Полный текст (224 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ثمَّ ذمّ أَقْوَامًا امْتَنعُوا وَلم يجيبوا لحكم الله وَلَا اتبعُوا فَقَالَ ﴿وَإِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم إِذا فريق مِنْهُم معرضون﴾
ومدح أَقْوَامًا أجابوا إِلَى الحكم
فَقَالَ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾
وَقد سبق أَن الْعلمَاء هم القائمون فِي الْأمة مقَام الرَّسُول وهم الموضحون والحافظون لما جَاءَ من الْمَنْقُول وهم الداعون إِلَى مِلَّته الذابون عَن شَرعه وسنته فسنته وَللَّه الْحَمد بَاقِيَة وشريعته وَللَّه الْمِنَّة غالبة عالية قد أكد الله على الْخلق طاعتها وَأوجب على الْكل رعايتها وَفرض عَلَيْهِم حمايتها وَجعل من مَال عَنْهَا أَو تكره أمرهَا ظَالِما وَمن أهملها وضيعها فَاسِقًا آثِما لِأَن بتضييع الشَّرِيعَة هدم الْإِسْلَام وتغيير جملَة الْأَحْكَام والوقوع ف ي الشّبَه والآثام والتسبب إِلَى إهدار دِمَاء الْأَنَام
قَالَ كَعْب الْأَحْبَار لِابْنِ عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم
стр. 72
إِذا رَأَيْتُمْ السيوف قد أعريت والدماء قد أهرقت فاعلموا أَن حكم الله سُبْحَانَهُ قد ضيع فانتقم الله لبَعْضهِم من بعض
وَقيل فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾
يَعْنِي وشريعتك فيهم
ذكره أَبُو جَعْفَر فِي كتاب عجائب الملكوت وَغَيره
وَمُقْتَضى هَذَا أَنهم إِذا ضيعوا الشَّرِيعَة حل بهم الْعَذَاب وتقطعت بهم الْأَسْبَاب وَقد ورد فِي الحَدِيث (لَا قدست أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفها حَقه من قويها)
رَوَاهُ صَاحب التَّرْغِيب والترهيب
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ قَالَ (إِنَّمَا هلك الَّذين قبلكُمْ أَنهم كَانُوا إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيف قطعوه)
فَأخْبر ﷺ أَن تَضْييع الشَّرْع سَبَب الْهَلَاك
وَمن تَضْييع حكم الله تَعَالَى أَن يَقُول الرجل لصَاحبه بيني وَبَيْنك مَا قَالَ الله أَو مَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أَو مَا قَالَ حَاكم الْمُسلمين فَيَقُول لَهُ خَصمه لَا أقبل هَذَا وَلَا أجيبك إِلَى ذَا وَقَائِل
стр. 73
هَذَا فَاسق بِالْإِجْمَاع مَعْدُود من الفجرة بل كَافِر إِن قصد بِهِ الإستخفاف بالشريعة المطهرة
إِذْ قد سبق وتقرر بِجَمِيعِ مَا تقدم وتكرر أَن الْفُقَهَاء والحكام هم القائمون مقَام الرَّسُول ﷺ وَمن عصاهم فقد عصى الله وَمن أطاعهم فقد أطَاع الله إِذْ هم وراث رسل الله فمخالفهم مارق عَن الدّين وخاذلهم فَاسق بِيَقِين
وَقد عرض رجل بذم الْمُفْتِي فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ ضربا فأدبه عمر ﵁ ضربا بِالدرةِ وَقَالَ لَهُ تغمص الْفتيا أَي تحتقرها وتطعن فِيهَا
هَكَذَا كَانَت شدتهم فِي دين الله وتعصبهم لشريعة رَسُول الله ﷺ لِأَن بإضاعة حكم الله التَّعَرُّض لسخط الله والتسبب إِلَى مقت الله
وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ (إِن من عَلَامَات السَّاعَة بيع الحكم)
وَمن بَيْعه أَن يبْذل مَال على تَغْيِير الحكم أَو على عزل الْحَاكِم من غير جرم أَو على أَن لَا يحضر من ادعِي عَلَيْهِ ظلم
فَمن فعل هَذِه الْأَسْبَاب فقد بعد عَن الرشد وَالصَّوَاب ويخشى عَلَيْهِ تَعْجِيل الْعَذَاب وَالله الْهَادِي بِلُطْفِهِ إِلَى المتاب
стр. 74
وَلَقَد أرشد من أنْشد فِي الْحَث على التَّقْوَى وَالصَّبْر عِنْد تغير الْوُلَاة فِي الدَّهْر شعرًا
(إِذا كَانَ وَالِي النَّاس لَا يدْفع الظلما ... وَلَا يقمع الْجَانِي وَلَا ينصر الحكما)
(وَلَا يسمع الْمَظْلُوم إِن جَاءَ شاكيا ... وَلَا يتبع الْإِنْصَاف وَالْعدْل والعلما)
(وَلَا ينصر الشَّرْع الشريف بِنَفسِهِ ... فأخسس بِهِ قد خس قدرا وَهَان آسما)
(وَإِن قيل هَذَا الشَّرْع شرع مُحَمَّد ... وسنته الْبَيْضَاء وبرهانه الأسمى)
(تولى وَلم ينصف وَأدبر معرضًا ... وأتبع أهل الْعلم والفقها ذما)
(وَصَارَ طلاب الْعلم وَالدّين عِنْده ... هباء وَذُو التَّقْوَى ينيلونه شتما)
(إِذا كَانَ هَذَا فاترك الْقَوْم جانبا ... وعذ بإله الْعَرْش ذِي الْعِزَّة الْعُظْمَى)
(إِذا استهزؤا بِالدّينِ وَالشَّرْع والتقى ... فَمَا فيهم خير يُرْجَى وَلَا سِيمَا)
стр. 75
(وَلَا خير فِي عبد يرد أُمُوره ... إِلَيْهِم ويرجو من جوانبهم غنما)
(فلذ بحبال الصَّبْر وَالدّين دَائِما ... تنَلْ خير مَا ترجو وتكفى الَّذِي هما)
(وقم بِكِتَاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... أَتَت عَن رَسُول الله والعلما قدما)
(ولازم على درس البُخَارِيّ وَمُسلم ... وإحيا عُلُوم الدّين واجل بِهِ الهما)
(وواظب على التَّقْوَى وَكن متورعا ... صبورا على الْبلوى وبالدين كن شهما)
(وَشرع رَسُول الله فَالْزَمْ بحبله ... وخل رجال الظُّلم يرتكبوا الإثما)
(ودعهم جَمِيعًا يحطبوا لحريقهم ... ويحتقبوا شرا ويكتسبوا جرما)
(فَكل أنَاس ضيعوا الشَّرْع والتقى ... سيأتيهم خطب فيحطمهم حطما)
