مَا سلكه الْمُلُوك فَسَأَلَهُ عمر ﵁ عَن ذَلِك فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة إِنَّا بِأَرْض نَحن محتاجون لهَذَا فَقَالَ عمر ﵁ لَا آمُرك وَلَا أَنهَاك قَالَ الإِمَام شهَاب الدّين الْقَرَافِيّ ﵀ مَعْنَاهُ أَنْت أعلم بحالك هَل أَنْت مُحْتَاج إِلَى هَذَا فَيكون حسنا

стр. 119

أَو أَنْت غير مُحْتَاج إِلَيْهِ قَالَ فَدلَّ هَذَا من عمر ﵁ وَغَيره على أَن أَحْوَال الْأَئِمَّة وولاة الْأُمُور والقضاة تخْتَلف باخْتلَاف الْأَمْصَار والأعصار والقرون وَالْأَحْوَال وَكَذَلِكَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَجْدِيد زخارف وسياسات لم تكن قَدِيما وَرُبمَا وَجَبت فِي بعض الْأَحْوَال انْتهى كَلَامه ﵀ وروى أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي حليته عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ قَالَ دخلت على جَعْفَر بن مُحَمَّد يَعْنِي الصَّادِق ﵄ وَعَلِيهِ جُبَّة خَز وَكسَاء خَز قَالَ فَجعلت أنظر إِلَيْهِ مُتَعَجِّبا فَقَالَ لي يَا ثوري مَا لَك تنظر إِلَيّ لَعَلَّك تعجب مِمَّا ترى قلت يَا ابْن رَسُول الله لَيْسَ هَذَا من لباسك وَلَا لِبَاس آبَائِك فَقَالَ يَا ثوري كَانَ ذَلِك زَمَانا مقترا وَكَانُوا يعْملُونَ على قدر إقفاره وإقتاره وَهَذَا زمَان قد أسبل كل شَيْء عز إِلَيْهِ ثمَّ حسر عَن ردن جبته فَإِذا تحتهَا جُبَّة صوف بَيْضَاء ثمَّ قَالَ يَا ثوري هَذَا لله وَهَذَا لكم فَمَا كَانَ لله أخفيناه وَمَا كَانَ لكم أبديناه انْتهى كَلَامه ﵀ فَعرف بِهَذَا أَن لكل مقَام مقَالا وَلكُل مُبَاح ومستحب ومكروه حَالا فحالا يخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الْأَحْوَال

стр. 120

وَالْأَيَّام كَمَا قَالَ الإِمَام ابْن عبد السَّلَام رَحمَه الله تَعَالَى إِن لله سُبْحَانَهُ أحكاما تحدث بحدوث أَسبَاب لم تكن فِي الْعَصْر الأول فَيَنْبَغِي لكل عَاقل أَن يعرف الْحَال الْمُوجبَة للتحليل وَالتَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة والإستحباب حَتَّى يعْمل بِمُوجب مَا يحدث من الْأَسْبَاب على مَا جرت بِهِ الْقَوَاعِد وتمشت بِهِ الشواهد وَهَذِه الْأَشْيَاء لَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ وَلَا ينكرها إِلَّا الجهلة الغافلون وَالله الْمُوفق بمنه وَكَرمه

стр. 121

فصل فَعَلَيْك بالتمسك بِالْكتاب وَالسّنة فَلَا تفارقهما وَإِن طعنت بالأسنة وَكن صَابِرًا لله على الْبلوى والمحنة فقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْإِسْلَام بَدَأَ غَرِيبا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبا فطوبى للغرباء) رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ ﷺ (إِن وراءكم أَيَّامًا الصَّبْر فِيهِنَّ مثل الْقَبْض على الْجَمْر لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أجر خمسين رجلا يعْملُونَ مثل عَمَلكُمْ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ ﵀ فِي كِتَابه الْعلمَاء غرباء لِكَثْرَة الْجُهَّال وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (المتمسك بِسنتي عِنْد فَسَاد أمتِي لَهُ أجر مائَة شَهِيد) ذكره أَبُو اللَّيْث فِي كِتَابه وَصَاحب المصابيح وَغَيرهمَا