(فَمَا الدّين وَالدُّنْيَا وَلَا الْخَيْر كُله ... سوى سنة الْمُخْتَار يَا حسنها أما)
стр. 76
(وَيَا حسن من يفني بهَا الْعُمر كُله ... ويجعلها أنسا ويضني بهَا الجسما)
(فلازم عَلَيْهَا لَا يهولك قَوْلهم ... تعزز بتقوى الله سر نَحْوهَا قدما)
(وتابع طَرِيق الْحق لَا تتركنها ... وَإِن صرت تؤذى فِي زَمَانك أَو ترمى)
(فذو الْحق وَالتَّقوى غَرِيب بوقتنا ... تغرب بتقوى الله وَاتبع السلما)
(غَرِيبا بدين الله مُنْفَردا بِهِ ... بَعيدا عَن الأسوا ممتلئا حزما)
(فطرق الْهدى فِي آخر الدَّهْر صعبة ... وَلَكِن عقباها المسرة والنعما)
(وَلَا تتبع أهواء قوم تعاونوا ... على الْإِثْم والعدوان واستحسنوا الظلما)
(فعاقبة العَاصِي وبال وذلة ... ونار وتنكيل يزيدهم غما)
стр. 77
(وعاقبة الدَّاعِي إِلَى الْحق رَحْمَة ... وجنة عدن لَا يجوع وَلَا يظما)
(فَكُن لَازِما للحق واسلك طَرِيقه ... وَكن صَابِرًا لله متخذا عزما)
(فَهَذَا زمَان الصَّبْر اغمض على القذى ... وَللَّه فاصبر والزم الرِّفْق والحلما)
(فذو الْعلم وَالتَّقوى وَإِن نيل بالأذى ... فَإِن لَهُ نصرا من الله يَوْمًا مَا)
(وَلَا تكترث فِي جهل وَال وخله ... سيدركه شُؤْم ويحشره أعمى)
(وَإِن لَهُ فِي كل كيد يكيده ... فخوخا وأشراكا تصير لَهُ سما)
(وتتركه فِي غابر الدَّهْر عِبْرَة ... وتأتيه أهوال فتصدمه صدما)
(فيا خير خلق الله يَا خير مُرْسل ... لقد هجروا الشَّرْع الشريف الَّذِي تما)
(أتيت بِهِ من عِنْد رَبك موضحا ... شرائع حكم الله والحل والحرما)
стр. 78
(فقد غيروا الْأَحْكَام واستبدلوا بهَا ... مظالم عَمت لَا نحيط بهَا علما)
(أحبو حطام المَال عَن نصر شرعكم ... وَصَارَت أُمُور الظُّلم عِنْدهم جما)
(إِذا قَالَ ذُو حق أقِيمُوا شريعتي ... وَقومُوا بحقى واصرفوا عني الخصما)
(يَقُول لَهُ الْوَالِي أردْت دراهما ... إِذا شِئْت تلقى بالشريعة أَو تحمى)
(وَإِن ذُو فَسَاد يرضهم بعطية ... أَقروهُ يسْعَى آمنا لم يخف ثلمًا)
(وَإِن طلبُوا رفقا تكاثر عنفهم ... وَإِن وعظوا يَوْمًا فكالصخرة الصما)
(فذو الدّين فيهم خامل الْحَال بائر ... وَلَوْلَا ستور الله هموا بِهِ رجما)
(فَمَا عرفُوا للشَّرْع حَقًا وَلَا حمى ... وَلَا تركُوا للدّين عزا وَلَا رسما)
(إِذا خوفوا بِالْمَوْتِ والحشر والجزا ... يعدوه هزلا بل يَظُنُّونَهُ وهما)
стр. 79
(يُرِيدُونَ من ذِي الْعلم يسْعَى بطوعهم ... ويطعمهم حلوى ويوسعهم نعما)
(وَإِن جنبوه الظُّلم عدوه منَّة ... فَهَل قطّ حمق مثل ذَا إِن ذَا طما)
(إِلَيْك شَكَوْنَا يَا رَسُول إلهنا ... وفيك تشفعنا لنكفى بك الهضما)
(رَضِينَا بِحكم الله وَالدّين والقضا ... رَضِينَا بذا أنسا رَضِينَا بِهِ قسما)
(لجأنا إِلَى الرَّحْمَن من شَرّ كيدهم ... وَمن يعتصم بِاللَّه يرزقه رحما)
(إِلَى الله رب الْعَرْش نرفع أمرنَا ... ليحمينا مِمَّن يروم لنا هزما)
(وبالأنبياء وَالصَّالِحِينَ أولي التقى ... سألناك يَا الله أَن تجبر الكلما)
(وَتَنصر خدام الشَّرِيعَة وَالنَّبِيّ ... وترزقهم عزا وتعطيهم فهما)
(وتبقي لَهُم فِي الْعَالمين حماية ... وتدفع عَنْهُم من يُرِيد لَهُم هدما)
стр. 80
(بجاه رَسُول الله نسْأَل فاكفنا ... عَلَيْهِ صَلَاة الله نوفي بهَا النظما)
стр. 81
فصل
وَقد نقم النَّاقِد الْمَذْكُور أَولا على الْعلمَاء بكسب المَال الْحَلَال وعابهم إِذْ رأى عَلَيْهِم أثرا من الْجمال وَقَالَ هَذَا من حب الدُّنْيَا وحبها مَذْمُوم بِكُل حَال ويحتج بقوله ﷺ حَيْثُ قَالَ (حب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئَة)
فَجعل هَذَا الحَدِيث سلما إِلَى نيلهم بالأذية وَلم يفهم الْمِسْكِين مَعَاني الْأَحَادِيث المروية
فَإِن المذموم من ذَلِك هُوَ حب الدُّنْيَا للدنيا وللبقاء فِيهَا مغالبة ومفاخرة ومناوأة ومكاثرة كَمَا فعل فِرْعَوْن وهامان ونمرود وخاقان وَقَارُون وطرخان فَإِنَّهُم أَحبُّوا الدُّنْيَا للتنعم فِي الدُّنْيَا ونيل مشتهاها حِين ظنُّوا أَن لَا دَار سواهَا فنسوا الْآخِرَة ونسوا حظهم مِنْهَا نسوا الله فنسيهم وأنكروا الْبَعْث وَالْجَزَاء والحشر واللقاء وَقَالُوا لَا عَيْش إِلَّا فِي الدُّنْيَا ﴿نموت ونحيا وَمَا نَحن بمبعوثين﴾
стр. 82
) وَكَذَلِكَ أتباعهم من الْجَبَابِرَة والعمالقة والقياصرة وفجرة الأكاسرة الَّذين أَحبُّوا الدُّنْيَا ليتنعموا فِيهَا ويتغالبوا عَلَيْهَا ويتفاخروا بجمعها وبقتل بَعضهم بَعْضًا ﴿إِن الَّذين لَا يرجون لقاءنا وَرَضوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا واطمأنوا بهَا وَالَّذين هم عَن آيَاتنَا غافلون أُولَئِكَ مأواهم النَّار بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
فَمن أحب الدُّنْيَا هَكَذَا فحبه رَأس كل خَطِيئَة كَمَا قَالَه ﷺ لِأَنَّهُ انهمك فِي الْمعاصِي والآثام وتابع الْهوى والإجرام وَلم يبال بِمَا جمع من الْحَرَام
إِن تهدد بِالْعَذَابِ لم يرهب وَإِن رد إِلَى الْخَيْر لم يرغب حمله حب الدُّنْيَا على هَذَا فَهُوَ فِي سكرته يتمادى
وَأما الْعَالم بِاللَّه والمحمود عِنْد الله فَإِنَّهُ لم يحب الدُّنْيَا ليلهو بهَا ويفاخر وَلَا لِيُقَاتل أَهلهَا ويكابر وَإِنَّمَا أحبها لِأَنَّهَا مُعينَة لَهُ على الْآخِرَة موصلة لَهُ إِلَى الْفَضَائِل الظَّاهِرَة من الْفَرَاغ للْعلم والإستفادة والإستعانة على التَّعْلِيم والإفادة وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ يحْتَاج طَالب
стр. 83
الْعلم إِلَى سَعَة ذِي الْيَد والذكاء
وَحكى الْغَزالِيّ ﵀ فِي الْإِحْيَاء عَن ابْن الْمُبَارك ﵀ أَنه كَانَ يخصص بمعروفه أهل الْعلم فَقيل لَهُ لَو عممت فَقَالَ إِنِّي لَا أعرف بعد مقَام النُّبُوَّة أفضل من مقَام الْعلمَاء فَإِذا اشْتغل قلب أحدهم بحاجته لم يقبل على التَّعَلُّم فتفريغهم للْعلم أفضل
وَذكر فِي كتاب الشُّكْر وتقسيم النعم فَقَالَ الْفَقِيه فِي طلب الْعلم والكمال إِذا لم يكن مَعَه كِفَايَة كساع إِلَى الهيجا بِغَيْر سلَاح وكباز يروم الصَّيْد بِغَيْر جنَاح ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك كَيفَ وَمن عدم المَال صَار مُسْتَغْرق الْأَوْقَات فِي طلب الْقُوت وَفِي تهيئة اللبَاس والمسكن وضرورات الْمَعيشَة
ثمَّ يتَعَرَّض لأنواع من الْأَذَى تشغله عَن الذّكر والفكر وَلَا تنْدَفع إِلَّا بسلاح المَال
وروى الْخَطِيب الْحَافِظ الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه بِإِسْنَادِهِ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ كتب إِلَى وَالِي حمص مر لأهل الصّلاح من بَيت المَال مَا يغنيهم لِئَلَّا يشغلهم شَيْء عَن تِلَاوَة الْقُرْآن وَمَا حملُوا من الْأَحَادِيث
وَأنْشد الشاطبي رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 84
(وَلَا بُد من مَال بِهِ الْعلم يعتلي ... وجاه من الدُّنْيَا يكف بالمظالما)
(وَلَوْلَا مصابيح السلاطين لم تَجِد ... على سبلات الظُّلم بِالْحَقِّ قَائِما)
فحب المَال لهَذَا الْوَجْه حب لله تَعَالَى يُؤجر عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فقد ذكر الإِمَام الْغَزالِيّ ﵀ أَيْضا فِي كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين الَّذِي صنفه للعابدين والزاهدين أَن من أحب تِلْمِيذه لِأَنَّهُ ينَال بِهِ رُتْبَة التَّعْلِيم فَهُوَ محب لله
قَالَ وَكَذَا إِذا أحب من يَخْدمه فِي غسل ثِيَابه وكنس بَيته وطبخ طَعَامه ويفرغه بذلك للْعلم أَو الْعَمَل فَهُوَ محب لله
وَكَذَا من أحب وَلَده لرجوى صَلَاحه وانتفاعه بِهِ أَو أحب زَوجته لتعفه وتعينه على مَا هُوَ بصدده من دين أَو دنيا فَهُوَ محب لله. . هَذَا معنى كَلَامه ﵀
قيل لمعاوية بن قُرَّة ﵀ كَيفَ ابْنك قَالَ نعم الابْن كفاني أَمر دنياي ففرغني لآخرتي
رَوَاهُ عَنهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي حليته
وَكَذَا كل من أحب ضيعته أَو شَيْئا من الدُّنْيَا ليستعين بِهِ على الطَّاعَة وَالْعلم ويتفرغ
стр. 85
بذلك قلبه لما يَقْصِدهُ من الْخَيْر فَإِن حبه لذَلِك يكون لله ولوجه الله وَلَيْسَ من الْحبّ المذموم وَالْحَمْد لله
وَقد سُئِلَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ حبها أَن تكون فِي قَلْبك تؤثرها على كل شَيْء
هَذَا كَلَامه ﵀
وَقد بعث رَسُول الله ﷺ إِلَى أَصْنَاف الْخلق وَمِنْهُم التُّجَّار وَأهل الصناعات والمحترفون وأرباب الضيعات وَمِنْهُم كسْرَى وَقَيْصَر وملوك مدحج وأقيال حمير فَلم يَأْمر ﷺ التَّاجِر بترك تِجَارَته وَلَا المحترف بترك حرفته وَلَا أَمر التارك لذَلِك بالإشتغال بِهِ وَلَا أَمر الْغَنِيّ بترك غناهُ وَلَا بإهمال ضيعته وَمَا حواه وَلَا أَمر الْملك مِنْهُم بترك مَا جمعت يَدَاهُ بل دَعَا الْكل إِلَى الله وأرشدهم إِلَى معرفَة الله وأعلمهم أَن نجاتهم بِطَاعَة الله وحضهم على تقوى الله وَأمرهمْ بِالزَّكَاةِ تَطْهِيرا لِلْمَالِ وَنهى عَن قيل وَقَالَ وإضاعة المَال وَكَثْرَة السُّؤَال
وَقد كَانَ فِي صحابته وَآله ﵃ بل الْعشْرَة البررة من جمع القناطير المقنطرة كعثمان بن
стр. 86
عَفَّان وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن ﵃ فَلم يُنكر النَّبِي ﷺ أفعالهم وَلَا أَمرهم أَن يضيعوا أَمْوَالهم بل قَالَ ﷺ (لَيست الزهادة فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيم الْحَلَال وَلَا بإضاعة المَال وَلَكِن الزهادة فِي الدُّنْيَا أَن تكون بِمَا فِي يَد الله أوثق مِنْك بِمَا فِي يدك
وَأَن تكون بِثَوَاب الْمُصِيبَة إِذا أَنْت أصبت بهَا أَرغب مِنْك فِيهَا لَو لم تصبك)
رَوَاهُ الْحَافِظ التِّرْمِذِيّ ﵀ فِي جَامعه
وَقيل لِرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن ﵁ وَكَانَ من الْأَوْلِيَاء مَا رَأس الزهادة قَالَ جمع الْأَشْيَاء من حلهَا ووضعها فِي حَقّهَا
حَكَاهُ عَنهُ أَبُو نعيم فِي حليته
وَقَالَ رجل لأبي حَازِم ﵀ وَكَانَ من الْأَوْلِيَاء أَشْكُو إِلَيْك حب الدُّنْيَا وَلَيْسَت لي بدار فَقَالَ لَهُ انْظُر مَا آتاك الله فَلَا تَأْخُذهُ إِلَّا بحله وَلَا تضعه إِلَّا فِي حَقه وَلَا يَضرك حب الدُّنْيَا وَنَحْوه