стр. 122

وَقَالَ ﷺ (عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ) أَرَادَ إلزموها وتمسكوا بهَا وَلَا تهملوها كَمَا يعَض الرجل بنواجذه وَهِي أَضْرَاسه على الشَّيْء خشيَة أَن يفلت مِنْهُ فَالْزَمْ طَرِيق الْحق وَإِن صَعب وشق وغمض ودق وامتثل مَا أرشد إِلَيْهِ السَّيِّد الْجَلِيل أَبُو عَليّ الفضيل بن عِيَاض ﵀ حَيْثُ قَالَ وَعَلَيْك بطرِيق الْهدى وَلَا يَضرك قلَّة السالكين وَإِيَّاك وطرق الضلال وَلَا تغتر بِكَثْرَة الهالكين انْتهى كَلَامه رَحمَه الله تَعَالَى فَلَا تفزع من قَول ظَالِم وَلَا فعله وَلَا تجبن من جَهله فَإِنَّهُ مَبْنِيّ على شفا جرف هار وعاقبته إِلَى الدمار والبوار (وَقد رَأَيْت وَفِي الْأَيَّام تجربة ... للصبر عَاقِبَة محمودة الْأَثر) (وكل من جد فِي أَمر يحاوله ... واستشعر الصَّبْر إِلَّا فَازَ بالظفر) كم من وَال تجبر وظلم وتعدى طوره وَلم يرع الْحرم دارت عَلَيْهِ دوائر النقم وَصَارَ عِبْرَة لسَائِر الْأُمَم

стр. 123

﴿ولتعلمن نبأه بعد حِين﴾ ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ وَإِيَّاك إِن أحسن أَن تركن إِلَيْهِ وَاحْذَرْ إِن ظلم أَن تَدْعُو عَلَيْهِ بل كل أمره إِلَى الله فَهُوَ حَسبه وتوكل فِي أمورك على الله فَهُوَ رقيبه (إِن الْمُسِيء ستكفيه إساءته ... من يظلم النَّاس يصبح غير منتصر) وَقَالَ بَعضهم (ستكفى من عَدوك كل كيد ... إِذا كَاد الْعَدو فَلَا تكده) وَأنْشد سُلْطَان الطَّرِيقَة وَإِمَام الْحَقِيقَة يُوسُف الْهَمدَانِي رَحمَه الله تَعَالَى (دع الْمَرْء لَا تجزيه عَن سوء فعله ... سيكفيه مَا فِيهِ وَمَا هُوَ فَاعل) وَفِي هَذَا قيل أحسن إِلَى المحسن بإحسانه والمسيء ستكفيه إساءته وَاعْلَم أَن الْمُسلم إِذا ظلم فَصَبر وَرجع إِلَى الله فِي

стр. 124

الْأَثر تَائِبًا عَمَّا بطن وَظهر متضرعا فِي الظلام وَالسحر فَإِن الله تَعَالَى ناصره وراحمه وسيهلك عَن قريب ظالمه وشاتمه قَالَ رَسُول الله ﷺ (إياك ونار الْمُؤمن لَا تحرقك وَإِن عثر فِي كل يَوْم سبع مَرَّات فَإِن يَمِينه بيد الله إِذا شَاءَ أَن ينعشه أنعشه) رَوَاهُ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ ﵀ فِي كِتَابه بُسْتَان العارفين وَمعنى قَوْله ينعشه أَي يرفعهُ ويقبله وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة ﵄ إيَّاكُمْ وأذى الْمُؤمن فَإِنَّهُ أحب لله فَأَحبهُ وَغَضب لرَبه فَغَضب الله لَهُ وَإِن الله يحوطه ويؤذي من آذاه. . ذكره الثعالبي فِي تَفْسِيره وَللَّه سُبْحَانَهُ عباد يغْضب لَهُم كَمَا يغْضب اللَّيْث الْحَرْب كَذَا ورد فِي الحَدِيث وحزب الله هم الغالبون وجند الله هم المنصورون ﴿واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه وَلَا تحزن عَلَيْهِم وَلَا تَكُ فِي ضيق مِمَّا يمكرون إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ وَمن كَانَ الله مَعَه لم يخف واليا وَإِن جرت عَلَيْهِ محنة كَانَ بهَا رَاضِيا لِأَنَّهُ عرف أَن لله حكما