أسْند أَبُو نعيم فِي حليته عَن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم قَالَ قلت لأبي حَازِم إِنِّي لأجد شَيْئا يحزنني
قَالَ وَمَا هُوَ قلت حبي للدنيا قَالَ لي اعْلَم أَن هَذَا لشَيْء مَا أعاتب نَفسِي على شَيْء
стр. 87
حببه الله إِلَيّ لِأَن الله تَعَالَى حبب هَذِه الدُّنْيَا إِلَيْنَا وَلَكِن لتكن معاتبتنا أَنْفُسنَا فِي غير هَذَا أَن لَا يَدْعُونَا حبها إِلَى أَن نَأْخُذ شَيْئا يكرههُ الله
وَلَا نمْنَع شَيْئا من شَيْء أحبه الله فَإِذا فعلنَا ذَلِك لم يضرنا حبنا إِيَّاهَا
هَذَا وَقد أحب ﷺ أَشْيَاء من الدُّنْيَا فَقَالَ (حبب إِلَيّ من دنياكم ثَلَاث النِّسَاء وَالطّيب وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة)
وَكَانَ ﷺ يحب الْحَلْوَى وَالْعَسَل وَقَالَ ﵇ (لما خرج من مَكَّة شرفها الله مَا أطيبك من بَلْدَة وَأَحَبَّك إِلَيّ وَلَوْلَا أَن قومِي أَخْرجُونِي مِنْك مَا سكنت غَيْرك) وَقَالَ (اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة كحبنا مَكَّة أَو أَكثر)
وَذكر ﷺ أَنه يحب عَائِشَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃
وكل هَذَا من الدُّنْيَا
ودعا ﷺ لِخَادِمِهِ أنس ﵁ أَن يكثر الله مَاله وَولده فاستجيب لَهُ فِي ذَلِك
وَذَلِكَ كُله دنيا وَلَو كَانَ حب الدُّنْيَا على الْإِطْلَاق خَطِيئَة لما سَأَلَهُ لأنس وَلَا دَعَا بِهِ وَلَا أحبه لَهُ وَهُوَ من خير أَصْحَابه
стр. 88
وَقَالَ ﷺ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من صَالح مَا تؤتي النَّاس من المَال وَالْولد غير الضال والمضل)
فَطلب ﷺ ربه المَال وَالْولد وهما دنيا وَاحْترز بقوله (الضال والمضل) عَمَّا لَا بركَة فِيهِ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يصد عَن الله وَيَدْعُو إِلَى مَعْصِيّة الله
فَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصّفة فَهُوَ المذموم
وَقَالَ ﷺ (إِن الله يُعْطي الدُّنْيَا من يحب وَمن لَا يحب وَلَا يُعْطي الْآخِرَة إِلَّا من أحب)
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ رحمهمَا الله وَرَوَاهُ مَالك ﵀ فِي الْمُوَطَّأ وَرَوَاهُ الواحدي فِي وسيطه وَزَاد فَمن أعطَاهُ الدّين فقد أحبه يَعْنِي سَوَاء كَانَ غَنِيا أَو فَقِيرا خاملا كَانَ أَو مَشْهُورا وَقد أحب الله تَعَالَى قوما فَجمع لَهُم بَين النُّبُوَّة وَالْملك الْعَظِيم كيوسف وَدَاوُد وَسليمَان ﵈
فَمَا يضر الْغنى مَعَ حسن الْإِيمَان وَلَا ينفع الْفقر مَعَ مَعْصِيّة الرَّحْمَن وَمن أطَاع وَاتَّقَى لم يشنه فقر وَلَا غنى
قَالَ ﷺ (لَيْسَ خَيركُمْ من ترك الدُّنْيَا للآخرة وَلَا الْآخِرَة للدنيا وَلَكِن خَيركُمْ من أَخذ من هَذِه وَهَذِه)
ذكر الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه
وَكَانَ رَسُول الله
стр. 89
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدْعُو وَيَقُول (اللَّهُمَّ أصلح لنا ديننَا الَّذِي هُوَ عصمَة أمرنَا وَأصْلح لنا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا معاشنا وَأصْلح لنا آخرتنا الَّتِي إِلَيْهَا معادنا)
رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه فَطلب ﷺ صَلَاح الدُّنْيَا وَصَلَاح الدُّنْيَا دنيا لَكِن صَلَاحهَا يعين على التَّقْوَى وَالتَّقوى هِيَ النافعة فِي العقبى الدافعة لكل بلوى وَفِي حَدِيث آخر (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْهدى والتقى والعفاف والغنى)
وَكَانَ ﷺ كثيرا مَا يتَعَوَّذ من الْفقر والقلة والذلة
وَفِي الحَدِيث الْمَشْهُور فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ نهى من أَرَادَ أَن يُوصي بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله وَقَالَ لَهُ (إِنَّك إِن تذر وَرثتك أغيناء خير لَك من أَن تذرهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس)
وَفِي حلية الْأَوْلِيَاء لأبي نعيم عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ﵀ أَنه كَانَ يَقُول العون على تقوى الله الْغنى
وَفِي كتاب الْإِحْيَاء للْإِمَام الْغَزالِيّ رضوَان الله عَلَيْهِ أَنه ﷺ قَالَ (نعم العون على تقوى الله المَال)
فَمن أحب الدُّنْيَا للدنيا تنعما وتفكها وتكاثرا فَهُوَ المذموم وَهُوَ المَال المضل المشؤوم وَمن أحبها ليستعين بهَا على الطَّاعَة ويتفرغ بهَا للْعلم وَالْعِبَادَة أَو ليكف بهَا
стр. 90
نَفسه عَن سُؤال النَّاس فَهُوَ الْمَحْمُود والمشكور وَهُوَ على ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى مأجور
وَقد فرق رَسُول الله ﷺ بَين الْأَمريْنِ فَقَالَ ﵇ (من طلب الدُّنْيَا حَلَالا استعفافا عَن الْمَسْأَلَة وسعيا على عِيَاله وتعطفا على جَاره جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر وَمن طلب الدُّنْيَا حَلَالا مكاثرا مرائيا لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان)
رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْحفاظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَأَبُو نعيم فِي حليته وَأَبُو اللَّيْث فِي تنبيهه وَغَيرهم ﵃