стр. 125

يَقْضِيهَا ومقادير فِي خلقه يمضيها يَبْتَلِي من يَشَاء بِمَا يَشَاء فَلَيْسَ إِلَّا التَّسْلِيم وَالرِّضَا فَعَلَيْك بِالْعَمَلِ بِالطَّاعَةِ تربح الْفَوْز بِأَحْسَن البضاعة وتسهل عَلَيْك الْأَهْوَال عِنْد قيام السَّاعَة وَاحْذَرْ أَن تسلم لَهُ خفاره أَو تكون صَاحبه وجاره وَلَو رماك بِالسَّهْمِ وَالْحِجَارَة فَصَاحب الْقُرْآن وَالْعلم لَا يحمل المذلة والهوان وَلَا الدُّخُول فِي الرّقّ وَالصغَار بل لَا يُبَالِي بِمن عدل أَو جَار فقد قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْمُبين ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن يذل نَفسه) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَذكره صَاحب الشهَاب أَيْضا وَذكر ابْن أبي شامة فِي كتاب المرشد قَالَ أَبُو عبيد جَلَست إِلَى مُعْتَمر بن سُلَيْمَان ﵀ وَكَانَ من خير من رَأَيْت وَكَانَت لَهُ حَاجَة إِلَى بعض الْمُلُوك فَقيل لَهُ لَو أَتَيْته فكلمته فَقَالَ قد أردْت إِتْيَانه ثمَّ ذكرت الْقُرْآن وَالْعلم فأكرمتهما عَن ذَلِك وَأنْشد القَاضِي عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ ﵀ شعرًا يَقُول فِيهِ

стр. 126

(يَقُولُونَ لي فِيك انقباض وَإِنَّمَا ... رَأَوْا رجل عَن موقف الذل أحجما) (إِذا قيل هَذَا منهل قلت قد أرى ... وَلَكِن نفس الْحر تحْتَمل الظما) (وَلم أبتذل فِي خدمَة الْعلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لَا لَكِن لأخدما) (أأغرس عزا واجتنيه مذلة ... إِذا فاتباع الْجَهْل قد كَانَ أحزما) وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض ﵀ يَنْبَغِي لحامل الْقُرْآن أَن لَا تكون لَهُ حَاجَة إِلَى أحد من الْخلق إِلَى الْخَلِيفَة فَمن دونه وَيَنْبَغِي أَن تكون حوائج الْخلق إِلَيْهِ وَمن أعزه الله بعز الْإِسْلَام وَعلمه الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وَسنة مُحَمَّد ﵇ فَلَقَد أكْرمه الله بِأَحْسَن إكرام وفضله على سَائِر الْأَنَام من الجهلة والغوغاء والطغام فديدنه الصَّبْر على نوب الدَّهْر وَالرُّجُوع إِلَى من لَهُ الْخلق وَالْأَمر حَتَّى يَأْتِيهِ الله بالفرج ويزيل عَنهُ الْهم والضر والحرج إِمَّا بنصر فِي الدُّنْيَا صَرِيح وَإِمَّا بِمَوْت من نصبها مريح وَإِمَّا بِأَجْر فِي الدُّنْيَا مليح ربيح

стр. 127

وَلَقَد أنصف من أنْشد وَوعظ فأرشد (إِن جَار وَال أَو بَدَت شجون ... فالصبر حصن للفتى حُصَيْن) (فاصبر فَإِن الدَّهْر ذُو انقلاب ... إِذا وفى لابد مَا يخون) (وَإِن جنى شرا أعاض خيرا ... وَعكس ذَا وَكم لَهُ فنون) (وَكم رَأينَا من بلَاء حلا ... فَزَالَ حَتَّى قرت الْعُيُون) (وَكم وجدنَا من قساة قوم ... تاهوا فذلوا بعد واستهينوا) (وَكم قسا من جَهله حزون ... وَعَن قريب أمكن الحرون) (وَكم عتا على الورى غشوم ... وأسكرته الْجند والحصون) (فعاقبته قدرَة لرَبي ... وزالت السطوة والظنون) (وَفرق الشمل على هوان ... وَأظْهر المحجوب والمصون)

стр. 128

(وشتت الْحَرِيم واستضيموا ... فدمعهم بَين الورى هتون) (فاصبر لحكم الله كَيفَ ماجا ... فَكلما قدره يكون) (لابد من أَن يظْهر المخبا ... وَمن قسا لابد مَا يلين) (وَمن علا لَا بُد من سُقُوط ... وتقلب الظُّهُور والبطون) (وَمَا غلا لَا بُد فِيهِ رخص ... وكل رخص بعده زبون) (وكل جَبَّار لَهُ انْتِهَاء ... وكل جري بعده سُكُون) (سيندم الْجَانِي على الْخَطَايَا ... إِذا أَتَاهُ الويل والمنون) (فَإِن تعش تَجِد جَمِيع هَذَا ... محققا وَتذهب الشجون) (وترحم القاسي لما ترَاهُ ... من ذله وحاله يهون)

стр. 129

(وَإِن تمت من قبل أَن ترى ذَا ... تنَلْ ثَوابًا قدره رزين) (وترتجي لطفا وكل خير ... يَأْتِي بِهِ مُبشر أَمِين) (وتنقل النَّفس الَّتِي أضيمت ... إِلَى المنى وَتصْلح الشؤون) (وَمَا ظلمت أَو غصبت يَأْتِي ... موفرا وكل ذَا يَقِين) (لَا تغبطن ظَالِما بظُلْم ... واغبط فَتى بِدِينِهِ ظنين) فَإِن عُقبى الظَّالِمين نَار ... والمتقين فِي الْجنان عين) (فَالْزَمْ بتقوى الله لَا تدعها ... فَإِنَّهَا من الْأَذَى تصون) (وَأقرب الْخَصْمَيْنِ عِنْد رَبِّي ... من كَانَ مَظْلُوما لَهُ أَنِين) (فَأَنت ترجو عدله ثَوابًا ... وَذَاكَ فِيمَا قد جنى رهين)

стр. 130

(والظالم المشوم فِي عَذَاب ... فِي النَّار مصفود بِهِ قرين) (ويل الظلوم من عَذَاب يَوْم ... بِهِ الْجَزَاء وَالْوَيْل والفتون) (يَوْم الْجَزَاء لابد من قصاص ... وَالْحَاكِم الله الْقوي المتين) (وَلَا شُهُود تبتغى لدعوى ... وَلَا هُنَاكَ تقبل الْيَمين) (وَلَا هُنَاكَ للظلوم جند ... وَلَا نصير لَا وَلَا ضمين) (وَلَا يسَار ثمَّ مِنْهُ يقْضِي وَلَا شَفِيع لَا وَلَا معِين) (وَأَنت يَا مظلوم فِي جنان ... منعم مكرم مكين) (بِشِرَاك يَا مظلوم مَا تلاقي ... من الرِّضَا وكل مَا يزين) (واصبر فَإِن الصَّبْر خير خل ... وَإنَّهُ للصالحين دين)

стр. 131

فالصبر عى المحن والبليات مَذْهَب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَهُوَ من الْفَضَائِل المشهورات والمناقب المأثورات وَقد قيل خَزَائِن المنن على قناطر المحن وَأنْشد الشَّافِعِي ﵁ (عزة النَّفس والسلامة فِي الدّين ... اصطبار الْفَتى لدهر عبوس) وَقَالَ الإِمَام جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا الْكَامِل من الرِّجَال من هُوَ فَقِيه فِي دينه صابر على مَا بِهِ فَيَنْبَغِي الصَّبْر الْجَمِيل لانتظار الْأجر الجزيل فانتظار الْفرج من الله بِالصبرِ عبَادَة كَذَا قَالَه الرَّسُول ﷺ ذكره فِي كتاب الشهَاب وَغَيره وَيَنْبَغِي أَن لَا يُرْجَى إِلَّا الله وَلَا يخَاف إِلَّا الله فَمن خَافَ غير الله فَمَا عرف الله وَلَا راقب الله إِذْ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فيهمَا ملك لله سُبْحَانَهُ (فثق بالإله الْفَرد لَا تخش غَيره ... فربك قيوم عَظِيم وَذُو رحم) (وَللَّه لطف لَا يحد وَرَحْمَة ... وتقليب أَحْوَال وَنقض لذِي الْعَزْم)