فذم ﷺ من طلب الدُّنْيَا للمفاخرة والمكاثرة وَإِن كَانَت حَلَالا فَمَا الظَّن بِمن أَخذ الْحَرَام وعده مَالا وظلم الأرامل وهضم الْأَيْتَام وَغير السّنَن وَعكس الْأَحْكَام وَنصب نَفسه لعداوة أهل الْإِسْلَام
فَلَا يجْرِي بِبَالِهِ سوى الدُّنْيَا وَمَا ناله فِيهَا وَلَا يحب وَلَا يبغض إِلَّا لسَبَب يحصل لَهُ من بنيها فَمن رشاه أَو أرضاه بعطاء عده محبا وَإِن كَانَ سَفِيها وَمن عمل بِالْحَقِّ وَلم يداره أبغضه وَإِن كَانَ نبيها وسبه وجهله وَإِن كَانَ رشيدا فَقِيها
(فَأَي خِصَال الْمَرْء ترضي وتحمد ... إِذا كَانَ فِي بَحر الْمَظَالِم يجْهد)
стр. 91
ينظر القذى فِي عين أَخِيه وَلَا بصر الْجذع فِي عينه يشْتَغل فِي غيب سواهُ وَلَا ينظر فِي عَيبه ينْقد على أهل الدّين وَالْعلم وينكر على أهل الْفضل والحلم
يمن على غَيره بالسلامة من شَره وَإِن لم يظلم شخصا عد ذَلِك عَلَيْهِ من بره وهيهات لَيْسَ ترك الظُّلم إحسانا
وَلَا الْكَفّ عَن الْقَبِيح يعد امتنانا وَإِنَّمَا الْإِحْسَان هُوَ الْبر والإنصاف وَالْإِكْرَام والإتحاف والتواضع والإلطاف وَالْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة رَجَاء الْأجر والفوز بِالْجنَّةِ ﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾
стр. 92
فصل
وَمن كسب المَال الْحَلَال ليكفل بِهِ الْأَهْل والعيال وتعفف بِهِ عَن السُّؤَال فقد أحسن بِهَذَا الفعال ونال الْأجر بِهَذِهِ الْخِصَال لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ (لِأَن يَأْخُذ أحدكُم حبله فَيَأْتِي بحزمة حطب على ظَهره فيبيعها فيكف بهَا وَجهه خير لَهُ من يسْأَل النَّاس أَعْطوهُ أَو منعُوهُ)
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا
وَقَالَ ﷺ (طلب الْحَلَال فَرِيضَة على كل مُسلم)
وَقَالَ (نعم المَال الصَّالح للرجل الصَّالح)
وَذكره صَاحب الشهَاب
وَقَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي ﵀ فِي كتاب أدب التَّعْلِيم وَكَانُوا فِي الزَّمن الأول يتعلمون الحرفة ثمَّ يتعلمون الْعلم حَتَّى لَا يطمعوا فِي أَمْوَال النَّاس
فَإِن الطمع فقر حَاضر
стр. 93
وَقَالَ ﷺ (أفضل الْأَعْمَال على وَجه الأَرْض طلب الْعلم وَالْجهَاد وَالْكَسْب)
ذكره أَبُو اللَّيْث فِي تنبيهه
قَالَ وَقَالَ بعض أهل الْعلم لَا يقوم الدّين وَالدُّنْيَا إِلَّا بأَرْبعَة الْعلمَاء والأمراء والغزاة وَأهل الْكسْب
انْتهى كَلَامه
وَفِي بعض الْأَحَادِيث الغريبة أَنه ﷺ قَالَ (الْفقر لِأَصْحَابِي سَعَادَة والغنى لِلْمُؤمنِ فِي آخر الزَّمَان سَعَادَة) قيل يَا رَسُول الله كَيفَ يكون ذَلِك قَالَ (لِأَنَّهُ يصير المَال إِلَى بخلائهم ويسودهم أشرارهم وَمن سَعَادَة الْمَرْء أَن لَا يحْتَاج فِي ذَلِك الزَّمَان فَإِن اسْتَطَعْتُم أَن تَكُونُوا أغنياءهم فافعلوا)
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء حفظك مَا فِي يدك أولى لَك من طلب مَا فِي يَد غَيْرك
وَقَالَ الْغَزالِيّ ﵀ فِي كتاب النِّكَاح من كتاب الْإِحْيَاء
النّظر للعواقب وَحفظ المَال وادخاره مَعَ كَونه مناقضا للتوكل لَا نقُول أَنه مَنْهِيّ عَنهُ
وَقَالَ إِمَام الْحفاظ وَرَأس الوعاظ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فِي وَصيته لِابْنِهِ ودبر أَمرك فِي إنفاقك من غير تبذير لِئَلَّا تحْتَاج إِلَى النَّاس فَإِن حفظ المَال من الدّين وَلِأَن تخلفه لورثتك خير من أَن تحْتَاج إِلَى النَّاس
стр. 94
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا ﵀ فِي كتاب الطِّبّ الروحاني وَلَا يُنكر على من جمع مَا لَا غنى للنَّفس عَنهُ فاستغنى بِهِ عَن النَّاس وأغنى أَوْلَاده وبذل بعضه للمحتاجين إِلَّا أَنه لَا يَنْبَغِي بعد حُصُول الْمِقْدَار الْمُتَوَسّط أَن يضيع الزَّمن الشريف ويخاطر بِالروحِ فِي الْأَسْفَار
قَالَ وَاعْلَم أَن مُجَرّد إمْسَاك المَال لَا يُسمى بخلا لِأَن الْإِنْسَان قد يمسك لِحَاجَتِهِ ولحوادث دهره وَلأَجل عائلته ولقرابته قَالَ وَهَذَا كُله من بَاب الحزم فَلَا يذم
وَإِنَّمَا يَقع الْبُخْل على مَانع الْحق الْوَاجِب والتبذير فِيمَا يَأْمر بِهِ الْهوى وَينْهى عَنهُ الْعقل قَالَ وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان قد يعْطى رزق شهر فِي يَوْم وَاحِد فَإِذا بذر فِيهِ بَقِي شهره يعاني الْبلَاء وَإِذا دبر فِيهِ عَاشَ شهره طيب الْعَيْش
قَالَ وَيَنْبَغِي للعاقل أَن يكْتَسب أَكثر مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ ويقتني مِمَّا يعلم أَنه لَو حدث بِهِ حَادث كَانَ فِي المقتنى عوض عَمَّا ذهب
وَلَو جَاءَهُ أَوْلَاد أَو احْتَاجَ إِلَى فضل زَوْجَة أَو خَادِم أَو احْتَاجَ وَلَده إِلَى مثل ذَلِك كَانَ فِي كَسبه مَا يَكْفِيهِ
وَفِي الْجُمْلَة يَنْبَغِي أَن تكون النَّفَقَة أقل من الْكسْب
стр. 95
ليقتني من الْفضل مَا يكون معدا للحادثة إِذْ لَا تؤمن
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من فقه الرجل رفقه فِي معيشته)
انْتهى كَلَامه ﵀