стр. 132

(وَلَا تيأسن يَا صَاح فَالله قَادر ... يفرج مَا تلقى من الكرب والهم) (فكم جاد بِالْإِحْسَانِ فِي كل حَالَة ... وَكم صب من خير وَمن نعم عَم) (وَكم حل من عقد تعسر فكه ... وَكم فك من ضيق وَمن عسر ترمي) (وَكم من أُمُور أشكلت وتفاقمت ... ففرجها الْبَارِي وَفرج ذَا الْغم) (فَلَا تفزعن إِن جَاءَك الشَّرّ إِنَّه ... يفك الَّذِي يخْشَى وَيذْهب بِالسقمِ) (وَلَا تفرحن إِن كنت يَوْمًا بِنِعْمَة ... فكم من نعيم عَاد بِالْوَيْلِ والكلم) (وَكم من سرُور رده الله ترحة ... وَكم من بلَاء بعده صِحَة الْجِسْم) (وَكم من فَقير صَار لِلْمَالِ مَالِكًا ... وَكم من غَنِي عَاد ملقى من الْعَدَم) (وَكم يَبْتَلِي الرَّحْمَن ذَا الدّين بالبلاء ... ويمهل من يَعْصِي لِيَزْدَادَ فِي الجرم)

стр. 133

(وَيرْفَع أَقْوَامًا وَكَانُوا بذلة ... وَيسْقط أَقْوَامًا وَكَانُوا لَدَى النَّجْم) (فعد نَحوه واطلب رِضَاهُ وعفوه ... فَللَّه جود وَهُوَ ذُو اللطف والحلم)

стр. 134

فصل وَمن تمسك بِسنة رَسُول الله ﷺ وبالعلم الشريف وَأحب الْعلم وَالْعُلَمَاء وَأهل الدّين الحنيف وصبر على مَا يلقاه من الْجَاهِل السخيف فقد نَالَ الْحَظ الْكَامِل والشرف المنيف لَا يضرّهُ كيد كايد وَلَا يشينه حسد حَاسِد إِن شَاءَ الله وَله الْمِنَّة وَسَيَعُودُ كيد كائده عَلَيْهِ وَيرجع وبال ظالمه إِلَيْهِ ﴿وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بأَهْله﴾ وسيحيق بالظالم سوء فعله وَقد وعد الله الصابرين على الْفِتْنَة العاكفين على السّنة والمحبة بالنصر الْحسن ونيل المُرَاد فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْكَرِيم الْجواد الصَّادِق الْعلي الَّذِي لَا يخلف الميعاد ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾

стр. 135

) فَكُن من المنتظرين لوعده الواقفين عِنْد أمره وَحده فقد وعد سُبْحَانَهُ الْمُؤمنِينَ بالنصر فِي دنياهم وبالأجر فِي أخراهم وَالْحَمْد لله الَّذِي لم يَجْعَل لجبار سَبِيلا إِلَى نزع مَا أعْطى من الْعلم وَجعل الْعلم شرفا لأَهله فِي الْحَرْب وَالسّلم وأعزه الله فِي كل مِلَّة على كل حَال وَفضل حامليه على سَائِر الرِّجَال فَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْآيَات المحكمات ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ للْعُلَمَاء دَرَجَات فَوق الْمُؤمنِينَ بسبعمائة دَرَجَة مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَام ذكره الْغَزالِيّ ﵀ فِي الْإِحْيَاء وَغَيره فَيَنْبَغِي لمن لم يكن عَالما وَلَا عَاملا أَن فليحب الْعلمَاء العاملين وَمن لم يكن صَالحا فلحب الصَّالِحين فَمن أحب قوما فَهُوَ مِنْهُم وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْمَرْء مَعَ من أحب) وَرُوِيَ (من أحب الْعلم وَالْعُلَمَاء لم تكْتب عَلَيْهِ