وروى هَذَا الحَدِيث الْأَخير أَبُو إِسْحَاق الثعالبي فِي تَفْسِيره
وَقَالَ ﷺ (ثَلَاث من كن فِيهِ فقد تمت مروءته من تفقه فِي دينه واقتصد فِي معيشته وصبر على النوائب)
ذكره مَنْصُور الثعالبي فِي كتاب إنجاز الْمَعْرُوف وَأنْشد بَعضهم
(لمَال الْمَرْء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع)
(يسد بِهِ نَوَائِب تعتريه ... من الْأَيَّام كالنهل الشُّرُوع)
النهل جمع ناهل وَهُوَ العطشان
والقنوع هُوَ السُّؤَال ويروى أَن زيد بن سَلمَة كَانَ يغْرس فِي أرضه فَقَالَ لَهُ
عمر ﵁ أصبت استغن عَن النَّاس يكن أصون لدينك وَأكْرم لَك عَلَيْهِم
كَيفَ قَالَ صَاحبكُم أحيحه
стр. 96
(فَلَنْ أَزَال على الزَّوْرَاء أعمرها ... إِن الْكَرِيم على الإخوان ذُو المَال)
ويروى عَن الشَّافِعِي ﵁ أَنه أنْشد
(رب إِن لم تبْق لي جدتي ... كف عني فضلَة الْعُمر)
(لست أرْضى الْعَيْش فِي زمن ... أَنا مُحْتَاج إِلَى الْبشر)
وَرُوِيَ أَن إِبْرَاهِيم بن أدهم ﵀ كَانَ مَعَ قوم فِي السَّفِينَة فهاجت ريح عَاصِفَة
فَقَالُوا أما ترى هَذِه الشدَّة فَقَالَ لَيْسَ هَذِه شدَّة إِنَّمَا الشدَّة الْحَاجة إِلَى النَّاس
حَكَاهُ الْغَزالِيّ عَنهُ فِي الْإِحْيَاء
وَقد نهى النَّبِي ﷺ عَن سُؤال النَّاس فِي غير حَدِيث مِنْهَا قَوْله ﷺ (من فتح على نَفسه بَاب مَسْأَلَة فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر)
وَفِي رِوَايَة (سبعين بَابا من الْفقر) ذكره فِي الْإِحْيَاء
وَلما حضرت قيس بن عَاصِم الْوَفَاة دَعَا بنيه وَقَالَ لَهُم احْفَظُوا عني فَلَا أحد أنصح لكم مني إِذا مت فسودوا كباركم أَي اجعلوهم سادتكم وَلَا تسودوا صغاركم فيسفه
стр. 97
النَّاس كباركم وتهونوا عَلَيْهِم
وَعَلَيْكُم بإصلاح المَال فَإِنَّهُ منبهة للكريم ويستغنى بِهِ عَن اللَّئِيم
وَإِيَّاكُم وَمَسْأَلَة النَّاس فَإِنَّهَا من أخس كسب الرجل
انْتهى كَلَامه
هَذَا وَفِي السُّؤَال إذلال الْمَرْء نَفسه وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ أَن يذل نَفسه
كَانَ بعض الْعلمَاء إِذا أعطي الصَّدَقَة ظَاهرا لم يقبلهَا وَإِذا أعطيها سرا قبلهَا وَيَقُول إِن فِي إِظْهَار الْأَخْذ وَالعطَاء وإذلالا للْعلم وإذلال أَهله فَمَا كنت بِالَّذِي أرفع شَيْئا من الدُّنْيَا بِوَضْع الْعلم وإذلال أَهله ... . حَكَاهُ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء
فَإِذا كَانَ هَذَا وَقد أعطيها بِلَا طلب فَكيف يكون حَال من تسبب لطلبها هَل هُوَ إِلَّا هاتك ستر مروءته كاشف بِيَدِهِ عَن عَوْرَته فأعظم بذلك وكراهته
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا أكل أحد طَعَاما قطّ خير لَهُ من أَن يَأْكُل من عمل يَده)
وَفِي رِوَايَة (أحل مَا أكل الرجل من كَسبه)
وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الْكسْب بِنَحْوِ الاحتطاب وَالتِّجَارَة والاستئجار وَالْإِجَارَة والصنعة الْمُبَاحَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَبْتَغُوا فضلا من ربكُم﴾
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَرَادَ
стр. 98
التِّجَارَة فِي مواسم الْحَج
فَرفع الله سُبْحَانَهُ الْحَرج عَمَّن طلب الدُّنْيَا بِالتِّجَارَة فِي تِلْكَ الْأَوْقَات الشريفات وأباحها لَهُم عِنْد الْإِفَاضَة من عَرَفَات وَفِي الْأَيَّام المعدودات والمعلومات رَحْمَة من رب الأَرْض وَالسَّمَوَات فَمَا ظَنك فِي غَيرهَا من الْأَوْقَات
وَذكر الْحَافِظ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الفشلي ﵀ فِي الْجُزْء الَّذِي صنفه فِي ذكر الْمَرَاتِب الَّتِي من الله بهَا على هَذِه الْأمة فَقَالَ قَالَ بعض الْعلمَاء من كثرت ذنُوبه فَعَلَيهِ بكسب الضّيَاع
قَالَ ولعمري لقد قَالَ الْحق فَإِن الضَّيْعَة إِذا كسبت ... فقد قَالَ فِيهَا رَسُول الله ﷺ (من أكل من غرس الْمُسلم أَو زرعه فَذَلِك لَهُ صَدَقَة)
انْتهى كَلَام الفشلي ﵀
وَأَرَادَ أَن الضَّيْعَة إِذا كسبت حَلَالا لَا شُبْهَة فِيهَا وَلَا فِي ثمنهَا فَإِن لمَالِكهَا ثَوابًا مستمرا على مر الزَّمَان مَا دَامَت الأَرْض تزرع وَالْغِرَاس تثمر
والضياع بِكَسْر الضَّاد جمع ضَيْعَة بِفَتْحِهَا وَهِي هُنَا الأَرْض وَالْعَقار
وَهَذَا الحَدِيث الَّذِي أوردهُ الفشلي ﵀ قد رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بأتم من هَذَا وَهُوَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (مَا من مُسلم
стр. 99
يغْرس غرسا أَو يزرع زرعا فيأكل مِنْهُ إِنْسَان أَو طير أَو بَهِيمَة إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَة)
وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا (وَمَا سرق مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَة)
وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَهَذَا فِي من لم يجمعه سمعة وَلَا رِيَاء وَلَا كَسبه بشره وَلَا ضَرَر وَلَا أَذَى نسْأَل الله أَن يحفظ علينا ديننَا وَيصْلح ظننا ويقيننا حَتَّى يتوفانا مُسلمين ويلحقنا بالصالحين بمنه وَكَرمه آمين