стр. 136

خَطِيئَة أَيَّام حَيَاته) رَوَاهُ الْمُقْرِئ أَبُو بكر النقاش فِي تَفْسِيره شِفَاء الصُّدُور وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (عَلَيْكُم بحب علمائكم وَلَا تبغضوهم وَلَا تحسدوهم وَلَا تطعنوا فيهم أَلا من أحبهم فقد أَحبَّنِي وَمن أَحبَّنِي فقد أحب الله وَمن أبْغضهُم فقد أبغضني وَمن أبغضني فقد أبْغض الله اللَّهُمَّ هَل بلغت) رَوَاهُ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي ﵀ بِإِسْنَادِهِ قَالَ وَلَو لم يكن فِي حُضُور مجْلِس الْعلم مَنْفَعَة سوى النّظر إِلَى وَجه الْعَالم لَكَانَ الْوَاجِب على الْعَاقِل أَن يرغب فِيهِ قَالَ وَقد أَقَامَ النَّبِي ﷺ الْعلمَاء مقَام نَفسه فَقَالَ (من زار عَالما فَكَأَنَّمَا زارني وَمن صَافح عَالما فَكَأَنَّمَا صَافَحَنِي وَمن جَالس عَالما فَكَأَنَّمَا جالسني وَمن جالسني فِي الدُّنْيَا أجلسه الله تَعَالَى معي يَوْم الْقِيَامَة فِي الْجنَّة) انْتهى كَلَامه وَقَالَ ﷺ (الْعلم خَزَائِن ومفتاحها السُّؤَال فاسألوا يَرْحَمكُمْ الله فَإِنَّهُ يُؤجر فِيهِ أَرْبَعَة السَّائِل والمعلم والمستمع والمحب لَهُم) ذكره فِي كتاب الْفَقِيه

стр. 137

والمتفقه وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي حليته بِإِسْنَادِهِ وَعَن أبي بكرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (اغْدُ عَالما أَو متعلما أم مستمعا أَو محبا وَلَا تكن الْخَامِس فتهلك) رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِيهِ قَالَ عَطاء قَالَ لي مسعر أحد رُوَاة الحَدِيث ويل لمن لم يكن فِيهِ وَاحِدَة من هَذِه وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ يَا بني جَالس الْعلمَاء فَإنَّك إِن لم تعْمل بعملهم أخذت من أَخْلَاقهم وَإِن لم تَأْخُذ من أَخْلَاقهم نزلت الرَّحْمَة وَأَنت فيهم) ذكره فِي كتاب التَّرْغِيب والترهيب فَالْحَمْد لله الَّذِي جعلنَا للْعلم وَالْعُلَمَاء محبين وصيرنا بهم وإليهم منتسبين وجعلهم لنا نسبا وَعزا وعدة بَين الْعَالمين نفتخر بذكرهم ونزداد وَنَرْجُو ببركتهم نيل المُرَاد كَمَا قيل (أحب الصَّالِحين وَلست مِنْهُم ... أرجي أَن أنال بهم شَفَاعَة) وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (يشفع يَوْم الْقِيَامَة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء) رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي ﵀ فِي سنَنه وَأعظم بمرتبة هِيَ وَاسِطَة بَين الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء وَقَالَ ﷺ (إِن لطَالب الْعلم شَفَاعَة كشفاعة الْأَنْبِيَاء) ذكره الْفَقِيه مُوسَى فِي كتاب الْحجَّة وَقَالَ

стр. 138

رَسُول الله ﷺ (يجاء بالعالم وَالْعَابِد فَيُقَال للعابد ادخل الْجنَّة وَيُقَال للْعَالم قف حَتَّى تشفع للنَّاس) روينَاهُ فِي كتاب التَّرْغِيب والترهيب لأبي الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ وَفِي كتاب ابْن عبد الْمجِيد الميانشي ﵀ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا اجْتمع الْعَالم وَالْعَابِد على الصِّرَاط قيل للعابد أَدخل الْجنَّة وتنعم بعبادتك وَقيل للْعَالم قف اشفع لمن أَحْبَبْت) وَقَالَ الإِمَام الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ اصحب الصَّالِحين وَإِن لم تكن مِنْهُم فَإِن الله سُبْحَانَهُ لما أَحْيَا عُزَيْرًا أَحْيَا حِمَاره وَلما بعث أهل الْكَهْف بعث كلبهم وَقَالَ قَتَادَة ﵀ فِي كِتَابه إِن عليا كرم الله وَجهه قَالَ كن عَالما أَو متعلما أَو مستمعا أَو محبا وَلَا تكن الْخَامِس فتهلك وَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ (كونُوا عُلَمَاء صالحين فَإِن لم تَكُونُوا عُلَمَاء صالحين فجالسوا الْعلمَاء فَاسْتَمعُوا علما يدلكم على الْهدى أَو يردعكم عَن الردى) وَذكر الإِمَام الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء أَن رجلا قَالَ

стр. 139

لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ إِنَّه كَانَ يُقَال إِن اسْتَطَعْت أَن تكون عَالما فَكُن عَالما وَإِن لم تستطع أَن تكون عَالما فَكُن متعلما فَإِن لم تستطع أَن تكون متعلما فأحبهم فَإِن لم تستطع أَن تحبهم فَلَا تبغضهم فَقَالَ سُبْحَانَ الله لقد جعل الله مخرجا وَقيل للفضيل ﵀ إِن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قبل جَائِزَة السُّلْطَان فَقَالَ الفضيل مَا أَخذ مِنْهُم إِلَّا دون حَقه ثمَّ خلا بِهِ وعاتبه بِرِفْق فَقَالَ يَا أَبَا عَليّ إِن لم نَكُنْ من الصَّالِحين فَإنَّا نحب الصَّالِحين وَيُقَال كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن لَا يكون صَالحا وَيَقَع فِي الصَّالِحين وَمعنى يَقع فيهم أَي يغتابهم ليظْهر للنَّاس معايبهم وَقيل (وَمَا عبر الْإِنْسَان عَن نقص نَفسه ... بِمثل اعْتِقَاد النَّقْص فِي كل فَاضل) نسْأَل الله الْكَرِيم أَن ينفعنا بهم وَأَن يحشرنا على حبهم ويجعلنا فِي زمرتهم بمنه وَكَرمه وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم

стр. 140

فصل وَإِذا اختبرك مختبر بأذيته وعاندك مدل بدولته وتهددك ببأسه وسطوته فَعَلَيْك بطرِيق الصَّبْر والإحتساب والتأمل لما ورد فِي السّنة وَالْكتاب من جزيل الْأجر للصابرين وانتظار الْفرج من رب الْعَالمين فقد قَالَ سُبْحَانَهُ لنَبيه مُحَمَّد ﷺ حِين كاده من كَاد وأبغضه الْأَعْدَاء والحساد ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ فَذكر الله سُبْحَانَهُ أَنه من صَبر وَاتَّقَى لَا يضرّهُ كيد وَلَا يخْشَى من عَمْرو وَلَا زيد وَإِذا مكر بك ماكر أَو سخر مِنْك ساخر فاذكر قَول رب الْعَالمين ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة مَكْرهمْ أَنا دمرناهم وقومهم أَجْمَعِينَ﴾

стр. 141

﴿إِن تسخروا منا فَإنَّا نسخر مِنْكُم كَمَا تسخرون فَسَوف تعلمُونَ من يَأْتِيهِ عَذَاب يخزيه وَيحل عَلَيْهِ عَذَاب مُقيم﴾ وَإِن تهددك بالسطوة عَلَيْك والعدوان فَقل لَهُ إِن الله ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ يرفع وَيَضَع ويعز ويهين فبه نَعُوذ ونستجير وإياه نستعين وَهُوَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يفعل مَا يُرِيد وَهُوَ الَّذِي بقبضته كل العبيد وَلَيْسَ لعبد أَن يبلغ مُرَاده وَلَا يقدر أَن ينفع نَفسه وَلَا أَن يضر أضداده إِلَّا بِشَيْء قد قدره الله سُبْحَانَهُ وأراده وَإِذا خفت من الْأَهْوَال والخطب الجسيم وأعياك الْمخْرج وتحير فِي أَمرك الْحَلِيم وَلم ينفعك الصّديق وَلَا أعانك الْحَمِيم فَأكْثر قَول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم فَإِن الله سُبْحَانَهُ يدْفع بهَا سبعين بَابا من الضّر أدناها الْهم كَذَا قَالَه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 142