وينشد فِي الماقتين والحاسدين حَتَّى يصيروا فِي حسرة كامدين
(كسبنا المَال من أصل حَلَال ... بِمن الله ذِي النعم الطوَال)
(كسبناه لنكفل من لدينا ... من الأهلين أَو ضعف الْعِيَال)
(ونفرغ للعلوم ونجتليها ... ونخلص من مشقات السُّؤَال)
(وَلم نكسبه من ثمن حرَام ... وَلَا شبه وَلَا منن ثقال)
(وَلم نرب وَلم نرش لحكم ... بِحَمْد الله رَبِّي ذِي الْجلَال)
стр. 100
(كسبناه على وَجه صَحِيح ... بِلَا خدع وَلَا طول المطال)
(وَلم نقصد مفاخرة بِهَذَا ... وَلم نطلب بِهِ غلب الرِّجَال)
(وكل المَال أَيْضا فَهُوَ ربح ... وَلم نحزن على ربح بِحَال)
(وَرَأس المَال ديني ثمَّ علمي ... وفهمي للمعاني والمعالي)
(ومعرفتي بفن الْفِقْه عمري ... وشغلي الدَّهْر فِي جمع اللآلي)
(فَذا مَالِي وَذَا كنزي وذخري ... وَذَا عزي ومعتمدي وحالي)
(وَإِن المَال يقنى ثمَّ يفنى ... وَعز الْعلم بَاقٍ غير بَال)
(لذاذته ألذ من الحلاوى ... وَمن عسل وَمن مَاء زلال)
(وَإِن الْعلم أنسي وَقت كربي ... وَذَلِكَ زيتني وَبِه جمالي)
стр. 101
(فَمن ذَا يَسْتَطِيع زَوَال هَذَا ... وَهل يخْشَى على ذَا من زَوَال)
(وَذَا فِي الصَّدْر مخبو معد ... لما يحْتَاج من كل الْخِصَال)
(فأرجو نَفعه مَا دمت حَيا ... بهذي الأَرْض أَو أَرض الشمَال)
(فأرجو نَفعه يَوْم التلاقي ... بِيَوْم لَيْسَ فِيهِ من ضلال)
(بِيَوْم فِيهِ أهل الظُّلم صرعى ... لما يلقون من سوء النكال)
(جزى الرَّحْمَن عَنَّا والدينا ... وأشياخا لنا خير النوال)
(كَمَا أهدوا إِلَيْنَا كل علم ... وَأَحْكَام وأداب عَوَالٍ)
(إِذا أبقى الْإِلَه الدّين فِينَا ... فَإنَّا بالمصائب لَا نبالي)
(وَإِن نقصد بمكروه صَبرنَا ... وَمن يصبر ينل خير الْمَآل)
стр. 102
(وَلَا نخشى سوى رب البرايا ... مزيل الْهم غَالب كل وَال)
فَإِن قيل مَا من غَنِي إِلَّا وَيَدعِي أَن مَا فِي يَده أقل من كِفَايَته فكم قدر الْكِفَايَة الَّتِي لَا يكون صَاحبهَا من أهل الدُّنْيَا
فَالْجَوَاب مَا ذكره الإِمَام الْغَزالِيّ ﵀ وَذَلِكَ أَنه قَالَ إِن الضَّرُورَة إِنَّمَا تَدْعُو إِلَى الْمطعم والملبس فَإِن تركت التجمل فِي اللبَاس فيكفيك فِي السّنة مثقالان لشتائك وصيفك وَإِن تركت التنعم فِي طَعَامك فيكفيك فِي كل يَوْم مد وَهُوَ الَّذِي يجب فِي الْكَفَّارَات فَيكون فِي السّنة خَمْسمِائَة رَطْل وَيَكْفِيك لإدامك إِن اقتصرت على الْقَلِيل مِنْهُ ثَلَاثَة مَثَاقِيل على التَّقْرِيب فِي السّنة عِنْد رخص الأسعار وَإِذا مبلغ كِفَايَته خَمْسَة مَثَاقِيل وَخَمْسمِائة رَطْل وَهُوَ الْقدر الَّذِي يفْرض فِي نَفَقَة الزَّوْجَة وَنَحْوهَا على الْمُعسر فَإِن كنت معيلا فَخذ لكل وَاحِد مِنْهُم مثل ذَلِك وَإِن كنت مَشْغُولًا بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة واقتنيت ضَيْعَة يدْخل مِنْهَا هَذَا الْقدر دَائِما. . فأرجو أَن لَا تصير بذلك من أَبنَاء الدُّنْيَا لَا سِيمَا فِي هَذِه الْأَعْصَار وَقد تَغَيَّرت الْقُلُوب وَاسْتولى عَلَيْهَا الشُّح
стр. 103
وانصرفت الهمم عَن تفقد ذَوي الْحَاجَات
فاقتناء هَذَا أولى من السُّؤَال فَإِذا قصدت الزِّرَاعَة للاستعانة على الدّين فَأَنت متزود مُسَافر لَا معرج على الضَّيْعَة
قَالَ وَرُبمَا لَا يحْتَمل بعض الْأَشْخَاص القناعة بِالْقدرِ الَّذِي ذكرنَا إِلَّا بِشدَّة ومشقة
فَلَا حرج فِي الدّين فِي ازدياد الضَّعِيف على الْقدر الَّذِي لَا يصير بِهِ من أَبنَاء الدُّنْيَا
وَهَذَا مُخْتَصر مَا ذكره الْغَزالِيّ ﵀ فِي كتاب الْأَرْبَعين فِي أصُول الدّين لَهُ
فَعرف بِهَذَا أَن الْغَالِب على أَكثر أهل قطرنا فِيمَا مَعَهم أَنه دون كفايتهم غَالِبا
وَالله المرشد إِلَى طلب رِضَاهُ برحمته وَكَرمه
وَقَالَ ﷺ (خير أمتِي الَّذين لم يُعْطوا حَتَّى يبطروا وَلم يقتر عَلَيْهِم حَتَّى يسْأَلُوا)
ذكره الْمَاوَرْدِيّ ﵀ فِي كِتَابه
стр. 104
فصل
قد صَار هَذَا النَّاقِد الْمَذْكُور وَالْجَاهِل الْمَغْرُور فِي أَوديَة ضلال يَدُور وَفِي بحار هَلَاك تمور قد غلب عَلَيْهِ الْحَسَد فأورثه الْهم والكمد وَالله سُبْحَانَهُ قد أبْغض الحسدة وَأعد لَهُم ناره الموقدة وَلَا يضر الْحَاسِد إِلَّا نَفسه وَلَا يكْسب إِلَّا نحسه
وَقد حسد الْأَنْبِيَاء فَمَا ضرهم بل ضاعف الله تَعَالَى أجرهم وَأبْدى عزهم ونصرهم وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم حسدوا بل كذبُوا وأوذوا وجحدوا فَأمروا بِالصبرِ حَتَّى أَتَاهُم النَّصْر قَالَ الله ﴿وَلَقَد كذبت رسل من قبلك فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا حَتَّى أَتَاهُم نصرنَا وَلَا مبدل لكلمات الله وَلَقَد جَاءَك من نبإ الْمُرْسلين﴾ وَقَالَ
стр. 105
تَعَالَى ﴿أم يحسدون النَّاس على مَا آتَاهُم الله من فَضله فقد آتَيْنَا آل إِبْرَاهِيم الْكتاب وَالْحكمَة وآتيناهم ملكا عَظِيما﴾
فَلَو كَانَ الْملك الْعَظِيم خَطِيئَة لما من الله بِهِ وَلَا أنزل مدحه فِي كتبه وَلَا اسْتَجَابَ لِسُلَيْمَان صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم حِين طلب الْملك الْكَبِير وَلَا فتح لذِي القرنين ومكنه حَيْثُ يسير وَلَا حكى عَن يُوسُف الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم أَنه قَالَ ﴿اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض إِنِّي حفيظ عليم﴾
بل قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض يتبوأ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نصيب برحمتنا من نشَاء وَلَا نضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾
فَذكر سُبْحَانَهُ أَن الَّذِي حصل ليوسف من التَّمْكِين رَحْمَة من رب السَّمَوَات وَالْأَرضين
وَقَالَ بعض عُلَمَاء السّلف إِذا أَرَادَ الله بِالنَّاسِ خيرا جعل الْعلم فِي مُلُوكهمْ وَالْملك فِي عُلَمَائهمْ
ذكره أَبُو الْحسن المارودي فِي كِتَابه
وَقَالَ فِي دَاوُد صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم ﴿وآتاه الله الْملك وَالْحكمَة وَعلمه مِمَّا يَشَاء﴾
стр. 106
)
وَقَالَ تَعَالَى فِيهِ أَيْضا ﴿وشددنا ملكه وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة﴾
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ كَانَ دَاوُد ﵇ أَشد مُلُوك الأَرْض سُلْطَانا
وَكَانَ يحرس محرابه كل لَيْلَة سِتَّة وَثَلَاثُونَ ألف رجل مَعَ مَا سخر الله لَهُ من الْجبَال وَالطير وَالسِّبَاع وألان لَهُ الْحَدِيد
وَكَيف يُقَال المَال منقصة للدّين وَقد وعد الله بِهِ على طَاعَته عباده الْمُتَّقِينَ وَشَرطه شرطا لَازِما رغب بِهِ التائبين والمستغفرين فَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْمُبين على أَلْسِنَة الْمُرْسلين ﴿اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين﴾ ﴿وَيَا قوم اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم وَلَا تَتَوَلَّوْا مجرمين﴾ ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾
стр. 107
﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾
فَجعل الله سُبْحَانَهُ جَزَاء الإستغفار وَالتَّقوى الْإِمْدَاد بالأموال فِي الدُّنْيَا ثمَّ قَالَ وَهُوَ أصدق الْقَائِلين ﴿ولأجر الْآخِرَة خير للَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
وَقَالَ ﷺ (من لزم الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل ضيق مخرجا وَمن كل هم فرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب)
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَأَبُو نعيم فِي حليته وَغَيرهم
فَجعل اسْتِغْفَار الله شرطا لحُصُول رزق الله
وَقد أخبر سُبْحَانَهُ عَن اليتيمين الْمَذْكُورين فِي سُورَة الْكَهْف أَن أباهما كَانَ صَالحا
وَقد ورث لَهما كنزا فحفظه الله لَهما بصلاح أَبِيهِمَا حَتَّى يبلغَا أشدهما ويستخرجا كنزهما رَحْمَة من رَبك فَالْأَصْل هُوَ تقوى الله وَلَا يضر مَعهَا الْكثير وَلَا يشين صَاحبهَا حسد كَبِير وَلَا صَغِير فيا خَادِم سنة البشير النذير وَيَا حَامِل الشَّرْع الشريف
стр. 108
الخطير لقد سعدت فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ونلت الشّرف الْكَبِير وسيلحق حاسدك النَّدَم والتدمير وَلَا ينبيك مثل خَبِير فَنَادِ بصوتك الجهير وَلَا تبال بوزير وَلَا أَمِير
(وَقل للحاسدين أَلا أفيقوا ... وَإِن أعْطى الْإِلَه فَلَا تضيقوا)
(فَذَلِك زينكم بَين البرايا ... وَمن يحْسد سيلقاه الْمضيق)
(فَإِن الله عدل ذُو اقتدار ... ومكر الله لَيْسَ لَهُ مطيق)
(فموعدنا من الرَّحْمَن نصر ... وقاصد ضرنا عرق سحيق)
(خدمنا شَرعه نرجو رِضَاهُ ... وَأحمد ذخرنا نعم الشفيق)
(عواقب من أطَاع الله فوز ... وعقبى من بغى هول عميق)
(وعار ثمَّ خزي ثمَّ ذل ... وَفِي الْأُخْرَى لَهُ فِيهَا حريق)
(وخدام الرَّسُول لَهُم فتوح ... وَنصر الله ركنهم الوثيق)
стр. 109
(مخالفهم يذل وهم يعزوا ... وحاسدهم يهون وهم يفيقوا)
(وخدام الْمُلُوك لَهُم فنَاء ... وذم ثمَّ نَار ثمَّ ضيق)
(فيا من رام يهضم حزب رَبِّي ... تهَيَّأ للبلاء وَلَا تطِيق)
(فجرب سَوف تذكر لي كَلَامي ... وتذكر حِين تأخذك الْحُقُوق)
(فحاشا الله أَن يخشوا سواهُ ... وَمَا قدمت أَنْت لَهُ تذوق)
(إِذا أنس الفخور بِحسن زِيّ ... وَأبْدى سَيْفه وَله بريق)
(فَإنَّا آنسون بِمن خدمنا ... بِسنة أَحْمد نعم الطَّرِيق)
(خدمناها ونخدم من رَوَاهَا ... وخادمها لَهُ عز وثيق)
(إِذا افتخر الظلوم بعز حصن ... وجند كل فعلهم عقوق)
стр. 110
(فمفخرنا بأشياخ كرام ... من الْعلمَاء لَيْسَ بهم فسوق)
(ونفخر بِالنَّبِيِّ رَسُول رَبِّي ... وسنته الَّتِي سنّ الصدوق)
(رويناها عَن الأخيار قوم ... فريق الْحق يَا نعم الْفَرِيق)
(وَفِي صحب النَّبِي لنا افتخار ... هداة الْخلق إِن ظَهرت فتوق)
(ومفخرنا ابْن أَشْعَث وَالْبُخَارِيّ ... وَمُسلم وَابْن سُورَة يَا شَقِيق)
(وَمَالك وَابْن حَنْبَل المزكى ... ونعمان وسُفْيَان الرفيق)
(ونفخر فِي مَشَايِخنَا إِلَيْهِم ... فيالك سادة فيهم وثوق)
(ومفخرنا ابْن إِدْرِيس إِمَام ... قريشي لَهُ نسب عريق)
(وَفِي أَصْحَابه أنس وفخر ... وَإِن بجاههم ينجو الغريق)
следующие страницы →