وَمهما ظَهرت الْفِتَن وانضربت فِيهَا الْأَقَاوِيل وَخيف من شَرها التَّعْرِيض والتطويل والتهويل فافرع إِلَى التوقي بِمَا يقي من أمرهَا الوبيل بترداد قَول حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل فَإِنَّهَا الْكَلِمَة الَّتِي ألهمها إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم فَقَالَهَا لما رَمَوْهُ وألقوه فِي الْجَحِيم فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم وَأَرَادُوا بِهِ كيدا فجعلناهم الأخسرين﴾ وَإِن افتخر عَلَيْك مفتخر بسلاحه وزيه وَعظم سطوته وَكَثْرَة ليه فَقل إِنَّمَا الْفَخر لمن خدم شرع الله وَسنة نبيه وَلَيْسَ الْفَخر بِحسن الزي واللباس وَلَا بارتفاع الْحُصُون وقهر النَّاس وَلَا بظُلْم الْخلق وَشدَّة الباس وَلَا بِحمْل السِّلَاح وَالْحلَل الملاح لَكِن الْفَخر بالتقى وَالصَّبْر والرضى وخدمة شَرِيعَة الْمُصْطَفى ﷺ وَشرف وكرم (وَنحن بِحَمْد الله خدام شَرعه ... وخادم شرع الله لَا يخْش من غلب)

стр. 143

(لنا شرف الْعلم الْعَزِيز الَّذِي بِهِ ... رزقنا بِحَمْد الله من أرفع الرتب) (بِهِ أنسنا والعز وَالْفَخْر والعلا ... فَفِي الْعلم عز للفتى أَيْنَمَا ذهب) (وَمن كنز الْعلم الشريف بصدره ... ينله إِلَه الْخلق من كل مَا أحب) (لنا الْفِقْه بُسْتَان لنا الشَّرْع عُمْدَة ... وأحسابنا التَّقْوَى فيا لَك من حسب) (وَسنة خير الْخلق فَهِيَ سِلَاحنَا ... وَتَفْسِير كتب الله يَا حبذا أدب) (لنا الشّعْر ميدان لنا النَّحْو سلوة ... لنا اللُّغَة الفصحى لنا النثر والخطب) (وَكم مشكلات فِي الْعُلُوم نحلهَا ... نرى حلهَا أغْلى من الدّرّ وَالذَّهَب) (وَمَا الدّرّ والياقوت فِي جنب علمنَا ... وَمَا المَال إِلَّا مثل بعر لَدَى عِنَب) (وَكم من فنون رايقات بسوحنا ... تروق الَّذِي قد مارس الْعلم وانتصب)

стр. 144

(نغوص ببحر الْعلم نستخرج الَّذِي ... يدق عَن الأفهام من كل مَا احتجب) (وأصحابنا فِي كل أَرض نجومها ... وَأهل التقى وَالْعلم صَارُوا لنا نسب) (وَذَاكَ بِفضل الله لَيْسَ بفعلنا ... تبَارك من أعْطى وَمن لَا سواهُ رب) (نُحدث بالنعماء شكرا لربنا ... على مَا حبا من كل خير وَمَا وهب) (نقُول بِهَذَا لَا لفخر ونخوة ... وَلَكِن لشكر الله فالشكر قد وَجب) (وَقد أَمر الرَّحْمَن بالشكر خلقه ... فَقَالَ اشكروا لَا تكفرُوا أَيهَا الْعَرَب)

стр. 145

فصل فمهما أبقى الله سُبْحَانَهُ علينا نعْمَة الْإِسْلَام وَمَا أنعم بِهِ علينا من معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وجنبنا جَمِيع الْفَوَاحِش والآثام فقد خصنا مِنْهُ بِأَفْضَل إكرام وتفضل علينا سُبْحَانَهُ بِكُل إنعام وَلَا نبالي بعد ذَلِك بِمَا تغير وتكدر من أَسبَاب الدُّنْيَا وَلَا بِمَا تعسر وَتعذر من بَقِيَّة الْأَشْيَاء لِأَن الدُّنْيَا عرض حَاضر يَأْكُل مِنْهُ الْبر والفاجر نسْأَل الله أَن يديم علينا نعمه وَأَن يصرف عَنَّا بِلُطْفِهِ نقمه فالدين وَالْعلم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول وَهُوَ الْعِزّ الَّذِي لَا يضيع وَلَا يتَحَوَّل وَإنَّهُ لَهو الآخر وَهُوَ الأول وَإِن شرع الله لمحمود صَاحبه وَهُوَ الَّذِي لَا يفلح لأئمه وجاذبه وَهُوَ الَّذِي عز فِي الورى جَانِبه وَالْغَالِب بِالْبَاطِلِ مغلوب تَحْقِيقا ﴿وَقل جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ وَأنْشد شَيخنَا
следующие страницы →